قول في
"الزمن القضائي"
الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
فالقضاء العادل والسريع والناجز يعزز ثقة العامة والمستثمرين.
ويكاد يتفق الجميع على أن أبرز أسباب بطء التقاضي هي نقص الإطار
البشري اللازم سواء على مستوى القضاة أو على مستوى كتبة المحاكم مع كثرة الملفات
القضائية وتشعبها. وغياب التخصص القضائي إذ يمكن تكليف القضاة بمهام مختلفة حسب
مقتضيات الحاجة وليس حسب متطلبات النجاعة. علاوة على ضعف البنية التحتية لمرفق
العدالة عموما إذ أن أغلب المباني قديمة ومتهالكة وغير معدة أساسا لتكون محكمة،
وهي تفتقر للمرافق اللازمة لتسهيل العمل. كما ان القواعد الإجرائية السارية
المفعول حاليا (سواء هي بحد ذاتها أو نتيجة جريان العمل السيء في تطبيقها) تسهم
بشكل كبير في طول الزمن القضائي.
ومن جهة أخرى يتميز واقع المحاكم (رغم نقص الفادح في الموارد المالية
وارتفاع ثمن الورق والطباعة) بالاعتماد شبه الكلي على الأوراق والدفاتر والسجلات،
مما يترتب عنه من إمكانية تلفها أو ضياعها إلى جانب ما تسببه من ازدحام في المكاتب
وفضاءات العمل، والحاجة لمساحات تخصص للتخزين والأرشفة، مع صعوبات نقلها داخل ذات
المحكمة وبين درجات التقاضي.
وتمتاز المنظومة القضائية التونسية بتشعب الإجراءات وطرق الطعن المتعددة،
كما أن إجراءات التقاضي لم تعد حكرا على المجلات الاجرائية، إذ أن جميع المجلات تقريبا
تتضمن إجراءات خاصة، ولا يكاد يخلو أي نص قانوني ينظم موضوعا معينا من إجراءات
خاصة بذلك الموضوع، فباتت القواعد الإجرائية موزعة ومشتتة بشكل يصعب معه حتى على
أهل الاختصاص الالمام بها والوصول إليها وفهمها والاتفاق على كيفية تنفيذها، وهذا
بدوره يساهم في طول زمن البت في القضايا، ويَحدّ من نجاعة مرفق العدالة ويضعف ثقة
الناس فيه، وهذا كله يعتبر من أبرز الأسباب المؤدية إلى إهدار العدالة، ويهدد
الأمن القانوني نتيجة إعاقة الوصول الفعال إلى العدالة.
"إن الوصول إلى العدالة بيُسر، مرتبط أشد الارتباط بمدى توفر
جودة الخدمات القضائية، فالجودة هي مسعى ومطلب لجميع فئات المجتمع، سواء العاملين
بقطاع العدالة أو المستفيدين من خدماته. وهو ما يقتضي أولا تحديث وعصرنة قطاع
العدل إدارة وتدبيرا وتسييرا، وأيضا تحديث أسسه وركائزه الأساسية خاصة المادية
منها واللوجستية. وهو ما يمكن من تبسيط إجراءات التقاضي وتوفير الوقت والجهد
وتخويل إسداء الخدمات عن بعد بمواصفات رفيعة وجودة عالية تجمع بين السرعة والدقة
والتكلفة الأقل، فضلا على ضمان النزاهة والشفافية والمساواة أمام المرفق العام
وتسهيل الوصول إليه"[1].
ورغم أن وزارة العدل كانت قد بدأت بالتعاون مع وزارة تكنولوجيات
الاتصال والاقتصاد الرقمي ضمن المخطط الوطني الاستراتيجي «تونس الرقمية 2020»
إعداد مخطط «العدالة الرقمية 2017 -2020» ثم تمديده إلى موفى 2021 لتركيز نظام
معلوماتي مندمج للمنظومة القضائية في تونس، بهدف تحسين نجاعة إدارة القضاء وتسهيل
النفاذ للمنظومة العدلية والمساعدة على حسن القيادة وأخذ القرار. وهو مخطط يتألف
من ثلاثة محاور أساسية وهي:
- النفاذ
إلى المعلومة وإلى القانون من خلال تركيز نظام معلوماتي متطوّر يقدّم خدمات
لمختلف المتدخّلين والمتعاملين مع المحاكم ووزارة العدل،
- رقمنة
الأحكام والملفّات وإحكام أرشفتها إلكترونيا،
- تركيز
بنية تحتية عالية الأداء والجودة تعتمد على شبكة لتراسل المعطيــات ذات سعة
عالية تشمل كافّة المحاكم والمؤسسات الراجعة بالنظر لوزارة العدل[2].
وكان من المفترض أن يقع انجاز نظام معلوماتي متكامل خاص بكل مادة
(عقاري، مدني، جزائي) سيمكن من معالجة الملفات والقرارات، ورقمنة الوثائق المكونة
للملف ومتابعته منذ انطلاقه مرورا بجميع درجات التقاضي الى ختم الملف وتوجيهه إلى
الخزينة واستخراج نصوص الأحكام باستعمال المسارات workflow.
وقد تم الشروع فعلا في انجاز المنظومة الجزائية في المحاكم النموذجية بتونس
وأريانة وبنعروس ومنوبة ليقع تعميمه بعد ذلك على جميع المحاكم. كما تم اختيار
دوائر مدنية نموذجية ولكن الأمور لم تتم وفق ما هو مخطط له إذ لا نجد أثرا ملموس
لذلك في المحاكم والدوائر المذكورة حتى الآن.
والسؤال المطروح هنا هو: هل يمكن اختصار الزمن القضائي دون المساس
بضمانات المحاكمة عادلة؟
إن الإجابة بنعم تبقى رهينة توفر مايلي كحد أدنى:
أولا- تعزيز الرصيد البشري من حيث عدد القضاة والكتبة وتأهيلهم وضمان تخصصهم.
مع تحسين البنية التحتية للمحاكم.
ثانيا- الرقمنة، التي ستساهم في ضمان تحقيق عدالة سريعة وناجزة وأقل
تكلفة وأكثر قربا وأسهل ولوجا. وهذا يتطلب تنسيقا مع الهيئة الوطنية للمحامين التي
يفترض فيها توفير منصة رقمية مؤمنة ومرتبطة مع وزارة العدل، تسمح بتوفير بريد
إلكتروني رسمي وامضاء الكتروني لكل محام.
ثالثا- تعجيل النظر في إصدار مجلة الاجراءات الجزائية الجديدة ومجلة
القضاء الاداري فهما جاهزتان وكرستا قواعد تستجيب لمتطلبات الرقمنة واختصار الزمن
القضائي. مع ضرورة التسريع في إعداد مجلة المرافعات المدنية والتجارية التي لم يقع
الفراغ من إعدادها بعد بل إن اللجنة المكلفة بذلك لم تحقق أي تقدم يذكر. خاصة وأن
النصوص الحالية في الإجراءات المدنية لا تعتمد الرقمنة إطلاقا وكل التجارب التي
تمت على مستوى اعتماد الرقمنة في بعض الدوائر في عدد من المحاكم لم تكن ناجحة.
(وللحديث بقية)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق