2026/07/17

في الايقاف التحفظي: عندما يكون الادعاء العام أكثر جرأة من محكمة القانون

 محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.

عندما يكون الادعاء العام أكثر جرأة من محكمة القانون
بين احترام الآجال الإجرائية القصوى والالتزام بالتفسير الضيق للنصوص المقيدة للحرية
ملاحظات حول ملحوظات الادعاء العام بشأن الإيقاف التحفظي
"موقف الادعاء العام كضمانة قانونية ضد التوسع في تقييد الحرية، انتصارا لسيادة القانون وحرمة الحرية الفردية، وتكريسا لمبدأ الشرعية الإجرائية من خلال حماية الحق في الحرية من القيود غير النصية". وعندما يخرج موقف الادعاء من دائرة "النزاع الإجرائي" إلى دائرة "حماية الحقوق الدستورية"، من خلال تمسكه بال"انضباط للنص القانوني" ورفض خلق قيود لم يقررها المشرع.
ويتأرجح بين التقيد بالآجال (14 شهراً) وبين طبيعة القيود (التدابير لا الضمانات)، بهدف منع الاحتجاز التعسفي.
** ففي ملحوظات الإدعاء العام (السيد رضوان فروجة) في القضية عدد 91242 إستند إلى ما يلي:
"أن الإيقاف التحفظي محدد المدة خلال كامل الأطوار الاستقرائية بـ 14 شهراً، فإن رامت دائرة الاتهام إبقاء المتهم بحالة إيقاف فلها أن تصدر بطاقة إيداع جديدة طبق مقتضيات الفصل 117 م إ ج، وإذا أحالته في آخر يوم من الأجل المذكور بالفصول 84 و85 و107 م إ ج دون إصدار بطاقة يصبح وجوباً سراحه في اليوم الموالي. (إنتهى إلى طلب القبول شكلا وأصلا مع النقض لكن الدائرة المتعهدة قررت الرفض)"
وهو موقف يمكن القول ان فيه جرأة في فهم وتطبيق القانون لا تتكرر كثيرا:
فالإدعاء العام استخدم عبارة "14 شهراً خلال كامل الأطوار الاستقرائية
الفصل 117 يُخوّل دائرة الاتهام إصدار بطاقة إيداع مستقلة عند إحالة الملف إليها، وهذه البطاقة هي السند القانوني الوحيد الذي يُبيح الإبقاء على الإيقاف بعد انقضاء مدة التحقيق.
لكن الإدعاء العام لم يتطرق إلى السؤال الأهم: هل الإحالة ذاتها تُشكّل سنداً مستقلاً للاحتجاز؟ ضمنيا يفهم من موقفه ان اﻻجابة هي بنعم وهذا طبعا أمر غير متفق عليه ومثار جدل رغم أن بعض اجتهادات محكمة التعقيب اعتبرت أن قرار الإحالة يتضمن ضمنياً ما يُبرر استمرار الإيقاف إلى حين انعقاد الجلسة، لا سيما في الجنايات الكبرى. وإذا كانت القضية تتعلق بجنايات الفصل 96 و99 م ج (استيلاء على أموال عمومية)، فإن هذا الاجتهاد وارد وكان ينبغي على الإدعاء أن يُفنّده صراحةً.
الإدعاء العام تبنّى التوجه المتعلق بانتهاء مدة الإيقاف ودعمه وطلب النقض، غير أنه اكتفى بالتقرير دون بيان الأثر: هل النقض على هذا الوجه يستوجب الإفراج فوراً أم يعيد الملف لدائرة الاتهام لتصحيح المسار؟ وهذا الصمت يُقلّص الفائدة العملية للدفع من منظور الدفاع. مع أنه ﻻ بد من التأكيد على أن ذلك من اختصاص الدائرة التعقيبية نفسها التي يمكنها اﻻفراج طبق مقتضيات الفصل 92 م ا ج.
الفصل 107 لا علاقة له بضبط آجال الإيقاف، بل يُقرّر أن مفعول بطاقة الإيداع أو قرار التدبير يستمر إلى أن تبت دائرة الاتهام في القضية ما لم ير قاضي التحقيق خلاف ذلك. أي أنه فصل تقني يتعلق بالاستمرارية الإجرائية لا بالتأطير الزمني للإيقاف. فهو لا يُحدّد آجالاً، بل يُقرّر مبدأً مختلفاً تماماً: استمرار مفعول البطاقة ريثما تبت دائرة الاتهام،
منطق الإدعاء العام يصبح متماسكاً وان بقي قابلا للنقاش:
الفصل 85: حدّد الأجل الأقصى بـ14 شهراً
الفصل 107: بطاقة الإيداع تظل سارية لحين بت دائرة الاتهام ضمن هذا الأجل فقط
الفصل 117: إن أرادت دائرة الاتهام الإبقاء على الإيقاف بعد الإحالة، وجب إصدار بطاقة إيداع جديدة
النتيجة: إذا أحالت دائرة الاتهام في آخر يوم دون إصدار بطاقة جديدة طبق الفصل 117 → إفراج وجوبي.
طبعا هذا الموقف على جرأته قابل للنقاش في عدة نقاط لكنه يبقى أفضل من موقف الدائرة التعقيبية التي لم تسايره ورفضت الطعن.
***
أما موقف الادعاء (السيد علي قيقة) في القضية عدد 90475/90471 فقد كان أكثر جرأة و انحيازا للتأويل الحقوقي الملتصق بالشرعية الإجرائية عند تطبيق أحكام الإفراج الوجوبي (الفصل 85) سواء من حيث الشكل أم من حيث الأصل. (الدائرة المتعهدة قررت الرفض شكلا دون الخوض في الأصل)
فمن حيث الشكل:
جاء موقف الادعاء العام متماشيا مع التأويل الذي يعتبر أنه يجوز الطعن بالتعقيب في القرار المتعلقة بالحريات (الإيقاف / التحجير / التجميد) حين اعتبر أن: "وحيث ان الاقرار بعدم جواز الطعن في قرار الافراج الوجوبي بضامن مالي من شانه ان يفضي الى تحصين قرار قد يكون صدر مخالفا للقانون، حال ان رقابة محكمة التعقيب شرعت لضمان حسن تطبيق النصوص وصون المشروعية لا لإضفاء حصانة لقرارات تمس بالحرية الفردية. وحيث ان العبرة في قبول الطعن من عدمه ليست بتسمية القرار او بطبيعته الشكلية، بل بمدى تأثيره النهائي في المراكز القانونية للأطراف واستنفاذه لسلطة الجهة اللتي اصدرته في خصوص ما فصلت فيه، الامر الذي ينطبق تمام الانطباق على القرار موضوع الطعن. وحيث اتجه والحال ما تقدم طلب قبول الطعنين شكلا لتجيلهما في الاجل القانوني ومن قبل من لهما الصفة والمصلحة وضد قرار قابل للطعن فيه بتلك الكيفية".
أما من حيث الأصل:
فالفصل 85 ينص صراحة على أنه "يتحتم الإفراج عن المظنون فيه بانتهاء الأمد الأقصى للإيقاف التحفظي".
كلمة "يتحتم" هنا لا تترك أي مجال للسلطة التقديرية للقاضي.
فالإفراج يصبح واجبًا قانونيًا بمجرد انقضاء المدة القصوى للإيقاف، ما لم تتوفر الاستثناءات المذكورة في نفس الفصل (أن يكون محل تتبع في قضية أخرى أو محكومًا عليه بعقوبة سالبة للحرية).
هذا يعني أن الإفراج في هذه الحالة ليس خاضعًا لأي شروط إضافية غير تلك المنصوص عليها في بالفصل 85 نفسه.
أما الإفراج المؤقت (الفصل 86):
فإن هذا الفصل 86 يميز بوضوح بين حالة الإفراج الوجوبي المنصوص عليها في الفصل 85 وحالات الإفراج المؤقت الأخرى.
إذ ينص على أن قاضي التحقيق يمكنه أن يأذن بالإفراج المؤقت "بضمان أو بدونه"، ولكن هذا يكون "وفي غير الصورة المبينة بالفصل 85 التي يتحتم فيها الإفراج".
والتفسير القانوني السليم يستوجب توضيح مايلي:
•الضمان المالي كتدبير:
إن عبارة "التدابير اللازمة بضمان حضوره" في الفقرة الأولى من الفصل 85 هي عبارة عامة وواسعة. والفصل 86 يوضح أن الإفراج يمكن أن يكون "بضمان أو بدونه". هذا يعني أن الضمان المالي هو أحد أشكال "الضمان" التي يمكن أن تندرج ضمن "التدابير اللازمة بضمان حضوره". فالضمان المالي يهدف بشكل أساسي إلى ضمان حضور المتهم في الإجراءات القضائية، وفي حال تخلفه، يتم مصادرة هذا الضمان.
وإذا كان موقف الادعاء هو عدم جواز فرض ضمان مالي في حالة الإفراج الوجوبي، فإن هذا الموقف قد يكون مبنياً على تفسير ضيق لعبارة "التدابير اللازمة بضمان حضوره"، أو على اعتبار أن الإفراج الوجوبي يجب أن يكون خالياً من أي قيود مالية تثقل كاهل المتهم. ومع ذلك، فإن النصوص القانونية (خاصة الفصل 86 الذي يذكر "بضمان أو بدونه") تشير إلى أن الضمان المالي يمكن أن يكون جزءاً من هذه التدابير، حتى في حالات الإفراج الوجوبي، ما لم ينص القانون صراحة على خلاف ذلك في حالة معينة.
•التمييز بين الإفراج الوجوبي والإفراج التقديري:
في الإفراج الوجوبي، لا يملك القاضي سلطة رفض الإفراج، لكنه يملك سلطة تقديرية في اختيار التدابير التي تضمن حضور المتهم. والضمان المالي ليس أحد هذه التدابير ولئن كان يهدف بدوره إلى تحقيق هذا الغرض. أما في الإفراج التقديري (الذي يتناوله الفصل 86 في بدايته)، فإن للقاضي سلطة تقديرية أوسع في الإفراج من عدمه، وفي فرض الضمانات.
هذا التمييز حاسم، ويؤكد أن صلاحية قاضي التحقيق في فرض الضمان المالي تكون في حالات الإفراج التقديري، وليس في حالة الإفراج الوجوبي الذي لا يملك فيه القاضي أي سلطة تقديرية.
وهو موقف يجد له سندا في مبدأ المشروعية وحماية الحرية الفردية:
إذ يتفق موقف الادعاء مع المبادئ الأساسية للقانون الجزائي الإجرائي، وخاصة مبدأ المشروعية وحماية الحرية الفردية. فالإيقاف التحفظي هو إجراء استثنائي يمس بالحرية، ويجب أن يكون محددًا بآجال صارمة. وعند انقضاء هذه الآجال، يصبح الإفراج حقًا للمظنون فيه، ولا يجوز للسلطة القضائية أن تفرض شروطًا إضافية غير منصوص عليها قانونًا، لأن ذلك سيفرغ النص من محتواه ويشكل التفافًا على الضمانات الإجرائية.
وبناءً على التحليل القانوني السليم للفصلين 85 و 86 من مجلة الإجراءات الجزائية التونسية، فإن موقف الادعاء سليم تمامًا من أن الإفراج الوجوبي، الذي يتحتم بقوة القانون عند انقضاء الأجل الأقصى للإيقاف التحفظي، لا يجوز فيه فرض ضمان مالي. فالنصوص القانونية تميز بوضوح بين الإفراج الوجوبي الذي لا يخضع لشروط، والإفراج المؤقت الذي يمكن أن يكون بضمان أو بدونه.
وعليه فإن فرض ضمان مالي في حالة الإفراج الوجوبي يعتبر إضافة قيد غير قانوني ويخالف صريح النص وروح القانون الذي يهدف إلى حماية الحرية الفردية وتحديد آجال الإيقاف التحفظي على سبيل الحصر.
كما أن موقف الإدعاء العام قائم كذلك على التمييز الدقيق بين "الضمان" و"التدابير" في الإفراج الوجوبي. وهو متماش مع مقتضيات الفصل 84 من مجلة الإجراءات الجزائية (م.إ.ج) الذي يكرس مبدأ أن الإيقاف التحفظي إجراء استثنائي، والاستثناء يخضع وجوبا لمبدأ التفسير الضيق.
وعند فحص نصوص مجلة الإجراءات الجزائية، سنلاحظ بكل بساطة وجود تمييز اصطلاحي وهيكلي بين "الضمان" و"التدابير":
* فالضمان (Garantie/Caution):
يشير عادة إلى الالتزام المالي أو الشخصي الذي يقدمه المتهم لضمان حضوره. الفصل 86 يذكر صراحة "بضمان أو بدونه"، والفصل 161 وما يليه يوضح كيفية تنفيذ هذا الضمان (تأمين مبلغ مالي، شيكات، إلخ).
* أما التدابير (Mesures):
فهي إجراءات مراقبة قضائية ذات طبيعة غير مالية، تهدف إلى تقييد حركة المتهم أو سلوكه لضمان عدم تهربه أو تأثيره على البحث. وقد عددها الفصل 86 حصراً في خمس نقاط (اتخاذ مقر، عدم مغادرة حدود ترابية، إلخ).
وتحليل الفصل 85 في ضوء هذا التمييز سيؤدي إلى ما يلي:
الفصل 85 يستعمل عبارتين مختلفتين في فقرتين مختلفتين:
الفقرة المتعلقة بتجاوز المدة القصوى: تستخدم عبارة "اتخاذ التدابير اللازمة بضمان حضوره". وهنا، لم يذكر المشرع كلمة "ضمان مالي" أو "بضمان أو بدونه"، بل اكتفى بكلمة "تدابير".
الفقرة المتعلقة بالمتهم المبتدئ (الجنح البسيطة): تستخدم عبارة "يتحتم الإفراج بضمان أو بدونه". هنا، ذكر المشرع "الضمان" صراحة كخيار مرافق للإفراج الوجوبي.
وعليه يكون موقف الإدعاء العام محترما لمبدأ التفسير الضيق. عند تفسير المقصود بـ "الإذن بالإفراج عنه مؤقتا دون أن يمنع ذلك من اتخاذ التدابير اللازمة بضمان حضوره"،
فكلمة تدابير لا تشمل الضمان المالي لثبوت الفرق بين الفقرتين من الفصل 85.
ولتبسيط الفهم، يمكن تقسيم الفصل 85 إلى فقرتين تتناولان حالات مختلفة للإيقاف التحفظي والإفراج الوجوبي:
الفقرة الأولى ("ولا يمكن أن يترتب عن قرار دائرة الاتهام...") تتناول حالة الإفراج الوجوبي التي تنشأ عندما تتجاوز مدة الإيقاف التحفظي القصوى بسبب قرار دائرة الاتهام بإحالة الملف إلى قاضي التحقيق لمواصلة بعض الأعمال. في هذه الحالة، يصبح الإفراج عن المتهم وجوبياً، أي لا يملك قاضي التحقيق أو دائرة الاتهام سلطة تقديرية في رفضه. ومع ذلك، فإن هذا الإفراج الوجوبي لا يمنع من اتخاذ تدابير لازمة لضمان حضور المتهم في مراحل لاحقة من القضية. الهدف هنا هو الحفاظ على سير العدالة وضمان عدم تهرب المتهم، مع احترام حقه في الحرية بعد تجاوز المدة القانونية للإيقاف التحفظي.
الفقرة الثانية ("ويتحتم الإفراج بضمان أو بدونه بعد الاستنطاق بخمسة أيام..."):
هذه الفقرة تحدد حالة أخرى من حالات الإفراج الوجوبي، وهي خاصة بالمتهمين الذين تتوفر فيهم شروط معينة: أن يكون لهم مقر معين بالتراب التونسي، وألا يكون قد سبق الحكم عليهم بأكثر من ستة أشهر سجناً، وأن يكون أقصى العقاب المقرر قانوناً لا يتجاوز عامين سجناً (باستثناء جرائم معينة).
في هذه الحالة، يتحتم الإفراج عن المتهم بعد خمسة أيام من الاستنطاق، ويكون هذا الإفراج بضمان أو بدونه. فهذه الفقرة تهدف إلى حماية المتهمين الذين لا يشكلون خطراً كبيراً على المجتمع أو على سير العدالة من سلبيات الايقاف التحفظي من خلال الحد منه في الجنح البسيطة.
وبتحليل أثر موقف الادعاء العام على الممارسات القضائية في تونس يمكن القول:
إن اعتماد موقف الادعاء العام القائم على قبول الطعن شكلا واحترام الآجال القصوى للإيقاف في المرحلة الإستقرائية. معالتفسير الضيق للنصوص المقيدة للحرية (بالتمييز بين الضمان والتدابير) يحمل تداعيات عميقة على الممارسة القضائية، خاصة في ظل الجدل الحالي حول "تغول" الإيقاف التحفظي وذلك من خلال:
1. السعي لتوحيد الاجتهاد القضائي والحد من التضارب:
فالممارسة القضائية تعاني كثيرا من تضارب في تأويل الفصل 85، إذ تذهب بعض الدوائر إلى فرض ضمانات مالية مشطة كشرط للإفراج حتى في حالات الوجوب. وتبني موقف الادعاء سالف الذكر سيؤدي إلى وضع معيار واضح:
"الإفراج الوجوبي لا يقبل قيوداً مالية غير منصوص عليها صراحة".
والأخذ به من شأنه أن يوحد العمل بين مختلف محاكم الجمهورية ويقلل من الطعون المبنية على خرق الإجراءات الجواهرية.
2. تفعيل مبدأ "الإيقاف إجراء استثنائي":
رغم التنصيص الدستوري والقانوني (الفصل 84 م.إ.ج) على استثنائية الإيقاف، إلا أن الواقع العملي يشهد توسعاً كبيراً فيه. وعليه فإن تمسك الادعاء (بوصفه طرفاً في الدعوى العمومية وساهراً على تطبيق القانون وحماية مصالح المجتمع) بعدم شرعية الضمان المالي في الإفراج الوجوبي، هو إقرار بوجوبية الالتزام بروح القانون. و يحول دون تحول الضمان المالي إلى "عقوبة مالية مقنعة" أو وسيلة لإبقاء المتهم رهن الإيقاف لعجزه المادي.
3. تعزيز الأمن القانوني وحماية السلم الاجتماعي:
ففرض ضمانات مالية ضخمة (كما رأينا في قضايا حديثة وصلت لـ 800 مليون دينار وتم تنفيذه فعلا في حالة أخرى بمبالغ تأرجحت بين 50 و60 مليون دينار) يثير شعوراً بعدم المساواة أمام القضاء بين القادرين مادياً وغير القادرين. وعليه فإن موقف الادعاء الرافض للضمان المالي في حالات الوجوب يعيد الاعتبار لمبدأ المساواة أمام القانون. فهو يضمن أن الفقير والغني يتمتعان بنفس الحق في الحرية بمجرد انتهاء الآجال القانونية، مما يعزز الثقة في المؤسسة القضائية.
وللحديث بقية

إن براءة ألف مذنب خير من إدانة بريء واحد

 محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.

من القائل:
"إن براءة ألف مذنب خير من إدانة بريء واحد"؟
هذه العبارة بصيغة "الألف" لا تُعزى بيقين إلى قائل بعينه، وهي في الغالب صيغة شعبية متداولة تراكمت عبر الزمن من مصادر متعددة تفاوتت في أرقامها واتفقت في مضمونها.
أما أشهر صياغة قانونية موثقة لهذا المبدأ فتعود إلى الفقيه الإنجليزي ويليام بلاكستون في كتابه "شروح على قوانين إنجلترا" الصادر بين عامَي 1765 و1769م، إذ قال: "إن إفلات عشرة مذنبين من العقاب خير من معاقبة بريء واحد".
“It is better that ten guilty persons escape than that one innocent suffer.” William Blackstone.
وقد عُرف هذا المبدأ منذئذٍ في الفقه القانوني الغربي بـ"مبدأ بلاكستون"
و رفع المفكر الأمريكي بنجامين فرانكلين من سقف هذا المبدأ فكتب في إحدى رسائله عام 1785م: "من الأفضل أن يُفلت مئة مذنب من العقاب على أن يعاني بريء واحد"
وقبل ذلك، في خضم محاكمات السحر الشهيرة في سالم عام 1692م، أعلن رجل الدين البيوريتاني في مستعمرة ماساتشوستس إنكريز ماثر: "من الأفضل أن تنجو عشر نساء مشتبه بهن على أن يُدان بريء واحد". وهكذا تصاعدت الأرقام من عشرة إلى مئة، ومن مئة إلى ألف، لا لأن أحداً قالها بهذا الرقم تحديداً، بل لأن المعنى كان يتسع في الوجدان الإنساني كلما عمّق الناس النظر في قيمة البراءة.
السبق والعمق:
غير أن هذا المبدأ في التراث الإسلامي لم يكن وليد قرن السابع عشر ولا الثامن عشر، بل سبق ذلك كله بأكثر من ألف عام، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"
وفي حديث آخر: "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً"
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب"
أسّس الفقهاء على هذه النصوص منظومةً أخلاقية قضائية متكاملة تقوم على ثلاثة أركان:
الركن الأول — اليقين في الإدانة:
لا تصح نسبة الجريمة إلى المتهم إلا باليقين ما أمكن، ولا تقوم العقوبة على الظن وحده.
الركن الثاني — الشك يُسقط الحد:
الشك — مهما ضعف ومهما كان محله وطريقه — ينتفع به المتهم ويدرأ عنه الحد. يقول الإمام الشاطبي:
"إن الدليل قد يقوم مفيداً للظن في إقامة الحد، ومع ذلك فإذا عارضته شبهة وإن ضعفت غلب حكمها، ودخل صاحبها في مرتبة العفو"
الركن الثالث — الخطأ في العفو أولى:
تبرئة المذنب فعلاً أحبّ إلى الله من معاقبة البريء ظلماً، ويعبّر عن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
"إذا دار الأمر بين أن يخطئ فيعاقب بريئاً أو يخطئ فيعفو عن مذنب، كان هذا الخطأ خير الخطأين"
وهذه المبادئ لم تبقَ في دائرة النظر النظري، بل كانت تتجلى في أقضية الصحابة رضي الله عنهم وسيرة القضاء الإسلامي عبر أجياله
وبناء على ما سبق يمكن القول ان المبدأُ هو تغليب حماية البريء على ملاحقة المذنب فالأصل هو البراءة، وأن الإدانة لا تُبنى إلا على دليل يقيني أو على درجة من الإثبات تستبعد الشك المعقول، وأن أي شبهة جوهرية تتعلق بوقوع الجريمة أو بنسبة الفعل إلى المتهم يجب أن تؤول لمصلحته. فالمقصود ليس تفضيل إفلات المجرمين لذاته، وإنما تجنب ظلم الأبرياء وما يترتب عليه من مساس بحرية الإنسان وكرامته وحقوقه الأساسية
فجوهر الفكرة لا يتمثل في المفاضلة بين البراءة والجريمة، بل في ترجيح الخطأ الأقل خطورة على المجتمع والعدالة؛ إذ يمكن تدارك إفلات مذنب في بعض الأحيان بوسائل قانونية لاحقة، أما إدانة بريء ومعاقبته ظلماً فتمثل إخفاقاً أشدّ جسامة يمسّ الثقة في العدالة ذاتها ويقوّض الشرعية الأخلاقية والقانونية للعقاب

ورقة من أوراق المرافعة... الفقيه الدكتور عبد الرزاق أحمد السَّنْهوري

 **"ورقة من أوراق المرافعة"**،

وثيقة تمثل مرافعة جنائية أو مذكرة دفاع شهيرة قُدّمت أمام القضاء المصري في ثلاثينيات القرن الماضي. في القاهرة .
منسوبة للمحامي عبدالرازق بك السنهوري (وهو الفقيه الدكتور عبد الرزاق أحمد السَّنْهوري، أحد أعلام الفقه والقانون في العالم العربي، واب القانون المدني المصري والعديد من القوانين المدنية العربية، وكان في ذلك الوقت يحمل لقب "بك" ويمارس المحاماة مع تدرّيس القانون).
و الوثيقة مُؤرخة في 22 ربيع الآخر 1350 هـ الموافق 19 جويلية سنة 1931 م،
يتسم النص بالبلاغة القانونية الرفيعة والرصانة التي عُرف بها رجال القانون في العصر الذهبي للقضاء المصري.
ويرتكز النص على المبادئ الدستورية والجنائية الكبرى، مثل:
"أصل البراءة" (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)
و"تفسير الشك لمصلحة المتهم"،
والدليل إذا تطرقه اﻻحتمال سقط به اﻻستدلال
وهي من صميم العقيدة القانونية التي نادى بها السَّنْهوري في مؤلفاته ومرافعاته...
وقد جاء فيها:
حَضَرات المُسْتَشَارِين الأجِلاء ،،،
إن القضاء ، في سمو رسالته ، لا يستمد هيبته من سلطان القوة ، وإنما يستمدها من سلطان العدل ،
والعدل لا يعرف هوى ، ولا يخضع لعاطفة ، وإنما يتخذ من الحقيقة سبيلاً ، ومن القانون هادياً ،
ومن الضمير قاضياً على القاضي قبل أن يكون قاضياً على الخصوم .
وقد أقام المشرّع نظام المحاكمة الجنائية على أصل كريم ، هو أن الإنسان بريء حتى يقوم الدليل اليقيني على خلاف ذلك ،
فما كان الشك إلا سياجاً للحرية ،
وما كان اليقين إلا الأساس الذي تُبنى عليه الأحكام ،
فإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل ، أو اعترى الواقعة ما يزعزع الاطمئنان إليها ، وجبَ أن يعود الأمر إلى أصله ، وأن تبقى البراءة على ما كانت عليه .
وإن الدفاع ، وهو يؤدي رسالته بين يدي عدالتكم ، لا ينازع سلطة الاتهام فيما باشرت من إجراءات ، ولا يجادل المحكمة في حقها في تقدير الأدلة ، وإنما يلتمس أن توزن هذه الأدلة بميزان القانون ، وأن تُعرض على العقل قبل الوجدان ، وأن يكون القضاء في نهاية المطاف ثمرة اقتناع استقرّ على يقين ، لا أثراً لظن ، ولا نتيجة لقرينة تحتمل غير وجه . .
ومن ثم ، فإن الدفاع لا يطلب فضلاً ،
ولا يلتمس هوادة ،
وإنما يطلب تطبيق القانون في صفائه ،
وإقامة العدالة في كمالها ،
حتى يخرج الحكم معبراً عن الحقيقة التي اطمأنت إليها المحكمة ، لا عن الاتهام الذي بدأ به الخصوم .
وبعد هذا التمهيد ،
أتشرف بعرض دفاعي ، مستعيناً بالله ،
ثم بثقة عدالتكم في إنصاف الحق ، وإقامة العدل .
المحامي: عبدالرازق بك السنهوري
القاهرة في ٢٢ ربيع الآخر ١٣٥٠ هـ
الموافق ١٩ يوليو سنة ١٩٣١ م

المحامي يولد محاميًا، أما القاضي فتصنعه الأيام

 محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.


"Advocati nascuntur, iudices fiunt"
(المحامون يُولدون، أما القضاة فيُصنعون)
او بالصيغة المتداولة: «المحامي يولد محاميًا، أما القاضي فتصنعه الأيام»،
مقولة من ضمن مجموعات الاقتباسات المنسوبة تحديدًا إلى كتاب Elogio dei giudici scritto da un avvocato للفقيه الإيطالي بييرو كالمندري
(Piero Calamandrei، 1889–1956)،
وهو أحد أعمدة قانون المرافعات في القرن العشرين وصاحب القلم الأدبي الرشيق، وقد تم الاستشهاد بها في أكثر من مصدر إيطالي مستقل، كما استشهد بها بحث أكاديمي إسباني (2023) بالإحالة الصريحة إلى طبعة 2009 من كتاب كالمنداري نفسه، وإن كانت جميع الاستشهادات لا تحمل رقم صفحة دقيقًا كما هو الحال مع اقتباسات أخرى من الكتاب. فالحيطة العلمية تقتضي أن نقول: العبارة موثقة النسبة إليه بصيغتها اللاتينية ضمن سياق الكتاب، أما الصياغة العربية الشائعة فهي ترجمة تصرّفية لا حرفية لها. فهذه الجملة:
"Advocati nascuntur, iudices fiunt"
المحامي يُولد، أما القاضي فيُصنع.
هي عبارة تختصر بحكمة لاتينية عتيقة الطابع رؤية كالمندري لطبيعة المهنتين، ووردت ضمن ما جُمع من درره في كتابه الشهير «إشادة بالقضاة بقلم محامٍ»، الذي كتبه بين عامي 1935 و1956، والذي طُبع منه أكثر من طبعة (1935، 1938، 1954، وطبعة ما بعد وفاته 1959). ولا تنفصل هذه المقولة عن جوهر فلسفة كالمندري في العلاقة بين المحاماة والقضاء؛ فهو، كما تنضح كتاباته الأخرى، كان يرى الطرفين وجهين متكاملين لا متنازعين، إذ قال: "إن المحامي يقف واقفًا يسعى ويقترب، بينما يجلس القاضي منتظرًا ما يُقدَّم إليه"... صورة بلاغية تختزل تفاوت الأدوار لا تفاوت القيمة.
فحين ينظر المرء إلى صفة المحامي، يجدها عند كالمندري أقرب إلى الطبع الفطري الذي تصقله الممارسة دون أن تخلقه من عدم:
•سرعة البديهة،
•والقدرة على الإقناع،
•والجرأة في الدفاع،
•والحس الإنساني الذي يتيح له أن يقرأ موكله وخصمه معًا.
أما القاضي، فمهنته عنده لا تقوم على وميض الموهبة، بل على تراكمٍ بطيء لصفاتٍ لا تُمنح دفعة واحدة:
•الحكمة،
•وضبط النفس،
•والقدرة على وزن الأدلة بميزان لا يميل،
•والتحرر التدريجي من سطوة الانفعال والهوى.
غير أن الأمانة العلمية تقتضي عدم تسليم هذه الصورة على إطلاقها.
فالقول إن المحامي «يُولد» يحمل نزعة رومانسية تستهوي الوجدان أكثر مما تسندها الدراسات المعاصرة في التربية القانونية وعلم النفس المهني؛ إذ تؤكد هذه الدراسات أن مهارات المرافعة والتفاوض وصياغة الحجة قابلة للاكتساب بالتدريب المنهجي، وإن كانت بعض السمات الفطرية تمنح صاحبها انطلاقة أسرع لا تفوقًا نهائيًا.
أما الشق الثاني من المقولة، فهو أقرب إلى الصواب الواقعي؛ إذ القضاء من المهن التي لا تكتمل ملَكتها إلا بتراكم السنين، ويندر أن يبلغ فيها المرء النضج الكامل في مطلع مسيرته.
ومن هنا يكون الأسلم في الصياغة العلمية أن يُقال:
"المحاماة تحتاج إلى موهبة تصقلها الممارسة، والقضاء يحتاج إلى علمٍ تُنضجه الخبرة."
فهذه الصياغة تحفظ روح فكرة كالمندري في التمييز بين طبيعتي المهنتين، وتتجنب في الوقت ذاته الانزلاق إلى حتمية فطرية لا يقرها العلم الحديث في تكوين الملَكات المهنية.

هل القضاء سلطة أم وظيفة أم هو مجرد "آلة"؟

محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.

هل القضاء سلطة أم وظيفة أم هو مجرد "آلة"؟

إذا قلنا أنه آلة:
فالآلة لا تفكر، وإنما تُنفّذ... طالما أن القاضي "يُطبّق" القانون فهو لا "يُبدع" العدالة
والآلة تُنتج بكميات، فالقضاء يُعالج آلاف القضايا بنمطية لا بموضوعية.
لكن الآلة تتطلب صيانة مستمرة. اي ان القضاء يحتاج ميزانية كافية،سواء لانتداب القضاة أو موظفين، او لتأهيل البنية التحتية وإذا غاب هذا صدأت الآلة وصارت مصدرا للاضطراب لا للآمن الاجتماعي.
والخطير في الأمر أن الآلة تخدم من يشغّلها. من يملك السلطة (الطبقات المهيمنة) يستفيد منها إلى حين زوالها.
"الآلة القضائية" ليست وصفاً للقضاء كما هو واجب في الكتب الدستورية، بل هي أداة تحليل تكشف أن القضاء (رغم مبادئه النبيلة) يعمل كـمنظومة بيروقراطية / إيديولوجية تُعيد إنتاج الترتيب الاجتماعي القائم. والقاضي في هذه الرؤية ليس "ملاك العدالة" بل ترس في آلة تعمل بمنطقها الخاص: تصفية، ترميز، إنتاج روتيني، تبرير. والسؤال النقدي ليس "هل القاضي عادل؟" بل "هل الآلة نفسها مُصممة لإنتاج العدالة أصلاً؟"
لا طبعا فهي تعمل وفق ثلاث آليات هي:
1- آلية الإنتاج الروتيني (Mass Production)
القضاء اليومي ليس "فضلاً" فردياً، بل إنتاج ضخم:
* نيابة تُحيل آلاف القضايا شهرياً
* قاضي يفصل في عشرات القضايا يومياً
* محاكم إستئناف ومحكمة تعقيب يصدرون آلاف الأحكام سنوياً
كل هذا يتطلب تبسيط وتصنيف وتكرار يجعل القاضي يُطبّق "نموذجاً" (precedent/template) أكثر مما يُبدع حلاً.
2. آلية التبرير المشروع (Legitimation)
النتيجة النهائية للآلة ليست مجرد حكم، بل تبرير:
"القانون ينص على" >>> يُحوّل القرار السياسي/الاجتماعي إلى "ضرورة قانونية" يلتزم القاضي بحرفيتها.
"حكم القاضي" >>> يُحوّل النزاع بعد البت فيه إلى "حقيقة قضائية" لا تُناقش ولو كانت لا تعكس الواقع فعلا.. و"الحكم البات" يُغلق الباب على أي بديل
مما يعني أن الآلة لا تُنتج فقط حلولاً، بل تُنتج الإحساس بأن لا حلول أخرى ممكنة.
3. آلية الترميز (Coding) وهي الأخطر
فعندما تدخل القضية دهاليز المحاكم، تُحوّل من نزاع إنساني/اجتماعي إلى رقم سيقع الفصل فيه وفق رقم أخر هو النص القانوني. وتغيب الأسماء والصفات والمشاعر تحت ثقل الأرقام وحساب الآجال والأيام.
فالآلة تُخفي العامل البشري. مع أن لقانون هو مجرد معطى بشري مرتبط بالزمان والمكان... لكن منطق الآلة يُخفي أن إنساناً كتب القانون وإنساناً يُطبّقه على إنسان.
لكن كيف تعمل "الآلة" فعلياً؟
مبدئيا لا تدخل كل القضايا إلى "الآلة" فهناك بوابات تصفية:
○ البوابة الاقتصادية: من لا يملك مصاريف التقاضي يُقصى تلقائياً وما الإعانة العدلية والتسخير سوى مجملات لا تمنح ولوجا حقيقيا.
○ البوابة الإجرائية: الشكليات المعقدة تُسقط القضايا "قانونياً" قبل الوصول لمناقشة الأصل.
○ البوابة الإيديولوجية: بعض "الجرائم" تُلاحق وبعضها لا (بحجة السياسة الجزائية للدولة بل لنكون واضحين للحكومة القائمة)
وعليه فآلة القضاء لا تنتج العدالة لكل من يحتاجها، بل تنتج أحكاماً لمن تمكن من النفاذ عبر فلاتر البوابة.

الدفاع الفعال

محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.


إن معيار عدالة المحاكمة لا يتمثل في وجود دفاع فحسب، وإنما في وجود دفاع قادر، ومستقل، ومطلع، ومُتمكَّن من وسائل عمله، بحيث يفرض فرصة حقيقية ومؤثرة في مسار الخصومة وفي تكوين اقتناع المحكمة.

فالدفاع الذي لا يملك القدرة على ممارسة وظائفه الجوهرية لا يعدو أن يكون مجردحضورً شكليًا، يتمم شكليات المحاكمة.
أما الدفاع الفعال فهو الضمانة التي تحول الحقوق الإجرائية من نصوص مجردة إلى حماية حقيقية.
ويُجسّد الفصل 33 من دستور 2022 (وكذلك الفصل 27 من دستور 2014) الحق في الدفاع الفعال، حيث ينص على أن:
"المتهم بريء إلى أن ثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة". والفصل 36 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 المنظم لمهنة المحاماة ينص على أن المحامي المنتدب أو المسخّر ملزم بـ"مباشرة الدفاع على الوجه الأكمل". وهذا النص يحمل في طياته فكرة الدفاع الفعال "الأكمل" أي الجدية والاستقامة في أداء الواجب.
فضمانات الدفاع لا تتحقق بدفاع شكلي بل بدفاع "أكمل" أي حقيقي، فعال. والفرق بينهما كبير:
الدفاع الشكلي : مجرد حضور المحامي مع منوبه أي تواجد جسدي للمدافع مجرد استيفاء لشرط شكلي في القانون = ظاهرة إجرائية فارغة
الدفاع الفعّال :تأثير حقيقي على مسار الخصومة اي قدرة فعلية على ممارسة الوظائف الجوهرية لتحقيق حماية حقيقية للحقوق = تحويل النصوص المجردة إلى ضمانات عملية
وأهم شروط الدفاع الفعّال أربع هي:
1. القدرة القانونية والمهنية على الاضطلاع بمهام الدفاع
2. الاستقلال عن الجهات المقيدة له، وعدم تبعيته للسلطة أو للخصم
3. الاطلاع أي فرض الوصول الكامل إلى ملف القضية والتحقيقات والأدلة وكل وثيقة في الملف.
4. التمكن من وسائل العمل و توفير الإمكانات المادية والقانونية اللازمة.
ورغم التراجع الانتهاكات التطبيقية، فإن التشريع التونسي كان يسير بشكل واضح نحو تكريس مبدأ الدفاع الفعّال في سائر أطوار التقاضي، وذلك عبر تعديلات متتالية، منها في المادة الجزائية مثلا: القانون عدد 5 لسنة 2016 المتعلق بتنقيح مجلة الإجراءات الجزائية، والذي يُعدّ خطوة نوعية في هذا الاتجاه.
فمفهوم "الدفاع الفعّال" إذن لا يتوقف عند الحقوق الشكلية الممنوحة للمحامي (الاطلاع، الحضور،...)، بل يتعداه إلى الالتزام الموضوعي للمحامي بأداء واجبه بجدية وقوة ودون خوف أو تقصير.
لكن المشكلة أن القانون يُنظم الأمر، لكنه لا يُنشئ آليات رقابية فعّالة على جودة أداء المحامي. إذ لا نجد معيارا موضوعيا لـ"الجدية"؛ وصعوبة مساءلة المحامي المتقاعس لغياب الرقابة على أداء المحامين المنتدبين في الإعانات العدلية أو المسخرين خاصة. وما نشهده أحيانا من إمكانية الاكتفاء بالحضور الشكلي بسبب ضعف الضمانات والحوافز المادية للمحامين المسخّرين وهو ما قد يؤثر على حماسة بعضهم وجديتهم.
فالعمل الجدي والحضور القوي يعني بالضرورة:
1. الحضور الذهني لا الجسدي فحسب لأن المحامي قد يكون حاضراً جسدياً في الجلسة، لكنه غائب فكرياً:
▪︎ لا يُعدّ للقضية
▪︎ لا يدرس الملف
▪︎ لا يُحضّر الدفوع
▪︎ لا يتناقش بجدية مع منوبه
▪︎ يكتفي بالجلوس الصامت
هذا هو "الحضور الشكلي" الذي نحذّر منه.
2. أن يكون السند الحقيقي للمنوبه، أي:
▪︎ يُطمئنه ويُوضح له موقفه القانوني
▪︎ يُدافع عن حقوقه بقوة لا باستسلام
▪︎ يُحاول تغيير مسار القضية لا مجرد تسجيل حضوره في الجلسات
3. يباشر عمله بلا خوف أو تقصير:
° خوف من السلطة (القضاء، الأمن)
° خوف من خسارة علاقاته المهنية
° خوف من الضغوط السياسية
° خوف من رد فعل الخصم.
ومن هنا يتبين أن الفرق كبير وعميق بين "الحق في محامٍ" و"الحق في دفاع فعّال":
الحق في محامٍ (شكلي) الدفاع الفعّال (موضوعي)
↓ ↓
"لك محامٍ" "محاميك يُدافع عنك فعلاً"
↓ ↓
توفير الشخص توفير الجدية والقوة والسند
الخلاصة: الدفاع الفعّال في القانون التونسي يتحقق شكلياً بامتياز ، لكنه يواجه تطبيقيا تحدياً موضوعياً يتعلق بـجودة الأداء ونجاعته.
أي أن المشكلة أحيانا في الدفاع ذاته قبل أن تكون في المنظومة عموما.
وعليه، يمكن القول: أن التطبيق اليوم يضمن "الدفاع المتوفر"، لكنه لا يضمن دائماً "الدفاع الفعّال" في بعده الموضوعي الجاد، ما لم تترافق الحقوق الشكلية بـثقافة مهنية وآليات رقابية تضمن أن المحامي ليس مجرد "حاضر"، بل "سند حقيقي" لمن استعان به.