من أجل نظام تتبع
جزائي خاص بالخطأ الطبي
الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
إن البحث في موضوع
المسؤولية الجزائية للطبيب ليس بالأمر السهل باعتبار أن الممارسة الطبية نشاط علمي
يتحلى بالطابع الإنساني و له مساس مباشر بجسم الإنسان و حياته. لذا فقد أثارت هذه
المسؤولية الكثير من الجدل لدى الفقه و القضاء. خاصة أن الطبيب شخص جند نفسه من
أجل القيام بعمل إنساني يتصل بإنقاذ حياة المريض و تحقيق سلامته الجسدية و
النفسية، ومن ثم لا يتصور أن يعتدي صاحب هذه المهمة الإنسانية الجسيمة على المريض
عمدا، ولكن مثل هذا الاعتداء قد يحصل نتيجة تقصير أو إهمال. لذا فإن الباحث في
المسؤولية الجزائية للطبيب يجد نفسه فجأة أمام هدفين كلاهما مطلوب تحقيقه:
الأول : ضمان توفير
العناية الطبية اللازمة وحماية المرضى مما قد يصدر عن الأطباء من أخطاء من خلال
تأكيد مسؤولية الأطباء.
الثاني : توفير
الحرية اللازمة للأطباء في ممارسة مهامهم.
فعمل الطبيب يجب أن
يتم في جو كاف من الثقة و الاطمئنان حتى يستطيع أن يطور عمله، و يتمكن البحث
العلمي من الرقي و التطور، وهو ما يعد مكسبا للمريض وللإنسانية جمعاء.
و علاوة عما سبق فإن
قيام المسؤولية الجزائية للطبيب من عدمه يتأرجح بين ما هو قانوني (يتضمن النصوص
التشريعية العامة و القوانين الخاصة بمهنة الطب) و بين ما هو موضوعي (يضم مجموعة
من المبادئ المتعارف عليها في إطار العمل الطبي). الشيء الذي يستدعي التدقيق في كل
محاولة للتوفيق بين إدانة الطبيب في حالة مخالفته للنصوص القانونية العامة و
الخاصة و بين تبرئته إذا احترم المبادئ المتفق عليها طبيا.
فالعمل الطبي هو
نشاط يتفق مع القواعد المقررة في علم الطب ويتجه في ذاته أي وفق المجرى العادي
للأمور إلى شفاء المريض. والأصل في العمل الطبي أن يكون علاجياً يستهدف التخليص من
مرض أو تخفيف حدته أو تخفيف آلامه، أو يستهدف الكشف عن أسباب سوء الصحة أو مجرد
الوقاية من مرض.
أو العمل الذي يقوم به شخص مؤهل من أجل شفاء الغير[2]، فالعمل الطبي
ليس مجرد تشخيص أو علاج، بل هو مساس بالجسد الإنساني، لا يقوم به إلا طبيب ومن في
حكمه، فمجرد الإنصات أو البحث عن مصلحة المريض يجدر به أن يعتبر عملا طبيا[3]. مع ذلك، يمكن استخلاص مضمون العمل الطبي في القانون
الفرنسي، بالرجوع لنص المادة (L.4161-1) من قانون الصحة العمومية،
والتي تعاقب على الممارسة غير المشروعة للطب. وحسب نص هذه المادة فإنه يشكل ممارسة
غير مشروعة للطب كل شخص يشارك بصفة اعتيادية في
تشخيص المرض أو بعلاجه بواسطة عمل شخصي، استشارة شفوية أو مكتوبة أو أية
طريقة مهما كانت أو ممارسة أحد الأعمال المحددة بمدونة الأعمال الطبية[4].
وتكمن أهمية البحث في
"المسؤولية الجزائية للطبيب عن أخطائه المهنية"٬ في مدى حساسية الموضوع٬
والذي عرف نقاشا فقهيا وقضائيا على مر العصور٬ حيث أحدث جدلا واسعا حول الأسس
القانونية التي على أساسها يمكن إثارة المسؤولية الجزائية للطبيب عن أخطائه
المهنية٬ والتي في الغالب تعد أخطاء لجرائم –غير عمدية٬ والأمر يعزى في ذلك
إلى القصور التشريعي في ضبط النصوص الجزائية التي تجرم مفهوم الخطأ الطبي بشكل
واضح وصريح٬ دونما الرجوع والركون إلى القواعد العامة اعتمادا على مفهوم الخطأ
بشكل عام.
هذا إلى جانب مزاحمة بعض المبادئ المتعارف عليها
طبيا للاجتهاد القضائي في مراقبته للعمل الطبي من أجل مساءلة الأطباء عن أخطائهم
المهنية في شقها الجنائي٬ مثل: "مبدأ حرية الطبيب في العلاج"٬ ومبدأ
"الاستعانة بالغير"٬ ومبدأ "تنازع تحقيق نتيجة وبذل غاية "... وهو ما شكل هاجسا لمقاربة الموضوع نظريا وتطبيقيا لفك المعادلة بين
مصلحتين:
"حق الطبيب في الاجتهاد الطبي٬ وحق المريض في
العلاج".وقد أثبتت الدراسات ان تركيز الجهود على معاقبة
الشخص المعالج يبعث في نفوس العاملين في النظام الطبي الخوف والرهبة من الأخطاء
والعقاب، مما يؤدي إلى إخفاء الأخطاء وعدم الاعتراف بها، بدلاً من محاولة معالجتها
ودراسة أسباب حدوثها. وبالتالي تستمر الأخطاء وتتفاقم مع الأيام، ويخسر المجتمع
قاطبة فرصة الإفادة من أخطائه.
وقد أثبتت الدراسات
ان تركيز الجهود على معاقبة الشخص المعالج يبعث في نفوس العاملين في النظام الطبي
الخوف والرهبة من الأخطاء والعقاب، مما يؤدي إلى إخفاء الأخطاء وعدم الاعتراف بها،
بدلاً من محاولة معالجتها ودراسة أسباب حدوثها. وبالتالي تستمر الأخطاء وتتفاقم مع
الأيام، ويخسر المجتمع قاطبة فرصة الإفادة من أخطائه.
أما عمليا٬ فإن
الحاجة العلمية لمواكبة التحولات التقنية الطبية بالخصوص٬ تستلزم استنفار جميع
المستويات التشريعية والقضائية والفقهية والمدنية لتخطي أزمة القصور التشريعي بشكل
توافقي لمواكبة التقدم الطبي عبر ترسانة تشريعية لنصوص طبية تحدد المسؤوليات
والالتزامات بدقة لجميع الفاعلين بالقطاع الصحي٬ وتجرم بعض الأعمال الطبية التي
تتطلب المساءلة الجزائية حماية لضحايا الأخطاء الطبية
ومن الملاحظ اليوم أن
مهنة الطب محاطة بترسانة كبيرة من النصوص التي تتضمن احكاما جزائيا تتراوح بين تجريم السلوك العمدي ومجرد التقصير
والاهمال، فالخطأ الطبي نوعان، الأول خطأ غير مهني وهو الناجم
عن السلوك الذي يمارسه الطبيب كإنسان، وليس كممارسة للمهنة، والثاني خطأ مهنيا وهو
المتعلق بمهنة الطبيب من حيث ممارستها وأصولها، مثل (التشخيص الخاطئ، والخطأ
الجِراحي، والإنفِراد بالتشخيص، والإهمال وعدم اليقظة والملاحظة، والجهل الفني...).
ويندرج النوع الأول
من الخطأ في خانة الأخطاء اللا أخلاقية العامة، أي هو نوع من الإجرام العادي الذي
تستخدم فيه مهنة الطب كوسيلة،
ومن أمثلته:
-
الممارسة غير الشرعية لمهنة الطب.
-
عدم إغاثة
شخص في خطر[8]
-
إفشاء الطبيب
للسرّ المهني[9]
-
تسليم
الشهادات الطبية[10]
-
أخذ الأعضاء
البشرية[11]
-
المساعدة الإنجابية
غير القانونية.
-
القيام
بتجارب طبية غير قانونية.
-
المساعدة على
الانتحار أو القتل بدافع الشفقة.
أما النوع الثاني
فهو ناتج عن طبيعة العمل الطبي وما يتطلبه أحيانا من إحداث جروح وإدخال تجهيزات
الى البدن والحقن بمواد طبية، وهي أمور يمكن ان تحدث مضاعفات طبيعية أو مضاعفات
ناتجة عن خطأ طبي تقني ناتج عن عدم مراعاة أصول العمل الطبي.
وتشكل هذه الأخطاء
غير العمدي القسط الأوفر من الأخطاء الطبية. ورغم خصوصية العمل الطبي فإن الاخطاء
غير العمدية تخضع لذات النصوص العامة المطبقة على الجرائم غير العمدية.
لكن كل هذه النصوص تتعامل مع الطبيب تماما كما تتعامل مع أي مجرم ووفق نفس
القواعد الموضوعية والاجرائية، دون أدنى مراعاة لخصوصية وحساسية مهنته وما تحمل من
مخاطر ناتجة عن اختلاط الابداع والمغامرة والمجازفة مع حرمة الجسد ومقتضيات
السلامة البدنية. فالطبيب هو الشخص الوحيد الذي نسلمه جسدنا ليوغل مشرطه فيه ويدخل
يده أو تجهيزاته الى جوفه ويجول بين شرايينه واعضائه ليستأصل منه ويزرع فيه كل ذلك
من أجل إزالة العلة وشفاء المرض واستعادة العافية، ولكن يحدث أحيانا ما ليس في
الحسبان وتأتي النتائج خلافا للآمال فتتعكر حال المريض أو يتوفى. ليجد الطبيب نفسه
وقد انتقل بقدرة قادر من معالج إلى مجرم ومن منقذ إلى مستغيث فيبحث عن نصوص
قانونية تتناسب وحساسية عمله ودقة تدخله فلا يجد إلا ما يجمع بينه وبين المتهورين
والمقصرين واللامبالين. يجد نصوصا وضعت لزجر الرعونة والإهمال وإجراءات غاية حماية
المجتمع ممن هم خطر عليه ويهددون أمنه واستقراره. نصوص وضعت للضرب على أيدي
العابثين والمستهترين، وهو صاحب الأيادي البيضاء التي لطالما أنقذت الأرواح وإعادة
الدم للعروق وشفت العليل.
وفجأة تنهار تلك الصورة الأسطوري لذوي الرداء الأبيض
ويبدأ الحديث عن أيدي حمراء ملطخة بالدماء وعقليات مستهترة بسلامة وحرمة البشر
وتتعالى الأصوات طلبا للمحاسبة والزجر والعقاب. ويجد الطبيب نفسه خارج عالمه
الطبيعي فيخرج من حجرة العمليات ليدخل حجرة البحث والتحقيق وربما توضع في يده الأغلال
ويودع في مركز احتفاظ أو إيقاف لا لشيء إلا لأنه يخضع لذات القانون المقرر
للمنحرفين واللامبالين.
فالطبيب مواطن كغيره من المواطنين هذا لا جدال فيه.
ولكنه مواطن وهب نفسه ووقته لعمل إنساني غايته الحفاظ
على صحة الإنسان وضمان حرمته الجسدية، ووضع نفسه في مواضع الخطر لا بل إنه مضطر
أحيانا لاتخاذ قرارات مصيرية في لحظة حاسمة كمحاولة أخيرة و ربما تكون يائسة لإنقاذ
روح بشرية فتكون تلك المحاولة إن نجحت وساما على صدره أما إن فشلت فستكون أغلالا
في يديه.
لهذا فإن التعامل مع الأطباء بذات النصوص المقررة
للعامة هو نوع من الظلم. فكل مساواة بين مختلفين هي ظلم لأحدهما. ومن المتفق عليه
أن المساواة في القانون هي مساواة أصناف لا مساواة مطلقة وبالتالي فإن إفراد الأطباء
بنظام تتبع جزائي خاص أمر لا يتعارض مع الدستور بل لعله أكثر دستورية من إخضاعهم
للنظام الجزائي العام.
لكن مثل هذا النظام ليس له وجود بعد، فما الذي تغيير
الآن حتى نتحدث عن ضرورة مثل هذا النظام الجزائي الخاص؟
في الحقيقة ان التفكير بنظام تتبع جزائي خاص بالأطباء
راجع إلى ما شهدته وتشهده الكثير من الدول حاليا من وضع قانون خاص بالمسؤولية
الطبية وهو قانون يغلب عليه الطابع المدني دون إعادة تنظيم للأحكام الجزائية ولكن
في ثنايا هذا القانون نجد اشارات تتعلق بالتتبع الجزائي. فعلى سبيل المثال تضمن
مشروع القانون المتداول حول المسؤولية الطبية في تونس بعض الاحكام الجزائية الخاصة
ذات الطابع الاجرائي وهي:
الفصل 2 الذي يعرف التسوية الرضائية بأنها تنازل عن
القيام بالحق الشخصي في اطار الدعوى الجزائية. والفصل 15 فقرة 2 المتعلقة بايقاف
النظر من طرف المحكمة الجزائية الى حين البت في صحة عقد التأمين من المحكمة
المدنية. وكذلك الفصل 45 الدي يعلق اجال سقوط الدعوى
العمومية طيلة الفترة التي تستغرقها التسوية الرضائية.
فهذه الاحكام تتضمن
قواعد اجرائية غير مألوفة عادة ولكنه ذات أثر سلبي على التتبع الجزائي بل هي تجعل
منه وسيلة ضغط على الجانب الطبي بمعنى إما "الصلح أو التتبع" لكنها
أهملت تماما طابع الحق العام للجريمة الناتجة عن خطأ طبي وهو الطابع الذي يسمح
للنيابة بالتتبع بغض النظر عن مآل التسوية فمشروع القانون لم ينص على ايقاف التتبع
فترة التسوية ولا هو علق هذا التتبع على شكاية من المتضرر.
وانطلاقا مما سبق
يجوز التساؤل هل يمكن ان نضع نظام تتبع جزائي خاص بالخطأ الطبي؟
في الحقيقة يمكن
القول ان وضع مثل هذا النظام هو حاليا ضرورة أكيدة وهي ضرورة مستمدة من خصوصية
مفهوم الخطأ الطبي (ج1) وخصوصية اثبات الخطأ الطبي (ج2).
I-
خصوصية مستمدة من مفهوم الخطأ
الطبي
ان الطبيعة الخاصة والفنية للعمل الطبي وما ينطوي
عليه من خطورة تثير التساؤل حول مفهوم الخطأ الطبي وخصائصة عرف الخطأ الطبي بانه عدم قيام الطبيب
بالالتزامات الخاصة التي فرضتها عليه مهنة الطب، او هو كل تقصير في مسلك الطبيب،
وحيث ان الالتزام الذي يقع على عاتق الطبيب من حيث المبدأ هو التزام ببذل عناية،
فان مضمون هذا الالتزام هو بذل الجهود الصادقة واليقظة التي تتفق مع الاصول
العلمية الثابتة، والتي تتفق مع الظروف القائمة بهدف شفاء المريض وتحسين حالتة
الصحية، وكل اخلال بهذا الالتزام يشكل خطأ طبيا يثير مسؤولية الطبيب، وكذلك يسأل
الطبيب الذي يقوم بالمعالجة عن كل تقصير من جانبة اذا كان ذلك لا يقع من طبيب وسط
في نفس مستواه المهني وفي نفس الظروف التي احاطت بالطبيب المسؤول .
وهذا يعني ان المعيار الذي يقاس به خطأ الطبيب هو
معيار موضوعي يقيس الفعل على اساس سلوك معين يختلف من حالة إلى اخرى وهو سلوك
الشخص المعتاد، اي ان القاضي في سبيل تقدير خطأ الطبيب في علاج مريض معين يقيس
سلوكة على سلوك طبيب اخر من نفس المستوى، سواء طبيب عام او مختص.
إن تخبط الفقه والقضاء في مقاربة مفهوم دقيق
للخطأ بشكل عام لما يحتويه من لبس مفاهيمي نتيجة غياب تعريف تشريعي على مستوى
القانون المقارن و في ظل القانون الوطني يجعل من الصعوبة إيجاد تعريف دقيق و
متكامل لخطأ الأطباء بوجه عام. و عليه كيف يمكن استخلاص تعريف محدد للخطأ
الطبي٬ و على أي أساس؟ من المعلوم أن المشرع لم يعرف الخطأ الطبي٬ لكن فرغم ذلك
فإن الخطأ الطبي يمكن أن يتحدد من خلال ما تنص عليه القواعد العامة في القانون
الجنائي من صور للخطأ الطبي . وبتفحصنا للقوانين الطبية المتعلقة بالمهنة فإننا لم
نعثر على مدلول معين للخطأ الطبي.
أ-
الخطأ الطبي: خطأ جسيم
تعود فكرة الخطأ الجسيم القديمة الحديثة إلى القانون الروماني، الذي عرف
الخطأ بأنه الخطأ الذي لا يرتكبه الشخص قليل الذكاء والعناية. وكان الرومان يساوون
الخطأ الجسيم بالغش في المحاسبة، للحيلولة دون إفالت الغاش من الجزاء تحت شعار الغباء.
ويعود الفضل في نقل هذه النظرية للقانون الفرنسي القديم إلى الفقيه (Pothier
)في إطار حديثه عن تدرج الخطأ.
المشرع نفسه يقبل هذا
التدرج أحيانا، مثال الفصل 122 من مجلة التأمين: "يقع تعويض متضرري حوادث
المرور عن الأضرار اللاحقة بالأشخاص ومخلفاتها دون إمكانية معارضتهم بخطأ في
جانبهم باستثناء الحالة التي يتعمدون فيها إلحاق الضرر بأنفسهم أو الخطأ الفادح
الذي لا يمكن تبريره". فهذا الفصل ميز
بين الخطأ الفادح والخطأ العادي وهو ما أكدته محكمة التعقيب في قرارها عدد 30273
المؤرخ في 7/3/2009 الذي قررت فيه: "إن الخطأ الفادح هو الخطأ الذي لا يغتفر
ولا يرتكبه أقل الناس عناية وانتباها والذي يعني الخطأ الفاحش والجسيم... وبالتالي
يجب وضع معيارين متلازمين لتحديد الخطأ الفادح ويساوي الخطأ غير المغتفر أو الفاحش
أو الجسيم وهذا المعيار الأول يقصي الأخطاء العادية التي تقدر بالنظر إلى سلوك
الإنسان العادي أو ما يسمى برب الأسرة الصالح، فالخطأ الفادح هو دون ذلك بكثير
لأنه يرتكب من شخص أقل من أقل الناس عناية وانتباها لكن بدرجة أدنى قليلا من الخطأ
العمدي.".
لكن بالرجوع إلى
جملة الفصول التي أشارت إلى الخطأ غير القصدي في التشريع التونسي يمكن حصر تلك الصور
في : القصور، عدم الاحتياط، عدم التنبه، التغافل، وعدم مراعاة القوانين (الفصول
217 و225 و309 م.ج)()
كما أضاف الفصل 217 الإهمال والفصل 225 الجهل بما كانت تجب معرفته.
إذ تضمّن الفصل 217
من المجلة الجزائية
عقابا بالسجن مدّة عامين وخطية قدرها سبعمائة وعشرون دينار لمرتكب القتل عن غير
قصد " الواقع أو المتسبّب عن قصور أو عدم احتياط أو إهمال أو عدم تنبّه أو عدم مراعاة القوانين أمّا الفصل 225 من نفس المجلة
فقد حطّ من العقاب السالب للحرية إلى عام
واحد والخطية إلى أربعمائة وثمانين دينار لكلّ من ألحق أضرارا بالغير أو تسبّب
فيها عن غير قصد بسبب "قصوره أو جهله ما كانت تلزمه معرفته أو عدم إحتياطه أو عدم تنبّهه أو عدم مراعاته للقوانين " . إذن حدّد
هذان الفصلان صور إرتكاب القتل أو الجرح عن غير قصد لكنّ المشرّع لم يحدّد المقصود
بهذه المصطلحات الواردة بالنصين المذكورين تاركا المجال للقضاء في تحديد محتواها
والمقصود بها.
بينما نجد في التشريع الفرنسي أن الفقرة
الثالثة الجديدة من الفصل 121 ـ 3 أصبحت تشير إلى أنه : توجد جنحة أيضاً عندما ينص
القانون على ذلك في حالة عدم الاحتياط أو الإهمال أو الامتناع عن الالتزام
بالاحتياط فرضه القانون أو التراتيب إلا إذا كان الفاعل لهذه الأعمال قام بكل
الأعمال الاحتياطية الاعتيادية التي تقتضيها طبيعة مهامه أو وظائفه أو اختصاصه
كذلك السلطة أو الوسائل التي يتمتع بها"(). فالمشرّع الفرنسي بهذا الاتجاه الحديث دعّم
الصّبغة الذاتية للخطأ الجزائي غير القصدي من خلال اعتماد التفرقة بين الإهمال
الواعي والإهمال غير الواعي، وبمقتضى هذه الدرجات المختلفة للخطأ الجزائي تختلف
العقوبة اللاحقة بالفاعل ، وهكذا تغير دور الخطأ
إذا " لم يعد الأمر مقتصرا على تتبعه جزائيا ، بل أصبح أيضا معيارا
لتقدير العقوبة اعتمادا على طبيعته الواعية أو غير الواعية
". ويؤدي الاتجاه الذاتي الذي توخاه المشرع الفرنسي في المادة الجزائية إلى
تغير طريقة تقدير التأثيم للخطأ غير القصدي مما يتناسب أكثر مع المفاهيم الأساسية
للقانون الجزائي .فعند القيام بعملية التقدير يأخذ القاضي بعين الاعتبار تصرف
الشخص كمعيار مميز بين هذه الأصناف من الأفعال الضارة
. فالتكليف القانوني مرتبط بالفعل أكثر من النتيجة . وهكذا يبتعد الخطأ الجزائي غير القصدي عن شبه الجنحة
المدنية ذات المحتوى الموضوعي
، فتنفصل العقوبة عن النتيجة الحاصلة وتغدو غير مرتبطة آليا بها ، لأن
العقوبة تتأثر أيضا بالدور الذي تلعبه الإرادة في ارتكاب الخطأ
وحينها يكون تقدير شبه الجنحة المدنية تقديرا موضوعيا، أما الخطأ الجزائي غير القصدي
فيقدر بصفة شخصية ، وتمحي الصلة بين إيقاع العقاب والنتيجة الحاصلة ، في حين يقع الأخذ بأهمية وجود صلة بين العقاب وإرادة
الفاعل . ويبدو تأثر المشرع الفرنسي واضحا بالفقه المساند لا ازدواج الخطأين ،
فكرس معيارا للتفرقة بين الخطأين والمدني عن طريق تدعيم الصبغة الذاتية للخطأ
الجزائي غير القصدي . كما أضاف المشرع الفرنسي بمقتضى قانون 10 جويلية 2000 إلى
مجلة الإجراءات الجزائية الفصل 4 -1 والذي ورد فيه " إن غياب الخطأ جزائي غير
قصدي على معنى الفصل 121-3 من المجلة الجزائية لا يمنع من القيام بدعوى أمام
المحاكم المدنية للحصول على تعويض الضرر على أساس الفصل 1383 من المجلة المدنية
إذا وجد خطأ مدني حسب ما اقتضاءه هذا الفصل "
. ولقد اكد العديد من الشراح أن " هذا القانون يمثل رّجة حقيقة لمبدأ وحدة
الخطأين
". كما يؤدي إلى تضييق قاعدة حجية الجزائي على المدني لعدم وجود إمكانية
التعارض بين الحكمين الجزائي والمدني عند صدور حكم قاض بالبراءة .ويمكن
القول إن ما قام به ليس سوى تكريس لفقه القضاء الفرنسي الذي ساد قبل اعتماد نظرية
وحدة الخطأين ، إذا كان مفهوم شبه الجنحة مغايرا تماما لمفهوم الخطأ الجزائي غير
القصدي،
وهو ما أقره فعلا فقه القضاء إثر صدور هذا القانون
.وهذا الموقف جدير بالإتّباع من قبل المشرّع
التونسي للفصل بين الخطأين الجزائي والمدني في جانبهما غير القصدي، إذ لا يكفي
المناداة بتكريسه قضائيّا لأنّ المادّة الجزائية تخضع لمبدأ الشّرعية. ولذلك
يتعيّن عليه إبراز مختلف درجات الخطأ الجزائي غير العمد بالاعتماد على العنصر
المعنوي ليساهم بهذا التّحديد في دعم الوظيفة الزّجرية للمسؤولية الجزائية تناسقا
مع ما أكّده الفصل 19 من المجلة الجزائية الذي يختزل روح المجلة في أن تكون مجلة
مواكبة لتطورات المسؤولية الجزائية.
فقد تبنى المشرع
التونسي بدوره ازدواجية الخطأين صراحة منذ سنة 1906:
* إذ جاء بالفصل 101 من م.إ.ع أنّ "الحكم
الصادر بترك سبيل المتهم لا يؤثر في مسألة تعويض الخسارة من الفعل الذي قامت به
التهمة..." ويجمع الفقه في تونس على أنّ هذا الفصل هو تكريس لإزدواجية الخطأين
المدني والجزائي فـي التشريـع التونسي.
* وقد نص الفصل 19 من
م.ج ما يلي : "الحكم
بالبراءة أو بالعقوبات المنصوص عليها بالقانون لا يمنع المتضرر من حق إسترجاع
متاعه وتعويض الضرر الذي لحقه" فهذا الفصل يكرس بدوره إزدواجية الخطأ سواء
صدر الحكم بالبراءة أو بالإدانة وبالتالي فهو أوسع نطاقا من الناحية النظرية من
الفصل 101 سالف الذكر.
*
ثمّ إنّ الفصل 170 من م.إ.ج التونسية أكد بأنّ الفعلة التي لا تشكل خطأ جزائيا
يمكن إعادة النظر فيها من جانب مدني حيث جاء بهذا الفصل ما يلي "إذا رأت
المحكمة أنّ الفعلة لا تتألف منها جريمة أو أنّها غير ثابتة أو أنّه لا يمكن
نسبتها إلى المتهم فإنها تحكم بترك سبيله وإذا كان هناك قائم بالحق الشخصي تتخلى
المحكمة عن النظر في الدعوى الشخصية وتحمل عليه المصاريف بعد تقديرها...".
وفي هذا السياق جاء
القرار التعقيبي الصادر عن الدوائر المجتمـعة في 29/02/1996 والذي أقرت فيه أنّ
"وصف التوقف عن العمل بكونه إخلالا بالعقد أو خطأ تعاقديا ليس فيه مناقضة
للحكم الجزائي ويمكن للمحكمة المدنية أن تبت فيه لأن نفي المسؤولية الجزائية عن
الفعل لا يقتضي حتما نفي المسؤولية المدنية عنه وهو مفهوم الفصل 101 من
م.إ.ع"().
والقرار التعقیبي المدني
عدد 62825 مؤرخ في 3 فیفري. 1998 النشریّة. 1998 صفحة. 166إذ ورد فیھ أن
"الخطأ الجزائي لا یكون دائما مطابقا للخطأ المدني. و لذلك فإنّھ لا وجود
لوحدة الخطأین". كما أنن الخطأ المدني غير مرتبط بالخطأ الجزائي والفصل 101 م
ا ع واضح في هذا المعنى. (تع مد 9075 في 27/6/2006)
وفي ميدان المسؤولية
الطبية اتخذت نفس الموقف في القرار التعقيبي المدني عدد 8653.2013 المؤرخ في
04/02/2014 الذي جاء فيه "حيث تمسكت المعقبة من خلال المطعن بحجية الحكم
الجزائي على المدني باعتبار أنه تم حفظ التهم الجزائية في حقها لدى قلم التحقيق
وتأيد ذلك لدى دائرة الاتهام ولدى محكمة التعقيب. وحيث ان هذا التمسك في غير طريقه
استنادا إلى أحكام الفصل 101 م ا ع. وحيث يؤخذ من ذلك أن عدم المسؤولية الجزائية
لا يترتب عنه عدم المسؤولية المدنية لذلك فإن حفظ التهمة في حق المظنون فيه أو
القضاء بشأنه بعدم سماع الدعوى لا يمنع من القيام ضده مدنيا للمطالبة بالتعويضات
اللازمة على أساس مسؤوليته المدنية.".
إن القول بوجود مثل هذه التفرقة بين الخطأ المدني الجزائي يعني وأن هناك
تدرج للخطأ فما كان منه يسيرا فإنه لن يثير سوى المسؤولية المدنية وما كان منه
جسيما فإنه يمكن أن يثير المسؤولية الجزائية أيضا.
ويترتب عن الإقرار بوجود الازدواجية ضرورة التأكيد عليها بموجب نص خاص
بالنسبة للخطأ الطبي وبالتالي أمكانية الفصل التام بين التتبع الجزائي والقيام
المدني وذلك بمنع القيام بالحق الشخصي أمام القاضي الجزائي لتجنب تعريضه لأي نوع
من الضغط في اتجاه إقرار الإدانة قصد ضمان التعويض.
فالتمسك بحجية الجزائي على المدني سينقلب في الواقع ليصبح حجية فعلية للمدني
على الجزائي، إذ يعلم القاضي الجزائي مسبقا بأن رفضه تأثيم الفعل الضار سيحرم
المتضرر من التعويض على المستوى المدني، ويحمله بذلك للنطق بالعقوبة من أجل ضمان
التعويض ليس إلا "فيتحول القاضي الجزائي بالضرورة إلى قاض مدني لإنصاف
المتضرر وعدم حرمانه من حقه" ويصبح الحل المنتظر على المستوى المدني هو الحل
الذي يملي الحل على المستوى الجزائي. وقد يؤدي هذا الوضع إلى تسليط عقوبة جزائية
على شبه جنحة بسيطة، مما يفضي إلى تغيير وظيفة النزاع الجزائي ليكون أداة بيد
المتضرر. كما أن تسليط مثل هذه العقوبة بغاية الحفاظ على التعويض المدني سيثير لدى
الفاعل لامبالاة بالعقوبة المسلطة عليه لأنه يعلم أن الغاية من ايقاعها هي مجرد
ضمان التعويض لا لردعه، وقد ينتهي الفاعل إلى التعود على ارتكاب الخطأ. وبالتالي
فإن فتح باب التعويض أمام المتضرر بصفة مستقلة عن مآل النزاع الجزائي سيجنب القاضي
الجزائي عناء البحث عن أخطاء تافهة ويسمح له بتجاوز الحرج الناتج عن مبدأ وحدة
الخطأين. وبالتالي لا
يجوز للقاضي الجزائي اعتماد التقنيات المستعملة من قبل القاضي المدني، فالخطأ
الجزائي هو مفهوم مشبع بالذاتية ولا يمكن تقديره بغض النظر عن شخصية الفاعل . فيقدر
الخطأ الجزائي في محيطه النفسي الذي ارتكب فيه.
وهكذا تبدو
نظريّة ازدواجية الخطأين الجزائي والمدني وسيلة متماشية مع مستلزمات الأمن وما
فيها من ردع لأبسط الأخطاء. فتعدّد الأخطاء غير العمدية يعدّ سمة بارزة في الوقت
الراهن وذلك في مجالات تقنية عديدة من بينها مثلا المجال الطبي فهو ميدان فني
متطور، فإذا ما قامت المسؤوليّة الجزائيّة للطبيب على خطأ بسيط جدا من أجل تأمين
إسداء التّعويض للمتضرّر، فسيؤدي ذلك إلى تراجع المبادرة الشّخصيّة التي تمثّل ميزة
في هذه المهنة. هذا إلى جانب ما تتركه العقوبة الجزائيّة من أثر معنوي سيّئ على
الطّبيب علاوة
على ما فيه من تجاهل الطابع الفني للخطأ الطبي.
ب-
الخطأ الطبي: خطأ فني
لا يثور الجدل
أو الخلاف حول مساءلة الطبيب عن الخطأ المادي أو العادي الذي إقترفــه سواء خارج ميدان
عمله الفني أو داخله فهو يسأل عن الخطأ الذي أرتكبه في جميع درجاتـــه وصوره كما هو
الشأن بالنسبة للشخص العادي ولكن ثار النقاش حول الخطأ الفني الذي يقترفـه الأطباء
إخلالا بالقواعد الفنية التي تلزمهم بها القواعد الطبية.
فقد شعر الفقه
لوقت طويل بضرورة إقامة تفرقة بين الخطأ العادي والخطأ الفني، وخاصة في المجال
الطبي، فذهب رأي من الفقه إلى أن الطبيب لا يمكن مساءلته عن الخطأ الفني فلا يسأل عن
رأيه أو عن المذهب العلمي الذي يعتنقه أو العلاج الذي يصفه أو عن التدخلات الجراحية
التي يجريها ويعتمد هذا الرأي على أن الطبيب بحصوله على الإجـازة والدرجة العلمية والتي
بمقتضاها ترخص له الدولة مباشرة مهنة الطب يكون جديرا بالقيام بعمله وبالتالي أهلا
لثقة الناس به هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن العلم والعمل الطبي بإعتباره علمـا متطورا
غير ثابت يعتمد فيه التشخيص على الحدس والإستنتاج مما يسهل وقوع الطبيب فــي الخطأ
وأن إثارة مسؤوليته يعني تقييد حريته في مباشرة العلاج الذي يراه ملائما.
فالطبيب لا
يسأل عن خطئه المهني إلا إذا كان جسميا، مبررين ذلك بإتاحة الفرصة له لممارسة نشاطه
بكل حرية وطمأنينة وثقة، تعود نتائجها على صحة المرضى وتقدم الطب وقد تعرضت
محكمة التعقيب الفرنسية لهذه التفرقة منذ أمد بعيد([39])
كما صدر قرار عن محكمة استئناف متز الفرنسية في 21/5/1867 جـاء فيه (ان
المسؤولية تتناول أيضا الأعمال الطبية البحتة ، ولا يجوز في شأنها ان تمنـع
المحاكــم إطلاقا من النظر فيها بحجة ان فصلها في ذلك يؤدي إلى التدخل فـي فحص
مسائـل تقـع فــي دائرة علم الطب وحـده ، بـل ان الطبيب في مثل هذه الأحوال يجب ان
يسأل عـن خطئـه الـجسيم ، المستخلص من وقائع ناطقة واضحـة والذي يتنافى في ذاته مع
القواعد العامة التي يمليها حسن التبصر وسلامة الذوق ، تلك القواعـد المقررة التـي
لا نـزاع فيها)
وترجع هذه التفرقة إلى عدم رغبة القضاء في مناقشة المسائل الفنية وهذا أمر لا
يقتصر على دعاوي مسؤولية الأطباء، وإنما يتناول كل دعوى يثار فيها بحث فني[41].
لكن
بالرجوع إلى الفصلين 2017 و225 من م ج يلاحظ أن الخطأ جاء بنص عام لا يفرق بين الطبيب
وغيره ومع هذا فإن هناك من الفقهاء من يقسمون الخطأ الى نوعين بالنسبة لأرباب الفن
أطباء كانوا او غيرهـم ، إذ قـد يكون خطأهـم ماديـا او مهنياً ، فالخطأ المادي لا يخضع
للمناقشات والخلافات الفنيـة التي يخضع لها الخطأ الفني الذي ينقسم بدوره على اثنين
احدهما الخطأ اليسير وثانيهما الخطأ الجسيم ، فتنحصر المسؤولية الجزائية في الخطأ الجسيم
فقط لان الطب علم سريـع التطور يتصارع فيه قديمه وحديثه صراعاً مستمرا….فما يراه بعضهم
صحيحا يراه الآخرون خطأ كما ان الحكمة في التزام الخطأ الجسيم هي ان لا يكون الخوف
من المسؤوليـة مانعاً الطبيب عن مزاولة مهنته بمطلق حريته وعن الاعتماد على علمه وفنه
وعن الإقدام على توسيع خبرته ، وبهـذا يسهل على الطبيب مسايرة النظريات العلمية الحديثة
والانتفاع بها.
فالخطأ المادي إخلال بالإلتزام المفروض على
الناس كافة بإتخاذ العناية اللازمة عند القيام بسلوك معين أو إتيان فعل ما لتجنب
ما قد يؤدي إليه هذا السلوك من نتيجة غير مشروعة[42].
بينما الخطأ الفني : فهو إخلال رجل الفن
بالقواعد العلمية والفنية التي تحددها الأصول العامة لمباشرة مهنته[43]. والسؤال
المطروح هو هل يسأل رجال المهن وخاصة الأطباء عن إخلالهم بقواعد مهنتهم ؟
هناك من يعتبر أن
التمييز بين ما هو خطأ مادي وخطأ فني لا يمكن أن يستقيم تبعا لإفتقاره إلى معيار
دقيق مضبوط[44]،
كما أنه يفسح المجال للتهرب من تبعة الخطأ عن طريق الزعم بأنه فني[45].
إلى جانب أن هذه التفرقة لا تستند إلى القانون لا في نصه ولا في مبناه[46].
لكن لا مندوحة من
التأكيد أن التطور القانوني في المجال الطبي أفرز لنا بعض الالتزامات القانونية٬
بعضها من ابتداع الفقه والقضاء٬ والأخرى مصدرها القانون. فالقضاء من خلال تطبيقه للقانون على القضايا
التي عرضت عليه بخصوص المسؤولية٬ والتي تجد أساسها في الشأن الطبي في أن " لا
مسؤولية بدون خطأ". حيث كانت المحاكم تستعمل صيغا يستفاد منها
اشتراط الخطأ الجسيم لتقرير مسؤولية الأطباء من مثل " خطأ ناتج عن جهل تام في
الميدان الطبي أو عن إهمال خطير من جانبه"٬" تواطؤ تدليس"٬ بل كانت
تستعمل صيغة "الخطأ الجسيم". وبعد هجرها للخطأ الجسيم٬ أخذت تستعمل صيغة
أخرى وهي أن "الطبيب إنما يلتزم ببذل جهود صادقة يقظة متفقة في غير الظروف
الاستثنائية مع المعطيات الحالية (أو الثابتة) في علم الطب"٬ وبالتالي تعتبر
الطبيب مخطئا كلما أخل بهذا الالتزام٬ بالنظر إلى كون هذا الالتزام بصفة عامة٬ هو
إخلال بالتزام سابق٬ مكتفية فقط بالخطأ من غير نعت٬ بشرط أن يكون هذا الخطأ ثابتا
ثبوتا كافيا لديها٬ وهو الاتجاه الذي أخذته المسؤولية الطبية بعد إقرارها طبيعتها
التعاقدية. على أن تنامي ثقافة المسؤولية الجزائية
للأطباء بوجه عام٬ أفرزت لنا التزامات حديثة تتقرر على إثرها المساءلة لأي طبيب لم
يقم بها اتجاه مريض. خاصة قبل مراحل العمل الطبي لكي تنتفي مسؤوليته الطبية في
مواجهة ضحية الخطأ الطبي٬ إما بصفة مباشرة أوبطريقة غير مباشرة من طرف خلفه العام
في حالة وفاة هذا الأخير. وإلا أصبحنا أمام قرينة قانونية لإثبات مسؤولية الطبيب
المدنية والجزائية معا. وهي: التزام الطبيب بالتبصير٬ التزامه بالحصول على رضى
المريض٬ ثم التزامه بالسلامة (الفقرة الأولى) على أنه هذه الالتزامات تعترضها صعوبات ذات طبيعة مهنية: هيمنة السرية
على الأعمال الطبية٬ تضامن أصحاب المهن الطبية أو كما عبر عنها الأستاذ الدكتور
أحمد ادريوش: " الأطباء لا يقبلون أبدا فكرة الالتزام٬
وإنما يتحدثون بلغة الواجب٬ فالطبيب لا يحتمل بالتزامات وإنما بواجبات يمليها عليه
ضميره ويقتضيها تحقيق الهدف الذي يسعى إليه كل طبيب وهو " تحقيق أكبر قدر
ممكن من الخير للمريض" وهي واجبات ترتبط بالصفة الإنسانية ذاتها٬ جسدا وروحا
بحيث أن الطبيب في علاجه للجسد عليه أن يقدر ويحترم روح المريض" .
وقد تبنت بعض التشريعات العربية حصر مسؤولية
الاطباء في الاخطاء المهنية فقط، من ذلك ما جاء في المادة 186 من قانون العقوبات
اللبناني و185 سوري و 62 أردني و53 اماراتي و 41 عراقي من أنه: "-لا يعد
جريمة الفعل الذي يجيزه القانون.
-يجيز القانون:
2) العمليات الجراحية والعلاجات الطبية المنطبقة
على أصول الفن شرط أن تجري برضى العليل أو رضى ممثليه الشرعيين أو في حالات
الضرورة الماسة.
ولعل الفقرة الأولى من المادة 30 قانون العقوبات كويتي
1960 أكقر وضوحا إذ نصت على أنه: "لا جريمة إذا وقع الفعل من شخص مرخص له في
مباشرة الأعمال الطبية أو الجراحية، وكان قصده متجها إلى شفاء المريض، ورضى
المريض مقدما صراحة أو ضمنا بإجراء هذا الفعل، وثبت أن الفاعل التزم من الحذر والاحتياط ما تقضي به أصول
الصناعة الطبية".
فجميع هذه النصوص تقر مبدأ اباحة الاعمال الطبية
ما لم يثبت ارتكاب خطأ قني يتعارض وأصول العمل الطبي.
وذهب القضاء و خاصة المصري من خلال حكم النقض
الصادر في 1964/12/30 ٬ إلى اتباع التفرقة بين نوعي الخطأ العادي و المهني. و قد تبنى أغلبية القضاء هذه التفرقة٬ حيث قضت
بأنه لا يجوز للقاضي التدخل في تقدير النظريات و الطرق العلمية و تنحصر مهمته في
الكشف عما إذا كان قد وقع من الطبيب إهمال محقق بوضوح أو عدم اتخاذ الاحتياطات
التي يمليها الحذر العادي أو الجهل بالقواعد الطبية المتفق عليها ٬ و بالتالي
يتحقق استقلال الطبيب في ممارسته لمهنته . كما اتجه كل من الفقه و القضاء إلى أنه لا
يكفي لقيام مسؤولية الطبيب مطلق الخطأ بل يجب أن يكون خطؤه فاحشا أو جسيما ٬ إذا
كان الخطأ فنيا و لكنه يسأل عن الخطأ المادي بجميع درجات جسامته و يسيرها. و الخطأ الجسيم هو الخطأ الذي يبلغ حدا يسمح
افتراض سوء نية الفاعل حيث لا يتوافر الدليل عليها أو هو الإهمال و عدم تبصير الذي
يبلغ حدا من الجسامة يجعل له أهمية خاصة .
أما التشريع التونسي
فإنه لم يتضمن نصا مشابها واكتفى في الفصل 12 من الأمر عدد 1155 لسنة 1993 المؤرخ في 17 ماي 1993
:"يتعين على الطبيب أن يمارس مهنته في الظروف التي تسمح له باستعمال أجهزة
ووسائل فنية ضرورية لتعاطي فنه بصفة صحيحة". أي أن العمل الطبي هو عمل فني
وبالتالي فلا يقوم الخطأ الطبي مالم يكتس طابعا فنيا.
وفي هذا الاتجاه
اعتبرت محكمة التعقيب في قرارها عدد 7240 المؤرخ في 15/4/2014 (غير منشور) أن:
"الخطأ غير القصدي مناط الفصل 225 م ج يتمثل في اخلال الجاني عن تصرفه
الارادي بواجبات الحيطة والحذر التي يفرضها المشرع على كافة الناس فيما يباشرونه
من أفعال حرصا على الحقوق والمصالح التي يحميها القانون، وعدم حرص الشخص على تفادي
ما افضاه سلوكه من احداث للنتيجة المعاقب عليها لاعتقاده أنها لن تحدث أو لعدم
توقعه هذه النتيجة بينما كان من واجبه وفي مقدوره توقعها يجعل افعاله معاقبا
عليها. وحيث ان الخطأ الطبي هو الخطأ الذي يتصل ويتعلق بالاصول الفنية لمهنة
الطبيب أي عدم قيام الطبيب بالالتزامات الخاصة التي فرضتها عليه مهنته وواجباتها
وفقا لما تقضي به القوانين واللوائح والقرارات والانظمة في هذا الشأن فضلا عما
تقضي به أصولها العلمية والفنية المقررة الثابتة وهو بالتالي ملزما بما اقرته
مقتضيات الفصل 2 من مجلة واجبات الطبيب التي اعتبرت وان واجبه الاساسي في جميع
الظروف هو احترام الحياة والنفس البشرية. وحيث يكون ذلك الخطأ بالتالي قائما كلما
ثبت انحراف الطبيب عن السلوك الطبي العادي والمألوف، وما يقتضيه من يقظة وتبصر
إبلا درجة يهمل معها الاهتمام بصحة المريض ويتسبب بقصوره أو جهله ما كانت تلزمه
معرفته أو عدم إحتياطه أو عدم تنبّهه أو عدم مراعاته للقوانين في الحاق أضرار بدنية به وبثبوت ذلك الخطأ وتحقق العلاقة السببية بينه
وبين تلك الاضرار تتوفر معه أركان الفصل 225 م ج... وإن الفصل 225 م ج يخول تعيير
خطأ الطبيب بالاعتماد على معيار موضوعي يتمثل في: * تقدير سلوك الطبيب على ضوء
سلوك طبيب أخر في نفس الاختصاص العلمي. ** الظروف الخارجية التي تحيط بالطبيب
والمتمثلة في مدى توفر الامكانيات والوسائل الطبية ومدى الزامية التدخل السريع
والاستعجالي (les risques d'exploitation). *** مدى اتفاق العمل
الطبي مع تقالييد مهنة الطب والاصول العلمية الثابتة".
وهو ما يستنتج منه أن
الخطأ الطبي: هو الخطأ الذي لا تقره أصول الطب ولا يقره أهل العلم والفن من ذوي
الاختصاص، وفقا
لاختصاص الطبيب ومؤهلاته والامكانيات المتاحة له.
وطالما ان هذا هو تعريف الخطأ الطبي فمن غير المعقول
ان يعامل بنفس معاملة الخطأ العادي. الذي يقصد به الإخلال بقواعد الحيطة والحذر العامة التي يلتزم بها كافة
الناس، وقد استقر الفقه والقضاء على إمكانية مساءلة الطبيب عن هذه الأخطاء مهما
كانت يسيرة أو جسيمة ومن أمثلتها أن يجري الجراح العملية وهو في حالة سكر أو أن
ينسى في جوف المريض مشرطا ً أو ما شابه
فالخطأ المهني
هو انحراف الطبيب عن
أصول مهنته، كما إن المسؤولية تتحقق في مواجهة الطبيب، كلما كان
الخطأ ينم عن جهل فاضح بين بأصول الفن الطبي، وهو الأمر الذي يوجب الفصل بين الجهل
والرأي العلمي، إذ هنا يجب محاسبة الطبيب عن هذا الجهل الفاضح دون الخطأ الناتج عن
الاجتهاد العلمي.
والمعيار الذي يقاس بة
الخطأ المهني هو معيار فني موضوعي معيار شخص من اواسط رجال الفن ومثل هذا الشخص لا
يجوز له ان يخطئ فيما استقرت علية اصول مهنتة، والاصول المستقرة للمهنة وهي مالم
تعد محلا للمناقشة بين اصحاب هذه المهنة بل ان جمهورهم يسلمون بها ولا يقبلون فيها
جدالاً، ومن ثم ان الخروج على هذه الاصول المستقرة خطأ يوجب المسؤولية، وتقضي
المحاكم بان يسأل الطبيب عن خطئة في العلاج اذا كان الخطأ ظاهرا لا يحتمل نقاشا
فنيا تختلف فية الاراء، فان وجدت مسائل علمية يتجادل فيها الاطباء ويختلفون عليها
ورأى الطبيب اتباع نظرية قال بها العلماء ولم يستقر عليها الرأي فلا لوم عليه وعلى
القضاء ان يتفادى النظر في المناقشات الفنية عند تقدير مسؤولية الاطباء، اذ ليست
مهمة القضاء المفاضلة بين طرق العلاج المختلف عليها، بل ان مهمتة قاصرة على التثبت
من خطأ الطبيب المعالج .
فالمعيار الذي يقاس
عليه سلوك الطبيب المسؤول هو سلوك الطبيب الوسط من المستوى نفسه في الظروف نفسها
الخارجية المحيطة بالطبيب المسؤول، ولذلك ينبغي عند تقدير خطأ الطبيب مراعاة
مستواه من حيث هل هو طبيب عام أو متخصص، وما يحيط بالعمل من عادات طبية مستقرة،
بحيث يقارن كل ذلك بفعل طبيب وسط من نفس مستوى الطبيب المسؤول وفي ذات ظروفه.
وبالنظر الى تأسيس
مسؤولية الطبيب على الخطأ الفني فقد ظهر إتجاه بين الفقهاء يعتبر أن الطابع الفني
لمسؤولية الطبيب عن الخطأ الطبي يؤدي إلى إقحام القضاء في مناقشات طبية دقيقة يصعب
عليه الفصل فيها ، وبالتالي فإن الطابع الفني لخطأ الطبيب يفرض خصوصية عند اثباته.
II-
خصوصية مستمدة من اثبات الخطأ
الطبي
إن
إشكالية البحث في محتوى وماهية الخطأ بشكل عام، والخطأ الطبي غير القصدي بشكل خاص،
يصعب احتواء نطاقها بمجرد التمييز بين الأخطاء الفنية والأخطاء العادية. فما يمكن أن
يعتبر خطأ فنيا يصلح أن يشكل خطأ عاديا، والعكس صحيح. فتتوسع بذلك متاهة القاضي الجزائي
في ضبط هاته الأمور التقنية، وبالتالي يصعب الترجيح في مجال الإثبات لجهة على حساب
أخرى -المرضى أو الأطباء- ويجد القاضي
نفسه مضطرا للاستعانة بأهل الخبرة لتكوين قناعته الشخصية، وذلك أمام تخلف النصوص القانونية
العامة والقوانين المنظمة للمهن الطبية، في تحديد سياق عام قوامه المسؤولية الجزائية
للخطأ الطبي، دونما أي إسقاط -للفعل أو الامتناع- الطبي في جريمة الخطأ الطبي قياسا
على صور الخطأ في القانون الجزائي. هذا إلى جانب مزاحمة بعض المبادئ المتعارف عليها
طبيا للاجتهاد القضائي في مراقبته للعمل الطبي من أجل مساءلة الأطباء عن أخطائهم المهنية وهو ما يطرح
مبدئيا صعوبة في اثبات الخطأ الطبي (أ) ينتج عنه جدل حول السلطة التقديرية للقاضي
(ب).
أ-
صعوبة اثبات الخطأ الطبي
يعد تحديد رابطة
السببية في المجال الطبي من الأمور العسيرة نظرا لتعقد الجسم الإنساني وتغيير
حالاته وخصائصه من شخص إلى آخر، وقد يكون لنفس الدواء أو طريقة العلاج تأثير مختلف
حتى على التوأم.
وتكتنف الخطأ الطبي إجمالا مجموعة من الصعوبات٬
والتي تتمثل في محدودية طبيعة التزامات الطبيب خاصة من زاوية الصبغة التقنية للعمل
الطبي من الناحية الموضوعية ـ مقياس الظروف الداخلية والخارجية للطبيب في نفس
الوسط ـ أو من الناحية الشخصية ـ التضامن المهني .
فالخطأ الطبي مختلف تماماً عن المضاعفات التي تحدث في العملية، وهناك الكثير من الحالات
التي لا تُصنف خطاً طبياً بقدر كونها مضاعفات ولكن يُطلق عليها خطأ طبي لأن المريض
لم يعرف من طبيبه المعالج أن هناك أموراً ستحدث بعد العملية تُسمى مضاعفات، سواء
أكان المريض سيخضع لعملية جراحية او سيأخذ علاجاً طبياً. لكن الخطأ الطبي هو
الناتج عن عدم اهتمام الطبيب او الفريق الطبي بحالة المريض، مما يؤدي إلى مضاعفة
يمكن تفاديها إذا تم التنبه لها في وقتها.
وإذا كانت الحالة الجسمانية تعد مؤشرا على
أن المريض ـ ضحية الخطأ الطبي ـ تعرض لضرر من جراء خطأ صادر عن الطبيب٬ فيصعب
عمليا إثبات ذلك لما ينطوي عليه الواقع المهني من خروقات تنحو بالأدلة والقرائن في
حكم العدم٬ والفضل يرجع إلى ممارسات أضحت بمثابة وسيلة دفع قانونية للتسويف
والمماطلة لدحض وسائل الإثبات الطبي٬ فيستنكف الأطباء عن احترام ـ القانون ـ وخدمة
العدالة خصوصا مع هيمنة السرية على الأعمال الطبية الجراحية٬ ثم عدم مسك الملف
الطبي تهربا من المساءلة أمام أجهزة القضاء.
وأخطاء الأطباء أصبحت متفاقمة في الحياة العملية٬
مخلفة وراءها عشرات الضحايا٬ ولكن هؤلاء لا يثيرون دعاوي المسؤولية الطبية٬ وحتى
لو أثاروها فغالبيتها ترد وترفض وذلك لعجزهم عن إثبات خطأ الطبيب أو الجراح ...
ولذلك يجب أن يولي اهتمام من جانب القضاء الذي يمكنه أن يعتبر عدم مسك الملف الطبي
للمريض بمثابة إهمال أو عدم احتياط من طرف الطبيب أو الجراح يترتب عنه مسؤوليته
القانونية٬ ولذلك يسعى الأطباء والجراحون إلى مسكه وضبط الخدمات الطبية والجراحية
التي يقدمها للمرضى سواء في القطاع الخاص أو العام".
كما أن الصعوبة التي تلازم إثبات الخطأ الطبي تجد
أساساها في تضامن أصحاب المهن الطبية إزاء المشاكل المرتبطة بالمسؤولية. والذي
يحصل أن أهل الخبرة من الأطباء عند انتدابهم من قبل المحكمة وبدافع من الزمالة
والتضامن المهني٬ كثيرا ما يميلون إلى جانب زميلهم المتابع ويسعون إلى تخليصه من
المسؤولية.
ولكن القضاء له دائما إمكانية استبعاد الخبرة
القضائية٬ والاكتفاء بالقرائن المستخلصة من الملف الطبي٬ واعتبارها حجة في الإثبات
كافية لقيام مسؤولية الطبيب ولعل حجية عدم مسك الملف الطبي من طرف الطبيب٬ سيعد
قرينة ضده على أساس اعتبار ـ سوء النية ـ فهل يعقل أن يمسك طبيب ويضبط بيانات
ومستندات ضد مصلحته.
ولكن أي استبعاد لرأي الخبير يجب ان يكون معللا
تعليلا مستساغا، والتعليل المستساغ هنا هو التعليل الذي يتضمن نقاشا طبيا يمكن على
اساسه للقاضي ان يخالف رأي الخبير.
ويبدو انه من الانسب للقضاء عندما لا يكون مقتنعا
برأي الخبير ان يلجأ الى اختبار ثان وربما ثال وحتى لاختبار ثلاثي حتى لا يكون
رأيه دون حجة علمية مستساغة. كما انه من المتجه في صورة الاختبار الثلاثي ان يقع
السماح للخبراء في صورة الاختلاف في الرأي ان يقدموا أراء مستقلة بما يسمح للقاضي
ان يرجح بينها وفي هذا ربح للوقت.
كما يتجه التفكير في
احداث لجنة خاصة يعهد اليها في اثبات الخطأ الطبي يترأسه قاض وتجمع في عضويتها
ممثلين عن الاطباء وعن أصحاب المهن الطبية وعن وزارة الصحة.
وعلاوة عما سبق فإن المريض (أو ورثته) يحرم
أحيانا من الاطلاع على الملف الطبي الخاص به، والملف الطبي هو عبارة عن مجموعة
الوثائق التي تبين الحالة الصحية لأي شخص ويكون مودعا عادة لدى الجهة الطبية
المشرفة على العلاج٬ ويعد هذا الملف وسيلة من وسائل الإثبات في ميدان المسؤولية
الطبية٬ بحيث يمكن للقاضي أن يكون قناعته انطلاقا منه٬ خاصة عندما يكون هذا الملف
ممسوكا بانتظام، بما يسمح بالوقوف على المرحلة التي تثبت خطأ الطبيب في العلاج٬
ولا يمكن الامتناع عن تسليم هذا الملف لصاحبه بدعوى التزام الطبيب بالسر المهني. مع ضرورة الاشارة
إلى أن هناك نوعان من الملفات الطبية يجب التمييز بينها٬ فهناك ملف يهيئه الطبيب
المعالج لأول مرة٬ وملف آخر يكون بحوزة المريض محتويا على شواهد طبية ووثائق تثبت
سوابقه المرضية وغيرها.
فبالنسبة للملف الأول : فهو نظريا ذلك
الملف الذي يفتحه الطبيب لكل مريض عادة لأول مرة٬ يدون فيه كل ما باشره على المريض
من إسعافات أولية وفحوص مختلفة وتشخيص لحالته المرضية٬ والعلاج الذي وصفه له٬ كما
يضمن فيه جميع الوثائق والتقارير الطبية المتعلقة بالحالة الصحية للمريض كالورقة
التي تدون فيها درجات حرارة المريض٬ وورقة الإنعاش وغيرها ... ومن ثم تبرز أهمية
الملف الطبي وفائدته القصوى في الإثبات إذ من شأنه أن ينير الطريق للقضاء من أجل
الوصول إلى الحقيقة٬ لكن مع الأسف فإن الأطباء نادرا ما يسلمون الملفات الطبية
لمرضاهم.
أما بالنسبة للملف الثاني : فهو الملف الذي يكون
بحوزة المريض والذي يتضمن الوثائق المثبتة لسوابقه المرضية٬ أو لنتائج التحليلات
المخبرية٬ كتحليل الدم٬ أو الصور الإشعاعية٬ وكذلك وصفات العلاج الذي كان يتبعه٬
وتقارير الأطباء الذين سبق لهم فحص حالته وغيرها من الأوراق التي تثبت الحالة
الصحية السابقة للمريض. ويرى العديد من المهتمين بموضوع المسؤولية
الطبية ـ بمن فيهم الأطباء أنفسهم ـ أن تكوين الملف الطبي للمريض٬ الذي يتوفر على
مختلف الوثائق الطبية الأساسية يكتسي أهمية وفائدة قصوى٬ فهاته الوثائق هي التي
تنير الطريق أمام العدالة في سبيل الوصول إلى الحقيقة٬ كما أنه وعلى أساسها يتصرف
الخبراء ويكونون قناعاتهم. كما يرى "أحمد الخمليشي" بأنه : "كان
يتعين مقابل إعفاء الطبيب أو الجراح من المسؤولية إلى أن يثبت خطأ طبي في حقه أن
يلقي عليه عبء تسجيل وتوثيق ما يقوم به من عمل إزاء المريض٬ ومضيفا بأن غياب الملف
الطبي يجعله من المستحيل على المريض إثبات خطأ ضده٬ ولذلك لا يبدو مقبولا٬ إلقاء
عبء الإثبات على المريض مع إعفاء الطبيب من كل التزام يتعلق بتسجيل ما يجري بينه
وبين المريض وأنواع الخدمات التي يقدمها له."
ومما لا شك فيه أن الملف الطبي بنوعيه سالفي
الذكر لا يخلو من الأهمية في الإثبات ويمكن أن تعتمد عليه المحكمة في الوصول إلى
الكشف عن الأخطاء الطبية.
فوجود الملف الطبي إلى جانب تقرير الاختبار
الفني يفتح المجال أمام السلطة التقديرية للقاضي.
ب-
السلطة التقديرية للقاضي:
الخبرة وسيلة إثبات
مستقلة تنقل إلى حيز الدعوى الجزائية دليلاً يتعلق بإثبات الجريمة أو إسنادها
المادي أو المعنوي إلى المتهم حيث يتطلب هذا الاثبات معرفة ودراية لا تتوافر عادة لدى
القاضي وتجارب عملية لا يتيح الوقت للقاضي القيام بها.
وفي هذا الإطار يحتاج
القضاء لأهل الخبرة من الأطباء لإثبات الخطأ الطبي والعلاقة السببية بين ذاك الخطأ
والأضرار اللاحقة بالمريض ، ونظرا لطبيعة المباشرات وتعقّدها فإنّ تقرير الإختبار
ذو الطابع الفني المحض هو المعتمد للتصريح بقيام المسؤولية أو إنتفائها ومن ذلك:
·
قرار تعقيبي جزائي
عدد 736 الصادر في 17/6/2000 غير منشور وتمثلت وقائع القضية في إجراء عملية جراحية
على المريض بإحدى المصحات بقابس لإستئصال جزء متعفن من المعدة وبعد إتمامها تعكرت
حالة المريض فأجريت عليه عملية ثانية لمعالجة فم المعدة لكن المريض أصيب بشلل نصفي
وفقدان البصر وثبت من تقرير الإختبار أن ذلك كان نتيجة جزء من الدم إنتقل إلى
القلب ومنه إلى المخّ ) الذي جاء به أنه إستنادا إلى "تقرير لجنة من الخبراء
أكّد أنّ العملية الجراحية التي باشرها الدكتورX تمت طبق القواعد الطبية والعلمية
وأنّ إصابة الشاكي بمرض ضيق فم المعدة هو أمر طبيعي لا علاقة له بالمرض الأول ولا
يوجد خطأ طبي كما أنّ فقدان النظر والشلل النصفي الحاصلين للشاكي هما نتيجة مباشرة
للأزمة القلبية المفاجئة ولا علاقة لهما بالعمليتين
الجراحيتين"
·
تع ج 29551 في
3/12/2002 : كانت البنت مروى تعاني من مرض بالحنجرة فقرر والدها إجراء عملية
جراحية عليها بواسطة الطبيبين رضا ... وحفظي ... إلا أنه بعد 3 أيام من العملية لم
تعد البنت قادرة على الكلام وبعرضها على طبيب مختص في الأنف والحلق والحنجرة أفاده
بأن لسان إبنته قد قطع فقضت محكمة البداية بتخطئة كل واحد من الطبيبين بخمسمائة
دينار وحفظ الحق المدني لكن محكمة الإستئناف قررت النقض والقضاء من جديد بعدم سماع
الدعوى فعقب الوكيل العام ناعيا على الحكم ضعف التعليل وبعد طعون أخرى بالتعقيب
وحصر الفعلة في الطبيب رضا ... فحسب كانت قضية الحال والتي إنتهت فيها محكمة
التعقيب للنقض والإحالة قولا وأنه قد جاء بإحدى حيثيات الحكم المطعون فيه أنه بقي
جزء من اللحمة اليمنى وبمحاولة قصه جرح لسان البنت المتضررة فتم رتقه وحيث إن المحكمة ورغم وقوفها على حصول جرح
بلسان المتضررة فقد إستنتجت أن ذلك لم يكن بسبب خطأ طبي أو تقصير من الحكيم وقضت
بالبراءة وكان ذلك الجرح الذي وصفه تقرير مراجعة ظروف العملية الجراحية بكونه عميق
كان أمرا ضروريا وداخلا في نطاق العملية الجراحية . وحيث إن حرص الطبيب على إنقاذ البنت من الموت
بسبب كثرة تدفق الدم من فمها لا ينكره أحد لكن ذلك لا يعفيه من جهة أخرى من وجوب
أخذ الإحتياطات اللازمة والتنبه بالقدر الكافي عند إستعماله لىلة قاطعة حتى لا
يلحق ضررا بعضو غير اللحمة التي كان بصدد إستئصالها مثلما يوجبه عليه الفصل 225 من
ق ج وتغافل المحكمة على هذا يجعل الحكم
ضعيف التعليل.
·
تع ج عدد 7435 في
25/1/2006 غير منشور : إثر إصابته بورم
بسيط بيده اليمنى عرض المتضرر نفسه على أحد الأطباء بمستشفى دوز الذي وصف له بعض
الأدوية تتمثل في أقراص وحقن وبعد 6 أيام زادت حالته تعكرا فسلمه الطبيب رسالة
للإتصال بالدكتور رياض ... بوصفه مختصا في الجرحة العامة فأجرى عليه عملية جراحية
عاجلة وأقام بالمستشفى طيلة 5 أيام وتابع الجراح وضعيته لكنه أصيب لاحقا بإعاقة
نسبية وأكد له أحد الأطباء المختصين الذين باشروه لاحقا أن بعض الأجزاء من يده
المصابة أصبحت تفتقر إلى مركز العصب الحسي
وبسماع الطبيب المشتكى به أكد أنه كان ملزما بإجراء العملية الجراحية على
الشاكي لإصابته بتعفن جرثومي بيده اليمنى والذي بلغ درجة متقدمة وأضر بالجلد
والأعصاب وقد تمكن من إستئصاله وتنظيف الجرح وبعد خضوع المريض لحصص تدليك طبيعي
لاحظ أن إصبعه بدأ في الإنكماش وردّ أسباب المخلفات العالقة بيد الشاكي إلى التأخر
في إجراء العملية في إبانها كما أن المستشفى يفتقر إلى أخصائي في جراحة العظام
واليد مما جعله يقوم بالعملية الجراحية بنفسه
وأحيل الطبيب المشتكى به على المحاكمة عملا بالفصل 225 من المجلة الجزائية
فأذنت المحكمة بعرض الشاكي على لجنة من الأطباء وتبين أن الطبيب المتهم لم يرتكب
أي خطأ وبطلب منه أعيد الإختبار فأكد الأطباء المنتدبون على أن الطبيب الجراح
لم يرتكب أي خطأ طبي أثناء تدخله الجراحي
وآتبع القواعد المعتادة حينها فقضي بعدم سماع الدعوى العامة والتخلي على الدعوى
الخاصة ( تعقيب أول ونقض لعدم بيان المحكمة مدى تجاوز الطبيب مجال إختصاصه لكن
محكمة الإحالة بقيت على موقفها ) وردت محكمة التعقيب من جديد بأن المحكمة قد أبرزت بحكمها أن الطبيب
جراح وبأن إجراء العملية كان بآستعمال وسائل ومعدات ناجعة ولا وجود بالتالي لخطأ
طبي وقررت محكمة التعقيب رفض الطعن أصلا
ولعل الطابع الفني
للخطأ الطبي يطرح أيضا اشكالية الاحتفاظ أو الايقاف التحفظي للاطباء بمجرد معاينة
حالة وفاة مقترنة بتدخل طبي، فمثل هذه القرارات الماسة بالحرية هو أكقر ما أثار
حفيظة الاطباء في الآونة الاخيرة، واعتقد ان مقتضيات الفصل 13 مكرر من مجلة
الاجراءات الجزائية تسمح بالاحتفاظ نظرا للعبارة الواسعة المستخدمة فيه الا وهي
"ضرورة البحث" وهذه قد تتمثل احيانا في مجرد شبهة بسيطة ناتجة عن شهادة
شاهد. أما مقتضيات الفصل 85 م ا ج فإنه تحول دون الاحتفاظ قبل توفر قرائن قوية أو
وجود حالة تلبس وكلاهما في حالة الخطأ الطبي لا يمكن القول بتوفرهما مالم يتم
اجراء اختبار فني، وقد سبق لمحكمة التعقيب في قرار حديث له وان أكدت أنه من
المتوجب الإذن بإجراء الاختبارات الفنية والحسابية اللازمة قبل إصدار البطاقات
القضائية وذلك لضمان حسن سير المرفق القضائي وضمان حرية الأفراد توصلا الى إقرار
محاكمة عادلة وناجزة (قرار تعقيبي جزائي عدد 2354 مؤرخ في 23/5/2012 غير منشور).
الخاتمة: ويستخلص من
جملة ما سلف ان لا وجود اليوم لنظام تتبع جزائي خاص بالاطباء، ولكن النية متجهة
نحو وضع قانون للمسؤولية الطبية، وبالاطلاع على المشروع المتداول يلاحظ وانه يقتصء
على المسؤولية المدنية، مع أن الاحداث الجارية وتعالي اصوات الاطباء الخائفين من
ان تكون عقوبة السجن قيدا يكبل الابداع والتفكير ويدفع القطاع الطبي الى الجمود
وعدم الاجتهاد خشية التتبع الجزائي، فقد أن الأوان لوضع نظام ننبع جزائي خاص
بالاطباء قياسا على ما هو مقرر بالنسبة للمحامين ومع مراعاة خصوصية العمل الطبي
وعليه فاننا نقترح ما يلي
نظام التتبع المقترح:
تنطلق فكرة اقتراح
هذا النظام الخاص مما جاء بالفصل 30 من الأمر عدد 1155 لسنة 1993 المؤرخ في 17 ماي
1993 :"يجب أن يتمتع أعضاء المهنة الطبية بالرعاية اللازمة لتعاطي أنشطتهم
المهنية بكل حرية....".
وكذلك مما تضمنه
مشروع قانون المسؤولية الطبية من أحكام إجرائية جوائية استثنائية وغير مسبوقة سبقت
الاشارة اليها اعلاه.
وبناء عليه يمكن اقتراح ما يلي ليكون نواة لنظام تتبع خاص بالاطباء:
1. وضع مجلة موحدة تجمع كل النصوص المتعلقة بالعمل
الطبي (مجلة الصحة).
2. تأكيد ازدواجية الخطأين المدني والجزائي بموجب نص
خاص يعطي للخطأ الطبي المدني بعدا موضوعيا. مع اعتماد مفهوم دقيق للخطأ الطبي قائم
على الاباحة المبدئية عند عدم توفر العنصر القصدي ويراعي الجوانب الفنية لعمل
الطبيب. مع منع القيام بالحق الشخصي أمام القاضي الجزائي المتعهد بالخطأ الطبي.
3. إقرار نظام اثبات خاص للخطأ الطبي قائم على
عنصرين:
·
اختبار ثلاثي (تتولاه لجنة ثلاثية "طبيب شرعي وطبيب جامعي
إستشفائي وطبيب مختص في تقدير الأضرار البدنية").
·
وجوبية تقديم الملف الطبي للمريض مع إمكانية اعتبار الامتناع غير المبرر
عن التسليم قرينة ضد الطبيب او المصحة او المستشفى إذا كان هو الماسك للملف.
4. إلغاء عقوبة السجن وما يتبع ذلك من منع الاحتفاظ
والايقاف التحفظي في حالة الأخطاء غير القصدية، مع فرض تدابير تحفظية مثل تحديد الإقامة
ومنع السفر والإيقاف عن العمل مؤقتا.
5. إقرار نظام تتبع خاص مشابه لما هو مقرر بالنسبة
للمحامين وذلك على النحو الآتي:
5.1.
وجوبية
التحقيق في كل الحالات مالم يتخلى الطبيب كتابة عن ذلك في الجنح والمخالفات عدا
القتل والجرح على وجه الخطأ الذان يبقى التحقيق فيهما وجوبي دائما.
5.2.
وجوبية إعلام نقابة الأطباء فورا مع إمكانية حضور أحد أعضائها عند
الاستنطاق.
6. منع نشر أية أخبار عن مسار التتبع والمحاكمة إلى
حين صدور حكم بات، تجنبا للخوض في امور فنية وطبية معقدة قبل ثبوت الحقيقة.
حددت المواد (2)، (3)، و(4) من
القرار المؤرخ في 06 يناير 1962 الصادر عن وزير الصحة الفرنسي قائمة الأعمال
الطبية التي يمكن ممارستها من طرف الأطباء أو المساعدين الطبيين، قائمة
الأعمال الطبية بأنها: * الأعمال التي لا يمارسها إلا الأطباء، أو المساعدين
الطبيين المؤهلين، تحت المسؤولية والمراقبة المباشرة لطبيب، يمكنه التدخل في أية
لحظة. *الأعمال التي يمارسها المساعدون الطبيون بوصفة نوعية وكمية من الطبيب، ولكن
في غيابه. وإذا كانت الغاية العلاجية شرطا تقليديا في تكييف العمل الطبي، فإنها لم تعد كذلك مع التعديلات المعاصرة والمتوالية
للقانون المدني الفرنسي، وخاصة المادة (3-16) منه التي اعتبرت مجرد الوقاية الطبية
مبررا للمساس بالتكامل الجسدي للإنسان (Article (16-3) CCF : « il ne peut
être porté atteint à l’intégrité du corps humain qu’en cas de nécessité
médicale pour la personne ou à titre exceptionnel dans l’intérêt thérapeutique
d’autrui ».).
وهذا التعديل يسمح بإعادة التكييف القانوني للعمليات المجراة على المرضى العقليين
بغرض تعقيمهم وكذا المتحولون جنسيا (les transsexuels" (Laurent DELPART, Guide pratique du droit médical et du
droit de la sécurité sociale, op. cit., p.48).
و في هذا الاطار جاء الفصل 16من مجلة واجبات
الطبيب محجّرا على الأطبّاء ممارسة الطبّ كتجارة أو إستعمال وسائل الدعاية و
الإشهار المباشرة و غير المباشرة. كما نصّ الفصل 17على أنّه يحجّر على الأطبّاء:
الفصل الثاني بفقرته الثانية من القانون عدد 48 /1966
الصادر في 3 جوان 1966 الوارد بها ما يلي " ويعاقب بالعقوبات المذكورة
(5أعوام مع 10 آلاف دينار ) كلّ من تفرض عليه قواعد مهنته مساعدة الغير وإغاثته
ويمتنع عن ذلك في الظروف المقررة بالفقرة المتقدمة.ولا تنطبق أحكام الفصل 53 من
المجلة الجنائية على الجريمة المقررة بالفقرة الثانية أعلاه " والقانون عدد
48لسنة 1966 قد تمّ بموجبه إلغاء الفصل 4 من أمر 9/7/1942 المتعلّق بالمشاركة
السلبية ومن بين ما أوجب ظهوره إمتناع
طبيب كان بصدد الإصطياف من الإلتحاق بعمله لإغاثة إمرأة في حالة خطيرة مما ترّتب
عنه هلاكها وتمّ آنذاك إعتماد الفصل 4 من الأمر المذكور وحدّدت محكمة التعقيب شروط
قيام الجريمة بأن أوردت بقرارها " إقتضت الفقرة الأخيرة من الفصل 4 من الأمر
الصادر في 9 جويلية 1942 عقاب من يتغاضى عمدا عن إغاثة شخص في خطر وفقد الحياة أو
أصابه ضرر جسيم ببدنه بسبب عدم إغاثته . وهذا النصّ ينطبق أيضا على الطبيب الذي
يتغاضى بدون مبرّر عن إغاثة مريضة في حالة خطر رغم إستدعائه فورا من قبل المستشفى
الذي يعمل به وقد تسبّب عن عدم قيامه بهذا الواجب تعكير حالة المريضة وأضافت محكمة
التعقيب في نفس القرار" أنّ تقدير مسؤولية الطبيب مسألة موضوعية يحرّرها
القاضي إعتمادا على ما يستنتجه من الوقائع وظروفها والأسباب التي منعت الطبيب من
إغاثة المريض لكن يجب على الطبيب إذا إستدعي لإغاثة مريض في حالة خطر أن يتّجه
حالا لمعينته حتى يتحقق من خطورة المرض وما يستدعيه من المعالجة الفورية إلاّ إذا
كانت هناك أسباب قهرية منعته من التنقّل " ولعلّ هذا القرار التعقيبي (قرار
تعقيبي جزائي عدد 4287 الصادر بتاريخ 28/2/1966 مجموع القرارات الجزائية من1957
إلى 1970 ص 85) قد حدّد أركان الجريمة وأسس لمسؤولية الطبيب الجزائية في صورة رفضه الإستجابة لنداء الواجب عن عمد ثمّ جاء
الفصل الثاني من القانون عدد 48/1966
لتكريس المبدأ تشريعيا. ولكن لا يمكن مؤاخذة الطبيب من أجل عدم الإغاثة إلا عند
هلاك المصاب أو لحاق ضرر جسيم به(تعقيبي جزائي عدد11610 الصادر في 12/3/1986 ق ت
عدد9 ص51)
انظر : cass .crim . 11-3-1998
,J.C.P. 1999.II, 10064
وهذا النص التشريعي ذو صبغة عامة ينطبق على جميع الأفراد
دون أن ينشأ امتيازا لفائدة هؤلاء المنتخبين ، انظر :
A.MAYAUD , La volonté à la
lumière du nouveau code pénal , Mélanges
J.LARGUIER
, Ed , De l’article 121 -3 du code pénal à la théorie de la culpabilité en
matière criminelle et délictuelle , D ,1997 chron , p .39 .
S.CHARPENTIER ,
Contribution à l’étude de la foute …. , thèse op .cit . p .257 ;
Y.MAYAUD , Retour sur la culpabilité op . p . 604 .
« Ily’a également délit , lorsque la toi
le prévoit en cas d’imprudence , de négligence ou de manquement à une
obligation de prudence au de sécurité , prévue par la loi ou les règlements ,
sauf si l’auteur d’effet a accompli les diligence normale compte tenu , le cas
échéant , de la nature de ses missions ou de ses fonctions , de ses compétences
ainsi que du pouvoir et des moyens dont il disposait « .
Article
4-1. Modifié par Ordonnance n°2016-131 du 10 février 2016 - art. 6: "L'absence
de faute pénale non intentionnelle au sens de l'article 121-3 du code pénal ne
fait pas obstacle à l'exercice d'une action devant les juridictions civiles
afin d'obtenir la réparation d'un dommage sur le fondement de l'article 1241 du
code civil si l'existence de la faute civile prévue par cet article est établie
ou en application de l'article L. 452-1 du code de la sécurité sociale si
l'existence de la faute inexcusable prévue par cet article est établie".
F.LEGUNEI
IEC, loinO2000-647du 10·7-2000 tendant a preciser la defin ition des delits
non·inlentionnels, J.c.p. 2000. 1587 ; a .STEFANI. a .LEVASSEUR et B.BOULOC,
Droit penal general. 01'. cit., p.223, n0275 ;PH.BONPHILS. Consecration de la dualite des fautes civ iles et penniesnon
intentionclles, Note sous Cassoeiv. 16·9·2003, D. 2004, p. 724 et S.
G.GINESTIT
, Contribution à l’étude des rapports … thèse op cit . p 455.