محمود داوود يعقوب
محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.
من القائل:
"إن براءة ألف مذنب خير من إدانة بريء واحد"؟
هذه العبارة بصيغة "الألف" لا تُعزى بيقين إلى قائل بعينه، وهي في الغالب صيغة شعبية متداولة تراكمت عبر الزمن من مصادر متعددة تفاوتت في أرقامها واتفقت في مضمونها.
أما أشهر صياغة قانونية موثقة لهذا المبدأ فتعود إلى الفقيه الإنجليزي ويليام بلاكستون في كتابه "شروح على قوانين إنجلترا" الصادر بين عامَي 1765 و1769م، إذ قال: "إن إفلات عشرة مذنبين من العقاب خير من معاقبة بريء واحد".
“It is better that ten guilty persons escape than that one innocent suffer.” William Blackstone.
وقد عُرف هذا المبدأ منذئذٍ في الفقه القانوني الغربي بـ"مبدأ بلاكستون"
و رفع المفكر الأمريكي بنجامين فرانكلين من سقف هذا المبدأ فكتب في إحدى رسائله عام 1785م: "من الأفضل أن يُفلت مئة مذنب من العقاب على أن يعاني بريء واحد"
وقبل ذلك، في خضم محاكمات السحر الشهيرة في سالم عام 1692م، أعلن رجل الدين البيوريتاني في مستعمرة ماساتشوستس إنكريز ماثر: "من الأفضل أن تنجو عشر نساء مشتبه بهن على أن يُدان بريء واحد". وهكذا تصاعدت الأرقام من عشرة إلى مئة، ومن مئة إلى ألف، لا لأن أحداً قالها بهذا الرقم تحديداً، بل لأن المعنى كان يتسع في الوجدان الإنساني كلما عمّق الناس النظر في قيمة البراءة.
السبق والعمق:
غير أن هذا المبدأ في التراث الإسلامي لم يكن وليد قرن السابع عشر ولا الثامن عشر، بل سبق ذلك كله بأكثر من ألف عام، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"
وفي حديث آخر: "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً"
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب"
أسّس الفقهاء على هذه النصوص منظومةً أخلاقية قضائية متكاملة تقوم على ثلاثة أركان:
الركن الأول — اليقين في الإدانة:
لا تصح نسبة الجريمة إلى المتهم إلا باليقين ما أمكن، ولا تقوم العقوبة على الظن وحده.
الركن الثاني — الشك يُسقط الحد:
الشك — مهما ضعف ومهما كان محله وطريقه — ينتفع به المتهم ويدرأ عنه الحد. يقول الإمام الشاطبي:
"إن الدليل قد يقوم مفيداً للظن في إقامة الحد، ومع ذلك فإذا عارضته شبهة وإن ضعفت غلب حكمها، ودخل صاحبها في مرتبة العفو"
الركن الثالث — الخطأ في العفو أولى:
تبرئة المذنب فعلاً أحبّ إلى الله من معاقبة البريء ظلماً، ويعبّر عن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
"إذا دار الأمر بين أن يخطئ فيعاقب بريئاً أو يخطئ فيعفو عن مذنب، كان هذا الخطأ خير الخطأين"
وهذه المبادئ لم تبقَ في دائرة النظر النظري، بل كانت تتجلى في أقضية الصحابة رضي الله عنهم وسيرة القضاء الإسلامي عبر أجياله
وبناء على ما سبق يمكن القول ان المبدأُ هو تغليب حماية البريء على ملاحقة المذنب فالأصل هو البراءة، وأن الإدانة لا تُبنى إلا على دليل يقيني أو على درجة من الإثبات تستبعد الشك المعقول، وأن أي شبهة جوهرية تتعلق بوقوع الجريمة أو بنسبة الفعل إلى المتهم يجب أن تؤول لمصلحته. فالمقصود ليس تفضيل إفلات المجرمين لذاته، وإنما تجنب ظلم الأبرياء وما يترتب عليه من مساس بحرية الإنسان وكرامته وحقوقه الأساسية
فجوهر الفكرة لا يتمثل في المفاضلة بين البراءة والجريمة، بل في ترجيح الخطأ الأقل خطورة على المجتمع والعدالة؛ إذ يمكن تدارك إفلات مذنب في بعض الأحيان بوسائل قانونية لاحقة، أما إدانة بريء ومعاقبته ظلماً فتمثل إخفاقاً أشدّ جسامة يمسّ الثقة في العدالة ذاتها ويقوّض الشرعية الأخلاقية والقانونية للعقاب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق