**"ورقة من أوراق المرافعة"**،
الأستاذ محمود داوود يعقوب ***************///////////////*************** إِن كانَ لي ذَنبٌ فَلي حُرمَةٌ وَالحَقُّ لا يَدفَعُهُ الباطِلُ ................ وَحُرمَتي أَعظَمُ مِن زَلَّتي لَو نالَني مِن عَدلِكُم نائِلُ... الأستاذة هاجر الهيشري يعقوب ***************///////////////*************** وَلي حُقوقٌ غَيرُ مَجهولَةٍ يَعرِفُها العاقِلُ وَالجاهِلُ
2026/07/17
ورقة من أوراق المرافعة... الفقيه الدكتور عبد الرزاق أحمد السَّنْهوري
هل القضاء سلطة أم وظيفة أم هو مجرد "آلة"؟
محمود داوود يعقوب
محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.
هل القضاء سلطة أم وظيفة أم هو مجرد "آلة"؟
2024/01/07
الاختصاص الحكمي في دعوى رفع المضرة حسب فقه قضاء محكمة التعقيب
الاختصاص الحكمي في دعوى رفع المضرة
حسب فقه قضاء محكمة التعقيب
الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
إن دعوى رفع المضرة هي من الدعاوى
الشخصية كما ورد تعريفها بالفصل 20 م.م.م.ت الذي ينصّ على أنه "توصف بدعاوى
شخصية الدعاوى المبينة على التزام شخصي مصدره القانون أو العقد أو شبه العقد أو
الجنحة أو شبه الجنحة ". ذلك أنها
تستند إلى احكام الفصل 99 م.ا.ع المتعلق بمضار الجوار أو يقع تبرير دعوى
رفع المضرّة بالرجوع كذلك إلى المبادئ العامّة للمسؤولية التقصيرية المؤسسة على
الفصلين 82 و83 م.إ.ع[1]،
كلّما توفر في جانب المطلوب خطأ تقصيري يتمثل في إخلاله بالتزام قانوني كعدم
احترام المسافات القانونية المنصوص عليها بالفصل 174 م.ح.ع أو عدم احترام موجبات
الفصل 21 م.ح.ع من أنه : يراعي (المالك) في استعمال حقه ما تقتضيه النصوص
التشريعية المتعلقة بالمصلحة العامّة أو بالمصلحة الخاصة. فالفصول 82 و83 و99 وردت
ضمن الباب الثالث من مجلّة الالتزامات والعقود تحت عنوان: "في الالتزامات
الناشئة مع الجنح وما ينزل منزلتها" أي المسؤولية التقصيرية. من هذا المنطلق
اعتبرت محكمة التعقيب أنّ "... حجب النور والشمس هو من قبيل الضرر والأذى
الذي يدخل تحت طائلة أحكام الفصل 99 م ا ع..."[2]
فإذا كان الغير يمارس حقه الملكي دون اعتداء على حق جاره فإنّه ينبغي القيام من
أجل رفع مضرة[3].
فهذه الدعوى تهدف إلى حماية راحة وصحّة الأشخاص من الأضرار، أي أنّها تحمي
الأشخاص. إذ أنه يكفي أن يكون الضرر غير مألوف للقيام بدعوى رفع المضرّة لإزالة
الضرر الذي يقع دائما دون وجود نية ترمي إلى الاستيلاء على الحوز.
واعتمادا
على ما سبق فقد رأت محكمة التعقيب
أن " حجب النور والتهوية والرؤية أمور غير قابلة للتقدير وبذلك فهي من اختصاص
المحكمة الابتدائية"[4]
ورأت في قرار آخر أن الدعوى " في رفع مضرة......غير قابلة للتقدير ما دامت
المضرة تتمثل في الكشف على ملك الجار مما يجعل الدعوى راجعة بالنظر حكميا الى
المحكمة الابتدائية عملا بأحكام الفصلين 21 و22 م م م ت وقد ببرت فيه المحكمة
موقفها بأن المبلغ المقدر لرفع المضرة هنا له صبغة " تغريمية لإزالة أسباب
المضرة " وليست تعويضية " وهو " أثر من آثار الدعوى وليس بفرع منها
مستقل بذاته مما يجعله يتبع الدعوى الأصلية من حيث الاختصاص الحكمي."[5]
إن موقف فقه القضاء المذكور قد تأيد بقرارات الدوائر
المجتمعة لمحكمة التعقيب التي جاء في قرار أول لها أن " الدعوى المقامة على
أساس المسؤولية الناجمة من الاخلال بالتزامات الجوار التي مصدرها القانون من قبيل
الدعاوى الشخصية وطبيعة التعويض المطالب به بما ينطوي عليه من الزام بإتيان عمل
مادي يتمثل في إزالة سبب الكشف يصير موضوع الدعوى غير قابل للتقدير وبالتــــالي
راجعا بالنـــظر حكـــميا للمحكمة الابتــــدائية طـــبق أحـــكام الفـــصل 22 م م
م ت"[6]
وما يلفت الانتباه في هذا القرار هو ملحوظات السيد
المدعي العام[7]
الذي عاب على محكمة الاحالة استنادها على تقدير الاختبار للخسائر المتأتية من رفع
المضرة لتأكيد اختصاص حاكم الناحية في النظر في مثل هذه الدعاوي إذ اعتبر ذلك
مخالفا " لروح النص إذ لو وقع تطبيقه لاختصت محاكم النواحي في غلق مصانع
بمجرد إزالة خيط كهربائي لا يكلف شيئا عند قطعه"[8]
ورأى من ناحية أخرى أن المضرة المتعلقة بإحداث مطلات بأرض الغير والكشف عن عقار
الجار مضرة " معنوية " لتعلقها بالحق في نور الشمس والضوء والهواء وحقوق
كل من الجارين وان الدعوى التي تكون " غير قابلة للتقدير كالدعاوى بمزايا أو
منافع تحول طبيعتها دون تقدير قيمة نقدية لها كالطلبات المتعلقة بتنفيذ التزام
بامتناع عن عمل مثل سدم نافذة "[9]
والتي لها جانب " اعتباري " " غير محسوس شأنها في ذلك شأن الحق من
جهة كونه شعورا مستقرا في النفس لا يرقى الى مستوى التجسيم حتى يكون قابلا للتعبير
تقديرا كنحو الحقوق الشخصية والملكية وغيرهما"[10].
وقد ختم ملحوظاته بضرورة التمييز بين المضرة كأساس أصلي للدعوى وبين طلب رفعها من
جهة أخرى والذي يقبل التقدير ولكنه لا يعدو أن يكون فرعا من فروعها وأضاف أنه
طالما أن العبرة في تحديد مرجع النظر بأصل الطلب لا فيما اتصل به وتولد عنه من
فروع فإن قابلية الفرع المتعلق برفع المضرة للتقدير لا يمكن أن ينسحب على "
دعوى المضرة " التي لا يمكن الاستجابة لطلب رفعها إلا عقب التحقق من وجودها
وثبوتها بصورة يقينية. من ذلك فإنه يمكن أن نلاحظ أن اعتبار دعوى رفع المضرة دعوى
قابلة للتقدير يرجع أساسا إلى خلط بين الطلب الأصلي المتمثل في رفع المضرة وبين
كيفية رفعها والذي يعد من قبيل الآثار المترتبة عن الدعوى والتي لا يتحقق منه
القاضي إلا بعد أن يتعهد بالموضوع ( وهو أمر يخل بمبادئ الاجراءات والاختصاص
الحكمي ومن شأنه أن يساهم في بطء اجراءات التقاضي وتعقيدها).
وبذلك فإن الاختصاص بالنسبة لدعاوى رفع المضرة يرجع إلى
المحكمة الابتدائية وهو ما أكدته محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة في قرار آخر لها[11].
وعموما يمكن القول أن فقه قضاء محكمة التعقيب مستقر على هذا التوجه من ذلك مثلا:
-
إن الدعوى في رفع مضرة هي من اختصاص
المحكمة الابتدائية وحدها باعتبارها دعوى غير مقدرة عملا بالفصل 22 من م.م.م.ت و المطالبة
بإزالة ذلك الضرر و لو وقع تقديره من قبل خبير امام محكمة الناحية لا يستقيم
قانونا لكون هذا المطلب لا يندرج ضمن الدعاوى الحوزية على معنى الفصل 54 من
م.م.م.ت لان القائم بها لم يطلب استرجاع الحوز أو استبقائه.[12]
-
إن
طلب رفع المضرة الحاصلة لهما من جراء إقامتهما لباب الممر المدعي عليه من قبيل
الدعاوي غيرالمقدرة القيمة وأن النظر فيها يكون من طرف المحكمة الابتدائية وحدها
تطبيقا لأحكام الفصل 23 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية[13].
-
1) إذا كانت الدعوى تهدف
إلى طلب رفع مضرة فهي من قبيل الدعاوي غير المعينة القيمة والتي لا يمكن تعيينها
وتكون بذلك المحكمة المختصة بالنظر في المحكمة الابتدائية وحدها وفقا لأحكام الفصل
22 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية. 2) مرجع النظر الحكمي يهم النظام العام
ويجب على المحكمة التمسك به تلقائيا دون التوقف على إثارته من أحد الخصوم حسبما
يستفاد من أحكام الفصلين الثالث والسابع عشر من نفس المجلة[14].
[1] Slaheddine Mellouli : Les troubles anormaux du
voisinage entre la loi et la jurisprudence,
RTD 1984, p 192.
[2] قرار تعقيبي مدني عدد
61438.2011 مؤرخ في 17 ماي 2012 (غير منشور)
[3] قرار تعقيبي
مدني عدد 11177 مؤرّخ في 30 أفريل 1985 نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني 1986 جزء I ص147.
[4] قرار تعقيبي عدد 62673 مؤرخ في 19 جانفي 1998 نشرية
محكمة التعقيب - القسم المدني ج II 1998 ص 354.
[5] قرار تعقيبي عدد 99. 76802 مؤرخ في 29/5/2000
غير منشور.
[6] قرار تعقيبي مدني ( دوائر مجتمعة ) عدد 59177
مؤرخ في 21 أكتوبر 1999 : قرار الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 1998-1999 ص9.
[7] قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب
1998-1999 ص 18 وما بعدها.
[8] ملحوظات السيد المدعي العام ص 19 المرجع سابق
الذكر.
[9] ملحوظات السيد المدعي العام ص 24 المرجع سابق
الذكر.
[10] ملحوظات السيد المدعي العام ص 25 المرجع سابق
الذكر.
[11] انظر قرار تعقيبي عدد 59178 مؤرخ في 21 أكتوبر
1999 ( دوائر مجتمعة ) : قرارات الدوائر المجتمعة لمحـــكمة التعقيب 1998 – 1999 ص
29 وما بعدها.
[12] تعقيبي مدني عدد 56940 مؤرخ فى
05/03/1997. نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني عدد 1 ، 1997.
[13] تعقيبي مدني عدد 42495 مؤرخ فى
26/10/1996. نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني عدد 1 ، 1996.
[14] تعقيبي مدني عدد 40195 مؤرخ فى
18/04/1996. نشرية
محكمة التعقيب - القسم المدني عدد 1 ، 1996.
الحركة القضائية، إلى متى...؟!.
الحركة القضائية، إلى متى...؟!.
الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
إن حال القضاء اليوم غير معقول ولا هو مقبول، فإلى متى ستبقى السلطة
التنفيذية تسعى للهيمنة على القضاء واخضاعه بما يحد من استقلاليته وحياده ونزاهته.
وإلى متى ستبقى الحركة القضائية وسيلة لبسط تلك الهيمنة وهاجسا يقض مضاجع القضاة
وكافة الأسرة القضائية؟. إذ يشهد نشر الحركة القضائية السنوية اضطرابا تختلف حدته
بين سنة وأخرى. فقد جرت العادة أن تنشر الحركة قبل موفى شهر جويلية من كل سنة، وإن
حصل تأخير فهي لا تتجاوز شهر أوت مع استثناء وحيد سنة 2013 (نشرت يوم 13 سبتمبر) وكان
المبرر وقتها أنها أول حركة قضائية تجرى تحت اشراف الهيئة المؤقتة للإشراف على
القضاء العدلي وبعيدا عن تدخل السلطة التنفيذية.
ورغم تولي المجلس الأعلى للقضاء هذه المهمة ووضعه لمعايير في الغرض، بقيت
الحركة القضائية هاجسا يؤرق المتدخلين في قطاع العدالة وخاصة القضاة أنفسهم، لما
لتلك الحركة من تأثير مباشر على سير العمل في المحاكم والمسيرة المهنية للقضاة وحياتهم
اليومية.
فالحركة القضائية تشمل عادة أربعة محاور هي: تعيين القضاة الجدد
(الملحقين القضائيين)، والترقيات الآلية من رتبة إلى أخرى، وسد الشغورات في
المحاكم، وتلبية الطلبات الشخصية لتغيير مكان العمل أو التكليف بخطة معينة. مع ما
يتبع ذلك من تسميات وتغيير مقر العمل وما يترتب عنها من تغيير محل الإقامة، أو
الاضطرار للتنقل من وإلى مكان العمل لمسافات معتبرة ترتب عنها أحيانا حوادث قاتلة.
و أهمية وحساسية الحركة القضائية جعلتها شبحا يؤرق عموم القضاة حتى
أولئك الذين يعتقدون أنها لن تشملهم لكنهم يتفاجؤون بنقلة تحت عنوان "مصلحة
العمل"، التي يجيزها القانون بل إنها أصبحت قاعدة دستورية بموجب الفصل 121 من
دستور 2022.
ومع أنه من المفترض أن تكون الحركة القضائية من صلاحيات المجلس الأعلى
للقضاء وفق أجل مضبوط طبق ما كان ينص عليه الفصل 47 من القانون الأساسي عدد
46/2016 ونصه: "يعلن المجلس الأعلى للقضاء عن الحركة القضائية مرة واحدة في
السنة في أجل أقصاه موفي جويلية من كل سنة ويمكن للمجلس عند الاقتضاء إجراء حركة
استثنائية خلال السنة القضائية". لكن المجلس اعتبر ذلك الأجل استنهاضيا وغير
ملزم وبالتالي يمكن تجاوزه وهو ما كان يحدث فعليا وبصفة متكررة كل سنة. ورغم
فشل هذا النص في فرض تاريخ أقصى لنشر الحركة إلا أن إلغاؤه بموجب المـرســوم عدد 11 لسنة 2022 مؤرّخ في 12
فيفري 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء، زاد
الوضع تعقيدا. فقد منح المرسوم 11 في فصله 18 لكل مجلس من المجالس القضائية الثلاث
صلاحية اعداد الحركة القضائية دون تحديد أجل معين بل إنه نص على ضرورة إحالتها
لرئيس المجلس الأعلى للقضاء المؤقت المطالب بإحالة تلك الحركة إلى رئيس الجمهورية
في ظرف 10 أيام. وينص الفصل 19 من ذات المرسوم على أن رئيس الجمهورية يتولى إمضاء
تلك الحركة في أجل أقصاه 21 يوما ولكن مع منحه حق الاعتراض عليها وفي هذه الحالة
على المجلس المعني وجوبية الاستجابة لهذا الاعتراض في أجل 10 أيام من تاريخ بلوغه
له، وإذا تعلق الاعتراض بالخطط السامية ولم تتم الاستجابة للاعتراض صراحة أو ضمنا
فلرئيس الجمهورية الحق في التعيين في تلك الخطط السامية مباشرة من بين من تتوفر
فيهم الشروط المطلوبة. لينص بعد ذلك الفصل 21 من ذات المرسوم على أنه يتم نشر
الحركة القضائية في الرائد الرسمي في ظرف 7 أيام، هكذا دون تحديد أي تاريخا أقصى
لذلك. مع التنصيص أيضا في ذات الفصل على أنه: "يبت كل مجلس مؤقت للقضاء في مطالب التظلم
في أجل أقصاه شهر واحد من تاريخ تقديم المطلب". وهذا المطلب يقدم في أجل لا
يتجاوز 7 أيام من تاريخ نشر الحركة. كما أقر الفصل 23 من المرسوم حق الطعن في تلك
الحركة في ظرف شهر من تاريخ المقرر المطعون فيه لدى الدوائر الاستئنافية للمحكمة الإدارية
التي يجب عليها البت فيها في ظرف أقصاه شهرين، مع إمكانية الطعن بالتعقيب في ظرف
10 أيام ويجب البت في الطعن في ظرف شهر.
وعملا بهذه المقتضيات الجديدة يمكن القول أن الحركة القضائية لا تكون
نهائية من الناحية الإدارية إلا في مدة قد تصل إلى 85 يوما (دون اعتبار المدة
اللازمة لاعداد تلك الحركة داخل المجلس القضائي المعني وفق مقتضيات الفصل 15 من
المرسوم). يضاف إليها مدة 130 يوما الأجل الأقصى المفترض نظريا لصدور حكم قضائي
بات. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار في هذه السنة مثلا أن المجلس الأعلى المؤقت للقضاء
العدلي أصدر بلاغا يوم 11 أوت 2022 حدد بموجبه يوم 19 من ذات الشهر كآجل نهائي
لتقديم طلبات سد الشغورات فإن الحركة القضائية (نظريا وحسابيا) يمكن أن تنشر في
الرائد الرسمي وتصبح قابلة للطعن في منتصف شهر نوفمبر2022، (هناك تسريبات تؤكد
أنها لن تتجاوز بداية شهر أكتوبر) وتبقى غير باتة لحين استنفاذ آجال التقاضي
القصوى حتى النصف الثاني من شهر أفريل 2023.
وانطلاقا من هذا التصور النظري الحسابي الذي يمكن أن يتحقق فعليا
بدليل أن الحركة القضائية لسنة 2022-2023 لم يصدر منها بعد سوى الجزء المتعلق
بتعيين الملحقين القضائيين (تم إصداره يوم 20 سبتمبر 2022 وبأثر رجعي من يوم 16
سبتمبر). فيما لازالت بقية الحركة مجهولة التاريخ والمضمون رغم الانعكاسات السلبية
والخطيرة لهذا التأخير سواء على سير المرفق القضائي المعطل بطبيعته منذ موفى سنة
2019 نتيجة الإضرابات والحجر الصحي وما تبعه من مذكرات صادرة عن المجلس الأعلى
والتي أدت تقريبا لشبه شلل تام في سير عديد القضايا وتراكم للملفات وتجاوز كل آجل
معقول للبت فيها. علاوة على وجود شغورات خطيرة ناتجة عن التقاعد والترقيات
الروتينية والأمر الرئاسي عدد 516/2022 المتعلق بإعفاء 57 قاضيا تم الحكم بإيقاف
تنفيذه من طرف المحكمة الإدارية (يوم 9/8/2022)، وهو ما طرح مشكلا حول إعادة
تعيينهم من عدمه. فحسب التسريبات استجاب المجلس لحكم المحكمة الإدارية لكن يبدو أن
هناك معارضة من طرف الرئاسة ووزارة العدل عطل نشر الحركة (وهو أمر يجيزه المرسوم
عدد11 كما سبق بيانه اعلاه).
يضاف إلى كل ما سبق أن أي حركة ستصدر بعد انطلاق السنة القضائية ستؤثر
سلبا على سير العمل لما سينجر عنها من تعطيل ناتج عن تغيير تركيبة الدوائر وتسليم
المهام ومتطلبات الانتقال لمقر العمل الجديد وهذا كله طبعا عبء على القضاة وعلى
المتقاضين بل على الاستقرار الاجتماعي والاقتصاد الوطني بصفة عامة. فحساسية وأهمية
الحركة القضائية على المستوى الوطني يستوجب أن توضع لها آجال دستورية ملزمة ومضبوطة
تضمن صدورها ونفاذها قبل انطلاق كل سنة قضائية وبعيدا عن التجاذبات السياسية
ومحاولات الهيمنة على القضاء واخضاعه للسلطة التنفيذية. وهو أمر يتطلب وضع معايير
موضوعية قارة، وجدول زمني ثابت لإعداد الحركة ونشرها والبت النهائي فيها. وهذا أمر
غير مستحيل طالما أن الحركة تتعلق بمعطيات معلومة ويمكن حصرها مسبقا، فعدد من سيبلغ سن التقاعد أو سيرتقي لرتبة أعلى
أو سيتم تعيينه لأول مرة يمكن تحديده في نهاية شهر ديسمبر من كل سنة على أقصى
تقدير (مع مراعاة الحالات الطارئة الناتجة عن مرض أو استقالة أو إلحاق) وفي هذا
السياق يمكن اقتراح الجدول التالي:
يخصص شهر جانفي لتقديم الطلبات واعلام المجلس القضائي المعني بالشغورات،
تمكين المجلس من اعداد الحركة في أجل أقصاه 15 مارس ويتم تعليق جداول الحركة
القضائية في 16 مارس ويفتح باب التظلم (7 أيام) والبت فيه (10 أيام)، يتولى بعدها
المجلس المعني إحالتها لرئيس المجلس الأعلى للقضاء لإحالتها إلى رئيس الجمهورية في
ظرف 10 أيام، ليتولى إمضاء تلك الحركة في أجل أقصاه 21 يوما أو ممارسة حق الاعتراض
في ذات الأجل، وإلا أصبحت نهائية وقابلة للنشر وجوبا، وفي صورة وجود اعتراض يمنح
المجلس المعني سلطة وحرية الاستجابة له في أجل 10 أيام من تاريخ بلوغه له، وفي
صورة رفض الاعتراض يمكن لرئيس الجمهورية الطعن أمام القضاء وذلك بعد نشر الحركة
القضائية وفق ما قرره المجلس. مع ضبط يوم 1 جويلية كأجل أقصى لنشر الحركة القضائية
في الرائد الرسمي وفتح باب الطعون القضائية ومنح أجل لا يتجاوز 30 يوما لكل طور
قضائي لكي تكون الحركة القضائية نهائية وباتة قبل يوم 15 سبتمبر. وفي كل الأحوال
يجب الفصل بين تعيين القضاة الجدد والحركة الخاصة بالقضاة المباشرين.
لقد آن الأوان لوضع منظومة فصل بين السلط تضمن استقلالية القضاء،
وتمنح للمجلس الأعلى للقضاء بكافة مكوناته سلطة تسيير هذا المرفق مع منح السلطة
التنفيذية حق الاعتراض والطعن لدى القضاء علاوة على فرض رقابة برلمانية مستمرة على
عمل المجلس الأعلى للقضاء وفق قواعد رقابية مضبوطة تحول دون تعسف أي سلطة أو
هيمنتها على غيرها وهو أمر فشلت كل الدساتير (وأخرها دستور 25/7/2022) في تحقيقه
حتى الآن. وما التعطيل الحاصل في اعداد ونشر الحركة القضائية سوى دليل صارخ على
التدخل في شؤون القضاء بصفة تعسفية.
قول في "الزمن القضائي"
قول في
"الزمن القضائي"
الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
فالقضاء العادل والسريع والناجز يعزز ثقة العامة والمستثمرين.
ويكاد يتفق الجميع على أن أبرز أسباب بطء التقاضي هي نقص الإطار
البشري اللازم سواء على مستوى القضاة أو على مستوى كتبة المحاكم مع كثرة الملفات
القضائية وتشعبها. وغياب التخصص القضائي إذ يمكن تكليف القضاة بمهام مختلفة حسب
مقتضيات الحاجة وليس حسب متطلبات النجاعة. علاوة على ضعف البنية التحتية لمرفق
العدالة عموما إذ أن أغلب المباني قديمة ومتهالكة وغير معدة أساسا لتكون محكمة،
وهي تفتقر للمرافق اللازمة لتسهيل العمل. كما ان القواعد الإجرائية السارية
المفعول حاليا (سواء هي بحد ذاتها أو نتيجة جريان العمل السيء في تطبيقها) تسهم
بشكل كبير في طول الزمن القضائي.
ومن جهة أخرى يتميز واقع المحاكم (رغم نقص الفادح في الموارد المالية
وارتفاع ثمن الورق والطباعة) بالاعتماد شبه الكلي على الأوراق والدفاتر والسجلات،
مما يترتب عنه من إمكانية تلفها أو ضياعها إلى جانب ما تسببه من ازدحام في المكاتب
وفضاءات العمل، والحاجة لمساحات تخصص للتخزين والأرشفة، مع صعوبات نقلها داخل ذات
المحكمة وبين درجات التقاضي.
وتمتاز المنظومة القضائية التونسية بتشعب الإجراءات وطرق الطعن المتعددة،
كما أن إجراءات التقاضي لم تعد حكرا على المجلات الاجرائية، إذ أن جميع المجلات تقريبا
تتضمن إجراءات خاصة، ولا يكاد يخلو أي نص قانوني ينظم موضوعا معينا من إجراءات
خاصة بذلك الموضوع، فباتت القواعد الإجرائية موزعة ومشتتة بشكل يصعب معه حتى على
أهل الاختصاص الالمام بها والوصول إليها وفهمها والاتفاق على كيفية تنفيذها، وهذا
بدوره يساهم في طول زمن البت في القضايا، ويَحدّ من نجاعة مرفق العدالة ويضعف ثقة
الناس فيه، وهذا كله يعتبر من أبرز الأسباب المؤدية إلى إهدار العدالة، ويهدد
الأمن القانوني نتيجة إعاقة الوصول الفعال إلى العدالة.
"إن الوصول إلى العدالة بيُسر، مرتبط أشد الارتباط بمدى توفر
جودة الخدمات القضائية، فالجودة هي مسعى ومطلب لجميع فئات المجتمع، سواء العاملين
بقطاع العدالة أو المستفيدين من خدماته. وهو ما يقتضي أولا تحديث وعصرنة قطاع
العدل إدارة وتدبيرا وتسييرا، وأيضا تحديث أسسه وركائزه الأساسية خاصة المادية
منها واللوجستية. وهو ما يمكن من تبسيط إجراءات التقاضي وتوفير الوقت والجهد
وتخويل إسداء الخدمات عن بعد بمواصفات رفيعة وجودة عالية تجمع بين السرعة والدقة
والتكلفة الأقل، فضلا على ضمان النزاهة والشفافية والمساواة أمام المرفق العام
وتسهيل الوصول إليه"[1].
ورغم أن وزارة العدل كانت قد بدأت بالتعاون مع وزارة تكنولوجيات
الاتصال والاقتصاد الرقمي ضمن المخطط الوطني الاستراتيجي «تونس الرقمية 2020»
إعداد مخطط «العدالة الرقمية 2017 -2020» ثم تمديده إلى موفى 2021 لتركيز نظام
معلوماتي مندمج للمنظومة القضائية في تونس، بهدف تحسين نجاعة إدارة القضاء وتسهيل
النفاذ للمنظومة العدلية والمساعدة على حسن القيادة وأخذ القرار. وهو مخطط يتألف
من ثلاثة محاور أساسية وهي:
- النفاذ
إلى المعلومة وإلى القانون من خلال تركيز نظام معلوماتي متطوّر يقدّم خدمات
لمختلف المتدخّلين والمتعاملين مع المحاكم ووزارة العدل،
- رقمنة
الأحكام والملفّات وإحكام أرشفتها إلكترونيا،
- تركيز
بنية تحتية عالية الأداء والجودة تعتمد على شبكة لتراسل المعطيــات ذات سعة
عالية تشمل كافّة المحاكم والمؤسسات الراجعة بالنظر لوزارة العدل[2].
وكان من المفترض أن يقع انجاز نظام معلوماتي متكامل خاص بكل مادة
(عقاري، مدني، جزائي) سيمكن من معالجة الملفات والقرارات، ورقمنة الوثائق المكونة
للملف ومتابعته منذ انطلاقه مرورا بجميع درجات التقاضي الى ختم الملف وتوجيهه إلى
الخزينة واستخراج نصوص الأحكام باستعمال المسارات workflow.
وقد تم الشروع فعلا في انجاز المنظومة الجزائية في المحاكم النموذجية بتونس
وأريانة وبنعروس ومنوبة ليقع تعميمه بعد ذلك على جميع المحاكم. كما تم اختيار
دوائر مدنية نموذجية ولكن الأمور لم تتم وفق ما هو مخطط له إذ لا نجد أثرا ملموس
لذلك في المحاكم والدوائر المذكورة حتى الآن.
والسؤال المطروح هنا هو: هل يمكن اختصار الزمن القضائي دون المساس
بضمانات المحاكمة عادلة؟
إن الإجابة بنعم تبقى رهينة توفر مايلي كحد أدنى:
أولا- تعزيز الرصيد البشري من حيث عدد القضاة والكتبة وتأهيلهم وضمان تخصصهم.
مع تحسين البنية التحتية للمحاكم.
ثانيا- الرقمنة، التي ستساهم في ضمان تحقيق عدالة سريعة وناجزة وأقل
تكلفة وأكثر قربا وأسهل ولوجا. وهذا يتطلب تنسيقا مع الهيئة الوطنية للمحامين التي
يفترض فيها توفير منصة رقمية مؤمنة ومرتبطة مع وزارة العدل، تسمح بتوفير بريد
إلكتروني رسمي وامضاء الكتروني لكل محام.
ثالثا- تعجيل النظر في إصدار مجلة الاجراءات الجزائية الجديدة ومجلة
القضاء الاداري فهما جاهزتان وكرستا قواعد تستجيب لمتطلبات الرقمنة واختصار الزمن
القضائي. مع ضرورة التسريع في إعداد مجلة المرافعات المدنية والتجارية التي لم يقع
الفراغ من إعدادها بعد بل إن اللجنة المكلفة بذلك لم تحقق أي تقدم يذكر. خاصة وأن
النصوص الحالية في الإجراءات المدنية لا تعتمد الرقمنة إطلاقا وكل التجارب التي
تمت على مستوى اعتماد الرقمنة في بعض الدوائر في عدد من المحاكم لم تكن ناجحة.
(وللحديث بقية)
الصفحات
التسميات
- الاحوال الشخصية (8)
- الارهاب (5)
- التشريعات (42)
- العدالة الانتقالية (13)
- العدالة الجزائية (56)
- القانون الجزائي الاقتصادي (17)
- القانون الجزائي الخاص (20)
- القانون الجزائي الخاص، القانون الجزائي العام (1)
- القانون الجزائي العام (15)
- القانون العقاري (5)
- المنهجية (4)
- المواريث والوصية (5)
- النظرية العامة للقانون (7)
- جمعية الفصل 10 (2)
- حقوق الانسان (28)
- عموميات ومتفرقات (7)
- قانون المرافعات المدنية والتجارية (21)
- مصطلحات قانونية (38)
- ملكية فكرية وصناعية (1)
- وثيقة (17)