يهدف
الإثبات في القضايا الجزائية الى إظهار الحقيقة،
فموضوع الإثبات يطال وجود الجريمة في حد ذاتها وتوفر أركانها في حق المظنون فيه، إذ
لا يعقل إنزال عقوبة بشخص دون ثبوت أمرين متلازمين وهما: أولا- وجود جريمة،
وثانيا- إسناد تلك الجريمة إليه ماديا ومعنويا.
لذا
فقد توجب حال تنظيم الإجراءات الجزائية مراعاة التنسيق بين مصالح المجتمع في صونه
من الإجرام والحد من تفاقمه، وبين حقوق وحريات الأفراد. وحال بلوغ هذا التوازن يمكن
القول بأن التنازع بين حق الدولة في العقاب وحق المتهم في الحرية الفردية أصبح
تنازعاً ظاهرياً يعبر عن وجهين لعملة واحدة، بحسبان أن عقاب الجاني هو تأكيد
للحرية الفردية للشخص البريء[2]. فالجماعة لا صالح لها إلا في
التعرف على الحقيقة المجردة، فهى لا تبغي توقيع العقاب على بريء، الأمر الذي يوجب
عليها حال ملاحقة شخص ما ضماناً لأمنها واستقرارها التثبت من صحة الاتهام أو
بطلانه[3].
فإذا
كان الدور التقليدي لقانون الإجراءات الجزائية يتمثل في إدخال القانون الجزائي -
فيما يتضمنه من نصوص تجريم وعقاب - حيز التطبيق، إلا أنه يظل الهدف الأسمى لذاك
القانون هو تقرير حماية للبريء من إدانة ظالمة، وكذا توكيد حماية للمتهم من إدانة
تتأتى وفق إجراءات تمتهن فيها آدميته وكرامته الإنسانية.
وتوجد
بالنسبة للإثبات الجزائي نظريتان
وهما نظرية "حرية الإثبات" ونظرية "الإثبات المقيد"، وتعتبر مجلة
الإجراءات الجزائية التونسية الصادرة بموجب القانون عدد 23 لسنة 1968 المؤرخ في
24/7/1968 من بين القوانين المكرسة مبدئيا لنظرية الإثبات الحر.
إذ نص المشرع بالفقرة الأولى من الفصل 150 م ا ج على أنه "يمكن
إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، ويقضي
الحاكم حسب وجدانه الخالص...".
ويلاحظ
من خلال أحكام الفصل المذكور أن المشرع ربط مبدأ حرية الإثبات بمبدأ ثان لا
يقل عنه أهمية في مادة الاجراءات الجزائية وهو مبدأ وجدان القاضي الذي أقر
كضمانة لعدم التعسف وكقيد على الإفراط في حرية الإثبات فالقاضي الجزائي هو الضامن
للمحافظة على التوازن بين مصلحة المجتمع وحقوق المظنون فيه.
و
يقتضي مبدأ وجدان القاضي أو ما يسمى كذلك "القناعة الشخصية" أن
يكون للقاضي سلطة تقديرية كاملة في وزن قيمة كل دليل على حدا فيأخذ من الأدلة ما
تتحقق به قناعته ويطرح جانبا ما لا تركن إليه قناعته الشخصية.
وقد
عبرت محكمة النقض المصرية منذ زمن بعيد عن ذلك بالقول:"إن القانون أمد القاضي
في المسائل الجنائية بسلطة واسعة وحرية كاملة في سبيل تقصي ثبوت الجرائم أو عدم
ثبوتها والوقوف على حقيقة علاقة المتهمين ومقدار اتصالهم بها ففتح له باب الإثبات
على مصراعيه يختار من كل طرقه ما يراه موصلا الى الكشف عن الحقيقة ويزن قوة
الإثبات المستمدة من كل عنصر بمحض وجدانه فيأخذ بما تطمئن إليه عقيدته ويطرح ما لا
ترتاح إليه غير ملزم بان يسترشد في قضائه بقرائن معينة بل له مطلق الحرية في تقدير
ما يعرض عليه منها ووزن قوته التدليلية في كل حالة حسبما يستفاد من وقائع كل دعوى
وظروفها وهو يبغي الحقيقة وينشدها أنى وجدها ومن أي سبيل يجده مؤديا إليها ولا
رقيب عليه في ذلك غير ضميره وحده".
ومن
الملاحظ أن مبدأ "القناعة الشخصية" يجعل من القاضي "سيدا مطلقا Un
maître absolu" في
مجال تقييم الأدلة، خاصة وأن موضوع الاثبات هو وقائع قانونية لا يتصور فيها تحضير
وسائل الإثبات بصفة مسبقة كما هو الحال بالنسبة للتصرفات القانونية، مما يفتح
المجال واسعا امام شهادة الشهود ويجعلها وسيلة اثبات رئيسة، إذ تعد الشهادة من أهم
أدلة الإثبات التي يعتمد عليها القضاء في المادة الجزائية،
لأن الأصل في إثبات الوقائع المادية أن يكون بالشهادة أو بالقرائن القضائية.
ورغم اتفاق الفقه وفقه
القضاء على تسمية ما يصدر عن متهم من تصريحات "شهادة" إلا أن هذه
التسمية تفتقر إلى الدقة لأن من شروط الشهادة الجوهرية أن تصدر عن شخص ليس طرفا في
القضية وبعد أداء اليمين وهو ما يعد أمرا مفقودا في تصريحات متهم ضد متهم.
فالشهادة هي الحجة المتحصلة لدى القضاء من إخبار شخص أنه
رأى أوسمع شيئا يمكن أن تترتب عنه نتائج قانونية.
أو هي إخبار شخص من غير أطراف الخصومة أمام القضاء بواقعة حدثت من غيره
ويترتب عليها حق لغيره أو "هي ما يدلي به شخص في مجلس القضاء من غير أطراف
الخصومة، بعد حلف اليمين بما شاهده شخصيا أو سمعه مباشرة عن وقائع أو إجراء
الإثبات باستجلاء الحقيقة فيها".
ولئن كانت الشهادة هي الوسيلة الأكثر اعتمادا في القضاء
الجزائي فإنه تبقى دليلا مشكوكا فيه دائما لما يشوبه من ملابسات ولما يعتريه من
أبعاد ذاتية، إذ من الصعب تصور أن يكون الشاهد قادرا على تخليص تصريحاته من بعدها
الذاتي المرتبط ضرورة بمدى دقة وسلامة حواسه ومتأثرا لا محالة بالعوامل النفسية
المحيطة بشخصيته وهي أمور تحول دون إمكانية القبول بأن تكون شهادة الشاهد الواحد
دليل إدانة مقبولا قانونا خاصة إذ كان هذا الشخص بدوره موضع اتهام في القضية
المشهود فيها من طرفه فكثيرا ما تعرض على المحاكم الزجرية قضايا تندر أو تنعدم فيها وسائل الإثبات، إذ يكون فيها المظنون
فيه متشبثا بالإنكار،
نافيا أي صلة له بالجريمة، ولكن ما يواجه به هذا المظنون فيه هو إتهام يفضي به
ضده متهم آخر معه في نفس القضية أو محكوم عليه في قضية سابقة أوفي ملف آخر، كأن يصرح بأن
المعني بالأمر قد شاركه في الجريمة أو هو الفاعل الأصلي لها، سواء تعلق الأمر
بجريمة قتل أو سرقة أو اتجار في المخدرات أو غير ذلك، فيكون الدليل الوحيد في الملف ضد
الشخص المظنون فيه هو هذا الإتهام أو التصريح الذي يدلي به متهم آخر، وهذه الحالات كثيرة الوقوع من الناحية العملية وخاصة في جرائم
المخدرات وهي تطرح على بساط البحث
موضوعا يكتسي أهمية بالغة من خلال الإشكالات التي يثيرها
على المستوى التطبيقي، فهل التصريح أو الإتهام، الذي يوجهه متهم لآخر مقبول أو غير مقبول؟ وهل يجوز أن يدان شخص
بناء على أقوال يدلي بها متهم آخر ضده؟ وما هي الطبيعة القانونية لهذه الأقوال؟ وما هو موقف
القضاء والتشريع مما بات يعرف "بشهادة" متهم على متهم أي نسبة أمر من
متهم إلى متهم آخر خاصة وأن هذه مسألة غير مقننة إذ لا يوجد فيها نص خاص في مجلة
الإجراءات الجزائية التونسية يمنع المحاكم الزجرية من الإستماع الى المتهمين
كشهود في القضايا المعروضة عليها، لهذا
فإن فقه القضاء يميل الى قبولها واعتمادها ولو كانت مجردة عن أي دليل آخر.
فهل من الممكن اعتبار
"شهادة" متهم على متهم دليل إدانة مقبولا قانونا؟ إن الإجابة المنطقية
عن مثل هذا التساؤل ستكون حتما بالنفي اعتمادا على جملة من المبررات(الجزء الأول)
التي تسمح بالقول ان تلك "الشهادة" لا تصلح كدليل من أدلة الإدانة ما لم
تتوفر فيه جملة من الشروط (الجزء الثاني).
الجزء الأول:مبررات عدم جواز الاكتفاء
بـ"شهادة" متهم لتأسيس الإدانة.
وهذه
المبررات متعددة ومتنوعة يمكن تقسيمها الى مبررات مستمدة من حقوق المتهم(الفقرة
الأولى) وأخرى ترجع الى القواعد العامة للإثبات(الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى- المبررات المستمدة من الضمانات
والحقوق المقررة للمتهم.
إن
الشهادة هي من اخطر وسائل الإثبات وأكثرها إثارة للريبة خاصة عندما تكون صادرة عن
متهم أدلى بها دون أداء اليمين ومن الممكن أن يكون قد ضمنها معلومات غير صحيحة
وكاذبة نظرا وانه يتمتع بحق الكذب لذلك فلا بد من إحاطة تصريحات المتهم بجملة من
الضمانات الكفيلة بأن تجعل منها دليل إثبات مقبولا قانونا.
فالاتهام
وان كان وسيلة إدانة أساسا إلا انه وفي نفس الوقت يمثل وسيلة دفاع بما يمنحه
للمتهم من ضمانات لعل أهمها عدم أداء اليمين وعدم الإجابة إلا بحضور محام وحقه في
الصمت وعدم الإجابة أصلا وإتاحة الفرصة له في إبعاد التهمة عنه وإذا أبدى أدلة
تنفي عنه التهمة فإنه يقع البحث عن صحتها في اقرب وقت(الفصول 69 و72 و74 م اج).
ومن المفروض أن جملة هذه الحقوق التي يتمتع المتهم بها
تضعف الثقة فيما يصدر عنه من تصريحات وخاصة حقه في عدم حلف اليمين وحقه في الكذب.
أ- عدم حلف اليمين قبل الإدلاء بتصريحاته.
أوجب المشرع في مادة الاجراءات
الجزائية على الشاهد أداء اليمين قبل الشهادة وذلك في الفصلين 61 و 64 م ا ج.[15]
فكل شخص يمثل أمام القضاء الجزائي ويقف
في ساحة العدالة للإدلاء بشهادة ينبغي أن يحلف اليمين قبل تأديتها وكل شهادة لا
تكون مسبوقة بيمين لا تعد دليلا قانونيا[17] والعلة من فرض وجوبية أداء
اليمين قبل الإدلاء بالشهادة تكمن في حمل الشاهد على الإدلاء بشهادته بصدق وأن
يقول حقيقة ما يعرف دون تحريف أو زيادة أو نقصان فإرادة المشرع واضحة في إحاطة
الشهادة وما يترتب عليها من آثار بحد أدنى من الضمانات كي تكون صحيحة ومنتجة
لآثارها.
لكن المتهم وخلافا للشاهد لا
يؤدي اليمين قبل الادلاء بتصريحاته وذلك تجنبا لاكراهه على ادانة نفسه، فأداء
اليمين قد يشكل اكراها معنويا.
ومن المعروف أن وجوب أداء
اليمين قبل الشهادة يعطي لهذه الأخيرة ضمان يعزز مكانتها ويحد من سلبياتها التي
جعلتها وسيلة إثبات محل ريب وشك لتجردها من أي ضمانة تعزز صدقيتها،
وبالتالي فإن تصريحات المتهم المدلى بها دون أداء اليمين تفتقر لاهم ضمانة من
ضمانات الشهادة النزيهة.
ب- الحق في الكذب
يقرر القانون للمتهم الحق في إنكار التهمة الموجهة اليه دفاعا عن نفسه وغالبا
ما لا يتأتى له ذلك إلا بالكذب،فالحق في الكذب امتياز أساسي يمنح للمتهم في
مواجهة المجتمع والسلطات القضائية ، وهو يقف على ذات المستوى مع قرينة البراءة ،
والحق في الاستعانة بمحام ، بحسبان أن الكذب يدخل ضمن دائرة حقوق الدفاع. وأياً ما
كان المدلول الحقيقي لعبارات حق ، حرية ، رخصة ، فإن الكذب يمثل حقاً للمتهم، فهو
أياً كانت دوافعه - حق للمتهم ، يمنحه إمكانية اتخاذ موقف سلبي. ويتخذ الموقف
السلبي شكل الامتناع عن الإجابة على الأسئلة الموجهة إليه من سلطة التحقيق، وكذلك
الامتناع عن المشاركة في المناقشات، والتحقيق بالجلسة.
فالقانون لا يجبر الشخص على
اتهام نفسه بنفسه ، ولكن يكلف النيابة العامة بتقديم دليل الاتهام ، والقول بغير
ذلك يهدر كل قيمة لقرينة البراءة. ولما كان الكذب حق
، فإنه يمنح المتهم ميزة الحق في الصمت
الذي يعد أحد مظاهر حرية المتهم في الدفاع عن نفسه.
فتلك الحرية المقررة للمتهم سواء
كان دفاعه صادقاً أم مشتملاً على أكاذيب، وهنا يأخذ الكذب أحد سبيلين: إما يتمثل
في إدلاء المتهم بأقوال مناقضة للحقيقة، وذلك على سبيل الخداع والتضليل، أو إنكار
واقعة حقيقة، أو إنكار المساهمة في ارتكاب الجريمة بل وتحويل دفة الاتهام إلى شخص
آخر. وإما يتمثل في الكذب نتيجة النسيان، أو تعمد إخفاء واقعة جوهرية تتعلق بظروف
الجريمة. فالكذب يأخذ بالنسبة للمتهم – خلافاً للشاهد
- نفس أهمية الصمت من حيث اعتباره وسيلة للدفاع. فللمتهم أن يكذب متى كان ذلك سبيله
إلى تقرير براءته، كما له أن يصمت فلا يجبر
على اتخاذ موقف معين تجاه الأدلة والشبهات القائمة ضده.
والاعتراف للمتهم بالكذب يكون
باعتباره حقاً، وليس رخصة لأنه يتقرر في وقت يكون فيه المتهم معتصماً بقرينة
البراءة، والقول بغير ذلك يهدر حق المتهم في أن يتخفى وراء أقوال كاذبة، وبالتالي
حقه في الدفاع كما يريد، بالإضافة إلى أنه بوسع القاضي أن يطرح الأقوال الكاذبة
إذا لم يقتنع بها. وما يؤكد أنه حق أن بعض التشريعات قد نصت صراحة على عدم عقاب
المتهم إذا أدلى بأقوال كاذبة.
فالمتهم وهو محل تتبع ومهدد بالادانة والعقوبة التي تنتظره يلجأ
إلى قول ما يخالف الحقيقة ولا تثريب عليه في ذلك بل يمكن أن يحاول إلصاق التهمة بغيره من المتهمين معه في القضية وهذا راجع لمركزه القانوني من جهة وعدم حلفه
اليمين من جهة ثانية، فمن حق المتهم استخدام جميع الوسائل
لدفع التهمة عن نفسه حتى وان كان ذلك عن طريق توريط الغير. فالمتهم هو شخص محل تتبع من قبل القضاء وهو ما قد يدفعه الى إنكار
الحقيقة وتقرير ما يخالفها أي الكذب خاصة وانه لا يمكن أن يكون محل تتبع من أجل
الشهادة الزور وذلك لأنه لا يحلف اليمين من جهة ومن جهة أخرى لأن وصفه بالشاهد هو
وصف مجازي وغير صحيح باعتبار أنه طرف في القضية.
إن الأخطاء القضائية الناتجة عن الأخذ بشهادة خاطئة أو
كاذبة تقتضي وجوبا من القاضي أن يفحص ويحلل الشهادة قبل اعتمادها في إصدار الأحكام
التي من المفترض أنها عنوان الحقيقة وتتمتع بحجية ما اتصل به القضاء وهذه الصفات
لا يمكن أن يتمتع بها حكم قائم على دليل وحيد هو تصريحات متهم وصفت خطأ بكونها
شهادة فهذا يتعارض مع المبادئ العامة للاثبات.
الفقرة الثانية- مبررات مستمدة من القواعد
العامة للإثبات.
يخضع الإثبات في المادة
الجزائية لجملة من المبادئ التي يحول تطبيقها دون إمكانية القبول بـ"شهادة"
متهم على متهم كدليل وحيد للإدانة.
أ- مبدأ تضافر الأدلة:
من يقرأ بإمعان أحكام فصول مجلة
الإجراءات الجزائية تتبدى له العناصر
الواجبة الوجود للحكم بالإدانة وهي ضرورة توفر الأدلة والقرائن والحجج.
فالفصل
85 م اج
ينص صراحة على أن الإيقاف التحفظي يستوجب وجود
قرائن قوية.
كما
أن الفصل 104 من نفس المجلة ينص على أن قرار ختم البحث يجب أن يتضمن:"وجود أو
عدم وجود أدلة كافية على الفعلة المذكورة".
وهو
ما ورد كذلك بالفصل 106 من نفس المجلة الذي ألزم قاضي التحقيق أن يتخذ قرارا بان
لا وجه للتتبع إذا كانت "الحجج القائمة على المظنون فيه غير كافية".
كما
جاء بالفصل 116 م
اج انه إذا رأت دائرة الاتهام انه: "لم تقم على المظنون فيه أدلة كافية
تصدر قرارها بان لا وجه للتتبع... وإذا كانت هناك قرائن كافية على اتجاه التهمة تحيل الدائرة....".
وبالرجوع
الى الفصل 121 م
اج يلاحظ انه يمكن استئناف التحقيق إذا
ظهرت أدلة جديدة .
وتتويجا
لجملة هذه الفصول جاء بالفصل 151 م اج انه "لا يمكن
للحاكم أن يبني حكمه إلا على حجج قدمت أثناء المرافعة...".
ومن
الملاحظ أن المشرع في جميع الفصول السابق بيانها والمتعلقة بإثبات الجرائم يستخدم
صيغة الجمع عند الإشارة الى الأدلة والقرائن والحجج التي ثبتت بها الجريمة .
مما
يعني أن تأويل أحكام الفصل 150
م اج على ضوء النصوص السابقة سيؤدي حتما الى القول بأن
المقصود بالفقرة الثانية من الفصل المذكور والتي جاء فيها "وإذا لم تقم
الحجة ، فانه يحكم بترك السبيل" هو الحالة التي لا توجد فيها أدلة وقرائن
قوية ومتضافرة ومتماسكة على ثبوت الإدانة.
فجملة النصوص المشار إليها
سابقا تدل دلالة واضحة على أن نظام الاقتناع الشخصي المكرس بالفصل 150 م ا ج يعتمد في جوهره على
تضافر الأدلة القانونية المرجحة للإدانة والمؤدية إليها منطقيا.
كما أن تلك النصوص حددت للقاضي
الجزائي الأسس الواجب اعتمادها إذا أراد الحكم بالإدانة وهي:
-
أن يكون الفعل المسند الى
المتهم أو المظنون فيه ثابتا.
-
أن تكون هناك حجج أو قرائن
او أدلة كافية ضده والمقصود بالكفاية هنا أن تكون وسائل الإثبات قاطعة وجازمة بحق المتهم أو المظنون فيه.
فالإدانة لا يجوز أن تكون إلا بناء
على أدلة ساطعة ودامغة وأكيدة وحازمة لا شك فيها باعتبار أن الأدلّة
في المادّة الجزائيّة متساندة يكمل بعضها الآخر ومنها مجتمعة يكوّن القاضي عقيدته،
وهو ما يعرف بمبدأ تساند الأدلّة وتضافر القرائن والذي يعتبر من المبادئ الأساسيّة
التي تحكم قانون الإجراءات الجزائيّة.
وهو
ما أكدته محكمة التعقيب حين أعتبرت أن : "ما ورد بالمطعن من أنّ المحكمة كان
عليها البحث عن البراءة إنّما هو مردود من أصله إذ البراءة مفترضة في المتّهم حتى
تقوم الأدلّة المعاكسة التي من شأنها إقناع وجدان القاضي الجزائي بإدانته".
وبالتالي
فإن قناعة القاضي الجزائي سواء بالإدانة أو البراءة يجب أن تبنى على دليل قويّ
يؤدي إلى تلك النتيجة بدون أن يترك أي مجال للشكّ فيها، اعتمادا على مبدأ تضافر
الأدلّة والقرائن.
ويستخلص
من جملة ما سبق بسطه أن التصريحات المجردة الصادرة عن متهم ضد متهم لا يمكن أن تعد
دليلا قانونيا طبق أحكام مجلة الإجراءات الجزائية.
ب- مبدأ الأصل في الإنسان البراءة:
إن التأويل السابق لفصول مجلة
الإجراءات الجزائية المتعلقة بقواعد الإثبات يتلاءم وأحكام الفصل 12 من الدستور
الذي نص صراحة على انه"... يعتبر المتهم بريء ما لم تثبت إدانته في محاكمة
عادلة...".
فقرينة البراءة المكرسة دستوريا
لا يمكن دحضها إلا بالأدلة والحجج القاطعة والقرائن المتضافرة فهي من المبادئ
الجوهرية التي تفرض ذاتها على القضاء بحيث لا يجوز للقاضي تجاهلها أو الامتناع عن
تطبيقها، "فالأصل في الإنسان (كما تقول محكمة التعقيب) الاستقامة والبراءة
ونقاوة السوابق".
و إن تسلسل المبادئ القانونية
يجعل قرينة البراءة في مكانة أسمى من مبدأ القناعة الشخصية وبالتالي لا يقبل أن
يقتنع القاضي بسقوط قرينة البراءة لمجرد تهمة ساقها متهم في وجه أخر جزافا دون
دليل حسي ساطع، دامغ وجازم.
و المحاكمة لا يمكن أن تكون
عادلة إذا كانت مجرد "شهادة" متهم على متهم حجة قاطعة لا تقبل النقاش أو
الدحض وكافية للتصريح بالإدانة وتسليط العقاب.
ج- مبدأ الشك يفسر لمصلحة المتهم:
القاضي مدنيا كان او جزائيا لا يصدر أحكامه الا بعد ان تتكون عنده قناعة تامة
ويقين ينتفي معه أي شك مهما كان ضئيلا، والقاضي
الجنائي مطالب بتكوين قناعته من صميم ضميره الحر والوثائق والوقائع المكونة للقضية، لذلك
يتعين عليه ان يصدر حكما بالبراءة كلما خامره شك ينقص من يقينه واعتقاده التأمين.
وتعني قاعدة الشك يفسر لمصلحة
المتهم أنه عندما لا يقتنع القاضي اقتناعاً يقينياً تاماً بإدانة المتهم، وكذلك
عندما يقتنع بأن الأدلة التي قدمتها النيابة العامة غير كافية للإدانة، فإنه يتعين
عليه أن يقضي ببراءة المتهم إذ لا يستطيع أن يحكم بالإدانة إلا إذا كانت أدلة
الاتهام أكيدة ومقنعة على سبيل الجزم واليقين، فكل شك في الاقتناع يجعل الحكم
بالإدانة على غير أساس لأن إمكانية العكس مازالت محتملة.
وقاعدة تفسير الشك لصالح المتهم
ترد على الشك الذي يكتنف الوقائع ، كما ترد على الشك الذي يتعلق بتفسير وتطبيق
القواعد القانونية. ويترتب على ذلك أنه لا يشترط أن يبنى القاضي حكمه بالبراءة على
أدلة بل يكفي أن يتشكك القاضي في أدلة الإثبات المقدمة إليه، أو حتى في أدلة
النفي. وهكذا يختلف الحكم بالإدانة عن الحكم بالبراءة فيما يتعلق ببيان الأدلة
التي بني عليها، فالحكم بالإدانة يجب أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة
للعقوبة، والظروف التي وقعت فيها، وأن يشير إلى نص القانون الذي حكم بموجبه. ففي
جميع الأحوال يتعين على قاضي الموضوع أن يبين في حكمه بالإدانة الأدلة التي استمد
منها اقتناعه اليقيني؛ أما حكم البراءة فإنه يكفي فيه مجرد إبداء الرأي حول أدلة
الإثبات دون أن تلتزم المحكمة بالتدليل القاطع على البراءة ، لأنها عودة للأصل في
الإنسان[31]. غير أن تطبيق تلك القاعدة يظل
مشروطاً بوجوب اشتمال الحكم الصادر بالبراءة على ما يفيد أن المحكمة قد محصت
الدعوى، وأحاطت بظروفها وملابساتها، وبالأدلة التي قام عليها الاتهام، كل ذلك عن
بصر وبصيرة، ووازنت بين هذه الأدلة وأدلة النفي ورجحت لديها دفاع المتهم أو ساورها
الشك في صحة أدلة الإثبات.
فللتصريح بتوفر أركان الجريمة
في حق شخص ما لابد من أن يؤتى بالأدلة القاطعة والجازمة على قيام المظنون فيه أو
المتهم بالأفعال المادية التي يتكون منها الجرم أما إذا كان دليل الإدانة الوحيد
هو مجرد "شهادة" متهم فهذا يعني أن الشك مهيمن وعملا بقاعدة الشك يفسر
لمصلحة المتهم فمن واجب المحكمة أن لا تقضي بثبوت الإدانة وإنما تقضي وجوبا
بالبراءة لأن عدم كفاية الحجة يؤدي حتميا لتوفر الشك[32].
فـ"شهادة" متهم على
متهم المجردة من أي دليل أخر يعززها تبقى هشة ولا يمكن أن تنتج آثارا على المشهود
ضده.
وقاعدة "الشك يفسر لصالح
المتهم" التي هي نتيجة من نتائج قرينة البراءة التي يستفيد منها المتهم تعني
بالضرورة أن النقص في قيام الدليل على عناصر الجريمة يؤدي حتما الى الحكم
بالبراءة.
وقد
أقرّت محكمة التعقيب قاعدة " أن الشك ينتفع به المتّهم" أخذا بالقاعدة
العامّة التي قوامها الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته.
كما أن قاعدة الشكّ ينتفع به المتهم متأصلة في
الفقه الإسلامي وهي تستمد جذورها من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "أدرؤوا
الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في
العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" ولقد صدق الرسول عليه السلام الذي قال ( لئن يخطئ الامام في العفو افضل من ان يخطئ في العقوبة) وقديما قيل
( تبرئة مائة متهم افضل من ادانة برئ واحد) لانه ليس من
مصلحة العدالة والمجتمع ان يدان بريء من اجل جريمة ارتكبها غيره وأي ظلم يشعر به
بريء أدين غلطا.
فان
حصل شك للمحكمة في تقدير قيمة الحجج أو شك في ثبوت التهمة فإنّها ترجع إلى تطبيق
المبدأ الأصلي وهو أن الأصل في الإنسان البراءة وهو مبدأ يلتقي مع قاعدة كليّة من
قواعد القانون وهي أن اليقين لا يزول بالشك وإنما يزول بيقين آخر.
وبهذا
المعنى جاء القرار التعقيبي المدني عدد 1740 المؤرخ في 26/2/1980: "إن الدليل
إذا تطرقه احتمال سقط به الاستدلال".
و
"شهادة"
المتهم الواحد دليل تحيط به الكثير من الشكوك وهو ضعيف
لا يكفي وغير مقبول لترجيح الإدانة على البراءة التي هي أصل في الإنسان لا يمكن
نفيه إلا بحجة قاطعة لا يرقى إليها الشك أو الافتراض.
د- مبدأ عدم حجية الإقرار المجرد:
إن
"شهادة"
المتهم المجردة عن أي دليل أخر يؤيدها ويدعمها لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون حجة كافية حتى
يستريح إليها وجدان القاضي ليحكم بموجبها وذلك انطلاقا من أنه لا قيمة للاعتراف المجرد في المادة
الجزائية.
والإقرار هو إعتراف المتهم على نفسه بكل أو ببعض
ما نسب إليه. ومن
المعروف أن الاقرار في المادة المدنية هو سيد الادلة حيث أنه يعنى إقرار الشخص على نفسه
بصحة ارتكابه فعلا معينا، ويعد أقوى الادلة تأثيرا فى
وجدان القاضي. أما في المادة الجزائية فالاعتراف لا يعد حجة فى ذاته
وانما يخضع دائما لتقدير قاضى الموضوع ولا يعفى سلطة الاتهام والمحكمة من البحث
فى باقى الأدلة وللمتهم أن يعدل عن اعترافه فى اى وقت دون ان يكون ملزما باثبات
عدم صحة الاعتراف الذى عدل عنه، فمن
الثابت أن اعتراف المتهم على نفسه لم يعد سيد الأدلة في المادة الجزائية ما لم يكن
مؤيدا بدليل مادي أخر يعززه فهو مجرد قرينة لا يصح الأخذ به واعتماده للإدانة إذا
كان مجردا ويفتقر لدليل أخر يعززه.
وهو
ما كرسه المشرع التونسي صراحة في الفصل 152 م ا ج الذي ورد فيه: "الإقرار مثل سائر
وسائل الإثبات يخضع لاجتهاد الحاكم المطلق".
وكذلك
في الفقرة الثامنة من الفصل 69 م
اج التي ورد فيها أن :"...إقرار ذي الشبهة لا يغني حاكم التحقيق عن البحث عن
براهين أخرى".
وبالتالي فإن الإقرار ليس دليلا
قاطعا على ارتكاب المتهم الأفعال الإجرامية المسندة إليه وهو
من الحجج القانونيّة الواجب على القاضي تحليلها حتى يتبيّن له الأخذ به أو طرحه.
وقد
سبق لمحكمة التعقيب ان اعتبرت :"وحيث أنه من الثابت بإجماع شراح القانون وما
استقر عليه الفقه أن القاضي الجزائي ولئن كان حرا في تدعيم قناعته بمختلف الأدلة
المادية والقانونية فإنه ليس بلازم عليه اعتماد إقرار الجاني أو البينة
بالشهادة وله أن يهمل إقرار ليأخذ بقرينة متى كان ضميره إليها مرتاحا بمعنى أن
الإقرار غير كاف لوحده للأخذ بثبوت الإدانة أو نفيها. وحيث إنطلاقا من هذا
التسليم فإن قضاة الأصل حينما ركزوا قضائهم على إقرار المتهم دون مراعاة لما تمسك
به لسان الدفاع من مطاعن جدية لما لها من بالغ التأثير على وجه الفصل يكونوا قد
أهملوا تقييم وسائل الإثبات المطروحة أمامهم لاستخلاص ما تستوجبه من نتائج. وحيث
أن محكمة القرار المنتقد حينما أهملت تعليل عدم الأخذ برأي الخبراء واعتبرت
بحيثيات حكمها صدق رواية المتهم دون مقارنتها مع التشخيص الوارد بتقرير الخبراء
تكون قد أخطأت في الإستنتاج وتضارب رأيها مع التحقيقات العلمية الواردة بتقرير
التشريح وقد كان على قضاة الأصل مقارنة المتهم بذلك وإستخلاص النتائج الكافلة
والمدعمة لصحة الحكم. وحيث ولئن كان إقرار المتهم بقتل الضحية وفق الرواية التي
سردها بحثا وتحقيقا لا يتماشى والتحقيقات العلمية الواردة بتقرير التشريح مثلما
سلف تبيانه فإن محكمة القرار المطعون فيه إعتمدت في إثبات ركن الإضمار على مجرد
إستنتاجات ضعيفة غير مؤسسة على ماله أصل ثابت بأوراق الملف وقد كان على قضاة
الموضوع إبراز هذا العنصر بدلالات مستساغة ووقائع ثابتة من شأنها أن تجعل وجدان
المحكمة في إطمئنان كامل وكي تتمكن محكمة التعقيب من إجراء مالها من حق الرقابة
على سلامة تطبيق القانون. وحيث أن إقتصار القرار المطعون فيه على إعتراف المتهم
للحكم بإدانته دون التعرض إلى مختلف المطاعن المثارة من قبل لسان الدفاع ومناقشتها
وبيان وجهة نظرها في عدم الأخذ بها من شأنه أن يجعل القرار المذكور متسما بضعف
التعليل والقصور في التسبيب ذلك أن الفصل 168 من م.ا.ح. أوجب تسبيب الأحكام ضمانا
لجديتها وأن في الإغفال عنها يعيب الحكم ويعرضه للنقض".
فالأحكام
الجزائيّة لا يمكن أن تبنى على الاعترافات المجرّدة غير المعزّزة بقرائن أخرى
أو المتعارضة مع الحقائق الثابتة بأدلة أخرى، سواء كان هذا الاعتراف ضد النفس أوشهادة
ضد الغير.
و
هو ما جعل الفقه وفقه القضاء يقرون مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوفر في الإقرار
حتى يكون وسيلة إثبات وهي:
-
1 أن يكون اختياريا: حيث يجب أن يكون الاعتراف
بارتكاب الجرم صادرا عن المتهم بصورة اختيارية، أي أن لا يكون الإقرار مترتبا عن
الإكراه أو التهديد أو العنف.
وشرط اختيارية الاعتراف ثابت بمقتضى النصوص المدنية و الجزائية التي جرمت ممارسة
أي سوء معاملة ضد متهم او شاهد للحصول على اعتراف او شهادة حسبما جاء بالفصلين 101
و103 من المجلة الجزائية اللذين يستنتج منهما أن الإقرار المعتبر قانونا دليلا على
الإدانة لا يأخذ هذه الصفة إلا إذا كان صادرا عن المتهم برضاه التام وعن دراية
وهدوء بال. فمجرد صدور الاعتراف تحت التهديد بسوء معاملة يجعله مرفوضا لإقامة
الدليل على إدانة المتهم. وقد جاء بالفصل 432 م اع مايلي:" يشترط في صحة الإقرار أن
يكون عن اختيار وتبصر والأسباب المفسدة للرضاء تفسد الإقرار أيضا".
كما
جاء بالقرار التعقيبي عدد 4360 مايلي:"الإقرار هو سيد الحجج إذا توفرت
فيه الشروط القانونية ولا يسوغ لقاضي الموضوع إلغاؤه إلا لأسباب واضحة منسجمة
ومتماشية مع أوراق القضية وموصلة منطقيا للنتيجة التي انتهى إليها حتى تتمكن محكمة
التعقيب من إجراء ما لها من حق المراقبة على تطبيق القانون". وجاء كذلك
بالقرار التعقيبي عدد 4692
مايلي:"أن الاعتراف المحرر بصفة قانونية هو من الحجج التي يسوغ للقاضي
الاستناد إليها كما يسوغ له رده لأسباب قانونية بينها بحكمه وله أيضا أن يبحث عن
براهين أخرى إن رأى الاعتراف مجملا كل ذلك راجع لاجتهاده المطلق دون معقب عليه
ورقيب ما دام حكمه معللا تعليلا لا يشوبه قصور أو تناقض".
وجاء
ايضا بالقرار التعقيبي عدد 6124
مايلي:"ولئن كان الاعتراف سيد الحجج فهو أيضا خاضع لاجتهاد القاضي
المطلق...ومن البديهي أن القانون لم يحجر عليه الاستناد إلى الإقرار إذا كان
قانونيا وواضحا واطمأن إليه ضميره".
2
- أن يكون واضحا لا لبس فيه: إذ يشترط لصحة الاعتراف
الصراحة والوضوح إذ أن غموض أقوال المتهم من حيث دلالتها على ارتكابه للجريمة محل الاتهام المنسوب اليه ينفى عنها صفة
الاعتراف بالمعنى الدقيق لأنها تحتمل أكثر من تأويل ولذلك لايجوز أن يستنتج الاعتراف من
هروب المتهم اثر وقوع الحادث أو غيابه عن الجلسة اذ قد يكون ذلك لخشية القبض عليه ،
كما لايجوز اعتبار صمت المتهم قرينة على ادانته اذ قد يكون صمته نتيجة لخوفه من اساءة الدفاع عن نفسه
وانتظارا منه لمشورة محاميه أو بسبب حرج لا قبل له بدفعه كالشخص الذى يضبط بمسكن
قصده لارتكاب فعل مناف للآداب ويصمت أمام اتهامه بالسرقة حتى لايسىء الى شرف وسمعة
الطرف الآخر.
3 - أن يكون متواصلا في
كافة مراحل البحث والتقاضي.
وفي
هذا الاتجاه أقرت محكمة التعقيب
مايلي:"ان حكم البداية قد تأسس على اعتراف المتهم لدى باحث البداية لا غير،
وقد تراجع في هذا الاعتراف بالجلسة وبالتالي فانه لا يمكن اعتماده كدليل قاطع
على الإدانة لتراجع المتهم ولعدم وجود ما يعززه في الخارج...و اتجه
التصريح بثبوت براءته ذلك أن الأحكام الجزائية لا تبنى على الاعترافات المجردة
خاصة إذا وقع التراجع فيها".
فطالما
أن "شهادة" الإنسان على نفسه لا تكفي لان تكون دليل إدانة ويجب تدعيم
هذا الإقرار بأدلة أخرى فانه ومن باب أولى أن لا تكون "شهادة" واحدة
صادرة عن متهم دليل إدانة ضد غيره.
هـ - مبدأ الموازنة بين أدلة البراءة وأدلة الإدانة:
علاوة عما سبق فإن القاضي الجزائي مطالب دائما بالموازنة
بين أدلة البراءة وأدلة الإدانة قبل التصريح بحكمه وهو ما كرسته محكمة التعقيب في
القرار
التعقيبي عدد 9661 المؤرخ في 24/4/1985الذي
ورد فيه ما يلي:<< ان دور المحكمة لا يقتصر على تحقيق أدلة الإدانة فقط
بل هي بالإضافة لذلك ملزمة باستقراء كل الأدلة الدالة على ثبوت البراءة
لما في ذلك من تحقق العدل والإنصاف، لذا فهي ملزمة بالرد على ما كان جوهريا
من الدفوعات التي لها تأثير على وجه الفصل وبيان أسباب اقتناعها حتى يفسح المجال
لمحكمة التعقيب ممارسة مالها من حق المراقبة>>.
وحيث
أن مبدأ الموازنة مستمد من قواعد العدل والإنصاف التي تستوجب قبل التصريح بالإدانة
أن يقوم القاضي بالمفاضلة بين جملة الأدلة المعروضة عليه ليقرر اعتمادا على تلك
المفاضلة أو الموازنة مدى توفر ما يكفي من
أدلة الإدانة لدحض قرينة البراءة أم أن أدلة الإدانة ضعيفة وغير كافية لإصدار حكم على أساسها.
إن
جملة المبادئ السابق بيانها تحول دون إمكانية الاعتماد على "شهادة" متهم
كدليل مجرد ووحيد للإدانة ولكن هذا لا يعني أن تلك التصريحات الموصوفة خطأ
"بالشهادة" فاقدة لأي قيمة إثباتيه وإنما يعني فقط أنها لا تصلح بمفردها
دليلا للإدانة ما لم تعزز بأدلة مادية أخرى.
الجزء الثاني- شروط اعتماد "شهادة"
متهم على متهم كدليل إدانة.
إن
المشرع لم يخص تصريحات المتهم الموصوفة بكونها "شهادة" بأي شروط بل انه
لم يتعرض لها أصلا في فصول مجلة الإجراءات الجزائية وإنما توجد شروط أقرها فقه
القضاء الذي يكتفي غالبا بتوفر شرط وحيد ذو طابع معنوي وهو اقتناع وجدان القاضي
لقبول تلك "الشهادة" كدليل إدانة إلا أنه أحيانا يقرن ذلك الشرط بشروط
مادية وهو توجه لم يتبلور إلا بعد تردد
وعلى مراحل توجت بصدور القرار التعقيبي المؤرخ في 23/3/2005 والذي يعد أول قرار تعقيبي يضبط بصفة متكاملة
الشروط المادية لـ"شهادة" متهم على متهم.
الفقرة الأولى- الشرط المعنوي: اقتناع
وجدان القاضي.
إن فقه القضاء مستقرّ حول
اعتبار أنّ القاضي الجزائي يحكم بالإدانة أو بالبراءة وفق وجدانه الخالص.
وهو
ما جعل محكمة التعقيب في بعض قراراتها تؤكد أنه: "للمحكمة الجزائيّة حريّة
تقدير وسائل الإثبات التي إقتنتعت بها واطمأنت إليها في نطاق اجتهادها المطلق ولها
أن تستند لكل حجّة لم يحجّرها القانون بشرط أن تطرح تلك الحجّة على النقاش وأن
تؤدّي منطقيا للنتيجة التي انتهى إليها الحكم. ولا شيء يمنع قانونا القاضي الجزائي
من الاستناد لأقوال متّهم واتّخاذها حجّة على متهم آخر".
وفي
قرار أخر اعتبرت محكمة التعقيب أن قاضي الموضوع يمكنه الأخذ بأيّ دليل لم يحجره
القانون واطمأن إليه وجدانه وحيث لا يوجد أيّ نص قانوني يمنع القاضي من أن يستند
في الإدانة إلى مجرّد اعتراف متهم على آخر متى اطمأن إليه ولا شيء بالقانون يمنع
اعتماد هذا الاعتراف كأساس للحكم بالإدانة أو البراءة.
ويتحصحص
من خلال القرارين السابقين أنّ محكمة التعقيب تقر للقاضي الجزائي بحريّة كاملة في
تقديره للقوّة الثبوتيّة لوسائل الإثبات سواء المقدّمة إليه أو التي استنتجها
بنفسه.
ومن الواضح أن فقه القضاء يعتبر أحيانا أن نظام الاقتناع
الشخصي للقاضي الجزائي يجعل هذا الأخير غير ملزم بإعطاء تفسير أو تبرير بشأن القوة
الثبوتية للأدلة التي يعتمدها.
ولكن هذا التوجه لا يمكن القبول به إذ إن خطأ
القاضي الجزائي بسبب قناعته الشخصية أمر تأباه العدالة ولهذا فلا بد من الحد من
اطلاقيتها وإخضاعها لقواعد تنظيمية تحصنها وتضمن أن استخلاص الدليل تم بناءا على
مسلمات لا جدل حولها ولا التباس.
كما أن هذا المنهج يذكرنا بالنظام القديم للإثبات في
فرنسا قبل الثورة الفرنسية الذي كان نظاما قانونيا يعتمد بعض النصوص والأعراف التي
كانت تفرض على القاضي الجزائي التجريم إلزاما بمجرد أن تقوم الأدلة على المتهم في
شهادتين متطابقتين وإذا جاءت الشهادة من شاهد واحد فالإدانة قائمة لكن العقوبة
تكون أخف وطأة فقط.
فحرية القاضي في تأسيس قناعته على الدليل الذي يرتاح
اليه وجدانه مشروط بأن يكون هذا الدليل مقبولا قانونا وقائما على إجراءات صحيحة.
وهو
ما كرسته محكمة التعقيب في القرار عدد36258 المؤرخ في 30/04/2003 (غير منشور) الذي
ورد فيه ما يلي:<< حيث ولئن خول القانون لقاضي الموضوع الحكم بمقتضى وجدانه
من خلال حرية تقديره للوقائع وتقييمه للأدلة والقرائن الموجودة بها واستخلاص
النتيجة القانونية المترتبة عنها الإدانة أوجب عليه تعليل أحكامه تعليلا مستساغا
واقعا وقانونا وهو شرط لا يتوفر إلا متى شمل نظره كافة عناصر القضية التي لها تأثير
على وجه البت فيها وتناول بالدرس والتقييم والترجيح ما تحتويه الوقائع من الأدلة
المثبتة للتهمة أو الدافعة لها حتى تتمكن هذه المحكمة من إجراء حق الرقابة على
الأحكام والتأكد من حسن تطبيق محكمة الموضوع للقانون على الوقائع المثبتة في
الأوراق >>.
ويبدو
ان محكمة التعقيب باتت تميل الى هذا التوجه، فقد اعادت تأكيد موقفها سنة 2005 حين
اعتبرت انه:" ولئن جعل الفصل 150 من مجلة الإجراءات الجزائية وجدان القاضي
الجزائي الخالص هو المرجع في إقتناعه بالأدلة التي تطرح عليه وفي إطمائنانه إلى
صدقها فإن ذلك يبقى دائما مقيدا بعدة شروط ضمانا لحريات الأفراد منها أن يكون ذلك
الوجدان مستمدا من أدلة قائمة في الدعوى وصحيحة ومن ثم فإذا أقام الحكم المنتقد
قضاءه على أدلة وهمية ليس من شأنها أن تؤدي على ما إستخلصه منها فإنه يكون عرضة
للنقض للفساد في الإستدلال وضعف التعليل".
فشرط
تعليل الحكم مستمد من أحكام الفصل 168
م ا ج وهو عنصر
ضروري لسلامة الحكم من البطلان طبق أحكام الفصــل199م ا ج .
و
جاء بالقرار التعقيبي عدد 48377 المؤرخ في 14 افريل 1993 ما يلي:<< إن مسألة
تقدير الأدلة واستخلاص النتائج القانونية منها وان كان من اجتهاد محكمة الموضوع
المطلق فان ذلك مشروط بتوخيها التعليل المنطقي المستساغ دون تحريف أو تغيير في
الوقائع أو خطأ في تطبيق القانون >>.
ويبدو
أن جملة القرارات السابقة كانت مقدمة لصدور قرارات أكثر جرأة كرست فيها محكمة
التعقيب الشروط الواجب توفرها في "شهادة" متهم على متهم حتى تكون دليلا
قانونيا مقبولا.
الفقرة الثانية- الشروط المادية
لقبول"شهادة متهم" على متهم.
يعتبر
القرار التعقيبي الجزائي عدد13973 المؤرخ في 23/3/2005 أول قرار يتضمن بصفة واضحة
لا لبس فيها جملة من الشروط المادية الواجب توفرها للأخذ بـ"شهادة" متهم
على متهم فقد ورد فيه ما يلي:<< حيث انه بالرجوع الى القرار المنتقد
وأسانيده والأوراق التي أنبنى عليها يتضح أن القضاة الذين أصدروه كانوا قد أسسوا
قضاءهم على شهادة وحيدة صادرة عن الطفل بلال المحكوم عليه في قضية مستقلة من أجل
استهلاك مادة مخدرة ممنوعة...وحيث انه ولئن كانت مسألة شهادة متهم ضد متهم تختص
بها محكمة الموضوع دون سواها ولا مانع قانونا من الأخذ بها فذلك بشريطة تحليل
فحواها وبسطه ومتى كانت واضحة ومتماسكة ومستقرة في سائر مراحل البحث دون تناقض او
تضارب غير مقدوح فيها وان تكون خاصة معززة ومدعمة بقرائن قوية ومتضافرة يستأنس بها
وحجج ثابتة تكون مطية لإقناع الوجدان وإصدار أحكام القانون وحيث انه وخلافا لما
ذهبت إليه محكمة القرار المطعون فيه فإن تلك العناصر لم تبرز في إطار هاته القضية
وقد اتسمت تلك الشهادة اليتيمة بالضعف والافتقار لما يدعمها ويعززها حتى ترجح بمفردها
على قرائن وأدلة البراءة في تهمة خطيرة... وحيث أهمل القرار المنتقد الرد سلبا أو
إيجابا على دفع المتهم بشأن قدحه في تلك الشهادة ومصدرها وفق ما جاء بالفصلين 63م
ا ج و96 م م م ت والتعرض الى كيفية تحديد صنف ونوع المادة المخدرة التي نسب الى
المعقب توزيعها بنية الاتجار فيها في غياب محجوز وسلبية نتيجة التحليل المخبري
المجرى على سوائله...>>.
ومن
الواضح أن محكمة التعقيب حددت في القرار المبين مبدأه أعلاه لأول مرة شروط "شهادة"
متهم على متهم وهي شروط متلازمة إلا أن محكمة الإحالة التي أعادت النظر في
القضية محل القرار التعقيبي لم تعتبر على الإطلاق موقف محكمة القانون مما استوجب
الطعن بالتعقيب مرة ثانية وقد كان هذا الطعن فرصة سانحة لمحكمة التعقيب حتى تبين
مدى ثباتها على موقفها وتؤكد أن موقفها السابق هو بمثابة اجتهاد مستقر وليس موقفا
عابرا.
وقد
ورد في حيثيات القرار التعقيبي عدد 11809 المؤرخ في 15/2/2006 (غير منشور) ما
يلي:<< حيث ولئن كان لمحكمة الموضوع الحرية في فهم الوقائع واستخلاص النتائج
القانونية منها لنفي التهمة أو إثباتها ولا سلطان عليها في ذلك من طرف محكمة
التعقيب شرط التعليل القانوني السليم والتفحص الكامل والشامل لجميع أوراق الملف
ولدفوعات الأطراف استيعاب النصوص القانونية المنطبقة ومرامي المشرع لتحقيق العدل
والإنصاف. وحيث بالرجوع إلى القرار المطعون فيه انه اعتمد لإدانة المتهم المعقب
الآن على شهادة وحيدة صادرة عن الطفل (ب) المحكوم عليه في قضية مستقلة من اجل استهلاك
مادة مخدرة ومفادها انه تزود من المتهم المعقب الآن. وحيث أن الشهادة اليتيمة
اتسمت بالضعف والافتقار لما يدعمها ويعززها حتى ترجح لوحدها على قرائن وأدلة براءة
في تهمة خطيرة وقد تمسك المعقب بحثا وتحقيقا بالإنكار. وحيث أهمل القرار المنتقد
الرد سلبا أو إيجابا على دفع المتهم بشأن قدحه في تلك الشهادة وفق ما جاء بالفصلين
63 م ا ج و96 م م م ت.وحيث أن محكمة القرار المعقب لما قضت بثبوت الإدانة اعتمادا
على شهادة مجردة دون أي دليل مادي لغياب المحجوز في جريمة خطرة فيه خرق لأحكام
الفصول 1/25/26 من قانون 1992 المتعلق بالمخدرات ودون أن تلتزم بالوسيلة القانونية
التي أوجبها المشرع في ذلك القانون ألا وهي التحليل المجرى والمحجوز وهذا أمر له
تأثير على وجه البت في الموضوع... وحيث أضحى والحالة تلك القرار المنتقد مشوبا
بالقصور في التعليل وبهضم حقوق الدفاع وخرق القانون مما يتعين معه نقضه>>.
ويستخلص
من كلا القرارين ان شروط قبول "شهادة" متهم على متهم هي:
1. أن تكون واضحة، متماسكة ومستقرة في سائر مراحل
البحث لا تناقض ولا تضارب فيها. وهو شرط كانت محكمة
التعقيب قد اشارت اليه في القرار التعقيبي المؤرخ في 02/07/2003 ( غير منشور) والذي جاء فيه ما يلي:<< حيث أن الشهادة
لم تكن متواترة ومتحدة في مضمونها وحيث أن شهادة متهم على آخر ولئن تعتبر وسيلة من
وسائل الإثبات إلا أنها تحتاج إلى وسائل إثبات أخرى وقرائن تدعمها خلافا لما كانت
عليه الشهادة في قضية الحال التي كانت فاقدة لكل تأييد من وسائل إثبات أخرى بل ثبت
لدى دائرة الاتهام وجود قرائن أخرى تدحض مضمون تلك الشهادة >>.
2. أن تكون معززة ومدعمة بقرائن قوية ومتضافرة
يستأنس بها وحجج ثابتة تكون مطية لإقناع الوجدان وإصدار أحكام القانون.
وهذا الشرط منطقي ولا جدال فيه إذ أنه مطلوب في إقرار المتهم على نفسه فمن باب
أولى أن يكون مطلوبا في إقراره على غيره.
وهذا
الشرط يكاد يكون محل اتفاق في اغلب الانظمة القانونية المقارنة،
وقد
سبق لمحكمة التعقيب أن كرست هذا الشرط في قرارها عدد 46868 المؤرخ في 31/01/2004
الذي جاء فيه :<<لا شيء يمنع قانونا من اعتماد شهادة متهم على متهم خاصة إذا
ما اتضح أن تلك الشهادة كانت معززة بقرائن أخرى مثل الجزء من المحجوز الذي تم
العثور عليه بحوزة المعقب ضده والذي تبين بعد عرضه على المتضرر أنه تابع لهذا
الأخير فقام الباحث بارجاعه اليه ومن جهة أخرى فان شهادة متهم على متهم لا شيء
يمنع المحكمة من الأخذ بها خاصة إذا ما تبين أن الشاهد لم يكن يرمي من وراء شهادته
تبرئة ساحته وإلقاء تبعة أفعاله على المشهود ضده...>>.
ومن
الواضح أن محكمة التعقيب أقرت في قرارها السالف الذكر شرطا إضافيا وهو أن لا تكون
تصريحات المتهم ضد غيره بغاية تفصيه من العقاب وإلقاء التبعة على غيره.
وهو
نفس الموقف الذي عبرت عنه في قرارها المؤرخ في 18 نوفمبر2004 حين أكدت أنه:"
حيث إتضح بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه أن المحكمة المصدرة له بررت قضاءها بتبرئة
ساحة المتهم إعتمادا على أن الدعوى الموجهة ضد المعقب ضده ظلت مجردة ولم تعزز
بأي دليل ثابت وقاطع يمكن أن ينهض حجة دامغة على إدانته من أجل ما نسب إليه
وإعتبرت أن تصريحات المظنون فيه الأصلي أنيس ظلت مشوبة بكثير من الشك والتخمين ولم
تعزز بأي دليل أو قرينة أخرى خاصة وقد تمسك المتهم بالإنكار التام في جميع مراحل
البحث. وحيث على عكس ما ذهبت إليه محكمة الحكم المنتقد فإن شهادة المتهم
الأصلي جاءت صريحة وواضحة ولا يشوبها أي تخمين وذلك بتأكيده صلب محضر إستنطاقه
وكذلك لدى الباحث الإبتدائي وعند المكافحة على توليه بيع الزربية المسروقة إلى
المعقب ضده بعد أن أعلمه بفساد مصدرها باعتبارها حصيلة عملية سرقة من منزل
المتضرر. وحيث أن إستبعاد محكمة الحكم المنتقد لمثل هذه الشهادة في غير طريقه خاصة
وأن هذه الشهادة تعزرت بالثمن الزهيد الذي دفعه المعقب ضده مقابل شراء الزربية
والذي لا يتجاوز الثمانية والعشرين دينار والحال أن قيمتها الحقيقية تقارب الألف
دينار حسبما تحرر على المتضرر وبالتالي فإن الفارق بين ما بذله المعقب ضده
والقيمة الحقيقية للمسروق لا يمكن أن يخفى عن هذا الأخير وهو ما يدل على علمه
بفساد المصدر بما يعزز شهادة المتهم الأصلي ويجعل ما إنتهت إليه محكمة
الحكم المطعون فيه في غير طريقه وغير مستساغ التعليل. وحيث ثبت من ناحية أخرى أن
المحكمة إستبعدت شهادة المتهم الأصلي رغم وجود أي قدح جدي في تصريحاته ورغم أن ملف
القضية لا يحتوي على أي شيء يفيد أن للمتهم أية مصلحة أو منفعة في توريط المعقب
ضده. وحيث ولئن كان لمحكمة الموضوع السلطة المطلقة في تقدير الأدلة والموازنة
بين أدلة الإدانة وأدلة البراءة إلا أنها تبقى مطالبة بتعليل ما ذهبت إليه تعليلا
مستساغا متطابقا وأوراق القضية ومؤديا إلى النتيجة التي توصلت إليها وهو ما لم
تبرزه محكمة الحكم المنتقد بإستبعادها شهادة المتهم الأصلي المتسمة بالوضوح
والصراحة لإدانة المعقب ضده".
وفي
هذا الاتجاه فقد سبق لمحكمة التعقيب أن اعتبرت أنه لا مانع قانونا من اعتماد
«شهادة متهم» على متهم خاصة إذا لم يقصد بها تبرئة نفسه وإلقاء تبعة الجريمة على
من شهد ضده.[57]
3. أن لا تتسم بالضعف والافتقار لما يدعمها
ويعززها حتى ترجح لوحدها على قرائن وأدلة البراءة.
وفي
هذا الاتجاه اعتبرت محكمة التمييز اللبنانية "أن الأحكام يجب أن تبنى
على الدليل القاطع الذي يطمئن إليه وجدان المحكمة وبما أن أقوال رفيقي المتهم ليست
إلا من قبيل عطف الجرم الذي
لم يعزز بدليل أخر وبالتالي تشكل شبهة فقط ولا تصلح للحكم".
4. أن لا تكون محل قدح.
إذ
نص المشرع بالفصل 63 م
اج انه << لحاكم التحقيق أن يسمع على سبيل الاسترشاد بدون أداء
اليمين... ثانيا: الأشخاص الذين لا يمكن قبول شهاداتهم تطبيقا لقواعد م م م ت>>.
ومن
بين الحالات الواردة بالفصل 96 م
م م ت والتي يجب التأكد من عدم توفرها لدى المتهم:<<أولا: العداوة
الواضحة... ثانيا: إذا كان للشاهد منفعة شخصية لأداء الشهادة...عاشرا: إذا كان
الشاهد محكوما عليه من اجل جريمة مخلة بالشرف>>.
فـ"شهادة"
متهم على متهم لا تكون مقبولة إلا إذا خلت من القوادح القانونية وكانت واضحة
ومتماسكة ووقع الإصرار عليها في جميع مراحل البحث ومعززة بحجج أخرى ثابتة وإذا
انعدمت الشروط المذكورة أعلاه فإنه لا يمكن الأخذ بها لتكوين عقيدة القاضي الجزائي
ونسبة أي جريمة ضد متهم أو مظنون فيه.
ويستخلص
من جملة ما سبق أن مكانة الشهادة كوسيلة إثبات رئيسية في المادة الجزائية لم تحل
دون التشكيك فيها بصفة مستمرة لما يعتريها من عيوب مرتبطة بسلامة حواس الشاهد
وحالته النفسية وتزداد هذه الشكوك عندما يتعلق الأمر بتصريحات متهم أدلى بها دون
يمين ولدوافع يصعب التأكد من نزاهتها وخلوها من الرغبة في الانتقام والتشفي وتوريط
الغير لأي سبب كان فما يسمى"شهادة" متهم على متهم هو دليل يشكو من عيب
مضاعف ففيه ما في الشهادة من مساوئ مضاف إليها خلوه من الضمانات القانونية المقررة
للحد من تلك المساوئ والمتمثلة أساسا في وجوبية أداء اليمين.
وختاما فإن تعامل القضاء مع تصريح متهم على متهم ينبغي أن يتسم بالحيطة والحذر وأن يدعم بالتمحيص
والتدقيق، لأن كثيرا من المتهمين يسعون إلى توريط أناس أبرياء بدوافع الحقد أو
الانتقام، لذلك فهم لا يتورعون عن تضليل العدالة وخلط الأوراق والتحكم في مصائر
الآخرين بتصريحات غير مسؤولة، وتوجد حالات كثيرة مشهورة عمليا في قضايا المخدرات.
والحكم
القضائي الذي يعتمد في الإدانة على تصريح متهم على آخر كدليل وحيد، هو حكم ضعيف على مستوى السند والمستند، تطوقه
من أمامه ومن خلفه ومن حواليه علامات تعجب متتالية وغير متناهية في شأن افتقاره
لخصال الحكم السليم القويم وهي الجزم واليقين المؤدي وحده الى السكينة
والطمأنينة وراحة الضمير، وإذا كان المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته فإن تصريح متهم على آخر
ضعيف إلى أن تثبت قوته، ولن تثبت قوته إلا إذا تم تدعيمه
بحجة أخرى تحقيقا لمبدأ معروف في فقه القضاء الجنائي وهو مبدأ تساند الأدلة وتعاضدها
بشكل يجعل بعضها مكملا للبعض الآخر. ولهذا فإن الحكم الصادر بناء على تصريحات
مجردة لمتهم هو في الحقيقة مجرد حكم مقرر لإدانة قضى بها ذلك المتهم على الغير دون
دليل مادي أو حجة تدعم مزاعمه.