2026/07/17

هل القضاء سلطة أم وظيفة أم هو مجرد "آلة"؟

محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.

هل القضاء سلطة أم وظيفة أم هو مجرد "آلة"؟

إذا قلنا أنه آلة:
فالآلة لا تفكر، وإنما تُنفّذ... طالما أن القاضي "يُطبّق" القانون فهو لا "يُبدع" العدالة
والآلة تُنتج بكميات، فالقضاء يُعالج آلاف القضايا بنمطية لا بموضوعية.
لكن الآلة تتطلب صيانة مستمرة. اي ان القضاء يحتاج ميزانية كافية،سواء لانتداب القضاة أو موظفين، او لتأهيل البنية التحتية وإذا غاب هذا صدأت الآلة وصارت مصدرا للاضطراب لا للآمن الاجتماعي.
والخطير في الأمر أن الآلة تخدم من يشغّلها. من يملك السلطة (الطبقات المهيمنة) يستفيد منها إلى حين زوالها.
"الآلة القضائية" ليست وصفاً للقضاء كما هو واجب في الكتب الدستورية، بل هي أداة تحليل تكشف أن القضاء (رغم مبادئه النبيلة) يعمل كـمنظومة بيروقراطية / إيديولوجية تُعيد إنتاج الترتيب الاجتماعي القائم. والقاضي في هذه الرؤية ليس "ملاك العدالة" بل ترس في آلة تعمل بمنطقها الخاص: تصفية، ترميز، إنتاج روتيني، تبرير. والسؤال النقدي ليس "هل القاضي عادل؟" بل "هل الآلة نفسها مُصممة لإنتاج العدالة أصلاً؟"
لا طبعا فهي تعمل وفق ثلاث آليات هي:
1- آلية الإنتاج الروتيني (Mass Production)
القضاء اليومي ليس "فضلاً" فردياً، بل إنتاج ضخم:
* نيابة تُحيل آلاف القضايا شهرياً
* قاضي يفصل في عشرات القضايا يومياً
* محاكم إستئناف ومحكمة تعقيب يصدرون آلاف الأحكام سنوياً
كل هذا يتطلب تبسيط وتصنيف وتكرار يجعل القاضي يُطبّق "نموذجاً" (precedent/template) أكثر مما يُبدع حلاً.
2. آلية التبرير المشروع (Legitimation)
النتيجة النهائية للآلة ليست مجرد حكم، بل تبرير:
"القانون ينص على" >>> يُحوّل القرار السياسي/الاجتماعي إلى "ضرورة قانونية" يلتزم القاضي بحرفيتها.
"حكم القاضي" >>> يُحوّل النزاع بعد البت فيه إلى "حقيقة قضائية" لا تُناقش ولو كانت لا تعكس الواقع فعلا.. و"الحكم البات" يُغلق الباب على أي بديل
مما يعني أن الآلة لا تُنتج فقط حلولاً، بل تُنتج الإحساس بأن لا حلول أخرى ممكنة.
3. آلية الترميز (Coding) وهي الأخطر
فعندما تدخل القضية دهاليز المحاكم، تُحوّل من نزاع إنساني/اجتماعي إلى رقم سيقع الفصل فيه وفق رقم أخر هو النص القانوني. وتغيب الأسماء والصفات والمشاعر تحت ثقل الأرقام وحساب الآجال والأيام.
فالآلة تُخفي العامل البشري. مع أن لقانون هو مجرد معطى بشري مرتبط بالزمان والمكان... لكن منطق الآلة يُخفي أن إنساناً كتب القانون وإنساناً يُطبّقه على إنسان.
لكن كيف تعمل "الآلة" فعلياً؟
مبدئيا لا تدخل كل القضايا إلى "الآلة" فهناك بوابات تصفية:
○ البوابة الاقتصادية: من لا يملك مصاريف التقاضي يُقصى تلقائياً وما الإعانة العدلية والتسخير سوى مجملات لا تمنح ولوجا حقيقيا.
○ البوابة الإجرائية: الشكليات المعقدة تُسقط القضايا "قانونياً" قبل الوصول لمناقشة الأصل.
○ البوابة الإيديولوجية: بعض "الجرائم" تُلاحق وبعضها لا (بحجة السياسة الجزائية للدولة بل لنكون واضحين للحكومة القائمة)
وعليه فآلة القضاء لا تنتج العدالة لكل من يحتاجها، بل تنتج أحكاماً لمن تمكن من النفاذ عبر فلاتر البوابة.

ليست هناك تعليقات: