2026/07/17

في الايقاف التحفظي: عندما يكون الادعاء العام أكثر جرأة من محكمة القانون

 محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.

عندما يكون الادعاء العام أكثر جرأة من محكمة القانون
بين احترام الآجال الإجرائية القصوى والالتزام بالتفسير الضيق للنصوص المقيدة للحرية
ملاحظات حول ملحوظات الادعاء العام بشأن الإيقاف التحفظي
"موقف الادعاء العام كضمانة قانونية ضد التوسع في تقييد الحرية، انتصارا لسيادة القانون وحرمة الحرية الفردية، وتكريسا لمبدأ الشرعية الإجرائية من خلال حماية الحق في الحرية من القيود غير النصية". وعندما يخرج موقف الادعاء من دائرة "النزاع الإجرائي" إلى دائرة "حماية الحقوق الدستورية"، من خلال تمسكه بال"انضباط للنص القانوني" ورفض خلق قيود لم يقررها المشرع.
ويتأرجح بين التقيد بالآجال (14 شهراً) وبين طبيعة القيود (التدابير لا الضمانات)، بهدف منع الاحتجاز التعسفي.
** ففي ملحوظات الإدعاء العام (السيد رضوان فروجة) في القضية عدد 91242 إستند إلى ما يلي:
"أن الإيقاف التحفظي محدد المدة خلال كامل الأطوار الاستقرائية بـ 14 شهراً، فإن رامت دائرة الاتهام إبقاء المتهم بحالة إيقاف فلها أن تصدر بطاقة إيداع جديدة طبق مقتضيات الفصل 117 م إ ج، وإذا أحالته في آخر يوم من الأجل المذكور بالفصول 84 و85 و107 م إ ج دون إصدار بطاقة يصبح وجوباً سراحه في اليوم الموالي. (إنتهى إلى طلب القبول شكلا وأصلا مع النقض لكن الدائرة المتعهدة قررت الرفض)"
وهو موقف يمكن القول ان فيه جرأة في فهم وتطبيق القانون لا تتكرر كثيرا:
فالإدعاء العام استخدم عبارة "14 شهراً خلال كامل الأطوار الاستقرائية
الفصل 117 يُخوّل دائرة الاتهام إصدار بطاقة إيداع مستقلة عند إحالة الملف إليها، وهذه البطاقة هي السند القانوني الوحيد الذي يُبيح الإبقاء على الإيقاف بعد انقضاء مدة التحقيق.
لكن الإدعاء العام لم يتطرق إلى السؤال الأهم: هل الإحالة ذاتها تُشكّل سنداً مستقلاً للاحتجاز؟ ضمنيا يفهم من موقفه ان اﻻجابة هي بنعم وهذا طبعا أمر غير متفق عليه ومثار جدل رغم أن بعض اجتهادات محكمة التعقيب اعتبرت أن قرار الإحالة يتضمن ضمنياً ما يُبرر استمرار الإيقاف إلى حين انعقاد الجلسة، لا سيما في الجنايات الكبرى. وإذا كانت القضية تتعلق بجنايات الفصل 96 و99 م ج (استيلاء على أموال عمومية)، فإن هذا الاجتهاد وارد وكان ينبغي على الإدعاء أن يُفنّده صراحةً.
الإدعاء العام تبنّى التوجه المتعلق بانتهاء مدة الإيقاف ودعمه وطلب النقض، غير أنه اكتفى بالتقرير دون بيان الأثر: هل النقض على هذا الوجه يستوجب الإفراج فوراً أم يعيد الملف لدائرة الاتهام لتصحيح المسار؟ وهذا الصمت يُقلّص الفائدة العملية للدفع من منظور الدفاع. مع أنه ﻻ بد من التأكيد على أن ذلك من اختصاص الدائرة التعقيبية نفسها التي يمكنها اﻻفراج طبق مقتضيات الفصل 92 م ا ج.
الفصل 107 لا علاقة له بضبط آجال الإيقاف، بل يُقرّر أن مفعول بطاقة الإيداع أو قرار التدبير يستمر إلى أن تبت دائرة الاتهام في القضية ما لم ير قاضي التحقيق خلاف ذلك. أي أنه فصل تقني يتعلق بالاستمرارية الإجرائية لا بالتأطير الزمني للإيقاف. فهو لا يُحدّد آجالاً، بل يُقرّر مبدأً مختلفاً تماماً: استمرار مفعول البطاقة ريثما تبت دائرة الاتهام،
منطق الإدعاء العام يصبح متماسكاً وان بقي قابلا للنقاش:
الفصل 85: حدّد الأجل الأقصى بـ14 شهراً
الفصل 107: بطاقة الإيداع تظل سارية لحين بت دائرة الاتهام ضمن هذا الأجل فقط
الفصل 117: إن أرادت دائرة الاتهام الإبقاء على الإيقاف بعد الإحالة، وجب إصدار بطاقة إيداع جديدة
النتيجة: إذا أحالت دائرة الاتهام في آخر يوم دون إصدار بطاقة جديدة طبق الفصل 117 → إفراج وجوبي.
طبعا هذا الموقف على جرأته قابل للنقاش في عدة نقاط لكنه يبقى أفضل من موقف الدائرة التعقيبية التي لم تسايره ورفضت الطعن.
***
أما موقف الادعاء (السيد علي قيقة) في القضية عدد 90475/90471 فقد كان أكثر جرأة و انحيازا للتأويل الحقوقي الملتصق بالشرعية الإجرائية عند تطبيق أحكام الإفراج الوجوبي (الفصل 85) سواء من حيث الشكل أم من حيث الأصل. (الدائرة المتعهدة قررت الرفض شكلا دون الخوض في الأصل)
فمن حيث الشكل:
جاء موقف الادعاء العام متماشيا مع التأويل الذي يعتبر أنه يجوز الطعن بالتعقيب في القرار المتعلقة بالحريات (الإيقاف / التحجير / التجميد) حين اعتبر أن: "وحيث ان الاقرار بعدم جواز الطعن في قرار الافراج الوجوبي بضامن مالي من شانه ان يفضي الى تحصين قرار قد يكون صدر مخالفا للقانون، حال ان رقابة محكمة التعقيب شرعت لضمان حسن تطبيق النصوص وصون المشروعية لا لإضفاء حصانة لقرارات تمس بالحرية الفردية. وحيث ان العبرة في قبول الطعن من عدمه ليست بتسمية القرار او بطبيعته الشكلية، بل بمدى تأثيره النهائي في المراكز القانونية للأطراف واستنفاذه لسلطة الجهة اللتي اصدرته في خصوص ما فصلت فيه، الامر الذي ينطبق تمام الانطباق على القرار موضوع الطعن. وحيث اتجه والحال ما تقدم طلب قبول الطعنين شكلا لتجيلهما في الاجل القانوني ومن قبل من لهما الصفة والمصلحة وضد قرار قابل للطعن فيه بتلك الكيفية".
أما من حيث الأصل:
فالفصل 85 ينص صراحة على أنه "يتحتم الإفراج عن المظنون فيه بانتهاء الأمد الأقصى للإيقاف التحفظي".
كلمة "يتحتم" هنا لا تترك أي مجال للسلطة التقديرية للقاضي.
فالإفراج يصبح واجبًا قانونيًا بمجرد انقضاء المدة القصوى للإيقاف، ما لم تتوفر الاستثناءات المذكورة في نفس الفصل (أن يكون محل تتبع في قضية أخرى أو محكومًا عليه بعقوبة سالبة للحرية).
هذا يعني أن الإفراج في هذه الحالة ليس خاضعًا لأي شروط إضافية غير تلك المنصوص عليها في بالفصل 85 نفسه.
أما الإفراج المؤقت (الفصل 86):
فإن هذا الفصل 86 يميز بوضوح بين حالة الإفراج الوجوبي المنصوص عليها في الفصل 85 وحالات الإفراج المؤقت الأخرى.
إذ ينص على أن قاضي التحقيق يمكنه أن يأذن بالإفراج المؤقت "بضمان أو بدونه"، ولكن هذا يكون "وفي غير الصورة المبينة بالفصل 85 التي يتحتم فيها الإفراج".
والتفسير القانوني السليم يستوجب توضيح مايلي:
•الضمان المالي كتدبير:
إن عبارة "التدابير اللازمة بضمان حضوره" في الفقرة الأولى من الفصل 85 هي عبارة عامة وواسعة. والفصل 86 يوضح أن الإفراج يمكن أن يكون "بضمان أو بدونه". هذا يعني أن الضمان المالي هو أحد أشكال "الضمان" التي يمكن أن تندرج ضمن "التدابير اللازمة بضمان حضوره". فالضمان المالي يهدف بشكل أساسي إلى ضمان حضور المتهم في الإجراءات القضائية، وفي حال تخلفه، يتم مصادرة هذا الضمان.
وإذا كان موقف الادعاء هو عدم جواز فرض ضمان مالي في حالة الإفراج الوجوبي، فإن هذا الموقف قد يكون مبنياً على تفسير ضيق لعبارة "التدابير اللازمة بضمان حضوره"، أو على اعتبار أن الإفراج الوجوبي يجب أن يكون خالياً من أي قيود مالية تثقل كاهل المتهم. ومع ذلك، فإن النصوص القانونية (خاصة الفصل 86 الذي يذكر "بضمان أو بدونه") تشير إلى أن الضمان المالي يمكن أن يكون جزءاً من هذه التدابير، حتى في حالات الإفراج الوجوبي، ما لم ينص القانون صراحة على خلاف ذلك في حالة معينة.
•التمييز بين الإفراج الوجوبي والإفراج التقديري:
في الإفراج الوجوبي، لا يملك القاضي سلطة رفض الإفراج، لكنه يملك سلطة تقديرية في اختيار التدابير التي تضمن حضور المتهم. والضمان المالي ليس أحد هذه التدابير ولئن كان يهدف بدوره إلى تحقيق هذا الغرض. أما في الإفراج التقديري (الذي يتناوله الفصل 86 في بدايته)، فإن للقاضي سلطة تقديرية أوسع في الإفراج من عدمه، وفي فرض الضمانات.
هذا التمييز حاسم، ويؤكد أن صلاحية قاضي التحقيق في فرض الضمان المالي تكون في حالات الإفراج التقديري، وليس في حالة الإفراج الوجوبي الذي لا يملك فيه القاضي أي سلطة تقديرية.
وهو موقف يجد له سندا في مبدأ المشروعية وحماية الحرية الفردية:
إذ يتفق موقف الادعاء مع المبادئ الأساسية للقانون الجزائي الإجرائي، وخاصة مبدأ المشروعية وحماية الحرية الفردية. فالإيقاف التحفظي هو إجراء استثنائي يمس بالحرية، ويجب أن يكون محددًا بآجال صارمة. وعند انقضاء هذه الآجال، يصبح الإفراج حقًا للمظنون فيه، ولا يجوز للسلطة القضائية أن تفرض شروطًا إضافية غير منصوص عليها قانونًا، لأن ذلك سيفرغ النص من محتواه ويشكل التفافًا على الضمانات الإجرائية.
وبناءً على التحليل القانوني السليم للفصلين 85 و 86 من مجلة الإجراءات الجزائية التونسية، فإن موقف الادعاء سليم تمامًا من أن الإفراج الوجوبي، الذي يتحتم بقوة القانون عند انقضاء الأجل الأقصى للإيقاف التحفظي، لا يجوز فيه فرض ضمان مالي. فالنصوص القانونية تميز بوضوح بين الإفراج الوجوبي الذي لا يخضع لشروط، والإفراج المؤقت الذي يمكن أن يكون بضمان أو بدونه.
وعليه فإن فرض ضمان مالي في حالة الإفراج الوجوبي يعتبر إضافة قيد غير قانوني ويخالف صريح النص وروح القانون الذي يهدف إلى حماية الحرية الفردية وتحديد آجال الإيقاف التحفظي على سبيل الحصر.
كما أن موقف الإدعاء العام قائم كذلك على التمييز الدقيق بين "الضمان" و"التدابير" في الإفراج الوجوبي. وهو متماش مع مقتضيات الفصل 84 من مجلة الإجراءات الجزائية (م.إ.ج) الذي يكرس مبدأ أن الإيقاف التحفظي إجراء استثنائي، والاستثناء يخضع وجوبا لمبدأ التفسير الضيق.
وعند فحص نصوص مجلة الإجراءات الجزائية، سنلاحظ بكل بساطة وجود تمييز اصطلاحي وهيكلي بين "الضمان" و"التدابير":
* فالضمان (Garantie/Caution):
يشير عادة إلى الالتزام المالي أو الشخصي الذي يقدمه المتهم لضمان حضوره. الفصل 86 يذكر صراحة "بضمان أو بدونه"، والفصل 161 وما يليه يوضح كيفية تنفيذ هذا الضمان (تأمين مبلغ مالي، شيكات، إلخ).
* أما التدابير (Mesures):
فهي إجراءات مراقبة قضائية ذات طبيعة غير مالية، تهدف إلى تقييد حركة المتهم أو سلوكه لضمان عدم تهربه أو تأثيره على البحث. وقد عددها الفصل 86 حصراً في خمس نقاط (اتخاذ مقر، عدم مغادرة حدود ترابية، إلخ).
وتحليل الفصل 85 في ضوء هذا التمييز سيؤدي إلى ما يلي:
الفصل 85 يستعمل عبارتين مختلفتين في فقرتين مختلفتين:
الفقرة المتعلقة بتجاوز المدة القصوى: تستخدم عبارة "اتخاذ التدابير اللازمة بضمان حضوره". وهنا، لم يذكر المشرع كلمة "ضمان مالي" أو "بضمان أو بدونه"، بل اكتفى بكلمة "تدابير".
الفقرة المتعلقة بالمتهم المبتدئ (الجنح البسيطة): تستخدم عبارة "يتحتم الإفراج بضمان أو بدونه". هنا، ذكر المشرع "الضمان" صراحة كخيار مرافق للإفراج الوجوبي.
وعليه يكون موقف الإدعاء العام محترما لمبدأ التفسير الضيق. عند تفسير المقصود بـ "الإذن بالإفراج عنه مؤقتا دون أن يمنع ذلك من اتخاذ التدابير اللازمة بضمان حضوره"،
فكلمة تدابير لا تشمل الضمان المالي لثبوت الفرق بين الفقرتين من الفصل 85.
ولتبسيط الفهم، يمكن تقسيم الفصل 85 إلى فقرتين تتناولان حالات مختلفة للإيقاف التحفظي والإفراج الوجوبي:
الفقرة الأولى ("ولا يمكن أن يترتب عن قرار دائرة الاتهام...") تتناول حالة الإفراج الوجوبي التي تنشأ عندما تتجاوز مدة الإيقاف التحفظي القصوى بسبب قرار دائرة الاتهام بإحالة الملف إلى قاضي التحقيق لمواصلة بعض الأعمال. في هذه الحالة، يصبح الإفراج عن المتهم وجوبياً، أي لا يملك قاضي التحقيق أو دائرة الاتهام سلطة تقديرية في رفضه. ومع ذلك، فإن هذا الإفراج الوجوبي لا يمنع من اتخاذ تدابير لازمة لضمان حضور المتهم في مراحل لاحقة من القضية. الهدف هنا هو الحفاظ على سير العدالة وضمان عدم تهرب المتهم، مع احترام حقه في الحرية بعد تجاوز المدة القانونية للإيقاف التحفظي.
الفقرة الثانية ("ويتحتم الإفراج بضمان أو بدونه بعد الاستنطاق بخمسة أيام..."):
هذه الفقرة تحدد حالة أخرى من حالات الإفراج الوجوبي، وهي خاصة بالمتهمين الذين تتوفر فيهم شروط معينة: أن يكون لهم مقر معين بالتراب التونسي، وألا يكون قد سبق الحكم عليهم بأكثر من ستة أشهر سجناً، وأن يكون أقصى العقاب المقرر قانوناً لا يتجاوز عامين سجناً (باستثناء جرائم معينة).
في هذه الحالة، يتحتم الإفراج عن المتهم بعد خمسة أيام من الاستنطاق، ويكون هذا الإفراج بضمان أو بدونه. فهذه الفقرة تهدف إلى حماية المتهمين الذين لا يشكلون خطراً كبيراً على المجتمع أو على سير العدالة من سلبيات الايقاف التحفظي من خلال الحد منه في الجنح البسيطة.
وبتحليل أثر موقف الادعاء العام على الممارسات القضائية في تونس يمكن القول:
إن اعتماد موقف الادعاء العام القائم على قبول الطعن شكلا واحترام الآجال القصوى للإيقاف في المرحلة الإستقرائية. معالتفسير الضيق للنصوص المقيدة للحرية (بالتمييز بين الضمان والتدابير) يحمل تداعيات عميقة على الممارسة القضائية، خاصة في ظل الجدل الحالي حول "تغول" الإيقاف التحفظي وذلك من خلال:
1. السعي لتوحيد الاجتهاد القضائي والحد من التضارب:
فالممارسة القضائية تعاني كثيرا من تضارب في تأويل الفصل 85، إذ تذهب بعض الدوائر إلى فرض ضمانات مالية مشطة كشرط للإفراج حتى في حالات الوجوب. وتبني موقف الادعاء سالف الذكر سيؤدي إلى وضع معيار واضح:
"الإفراج الوجوبي لا يقبل قيوداً مالية غير منصوص عليها صراحة".
والأخذ به من شأنه أن يوحد العمل بين مختلف محاكم الجمهورية ويقلل من الطعون المبنية على خرق الإجراءات الجواهرية.
2. تفعيل مبدأ "الإيقاف إجراء استثنائي":
رغم التنصيص الدستوري والقانوني (الفصل 84 م.إ.ج) على استثنائية الإيقاف، إلا أن الواقع العملي يشهد توسعاً كبيراً فيه. وعليه فإن تمسك الادعاء (بوصفه طرفاً في الدعوى العمومية وساهراً على تطبيق القانون وحماية مصالح المجتمع) بعدم شرعية الضمان المالي في الإفراج الوجوبي، هو إقرار بوجوبية الالتزام بروح القانون. و يحول دون تحول الضمان المالي إلى "عقوبة مالية مقنعة" أو وسيلة لإبقاء المتهم رهن الإيقاف لعجزه المادي.
3. تعزيز الأمن القانوني وحماية السلم الاجتماعي:
ففرض ضمانات مالية ضخمة (كما رأينا في قضايا حديثة وصلت لـ 800 مليون دينار وتم تنفيذه فعلا في حالة أخرى بمبالغ تأرجحت بين 50 و60 مليون دينار) يثير شعوراً بعدم المساواة أمام القضاء بين القادرين مادياً وغير القادرين. وعليه فإن موقف الادعاء الرافض للضمان المالي في حالات الوجوب يعيد الاعتبار لمبدأ المساواة أمام القانون. فهو يضمن أن الفقير والغني يتمتعان بنفس الحق في الحرية بمجرد انتهاء الآجال القانونية، مما يعزز الثقة في المؤسسة القضائية.
وللحديث بقية

إن براءة ألف مذنب خير من إدانة بريء واحد

 محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.

من القائل:
"إن براءة ألف مذنب خير من إدانة بريء واحد"؟
هذه العبارة بصيغة "الألف" لا تُعزى بيقين إلى قائل بعينه، وهي في الغالب صيغة شعبية متداولة تراكمت عبر الزمن من مصادر متعددة تفاوتت في أرقامها واتفقت في مضمونها.
أما أشهر صياغة قانونية موثقة لهذا المبدأ فتعود إلى الفقيه الإنجليزي ويليام بلاكستون في كتابه "شروح على قوانين إنجلترا" الصادر بين عامَي 1765 و1769م، إذ قال: "إن إفلات عشرة مذنبين من العقاب خير من معاقبة بريء واحد".
“It is better that ten guilty persons escape than that one innocent suffer.” William Blackstone.
وقد عُرف هذا المبدأ منذئذٍ في الفقه القانوني الغربي بـ"مبدأ بلاكستون"
و رفع المفكر الأمريكي بنجامين فرانكلين من سقف هذا المبدأ فكتب في إحدى رسائله عام 1785م: "من الأفضل أن يُفلت مئة مذنب من العقاب على أن يعاني بريء واحد"
وقبل ذلك، في خضم محاكمات السحر الشهيرة في سالم عام 1692م، أعلن رجل الدين البيوريتاني في مستعمرة ماساتشوستس إنكريز ماثر: "من الأفضل أن تنجو عشر نساء مشتبه بهن على أن يُدان بريء واحد". وهكذا تصاعدت الأرقام من عشرة إلى مئة، ومن مئة إلى ألف، لا لأن أحداً قالها بهذا الرقم تحديداً، بل لأن المعنى كان يتسع في الوجدان الإنساني كلما عمّق الناس النظر في قيمة البراءة.
السبق والعمق:
غير أن هذا المبدأ في التراث الإسلامي لم يكن وليد قرن السابع عشر ولا الثامن عشر، بل سبق ذلك كله بأكثر من ألف عام، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"
وفي حديث آخر: "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً"
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب"
أسّس الفقهاء على هذه النصوص منظومةً أخلاقية قضائية متكاملة تقوم على ثلاثة أركان:
الركن الأول — اليقين في الإدانة:
لا تصح نسبة الجريمة إلى المتهم إلا باليقين ما أمكن، ولا تقوم العقوبة على الظن وحده.
الركن الثاني — الشك يُسقط الحد:
الشك — مهما ضعف ومهما كان محله وطريقه — ينتفع به المتهم ويدرأ عنه الحد. يقول الإمام الشاطبي:
"إن الدليل قد يقوم مفيداً للظن في إقامة الحد، ومع ذلك فإذا عارضته شبهة وإن ضعفت غلب حكمها، ودخل صاحبها في مرتبة العفو"
الركن الثالث — الخطأ في العفو أولى:
تبرئة المذنب فعلاً أحبّ إلى الله من معاقبة البريء ظلماً، ويعبّر عن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
"إذا دار الأمر بين أن يخطئ فيعاقب بريئاً أو يخطئ فيعفو عن مذنب، كان هذا الخطأ خير الخطأين"
وهذه المبادئ لم تبقَ في دائرة النظر النظري، بل كانت تتجلى في أقضية الصحابة رضي الله عنهم وسيرة القضاء الإسلامي عبر أجياله
وبناء على ما سبق يمكن القول ان المبدأُ هو تغليب حماية البريء على ملاحقة المذنب فالأصل هو البراءة، وأن الإدانة لا تُبنى إلا على دليل يقيني أو على درجة من الإثبات تستبعد الشك المعقول، وأن أي شبهة جوهرية تتعلق بوقوع الجريمة أو بنسبة الفعل إلى المتهم يجب أن تؤول لمصلحته. فالمقصود ليس تفضيل إفلات المجرمين لذاته، وإنما تجنب ظلم الأبرياء وما يترتب عليه من مساس بحرية الإنسان وكرامته وحقوقه الأساسية
فجوهر الفكرة لا يتمثل في المفاضلة بين البراءة والجريمة، بل في ترجيح الخطأ الأقل خطورة على المجتمع والعدالة؛ إذ يمكن تدارك إفلات مذنب في بعض الأحيان بوسائل قانونية لاحقة، أما إدانة بريء ومعاقبته ظلماً فتمثل إخفاقاً أشدّ جسامة يمسّ الثقة في العدالة ذاتها ويقوّض الشرعية الأخلاقية والقانونية للعقاب

ورقة من أوراق المرافعة... الفقيه الدكتور عبد الرزاق أحمد السَّنْهوري

 **"ورقة من أوراق المرافعة"**،

وثيقة تمثل مرافعة جنائية أو مذكرة دفاع شهيرة قُدّمت أمام القضاء المصري في ثلاثينيات القرن الماضي. في القاهرة .
منسوبة للمحامي عبدالرازق بك السنهوري (وهو الفقيه الدكتور عبد الرزاق أحمد السَّنْهوري، أحد أعلام الفقه والقانون في العالم العربي، واب القانون المدني المصري والعديد من القوانين المدنية العربية، وكان في ذلك الوقت يحمل لقب "بك" ويمارس المحاماة مع تدرّيس القانون).
و الوثيقة مُؤرخة في 22 ربيع الآخر 1350 هـ الموافق 19 جويلية سنة 1931 م،
يتسم النص بالبلاغة القانونية الرفيعة والرصانة التي عُرف بها رجال القانون في العصر الذهبي للقضاء المصري.
ويرتكز النص على المبادئ الدستورية والجنائية الكبرى، مثل:
"أصل البراءة" (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)
و"تفسير الشك لمصلحة المتهم"،
والدليل إذا تطرقه اﻻحتمال سقط به اﻻستدلال
وهي من صميم العقيدة القانونية التي نادى بها السَّنْهوري في مؤلفاته ومرافعاته...
وقد جاء فيها:
حَضَرات المُسْتَشَارِين الأجِلاء ،،،
إن القضاء ، في سمو رسالته ، لا يستمد هيبته من سلطان القوة ، وإنما يستمدها من سلطان العدل ،
والعدل لا يعرف هوى ، ولا يخضع لعاطفة ، وإنما يتخذ من الحقيقة سبيلاً ، ومن القانون هادياً ،
ومن الضمير قاضياً على القاضي قبل أن يكون قاضياً على الخصوم .
وقد أقام المشرّع نظام المحاكمة الجنائية على أصل كريم ، هو أن الإنسان بريء حتى يقوم الدليل اليقيني على خلاف ذلك ،
فما كان الشك إلا سياجاً للحرية ،
وما كان اليقين إلا الأساس الذي تُبنى عليه الأحكام ،
فإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل ، أو اعترى الواقعة ما يزعزع الاطمئنان إليها ، وجبَ أن يعود الأمر إلى أصله ، وأن تبقى البراءة على ما كانت عليه .
وإن الدفاع ، وهو يؤدي رسالته بين يدي عدالتكم ، لا ينازع سلطة الاتهام فيما باشرت من إجراءات ، ولا يجادل المحكمة في حقها في تقدير الأدلة ، وإنما يلتمس أن توزن هذه الأدلة بميزان القانون ، وأن تُعرض على العقل قبل الوجدان ، وأن يكون القضاء في نهاية المطاف ثمرة اقتناع استقرّ على يقين ، لا أثراً لظن ، ولا نتيجة لقرينة تحتمل غير وجه . .
ومن ثم ، فإن الدفاع لا يطلب فضلاً ،
ولا يلتمس هوادة ،
وإنما يطلب تطبيق القانون في صفائه ،
وإقامة العدالة في كمالها ،
حتى يخرج الحكم معبراً عن الحقيقة التي اطمأنت إليها المحكمة ، لا عن الاتهام الذي بدأ به الخصوم .
وبعد هذا التمهيد ،
أتشرف بعرض دفاعي ، مستعيناً بالله ،
ثم بثقة عدالتكم في إنصاف الحق ، وإقامة العدل .
المحامي: عبدالرازق بك السنهوري
القاهرة في ٢٢ ربيع الآخر ١٣٥٠ هـ
الموافق ١٩ يوليو سنة ١٩٣١ م

المحامي يولد محاميًا، أما القاضي فتصنعه الأيام

 محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.


"Advocati nascuntur, iudices fiunt"
(المحامون يُولدون، أما القضاة فيُصنعون)
او بالصيغة المتداولة: «المحامي يولد محاميًا، أما القاضي فتصنعه الأيام»،
مقولة من ضمن مجموعات الاقتباسات المنسوبة تحديدًا إلى كتاب Elogio dei giudici scritto da un avvocato للفقيه الإيطالي بييرو كالمندري
(Piero Calamandrei، 1889–1956)،
وهو أحد أعمدة قانون المرافعات في القرن العشرين وصاحب القلم الأدبي الرشيق، وقد تم الاستشهاد بها في أكثر من مصدر إيطالي مستقل، كما استشهد بها بحث أكاديمي إسباني (2023) بالإحالة الصريحة إلى طبعة 2009 من كتاب كالمنداري نفسه، وإن كانت جميع الاستشهادات لا تحمل رقم صفحة دقيقًا كما هو الحال مع اقتباسات أخرى من الكتاب. فالحيطة العلمية تقتضي أن نقول: العبارة موثقة النسبة إليه بصيغتها اللاتينية ضمن سياق الكتاب، أما الصياغة العربية الشائعة فهي ترجمة تصرّفية لا حرفية لها. فهذه الجملة:
"Advocati nascuntur, iudices fiunt"
المحامي يُولد، أما القاضي فيُصنع.
هي عبارة تختصر بحكمة لاتينية عتيقة الطابع رؤية كالمندري لطبيعة المهنتين، ووردت ضمن ما جُمع من درره في كتابه الشهير «إشادة بالقضاة بقلم محامٍ»، الذي كتبه بين عامي 1935 و1956، والذي طُبع منه أكثر من طبعة (1935، 1938، 1954، وطبعة ما بعد وفاته 1959). ولا تنفصل هذه المقولة عن جوهر فلسفة كالمندري في العلاقة بين المحاماة والقضاء؛ فهو، كما تنضح كتاباته الأخرى، كان يرى الطرفين وجهين متكاملين لا متنازعين، إذ قال: "إن المحامي يقف واقفًا يسعى ويقترب، بينما يجلس القاضي منتظرًا ما يُقدَّم إليه"... صورة بلاغية تختزل تفاوت الأدوار لا تفاوت القيمة.
فحين ينظر المرء إلى صفة المحامي، يجدها عند كالمندري أقرب إلى الطبع الفطري الذي تصقله الممارسة دون أن تخلقه من عدم:
•سرعة البديهة،
•والقدرة على الإقناع،
•والجرأة في الدفاع،
•والحس الإنساني الذي يتيح له أن يقرأ موكله وخصمه معًا.
أما القاضي، فمهنته عنده لا تقوم على وميض الموهبة، بل على تراكمٍ بطيء لصفاتٍ لا تُمنح دفعة واحدة:
•الحكمة،
•وضبط النفس،
•والقدرة على وزن الأدلة بميزان لا يميل،
•والتحرر التدريجي من سطوة الانفعال والهوى.
غير أن الأمانة العلمية تقتضي عدم تسليم هذه الصورة على إطلاقها.
فالقول إن المحامي «يُولد» يحمل نزعة رومانسية تستهوي الوجدان أكثر مما تسندها الدراسات المعاصرة في التربية القانونية وعلم النفس المهني؛ إذ تؤكد هذه الدراسات أن مهارات المرافعة والتفاوض وصياغة الحجة قابلة للاكتساب بالتدريب المنهجي، وإن كانت بعض السمات الفطرية تمنح صاحبها انطلاقة أسرع لا تفوقًا نهائيًا.
أما الشق الثاني من المقولة، فهو أقرب إلى الصواب الواقعي؛ إذ القضاء من المهن التي لا تكتمل ملَكتها إلا بتراكم السنين، ويندر أن يبلغ فيها المرء النضج الكامل في مطلع مسيرته.
ومن هنا يكون الأسلم في الصياغة العلمية أن يُقال:
"المحاماة تحتاج إلى موهبة تصقلها الممارسة، والقضاء يحتاج إلى علمٍ تُنضجه الخبرة."
فهذه الصياغة تحفظ روح فكرة كالمندري في التمييز بين طبيعتي المهنتين، وتتجنب في الوقت ذاته الانزلاق إلى حتمية فطرية لا يقرها العلم الحديث في تكوين الملَكات المهنية.

هل القضاء سلطة أم وظيفة أم هو مجرد "آلة"؟

محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.

هل القضاء سلطة أم وظيفة أم هو مجرد "آلة"؟

إذا قلنا أنه آلة:
فالآلة لا تفكر، وإنما تُنفّذ... طالما أن القاضي "يُطبّق" القانون فهو لا "يُبدع" العدالة
والآلة تُنتج بكميات، فالقضاء يُعالج آلاف القضايا بنمطية لا بموضوعية.
لكن الآلة تتطلب صيانة مستمرة. اي ان القضاء يحتاج ميزانية كافية،سواء لانتداب القضاة أو موظفين، او لتأهيل البنية التحتية وإذا غاب هذا صدأت الآلة وصارت مصدرا للاضطراب لا للآمن الاجتماعي.
والخطير في الأمر أن الآلة تخدم من يشغّلها. من يملك السلطة (الطبقات المهيمنة) يستفيد منها إلى حين زوالها.
"الآلة القضائية" ليست وصفاً للقضاء كما هو واجب في الكتب الدستورية، بل هي أداة تحليل تكشف أن القضاء (رغم مبادئه النبيلة) يعمل كـمنظومة بيروقراطية / إيديولوجية تُعيد إنتاج الترتيب الاجتماعي القائم. والقاضي في هذه الرؤية ليس "ملاك العدالة" بل ترس في آلة تعمل بمنطقها الخاص: تصفية، ترميز، إنتاج روتيني، تبرير. والسؤال النقدي ليس "هل القاضي عادل؟" بل "هل الآلة نفسها مُصممة لإنتاج العدالة أصلاً؟"
لا طبعا فهي تعمل وفق ثلاث آليات هي:
1- آلية الإنتاج الروتيني (Mass Production)
القضاء اليومي ليس "فضلاً" فردياً، بل إنتاج ضخم:
* نيابة تُحيل آلاف القضايا شهرياً
* قاضي يفصل في عشرات القضايا يومياً
* محاكم إستئناف ومحكمة تعقيب يصدرون آلاف الأحكام سنوياً
كل هذا يتطلب تبسيط وتصنيف وتكرار يجعل القاضي يُطبّق "نموذجاً" (precedent/template) أكثر مما يُبدع حلاً.
2. آلية التبرير المشروع (Legitimation)
النتيجة النهائية للآلة ليست مجرد حكم، بل تبرير:
"القانون ينص على" >>> يُحوّل القرار السياسي/الاجتماعي إلى "ضرورة قانونية" يلتزم القاضي بحرفيتها.
"حكم القاضي" >>> يُحوّل النزاع بعد البت فيه إلى "حقيقة قضائية" لا تُناقش ولو كانت لا تعكس الواقع فعلا.. و"الحكم البات" يُغلق الباب على أي بديل
مما يعني أن الآلة لا تُنتج فقط حلولاً، بل تُنتج الإحساس بأن لا حلول أخرى ممكنة.
3. آلية الترميز (Coding) وهي الأخطر
فعندما تدخل القضية دهاليز المحاكم، تُحوّل من نزاع إنساني/اجتماعي إلى رقم سيقع الفصل فيه وفق رقم أخر هو النص القانوني. وتغيب الأسماء والصفات والمشاعر تحت ثقل الأرقام وحساب الآجال والأيام.
فالآلة تُخفي العامل البشري. مع أن لقانون هو مجرد معطى بشري مرتبط بالزمان والمكان... لكن منطق الآلة يُخفي أن إنساناً كتب القانون وإنساناً يُطبّقه على إنسان.
لكن كيف تعمل "الآلة" فعلياً؟
مبدئيا لا تدخل كل القضايا إلى "الآلة" فهناك بوابات تصفية:
○ البوابة الاقتصادية: من لا يملك مصاريف التقاضي يُقصى تلقائياً وما الإعانة العدلية والتسخير سوى مجملات لا تمنح ولوجا حقيقيا.
○ البوابة الإجرائية: الشكليات المعقدة تُسقط القضايا "قانونياً" قبل الوصول لمناقشة الأصل.
○ البوابة الإيديولوجية: بعض "الجرائم" تُلاحق وبعضها لا (بحجة السياسة الجزائية للدولة بل لنكون واضحين للحكومة القائمة)
وعليه فآلة القضاء لا تنتج العدالة لكل من يحتاجها، بل تنتج أحكاماً لمن تمكن من النفاذ عبر فلاتر البوابة.

الدفاع الفعال

محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.


إن معيار عدالة المحاكمة لا يتمثل في وجود دفاع فحسب، وإنما في وجود دفاع قادر، ومستقل، ومطلع، ومُتمكَّن من وسائل عمله، بحيث يفرض فرصة حقيقية ومؤثرة في مسار الخصومة وفي تكوين اقتناع المحكمة.

فالدفاع الذي لا يملك القدرة على ممارسة وظائفه الجوهرية لا يعدو أن يكون مجردحضورً شكليًا، يتمم شكليات المحاكمة.
أما الدفاع الفعال فهو الضمانة التي تحول الحقوق الإجرائية من نصوص مجردة إلى حماية حقيقية.
ويُجسّد الفصل 33 من دستور 2022 (وكذلك الفصل 27 من دستور 2014) الحق في الدفاع الفعال، حيث ينص على أن:
"المتهم بريء إلى أن ثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة". والفصل 36 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 المنظم لمهنة المحاماة ينص على أن المحامي المنتدب أو المسخّر ملزم بـ"مباشرة الدفاع على الوجه الأكمل". وهذا النص يحمل في طياته فكرة الدفاع الفعال "الأكمل" أي الجدية والاستقامة في أداء الواجب.
فضمانات الدفاع لا تتحقق بدفاع شكلي بل بدفاع "أكمل" أي حقيقي، فعال. والفرق بينهما كبير:
الدفاع الشكلي : مجرد حضور المحامي مع منوبه أي تواجد جسدي للمدافع مجرد استيفاء لشرط شكلي في القانون = ظاهرة إجرائية فارغة
الدفاع الفعّال :تأثير حقيقي على مسار الخصومة اي قدرة فعلية على ممارسة الوظائف الجوهرية لتحقيق حماية حقيقية للحقوق = تحويل النصوص المجردة إلى ضمانات عملية
وأهم شروط الدفاع الفعّال أربع هي:
1. القدرة القانونية والمهنية على الاضطلاع بمهام الدفاع
2. الاستقلال عن الجهات المقيدة له، وعدم تبعيته للسلطة أو للخصم
3. الاطلاع أي فرض الوصول الكامل إلى ملف القضية والتحقيقات والأدلة وكل وثيقة في الملف.
4. التمكن من وسائل العمل و توفير الإمكانات المادية والقانونية اللازمة.
ورغم التراجع الانتهاكات التطبيقية، فإن التشريع التونسي كان يسير بشكل واضح نحو تكريس مبدأ الدفاع الفعّال في سائر أطوار التقاضي، وذلك عبر تعديلات متتالية، منها في المادة الجزائية مثلا: القانون عدد 5 لسنة 2016 المتعلق بتنقيح مجلة الإجراءات الجزائية، والذي يُعدّ خطوة نوعية في هذا الاتجاه.
فمفهوم "الدفاع الفعّال" إذن لا يتوقف عند الحقوق الشكلية الممنوحة للمحامي (الاطلاع، الحضور،...)، بل يتعداه إلى الالتزام الموضوعي للمحامي بأداء واجبه بجدية وقوة ودون خوف أو تقصير.
لكن المشكلة أن القانون يُنظم الأمر، لكنه لا يُنشئ آليات رقابية فعّالة على جودة أداء المحامي. إذ لا نجد معيارا موضوعيا لـ"الجدية"؛ وصعوبة مساءلة المحامي المتقاعس لغياب الرقابة على أداء المحامين المنتدبين في الإعانات العدلية أو المسخرين خاصة. وما نشهده أحيانا من إمكانية الاكتفاء بالحضور الشكلي بسبب ضعف الضمانات والحوافز المادية للمحامين المسخّرين وهو ما قد يؤثر على حماسة بعضهم وجديتهم.
فالعمل الجدي والحضور القوي يعني بالضرورة:
1. الحضور الذهني لا الجسدي فحسب لأن المحامي قد يكون حاضراً جسدياً في الجلسة، لكنه غائب فكرياً:
▪︎ لا يُعدّ للقضية
▪︎ لا يدرس الملف
▪︎ لا يُحضّر الدفوع
▪︎ لا يتناقش بجدية مع منوبه
▪︎ يكتفي بالجلوس الصامت
هذا هو "الحضور الشكلي" الذي نحذّر منه.
2. أن يكون السند الحقيقي للمنوبه، أي:
▪︎ يُطمئنه ويُوضح له موقفه القانوني
▪︎ يُدافع عن حقوقه بقوة لا باستسلام
▪︎ يُحاول تغيير مسار القضية لا مجرد تسجيل حضوره في الجلسات
3. يباشر عمله بلا خوف أو تقصير:
° خوف من السلطة (القضاء، الأمن)
° خوف من خسارة علاقاته المهنية
° خوف من الضغوط السياسية
° خوف من رد فعل الخصم.
ومن هنا يتبين أن الفرق كبير وعميق بين "الحق في محامٍ" و"الحق في دفاع فعّال":
الحق في محامٍ (شكلي) الدفاع الفعّال (موضوعي)
↓ ↓
"لك محامٍ" "محاميك يُدافع عنك فعلاً"
↓ ↓
توفير الشخص توفير الجدية والقوة والسند
الخلاصة: الدفاع الفعّال في القانون التونسي يتحقق شكلياً بامتياز ، لكنه يواجه تطبيقيا تحدياً موضوعياً يتعلق بـجودة الأداء ونجاعته.
أي أن المشكلة أحيانا في الدفاع ذاته قبل أن تكون في المنظومة عموما.
وعليه، يمكن القول: أن التطبيق اليوم يضمن "الدفاع المتوفر"، لكنه لا يضمن دائماً "الدفاع الفعّال" في بعده الموضوعي الجاد، ما لم تترافق الحقوق الشكلية بـثقافة مهنية وآليات رقابية تضمن أن المحامي ليس مجرد "حاضر"، بل "سند حقيقي" لمن استعان به.

2026/06/14

ملاحظات حول قرار جناحي استئنافي يتعلق بإثبات التعذيب

محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.

 قرار جناحي ممتاز صادر عن الدائرة الجناحية الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بباجة بتاريخ 14 ماي 2026، في قضية استئنافية اعتراضية ضد حكم ابتدائي صدر بتاريخ 12 أوت 2025 يقضي بعقوبات سجنية متعددة (سنة + 6 أشهر + 6 أشهر + شهرين + شهرين + شهرين + 15 يوما + 15 يوما) عن جرائم التهديد، الإضرار العمدي بملك الغير، هضم جانب موظف عمومي، التعاصي، الاعتداء على الأخلاق الحميدة، القذف العلني، والسكر الواضح وإحداث الهرج (الفصول 304، 125، 222، 226 مكرر، 245، 247، 116، 315، 316، 317 م.ج).

صدر برئاسة السيدة نائلة التريكي رئيسة الدائرة وعضوية المستشارين السيدة فاتن خير الله والسيد على قيقة 

وهو من تلخيص القاضي المتميز علي قيقة.

وقبل تقييم القرار لا بد من كلمة تقدير للهيئة التي أصدرته لما تضمنه هذا القرار من شجاعة قضائية وتمييز في التعليل. فقد آثرت هذه الهيئة، في زمن قد يكون فيه الانحياز إلى محاضر الضابطة العدلية والمصادقة الشكلية على الأحكام أيسر السبل للسلامة الذاتية، أن تتعمق في أوراق الملف وتبني قرينة جدية على التعذيب من معطيات دقيقة (المعاينات الطبية، احتكار الباحث للسيطرة المادية، انعدام أي تفسير معقول للإصابات، إغفال فتح بحث مستقل، قبول شهادة محامي ذي الشبهة)، وهذا النوع من القرارات يجسد عمليا ما يُفترض أن يكون عليه القاضي الجزائي، حارسا فعليا لكرامة الإنسان ومبدأ المحاكمة العادلة، لا مجرد مصادق على ما يُعرض عليه. وهو يبعث برسالة مهمة، خصوصا لمن يمارسون مهنة المحاماة، بأن الدفوع المتعلقة بسلامة الإجراءات وكرامة المتهم ليست شكليات يمكن تجاوزها، بل جوهر العمل القضائي. تحية لهذه الهيئة، وأمل أن يكون هذا القرار نموذجا يُحتذى في قضايا مماثلة.


ورجوعا للقرار أبدي الملاحظات الأولية التالية:


الإطار الموضوعي: قبلت المحكمة الاعتراض شكلا (طبق الفصل 209 وما بعده م.إ.ج)، وفي الأصل بنت قرارها بنقض الحكم الابتدائي والقضاء ببطلان إجراءات التتبع بكاملها، استنادا إلى مسارين متداخلين:

البناء التحريري للقرار (تسلسل: مبدأ ⟸ معطى وقائعي ⟸ قرينة ⟸ أثرها على الإثبات ⟸ الطلب المهمل ⟸ التكييف القانوني ⟸ النتيجة) متماسك منهجيا ويعكس مستوى معقولا من جودة التعليل القضائي مقارنة بقرارات أخرى من هذا النوع،

على حد علمي هو أول حكم قضائي تونسي يؤسس قرينة التعذيب أثناء الاحتفاظ بناء على معاينات وشهادات وتقارير طبية تثبت إصابات بدنية بليغة على المتهم أثناء فترة الاحتفاظ، دون أي تفسير معقول لمصدرها، مع احتكار أعوان الأمن للسيطرة المادية عليه طوال تلك الفترة، وعدم فتح بحث مستقل في الإصابات.


**- من حيث المبدأ الدستوري وحماية الكرامة

الأساس الذي بنت عليه المحكمة قرارها أن السلامة الجسدية والمعنوية للمظنون فيه ضمانة جوهرية لشرعية التتبع، وأن الاعتراف أو الإجراء المتم تحت الإكراه فاقد لكل قيمة قانونية ويتطابق مع المبدأ الدستوري الثابت في الفصول المتعلقة بحظر التعذيب وحماية كرامة الإنسان، وهو مبدأ مستقر في التراتب الدستوري التونسي منذ دستور 2014 واستمر في دستور 2022 ضمن باب الحقوق والحريات. رغم أن القرار لم يُسند هذا المبدأ إلى فصل دستوري محدد بالعدد، بل صاغه كـ"مبدأ دستوري مستقر" بصفة عامة. 


**- البناء المنطقي الذي اعتمدته المحكمة: 

 يطابق بدقة المعيار الذي درجت عليه الهيئات والمحاكم الدولية المعنية بمناهضة التعذيب (مبدأ مفاده أن وجود إصابات لدى شخص محتفظ به دون تفسير من الدولة يولّد قرينة مسؤولية على عاتقها). هذا التطابق يُعد نقطة قوة حقيقية في التعليل، ويعكس انسجاما مع روح الفصل 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب (استبعاد كل قول أو دليل ثبت أنه انتُزع بالتعذيب).

كما أن استناد المحكمة إلى تقارير طبية أعدها خبراء بتسخير قضائي يتماشى مع منهجية "بروتوكول اسطنبول" الخاص بالتوثيق الطبي والقانوني للتعذيب، وهو معيار دولي معتمد.


القرار الاستئنافي متماسك منهجياً ومطابق للمعايير الدولية فيما يتعلق بـ:

* مبدأ عبء الإثبات المعكوس في التعذيب (اللجنة الدولية لمناهضة التعذيب - التعليق العام رقم 3) نقل عبء تقديم التفسير المعقول إلى جهة البحث عند ثبوت إصابات لدى محتفظ به أثناء مدة الاحتفاظ دون وجود سبب أخر، إثبات وجود إصابات بدنية بليغة وقعت أثناء فترة كان فيها أعوان الأمن الجهة الوحيدة المحتكرة للسيطرة المادية على المتهم، وانتفاء أي تفسير معقول بديل، فينشأ عن ذلك قرينة جدية على التعذيب تنتقل بموجبها عبء تقديم تفسير معقول إلى جهة البحث الأولي.

* الاعتماد على تقارير طبية أُعدت بتسخير قضائي: مطابق للفصل 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب** 

* استبعاد الدليل المنتزع بالتعذيب: المحاضر وما تولد عنها لفساد جوهر وسائل الإثبات.

* الحق في محاكمة عادلة: اعتبار عدم الرد على طلب جوهري خرقاً لحق الدفاع (امطابق للمادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.


** التقييم في السياق التونسي

قرينة التعذيب: تقدم نوعي، المحكمة لم تنتظر "إثباتاً قاطعاً" بل اعتمدت القرينة الجدية من الإصابات + احتكار السيطرة. هذا يكسر المنطق التقليدي الذي يُلقي بعبء الإثبات على الضحية

استبعاد الدليل الفاسد: تطبيق فعلي لمبدأ "الثمرة المسمومة" (fruit of the poisonous tree) — نادر في التطبيق القضائي التونسي حيث تُقبل المحاضر رغم شبهات التعذيب

حماية حق الدفاع: اعتبار أن عدم الرد على طلب سماع شاهد (المحامي) يُوجب البطلان، يُرسّخ رقابة قضائية على سير الأبحاث

التسخير القضائي للخبرة الطبية: اعتماد تقارير طبية بتسخير قضائي (وليس طبيب مسخر من باحث البداية) يُضعف احتمال التلاعب

وفي سجل تونس المُثقل بالإفلات من العقاب في قضايا التعذيب، فإن القضاء ببطلان إجراءات التتبع يعتبر أمرا محمودا رغم غياب ما يسمح في المنظومة القانونية الحالية من وجوبية تتبع الفاعلين (تم تكريسها في مشروع م ا ج المرمى فوق الرفوف منذ سنة 2019)

عموما البطلان كـ"جزاء إجرائي"في السياق التونسي، يُقرأ غالباً كـ"انتصار شكلي" ولكنه عمليا يُغلق الملف دون محاسبة. المتهم يُطلق سراحه (إيجابي) لكن الأعوان يُفلتون من العقاب (سلبي) هذا الحل يُرضي الضحية (بإطلاق سراحه) ويُرضي الأمن (بعدم محاسبة الأعوان)، لكنه لا يُعالج أصل المشكل.ما يُميّز هذا القرار

الاعتراف بـ"قرينة التعذيب": سابقة قضائية نادرة. في معظم الأحيان، تُقبل المحاكم التونسية تبريرات "المقاومة أثناء القبض" أو "إصابات سابقة"

كما أن ربط البطلان بـ"حق الدفاع": توسيع لنطاق حماية المحامي من شاهد على الاحتفاظ (بعد تخليّه عن النيابة)، وهو تكييف قانوني مُبتكر لم يسبق لي شخصيا أن وجدتها في حكم قضائي.


في مقياس العدالة التونسية القرار "استثنائي في الشكل، تقليدي في الجوهر" بالنسبة لتونس لأنه تجرأ على استبعاد دليل الشرطة بناءً على قرينة التعذيب — خطوة نادرة في قضاء تاريخياً "محافظ" إزاء سلوك بعض الأمنين. ومع هذا فالقرار يُمثّل تقدماً نسبياً في جودة التعليل القضائي، رغم فشل المنظومة القانونية الصادر في ظلها في اختبار "المحاسبة الفعلية" وهو ما يُميّز دولاً أخرى خرجت من ثقافة التعذيب.

التقييم النهائي: قرار ممتاز في حدود نظام قانوني هزيل، وجريان عمل قضائي يغلب عليه تشجيع الافلات من العقاب.


*******

حيثيات القرار:


حيث انه من المبادئ الدستورية المستقرة ان حماية السلامة الجسدية والمعنوية للمظنون فيه، تعد من الضمانات الجوهرية الملازمة لشرعية التتبع الجزائي، وان كل اعتراف او اجراء تم اتمامه تحت وطأة العنف او الاكراه او التعذيب يكون فاقدا لكل قيمة قانونية.

وحيث يستفاد من مؤيدات الملف، وخاصة ما تضمنته الشهادات والمعاينات والتقارير الطبية المجراة بواسطة تساخير، ثبوت وجود اثار عنف واصابات بدنية بليغة على المظنون فيه خلال فترة الاحتفاظ، دون ان يتضمن الملف أي معطى جدي يثبت نسبة تلك الإصابات الى شخص اخر بما في ذلك الشاكي، او الى سبب سابق او لاحق عن زمن الاحتفاظ، والحال ان الثابت من أوراق القضية ان أعوان الامن المشرفين على البحث كانوا الجهة الوحيدة المرافقة للمظنون فيه سواء اثناء القبض عليه او اقتياده الى مركز ... او مباشرة الأبحاث الى حين تقديمه للنيابة العمومية.

وحيث ان انعدام أي تفسير معقول لمصدر تلك الإصابات، فضلا على عدم تصريح الشاكي بتشابكه مع المظنون فيه ابان خلافهما وعدم معاينة باحث البداية لاي مظاهر عنف او اعتداء على المتهم عند حلولهم لنجدة الشاكي، مع احتكار الباحث لسلطة السيطرة المادية على المظنون فيه طيلة مدة الاحتفاظ، ينشئ قرينة جدية على تعرضه للعنف اثناء مباشرة الأبحاث تنضاف الى تصريحات المظنون فيه كما تتعزز بعدم المبادرة بفتح بحث مستقل وجدي في ملابسات الإصابات الثابتة عليه، بما يجعل سلامة الإجراءات محل ريبة مشروعة.

وحيث ان التعذيب او العنف الواقع اثناء الاحتفاظ لا يمس فقط بسلامة الشخص المادية، بل ينال من حرية الإرادة ويفسد جوهر وسائل الاثبات المستقاة خلال تلك المرحلة، مما يجرد المحاضر وما تولد عنها من اعمال لاحقة من شرط الموضوعية.

وحيث وفضلا على ما تقدم ثبت بمراجعة مؤيدات الملف تمسك الدفاع امام المحكمة بطلب سماع الأستاذ المحامي "..." الذي كان متوليا نيابة المظنون فيه خلال مرحلة البحث، وذلك بعد تصريحه بالتخلي عن نيابته، باعتباره شاهدا مباشرا للوقائع والظروف التي رافقت الاحتفاظ والسماع وما شابها من ادعاءات بالتعذيب والاكراه تعززت بشهائد طبية بما يجعله من وسائل الاثبات الجوهرية المتصلة مباشرة بشرعية الإجراءات وسلامة الأفعال المنسوبة للمظنون فيه.

وحيث انه من الثابت ان المحكمة لم تستجب لذلك الطلب ولم تبد بشأنه أي تعليل قانوني صريح بالقبول او الرفض، رغم ما يكتسيه صبغة جوهرية وتأثير مباشر على تكوين قناعتها، خاصة وان الشهادة المطلوب سماعها لا تتعلق بسر مهني محمول على الدفاع بعد زوال صفة النيابة بالتخلي الصريح عنها، وانما تتعلق بمعاينات مادية ووقائع عاينها الشاهد المفترض وتتصل بادعاءات التعذيب والعنف المسلط اثناء الاحتفاظ.

وحيث ان حق الدفاع لا يقتصر على الحضور الشكلي او تقديم الملحوظات او الترافع، بل يشمل كذلك تمكين المظنون فيه من كافة وسائل الاثبات القانونية الكفيلة باثارة الشك حول سلامة الإجراءات.

وحيث ان المحكمة تبقى ملزمة بالاجابة على الطلبات الجوهرية تعليلا وقضاء، قبولا او رفضا، والا عد سكوتها اخلالا بحقوق الدفاع وخرقا لمبدا المحاكمة العادلة.

وحيث ان طلب سماع الشاهد المذكور كان من شانه لو استجيب له، ان يكشف حقيقة الظروف التي تمت فيها الأبحاث الامر الذي يجعله طلبا منتجا لا يجوز الالتفات عنه ضمنا او اغفاله دون رد.

وحيث استقر فقه القضاء على ان اغفال المحكمة الرد على طلب جوهري من طلبات الدفاع يعد قصورا في التعليل واخلالا بحقوق الدفاع موجبا لبطلان الإجراءات والحكم المبني عليها، خاصة متى تعلق الطلب بالطعن كما هي صورة الحال بمشروعية وسائل الاثبات ذاتها.

وحيث اتجه والحال ما تقدم القضاء ببطلان الإجراءات.









2026/01/03

الفصل 96 جديد م ج: هل "سَبَقَ السيف العَذَلَ"؟

 

الفصل 96 جديد م ج: هل "سَبَقَ السيف العَذَلَ"؟

 

محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.

عرف القانـون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 مؤرخ في 7 مارس 2017 المتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين، الفساد بأنه:"كل تصرف مخالف للقانون والتراتيب الجاري بها العمل يضر أو من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة، وسوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية ويشمل جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها، وجميع حالات الإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال وتضارب المصالح واستغلال المعلومة الممتازة والتهرب الجبائي وتعطيل قرارات السلطة القضائية وكل الأفعال التي تهدد الصحة العامة أو السلامة أو البيئة."[1]. وهذا التعريف اكتفى "بسوء استخدام السلطة أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية"، كما أشار صراحة لمخالفة التراتيب اضرار بالمصلحة العامة، لكنه لم يتطرق صراحة للجريمة الأكثر استعمالا في التطبيق منذ سنة 2011 ألا وهي "استغلال الصفة". وربما يكون السبب هو أن واضعي النص تأثروا بما كان سائدا زمن وضعه. أين وقع اللجوء للفصل 96 م ج بصفة مفرطة. والغريب أن التنقيح الأخير للفصل 96 ألغى حالة الفساد الصريحة وحافظ على التي لم يقع التطرق لها بصفة غير مباشرة.

إذ كان الفصل 96 (قديم) يطبق على كل "موظف العمومي أو شبهه وكل مدير أو عضو أو مستخدم بإحدى الجماعات العمومية المحلية أو الجمعيات ذات المصلحة القومية أو بإحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية أو الشركات التي تساهم الدولة في رأس مالها بصفة مباشرة أو غير مباشرة بنصيب ما أو الشركات التابعة إلى الجماعات العمومية المحلية مكلف بمقتضى وظيفه ببيع أو صنع أو شراء أو إدارة أو حفظ أي مكاسب"[2]. كما كان ينص على ست جرائم هي:

-                 جريمة استغلال الصفة لاستخلاص فائدة لا وجه لها للنفس.

-                 جريمة استغلال الصفة لاستخلاص فائدة لا وجه لها للغير.

-                 جريمة استغلال الصفة للإضرار بالإدارة.

-                 جريمة مخالفة التراتيب لاستخلاص فائدة لا وجه لها للنفس.

-                 جريمة مخالفة التراتيب لاستخلاص فائدة لا وجه لها للغير.

-                 جريمة مخالفة التراتيب للإضرار بالإدارة.

ورغم أن فقه القضاء بات مستقرا على هذا الفهم للفصل إلا أن دوائر الاتهام بصفة خاصة وبعض الدوائر الجنائية لازالت تتعامل مع هذه الجرائم الست وكأنها جريمة واحدة. وهذا فهم خاطئ للقانون ترتب عنه نتائج غير شرعية كما سيقع بيانه لاحقا.

ونظرا للارتباط الموجود بين الفصل 96 وأحكام الفصل 98 م ج (وهو ما يفسر ان التنقيح الأخير شملهما معا)، فإنه من الواجب التذكير بالصيغة القديمة كذلك لهذا الفصل وهي: "على المحكمة في جميع الصور المنصوص عليها بالفصلين 96 و97 أن تحكم فضلا عن العقوبات المبينة بهذين الفصلين برد ما وقع الاستيلاء عليه أو اختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح ولو انتقلت إلى أصول الفاعل أو فروعه أو إخوته أو زوجه أو أصهاره سواء بقيت تلك الأموال على حالها أو وقع تحويلها إلى مكاسب أخرى.

ولا يتحرر هؤلاء من هذا الحكم إلا إذا أثبتوا أن مأتى هذه الأموال أو المكاسب لم يكن من متحصل الجريمة.

وللمحكمة في جميع الصور الواردة بالفصلين المذكورين أن تسلط كل أو بعض العقوبات المقررة بالفصل الخامس على أولئك المجرمين"[3].

وسبق لي مناقشة هذين الفصلين من خلال تعليق على قرار تعقيبي[4]، وكنت قد أشرت في حينه إلى أن الفصلين 96 و98 م ج وردا تحت عنوان " في الاختلاس من طرف الموظفين وأشباههم"، وهناك من يرى أن للاختلاس قدرا كبيرا من الخصوصية بحيث لا يمكنه أن يشمل جرائم الفصول من 96 إلى 98 وأنه كان من الأجدر تفريق هذه الفصول عن بقية فصول الاستيلاء على أموال عمومية لتفادي كل خلط بين ميادين التجريم، لكن حتى بعد تنقيح هذه الفصول بمقتضى قانون 11 أوت 1985 بقيت في مكانها ولم يقع التفطن إلى هذا الخلط[5].وهوما تواصل بعد تنقيح أوت 2025 كذلك.

ونظرا للاستعمال المفرط والتعسفي لمقتضيات الفصل 96 م ج منذ سنة 2011 فقد تدخل المشرع سنة 2017 وأصدر قانون المصالحة في المجال الإداري للحد من تتبع الموظفين العموميين عن الجرائم الواردة بهذا الفصل المرتكبة قبل 14 جانفي 2011،[6] ولكن تلك المصالحة لم تنه أزمة الموظفين العموميين الناتجة عن غموض وعموميات عبارات الفصل 96 م ج، خاصة ما تعلق منه بجرائم مخالفة التراتيب. وهو ما استوجب التفكير في تنقيحه فظهرت عدة مقترحات في الغرض لا يتسع المقام لعرضها. وانتهى الأمر إلى صدور القانون عدد 14 لسنة 2025 المؤرخ في 28 جويلية 2025 المتعلق بتنقيح بعض أحكام المجلة الجزائية ونصه:

"فصل وحيد – تُلغى أحكام الفصل 96 والفصل 98 من المجلة الجزائية وتُعوض بالأحكام التالية:

الفصل 96 (جديد) – يعاقب بالسجن مدة ستة (6) أعوام وبخطية تساوي قيمة المضرة الحاصلة للإدارة، الموظف العمومي أو شبهه، وكل مستخدم في مؤسسة اقتصادية أو اجتماعية تساهم الدولة في رأسمالها، المكلف بمقتضى وظيفه ببيع أو صنع أو شراء أو إدارة أو حفظ أي مكاسب، الذي تعمد استغلال صفته ليلحق ضررا ماديا بالإدارة مقابل استخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره.

وإذا حصل الإضرار بمؤسسة تساهم الدولة في رأسمالها فإن الخطية تحتسب بقدر نسبة إسهامها فيها.

الفصل 98 (جديد) – على المحكمة في جميع الصور المنصوص عليها بالفصل 96 (جديد) أن تحكم فضلا عن العقوبات المبينة بهذا الفصل برد ما وقع الاستيلاء عليه أو اختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح ولو انتقلت إلى أصول الفاعل أو فروعه أو اخوته أو زوجه أو أصهاره وسواء بقيت تلك الأموال على حالها أو وقع تحويلها إلى مكاسب أخرى.

ولا يتحرر هؤلاء من هذا الحكم إلا إذا أثبتوا أن مأتى هذه الأموال أو المكاسب لم يكن من متحصل الجريمة مع مراعاة الفقرة الثانية من الفصل 96 (جديد).

وللمحكمة في جميع الصور الواردة بالفصل المذكور أن تسلط إحدى العقوبات التكميلية المقررة بالفصل الخامس من هذه المجلة على من ثبتت إدانته.

ينشر هذا القانون بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية وينفذ كقانون من قوانين الدولة.

وقد تضمنت وثيقة شرح الأسباب حول مشروع القانون مايلي: "إن تطبيق الفصل 96 من المجلة الجزائية أدى الى امتناع عدد كبير من المسؤولين الإداريين عن اتخاذ قرارات أو مبادرات خشية تعرضهم لتتبعات قضائية أو إدارية، الأمر الذي انجر عنه اثار سلبية على نسق عمل الإدارة وتعطل العديد من المشاريع الاقتصادية والتنموية...والفصل 96 من المجلة الجزائية يثير العديد من الإشكاليات على مستوى الصياغة وكذلك على مستوى التوسع في التجريم حيث تضمن عبارات تفتقد للدقة وهو ما يتعارض مع مبدأ التأويل الضيق للنصوص الجزائية... جملة العوامل الداعية الى تنقيح الفصلين 96 و98. يمكن اختزالها في عملين اثنين عامل اقتصادي وعامل قانوني. وفي هذا السياق تضمن مقترح القانون ان "مشروع القانون يندرج في إطار الإصلاحات التشريعية الرامية الى ضمان تحقيق الموازنة بين أهداف السياسة الجزائية في مكافحة الفساد الإداري والمالي من جهة وعدم عرقلة العمل الإداري وتحقيق نجاعته من جهة أخرى. وينفرد القانون التونسي مقارنة بقوانين دول أخرى بأحكام الفصل 96 من المجلة الجزائية الذي يجرم قيام الموظف العمومي أو شبهه المكلف بمقتضى وظيفة ببيع أو صنع او شراء او ادارة او حفظ أي مكاسب باستغلال صفته او بمخالفته التراتيب الجاري بها العمل لتحقيق منفعة لنفسه او للغير أو للإضرار بالإدارة. ويكتسي هذا النص أهمية بالغة من الناحية الاقتصادية بالنظر إلى اثاره المباشرة على المعاملات المالية والصفقات العمومية تبرمها الدولة والهياكل العمومية وفي مكافحة سوء استخدام السلطة او الوظيفة للحصول على منفعة غير مشروعة او الإضرار بالإدارة. ويجدر التذكير في هذا الصدد بما شهدته فترة ما بعد الثورة من تتبعات جزائية على أساس الفصل 96 من المجلة الجزائية والتي طالت عددا من الموظفين العموميين على خلفية اتخاذهم لقرارات في إطار تسيير المرافق العمومية التي يشرفون عليها مما أدى إلى امتناع الموظفين عن اتخاذ القرارات او بعض المبادرات خشية تعرضهم لاحقا للتبعات وهو ما أثر سلبا على الإدارة ودفع ببعض الفاعلين الاقتصاديين الى اعتبار ذلك من أسباب الركود الاقتصادي". اما عن الدوافع القانونية فقد تمثلت في تلافي النقائص المتعلقة بصياغة الفصل 96.: "ان بعض عبارات الفصل 96 من المجلة الجزائية اتسمت بالعمومية على غرار عبارة "المنفعة" و "التراتيب" فضلا على تقديم تعداد لقائمة من المهن التي لا تخرج عن صفة الموظف العمومي أو شبهه وهو ما نتج عنه جدل قانوني أدى الى اختلاف المحاكم حول مفهوم موحد لتلك العبارات وحال دون تحقيق الغاية المرجوة منه في مكافحة جرائم الفساد الإداري والمالي[7]".

وفي تقييمهم لهذه المبادرة التشريعية الخاصة بتنقيح أحكام الفصل 96 من المجلة الجزائية أكد ممثلي وزارة العدل ورئاسة الحكومة على أهمية المبادرة وعلى "إدراج تنقيح الفصل 96 من المجلة الجزائية ضمن أولويات الحكومة حيث يحظى باهتمامها باعتباره يتعلق بمسألة مهمة تخص تطوير السياسة الجزائية وتحسين مناخ الأعمال ودفع الاستثمار وتحقيق المعادلة بين مكافحة الفساد الإداري من ناحية والنجاعة الإدارية من ناحية أخرى".[8]

وخلال جلسة لجنة التشريع العام بتاريخ 24 أفريل 2025 أكد السادة النواب المبادرون بمقترحي القانونين أن الهدف من هذه المبادرة التشريعية هو تجاوز الإشكاليات التي يطرحها تطبيق الفصل 96 وما أدخله من إرباك على الإدارة التونسية خشية التتبعات الجزائية على معنى الفصل المذكور والتي طالت عددا من الموظفين العموميين على خلفية اتخاذهم لقرارات في إطار تسيير المرافق العمومية التي يشرفون عليها"[9]

من خلال ما سبق يتبين وأنه تم تقديم التنقيح الجديد على أنه الترياق الشافي لكل مشاكل العمل الإداري المتعطل بسبب خشية الموظفين من سيف التتبعات الجزائية الذي سلطه الفصل 96 على رقابهم طيلة السنوات الماضية. وأمام كل هذا التقديم البراق والمتفائل لأسباب التنقيح لا بد من التساؤل: هل أن الصيغة النهائية المصادق عليها للفصلين 96 و98 م ج تستجيب لكل ما سبق وقادرة فعلا على غلق باب التعسف والافراط في استخدام القانون الجزائي كوسيلة لحماية المال العام؟ أم أن السيف سبق العذل فعلا وما التنقيح الجديد إلا مرحلة أخرى من الخوض في الغموض الناتج عن عدم دقة التشريع وافتقاره لرؤية متكاملة نابعة من سياسة جزائية واضحة المعالم؟

من المؤكد أن التنقيح محل التعليق لا يمكن أن يندرج بأي حال في إطار سياسة جزائية واضحة ومرسومة بشكل علمي ممنهج، بل هو مجرد محاولة إضافية ستلحق بما سبقها من تجارب علاج موضعي يسكن الألم لكنه لا يشفي المريض. وهذا ما يمكن التأكد منه من خلال تحليل مقتضيات الفصل 96 جديد (الجزء الأول)، قبل المرور لاستعراض التطبيقات القضائية الأولى لها والتي جاءت مخيبة للآمال الكبيرة التي رافقت حملة الترويج له (الجزء الثاني).

الجزء الأول: تحليل مقتضيات الفصل 96 جديد م ج:

نصت الفقرة الأولى من هذا الفصل على مايلي: " الفصل 96 (جديد) – يعاقب بالسجن مدة ستة (6) أعوام وبخطية تساوي قيمة المضرة الحاصلة للإدارة، الموظف العمومي أو شبهه، وكل مستخدم في مؤسسة اقتصادية أو اجتماعية تساهم الدولة في رأسمالها، المكلف بمقتضى وظيفه ببيع أو صنع أو شراء أو إدارة أو حفظ أي مكاسب، الذي تعمد استغلال صفته ليلحق ضررا ماديا بالإدارة مقابل استخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره."

وما يلاحظ هنا أن القانون الجديد ألغى تماما الفصل 96 قديم برمته وعوضه بنص جديد. إذ أن المشرع تخلى تماما عن صور التجريم الست القديمة التي سبق ذكرها أعلاه، وعوضها بجريمتين جديدتي البنيان، مرتبطتين باستغلال الصفة مع حذف كل الصور المتعلقة بخرق التراتيب. وهو ما يستوجب تحليل مقتضيات الفصل الجديد من خلال بيان مفاهيمه وهي خاصة: الصفة، الفائدة، والعمد.

الفقرة الأولى:الصفة (النطاق الشخصي)

1- تحديد الصفة:

من البديهي ان الحديث عن استغلال الصفة يستوجب مبدئيا تحديد "الصفة" التي تجعل صاحبها تحت طائلة أحكام الفصل 96 م ج. إذ أن استغلال الصفة يفترض بداهة توفر إحدى الصفات الوارد تعدادها بالفصل 96 م ج وأن يكون موضوع الاستغلال تلك الصفة بعينها لا غيرها من الصفات غير المعنية بالتجريم.

ويتبين من  الفصل محل التعليق أن المشرع حافظ على ضرورة توفر صفة مزدوجة تتمثل في:

1-1- صفة أولية:

موظف العمومي أو شبهه، أو مستخدم في مؤسسة اقتصادية أو اجتماعية تساهم الدولة في رأسمالها.

وقع التخلي نسبيا عن التوسع في ركن الصفة الذي أدخل على الفصلين 96 قديم بموجب تنقيح سنة 1985 سالف الذكر عند إضافة " وكل مدير أو عضو أو مستخدم بإحدى الجماعات العمومية المحلية أو الجمعيات ذات المصلحة القومية أو بإحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية أو الشركات التي تساهم الدولة في رأس مالها بصفة مباشرة أو غير مباشرة بنصيب ما أو الشركات التابعة إلى الجماعات العمومية المحلية". ولقد اعتبر الأستاذ الطيب اللومي أن المشرع رمى من وراء ذلك التوسع في الاشخاص إلى "معاملتهم كما يعامل هذا الموظف العمومي وشبهه نظرا للدور الذي تلعبه مؤسساتهم في الاقتصاد الوطني." 

فمفهوم الموظف وشبهه في الفصلين 96 قديم و 99 يتجاوز بكثير مفهوم الموظف وشبهه الوارد بالفصل 82 م ج وبقية الفصول التي تليه ومنها 95 و97 و100.

وبموجب التنقيح الجديد وقع تضييق النطاق الشخصي من خلال حصره في: " الموظف العمومي أو شبهه، وكل مستخدم في مؤسسة اقتصادية أو اجتماعية تساهم الدولة في رأسمالها، المكلف بمقتضى وظيفه ببيع أو صنع أو شراء أو إدارة أو حفظ أي مكاسب،...".

فما تم حذفه صراحة هو: الجمعيات ذات المصلحة القومية (وهو مصطلح تجاوزه المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلق بالجمعيات)[10]، والشركات التابعة إلى الجماعات العمومية المحلية.

أما بقية المحذوف "ظاهريا" فهو يندرج بطبيعته تحت طائلة الفصل 82 م ج. الذي بالرجوع إليه نجد تحديدا لمفهوم الموظف وشبهه. إذ تم بمقتضى القانون عدد 33 لسنة 1998 المؤرخ في 23 ماي 1998 تنقيح المجلة الجنائية فيما يخص الأحكام المتعلقة بالموظفين العموميين وإتمامها وأصبح الفصل 82 يعرف الموظف العمومي بأنه: "أعوان الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية، والمنشآت العمومية مهما كانت وضعيتهم الإدارية (موظفون وعملة مرسمين ووقتين ومتعاقدين وعرضين) وسواء كانوا في حالة المباشرة أو عدم المباشرة أو الإلحاق. وكل شخص تعهد إليه صلاحيات السلطة العمومية أو يعمل لدى مصلحة من مصالح الدولة أو جماعة محلية أو ديوان أو مؤسسة عمومية أو منشأة عمومية أو غيرها من الذوات التي تساهم في تسيير مرفق عمومي. وكذلك كل من له صفة المأمور العمومي ومن انتخب لنيابة مصلحة عمومية أو من تعينه العدالة للقيام بمأمورية قضائية"[11].

ومن خلال هذا النص يتبين أن جزء كبير ممن تم حذفهم من الفصل 96 مازالوا موجودين من بوابة تعريف الموظف في الفصل 82 وما وقع حقيقة هو حذف التكرار، مع إبقاء عبارة "مستخدم" التي هي من أصلها غير مألوفة في التشريع التونسي .

وهذا المستخدم يجب ان يكون في مؤسسة اقتصادية أو اجتماعية تساهم الدولة في رأسمالها، والسؤال هنا ما المقصود بمؤسسة اجتماعية تساهم الدولة في رأسمالها؟

إذا كان المقصود هو الجمعيات فهذا غير ممكن لكونها لا تملك رأسمال من جهة ولكون الدولة تدعم وتمول الجمعيات ولا تساهم في رأسمالها[12] بل إن وجود رأسمال يتعارض مع النظام القانوني للجمعيات. وعليه فيبدو أن التنصيص على "مؤسسة اجتماعية تساهم الدولة في رأسمالها" هو من قبيل التزيد، بل هو غموض سيخلق إشكالات تطبيقية لا موجب لها.

2-1- صفة تكليفية:

أي أن يكون من ذكر من الأشخاص مكلفا بمقتضى وظيفه ببيع أو صنع أو شراء أو إدارة أو حفظ أي مكاسب

فالتطبيق السليم لأحكام الفصل 96 يقتضي وجود مكاسب أي أموال مهما كان نوعها وضعت تحت يد المعني بالأمر من الأشخاص الذين ذكرهم النص للقيام بعمل معين. وحدد الفصل خمسة أفعال حصرية تتعلق بالتصرف في تلك المكاسب يجب ان يتوفر واحد منها على الأقل وهي: عمليات البيع أو الصنع أو الشراء أو الإدارة أو الحفظ.

فالفصل 96 م ج يستلهم الأعمال من تقسيم عام كرسه القانون المدني يميز بين اعمال الحفظ واعمال التفويت واعمال الإدارة. والتفويت هو كل تصرف قانوني أي عمل إرادي يهدف اما الى نقل ملكية شيء أو حق عيني آخر عليه أو انشاء هذا الحق وهو يختلف عن صنفين اخرين من التصرفات القانونية وهما أعمال الحفظ كالوديعة وأعمال الإدارة وأبرزها عقد الكراء[13]. أي ان التفويت لا يشمل سوى اعمال البيع والشراء والتصنيع.

وقد أثيرت مؤخرا إشكالية تتعلق بعملية الإقراض، فهل تدخل تحت طائلة العمليات المنصوص عليها في الفصل المذكور والمتمثلة في ( البيع أو الصنع أو الشراء أو الإدارة أو الحفظ)، وهل أن عملية الإقراض من قبيل الإدارة والحفظ لمكاسب المنشأة التي يعمل بها المستخدم؟ أجابت دائرة الاتهام بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي في قررها عدد 895 الصادر بتاريخ 5/02/2025 عند تكييفها للفعل محل التتبع طبق مقتضيات الفصل 96 قديم من المجلة الجزائية، الذي يجرّم استغلال الموظف العمومي أو شبهه لصفته بغرض تحقيق فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره أو للإضرار بالإدارة، بالايجاب معتبرة أنه من أعمال البيع أو الشراء أو الصنع أو الحفظ أو الإدارة. وأوردت بهذا الصدد ما يلي ( وحيث أن المظنون فيهم المذكورين مكلفون بمقتضى وظيفهم بإدارة وحفظ مكاسب المنشأة التي يعملون بها الا انهم استغلوا صفاتهم المذكورة وخالفوا التراتيب المنطبقة في مجال اسناد القروض… لا يمكن استغلال المال العام دون احترام مبدأ المساواة وعليه أن تقديم ضمان عقاري أو رهن عقاري لم يقع تقييمه في الإبان وقد يغطي لاحقا مبلغ التمويل لا يكفي للقول بأنه تم احترام التراتيب إذ ان مفعول تلك التغطية لا يسري عادة إلا بعد مرور مدة طويلة زمنية واستنفاذ النزاعات القضائية وإمكانية تعذر التنفيذ بالبيع لوجود العديد من الموعود لهم بالبيع الذين دفعوا تسبقات مالية دون إبرام اتفاقات في الغرض مع البنك وفي الأثناء يتمتع المنتفعون بتمويلات كبيرة طوال مدة طويلة يتم خلاصها استنزاف المال العام وجعله حكرا على البعض دون البقية ممن توفر فهم كافة الشروط والتراتيب)[14]، وهو ما لا يتناسب والقراءة السليمة للأفعال الواردة في النص التجريمي المذكور خاصة في صيغته الجديدة. فليس ثمة في النص أي إشارة إلى عمليات الإقراض أو التمويل ومن ناحية قانونية خالصة لا يمكن التوسع فيه ليشمل عمليات الإقراض. وخلافاً لما ذهبت اليه دائرة الاتهام من اعتبار عملية الإقراض من قبيل الإدارة والحفظ فإنه:

                 لا يمكن تكييف عقد القرض بكونه من قبيل عمليات "الإدارة فهذه الأخيرة هي تلك الأعمال التي يكون المقصود منها استغلال أو استثمار العناصر المادية المكونة للذمة المالية استغلالا عاديا دون أن يترتب عليها إلزام الذمة في المستقبل ودون أن تغيّر من التخصيص الاقتصادي للعناصر المكونة لها، وهي التصرف المادي والقانوني لصيانة الشيء وحفظه واستغلاله. ويعرف فقه القضاء عموما أعمال الإدارة بكونها ترمي إلى المحافظة وتنمية واستغلال الأموال وهي ليست من صنف أعمال التفويت المشمولة بعبارات "البيع" و"الشراء" و"التصنيع".

                 لا يمكن تكييف عقد القرض بكونه من عمليات "الحفظ"، فهذه الأخيرة هي جملة الأعمال الضرورية والعاجلة التي تهدف إلى حماية الذمة المالية للشخص أو عنصر أو أكثر من العناصر المكونة لها دون أن يترتب عليها تعديل المركز القانوني لهذا الشخص، وتتميز بضآلة نفقاتها بالنسبة لقيمة المال الذي تتم حمايته. ولا يمكن اعتبار القرض منها لأن البنك عندما يقرض مبلغ نقديا لا يقوم بعمليات إدارة لمحفظة أو تصرف عقاري بل يضع سيولة نقدية على ذمة المقترض مقابل فائض يدفعه هذا الأخير. ويدخل المال مؤقتا في ذمة المقترض ويستعمله فيفقد البنك كل رقابة مباشرة عليه خلال مدة القرض. وعليه يكون القرض عملية تمويل وليس عمل إدارة فهو يمنح المقترض وسائل مالية جديدة ولا يقوم البنك بعمل إدارة المكاسب موجودة.

وعليه لا يمكن تكييف عقد القرض بكونه عقد إدارة أو حفظ بل هو عقد تمويل opération financière تنشأ بمقتضاه علاقة مديونية مباشرة بين دائن ومقترض ليست مرتبطة بإدارة مادية لمال.

ويتأكد ما سبق بالأحكام الواردة صلب مجلة الالتزامات والعقود:

                 الفصل 1081 من مجلة الالتزامات والعقود عقد القرض بكونه "عقد على دفع شيء مما يستهلك أو منقول على أن يرجع له المقترض نظير ذلك نوعا وقدرا ووصفا عند انقضاء الأجل المتفق عليه".

                 الفصل 1086 من مجلة الالتزامات والعقود نص على انه: يدخل القرض في ملك المقترض من وقت تمام العقد بتراضي الجانبين ولو قبل تسلمه وهو من أعمال التفويت خاصة وان المشرع يشترط في الفصل 1083 من م إ ع أن يكون للمقرض أهلية التفويت.

وبناء عليه لا يمكن تكييف عقد القرض بكونه عقد إدارة بل هو عقد تمويل opération financière تنشأ بمقتضاه علاقة مديونية مباشرة بين دائن ومقترض ليست مرتبطة بإدارة مادية لمال.

وحيث لا يمكن تكييف عقد القرض بكونه بيعا أو شراء أو صنعا أو حفظا ولا خاصة "إدارة" لأن البنك عندما يقرض مبلغ نقديا لا يقوم بعمليات إدارة المحفظة أو تصرف عقاري بل يضع سيولة نقدية على ذمة المقترض مقابل فائض يدفعه هذا الأخير ويدخل المال مؤقتا في ذمة المقترض ويستعمله فيفقد البنك كل رقابة مباشرة عليه خلال مدة القرض وعليه يكون القرض عملية تمويل وليس عمل إدارة فهو يمنح المقترض وسائل مالية جديدة ولا يقوم البنك بعمل إدارة المكاسب موجودة. إذ تنقسم العمليات المصرفية الأصلية للمصارف التقليدية Banques comentionnelles إلى نوعين : الإقراض (بمعنى تسليم المال بفائض)، أو منح ضمانات التزامات الغير.

ويستنتج مما سبق أن عقد القرض يُصنّف قانونًا ضمن أعمال التفويت لأنه يُفضي إلى نقل ملكية المال المقرض إلى المقترض إلا أن الفصل 96 من المجلة الجزائية حدّد أعمال التفويت المشمولة بالتجريم، وهي فقط: البيع، والشراء، والتصنيع، دون أن يشمل القرض. وعليه، لا يمكن قانونًا إدخال القرض ضمن الأعمال المجرّمة بالفصل 96 لأنه لم يُذكر ضمن أعمال التفويت المحددة فيه.

ويتضح من جملة ما سبق أن ما ذهبت إليه دوائر الاتهام وبعض محاكم الأصل من اعتبار عملية الإقراض من قبيل أعمال الإدارة والحفظ إنما هو سوء تأويل الفصل 96 م ج من خلال التوسع فيه. مع أنه يتعين تأويل النص الجزائي بصورة ضيقة. إذ ليس من مهام القاضي الجزائي ملأ فراغ النص القانوني. (قرار تعقيبي عدد 62280 مؤرخ 2017/01/04). ودرج فقه القضاء على اعتبار ان النص الجزائي لا يقبل القياس ولا التأويل الموسع من ذلك ما جاء بالقرار التعقيبي عدد 17353 المؤرخ في 6/7/1988 [15] من انه: "من مقتضيات النظام العام ألا يقع التوسع في حمل النصوص الجزائية على غير مدلولاتها الواضحة".

ويتحصحص من ذلك أن الفصل 96 لم يجعله المشرع أساسا قانونيا لتجريم عدم خلاص القروض التي تسندها البنوك التي تساهم الدولة في رأسمالها، فالمخاطرة هي من صميم الإئتمان.

وعلاوة عما سبق فإن صياغة الفصل 96 م ج القديمة والجديدة تقتضي ضرورة السيطرة المباشرة على المال العمومي ، وبالرجوع إلى مداولات مجلس النواب لسنة 1985 يتبين أن الغاية من التجريم هي حماية المال العمومي من خلال زجر سوء التصرف فيه من قبل من يديره أو يتصرف فيه بشكل مباشر.

2- استغلال الصفة

أي تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة من خلال استعمال الموظف أو شبهه أو المستخدم لصلاحياته الادارية في ذلك الاتجاه.

وتعرف جريمة استغلال الصفة في المادة 19 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد[16] بأنها قيام أو عدم قيام موظف عمومي بفعل ما لدى الاضطلاع بوظائفه بغرض الحصول على فائدة غير مستحقة لصالحه أو لصالح شخص أو كيان آخر، مما يشكل انتهاكًا للقانون.

فهي إستغلال الصفة للقيام بفعل أو اﻻمتناع عن أداء الواجبات الرسمية من جانب شخص يؤدي وظائف عمومية لغرض الحصول على فوائد غير مشروعة لنفسه أو لغيره.

وكان من ضمن الأفعال المجرمة بالفصل 96 قديم م ج فعلين، يتمثل الأول في استغلال الصفة لاستخلاص فائدة غير مشروعة لنفسه أو لغيره، والثاني في استغلال تلك الصفة للإضرار بالإدارة. والمقصود باستغلال الصفة على معنى الفصل 96 م ج هو استعمال الصلاحيات التي يتمتع بها الجاني -بموجب تلك الصفة- لتحقيق مآرب شخصية على غرار الانحراف بالسلطة في المادة الإدارية الذي يعرّفه القاضي الإداري بأنه: "استعمال الإدارة السلطة والصلاحيات المخوّلة لها قانونا لا للصالح العام ...قصديا."

ضرورة توفر علاقة سببية مباشرة بين ممارسة اختصاصات الوظيفة ووجود المال بيد الموظف إذن فهذا الشرط ركن قائم بذاته في الجريمة وهذا ما نستشفه من عبارة "استغل صفته" أي أن صفة الفاعل كموظف عموميّ هي السبب في وجود المال بيد الموظف بحيث يكون ذلك من صميم الوظيفة المناطة بعهدته.

أدخل الفصل 96 الجديد تمييزًا جوهريًا بين حالتين قانونيتين متمايزتين:

1. الانحراف بالوظيفة أو استغلالها لتحقيق مصلحة شخصية غير مشروعة، وهذا ما يبقى خاضعًا للتجريم بشرط إثبات القصد الجنائي الخاص.

2. مخالفة التراتيب الإدارية فقط، دون وجود نية إضرار أو انتفاع، وهذه لم تعد خاضعة للعقاب، بل أصبحت خارج دائرة التجريم نهائيًا.

وهذا التمييز يمثل تطورًا تشريعيًا هامًا، يحدّ من التوسّع السابق في تكييف مجرد الأخطاء الإدارية كجرائم، ويعيد التوازن بين واجب المحاسبة ومبدأ الشرعية.

ومن أبرز أوجه استغلال الصفة:

– محاباة الأقارب: تعني تعيين أفراد العائلة بشكل غير مناسب في المناصب والوظائف الحكومية وغيرها.

– محاباة المعارف تتضمن المعاملة التفضيلية للمعارف والحلفاء السياسيين، بتعيينهم غالبا في وظائف بلا عمل.

– المحسوبية: تعني المنح الانتقائي لمزايا رسمية لأفراد أو جماعات لقاء استمرار ولائهم للحكومة

– الزبائنية: تظهر عندما تصبح المحسوبية سياسة للدولة، متغلغلة في كل المؤسسات وكافة جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لتصبح المعاملات اليومية الإدارية وغيرها تخضع لمنطق المقايضة.[17].

وقد سبق لمحكمة التعقيب تطبيق وبيان مدلول استغلال الصفة من ذلك:

 ففي القرار التعقيبي الجزائي عدد 33702.16 المؤرخ في: 08.01.2016 اعتبرت المحكمة أنه: " إن جناية الفصل 96 من المجلة الجزائية تحقق متى استغل الموظف العمومي وظيفته بأن حصل أو حاول أن يحصل لنفسه أو لغيره على ربح أو منفعة بدون موجب شرعي وذلك من عمل من أعمال وظيفته أي أن يكون الحصول على المنفعة أو محاولة الحصول عليها من عمل من أعمال وظيفته سواء كان ذلك في مرحلة تقرير العمل الذي يستغله الموظف أو في مرحلة المداولة في إتخاذه أو عند التصديق عليه أو تعديله على نحو معين أو تنفيذه أو إبطاله أو إلغائه ففي هذه الجريمة يتمثل إستغلال الوظيفة العامة من خلال العمل على تحقيق مصلحة خاصة وثبوت التعارض بين هذه المصلحة الخاصة التي يستهدفها الموظف العام لنفسه أو لغيره وبين المصلحة العامة المكلف بالسهر عليها وتحقيقها في نزاهة وتجرد غير راغب لنفسه أو لغيره ربحا أو منفعة فهذه جريمة من جرائم الخطر الذي يهدد نزاهة الوظيفة العامة لأنها تؤدي إلى تعرض المصلحة العامة للخطر من استغلال الموظف العام لصفته للحصول على منفعة من ورائها له أو لغيره وتكون نتيجته الأضرار بالإدارة... وحيث أنه بالرجوع إلى مستندات القرار المطعون فيه يتضح بأن دائرة الاتهام انتهت إلى التصريح بتوفر الأركان القانونية لجريمة الفصل 96 من المجلة الجزائية في جانب الطاعن الآن دون الإتيان على عرض وقائع القضية وملابساتها وذكر دفوعات أطرافها وتناولها بالدرس والمناقشة وإبداء رأيها القانوني في شأنها استنادا على ماله أصل ثابت بملف القضية وإبراز الأركان القانونية للفعل المنسوب للمتهم بغاية الوضوح والدقة كما تم تبيانه سابقا كبيان المنفعة الشخصية المستوفاة وهي الفائدة والربح المتحصل عليه من قبل المظنون فيه سواء كان لشخصه أو لغيره وبيان طبيعة الضرر الحاصل للدولة وتحديده بما يتسنى معه المحكمة التعقيب لبسط رقابتها على حسن تطبيق القانون والتأكد من المنطق القانوني الذي اتبعته في بناء قرارها ذلك أن القرار القضائي المسبب هو الذي يقدم وحده مجموعة العناصر التي تسمح باستخلاص وتوضيح الاستدلال القانوني ويوضح طبيعته بما تم الإجابة عنه بخصوص الدفوعات المعروضة من الأطراف وفي غياب ذلك يكون قاصرا في التسبيب وهاضما لحقوق الدفاع مما يتجه معه قبول هذه المطاعن لانبنائها على السند الصحيح".

أما في القرار التعقيبي الجزائي عدد 62280.18 المؤرخ في: 04.01.2018 فقد أكدت أن: "ثبوت استغلال الصفة لاستخلاص الجاني فائدة لا وجه لها، سواء لنفسه أو لغيره وذلك الاضرار بالإدارة أو خالف التراتيب المنطبقة على تلك العمليات قصد تحقيق هذه الفائدة أو الضرر . كل ذلك بمناسبة إدارة مكاسب كلف بها بحكم وظيفته… وفي المقابل فإن محكمة القرار المنتقد استندت إلى توجيه التهمة بارتكاب جريمة الفصل 96 م ج على الطاعنة وذلك اعتماد على كونها مديرة مكلفة بالتدقيق الداخلي والتفقد وبالصفقات العمومية بديوان الصناعات التقليدية وعمدت في هذا النطاق إلى إعداد مشروع الصفقة المبرمة بين الديوان المذكور وشركة الاشهار "س" وإبرام الصفقة لاحقا بالتفاوض المباشر دون تفعيل مبدأ المنافسة عن طريق إعلان طلب عروض. وحيث دفعت الطاعنة في المقابل بأنها وبحكم الخطة التي شغلتها بالديوان فهي مهمتها فقط بإعداد المشاريع للصفقات وليس لها اسنادها للغير، لأن ذلك في مشمولات لجنة وزارية مكلفة بذلك. وحيث لم تتحقق محكمة القرار المنتقد من هذه المسألة التي لها تأثير على وجه الفصل في القضية وعلى توجيه الاتهام ضدّ الطاعنة ، باعتبارها تؤثر على مدى توفر الصفة الموظف العمومي ذي الصلاحيات المطلوبة بما يخوّل له استغلال هذه الصفة في استخلاص فائدة لا وجه لها لنفس أو لغيره الإضرار بالإدارة على معنى الفصل 96 من م ج خاصة أن ما دفعت به يجعل صلاحية عقد الصفقات بعد إعلان طلب عروض غير راجعة لها مما من شأنه التي يجعلها أصل في كل مسؤوليته في العرض. وحيث يكون بذلك القرار المطعون في ضعف التسبيب والتعليل فيما توجه إليه في غياب الوقوف على الدفوعات السابق التعرّض اليها والرد عليها ، مما يوجب نقضه".

وفي القرار التعقيبي الجزائي عدد 97765.20 المؤرخ في: 10.03.2020 بينت أنه: "في خصوص ركن إستغلال الصفة فإنه يتحقق متى إستغل الموظف العمومي بالمعنى الوارد بالفصل 82 من المجلة الجزائية صفته بأن حصل لنفسه أو لغيره على فائدة أو منفعة له أو لغيره بدون وجه حق وذلك بالقيام بعمل من أعمال وظيفته مغلبا بذلك المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. وحيث بالرجوع إلى القرار المنتقد يتضح أن محكمة القرار المتقد لم تبرز مدى إنطباق الأركان القانونية لجريمة الإحالة على وقائع قضية الحال ضرورة أنها لم تبين كيف إستغل المتهم المعقب وظيفه لتحقيق فائدة لنفسه أو لغيره كما لم تبين التراتيب القانونية التي تولى المتهم مخالفتها لكي يحقق منفعة للغير ضرورة أنه يجب بيانها بكل دقة والإشارة إلى مراجعها حتى تتمكن محكمة التعقيب من مراقبة حسن تطبيق القانون أما وأنها غفلت عن بیان هذا الركن من أركان الجريمة بكل دقة فإن قضائها كان قاصر التسبيب خارقا للقانون ومبررا للنقض من هاته الناحية. وحيث وفي خصوص ركن الضرر فقد غفلت محكمة القرار المنتقد عن إبراز هذا الركن بكل دقة خاصة وأن الإختبار المأذون به من طرف قلم التحقيق أثبت أن الفرق بين قيمة قطعتي الأرض موضوع المعاوضة أسفر عن فارق إيجابي لفائدة الدولة مما يجعل قرارها محرفا للوقائع من هاته الناحية. وحيث ومن جهة أخرى لم تبين المحكمة كيفية إستدلالها على ثبوت الركن القصدي الجريمة الفصل 96 واكتفت بتعليل طغت عليه الصبغة الفضفاضة والإجمالية. وحيث كان القرار المنتقد ضعيف التعليل خارقا للقانون ومحرفا للوقائع مما يبرر نقضه وإرجاع القضية إلى محكمة الإستئناف بتونس لإعادة النظر فيها مجددا بهيئة أخرى".

الفقرة الثانية: الفائدة، المنفعة:

بالاطلاع على الفصلين 96 و98 بصيغتهما الجديدة والقديمة يلاحظ أن عدم الانضباط الاصطلاحي متواصل. فالفصل 96 يستخدم مصطلح "فائدة  un avantage"، فيما يستخدم الفصل 98 مصطلح "منفعة intérêt ou du gain obtenus" وهو خلط متداول في العموم ولكنه يبقى غير مقبول من المشرع، لأن مصطلح المنفعة يشمل الرضا والتفضيل ويستخدم في علم الاقتصاد وعند اتخاذ القرار من شيء ما، بينما تقتصر الفائدة على تلبية حاجة مادية،

ولغة: فالفَائِدَةُ هي المالُ الثابت. او رِبْح المال في زمن مُحَدَّد بسعر مُحَدَّد.

أما المَنْفعَةُ فهي كلُّ ما يُنتفَع به[18]،

ودون التوسع في التفرقة بينهما نقول أن المشرع طالما ربط الأمر بالضرر المادي فقد كان عليه ان يقتصر على استعمال مصطلح الفائدة، التي ستعتمد لا فقط عند البحث في قيام الجريمة باعتبارها عنصرا فيها، بل كذلك ستطال تحديد الجزاء المترتب عنها عند ضبط مقدار الخطية والرد.

فمصطلح الفائدة يتماشى كذلك والتطبيق القضائي السابق للتنقيح والذي حصر نطاق الجريمة في الضرر المادي دون سواه. فمحكمة التعقيب اعتمدت هذا التوجه منذ  قرارها عدد 96807 المؤرخ في 2/11/2011 :" ان دائرة الاتهام ومن قبلها قاضي التحقيق لم يتوليا ابراز اركان جريمة الفصل 96 م ج لا من حيث عنصر استخلاص الفائدة ولا استغلال الصفة ولا من حيث عنصر الاضرار بالادارة وقيمة المضرة واكتفت بتعليل عام وغير دقيق وفيه خرق لمقتضيات الفصل 102 م م م ت... ولكون تلك القيمة ستكون جزء من الحكم في صورة ثبوت الادانة وفق مقنضيات الفصل 98 م ج فورثت قرارها ضعفا في التعليل وخرقا للقانون الموجبين للنقض"(غير منشور). وكانت أكثر وضوحا في قرارها عدد 9761 بتاريخ 12/06/2013 إذ اعتبرت أن"فلسفة المشرع الرامية إلى حماية الإدارة ــ بدليل حرصه على استرجاع ما وقع الاستيلاء عليه ـــ تجعل المنفعة المشار إليها لا يمكن أن تكون إلا منفعة مادية بحتة وإلا لاستحال الحكم بالخطية ولتعذر ردّ ما وقع الاستيلاء عليه واختلاسه .وحيث زيادة عمّا ذكر, فإنّ المشرّع قد استعمل كلمات اختلاس مثل »قيمة « و »منفعة « و »ربح « و»أموال« و»مكاسب « وهي كلمات تدلّ على الجانب المادّي دون المعنوي فضلا عن كون الردّ لا يمكن أن يكون إلاّ ماديّا صرفا. وحيث يستخلص ممّا سبق أن تأويل القاعدة القانونية على النحو الذي ذهبت إليه محكمة القرار المطعون فيه في اعتبار المنفعة الواردة بالفصل 96 لا تقتصر على المنفعة المادية فحسب بل تشمل المنفعة المعنوية ، هو تأويل خاطئ باعتبارها توسّعت في تأويل النصّ خارقة بذلك مبدأ التأويل الضيّق وكان توسّعا لا مبرّر له ومخالفا لإرادة المشرّع باعتبار أنّ القاعدة القانونية التي يعتريها الغموض إنّما تؤول لمصلحة المتهم وليس العكس الأمر الذي يستوجب النقض «.

وقد أكدت محكمة التعقيب تأويلها السالف عرضه في قرارها عدد 24575 الصادر بتاريخ 14 ديسمبر 2021 الّذي أكدت فيه أنّ" المقصود بالمنفعة هي المنفعة الماديّة دون غيرها باعتبار أنّ فقه القضاء كان قد استبعد المنفعة المعنويّة لأنّها غير قابلة للتّقدير وهو ما يتعارض مع مقتضيات الفصل 96 الّذي أوجب الحكم بالخطيّة وردّ قيمة ما وقع الاستيلاء عليه".

مع ضرورة الاشارة إلى أن صيغة الفصل 96 قديم الذي كان يجرم ستة أفعال مستقلة سمح لمحكمة التّعقيب في قرارها عدد 75010 الصّادر بتاريخ 07 ديسمبر 2018 أنّ تعتبر شرط حصول الضّرر للإدارة غير ضروري للقول بقيام الجريمة إذ أنّ مجرّد مخالفة الإجراءات والقوانين المعمول بها يمسّ من مصداقيّة الإدارة ويخلّ بقواعد النّزاهة والاستقامة المفترضة في الموظّف العموميّ وبالتّالي فإنّه يكفي للقول بتوفّر الرّكن المادّيّ لجريمة الفصل 96 ق ج إذ تضمّن القرار المذكور ما يلي:" وحيث أنّ جريمة الفصل 96 ق ج لا تستوجب لقيامها حصول الضّرر الفعليّ للإدارة ..."

وهو تأويل لم يعد له مكان بصريح الفصل 96 جديد الذي اشترط صراحة الضّرر المادي دون سواه: "تعمّد استغلال صفته لإلحاق ضرر مادي بالإدارة" وهو ما يعني أنّ لا جريمة في صورة عدم وجود ضرر ماديّ ثابت للإدارة.

ويعتبر القرار التعقيبي عدد 82874 المؤرخ في 28/10/2025 أول تطبيق للنص الجديد إذ جاء فيه :" وحيث يتبيّن من الإطّلاع على القرار المطعون فيه أنّ المحكمة أسّست حكمها بإدانة المعقّب على مخالفة التّراتيب المعمول بها في المستشفى الجهويّ بباجة كما أنّها لم تبيّن بدقّة الضرر الماديّ الّذي ألحقه المتّهم بالإدارة ولم تقدّره بدقّة بناء على معطيات حسابيّة مضبوطة باعتبار أنّ ذلك سيكون أساسا لتقضي المحكمة بالتّرجيع في حدود قيمته كجزء من العقوبة الّتي يوجبها القانون".

كما ان محكمة التعقيب اعتبرت ان القول الفصل في إثبات وجود منفعة وتحديد قيمتها يرجع الى تقرير الاختبار، ويمكن القول ان فقه قضاء محكمة التعقيب استقر على أنه في مثل هذه الجرائم الاقتصادية والمالية لا يمكن التثبت من وجود جريمة الا بإجراء اختبار ثلاثي وبالتالي فلا مجال للإيقاف قبل ذلك. إذ سبق لمحكمة التعقيب في قرار حديث أخر أن تبنت نفس الموقف، وأكدت أنه من المتوجب الاذن بإجراء الاختبارات الفنية والحسابية اللازمة قبل إصدار البطاقات القضائية وذلك لضمان حسن سير المرفق القضائي وضمان حرية الأفراد توصلا الى إقرار محاكمة عادلة وناجزة. وأضافت محكمة التعقيب في ذات القرار ما يلي :" وحيث مما لا شك فيه أن دائرة القرار المنتقد وقبل البت في مطلب الافراج، وقبل البت في الأصل قررت ارجاع ملف القضية الى السيد المحقق لاتمام بعض الاعمال واهمها استنادا الى أحكام الفصلين 96 و97 م ج تقدير قيمة المنفعة الحاصلة للمتهمين والضرر اللاحق بالادارة، الحالة التي يتجه معها تكليف ثلاثة خبراء لتقدير قيمة المنفعة الحاصلة للمتهم والضرر اللاحق بالادارة. وحيث ورد بتعليل رفض مطلب الافراج ان الابحاث لم تكتمل بعد الأمر الذي يخشى منه في سراح المعقب، ويستروح من هذا التعليل أنه يتقاطع كليا مع القرار المتضمن وجوبية اجراء اختبار فني لبيان الضرر اللاحق بالادارة أو المنفعة التي حصل عليها المعقب... ذلك ان الاختبارات الفنية هي الفيصل في ارتكاب الجريمة من عدمه... وحيث مما لاشك فيه أن مثل هذه القضايا التي لها طابع اقتصادي ومالي لا يمكن الحسم في عناصرها دون اختبارات فنية وحسابية هي المحدد في اثبات ارتكاب الجرائم من عدمه".[19]

وبإنتفاء شرط المنفعة وعدم تحديدها قانونا عن طريق الاختبار، فان الفعل الأصلي المجرم لا يستقيم ولا يجوز حينئذ الحديث عن جريمة

واضافة لكل ما سبق تجدر الاشارة إلى أنه يبدو من خلال صياغة الفصل 98 المذكور ان الرد الذي تقضي بها المحكمة من تلقاء نفسها بصفة تبعية لفائدة خزينة الدولة دون طلب من اي جهة كانت. وهو ليس عقوبة بذاته بل من متممات الحكم باﻻدانة ولجبر الضرر (يمكن اعتباره شكل خاص من التعويض الجزائي وهو ما يفسر كونه يمتد لغير المحكوم عليه بشروط ضبطها النص، ولو أن هذا الامتداد مشكوك في مدى دستوريته لتعارضه مع قرينة البراءة وشخصية العقاب) .

الفقرة الثالثة: العمد:

تضمن مشروع القانون رقم 2023/28 أحكاما تتعلق بإضافة فقرة ثانية للفصل 96 لتوضيح الحالات التي تخرج عن نطاق سوء النية في اتخاذ القرار من طرف الموظف العمومي أو شبهه، وذلك باستبعاد الصور المتعلقة بالخطأ في الاجتهاد أو التأويل أو التقدير أو المصادقة على اجتهاد أو تأويل أو تقدير ثبت الخطأ فيه. وإقصاء الحالات المتعلقة بتلقي الموظف العمومي أو شبهه لتعليمات كتابية أو إذن صادر عن رئيسه انسجاما مع أحكام الفصل 42 من المجلة الجزائية الذي ينص على أنه: "لا" عقاب على من ارتكب فعلا بمقتضى نص قانوني أو إذن من السلطة التي لها النظر." ويندرج تعريف سوء النية في إطار محاولة التوفيق بين مصالح الإدارة من جهة وحماية الموظف العمومي أو شبهه من جهة أخرى من التتبعات التي قد تطاله نتيجة ارتكابه لأخطاء تقديرية لا توجب المؤاخذة الجزائية لعدم توفر النية الإجرامية لديه بما يُساعد على تطوير أداء الإدارة وتحقيق المصلحة العامة. كما تضمن - إضافة فقرة تقتضي ألا تتم التتبعات إلا إذا قضت محكمة المحاسبات بذلك على معنى القانون عدد 41 لسنة 2019 المؤرخ في 30 أفريل 2019 والمتعلق بمحكمة المحاسبات وذلك لتفادي التوسع في تطبيق هذا النص من خلال مباشرة الدعوى العمومية ضد الموظفين العموميين أو شبههم بناء على شكايات غير جدية والتأكد من وجود قرائن جدية ومتضافرة في الملف على أساس الحكم الصادر عن محكمة المحاسبات بإدانة الموظف العمومي أو شبهه ونسبة الأفعال المجرمة بالفصل 96 من المجلة الجزائية له.

الفصل 96 قديم م ج كان يجرم تحقيق منفعة أو الحاق مضرة في صورتين:

    "استغلال الصفة لاستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو للإضرار بالإدارة

    "استغلال الصفة لاستخلاص فائدة لا وجه لها لغيره أو للإضرار بالإدارة

فحسب عبارات النص القديم فإن استخلاص فائدة لا وجه لها أو الإضرار بالإدارة هما بالضرورة جرائم قصدية لا تقوم إلا متى توفر القصد الخاص من الجريمة بإثبات أن إرادة المتهم اتجهت اليهما او الى أحداهما. أي أن يرتكب الجاني جريمته عن علم وإرادة، وأن يتوفر لديه القصد الجزائي الخاص المتمثل في استخلاص فائدة لا وجه لها أو الإضرار بالإدارة. وقد علق السيد " الطيب اللومي " على هذا بقوله : " ...على النيابة العمومية إثبات النية الخبيثة للفاعل من كونه أضر بالإدارة عن قصد وعن سبق تصور وتصميم فالشخص الذي أضر بالإدارة عن غير قصد ولو أن ذلك الضرر انجر منه ربح وفائدة فإنه لا يمكن مؤاخذته من اجل جريمة إحداث الضرر بالأموال العمومية عمدا لأن عنصر قصد الإضرار بالإدارة مفقود ."

والتوجه الغالب لفقه قضاء محكمة التعقيب السابق للتنقيح مستقر على معطيين أساسيين في هذا الخصوص، أولهما ان مجرد مخالفة التراتيب ان وجدت او تحقق الضرر عن ذلك لا يقيم الجريمة ما لم يثبت ان ذلك كان بقصد إلحاق الضرر او جلب منفعة من ذلك القرار عدد 97588/10236 مؤرخ في 2021/03/05 الذي ورد به أن: "تحديد الحد الفاصل بين الخطأ الإداري المهني المبني على قصور في الاجتهاد وبين الخطأ الإداري المعتبر استغلالا لصفة موظف وبالتالي خطأ جزائيا موجبا للمساءلة الجزائية على معنى أحكام الفصل 96 وان الجريمة لا يمكن ان تقوم الا متى توفر سوء النية في جانب الموظف العمومي بدلالات واضحة ومتضافرة وان ذلك لا يكون الا بتوفر عمل إيجابي أو سلبي نابع من نية إجرامية يمثل استغلالا للصفة على معنى الفصل 96 وأنه في صورة العمل السلبي لا بد ان يكون فعل الامتناع واضحا في الدلالة على توفر تلك النية والا يكون ذلك مبنيا على مجرد التخمين ". وثانيهما أنه على جهة الاتهام سواء كانت قاضي التحقيق او دائرة الاتهام ان تسعى في التحقق من الأركان القانونية المذكورة ولا يكفي إحالة الوقائع على قضاء الأصل دون تحقيق الأركان الجريمة القرار التعقيبي عدد 24904 بتاريخ 2021/12/24). وقد اقتضى القرار التعقيبي عدد 97765 المؤرخ في 2020/3/10 منشور بالموقع الرسمي لمحكمة التعقيب) أن تبين المحكمة كيفية استدلالها على ثبوت الركن القصدي لجريمة الفصل 96 " و " لا تكتفي بتعليل طغت عليه الصبغة الفضفاضة والإجمالية"

وتؤكد محكمة التعقيب في عدة قرارات لها أن العمد لا يُفترض ولا يُستنتج بل يجب أن يُبرهن عليه بوضوح من الوقائع الثابت. فالجاني يأتي تلك الأفعال عن سوء نية وهو ما يشكل الركن المعنوي.[20]

 وفي هذا السياق اعتبرت محكمة التعقيب : " أن جريمة الإستيلاء على أموال عمومية هي من الجرائم القصدية ، ومتى اختل هذا الركن الجوهري انتفت الجريمة من الأساس... [21] "

وأضافت محكمة التعقيب في قرار آخر تحت عدد 13984 مؤرخ في 5 مارس 2015 بأن "عدم إقرار الدائرة بوجود نية الإضرار بالبنك من طرف المدير أو المستخدم يُعد خرقا لأحكام الفصل 96 من المجلة الجزائية مما يتجه معه النقض والإحالة".. أن القصد الجنائي الخاص يتمثل في نية استخلاص الفائدة لحساب نفسه مع العلم بأنه لاحق له فيها وبالتالي بنية تحقيق تلك الفائدة لنفس.". وقد جاء كذلك بمنطوق قرار محكمة التعقيب أن القرار المطعون فيه لم يُبرز أركان الفصل 96 من المجلة الجزائية في جانب المتهم وتوفر الركن القصدي لتلك الجريمة رغم تمسك الجاني بحسن النية ... وبالتالي فإن القرار المطعون فيه جاء مخالف الأحكام الفصل 96 من المجلة الجزائية وأخطأ في تطبيقه وتأويله مما يتجه معه النقض". ".

وعلق السيد " الطيب اللومي " على هذا بقوله : " ...على النيابة العمومية إثبات النية الخبيثة للفاعل من كونه أضر بالإدارة عن قصد وعن سبق تصور وتصميم فالشخص الذي أضر بالإدارة عن غير قصد ولو أن ذلك الضرر انجر منه ربح وفائدة فإنه لا يمكن مؤاخذته من اجل جريمة إحداث الضرر بالأموال العمومية عمدا لأن عنصر قصد الإضرار بالإدارة مفقود ... " وأنا أؤكد هنا على إثبات عنصر القصد الجنائي للفاعل وضرورة إثباته بوجه لا غبار عليه حتى لا يحصل اشتباه بين النية السيئة للإضرار بالإدارة وبين مجرد الاجتهاد في العمل ،وإذا بذلك الإجتهاد الوظيفي يؤدي عن حسن نية إلى الإضرار بالإدارة لأنه إذا جعلنا القصد الجنائي بمثابة الإجتهاد الغير المصيب نكون جمدنا روح المبادرة من الموظف العمومي وشبهه وغيره من الأشخاص الذين يعملون في النطاق الإداري ويرومون تحسين العمل الإداري بوجه أو آخر فيحصل الإضرار بها أحيانا فهذه لا يمكن عدها من باب الجريمة المتحدث عنها بحال ... طالما أن الشك في القضاء الجزائي يفسر دائما لصالح المتهم ، فإن الخطأ الفاحش الذي يرقى إلى درجة العمد في نظر رجال القانون لا يمكن في هذه الجريمة اعتباره عمدا . [22]على أن محكمة التعقيب [23] درجت على استخلاصه من الركن المادي للجريمة إذ اعتبرت :" إن الركن المعنوي يستخلص من الظروف التي أوردها الحكم إذا استبان ولو بصورة ضمنية أن النية الإجرامية متوفرة " وبالتالي أن القصد الجزائي وإن كان مطلوبا من الفاعل فإنه في الواقع يعتبر متوفرا بمجرد توفر الصفة في الفاعل ووجود تصرف في الأموال العمومية .

كما جاء في مذكرة صادرة عن السيد وزير العدل سنة 1987 حول الحرص على توخي تطبيق النصوص المتعلقة بمعاقبة ما يقع من استيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها. موجهة من السيد إلى السادة الرئيس الأول لمحكمة التعقيب ووكيل الدولة العام لديها والوكيل العام للجمهورية والرؤساء الأولين لمحاكم الإستئناف والوكلاء التأمين لديها ورؤساء المحاكم الإبتدائية ووكلاء الجمهورية لديها وسائر القضاة على مختلف درجاتهم أنه: "لا تتجه المؤاخذة جزائيا من أجل التصرف في أموال عمومية أو خاصة إذا التصرف مجردا عن سوء القصد بحيث يكون مرده إلى خطأ في التقدير أو في حساب ما قد يترتب عليه من المناخ المرجوة، بحيث لا يعدو أن يكون هناك خطأ في الإجتهاد كما هو الشأن بالنسبة للحالة الثانية. وللتذكير فالشأن يتعلق إذن بجرائم قصدية لا يقوم كيانها ... بالفصل 96 ... شريطة أن تكون الإساءة مقصودة لمصلحة مسيء التصرف أو لإيثار غيره على حساب ماهو منوط بعهدته). والركن المعنوي ( قصد الإضرار أو ما يفضي إليه). وإذا كان سوء القصد مفترضا في الإستيلاء والإستحواذ، فالأمر على خلاف هذا التصور بالنسبة لمخالفة التراتيب المنطبقة على العمليات المشار إليها بالفصل 99 ، حتى يثبت ما يخالف هذا التصور. فحين يثبت ما كان قائما في ذهن الموظف العمومي أو شبهه ومن كان في حكمه أنه مارس عمله على الوجه السليم حسب اعتقاده، لما يكون الأمر على هذا التصور لا يستقيم ( ولو مع حصول خطأ في التصرف) إضفاء الوصف الجنائي على التصرف الواقع كيف ذكر. أجل قد يكون هناك ما يدعو للمؤاخذة مهنيا، أما الملاحقة جزائيا في مثل هذه الصورة فلا تقوم على مبرر جدي. ومما يجدر التأكيد عليه، هو أن سوء القصد يمكن إدراكه في مجاله الباطني مما يبدو له من مظاهر خارجية، مثل استفادة المعني بالأمر من سوء تصرفه أو إيثار غيره بذلك التصرف على حساب ماهو منوط بعهدته من الأعمال، وهي مسألة تقديرية تخضع لمقاييس موضوعية. فمجمل القول أن ما لوحظ من التسوية المطلقة قضائيا بين الإستيلاء على أموال عمومية ومخالفة الترتيب في مباشرة الأعمال المبينة بالفصل 96، والتصرف بدون وجه المشار إليه بالفصل 99، هذه التسوية المطلقة من حيث إضفاء الوصف الجزائي على كل الحالات- بصرف النظر عن الركن المعنوي الذي يكمن خلف التصرف- لا يسانده المنطق بمعاييره ولا يظاهره القانون بمفهوم نصوصه. فإجراء الميز بين حالتي التصرف السيء القصد، والتصرف الذي مبناه الاجتهاد المبرأ من شوائب سوء النية، يجسم حدا فاصلا بين الخطأ الجزائي والخطأ المهني، وتجنب الخلط بين الحالتين وما يترتب عن هذا الخلط من فقدان الطمأنينة في تسيير الأعمال حين يتهيب الموظف كل عمل خشية أن يكون مستهدفا للعقاب عن هذا التصرف أو ذاك مما يؤدي إلى شل نشاط المؤسسة والقضاء على السلم النفسية وعلى روح المبادرة. ولا يخفي ما يفضي إليه هذا الركود الفكري من استرخاء له تأثيره البالغ الأُر على مردود العمل كما وكيفما وهو أمر ينبغي التحرز منه والوقاية ضده على طريق تدعيم الطمأنينة التي بها قوام كل ما هو جليل من الأعمال".

ويستخلص مما سبق بيانه ان التنصيص صراحة على ركن العمد لا يعني مطلقا أن جنايات الفصل 96 م ج قديم كانت دون ركن معنوي أو مجرد جرائم مادية بل جاء هذا التنصيص للقطع مع تطبيقات قضائية خاطئة كانت تتجاهل هذا الركن أو تكتفي بافتراضه من مجرد ثبوت الركن المادي، وهو ما يؤكد أن النصوص في ذاتها لا تكفي طالما لم يصحبها تطبيق إيجابي من طرف القضاء يحترم أساسيات القانون وبديهياته بما يضمن حسن تطبيق القانون.

 الجزء الثاني: التطبيقات القضائية الأولى للنص الجديد

تضمن مشروع القانون رقم 2023/28 أحكاما انتقالية مقترحا يهدف لضمان المساواة والعدالة للمتهمين في القضايا المرفوعة بناءً على الفصل 96 من المجلة الجزائية قبل صدور القانون. يقضي بتطبيق أحكام الفصل 96 الجديد على جميع الشكاوى والدعاوى المثارة لدى المحاكم اعتبارًا من تاريخ صدوره في الرائد الرسمي التونسي. وتنقيح 2025 المشار إليه أعلاه الّذي تضمّنت وثيقة شرح أسبابه العوامل الّتي أدّت إلى التّحوير والّتي تمثّلت في ما يلي: " مشروع القانون يندرج في إطار الإصلاحات التّشريعيّة الرّامية إلى ضمان تحقيق الموازنة بين أهداف السّياسة الجزائيّة في مكافحة الفساد الإداري والمالي من جهة، وعدم عرقلة العمل الإداري وتحقيق نجاعته من جهة أخرى.”

إن مقتضيات الفصل 96 الجديد بمعية الفصل 98 هي الأرفق حتما، لكن التطبيقات الأولى للنص الجديد في قضاء محكمة التّعقيب جاءت متضاربة حول الجهة المحمول عليها تطبيق النص الجديد بأثر فوري باعتباره الأرفق بالمتهم، فهل هو قضاء الحكم أم قضاء التّحقيق؟

الفقرة الأولى: تضارب المواقف على مستوى تطبيق النص الأرفق في الطور الاستقرائي:

من الثابت أن النص الجديد هو الأرفق بالمتهم من عدة أوجه سبق بيانها وهي:

* التنصيص صراحة على ركن العمد بغرض تجاوز التطبيقات القضائية الحالية.

* الحط من العقوبة السجنية رغم الإبقاء على وصف الجناية.

* الاكتفاء بخطية نسبية وفي حدود نسبة مساهمة الدولة.

* إلغاء الجرائم الست الواردة في النص القديم وخاصة الإلغاء التام للتجريم المتعلق بمخالفة التراتيب.

إعادة تركيب أو إقرار جريمتين جديدتين هما:

تعمد استغلال الصفة لمنح فائدة لنفسه مع الاضرار ماديا بالإدارة.

تعمد استغلال الصفة لمنح فائدة لغيره مع الاضرار ماديا بالإدارة.

أي أنه تم الجمع والتلازم بين ثلاثة عناصر لتشكيل جريمتين جديدتين، إذ لا بد أن يكون تعمد استغلال الصفة مؤد للإضرار ماديا بالإدارة مقابل تحقيق الفائدة للنفس أو للغير.

* تعديل قائمة الأشخاص المشمولين بإستغلال الصفة كما سبق بيانه.

 ولكن رغم وضوح كون النص الجديد هو الارفق ويجب تطبيقه بأثر فوري وهو ما يتطلب اعادة الاعمال الاستقرائية بغرض التمكن من ابراز عناصر الجريمة وتلازمها طبق وصفها الجديد ضمانا لحسن تطبيق القانون. وبناء عليه فقد كان من المفترض أن جميع القضايا التي لازالت في الطور الاستقرائي أن يقع اجراء أو إعادة اجراء الاختبارات اللازمة لبيان أركان الجريمة طبق مقتضيات النص الجديد مع حتمية الافراج عن كل من تعلقت به تهم مخالفة التراتيب أو كان منتسبا لشركة تتبع جماعة محلية أو جمعية ذات صبغة قومية، ولو بلغت طور تعقيب قرارات دائرة الاتهام.

كما أنه يفترض في محكمة التعقيب ان تنقض كل قرارات دوائر الاتهام المتعلقة بالإحالة على الدوائر الجنائية طبق الصيغة المعتادة لتلك الدوائر والمتمثلة في الاحالة بناء على الجرائم الست صبرة واحدة على اعتبار وأن هذا الإجمال في الإحالة لا يسمح لمحكمة التعقيب بمراقبة حسن تطبيق القانون طالما أنه من غير الممكن التثبت من موضوع الإحالة بدقة.

لكن محكمة التعقيب خالفت هذا التوجه إذ اعتبرت في قرارها عدد_86606_ 86437_ 86448_ 86621_86914 الصّادر بتاريخ 03 سبتمبر 2025[24]: "أن دفع الأساتذة ... بوجوب تطبيق التنقيح الوارد على الفصلين 96 و 98 من م.ج بموجب القانون عدد 14 لسنة 2025 المؤرخ في 28 جويلية 2025 والمتعلق بتنقيح بعض أحكام المجلة الجزائية دفع في غير طريقه ذلك أن دائرة الاتهام لا تصدر أحكاما باتة ولا تقضي إلا في شأن قيام الحجج الكافية لتوجيه التهمة من عدم ذلك وهي بهذا المعني صاحبة مطلق الحرية في تقدير الوقائع لاستخلاص أركان الجريمة منها وعليه فإن الطعن بالتعقيب في قراراتها لا يتسلط إلا على الخطأ في تطبيق القانون على الوقائع التي أثبتتها تلك الدائرة في قرارها دون تحريف أما تقدير الوقائع وأدلتها فهو أمر غير خاضع لرقابة محكمة التعقيب أي أن هذه الأخيرة لا تملك سوى حق مراقبة الوصف القانوني الذي تم اسباغه على الوقائع لتبرير إحالة المتهم على المحكمة المختصة بالنظر في الجريمة المنسوبة إليه . وبالرجوع الى قضية الحال اتضح أن دائرة الاتهام قد انتهت الى توجيه التهم ضد المظنون فيهم على معنى أحكام الفصل 96 من م.ج. الساري المفعول زمن ارتكاب الأفعال محل التتبع وزمن مباشرة أعمال التحقيق بدرجتيه حتى بلوغ تاريخ صدور القرار المنتقد أي أن دائرة الاتهام قد تقيدت بأحكام الفصل المذكور وصفا وتجريما وكان قرارها محترما للمبدأ الاصولي في المادة الجنائية وهو مبدأ الشرعية والذي يعنى أنه لا جريمة الا بنص سابق الوضع، فكان قرارها مطابقا للقانون دون حيف أو اجحاف، ويبقى التمسك بالتنقيح الوارد على الفصل 96 من م.ا.ج اللاحق لصدور القرار المطعون فيه ، باعتباره القانون الأرفق بالمتهم غير جائز بعد ختم الطور التحقيقي بدرجتيه، فضلا على ان قراءة الفصل الأول من م. ج. تكشف أن تطبيق النص القانوني الأرفق بالمتهم يكون في الطور الحكمي أمام قضاة الأصل وقبل صدور حكم بات وليس في طور الاتهام وبالتالي تعين رد المطعن لعدم وجاهته.".

وقد واصلت محكمة التّعقيب في توجّهها المذكور حيث اعتبرت في قرار ثان صدر تحت عدد _861333 بتاريخ 14 اكتوبر 2025 [25]محكمة التعقيب (القرار يحمل كذلك الأعداد / 86432 /86193 / 86190/86175 /86172/86160 /86134/ 86133/ 85402 92276/88382 /87061/ 86915 /86908/86599) أنه: "بخصوص الركن المادي لجريمة الفصل 96 م ج فيما يتعلق بمخالفة التراتيب المنطبقة و النصوص القانونية فإنه وعلى خلاف ما تمسك به نائبي الطاعنين بخصوص تنقيح أحكام الفصل 96 م ج بموجب القانون عدد 14 لسنة 2025 المؤرخ في 28 جويلية 2025 المتعلق بتنقيح بعض أحكام المجلة الجزائية فإن مراقبة هذه المحكمة لقرار دائرة الاتهام المطعون فيه و الذي صدر قبل تنقيح الفصل 96 من م ج لا يمكن بأي حال أن يكون إلا في ظل النص القديم ومدى حسن تطبيقه من الدائرة و التي تبين من مستندات القرار المطعون فيه أنها قد أسست قيام الركن المادي المتمثل مخالفة التراتيب من قبل المتهمين المشاركين في انعقاد المجلس الوزاري المضيق بتاريخ 2018/01/18 على ثبوت عدم تشريك المكلف العام بنزاعات الدولة باعتباره الجهاز المكلف بملف الأموال المنهوبة خارج البلاد التونسية واسترجاعها عملا بالمرسوم عدد 15 لسنة 2011 المؤرخ في 2011/03/26 كتعمد تغييب وزير العدل رغم أنه كان طرفا رئيسا في الموضوع و سبق له أن أبدى موقفا معارضا لرفع التجميد عن ممتلكات وأموال المتهم م. م. م. في الخارج عند انعقاد مجلس وزاري سابق بخصوص نفس الموضوع في 2017/12/14 في مخالفة واضحة للتراتيب والنصوص القانونية المنطبقة و هو تطبيق سليم لمقتضيات الفصل 96 م ج في صيغته القديمة و قبل تنقيحه."

فمحكمة القانون تعتبر في هذا القرار أن النص الأرفق بالمتّهم لا يجوز التّمسّك به في الطّور التّحقيقيّ وهو توجّه مخالف لصريح الدستور والقانون. مكرّسة بذلك تّوجّها خطيرا يعتبر أنّ نسخ النصّ الجزائيّ وإلغاء جريمة مخالفة التراتيب واعادة تشكيل جريمتين جديدتين تتعلقان بتعمد استغلال الصفة شأن لا يتعلّق بقضاء التّحقيق بمختلف درجاته وأطواره وإنّما يهمّ فقط قضاء الأصل وهو توجّه غير قانوني فضلا عن انعدام الذّوق القانونيّ السّليم في احالة الملف على الدائرة الجنائية رغم عدم وجود جريمة أو رغم عدم البحث عن عناصر التجريم الجديد سواء تعلق الامر بإثبات العمد أو حتى بإظهار التلازم بين استغلال الصفة وتحيق المنفعة وإلحاق الضرر المادي بالإدارة.

لكن إحدى دوائر محكمة التّعقيب ذهبت في قرارين  متتاليين نحو حسن تطبيق القانون إذ جاء في  القرار عدد 74002 الصّادر بتاريخ 30/09/2025 أنّ التّعديل الجديد للفصل 96 يهمّ جميع أطوار التّقاضي بدون استثناء و قد جاء بالقرار المذكور ما يلي :" و حيث لا خلاف من أن القاعدة العامة تقتضي أن القانون يسري بأثر فوري ومباشر على جميع الأفعال المجرمة التي تقع فقط بعد دخول حيز النفاذ ولا تسري بائر رجعي على الأفعال التي وقعت قبل صدوره اي كانت مباحة فمن غير المنطقي أن يعاقب الشخص على فعل كان مباحا عند ارتكابه لأن في ذلك مخالفة لمبدأ الشرعية فالقواعد الموضوعية في القانون الجنائي يحكمها مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي يشكل ضمانة لحماية حريات الأفراد و لكن هذه القاعدة العامة يحكمها شرطين أساسيين حتى يتم تطبقها و هما أن يكون القانون الجديد أصلح للمتهم و أن ينفذ القانون الجديد قبل صدور حكم بات و نهائي في الدعوى . وحيث ان للقانون الأصلح للمتهم صورتان فهو اما يبيح الفعل الذي كان يشكل جريمة أي يرفع صفة التجريم عن الفعل أو يخفف العقوبة المفروضة على الفعل وهو بذلك ينشئ للمتهم مركزا أو وضعا يكون أصلح له من القانون القديم. وحيث تأسيسا على ما تقدم فإن القانون الجديد المنقح لأحكام الفصل 96 وكذلك الفصل 98 من م ج والذي هو بمثابة امتداد الأحكام العقاب الخاصة بجريمة الفصل المذكور أولا، ينطبق من تاريخ نشره ويكون له أثر مباشر على القضايا المنشورة باعتبار ان النص الجديد أضحى الأرفق بالمتهم بما انه ضيق في نطاق التجريم و ألغي صورة مخالفة التراتيب واشترط القيام الجرم ركن التعمد في الفعل. و حيث ان ما ورد بالنص الجديد يهم النظام العام والمصلحة الشرعية للمتهمين و هي من المسائل التي يتعين على محكمة التعقيب اثارتها من تلقاء نفسها عند النظر في ملف الحال إعمالا لأحكام الفصل 269 م اج . وحيث يتبين بالرجوع الى القرار المطعون فيه أن دائرة الاتهام قد بنت توجيه التهم على المعقب ضده على توفر ركن مخالفة التراتيب في عملية إسناد مقسم تابع للمنطقة الصناعية سيدي علي الحطاب للمدعو الاسعد سلامة كما انها لم تتولى ابراز ركن تعمد المتهم ارتكاب الأفعال المادية المنسوبة للمعقب والمكونة للركن المادي للجريمة ولم تبين بدقة الضرر المادي الذي ألحقه المتهم بالإدارة ولم تقدره بدقة على معطيات حسابية مضبوطة يمكن المحكمة من تأسيس قضائها بالترجيع في حدود قيمته كجزء من العقوبة التي يوجبها القانون. و حيث لا خلاف من أن القاعدة العامة تقتضي أن القانون يسري بأثر فوري ومباشر على جميع الأفعال المجرمة التي تقع فقط بعد دخول حيز النفاذ ولا تسري بأثر رجعي على الأفعال التي وقعت قبل صدوره أي كانت مباحة فمن غير المنطقي أن يعاقب الشخص على فعل كان مباحا عند ارتكابه لأن في ذلك مخالفة لمبدأ الشرعية فالقواعد الموضوعية في القانون الجنائي يحكمها مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي يشكل ضمانة لحماية حريات الأفراد و لكن هذه القاعدة العامة يحكمها شرطين أساسيين حتى يتم تطبقها و هما أن يكون القانون الجديد أصلح للمتهم و أن ينفذ القانون الجديد قبل صدور حكم بات ونهائي في الدعوى ."[26]

كما ذهبت ذات الدائرة في نفس التّمشّي المذكور صلب قرارها عدد 83627 الصّدر بتاريخ 23/09/2025 [27]حينما اعتبرت أنّ المسالة تهم النظام العام والمصلحة الشرعية للمتهمين تثيرها محكمة التعقيب من تلقاء نفسها."حيث ورد بأحكام الفصل 269 م ا ج "تنظر محكمة التعقيب في حدود المطاعن المثارة الا إذا كان موضوع الحكم غير قابل للتجزئة ويجب عليها أن تثير من تلقاء نفسها عند الاقتضاء المطاعن المتعلقة بالنظام العام وفي صورة قبول الطعن تقرر نقض الحكم كلا او بعضا وتصرح بإحالة القضية على محكمة الأصل لإعادة النظر فيها في حدود ما تسلط عليه النقض. لكن يمكن لها أن تقرر النقض بدون إحالة اذا كان حذف الجزء المنقوض يغني عن إعادة النظر أو لم يترك النقض شيئا يستوجب الحكم". وحيث كانت دائرة القرار المطعون فيه ذهبت في توجيه تهمة استغلال موظف أو شبه موظف عمومي او مدير او عضو او مستخدم بشركة تساهم الدولة في رأسمالها بصفة مباشرة بنصيب ما صفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها لغيره والإضرار بالإدارة وخالف التراتيب المنطبقة على تلك العمليات لتحقيق الفائدة والحاق الضرر المشار اليهما على المتهمين ... بمشاركة المتهم ... لهم في ذلك طبق الفصول 32 و 82 فقرة ثانية و 96 و 98 من المجلة الجزائية والإحالة على الدائرة الجنائية. وحيث لا يخفى ان المشرع التونسي تولى بموجب القانون عدد 2025/14 المؤرخ في 2025/07/28 الغاء الفصلين 96 و 98 من م ج وتعويضها بنصوص جديدة. وحيث بتنقيح الفصل 96 م ج أصبحت صيغته كما يلي " يعاقب بالسجن مدة سنة أعوام وبخطية تساوي قيمة المضرة الحاصلة للإدارة الموظف العمومي او شبهه وكل مستخدم في مؤسسة اقتصادية او اجتماعية تساهم الدولة في رأسمالها المكلف بمقتضى وظيفه ببيع أو صنع او شراء أو إدارة أو حفظ أي مكاسب الذي تعمد استغلال صفته ليلحق ضررا ماديا بالإدارة مقابل استخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره. وإذا حصل الأضرار بمؤسسة تساهم الدولة في رأسمالها فان الخطية تحتسب بقدر نسبة إسهامها فيها". وحيث أضحت صيغة الفصل 98 جديد على النحو التالي "على المحكمة في جميع الصور المنصوص عليها بالفصل 96 جديد ان تحكم فضلا عن العقوبات المبينة بهذا الفصل برد ما وقع الاستيلاء عليه او اختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح ولو انتقلت إلى أصول الفاعل او فروعه او اخوته او زوجته او اصهاره وسواء بقيت تلك الأموال على حالها أو وقع تحويلها الى مكاسب أخرى. ولا يتحرر هؤلاء من هذا الحكم الا إذا اثبتوا ان ماتى هذه الأموال أو المكاسب لم يكن من متحصل الجريمة مع مراعاة الفقرة الثانية من الفصل 96 جديد. وللمحكمة في جميع الصور الواردة بالفصل المذكور ان تسلط احدى العقوبات التكميلية المقررة بالفصل الخامس من هذه المجلة على من تثبت إدانته. وحيث بصدور القانون الجديد المنقح للفصلين المذكورين يتبين ان المشرع تولى التضييق في مجال التجريم بإلغاء واحدة من صوره القديمة من جهة وباشتراط ركن العمد أي القصد الاجرامي بالنسبة للصورة الثانية للتجريم من جهة أخرى. وحيث تم بموجب التنقيح المذكور الغاء صورة التجريم المتمثلة في مخالفة الموظف التراتيب لتحقيق فائدة لنفسه او لغيره بما ترتب عنه تضييق نطاق التجريم على معنى أحكام الفصل 96 م ج. وحيث أضحت الجريمة تقوم في حق من تعمد استغلال صفته بما يعني توظيف واستعمال الموظف لصفته بغاية الحصول على منافع لنفسه او لغيره او للاضرار بالإدارة وبذلك تصبح قاعدة حسن النية هي المبدأ والأصل ولا تدحض إلا بإثبات العكس أي تعمد استغلال الصفة. وحيث ان التنقيح الجديد ينطبق من تاريخ نشر القانون ويكون له أثر مباشر على القضايا المنشورة باعتبار النص الجديد أضحى هو الأرفق بالمتهمين لأنه ضيق في نطاق التجريم وألغى صورة مخالفة التراتيب واشترط لقيام الجريم ركن التعمد في الفعل. وحيث ان ما ورد بالنص الجديد يهم النظام العام والمصلحة الشرعية للمتهمين وهي من المسائل التي يتعين على محكمة التعقيب إثارتها من تلقاء نفسها عند النظر في ملف الحال اعمالا لأحكام الفصل 269 م اج. وحيث يتبين من الاطلاع على القرار المطعون فيه أن دائرة الاتهام قد بنت توجيه التهم على المعقبين على معطى مخالفة التراتيب المعمول بها في إجراءات اسناد القروض للمتهم ... كما انها لم تتول ابراز ركن تعمد المتهمين ارتكاب الأفعال والأفعال المادية المنسوبة لكل فرد والمكونة للركن المادي كما لم تتول تبيان كيفية تعمد استغلال الصفة بشكل تفصيلي ولم تبين بدقة الضرر المادي الذي ألحقه المتهمين بالإدارة ولم تقدره بدقة بناء على معطيات حسابية مضبوطة باعتبار ذلك سيكون أساسا لتقضي المحكمة بالترجيع في حدود قيمته كجزء من العقوبة التي يوجبها القانون.".

كما واصلت محكمة التعقيب في التّوجّه المذكور في قرارها عدد 82874 الصّادر بتاريخ 28/10/2025[28] وحيث بصدور القانون الجديد المنقح للفصلين المذكورين يتبين ان المشرع تولى التضييق في مجال التجريم بإلغاء واحدة من صوره القديمة من جهة وباشتراط ركن العمد أي القصد الاجرامي بالنسبة للصورة الثانية للتجريم من جهة أخرى. وحيث تم بموجب التنقيح المذكور الغاء صورة التجريم المتمثلة في مخالفة الموظف التراتيب لتحقيق فائدة لنفسه أو لغيره بما ترتب عنه تضييق نطاق التجريم على معنى احكام الفصل 96 م ج. وحيث أضحت الجريمة تقوم في حق من تعمد استغلال صفته بما يعني توظيف واستعمال الموظف لصفته بغاية الحصول على منافع لنفسه او لغيره او للاضرار بالإدارة وبذلك تصبح قاعدة حسن النية هي المبدأ والأصل ولا تدحض إلا بإثبات العكس أي تعمد استغلال الصفة. وحيث ان التنقيح الجديد ينطبق من تاريخ نشر القانون ويكون له أثر مباشر على القضايا المنشورة باعتبار النص الجديد اضحى هو الأرفق بالمتهم لأنه ضيق في نطاق التجريم وألغى صورة مخالفة التراتيب واشترط لقيام الجريم ركن التعمد في الفعل. وحيث ان ما ورد بالنص الجديد يهم النظام العام والمصلحة الشرعية للمتهم وهي من المسائل التي يتعين على محكمة التعقيب اثارتها من تلقاء نفسها عند النظر في ملف الحال اعمالا لأحكام الفصل 269 م اج. وحيث يتبين من الاطلاع على القرار المطعون فيه ان المحكمة قد بنت حكمها بالإدانة على المعقب على معطى مخالفة التراتيب المعمول بها في المستشفى الجهوي بباجة كما انها لم تتولى ابراز ركن تعمد المتهم ارتكاب الأفعال والأفعال المادية المنسوبة له والمكونة للركن المادي كما لم تتولى تبيان كيفية تعمد استغلال الصفة بشكل تفصيلي ولم تبين بدقة الضرر المادي الذي ألحقه المتهم بالإدارة ولم تقدره بدقة بناء على معطيات حسابية مضبوطة باعتبار ذلك سيكون أساسا لتقضي المحكمة بالترجيع في حدود قيمته كجزء من العقوبة التي يوجبها القانون. وحيث تبعا لما سبق تفصيله أعلاه فقد اضحى من المتجه نقض القرار المطعون فيه والاحالة".

يتبين مما سبق أن محكمة التعقيب أصابت المرمى من خلال بيان مفعول الأثر الفوري للقانون الجديد على مستوى الطور الاستقرائي، كما أنها حين اعتمدت قاعدة الأثر الفوري وليس رجعية النص الأرفق كما هو متداول تكون أيضا قد أحسنت الوصف، فقاعدة الأرفق بالمتهم ليست رجعية، بل هي فورية الأثر، لأنها لا تطبق على المحكوم عليه بل فقط على الوضعيات التي لا تزال جارية ولم يصدر بشأنها حكم بات، فرغم أن الدستور لم يتضمن شروط الفصل 1 من المجلة الجزائية فإن استعماله لعبارة "متهم" يدل دلالة واضحة على أن الأمر لا يشمل سوى من لم يقضى ضده بحكم بات. ومن المؤكد أن هذا التوجه الذي طبق النص الأرفق في المرحلة الاستقرائية هو الأسلم للأسباب التالية:

-        ينص الفصل 50 م ا ج على أنه: "حاكم التحقيق مكلف بالتحقيق في القضايا الجزائية والبحث بدون توان عن الحقيقة ومعاينة جميع الأمور التي يمكن أن تستند عليها المحكمة لتأييد حكمها". وهوما يعني بالضرورة أن اعمال التحقيق يجب ان تنتهي لتهيئة الملف للفصل ومن غير المعقول ان يحال الشخص إلى الطور الحكمي بموجب نص ملغى ولم يعد يتماشى مع التجريم الجديد.

-        الفصل 106 م ا ج ونصه: "إذا رأى قاضي التحقيق أن الدعوى العمومية غير مقبولة أو أن الأفعال لا تشكل جريمة أو أن الحجج القائمة على المظنون فيه غير كافية، فإنه يصدر قرارا بأن لا وجه للتتبع، ويأمر بالإفراج عن المظنون فيه إن كان موقوفا، ويبت في المحجوز". وبالتالي فمن غير المعقول ان تتواصل احالة شخص أو ايقافه رغم الغاء الجريمة.

-        وأخيرا وهو الأهم الفصل 119 م ا ج الذي يعتبر أنه: " إذا كانت الأفعال المنسوبة إلى المتهمين من قبيل الجنايات، فإن الدائرة المذكورة تقرر إحالة القضية على الدائرة الجنائية.

ويتضمن قرار الإحالة عرضا مفصلا للوقائع موضوع التتبع مع بيان وصفها القانوني، وإلا كان باطلا". وطبعا لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار ان قرار الاحالة المؤسس على النص القديم هو قرار سليم بل هو باطل حتما لافتقاره للوصف القانوني السليم للفعل.

وهذا التأويل المتعلق بتطبيق النص الأرفق في الطور الاستقرائي يتماشى وموقف محكمة التعقيب التي اعتبرت في قرارها عدد 72402 المؤرخ في 8 جوان 2018 مايلي: "حيث اقتضى الفصل 116 من مجلة الإجراءات الجزائيّة ما مؤداه أنّه إذا كانت هناك قرائن كافية على اتجاه التهمة تحيل الدائرة المذكورة المتهم على المحكمة المختّصة مع تقرير ما تراه بالنسبة لكّل من المظنون فيهم المحالين عليها في شأن أوجه التهمة التي أنتجها الإجراءات. وحيث يستخلص من ذلك أن دائرة الاتهام بصفتها سلطة اتهام ﻻ سلطة حكم مخولة قانونا بإحالة المظنون فيه بناء على توفر القرائن الكافية لتوجيه التهمة. وحيث أن ذلك يقتضي في المقام الأول بيان التهمة موضوع التتبع على وجه الدقة مع بيان مجموع القرائن المعتمدة لتوجيه تلك التهمة خاصة في الحالات التي يكون فيها النّص موضوع التجريم شاملا لعّدة حالات مختلفة كما هو الحال بالنسبة للحالات الواردة بالفصل 96 من المجلة الجزائيّة. وحيث أّن دائرة القرار المنتقد قد قررت في منطوق قرارها توجيه تهمة الفصل 96 من المجلة الجزائية بشكل حرفي على المظنون فيه الأول والمشاركة في ذلك على المظنون فيه الثاني دون أن تبّين الحالة المنطبقة على وضعيّة المتهم الأصلي من مجموع الحالات التي يشملها الفصل المذكور. وحيث أن الدائرة المطعون في قرارها لم تبين مجمل الأركان المنصوص عليها بالفصل 96 من المجلة الجزائية الذي ربط بين إدارة المكاسب وحفظها وحصول الفائدة للموظف أو للغير كما لم تبين الفائدة المتحصل عليها من طرف الغير وﻻ حقيقة الضرر الحاصل للإدارة المعنيّة. وحيث أن ما انتهجته الدائرة المطعون في قرارها قد جاء مخالفا لمقتضيات الفصل 168 من مجلة الإجراءات الجزائيّة الذي يوجب على حكام الأصل تعليل ما يصدرونه من أحكام من الوجهتين القانونية والواقعية وعلى ما استقر عليه فقه قضاء هذه المحكمة من انطباق أحكام الفصل المذكور على القرارات الصادرة عن دائرة الاتهام".

كما جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 24346 / 25343 / 25344 الصادر بتاريخ 19 نوفمبر 2021: "وحيث أن ما يعرف بالإحالة بالأحوط غير المكرس قانونا لا يمكن بحال أن يخالف مبدأ التناسب كمبدأ دستوري صريح يتميز بالعلوية وكمبدأ أساسي من مبادئ القانون الجزائي. وحيث أن مبدأ التناسب كمبدأ دستوري مثلما هو ملزم للمشرع عموما وللمشرع الجزائي خصوصا فمن باب أولى أن يكون ملزما للقاضي الجزائي في مرحلتي الاتهام والحكم سواء بسواء. وحيث أن هذه الإلزامية تصبح أكثر إلحاحا بعد إستيفاء المرحلة الاستقرائية بما يستوجب معه أن يكون قرار الإحالة متناسبا في مضمونه مع مقاصد واضع القانون من جهة ومع وقائع القضية من جهة أخرى. وحيث ترى هذه المحكمة أن الوقوف على مدى إحترام مبدأ التناسب من طرف قاضي الاتهام رغم ما يتمتع به سلطة تقديرية في تكييف الأفعال هو من صميم عملها الرقابي على حسن تطبيق القانون بما يحقق الموازنة المطلوبة بين طبيعة الفعلة و خطورة التهمة. وحيث تأسيسا على ما سلف فإذا ما ظهر لمحكمة القانون أن قاضي الإتهام قد تعسف في تكييف الفعل موضوع تعهده كان لزاما عليها أن ترد الأمور إلى نصابها المعقول والمقبول قانونا. وحيث أن من ضمانات المحاكمة العادلة في طور التتبع أن يتم بعد إستيفاء الأبحاث تدقيق التهمة الموجهة على المتهم بالنسبة للجريمة الأصلية و لحالة المشاركة فيها وحيث أن هذا التدقيق ال يرتبط فقط بشروط المحاكمة العادلة بل يرتبط كذلك مصلحة المتهم الشرعية وبحقه في الدفاع وحيث أنه بالنسبة للجريمة الأصلية فإن كثيرا من النصوص الجزائية تجرم صلب الفصل الواحد عديد الأفعال كما هو الشأن بالنسبة للفصل 96 من المجلة الجزائية أو الفصل 5 من قانون 18 ماي 1992 بما يستوجب أن يقع بيان الفعل المنسوب للمتهم ارتكابه من بين مجموع الأفعال التي تضمنها الفصل القانوني سند الإحالة.".

فما يسمى قاعدة الإحالة بالاحوط تتعارض وفلسفة القضاء الاستقرائي الذي يجب عليه ان يحدد الأفعال المنسوبة للمتهم بدقة مع بيان وصفها الصحيح والا كان قراره باطلا بصريح الفصل 119 م ا ج.

الفقرة الثانية: عدم وضوح الرؤية على مستوى تطبيق النص الجديد في الطور الحكمي:

كما بينا سابقا فقد ألقت محكمة التعقيب في بعض قراراتها الكرة لقضاة الأصل، وذلك بعد أن كانت هي نفسها أول من طبق النص الجديد على هذا المستوى في قرار تعقيبي جزائي عدد 88557 مؤرخ في 2025/08/07    "عن المطعن الوحيد المتعلق بمخالفة أحكام الفصل 96 م إ ج: حيث تمسك الطاعن بمخالفة القرار المطعون فيه بأحكام الفصل 96 م ج لثبوت تهمة استغلال موظف عمومي لصفته لتحقيق فائدة لنفسه أو لغيره أو للإضرار بالإدارة ضرورة وأن الفصل 96 م ج قد عددا صور الفعل الإجرامي والتي تنطبق على وقائع قضية الحال في مواجهة المعقب ضدهم . وحيث وخلافا لما تمسك به الطاعن فقد عللت محكمة القرار المطعون فيه قرارها القاضي بتبرأة المعقب ضدهم تعليلا سليما ومستمدا عناصره مما له أصل ثابت بأوراق الملف بعد أن استعرضت وقائع القضية ووازنت بين أدلتها وانتهت إلى انعدام الأركان القانونية للجرائم المنسوبة المظنون فيهم طبقا لأحكام الفصل 96 و172 م ج .  وحيث علاوة على ذلك تم بموجب القانون عدد 14 لسنة 2025 المؤرخ  في 28/07/2025 والمتعلق بتنقيح بعض أحكام المجلة الجزائية ومراجعة وتنقيح أحكام الفصل 96 من المجلة الجزائية وذلك بالتضييق في مجال اعتمادها بعد إلغاء أربعة جرائم كاملة منه وهي مخالفة التراتيب لإستخلاص فائدة للنفس ، استغلال الصفة للإضرار بالإدارة ومخالفة التراتيب لإستخلاص فائدة للغير ومخالفة التراتيب للإضرار بالإدارة لينحصر مجال انطباق الفصل 96 م ج جديد في جريمتي استغلال الصفة لإستخلاص فائدة للنفس واستغلال الصفة لاستخلاص فائدة للغير وكليهما غير متوفرة الأركان في وقائع قضية الحال . وحيث يتضح بالإطلاع على مستندات القرار المنتقد أن المحكمة قد إعتمدت مستندات صحيحة لا لبس فيها وتم إحترام القانون لتخلو المطاعن المثارة من مستند صحيح مما يتعين معه رفضها".

ولكن للآسف فإن التطبيقات على مستوى محاكم الأصل جاءت مخيبة للآمال من عدة أوجه هي:

-        رفض الإفراج عمن تمت إحالتهم طبق النص القديم والحال ان الوصف المنسوب إليهم زال برمته ولا يمكن للمحكمة ان تواصل النظر دون اختبار تكميلي يثبت التلازم الوارد في النص الجديد بين تعمد استغلال الصفة وتحقيق المنفعة وإلحاق ضرر مادي بالإدارة.

-        السعي نحو إعادة تكييف الأفعال بموجب نصوص أخرى مثل الاضرار عمدا بملك الغير أو خيانة الأمانة أو غيرها من الأوصاف التي لا تستقيم طالما أن هناك نص خاص يهم الموظف العمومي ويجرم الفعل المنسوب للموظف ويعطي تكيفا محددا له.

ان التطبيق السليم لمقتضيات الفصل 96 جديد يفترض القطع مع ما كان جار به العمل من تجاهل للركن المعنوي ونهج منهج الإحالة بالأحوط دون تفصيل أو بيان للفعل المنسوب للموظف ووصفه القانوني من بين الجريمتين الجديدتين المنصوص عليهما بالفصل الجديد.

كما أن محاكم الأصل مطالبة في كل الحالات التي تأسست فيها الإحالة على الفصل 96 قديم برمته أن تأذن اختبار تكميلي طبق الفصل 143 م ا ج لضمان حسن تطبيق القانون وإظهار أركان الجريمة طبق وصفها الجديد مع حتمية الافراج عن الموقوفين واتخاذ التدابير اللازمة في حقهم لحين ورود نتائج الاختبار.

وستكون لنا عودة قريبا للتعليق على التطبيقات الجديدة للفصل 96 م ج من طرف قضاء الحكم.

 

 



[1]  هذا التعريف جاء ليعوض ما كان ينص عليه المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 مؤرخ في 14 نوفمبر 2011 يتعلــق بمكافحـة الفســاد في فصله الثاني من أنه: "يقصد بالمصطلحات التالية على معنى هذا المرسوم– الفساد : سوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية. ويشمل الفساد خاصة جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها والإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال.

[2] لن يقع الخوض في الجانب التاريخي للنص وسبب وضعه وما تلى ذلك من تطبيقات تعسفية كانت هي السبب في إعادة تنقيحه ويمكن الرجوع بشأن ذلك إلى:

-  تعليقنا على قرار تعقيبي حول جرائم الفصل 96 م ج منشور في مجلة القانونية عدد 176/177 لشهر أفريل 2014.

-  نجاة البراهمي: الجديد في أحكام الفصل 96 من المجلة الجزائية: أيُّ تأثير للقانون الجديد على القضايا المنشورة على أساس هذا الفصل؟ مجلة ليدرز الالكترونية. https://ar.leaders.com.tn/article/7309

-  عدد أكتوبر 2025 من هذه المجلة الذي تضمن أربع مقالات في الغرض هي:

                 صلاح الشيحاوي: التحول التشريعي في الفصل 96 م ج. ص 12

                 عبد الرزاق حنيني: قراء في تنقيح أحكام الفصلين 96 و98 م ج. ص 16

                 سهام الزايدي: الجديد في تنقيح أحكام الفصلين 96 و98 م ج. ص 30

                 صادق بن حسونة: قراءة قانونية في تحولات الفصل 96 جديد م ج. ص 40

-  الطيب اللومي: الجديد في جرائم الاستيلاء على الأموال العمومية، مقال منشور بمجموعة المحاضرات التي ألقيت بمركز البحوث والدراسات والنشر، يوم 20 ديسمبر 1985.ص 24.

-  رضا خماخم: جرائم الرشوة في القانون الجديد المنقّح والمتمّم لبعض أحكام المجلّة الجنائية. م.ق.ت. جوان 1998.

-  عبد الله الهلالي: تطوّر دور القضاء في حماية الأموال العمومية بتونس. م ق ت. أكتوبر 1986.

-  فتحي الماجري: الإشكاليات القانونية في جرائم الاستيلاء على الأموال العمومية. ملتقى حول :مائوية المجلة الجزائية :الماضي، الحاضر، المستقبل. كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. 2013.

[3] - أنظر حول هذا الفصل: ساسي بن حليمة، خواطر حول الفصل 98 (جديد) م ج مقال منشور بجريدة الصباح ليوم 31 ديسمبر 1985.

[4]  قرار تعقيبي حول جرائم الفصل 96 م ج منشور في مجلة القانونية عدد 176/177 لشهر أفريل 2014.

[5] BACCOUCH (N) : Répression pénale et disciplinaire dans la fonction publique, op.cit.86

إن نظام الاستيلاء على أموال عمومية (الفصول من 96 إلى 99 م.ج) عرف تنقيحا بمقتضى قانون 11 أوت 1985. وقد شمل التغيير إلى جانب العقاب عنصرين مكونين للجريمة وهما التوسع في كل من صفة الجاني والركن المادي.

[6] أنظر حول تطبيق قانون المصالحة في المجال الإداري:

-        محمود داوود يعقوب: قانون المصالحة الإدارية أمام محكمة التعقيب بين تطبيقه وتضييق مجاله. الأخبار القانونية: مجلة القانون: (العدد 254-255), ص. 24-26.

-        رشيدة الجلاصي: تعليق على قرار استئنافي عدد 10298 بتاريخ 22 ديسمبر 1993 المجلّة القانونية التونسية، 1995.

-        محمد علي الهاشمي: شروط الانتفاع بعدم المؤاخذة الجزائيّة حسب قانون المصالحة في المجال الإداري. تعليق على القرار التّعقيبي عدد 77492-77285 الصّادر بتاريخ 05 نوفمبر 2019.

[7] - شرح الأسباب مجلس نواب الشعب 10اكتوبر 2023. جويلية 2025.

[8] - جدول تفصيلي لجلسات الاستماع حول مقترحي القانونين عدد 15 و28/2023 المتعلقين ب تنقيح احكام الفصل 96 من المجلة الجزائي وبعض احكام المجلة الجزائية. مجلس نواب الشعب. لجنة التشريع العام. جويلية 2025.

[9] - تقرير لجنة التشريع العام حول مقترحي القانونين عدد 15 و2023/28 المتعلقين بتنقيح الفصل 96 وبعض أحكام من المجلة الجزائية

[10] أنظر الفصل 12 وما بعده من القانون عدد 154 لسنة 1959 مؤرخ في 7 نوفمبر 1959 يتعلق بالجمعيات.

[11] منشور عدد 45 لسنة 1998 مؤرخ في 19 أكتوبر 1998 حول تنقيح المجلة الجنائية فيما يخص الأحكام المتعلقة بالموظفين العموميين وإتمامها.

[12] ينص الفصل 34 من المرسوم عدد 88 لسنة 2011 مؤرخ في 24 سبتمبر 2011 يتعلق بتنظيم الجمعيات على أنه تتكون موارد الجمعية من :... ثانيا – المساعدات العمومية..". فيما ينص الفصل 36 منه على أنه: " على الدولة تخصيص المبالغ اللازمة ضمن الميزانية لمساعدة ودعم الجمعيات على أساس الكفاءة والمشاريع والنشاطات وتضبط معايير التمويل العمومي بأمر".

[13] أحمد بن طالب، التفويت في ملك الغير، ص 26.

[14] قرار دائرة الاتهام سابق الذكر اعلاه، ص 177.

[15] القرار وارد بنشرية محكمة التعقيب لسنة 1988ص84.

[16] تمت المصادقة عليها بموجب القانون عدد 16 لسنة 2008 المؤرخ في 25 فيفري 2008 المتعلق بالموافقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. وتم نشرها في الرائد الرسمي بموجب الأمر عدد 2033 لسنة 2008 مؤرخ في 19 ماي 2008 يتعلق بنشر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد

[17] أنظر حول هذه التعريفات: أمر عـدد 4030 لسنة 2014 مؤرخ في 3 أكتوبر 2014 يتعلق بالمصادقة على مدونة سلوك وأخلاقيات العون العمومي

[18]  معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي

[19]- قرار تعقيبي جزائي عدد 2354 مؤرخ في 23/5/2012 (غير منشور)

[20] قرار تعقيبي جزائي عدد 85 مؤرخ في 22 ماي 2013 ( غير منشور )

[21] قرار تعقيبي جزائي عدد 19638 مؤرخ في 15 نوفمبر 1986 ، ن م ت 1987 ، ص 218

[22] السيد الطيب اللومي: المقال المذكور سابقا، ص 22

[23] قرار جزائي عدد 5200 مؤرخ في 3/07/1968، م ق ت، 1969 ص 211

[24] قرار تعقيبي جزائي عدد86606_86437 بتاريخ 03 سبتمبر 2025 غير منشور.

[25] قرار تعقيبي جزائي عدد 85402 بتاريخ 14 أكتوبر 2025 غير منشور .

[26] قرار تعقيبي عدد 7402 بتاريخ 30/09/2025 غير منشور .

[27] قرار تعقيبي جزائي عدد 83627 صادر بتاريخ 23/09/2025 غير منشور

[28] قرار تعقيبي جزائي عدد 82874 صادر بتاريخ 28/10/2025 غير منشور