محمود داوود يعقوب
محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.
"Advocati nascuntur, iudices fiunt"
(المحامون يُولدون، أما القضاة فيُصنعون)
او بالصيغة المتداولة: «المحامي يولد محاميًا، أما القاضي فتصنعه الأيام»،
مقولة من ضمن مجموعات الاقتباسات المنسوبة تحديدًا إلى كتاب Elogio dei giudici scritto da un avvocato للفقيه الإيطالي بييرو كالمندري
(Piero Calamandrei، 1889–1956)،
وهو أحد أعمدة قانون المرافعات في القرن العشرين وصاحب القلم الأدبي الرشيق، وقد تم الاستشهاد بها في أكثر من مصدر إيطالي مستقل، كما استشهد بها بحث أكاديمي إسباني (2023) بالإحالة الصريحة إلى طبعة 2009 من كتاب كالمنداري نفسه، وإن كانت جميع الاستشهادات لا تحمل رقم صفحة دقيقًا كما هو الحال مع اقتباسات أخرى من الكتاب. فالحيطة العلمية تقتضي أن نقول: العبارة موثقة النسبة إليه بصيغتها اللاتينية ضمن سياق الكتاب، أما الصياغة العربية الشائعة فهي ترجمة تصرّفية لا حرفية لها. فهذه الجملة:
"Advocati nascuntur, iudices fiunt"
المحامي يُولد، أما القاضي فيُصنع.
هي عبارة تختصر بحكمة لاتينية عتيقة الطابع رؤية كالمندري لطبيعة المهنتين، ووردت ضمن ما جُمع من درره في كتابه الشهير «إشادة بالقضاة بقلم محامٍ»، الذي كتبه بين عامي 1935 و1956، والذي طُبع منه أكثر من طبعة (1935، 1938، 1954، وطبعة ما بعد وفاته 1959). ولا تنفصل هذه المقولة عن جوهر فلسفة كالمندري في العلاقة بين المحاماة والقضاء؛ فهو، كما تنضح كتاباته الأخرى، كان يرى الطرفين وجهين متكاملين لا متنازعين، إذ قال: "إن المحامي يقف واقفًا يسعى ويقترب، بينما يجلس القاضي منتظرًا ما يُقدَّم إليه"... صورة بلاغية تختزل تفاوت الأدوار لا تفاوت القيمة.
فحين ينظر المرء إلى صفة المحامي، يجدها عند كالمندري أقرب إلى الطبع الفطري الذي تصقله الممارسة دون أن تخلقه من عدم:
•سرعة البديهة،
•والقدرة على الإقناع،
•والجرأة في الدفاع،
•والحس الإنساني الذي يتيح له أن يقرأ موكله وخصمه معًا.
أما القاضي، فمهنته عنده لا تقوم على وميض الموهبة، بل على تراكمٍ بطيء لصفاتٍ لا تُمنح دفعة واحدة:
•الحكمة،
•وضبط النفس،
•والقدرة على وزن الأدلة بميزان لا يميل،
•والتحرر التدريجي من سطوة الانفعال والهوى.
غير أن الأمانة العلمية تقتضي عدم تسليم هذه الصورة على إطلاقها.
فالقول إن المحامي «يُولد» يحمل نزعة رومانسية تستهوي الوجدان أكثر مما تسندها الدراسات المعاصرة في التربية القانونية وعلم النفس المهني؛ إذ تؤكد هذه الدراسات أن مهارات المرافعة والتفاوض وصياغة الحجة قابلة للاكتساب بالتدريب المنهجي، وإن كانت بعض السمات الفطرية تمنح صاحبها انطلاقة أسرع لا تفوقًا نهائيًا.
أما الشق الثاني من المقولة، فهو أقرب إلى الصواب الواقعي؛ إذ القضاء من المهن التي لا تكتمل ملَكتها إلا بتراكم السنين، ويندر أن يبلغ فيها المرء النضج الكامل في مطلع مسيرته.
ومن هنا يكون الأسلم في الصياغة العلمية أن يُقال:
"المحاماة تحتاج إلى موهبة تصقلها الممارسة، والقضاء يحتاج إلى علمٍ تُنضجه الخبرة."
فهذه الصياغة تحفظ روح فكرة كالمندري في التمييز بين طبيعتي المهنتين، وتتجنب في الوقت ذاته الانزلاق إلى حتمية فطرية لا يقرها العلم الحديث في تكوين الملَكات المهنية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق