2024/01/07

الحركة القضائية، إلى متى...؟!.

 

الحركة القضائية، إلى متى...؟!.

الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية

إن حال القضاء اليوم غير معقول ولا هو مقبول، فإلى متى ستبقى السلطة التنفيذية تسعى للهيمنة على القضاء واخضاعه بما يحد من استقلاليته وحياده ونزاهته. وإلى متى ستبقى الحركة القضائية وسيلة لبسط تلك الهيمنة وهاجسا يقض مضاجع القضاة وكافة الأسرة القضائية؟. إذ يشهد نشر الحركة القضائية السنوية اضطرابا تختلف حدته بين سنة وأخرى. فقد جرت العادة أن تنشر الحركة قبل موفى شهر جويلية من كل سنة، وإن حصل تأخير فهي لا تتجاوز شهر أوت مع استثناء وحيد سنة 2013 (نشرت يوم 13 سبتمبر) وكان المبرر وقتها أنها أول حركة قضائية تجرى تحت اشراف الهيئة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي وبعيدا عن تدخل السلطة التنفيذية.

ورغم تولي المجلس الأعلى للقضاء هذه المهمة ووضعه لمعايير في الغرض، بقيت الحركة القضائية هاجسا يؤرق المتدخلين في قطاع العدالة وخاصة القضاة أنفسهم، لما لتلك الحركة من تأثير مباشر على سير العمل في المحاكم والمسيرة المهنية للقضاة وحياتهم اليومية.

فالحركة القضائية تشمل عادة أربعة محاور هي: تعيين القضاة الجدد (الملحقين القضائيين)، والترقيات الآلية من رتبة إلى أخرى، وسد الشغورات في المحاكم، وتلبية الطلبات الشخصية لتغيير مكان العمل أو التكليف بخطة معينة. مع ما يتبع ذلك من تسميات وتغيير مقر العمل وما يترتب عنها من تغيير محل الإقامة، أو الاضطرار للتنقل من وإلى مكان العمل لمسافات معتبرة ترتب عنها أحيانا حوادث قاتلة.

و أهمية وحساسية الحركة القضائية جعلتها شبحا يؤرق عموم القضاة حتى أولئك الذين يعتقدون أنها لن تشملهم لكنهم يتفاجؤون بنقلة تحت عنوان "مصلحة العمل"، التي يجيزها القانون بل إنها أصبحت قاعدة دستورية بموجب الفصل 121 من دستور 2022.

ومع أنه من المفترض أن تكون الحركة القضائية من صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء وفق أجل مضبوط طبق ما كان ينص عليه الفصل 47 من القانون الأساسي عدد 46/2016 ونصه: "يعلن المجلس الأعلى للقضاء عن الحركة القضائية مرة واحدة في السنة في أجل أقصاه موفي جويلية من كل سنة ويمكن للمجلس عند الاقتضاء إجراء حركة استثنائية خلال السنة القضائية". لكن المجلس اعتبر ذلك الأجل استنهاضيا وغير ملزم وبالتالي يمكن تجاوزه وهو ما كان يحدث فعليا وبصفة متكررة كل سنة. ورغم فشل هذا النص في فرض تاريخ أقصى لنشر الحركة إلا أن إلغاؤه بموجب المـرســوم عدد 11 لسنة 2022 مؤرّخ في 12 فيفري 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء، زاد الوضع تعقيدا. فقد منح المرسوم 11 في فصله 18 لكل مجلس من المجالس القضائية الثلاث صلاحية اعداد الحركة القضائية دون تحديد أجل معين بل إنه نص على ضرورة إحالتها لرئيس المجلس الأعلى للقضاء المؤقت المطالب بإحالة تلك الحركة إلى رئيس الجمهورية في ظرف 10 أيام. وينص الفصل 19 من ذات المرسوم على أن رئيس الجمهورية يتولى إمضاء تلك الحركة في أجل أقصاه 21 يوما ولكن مع منحه حق الاعتراض عليها وفي هذه الحالة على المجلس المعني وجوبية الاستجابة لهذا الاعتراض في أجل 10 أيام من تاريخ بلوغه له، وإذا تعلق الاعتراض بالخطط السامية ولم تتم الاستجابة للاعتراض صراحة أو ضمنا فلرئيس الجمهورية الحق في التعيين في تلك الخطط السامية مباشرة من بين من تتوفر فيهم الشروط المطلوبة. لينص بعد ذلك الفصل 21 من ذات المرسوم على أنه يتم نشر الحركة القضائية في الرائد الرسمي في ظرف 7 أيام، هكذا دون تحديد أي تاريخا أقصى لذلك. مع التنصيص أيضا في ذات الفصل على أنه: "يبت كل مجلس مؤقت للقضاء في مطالب التظلم في أجل أقصاه شهر واحد من تاريخ تقديم المطلب". وهذا المطلب يقدم في أجل لا يتجاوز 7 أيام من تاريخ نشر الحركة. كما أقر الفصل 23 من المرسوم حق الطعن في تلك الحركة في ظرف شهر من تاريخ المقرر المطعون فيه لدى الدوائر الاستئنافية للمحكمة الإدارية التي يجب عليها البت فيها في ظرف أقصاه شهرين، مع إمكانية الطعن بالتعقيب في ظرف 10 أيام ويجب البت في الطعن في ظرف شهر.

وعملا بهذه المقتضيات الجديدة يمكن القول أن الحركة القضائية لا تكون نهائية من الناحية الإدارية إلا في مدة قد تصل إلى 85 يوما (دون اعتبار المدة اللازمة لاعداد تلك الحركة داخل المجلس القضائي المعني وفق مقتضيات الفصل 15 من المرسوم). يضاف إليها مدة 130 يوما الأجل الأقصى المفترض نظريا لصدور حكم قضائي بات. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار في هذه السنة مثلا أن المجلس الأعلى المؤقت للقضاء العدلي أصدر بلاغا يوم 11 أوت 2022 حدد بموجبه يوم 19 من ذات الشهر كآجل نهائي لتقديم طلبات سد الشغورات فإن الحركة القضائية (نظريا وحسابيا) يمكن أن تنشر في الرائد الرسمي وتصبح قابلة للطعن في منتصف شهر نوفمبر2022، (هناك تسريبات تؤكد أنها لن تتجاوز بداية شهر أكتوبر) وتبقى غير باتة لحين استنفاذ آجال التقاضي القصوى حتى النصف الثاني من شهر أفريل 2023.

وانطلاقا من هذا التصور النظري الحسابي الذي يمكن أن يتحقق فعليا بدليل أن الحركة القضائية لسنة 2022-2023 لم يصدر منها بعد سوى الجزء المتعلق بتعيين الملحقين القضائيين (تم إصداره يوم 20 سبتمبر 2022 وبأثر رجعي من يوم 16 سبتمبر). فيما لازالت بقية الحركة مجهولة التاريخ والمضمون رغم الانعكاسات السلبية والخطيرة لهذا التأخير سواء على سير المرفق القضائي المعطل بطبيعته منذ موفى سنة 2019 نتيجة الإضرابات والحجر الصحي وما تبعه من مذكرات صادرة عن المجلس الأعلى والتي أدت تقريبا لشبه شلل تام في سير عديد القضايا وتراكم للملفات وتجاوز كل آجل معقول للبت فيها. علاوة على وجود شغورات خطيرة ناتجة عن التقاعد والترقيات الروتينية والأمر الرئاسي عدد 516/2022 المتعلق بإعفاء 57 قاضيا تم الحكم بإيقاف تنفيذه من طرف المحكمة الإدارية (يوم 9/8/2022)، وهو ما طرح مشكلا حول إعادة تعيينهم من عدمه. فحسب التسريبات استجاب المجلس لحكم المحكمة الإدارية لكن يبدو أن هناك معارضة من طرف الرئاسة ووزارة العدل عطل نشر الحركة (وهو أمر يجيزه المرسوم عدد11 كما سبق بيانه اعلاه).

يضاف إلى كل ما سبق أن أي حركة ستصدر بعد انطلاق السنة القضائية ستؤثر سلبا على سير العمل لما سينجر عنها من تعطيل ناتج عن تغيير تركيبة الدوائر وتسليم المهام ومتطلبات الانتقال لمقر العمل الجديد وهذا كله طبعا عبء على القضاة وعلى المتقاضين بل على الاستقرار الاجتماعي والاقتصاد الوطني بصفة عامة. فحساسية وأهمية الحركة القضائية على المستوى الوطني يستوجب أن توضع لها آجال دستورية ملزمة ومضبوطة تضمن صدورها ونفاذها قبل انطلاق كل سنة قضائية وبعيدا عن التجاذبات السياسية ومحاولات الهيمنة على القضاء واخضاعه للسلطة التنفيذية. وهو أمر يتطلب وضع معايير موضوعية قارة، وجدول زمني ثابت لإعداد الحركة ونشرها والبت النهائي فيها. وهذا أمر غير مستحيل طالما أن الحركة تتعلق بمعطيات معلومة ويمكن حصرها مسبقا،  فعدد من سيبلغ سن التقاعد أو سيرتقي لرتبة أعلى أو سيتم تعيينه لأول مرة يمكن تحديده في نهاية شهر ديسمبر من كل سنة على أقصى تقدير (مع مراعاة الحالات الطارئة الناتجة عن مرض أو استقالة أو إلحاق) وفي هذا السياق يمكن اقتراح الجدول التالي:

يخصص شهر جانفي لتقديم الطلبات واعلام المجلس القضائي المعني بالشغورات، تمكين المجلس من اعداد الحركة في أجل أقصاه 15 مارس ويتم تعليق جداول الحركة القضائية في 16 مارس ويفتح باب التظلم (7 أيام) والبت فيه (10 أيام)، يتولى بعدها المجلس المعني إحالتها لرئيس المجلس الأعلى للقضاء لإحالتها إلى رئيس الجمهورية في ظرف 10 أيام، ليتولى إمضاء تلك الحركة في أجل أقصاه 21 يوما أو ممارسة حق الاعتراض في ذات الأجل، وإلا أصبحت نهائية وقابلة للنشر وجوبا، وفي صورة وجود اعتراض يمنح المجلس المعني سلطة وحرية الاستجابة له في أجل 10 أيام من تاريخ بلوغه له، وفي صورة رفض الاعتراض يمكن لرئيس الجمهورية الطعن أمام القضاء وذلك بعد نشر الحركة القضائية وفق ما قرره المجلس. مع ضبط يوم 1 جويلية كأجل أقصى لنشر الحركة القضائية في الرائد الرسمي وفتح باب الطعون القضائية ومنح أجل لا يتجاوز 30 يوما لكل طور قضائي لكي تكون الحركة القضائية نهائية وباتة قبل يوم 15 سبتمبر. وفي كل الأحوال يجب الفصل بين تعيين القضاة الجدد والحركة الخاصة بالقضاة المباشرين.

لقد آن الأوان لوضع منظومة فصل بين السلط تضمن استقلالية القضاء، وتمنح للمجلس الأعلى للقضاء بكافة مكوناته سلطة تسيير هذا المرفق مع منح السلطة التنفيذية حق الاعتراض والطعن لدى القضاء علاوة على فرض رقابة برلمانية مستمرة على عمل المجلس الأعلى للقضاء وفق قواعد رقابية مضبوطة تحول دون تعسف أي سلطة أو هيمنتها على غيرها وهو أمر فشلت كل الدساتير (وأخرها دستور 25/7/2022) في تحقيقه حتى الآن. وما التعطيل الحاصل في اعداد ونشر الحركة القضائية سوى دليل صارخ على التدخل في شؤون القضاء بصفة تعسفية.

ليست هناك تعليقات: