2026/07/17

الدفاع الفعال

محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.


إن معيار عدالة المحاكمة لا يتمثل في وجود دفاع فحسب، وإنما في وجود دفاع قادر، ومستقل، ومطلع، ومُتمكَّن من وسائل عمله، بحيث يفرض فرصة حقيقية ومؤثرة في مسار الخصومة وفي تكوين اقتناع المحكمة.

فالدفاع الذي لا يملك القدرة على ممارسة وظائفه الجوهرية لا يعدو أن يكون مجردحضورً شكليًا، يتمم شكليات المحاكمة.
أما الدفاع الفعال فهو الضمانة التي تحول الحقوق الإجرائية من نصوص مجردة إلى حماية حقيقية.
ويُجسّد الفصل 33 من دستور 2022 (وكذلك الفصل 27 من دستور 2014) الحق في الدفاع الفعال، حيث ينص على أن:
"المتهم بريء إلى أن ثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة". والفصل 36 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 المنظم لمهنة المحاماة ينص على أن المحامي المنتدب أو المسخّر ملزم بـ"مباشرة الدفاع على الوجه الأكمل". وهذا النص يحمل في طياته فكرة الدفاع الفعال "الأكمل" أي الجدية والاستقامة في أداء الواجب.
فضمانات الدفاع لا تتحقق بدفاع شكلي بل بدفاع "أكمل" أي حقيقي، فعال. والفرق بينهما كبير:
الدفاع الشكلي : مجرد حضور المحامي مع منوبه أي تواجد جسدي للمدافع مجرد استيفاء لشرط شكلي في القانون = ظاهرة إجرائية فارغة
الدفاع الفعّال :تأثير حقيقي على مسار الخصومة اي قدرة فعلية على ممارسة الوظائف الجوهرية لتحقيق حماية حقيقية للحقوق = تحويل النصوص المجردة إلى ضمانات عملية
وأهم شروط الدفاع الفعّال أربع هي:
1. القدرة القانونية والمهنية على الاضطلاع بمهام الدفاع
2. الاستقلال عن الجهات المقيدة له، وعدم تبعيته للسلطة أو للخصم
3. الاطلاع أي فرض الوصول الكامل إلى ملف القضية والتحقيقات والأدلة وكل وثيقة في الملف.
4. التمكن من وسائل العمل و توفير الإمكانات المادية والقانونية اللازمة.
ورغم التراجع الانتهاكات التطبيقية، فإن التشريع التونسي كان يسير بشكل واضح نحو تكريس مبدأ الدفاع الفعّال في سائر أطوار التقاضي، وذلك عبر تعديلات متتالية، منها في المادة الجزائية مثلا: القانون عدد 5 لسنة 2016 المتعلق بتنقيح مجلة الإجراءات الجزائية، والذي يُعدّ خطوة نوعية في هذا الاتجاه.
فمفهوم "الدفاع الفعّال" إذن لا يتوقف عند الحقوق الشكلية الممنوحة للمحامي (الاطلاع، الحضور،...)، بل يتعداه إلى الالتزام الموضوعي للمحامي بأداء واجبه بجدية وقوة ودون خوف أو تقصير.
لكن المشكلة أن القانون يُنظم الأمر، لكنه لا يُنشئ آليات رقابية فعّالة على جودة أداء المحامي. إذ لا نجد معيارا موضوعيا لـ"الجدية"؛ وصعوبة مساءلة المحامي المتقاعس لغياب الرقابة على أداء المحامين المنتدبين في الإعانات العدلية أو المسخرين خاصة. وما نشهده أحيانا من إمكانية الاكتفاء بالحضور الشكلي بسبب ضعف الضمانات والحوافز المادية للمحامين المسخّرين وهو ما قد يؤثر على حماسة بعضهم وجديتهم.
فالعمل الجدي والحضور القوي يعني بالضرورة:
1. الحضور الذهني لا الجسدي فحسب لأن المحامي قد يكون حاضراً جسدياً في الجلسة، لكنه غائب فكرياً:
▪︎ لا يُعدّ للقضية
▪︎ لا يدرس الملف
▪︎ لا يُحضّر الدفوع
▪︎ لا يتناقش بجدية مع منوبه
▪︎ يكتفي بالجلوس الصامت
هذا هو "الحضور الشكلي" الذي نحذّر منه.
2. أن يكون السند الحقيقي للمنوبه، أي:
▪︎ يُطمئنه ويُوضح له موقفه القانوني
▪︎ يُدافع عن حقوقه بقوة لا باستسلام
▪︎ يُحاول تغيير مسار القضية لا مجرد تسجيل حضوره في الجلسات
3. يباشر عمله بلا خوف أو تقصير:
° خوف من السلطة (القضاء، الأمن)
° خوف من خسارة علاقاته المهنية
° خوف من الضغوط السياسية
° خوف من رد فعل الخصم.
ومن هنا يتبين أن الفرق كبير وعميق بين "الحق في محامٍ" و"الحق في دفاع فعّال":
الحق في محامٍ (شكلي) الدفاع الفعّال (موضوعي)
↓ ↓
"لك محامٍ" "محاميك يُدافع عنك فعلاً"
↓ ↓
توفير الشخص توفير الجدية والقوة والسند
الخلاصة: الدفاع الفعّال في القانون التونسي يتحقق شكلياً بامتياز ، لكنه يواجه تطبيقيا تحدياً موضوعياً يتعلق بـجودة الأداء ونجاعته.
أي أن المشكلة أحيانا في الدفاع ذاته قبل أن تكون في المنظومة عموما.
وعليه، يمكن القول: أن التطبيق اليوم يضمن "الدفاع المتوفر"، لكنه لا يضمن دائماً "الدفاع الفعّال" في بعده الموضوعي الجاد، ما لم تترافق الحقوق الشكلية بـثقافة مهنية وآليات رقابية تضمن أن المحامي ليس مجرد "حاضر"، بل "سند حقيقي" لمن استعان به.

ليست هناك تعليقات: