2024/01/07

قراءة أولية في مرسوم الصلح الجزائي، "التجربة الثالثة: العدالة التعويضية"

 
قراءة أولية في مرسوم الصلح الجزائي،
"التجربة الثالثة: العدالة التعويضية".

الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية

المقدمة

إن الحديث عن الصلح في المادة الجزائية قد يبدو أمرا مستهجنا باعتبار أن قواعد القانون الجزائي وضعت حتى تطبق في مفهومها الردعي، فهي تهم النظام العام، ولا مكان للإرادة الفردية مبدئيا في تطبيقها ولا تأثير لها عليها[1]. فالصلح تصرّف إرادي يحسم به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان به نزاعا محتملا، فهو إجراء غير قضائي، يخوّل للجهة المؤهّلة لذلك قانونا عرض الصلح أو قبوله من الغير[2]. وعرّف الفصل 1485 من م. إ. ع عقد الصّلح بأنّه: "عقد وضع لرفع النزاع وقطع الخصومة ويكون ذلك بتنازل كلّ من المتصالحين عن البعض من مطالبه أو بتسليم شيء من المال أو الحق".

لكن، خلافا للرأي سابق الذكر فإن الصّلح لم يكن يوما غائبا عن ميدان القانون الجزائي[3]، بل بالعكس فقد سجّل تواجده منذ القدم، بصورة واضحة في المجالين الاقتصادي والمالي[4]، نظرا لأهميته وملاءمته مع السياسة الزجرية في القانون الجزائي الإقتصادي[5]، إذ فرضت الطبيعة الخاصّة للجرائم الإقتصادية على المشرع إدخال نوع من المرونة على ما كان يعتبر من مقتضيات النظام العام كي تنسجم مع متطلبات الصّلح في الميدان الإقتصادي[6]، وهو ميدان تستأثر فيه الإدارة بصلاحيات مطلقة فيما يتعلق بمباشرة الدعوى العمومية بما يؤهلها لإبرام الصلح مع المخالف كوسيلة لتجنب  هذه الدعوى[7].

كما تدخل المشرّع لاحقا لتوسيع نطاق اعتماد آليات الصلح لتشمل بعض جرائم الحق العام من خلال الصّلح بالوساطة[8]، الذي تم تكريسه بموجب القانون عدد93 المؤرّخ في 29 اكتوبر 2002 والمتعلّق بإتمام مجلّة الإجراءات الجزائيّة وذلك بإرساء آليّة الصّلح بالوساطة في المادّة الجزائيّة[9]، وهو قانون جاء لإحلال الجانب الاعتباري للتعويض محلّ الصّبغة الزجريّة للعقاب بإذكاء الشّعور بالمسؤوليّة لدى المشتكي به وتذكيره بأحكام القانون، وتعويض الأضرار الحاصلة للمتضرّر وردّ الاعتبار إليه في آجال معقولة، طبق إجراءات مبسّطة تتّسم بالصبغة الرضائيّة دون اللّجوء إلى القضاء، ويهدف هذا القانون إلى التقليص من حجم القضايا المنشورة أمام المحاكم[10]. ويمكن القول إن من ثوابت السياسة التشريعية التونسية اعتماد الصلح أساسا في حل الخلافات ووضع حد للخصومة بصفة نهائية[11]. فآلية الصلح لم تعد حكرا على القانون المدني بل إمتدت لتشمل القانون الجزائي[12].

إنّ أهميّة الصلح في المادة الجزائية تبرز في بعدها الإنساني والاجتماعي كونه يسعى من جهة لتحقيق الردع لدى الجاني مع إذكاء الشعور لديه بالمسؤوليّة والحفاظ على إدماجه في الحياة الاجتماعيّة، مع ضمان جبر الأضرار الحاصلة للمتضرّر من الأفعال التي ألحقت به مضرة من جهة ثانية[13] فالصلح في القانون الجزائي الاقتصادي مثلا يهدف أوّلا إلى قطع النزاع بين الإدارة والمخالف من دون اللّجوء إلى القضاء، بحثا عن حلول اتفاقيّة ووديّة بين المتخاصمين[14] ولهذا أهميّة اجتماعيّة بالغة في تعديل النسيج الاجتماعي[15]وذلك بتخفيض الضغط على المحاكم وثانيا إلى تعمير ذمّة المخالف لفائدة الإدارة بالخطايا الماليّة المتفاوتة والتي تغذّي ميزانيتها.

ولقد كانت مسألة "الصلح"، أو على الأدق "المصالحة"[16] من أبرز المسائل التي أثارت الجدل بعد أحداث جانفي 2011 وسقوط منظومة الحكم السابق[17]. على اعتبار وأن بناء الجمهورية الثانية يتطلب تصفية تركة الجمهورية الأولى بأقل الخسائر الممكنة وبما يضمن السلم الاجتماعي. ولهذا برزت فكرة العدالة الانتقالية كنظام مواز مؤسس على رباعية: "المساءلة والمحاسبة والمصارحة والمصالحة"، وتم لهذا الغرض إصدار القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها[18].

لكن في تعليق على قانون العدالة الانتقالية نشر في شهر فيفري 2014 أشرت إلى : «ان الطابع المسقط لجرائم الفساد المالي ضمن منظومة العدالة الانتقالية سيكون عائقا كبيرا أمام سيرها وتقدمها ونجاحها»[19]. وبعد مرور كل تلك السنوات ثبت صحة تلك الفكرة إذ لا ينكر أحد أن مسار العدالة الانتقالية تعطل لعدة أسباب كان على رأسها ملف الفساد المالي.

وفي سعي لإنقاذ ذلك المسار أو لإعادة توجيهه تم تقديم مجموعة حلول تتمحور حول إفراد المصالحة وخاصة في المجال الاقتصادي والمالي بمسار مستقل، بل إن هناك من كان له تصور خاصة للتعامل في هذا المجال خارج سياق العدالة الانتقالية.

فمنذ سنة 2012 بدأ رئيس الجمهورية الحالي (بصفته أستاذ قانون دستوري حينها) الحديث عن تصوّره حول كيفيّة تعامل الدولة مع المتورطين في قضايا الفساد المالي وقدّم (حسبما صرح به وقتها) مشروعا إلى حركة النهضة، حول المصالحة مع رجال الأعمال، مبني إقرار "نوعا من الصلح الجزائي" مع المتورطين في قضايا الفساد المالي، على أساس ترتيب المعتمديات من الأكثر فقرا الى الأقلّ فقرا، وترتيب رجال الأعمال  من الأكثر تورطا الى الأقلّ تورطا، ليتمّ لاحقا تبنّى معتمدية من طرف رجل أعمال (الأكثر فقرا للأكثر فسادا) ويتمّ ضخّ الأموال المنهوبة في تنمية هذه المعتمديات[20]. وكان هذا المقترح يستند على تقديرات مداخيل مفترضة للأموال المنهوبة تقدّر ب 13 ألف و500 مليون دينار سيتم تخصيصها للصلح الجزائي[21].

«هناك أموال كثيرة، ولكن هناك توزيع غير عادل لها. في سنة 2012، من مصدر حكومي، المبلغ الذي كان مطلوبا من الأشخاص المتورطين في الفساد يتراوح بين 10 آلاف مليار و13 ألفا و500 مليار، اموالهم في البنوك. لماذا لا تعود هذه الأموال إلى الشعب التونسي؟ […] وكنت في ذلك الوقت اقترحت […] على عدد من أعضاء المجلس التأسيسي الصلح الجزائي مع هؤلاء (يقصد رجال الأعمال المتورطين في جرائم مالية) […] كانوا 460، وعدد المعتمديّات 265. وقلت يتمّ ترتيبهم من الأعلى إلى الأسفل، من الأكثر تورّطا إلى الأقلّ تورّطا، ويتمّ ترتيب المعتمديّات ترتيبا تنازليّا أيضا من الأكثر فقرا إلى الأقلّ فقرا وتحت إشراف لجنة جهوية تتولّى التنسيق والرقابة»[22].

لكن في الحقيقة يتعارض هذا التصريح مع موقف سابق للرئيس (بصفته الاكاديمية وقتها) من نفس مشروع القانون الذي عرض على البرلمان عام 2017، حيث أشار آنذاك في تصريح لمنظمة "أنا يقظ" بتاريخ 28 أفريل 2017، أنه: "تم إعداد مشروع قانون آخر في الخفاء، وأكثر من ذلك، تمت تهيئة الرأي العام للقبول بهذا المشروع، الذي لا نعرف تفاصيله على الإطلاق". وتابع: "فلتكن المصالحة مع الشعب التونسي وليس بين أطراف سياسية تعد مشاريع قوانين في الخفاء، وتحت جنح الظلام". وشدد على أنه "إن تم تمرير هذا المشروع، سوف تكون جنازة العدالة في تونس، وسيخرج موكب الجنازة من القصر، الذي يفترض فيه نظريا أنه يمثل إرادة الشعب"[23].

فمقترح المصالحة كان من بين الوعود الانتخابية القديمة للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي والهدف منه إيجاد تسوية مع رجال الأعمال المتورطين في قضايا فساد وتجنب هروب هؤلاء بالأموال المنهوبة واسترجاعها لفائدة الدولة[24].

وقد سبق أن اقترح الرئيس الراحل مشروع قانون مشابه، عُرف بقانون المصالحة الاقتصادية والإدارية، اعتبره حينها عنصرًا ضروريًا ومكملًا لمسار العدالة الانتقالية بالبلاد ومساهمًا في دعم الاقتصاد، فيما لقي مشروع القانون المقترح من السبسي حينها معارضة حادة كانت من أبرز تجلياتها حملة «مانيش مسامح» واعتبر مدخلًا "لتبييض الفاسدين" ولتكريس الإفلات من العقاب، ولم تتم المصادقة في البرلمان إلا على الجانب الإداري منه. والذي يشهد بدوره تعطيلا قضائيا كبيرا في الأونة الأخيرة[25].

جاء في شرح أسباب إحداث المبادرة، بحسب المشروع الذي بعثت به مؤسسة الرئاسة سنة 2015 إلى مجلس نواب الشعب، أنها تهدف إلى معالجة مسار العدالة الانتقالية لما شابها من إخلالات جوهرية حيث نصّ الفصل الأوّل من مشروع القانون على التالي: “يهدف هذا القانون الأساسي إلى تهيئة مناخ ملائم يشجع على الاستثمار وينهض بالاقتصاد الوطني ويعزز الثقة بمؤسسات الدولة. كما يهدف إلى إقرار تدابير خاصة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام تحفظ حقوق المجموعة الوطنية وتفضي إلى غلق الملفات، بعد المساءلة والمحاسبة، تحقيقا للمصالحة باعتبارها الغاية الأسمى للعدالة الانتقالية[26].

وتقوم فلسفة مشروع قانون السبسي حول المصالحة الإقتصادية على إحداث لجنة يتولّى رئاستها رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وتتضمّن في تركيبتها قضاة عدليين وماليين وإداريين ومحام فضلا عن تمثيلية للمجتمع المدني والمكلف العام بنزاعات الدولة. تتولى هذه اللجنة المُلحقة بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد القيام بإجراءات الصلح بين من تعلّقت بهم جرائم نهب للمال العام أو تهرّب ضريبي أو جرائم صرف ليشمل الصلح كل المتورّطين في جرائم فساد مالي وإداري من الموظفين على معنى الفصلين 82 و96 من المجلّة الجزائية، إن كانت تلك الجرائم ارتكبت زمن حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي أو بعده[27].

والجميع يعلم أن المعارضة الشعبية والسياسة أديا إلى الحد من مجال المصالحة لتقتصر على المجال الإداري فقط فيما بقي رجال الأعمال خارج نطاق المصالحة.

وفي هذا السياق التاريخي وجد الرئيس الحالي أن هناك فرصة لإحياء مشروعه القديم وصيغت منذ أكتوبر 2020 ثلاث نسخ لمشروع الصلح الجزائي وذلك في ترجمة عمليّة لإصرار الرئيس على فكرة الصلح الجزائي الذي أفضى أخير لصدور المرسوم عدد 13 لسنة 2022 في ذكرى الاستقلال[28]، "اخترنا هذا اليوم للنظر في مشروع متميز وأردته أن يكون يوم عيد الاستقلال، لنضع مشاريع مراسيم تتعلق أولا بمشروع مرسوم يتعلق بالصلح الجبائي، حتى يسترد الشعب أمواله التي نهبت منه عوض القضايا المنشورة أمام المحاكم ولم يسترجع منها شعبنا العظيم إلا النزر اليسير". وتابع في كلمته أن الصلح الجزائي إجراء معروف في القانون؛ فعوض الزج بالمتهم الذي تمت إدانته في السجن، يدفع هذا المتهم المدان الأموال التي انتفع بها بصفة غير مشروعة. وأوضح أن الأموال المستردة "سنقدمها للفقراء"، مشيرا إلى وضع الإجراءات واتخاذ عدة احتياطات لتذهب هذه الأموال لأصحابها الحقيقيين[29].

ويراهن الرئيس على مشروع الصلح الجزائي لتحقيق إنجاز اقتصادي، فهو يرى أن هذا المشروع سيمكن الدولة من استعادة الأموال المنهوبة من رجال الأعمال المتورطين في الفساد، ما من شأنه المساهمة في معالجة أزمة المالية العمومية التي تعيشها تونس[30].

ويعتبر المرسوم عدد 13/2022 بالضرورة متمما للقانون الأساسي المتعلق بالمصالحة في المجال الإداري، (ولو أنكر واضعوه ذلك)، لأنه في الحقيقة جاء ليستكمل مسار تلك المصالحة التي اقتصرت في حينها على الموظفين العموميين وأشباههم[31] وأقصي منها رجال الأعمال وكل موظف عمومي أو شبهه تلقى رشوة أو حقق فائدة لنفسه، بينما يشمل المرسوم عدد 13/2022 هؤلاء[32].

وهو ما يستشف بسهولة من خلال مقارنة مقتضيات الفصل الثاني منه ونصه: " يهدف الصلح الجزائي إلى استبدال الدعوى العمومية أو ما ترتّب عنها من تتبع أو محاكمة أو عقوبات أو طلبات ناتجة عنها تم تقديمها أو كان من المفروض أن تقدم في حق الدولة أو إحدى مؤسساتها أو أي جهة أخرى وذلك بدفع مبالغ مالية أو إنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية بحسب الحاجة". بمقتضيات الفصل الأول من قانون المصالحة في المجال الإداري ونصه: " يهدف هذا القانون الأساسي إلى تهيئة مناخ ملائم يشجع خاصة على تحرير روح المبادرة في الإدارة وينهض بالاقتصاد الوطني ويعزّز الثقة في مؤسسات الدولة، كلّ ذلك تحقيقا للمصالحة الوطنية". لكن هيئة الحقيقة والكرامة حاولت التصدي لهذا المشروع وبادرت بمجرد الكشف عنه لشن حملة مضادة له بررتها بما يتضمنه نصه من مسّ بمبادئ العدالة الانتقالية[33] ولجأت إلى استصدار رأي من لجنة البندقية[34]. انتهى الصراع إلى الإطاحة بمشروع القانون في فرعه المتعلق بمن أثروا بطرق غير مشروعة وفرعه المتعلق بالعفو عن مهرّبي الأموال الفاسدة إلى الملاذات الآمنة[35]. واعتبرت إنّ مشروع القانون هذا فيه تعارض صارخ مع الإتفاقية الأممية التي صادقت عليها تونس في 2008، وذلك للأن القانون يسمح لمرتكبي جرائم الفساد من الإفلات من المسائلة والمحاسبة، فبمجرّد تصريح الفاسدين، من موظفين ورجال أعمال وسياسيين ووسطاء،  بذلك أمام لجنة غير قضائية مشكوك في مصداقيتها وإستقلاليتها، سيصدر بحقهم عفو كامل وشامل في كل جرائم التعدّي على المال العام والتهرب الجبائي وتهريب الأموال للخارج ، وتسقط بموجب ذلك  في حقهم كل التتبعات والأحكام الجارية، كما أن القرارات التي ستصدر على اللجنة المحدثة، ستضرب في الصميم المبدأ الثاني المضمّن في إتفاقية مكافحة الفساد، وهو الهدف من كل العملية، والمتعلق بالمصادرة وإسترجاع خزينة الدولة الأموال والممتلكات المكتسبة بطرق غير مشروعة، فاللجنة حسب مشروع القانون لها سلطة تقديرية كاملة لإلغاء مثلاً كل قرارات المصادرة الناتجة عن لجنة تقصي الحقائق التي رأسها المرحوم عبد الفتاح عمر.

بينما إعتمد مشروع المرسوم في صيغته الأولى على قائمة رجال الأعمال الواردة في تقرير المرحوم عبد الفتاح عمر الصادر في 2012 وهي قائمة غير محينة باعتبار أن من بين الأسماء الواردة فيه من توفّوا ومن دخلوا السجن ومن غادروا البلاد ومن صدرت فيهم أحكام نهائية".

وفي 28 جويلية 2021، صرح الرئيس بأن قيمة الأموال المنهوبة من البلاد تقدر ب13.5 مليار دينار (نحو 5 مليارات دولار)، وأنه يجب إعادتها مقابل صلح جزائي مع رجال الأعمال المتورطين في نهبها. وأوضح أن "عدد الذين نهبوا أموال البلاد 460 شخصا، وفق تقرير صدر عن اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد".

ففي ظل هذه المعطيات الأولية صدر المرسوم عدد 13 بعد مراجعة مغلقة لنسخته الأولية المسربة وهي ذات النسخة التي تم عرضها على المجلس الأعلى للقضاء[36] الذي أبدى فيها رأيه عدد 18 بتاريخ 05/01/2022 وكان رأيا سلبيا تضمن جملة من الإشارات للهنات الموجودة في المرسوم وخاصة من حيث علاقتها باستقلالية السلطة القضائية إذ ختم المجلس رأيه بالقول: «ان كافة ما تمت الإشارة إليه إنما يعد من قبيل القيام بواسطة المراسيم وبمناسبة سريان الحالة الاستثنائية المعلن عنها بإصلاحات جوهرية للمنظومة القضائية وللقانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء والتي يتعذر على الجلسة العامة للمجلس إبداء الرأي بشأنها وبشأن مجمل الفصول المتعلقة بها»[37].

ولقد تم العدول عن بعض النقاط التي أثارها المجلس الأعلى للقضاء بخصوص مشروع المرسوم، خاصة تلك المتعلق بقائمة المعنيين بالصلح، وبإحداث قطب قضائي إذا جاء في الرأي الذي قدمه المجلس مايلي: "حيث يتبين بالإطلاع على مشروع المرسوم المعروض على المجلس أنه جاء ليضبط إطارا مرجعيا للمصالحة الجزائية مع المتورطين في الجرائم الإقتصادية والمالية سواء منهم الأشخاص الواردة أسماؤهم بتقرير اللجنة الوطنية حول الفساد والرشوة بعد تحيينها والتثبت فيها أو كذلك كل من تتعلق به قضايا فساد مالي واقتصادي لدى القطب القضائي الإقتصادي والمالي، وأنه أنشأ للغرض هيكلا قضائيا ملحقا بمحكمة الاستئناف بتونس سمي " القطب القضائي للصلح الجزائي " تتكون تركيبته من عدد 21 قاضيا من ذوي الاختصاصات من بين القضاة المباشرين بالمحاكم من الصنف العدلي والإداري والمالي، تتم تسميتهم بأمر رئاسي باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء ليتولوا إبرام الصلح المذكور مع الذين تورطوا في تلك الجرائم مع النظام السابق قبل 2011 ومع المتورطين في نفس هذه الجرائم والمرتكبة في مجال التصرف في المال العام على معنى القانون الأساسي عدد 77 لسنة 2016 المتعلق بالقطب القضائي الإقتصادي والمالي سواء كان ذلك أثناء الدعوى أو بعد صدور حكم نهائي وبات في شأنها"[38].

وهو ما أشار إليه المجلس الأعلى للقضاء بخصوص مشروع المرسوم: "حيث وفيما يتعلق بالإصلاحات التي شملت المنظومة القضائية في مستوى تنظيم المحاكم وإدارتها وسيرها والإجراءات المتبعة أمامها، فإنه يتبين بالإطلاع على مشروع المرسوم المعروض أنه استحدث صنفا جديدا من العدالة يتمثل في العدالة التصالحية باعتباره قد جاء بآلية قانونية جديدة ومستحدثة في فض النزاعات لم يسبق اعتمادها من قبل في المنظومة القانونية والقضائية الوطنية والتي كانت تعتمد على العدالة القضائية الصرفة القائمة على فض النزاعات عبر التقاضي مباشرة أمام سائر المحاكم، ومع جواز الصلح في بعض الحالات الذي ينهي النزاع من جهة، والعدالة الانتقالية القائمة على مسار متكامل يرتكز على كشف الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار مثلما اقتضت ذلك أحكام القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 من جهة أخرى. أما بالنسبة لمشروع القانون المعروض، فجاء بصنف جديد مستحدث يتمثل في العدالة التصالحية التي تنم عن خيار تشريعي جديد، قائم على اعتماد المصالحة كأحد الطرق الودية البديلة لفض النزاعات الجنائية. وحيث يتمثل اعتماد هذه الطرق في فض النزاعات، إصلاحا جوهريا طال القضاء، وإجراءات التقاضي، وأسند للقاضي دورا جديدا لا تستوعبه أحكام الفصل 102 من الدستور التي نصت على أن " القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات "، كما لا يستوعبه النظام الإجرائي المعتمد حاليا في التقاضي أمام محاكم القضاء، ولا سيما الجزائي منها"[39].

كما أن جمعية محامون بلا حدود رفعت تقرير يتضمن توصيات للرئيس حول مشروع المرسوم تركزت بالأساس على أوجه تعارضه مع مقتضيات العدالة الانتقالية ومخالفته لقانونها الأساسي والمقتضيات الدستورية الخاصة بها[40].

هذا علاوة على ما صدر من مواقف شعبية وسياسية وقانونية مناهضة لهذا المرسوم كليا أو جزئيا[41]، مع وجود تيار مناصر له على كل تلك المستويات.

وفي خضم هذا الجدل القانوني كان لا بد من دراسة هذا المرسوم من وجهة نظر قانونية صرفة لبيان مدى تماشيه مه متطلبات التشريع ومدى انسجامه مع الواقع الذي بلغته تونس بعد عجز العدالة التقليدية عن معالجة تركت الفساد والاستبداد، وفشل العدالة الانتقالية في ذلك. فهل تتوفر في أحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته الحد الأدنى اللازم لضمان تحقيق عدالة حقيقية تعالج نتائج الفساد والاستبداد؟

للإجابة عن هذه الإشكالية لا بد من قراءة المرسوم في سياقه الواقعي والقانوني (ج1) قبل المرور إلى دراسته في ذاته، أي مدى قدرته على تحقيق الأهداف التي صدر من أجلها (ج2).

الجزء الأول: المرسوم في سياقه:

اعتبر المجلس الأعلى للقضاء رأيه الاستشاري عدد 18 حول مشروع مرسوم الصلح الجزائي مع المتورطين في الجرائم الاقتصادية والمالية أنّ مشروع المرسوم استحدث صنفا جديدا من العدالة ألا وهو العدالة التصالحيّة وهي “آلية مستحدثة في فضّ النزاعات لم يتمّ اعتمادها سابقا في المنظومة القانونية والقضائية الوطنية والتي تعتمد على العدالة القضائية الصرفة عبر التقاضي أمام سائر المحاكم مع جواز الصلح في بعض الحالات، والعدالة الانتقالية القائمة على مسار متكامل يرتكز على كشف الحقيقة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار”. واعتبر أنّ الدور الموكول للقاضي بمقتضى الفصل 102 من الدستور لا يستوعب هذا الدور[42].

ويتضح من خلال هذا الرأي أن دراسة المرسوم في سياقه أي في الظروف التي صدر فيها يتطلب منا بيان مدى توافق منظومة العدالة التعويضية التي أشار إليها في الفصل الثاني منه مع منظومتي العدالة الانتقالية (الفقرة الأولى) والعدالة التقليدية (الفقرة الثانية) اللتان تم اللجوء إليهما سابقا في سياق مكافحة الفساد بعد سنة 2011.

الفقرة الأولى- العدالة التعويضية والعدالة الانتقالية

"العدالة الانتقالية" هي عملية متعددة الأوجه تتجاوز النهج القانوني الرسمي لمفهوم العدالة المعروف[43]. وقد عرفها المشرع ضمن الفصل الأول من القانون الأساسي المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها كالآتي : " العدالة الانتقالية على معنى هذا القانون هي مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان "[44]. أو هي: "كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفّهم وتجاوز تركة الماضي الواسعة النطاق بغية كفالته للمساءلة وإحقاق العدل وتحقيق المصالحة" وربط كوفي أنان ذلك باستراتيجيات شاملة بحيث تتضمن الاهتمام على نحو متكامل بالمحاكمات الفردية ووسائل جبر الضرر وتقصي الحقيقة والإصلاح المؤسسي أو أي شكل يدمج على نحو مدروس هذه العناصر على نحو ملائم.[45]

وتقوم العدالة الانتقالية على أربعة أسس، هي: كشف حقيقة الانتهاكات، ومحاكمة مرتكبي الانتهاكات، وتعويض الضحايا والاعتذار لهم، إضافة إلى تطبيق أشكال واسعة من الإصلاح الإداري والمؤسساتي بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات.

و"بحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، تتألف العدالة الانتقالية من الآليات القضائية وغير القضائية على حدّ سواء، بما في ذلك مبادرات الملاحقة القضائية، والجبر وتقصّي الحقائق، والإصلاح المؤسّسي، أو مزيج من ذلك. وأي مزيج يتم اختياره يجب أن يكون متوافقاً مع المعايير والالتزامات القانونية الدولية. ويمكن أن تشمل العدالة الانتقالية أكثر من شكل للعدالة، مثل العدالة الجزائية (المحاكمات)، والعدالة التعويضية والتصحيحية والتحويلية (ضمانات عدم التكرار، والإصلاحات، والتعويضات). فالعدالة التعويضية هي جزء من العدالة الانتقالية، وتأخذ أهميتها عندما نتكلّم عن تعويض الضحايا والمتضرّرين في حرياتهم وأجسادهم وحقوقهم المالية وممتلكاتهم". والعدالة الانتقالية تشمل الملاحقة القضائية والبحث عن الحقيقة وبرامج التعويض والإصلاح المؤسسي، أو مزيج مناسب من هذه العناصر[46].

وهذه الآليات المترابطة، لا تُعوّض إحداها الأخرى. ومن بين الشروط الإضافية للعدالة الانتقالية، أنه لا ينبغي اعتبار عمليات البحث عن الحقيقة وسيلة لإضفاء الشرعية على هياكل الحكم الحالية بل ينبغي العمل على أساس "من شعب إلى شعب"[47]. علاوة على ذلك، ينبغي أن تصمم العمليات على نحو يركز على المظالم التاريخية والمعاصرة التي أسفرت عن ضرر جماعي. وينبغي أيضاً اعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع نطاقاً تستهدف معالجة انتهاكات حقوق الإنسان الجارية التي تعاني منها الشعوب المضهطدة، بما في ذلك على سبيل المثال، التمكين السياسي وإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فالعدالة التي توصف ب "الانتقالية" هي ليست عدالة تقليدية المرتبطة بالقضاء والمحاكم بأنواعها، لكنها تشترك معها في إرجاع الحق أو بعضه الى من انتهكت حقوقه لسبب من الأسباب لا سيما ما تعلق منها بالسياسية[48].

ويُشير الحق في العدالة إلى واجبات الدولة في مجال إقامة العدل؛ والدول ملزمة، بوجه الخصوص، بأن تكفل ملاحقة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة بموجب القانون الدولي ومحاكمتهم ومعاقبتهم على النحو الواجب. وينطوي الحق في التعويض على التزام الدولة بأن تعوِّض الضحية وتتيح لها إمكانية التماس الجبر من مرتكب الانتهاك. ويتضمن الحق في التعويض تدابير تتعلق بالاسترداد والتعويض المالي، وإعادة التأهيل، والترضية. يستلزم الوصول إلى العدالة القدرة على التماس سبل الانتصاف من المظالم والنفاذ إلى هذه السبل، عن طريق مؤسسات العدالة، الرسمية وغير الرسمية، وفقاً لمعايير حقوق الإنسان[49]. ولا غنى عن العدالة لحماية وتعزيز جميع حقوق الإنسان الأخرى. وإلتزمت الأمم المتحدة باتخاذ جميع الخطوات التي تكفل وصول الجميع إلى العدالة[50].

لقد نزّل القانون الأساسي المتعلق بالعدالة الانتقالية في فصليه 8 و9 "الفساد المالي" منزلة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي لا تسقط بمرور الزمن. وهو التصور الذي جسدته هيئة الحقيقة والكرامة حين صنفت الفساد المالي في خانة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بعدما اعتبرت أن المشرّع لم يعرّف مفهوم الانتهاك الجسيم وأنّ القائمة التي أوردها في شأنه كانت غير حصرية[51]. وكانت هيئة الحقيقة والكرامة في تقريرها الختامي[52] قد حصر مجالات الفساد المالي في المجالات التالية: الفساد المالي والاستيلاء على المال العام في المجال العقاري. واستغلال الوكالة العقارية للسكنى للمصلحة الخاصة. واستغلال شركة البحيرة للتطهير والاستصلاح والاستثمار. والتفويت في أراضي دولية. وإنشاء شركة عقارية مختصة في شراء عقارات لفائدة أقارب الرئيس السابق وأصهاره. ووضع وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية في خدمة بن علي والمقربين منه. والفساد المالي والاستيلاء على المال العام في المجالات التالية: خوصصة المؤسسات العمومية، والديوانة، والتهريب الضريبي، والامتياز الجبائي، والصفقات العمومية.

ومن خلال دراسة الملفات والتقارير الواردة على الهيئة أو المنشورة للعموم تم تبويب بعض مظاهر الفساد المال في المحاور التالية: سوء استغلال الموارد الوطنية. وضعف مردودية المساهمات والمؤسسات العمومية. ومصاريف وتدخلات خارج الميزانية ومجال الرقابة.

وتلقّت هيئة الحقيقة والكرامة 62716 طلب تعهد، منها 19464 ملفا كان موضوعها "الفساد المالي" و"الاعتداء على المال العام". وكانت مصادر تلك الملفات موزعة بين المتضررين أو المنسوب لهم الانتهاك في حدود 17292 والمكلف العام بنزاعات الدولة في حق الدولة التونسية ب 686 ملف والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ب 1486 ملف.[53] وشكّل بالتالي العمل على الفساد 31% من الانتهاكات موضوع عمل الهيئة[54]. ولكنها لم تبرم سوى 8 اتفاقيات مصالحة وتحكيم لم ينفذ أيا منها.

ومع أن مرسوم الصلح الجزائي لا ينص على أنه يتعلّق بالعدالة الانتقالية أو ينضوي تحتها، إلّا أنّ مجال تطبيقه يتقاطع بالضرورة مع مجال تطبيق القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المتعلّق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها. حيث حُدّدت الأولى من 20 مارس 2022 إلى ما قبل 2011 (دون تحديد)، فيما تشمل العدالة الانتقاليّة الفترة الممتدّة من 1955 إلى نهاية 2013[55].

كما أن مجال الصلح الجزائي هو من ضمن مجالات العدالة الانتقالية، إذ ينصّ الفصل 45 من قانون العدالة الانتقالية على الآتي: “تنظر لجنة التحكيم والمصالحة في مطالب الصلح في ملفات الفساد المالي ولا يعلق تقديم مطلب الصلح النظر في القضية ولا تنقرض الدعوى العمومية إلا بموجب تنفيذ بنود المصالحة. ويترتب عن تنفيذ بنود المصالحة بخصوص ملف الفساد المالي المعروض على اللجنة انقراض الدعوى العمومية أو إيقاف المحاكمة أو إيقاف تنفيذ العقوبة على أن يستأنف التتبع أو المحاكمة أو العقوبة إذا ثبت أن مقترف الانتهاكات قد تعمد إخفاء الحقيقة أو تعمد عدم التصريح بجميع ما أخذه دون وجه حق”. كما ينص الفصل الثاني من مرسوم الصلح الجزائي على أنه: "يهدف الصلح الجزائي إلى استبدال الدعوى العمومية أو ما ترتّب عنها من تتبع أو محاكمة أو عقوبات أو طلبات ناتجة عنها تم تقديمها أو كان من المفروض أن تقدم في حق الدولة أو إحدى مؤسساتها أو أي جهة أخرى وذلك بدفع مبالغ مالية أو إنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية بحسب الحاجة.".

فالمرسوم يشمل أصحاب الأعمال الذين استولوا على المال العامّ أو الذين ألحقوا ضرراً بالإدارة قبل سنة 2011 وهؤلاء بالضرورة من المشمولين بقانون العدالة الانتقالية. إذ نصت الفقرة الأخيرة من الفصل الثامن من القانون الأساسي المنظم للعدالة الانتقالية على أنه: "- كما تتعهد هذه الدوائر (المتخصصة) بالنظر في الانتهاكات المتعلقة... وبالفساد المالي والاعتداء على المال العام... المحالة عليها من الهيئة.". فيما نص الفصل 6 من المرسوم على أنه: " يشمل الصلح الجزائي... الجرائم والأفعال والأعمال والتصرفات المذكورة بالفصل الأول من هذا المرسوم في المجالات التالية: المال العام، ملك الدولة العام والخاص، الرشوة، غسيل الأموال، الجباية، الديوانة، الصرف، السوق المالية والمؤسسات المالية"[56].

كما نصّ المرسوم على إحداث لجنة وطنية للصلح الجزائي، تحت إشراف رئاسة الجمهوريّة، تُسمّى اللجنة الوطنية للصلح، وهي تذكرنا بلجنة للتحكيم والمصالحة المحدثة بموجب الفصل 45 من قانون العدالة الانتقالية صلب هيئة الحقيقة والكرامة.

كما تعرّض المرسوم عدد 12 إلى الأشخاص الذين لهم ملفّات قضائية جارية (حتّى تلك التي تحت أنظار الدوائر المتخصّصة باعتبار وأن العبارة مطلقة وتجري على اطلاقها) والذين يقبلون الخضوع للصلح الجزائي، ولذلك بإمكان مرسوم الصلح الجزائي أن يصبح طريقاً للعديد من الأشخاص الذين يُفترَض أن يحاسَبوا محاسبة قضائية من طرف الدوائر المتخصّصة في العدالة الانتقالية للهروب من المحاسبة من خلال الانخراط في مسار المصالحة الذي ينصّ عليه مشروع القانون، وهو ما يتعارض مع مقوّمات العدالة الانتقالية[57]. ولكن كل أوجه التداخل السابق بيانها لا تحول دون إمكانية القول بأن ما نص عليه المرسوم عدد 12 من شأنه نسف العمل الذي أنجزته هيئة الحقيقة والكرامة عبر لجنة التحكيم والمصالحة، وذلك رغم أنّ مرسوم الصلح الجزائي لم يلغِ قانون العدالة الانتقالية لا جزئياً ولا كلّياً، ولكن واضعه لم يشاء أن يدرجه تحت منظومة العدالة الانتقالية، بل على العكس فتح المجال أمام تجاوزها من خلال الاكتفاء بالصلح كوسيلة للمصالحة ودون المرور بالمصارحة والمحاسبة والمساءلة[58].

ويقدم مرسوم الصلح الجزائي على أنه آلية جديدة محدثة كحل لفشل التجربة التونسية في مجال العدالة الانتقالية التي أشرفت عليها هيئة الحقيقة والكرامة، وفشلت في تحقيق أهدافها، إذ لا انجاز حقيقي يذكر لتلك الهيئة سوى تقرير عام مثير للجدل[59]. فضل عن اًنه يأتي بعد ثبوت تعثر مسارات المحاسبة[60] والمصادرة واسترجاع الأموال المنهوبة[61]، وصولا إلى النتائج الهزيلة التي سجلتها تجربة المصالحة الاقتصادية والمالية في المجال الإداري التي أطلقها الرئيس الراجل الباجي قائد السبسي بعد فشل تمرير النسخة الأصلية من مشروعه[62].

فالعدالة التعويضية التي جاء بها المرسوم عدد 12 فهي تهدف إلى استبدال الدعوى العمومية أو ما يترتب عنها من محاكمات أو عقوبات بدفع مبالغ مالية أو بإنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية بحسب الحاجة، على أن يتم ذلك تحت إشراف لجنة وطنية للصلح الجزائي التي يمكنها رفع يد القضاء عن جميع ملفات الفساد المالي والإعتداء على المال العام بما فيها تلك التي سبق التعهد بها ولا تزال جارية أمامه أو تلك صدرت فيها أحكام أو تمت مباشرة التتبع والمحاكمة وتنفيذ العقاب، كما يمكن للجنة التعهد تلقائيا بقضايا لا تزال على بساط النشر أو بأي وضعية أخرى لم تكن محل تعهد سابق، فضلا أن اللجنة يمكنها الإذن بإنهاء العمل بأحكام قضائية باتة بمجرد إبرام الصلح.

فالعدالة التعويضية حسبما يبدو هي إحدى أنواع العدالة بمفهومها العام. وتعني تعويض المصابين والمتضررين تعويضاً عادلاً بما يتناسب مع الضرر، لكنها لا تشمل المحاسبة والملاحقة القضائية لمرتكبي الانتهاك، أي إنها تقوم فقط على فكرة جبر الضرر بعد تحقيق الاعتراف بوقوع الانتهاكات ضد الضحايا. وهو ما يقربها من العدالة التصالحية، كونها لا تفضي إلى محاسبة مرتكبي الانتهاكات.

ومن خلال ما سبق يمكن القول بعدم صحة الرأي القائل بأنّ “هذا المرسوم لا يمتّ بأيّ صلة للعدالة الانتقالية التي يجب أن تقوم على المصارحة وكشف الحقيقة والمحاسبة وربّما حتى إعادة كتابة التاريخ وإنصاف الضحايا[63]. بل إن الأقرب للصواب هو أن المرسوم عدد 12 يشكل عدالة انتقالية جديدة لكنها مشوهة منذ الولادة[64]، خاصة انها من دون ضمانات النسخة الاصلية (الشفافية والتشاركية والرقابة...) ولا تتمتع بالحماية الدستورية اللازمة حتى يكون بالإمكان تجاوز قواعد ذات قيمة دستورية أو مضمونة بالمواثيق الدولية، مثل عدم رجعية النص الزجري وعدم جواز المحاكمة عن ذات الفعل مرتين وخرق قواعد التقادم ومنع العفو. فالعدالة الانتقاليّة لا يمكن أن يُقبل فيها الدفع بعدم رجعيّة القانون وفق ما تنصّ عليه الأحكام الانتقاليّة من دستور 2014، ما يعني ضمنيّا أنّ إجراءات العدالة الانتقاليّة لا يمكن تعويضها بإجراءات أخرى[65]. وبالتالي فإن أي منظومة عدالة يريد واضعها أن يسحب مقتضياتها على الماضي لا بد أن تتخذ شكل عدالة انتقالية.

وبالتالي كان من المتعين إما ادراج الصلح الجزائي تحت منظومة العدالة الانتقالية كما تم (ولو بصورة ملتوية كما حصل في قانون المصالحة في المجال الاداري[66]). أو أن يتضمن احكام انتقالية لتجنب أي تناقض أو تصادم. وكان الانسب طبعا هو الإبقاء على الاستثناءات الدستورية الخاصة بمنظومة العدالة الانتقالية والانخراط تحتها. ذلك أن العدالة الانتقالية تقتضي الانتقال من وضع ظالم إلى وضع عادل؛ وهو ما يتطلب اللجوء بالضرورة إلى بعض الإجراءات الاستثنائية لمعالجة أوضاع استثنائية لا تسمح العدالة التقليدية بمعالجتها[67].

 

الفقرة الثانية- العدالة التعويضية والعدالة التقليدية

تشكل المجلة الجزائية مع مجلة الاجراءات الجزائية، بكل ما فيهما من مبادئ عامة وأحكام خاصة ما يمكن تسميته ب " العدالة الجزائية التقليدية". وهي عدالة يضبط الدستور المبادئ الأساسية التي تنظمها. فقد نظم المشرع في الفصول من واحد حتى التاسع والخمسون من المجلة الجزائية المبادئ العامة للقانون الجزائي، فيما نظم في بقية فصول المجلة ما يمكن تسميته بالجرائم الرئيسية مثل أمن الدولة والاعتداء على الأشخاص والأموال. كما نظم المشرع في مجلة الإجراءات الجزائية المبادئ العامة للمحاكمة والتنظيم القضائي الجزائي.

وتسميتها "عدالة جزائية تقليدية" راجع إلى ما ظهر بعدها من أوجه عدالة مستحدثة، كالعدالة الانتقالية التي سبق التعرض إليها في الفقرة السابقة، والعدالة التصالحية التي لها تطبيقات متعدد،  جاء المرسوم عدد 54 محل التعليق بصورة من صورها وسماها في فصله الثاني "العدالة التعويضية".

فالعدالة التقليدية هي تلك المنطبقة في الأحوال العادية، وتهدف إجمالا إلى الحكم بعدم سماع الدعوى العمومية في حق متهم بارتكاب جريمة لم تقم أركانها أو لم تثبت نسبتها إليه، أو الحكم بثبوت إدانته وتسليط عقاب عليه إذا ما ثبت قيام أركان الجريمة ونسبتها إليه[68].

وتهدف العقوبة في إطار العدالة الجزائية التقليدية، باعتبارها جزاء مسلطا على الجاني الى تحقيق ثلاث وظائف وهي الترهيب والمكافأة والإصلاح[69]. وهي تُمثل الطريقة الرئيسية التي يرد بها المجتمع الفعل على أي عمل إجرامي بوصفه انتهاكاً للقواعد المشتركة التي يعتمد عليها المجتمع. وتكون شدة العقوبة متناسبة مع خطورة الفعل المرتكَب بما يؤدي إلى تصحيح الخلل المعنوي الناجم عن الجريمة. ولأن العقوبة ترتبط بإلحاق الألم أو الحرمان من بعض الحريات، وهو ما يجب تطبيقه على نحو دقيق وعادل، فإن إجراءات العدالة الجزائية تتسم بمجموعة من الضمانات القانونية الذاتية الممنوحة أساسا للمتهم. ولكن في العقود الأخيرة، بذلت جهود لتعزيز دور الضحايا في الإجراءات الجزائية تضمنت استحداث آليات مختلفة يبلِّغ الضحايا من خلالها المحكمة بالضرر الذي تسببت به الجريمة لهم.

فالعدالة التصالحية تختلف عن العدالة الجزائية التقليدية من جهة الأسئلة التي تجيب عنها كل منهما، ففي العدالة التصالحية، الأسئلة هي: من تأذَّى؟ ما احتياجاته؟ واحتياجاته هذه مسؤولية من؟ ما الأسباب؟ من هم أطراف القضية؟ ماهو الأسلوب المناسب لإشراك أصحاب العلاقة في طريقة لمعالجة الأسباب وحلِّ الأمور؟. وفي المقابل، أسئلة العدالة الجزائية التقليدية هي: أي القوانين اختُرقت؟ من فعل ذلك؟ كيف يمكن ردع المعتدي وغيره؟[70]

ورغم هذا الاختلاف، يمكن أن تكمّل العدالة التصالحية أساليب العدالة التقليدية، وهو ما تم تكريسه مثلا في تونس لأول مرة من خلال اعتماد الصلح وآلية التسوية في بعض الجرائم، وفي مجلة حماية الطفل[71]، ثم عن طريق تكريس آلية الصلح بالوساطة في جرائم الحق العام[72]، واعتماد عقوبة التعويض الجزائي لاحقا[73].

فقد احتل الصلح في مادّة القانون الجزائي الإقتصادي مكانة هامّة تتمثل في إيجاد نوع من التفاهم بين الإدارة والمخالف، يخفّف العبء من جهة على المخالف إذ يربحه قدرا من الوقت والتكاليف فهو طريقة ناجعة لإنهاء النزاع بالتراضي بين الطرفين، ومن جهة أخرى على الإدارة فهو يوفر لها موارد ماليّة هامّة بإتباع اجراءات مبسّطة، لذلك لم يكن الصّلح غائبا عن ميادين القانون الجزائي الإقتصادي بل بالعكس فقد سجّل تواجده بصورة كبيرة نظرا لأهميته وملاءمته مع السياسة الزجرية في القانون الجزائي الاقتصادي. فقد فرضت الطبيعة الخاصّة للجرائم الإقتصادية على المشرع إدخال نوع من المرونة على النظام العام تنسجم مع النظام القانوني المعتمد في إجراء الصّلح بالنسبة للميدان الإقتصادي، وهو ميدان تستأثر فيه الإدارة بصلاحيات مطلقة خاصة فيما يتعلق بمباشرة الدعوى العمومية من جهة ومن الحق في إبرام الصلح مع المخالف بخصوص هاته الدعوى من جهة أخرى وهو ما جعل بعض الفقهاء يعتبرون أن الصلح اجراء زجري بديل للدعوى العمومية تسلطه الإدارة على المخالف[74]. فالصّلح يخفّف العبء على كاهل القضاء الجزائي ومن أوّل التبريرات التي استند إليها الفقهاء[75] نظرا للضغط الهائل على المحاكم وتعذر الفصل في القضايا بسرعة، وقد ساهمت الإدارة في تحقيق مثل تلك الأهداف من خلال قبولها للصلح عوضا عن مواصلة التقاضي.

كما  يُعدُّ إجراء التسوية الجزائية إجراءً توفيقياً وتعويضياً، يسعى إلى إيجاد حل ودي بين الطرفين المتنازعين على النحو الذي يحقق رضاءً متبادلاً بينهما، ولذلك فهو في حل من البحث عن حقيقة المشكلة أو النزاع. بمعنى آخر، فإن التسوية إجراء يبحث عن تحقيق العدالة الاجتماعية دون أن يهتم بالبحث عن العدالة التقليدية التي تسعى السلطة القضائية إلى الكشف عنها، لأن في إجراء التسوية الجزائية لا يبحث عن مذنب، إنما يبحث عن حل لخلاف. ويتلاقى بالتالي الغرض من إجراء التسوية الجزائية مع الهدف الأساس من وجود قانون الاجراءات الجزائية الذي يسعى في نهاية المطاف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، الأمر الذي يقود إلى القول: إن الأخذ بهذا الإجراء لا يعُدُّ شذوذاً أو خروجاً عن روح قانون الاجراءات الجزائية[76] بل هو اختصار له.

وكذلك اتفاقات العدالة الجزائية التفاوضية تعد مثلا مستجدا لمعالجة جنوح الشرکات في القانون المقارن، وتعبر عن استجابة مبتکرة وضرورية لمکافحة جرائم فساد اصحاب الياقات البيضاء، وقد أدت إلى تغيير جذري في الطابع المفروض للعدالة التقليدية، والتي أصبحت تتم في مرحلة أساسية منها في شکل أفقي وليس رأسي، يأخذ فيه المتهم دورًا إيجابيًا جديدًا بتفاوضه مع سلطة الادعاء العام في تحديد مقدار ونوع الجزاءات التي سيتم فرضها[77]. إذ يعد مجال جرائم الأعمال من أهم المجالات استقطابا لمعالم السياسة الجزائية المعاصرة، وذلك نظرا لتفرد الجرائم الاقتصادية والمالية والتجارية بالعديد من الخصائص التي تجعلها تخرج عن المبادئ العامة للقانون الجزائي التقليدي، مما أدى إلى المناداة بضرورة اعتماد جزاءات تتناسب مع الطبيعة المتطورة والتقنية لهذه الجرائم وذلك بإعمال العقوبات المالية بدلا من العقوبات الجسدية، فضلا عن اعتماد نظام المصالحة كبديل عن تطبيق العقوبة الجزائية، لما يتميز به من مرونة في التطبيق والفعالية في مكافحة هذا النوع من الإجرام.[78]

ويستخلص مما سبق أن فكرة الصلح ليست غريبة عن القانون الجزائي، وهي تتجسد في عدة آليات. وبالتالي فلا شيء يمنع مبدئيا من توسيع مجال اعتماده ليكون وسيلة يمكن من خلالها تجاوز فشل منظومتي العدالة التقليدية والعدالة الانتقالية.

ومن المعلوم أن كثيرا من الانتقادات وجهت لمسار العدالة الجزائية التقليدية في مواجهة مختلف مظاهر الفساد في تونس والتعامل معها بالسرعة والنجاعة اللازمة. بدليل أن كثيرا من القضايا التي تعهد بها القضاء لازالت على بساط النشر حتى الآن، أو أنها انتهت إلى صدور أحكام لم تلق الرضا الشعبي وكانت محل انتقادات حزبية ورسمية.

وهناك من يرى أن نظم العدالة الجزائية التقليدية لم تحقق دائما أفضل النتائج الممكنة لحل المنازعات فيما بين الضحايا والجناة والمجتمع. وكان هناك أيضا تسليم بأنه في ظل النظم الحالية، غالبا ما يظل الضحايا، وهم الأكثر معاناة من الجريمة، بلا دعم، دون الحصول على سبل انتصاف سريعة وملائمة. وقد ورد في قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة عدد 1999/26 "ان الآليات التقليدية للعدالة الجزائية لا توفر على الدوام ردا مناسبا وفي حينه على تلك الظواهر..."[79]. فالسرعة والعدالة فكرتان يستحيل اجتماعهما في قالب واحد على أساس أنهما فكرتان متعارضتان؛ نظرًا لأن السرعة قد تقود إلى نفي العدالة، إلاَّ أن هذا الرأي غير وجيه، حيث أصبحت المحاكمة في خلال مدة معقولة حقًا من حقوق الإنسان[80]، على أساس أن السرعة ليست هي الّتسرع، وأن البطء في العدالة يعد صورة من صور الظلم[81].

فالسرعة خاصيّة يجب أن يعمل المشرع على إضفاءها وضبط آليات تحقيقها وذلك لضمان الفصل في القضايا وكشف الحقيقة في أسرع وقت، ذلك أن لبّ الإجراءات الجزائيّة يقوم على فكرة ارتباطها بمصلحتين لا تقلّ كلا منهما عن الأخرى أهميّة، مصلحة المتهم ومصلحة المجتمع، وهو ما عبر عنه الفقيه الفرنسي Jean Pradel بقوله " إنّ كل دعوى جزائيّة يجب أن تحسم في مدّة معيّنة، إذ أن البحث عن الدليل يتطلب وقتا محددا حتى تظهر الحقيقة، وحتى يتسنى احترام حقوق الدفاع والحريات الفرديّة"[82]. إلا أن هذه الخاصيّة التي حاول المشرع إضفاءها على الإجراءات الجزائيّة حتى تحقق ما هو منتظر منها، بوصفها المسلك الذي تنتهجه الدعوى العموميّة فـــي سيرها إلى انقضائها لا تتوفر دائما. فما يميز المنظومة الجزائية التونسية الحالية هو تشعبها وطولها. ولعل هذا البطء كان من أهم الانتقادات الموجهة لمنظومة العدالة التقليدية في سياق مكافحة الفساد وتركته الموروثة مما قبل جانفي 2011.

ولا يخفى أن كل من تمت إحالتهم على القضاء منذ بداية 2011 من رجال أعمال ومسؤولين في قضايا تتعلق بالفساد المالي تمت إحالتهم على أساس جناية، وهي غالبا الجناية المنصوص عليها بالفصل 96 أو 99 من المجلة الجزائية، وفي المدة الأخيرة ظهر توجه نحو توجيه تهمة غسل الأموال علاوة على الجنح الديوانية والصرفية والجبائية.

ومن المعلوم أنه بالنسبة للجنايات أي الجرائم التي تقتضي أكثر من خمس سنوات سجنا تمر القضية بمرحلتين تحتمل كل منها ثلاث مستويات. فإجراءات تتبع الجناية تنطلق بمرحلة بحث أولي، ثم مرحلة التحقيق على درجتين، مع إمكانيّة تعقيب قرارات دائرة الإتهام. ثم تصل الدعوى العموميّة إلى المرحلة الحكميّة بدرجتي التقاضي، مع إمكانية الطعن بالتعقيب. ويزداد البطء كلما اتجه القاضي لإجراء إنابات واختبارات، كما أن هذا النوع من القضايا عادة يكون متشعبا وقد يستغرق سماع الشهود شهورا، وبعض المتهمين ممن لا زالوا يحتفظون بنفوذ يماطلون في المثول أمام قاضي التحقيق الذي يضطر لإصدار بطاقات جلب محلية أو دولية، ويمكن ان يتمسك أحد المتهمين بحقه في الصمت فيعطل سير الأبحاث، أو يتحصن بالفرار الداخلي أو الخارجي فيتعذر بيان الحقيقة وختم التحقيق.

كل هذا في الوقت الذي ينتظر فيها الضحايا ساعة الحقيقة. ويمكن أن يكون فيه أحد المتهمين موقوفا لأشهر ثم تثبت براءته. فلماذا يتوجب على الجميع تحمل بطء المنظومة القضائية لمعرفة الحقيقة ورفع المظالم؟.

ومن المعلوم أن رئيس الجمهورية كان قد انتقد بطء القضاء بصفة متكررة متسائلا في إحدى المناسبات عن " قيمة القوانين مع قضاء يحكم بعد 20 سنة"[83]، معتبرا أن العدالة تعمل بـ”بطء” في قضايا فساد “بقيت في الرفوف لسنوات طويلة”.

 فالغالب هو أن نظم العدالة الجزائية التقليدية لا تتيح سوى نطاق محدود كي تنخرط الأطراف المعنية في حوار من أجل استعادة الاحترام والثقة في العلاقات. وعلى النقيض من ذلك، فإن العدالة التصالحية بمختلف تصوراتها[84] وتطبيقاتها التي من بينها العدالة التفاوضية والعدالة التعويضية، هي مسار لمواجهة الجريمة يركز على محاولة جبر الضرر الذي تسببت فيه من خلال إشراك الضحية في تحديد ردة الفعل الاجتماعية. فهو مسار يفهم الجريمة ليس فقط على أنها مخالفة قانونية تتطلب إدانة علنية، ولكن أيضاً كضرر لأشخاص حقيقيين وعلاقات تحتاج إلى علاج[85].

لكن العدالة الجزائية التقليدية تقوم على عدة مبادئ أبرزها عدم رجعية القوانين الجزائية [86] والعفو الخاص [87] والعفو العام [88] وحجية اتصال القضاء [89] وسقوط الجريمة [90] أو العقاب بمرور الزمن[91] (عدا بعض الاستثناءات التي من بينها عدم سقوط جريمة التعذيب بالتقادم)، وعدم جواز المحاكمة عن جريمة ذاتها مرتين[92].

ويؤدي العفو العام إلى نزع الصبغة التجريمية للفعلة المرتكبة أي أنه يلغي الركن الشرعي للجريمة وتزيل العقوبة المسلطة على الجاني ويلتجأ المشرع لسن العفو العام قصد نسيان الماضي المتمثل عادة في فترة زمنية سابقة سادتها الانقسامات السياسية الحادة [93]. وفي ذلك خدمة لاستقرار المجتمع.

ويرمي العفو الخاص إلى إعفاء الجاني من تنفيذ العقوبة كلا أو بعضا وذلك تخفيفا من صرامة النظام الزجري [94] خدمة لمصلحة المتهم.

ويمنع اتصال اتصال القضاء في المادة الجزائية من محاكمة شخص مرتين من اجل نفس الفعلة [95] ولذلك اعتبره المشرع سببا من أسباب انقضاء الدعوى العمومية تطبيقا للفصل 4 خامسا م ا ج.

ويترتب انقضاء الجريمة بمرور الزمن عن عدم تتبع الجاني مدة معينة مما يؤدي إلى انقضاء الدعوى العمومية تطبيقا للفصل 4 ثانيا م ا ج وذلك باعتبار أن الفعل الإجرامي قد وقع نسيانه. كما يترتب سقوط العقاب بمرور الزمن عن عدم تنفيذ العقوبة المسلطة على الجاني مدة معينة[96].

وتهدف قاعدة عدم الرجعية المنجرة عن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الى حماية المتهم من كل تعسف صادر عن السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية وذلك بمنع المشرع من اصدار نص جزائي رجعي والتحجير على القاضي وعلى الادارة من تنفيذ نص جزائي بصفة رجعية. وتبرر هذه الصبغة الحمائية لشرعية الجرائم والعقوبات انحصار ميدان هذا المبدأ في النصوص الأصلية التجريمية والعقابية دون غيرها من النصوص الجزائية الاصلية التي تخدم مصلحة المتهم والنصوص الجزائية الشكلية، فمن بين النصوص التي هي في صالح المتهم نذكر تلك المتعلقة بأسباب عدم المؤاخذة [97] وبأسباب الاباحة [98] ومن بين النصوص الشكلية نذكر تلك المتعلقة بالاختصاص وبطرق الطعن، فهذه النصوص بنوعيها تبقى خارج ميدان مبدا شرعية الجرائم والعقوبات وقابلة للتأويل الواسع والتطبيق الرجعي.

وعلى نقيض من ذلك يستنتج من المرسوم المنظم للعدالة التعويضية أنها لا تعترف بعدم رجعية القوانين وحجية اتصال القضاء والسقوط بمرور الزمن. مع عدم الاشارة مطلقا لضمانات المحاكمة العادلة. كل ذلك في ظل غياب حماية دستورية كتلك التي كان يقررها البند 9 من الفصل 148 من دستور 2014 الملغى بالنسبة للعدالة الانتقالية والذي كان ينص على ما يلي : " تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها. ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بحجية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن".

فالمرسوم المنظم للصلح الجزائي ودستور 2022 لم يتضمنا أحكاما مماثلة. مما يحول عمليا دون إمكانية مخالفة القواعد التقليدية للقانون الجزائي. خاصة تلك المكرسة في الدستور والمواثيق الدولية المصادق عليها من الدولة التونسية.  ولقائل أن يقول بأن المرسوم عدد 13 صدر قبل اقرار الدستور الحالي وفي ظل فترة تعليق العمل بدستور 2014 وبالتالي لا يخضع لتلك المقتضيات الدستورية. إلا أن هذا غير صحيح فالأمر عدد 117 ينص صراحة في فصله الرابع على عدم جواز المساس بمكتسبات حقوق الانسان وبالمنظومة القانونية الوطنية والدولية. كما أن الفصل 20 من ذات الأمر ينص صراحة على تواصل العمل بتوطئة الدستور والبابين الأول والثاني منه وكل الأحكام الدستورية التي لا تتعارض مع مقتضيات الأمر عدد 117.

ومع ذلك فقد مكّن المرسوم عدد 13 اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من رفع يد القضاء عن جميع ملفات الفساد المالي والاعتداء على المال العام بما فيها تلك التي سبق التعهد بها ولا تزال جارية أمامه أو تلك صدرت فيها أحكام أوتمت مباشرة التتبع والمحاكمة وتنفيذ العقاب[99]، كما يمكن للجنة التعهد تلقائيا بقضايا لا تزال على بساط النشر أو بأي وضعية أخرى لم تكن محل تعهد سابق، فضلا أن اللجنة يمكنها الإذن بإنهاء العمل بأحكام قضائية باتة بمجرد إبرام الصلح ومفاد ما تقدم أنه يجوز مساءلة نفس الشخص من أجل فعل سبق أن حوكم من أجله، في تجاهل تام للمبادئ الدستورية ومقتضيات الفصل 4 من مجلة الإجراءات الجزائية والفصل 132 مكرر[100] منها وهذا يعتبر مخالفا للمبادئ الأصولية في المحاكمات الجزائية طبق المعايير الدولية[101].

فالفصل 3 من المرسوم ينص على مايلي: "يشمل أحكام هذا المرسوم كل شخص مادي أو معنوي صدر في شأنه أو في شأن من يمثله حكما أو أحكاما جزائية، أو كان محل محاكمة جزائية أو تتبعات قضائية أو إدارية أو قام بأعمال كان من الواجب أن تترتب عنها جرائم اقتصادية ومالية.

كما تشمل أيضا كل شخص مادي ومعنوي لم تستكمل في شأنه إجراءات مصادرة أمواله واسترجاعها من الخارج طبق ما اقتضته أحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2011 المؤرخ في 14 مارس 2011 كما تم تنقيحه بالمرسوم عدد 47 لسنة 2011 المؤرخ في 31 ماي 2011.

كما تشمل أيضا أحكام هذا المرسوم الذوات المادية والمعنوية التي استفادت من الأملاك المصادرة دون القيمة الحقيقية لها بأي وجه كان.

تنسحب أحكام هذا الفصل على الجرائم المرتكبة المذكورة قبل سنة 2011 وإلى حد تاريخ نشر هذا المرسوم بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية.".

كما أن الفصل 20 ينص على أنه: " يتضمن مطلب الصلح الجزائي وجوبا بيان… والأفعال غير المشمولة بتتبع".

وتنص الفقرة الثالثة من الفصل 21 من ذات المرسوم على مايلي: "وتتعهد اللجنة بموجب إحالة من اللجان والهياكل المتعهدة قانونا بملفات لها علاقة بالأفعال المذكورة بالفصل 6 من هذا المرسوم ولو لم تترتب عنها جرائم أو تتبعات قضائية أو إدارية".

مما يعني أن واضع المرسوم كرس استثناء صريحا لقاعدة "عدم جواز المحاكمة عن ذات الجريمة مرتين"، إذ أنه يشير صراحة إلى من صدر في شأنه حكما جزائي، أو كان محل محاكمة جزائية أو تتبعات قضائية أو إدارية أو قام بأعمال كان من الواجب أن تترتب عنها جرائم اقتصادية ومالية. دون أدنى إشارة إلى تأثير تلك الاحكام أو التتبعات على الصلح الجزائي، مع سحب أحكامه على الماضي دون تحديد تاريخ أدنى مكتفيا فقط بتحديد التاريخ الأقصى.

كما يطرح سؤال هنا يتعلق بتلك "الافعال التي كان يفترض" والتي "لم تكن محل تتبع جزائي" هل سيثار تتبع بشأنها؟

فالفصل 37 ينص على أنه: " إذا تعذر إتمام الصلح النهائي أو لم يقع تنفيذه في الأجل المحدد يستأنف التتبع الجزائي أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب.

تستأنف إجراءات التتبع والمحاكمة بمقتضى مكتوب يوجه إلى النيابة العمومية من قبل اللجنة الوطنية للصلح الجزائي: في صورة عدم التوصل إلى إمضاء اتفاقية المصالحة...".

فصلاحية التعهد التلقائي التي تتمتع بها اللجنة الوطنية للصلح الجزائي يخشى منه انفرادها بسلطة تقديرية واسعة ومطلقة لفرض الصلح الجزائي على كل شخص دونما حاجة لاختياره وطلبه. فضلا عن عدم إتاحة الفرصة للطعن فيما يصدر عن اللجنة المذكورة من قرارات حين ممارستها لصلاحية التعهد التلقائي سالفة الذكر [102] (الفصل 17)، وهو ما سيسمح بإعادة البحث في ملفات قديمة يفترض أن القضاء اتصل بشأنها أو سقطت بمرور الزمن ومع هذا فإن اللجنة تتمتع بسلطة تقديرية مطلقة لا تخضع لضوابط وشروط وآجال سوى مدة عمل اللجنة ذاتها.وهو ما سيسمح باهدار مبادئ عدّة ومنها على وجه الخصوص عدم رجعية القوانين واتصال القضاء وسقوط الجريمة بمرور الزمن، والامر لا يجد سندا له في الدستور الذي اقرّ استثناءات بخصوص العدالة الانتقالية ( الفصل 148) التي لم يرغب واضع المنشور في جعل الصلح الجزائي ينضوي تحتها بل إنه ألغى الاستثناءات الدستورية الخاصة بها.

كما يؤسس هذا التعهّد لخرق قاعدة جوهريّة وهي اتصال القضاء حيث يفتح الباب على مصراعيه لإعادة فتح ملفات سبق فصلها سواء من قبل القضاء المالي أو الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية أو غيرها من الهيئات الاداريّة أو القضائية أو شبه القضائية.

وبالتالي يمكن القول إن هذا المرسوم يتعارض مع قاعدة عدم جواز المحاكمة عن نفس الفعل مرتين، سواء تعلق الأمر بالملفات المحالة على الدوائر المتخصصة، أو ومع مقتضيات المرسوم المتعلق بالمصادرة والنصوص المنقحة والمتممة له وما تم تنفيذه منه فعلا منها.ومع المرسوم المتعلق باسترجاع الاموال المنهوبة بالخارج لسنة 2011 والنصوص المنقحة والمتممة له، بل حتى مع الأمر الصادر عن رئيس الجمهورية الحالي لسنة 2020[103]. ومع القانون المتعلق بالمصالحة الادارية.

وعلاوة عما سبق فإن مرسوم الصلح الجزائي فيه هضم لحق الدفاع والحق في محاكمة عادلة، وذلك لعدم تمكين المعني بالصلح من الاطلاع على الملف وهو من أوليات ممارسة حق الدفاع (الفصل 15)، المستقر عليه في الفقه والقضاء، فضلا عن ان الدستور سعى لحفظه في فصلين (33 و124). ولفهم مبررات هذا الخرق للدستور يتوجب دراسة المرسوم في ذاته.

الجزء الثاني: المرسوم في ذاته:

يتضمن المرسوم 50 فصلا تنقسم الى 5 أبواب. وللآسف فإن هذه الفصول لم تحترم عموما متطلبات صياغة النصوص القانونية الواجب احترامها عند وضع النص[104]. إذ أن النص يوضع ليطبق، وهو ما يستوجب منذ البداية أن يقع تجنب أقصى ما يمكن من عيوب في الصياغة والتعبير. خاصة وأن هذا المرسوم أتى لوضع أو بناء تصور لنمط جديد من العدالة لا يجب أن يكون غير مكتمل أو يصعب تنزيله على الواقع. ولكن بالرجوع إلى المرسوم عدد 13 لسنة 2022 يتبين وأنه جاء غامضا وهو ما سيتبين من خلال البحث في مقتضيات المرسوم (الفقرة الأولى) ونجاعته (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى- مقتضيات المرسوم

يتمثّل الصلح الجزائي كما سبق بيانه في إبرام صلح مع الدّولة عن الجرائم الماليّة والاقتصادية المُرتَكبة قبل سنة 2011 إلى حدود 20 مارس 2022، تاريخ صدور المرسوم، تسقط عند تنفيذه كاملا التتبعات الجزائيّة أو يقع ايقاف تنفيذ العقاب، مقابل دفع مبالغ تعويضيّة تُخصَّص لإحداث مشاريع بالجهات حسب قاعدة "الأكثر فسادا للأكثر فقرا". وتوزّع عائدات المشاريع بين المعتمديّات بنسبة 80%، وتُصرف الـ20% المتبقّية لفائدة الجماعات المحليّة كمساهمات في رأس مال المؤسسات المحليّة، الّتي يمكن أن تتّخذ شكل شركات أهليّة.

وإذا تجاوزنا النقائص الشكلية ومررنا إلى دراسة مقتضياته فإن ذلك يتطلب تحديد نطاق الصلح وهيكلية المنظومة المقررة له.

أ‌-     نطاق تطبيق الصلح الجزائي:

يمكن تقسيم نطاق تطبيق الصلح إلى زمني وشخصي وموضوعي كما يلي:

·       النطاق الزمني:

تم ضبط التاريخ الأقصى للانتفاع بمقتضيات المرسوم ألا وهو تاريخ نشره، لكنه بقي مجهول الآجل الأدنى، إذ اكتفى واضعه بالإشارة إلى ما قبل سنة 2011، أي رجعية غير متناهية،
مع ان الأجل الأدنى للتتبع بخصوص مرسوم المصادرة لسنة 2011 كان محددا بسنة 1987، والقانون الأساسي للعدالة الانتقالية بسنة 1955. مما يعني أننا نظريا أمام نطاق زماني يتجاوز حتى مدة تطبيق العدالة الانتقالية.

وحقيقة لا نعلم ما هو سند هذا النطاق الزمني الواسع؟ وما هو الداعي إليه في ظل غياب وثيقة شرح أسباب؟. ربما يكون التفسير الوحيد هو الاستسهال من خلال ترك المجال مفتوحا لإقحام أي فعل أو أي شخص في أي حقبة زمنية. وهذا غير مقبول إطلاقا فنحن أمام نص جاء ليؤسس لعدالة خاصة أو استثنائية ولا بد من ضبط مجاله الزمني بوضوح. خاصة وأن مدة عمل اللجنة الوطنية المكلفة بتطبيقه محددة بسنة فقط.

·       النطاق الموضوعي:

يتميز مجال أو نطاق الصلح الجزائي بالتنوع والتعدد والغموض، فهو يشمل حسب الفصل 6 من المرسوم «باستثناء الجرائم الإرهابية» [105]ما يلي:

-                    الجرائم الاقتصادية والمالية المرتكبة قبل سنة 2011 وإلى حد 20 مارس 2022 الموافق لتاريخ نشر مرسوم الصلح الجزائي بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية،

-                    الجرائم المتصلة بالمال العام وبملك الدولة العام والخاص،

-                    الرشوة،

-                    غسيل الأموال والجباية والديوانة والصرف والسوق المالية والمؤسسات المالية،

-                    الأعمال التي ترتب عنها تتبعات قضائية (ويفترض أن المقصود هو تتبعات غير جزائية وإلا اعتبر تكرارا) أو إدارية،

-                    الأفعال والأعمال والممارسات التي ترتبت عنها منافع غير شرعية أو يمكن أن تترتب عنها منافع غير شرعية أو غير مشروعة والتي انتجت أضرارا مالية للدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أي جهة أخرى،

-                    الأعمال التي كان من الواجب أن تترتب عنها جرائم اقتصادية ومالية،

-                    سوء تطبيق مرسوم المصادرة لسنة 2011،

-                    الوضعيات والحالات والملفات التي تتعهد بها اللجنة الوطنية للصلح الجزائي بطريق التعهد التلقائي المسند لها.

ويستخلص من هذا أن النطاق موضوعي واسع وغامض:

ومن أمثلة ذلك:

ما معنى ترتبت عنها منافع غير شرعية أو يمكن أن تترتب عنها منافع غير شرعية أو غير مشروعة؟

بعيدا عن الجدل الفقهي وباختصار شديد يمكن القول إن الشرعية هي الاستناد إلى القواعد المحددة في الدستور أو في النظام القانوني، بغض النظر عن مضمونها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. أما المشروعية فرغم صعوبة وجود معيار موضوعي واحد لتعريفها غير أنه في الغالب يقصد بها السلطة التي تتفق تصرفاتها ونشاطاتها مع مقتضيات تحقيق العدالة، والتي تستند إلى رضى الشعب.

ويبدو أن غرض واضع النص من اعتماد المصطلحين واضح فهو يريد أن يتجاوز ما تم اتخاذ من تدابير وإجراءات تعتبر شكليا شرعية لصدورها في شكل تشريع نافذ ولكن مضامينها غير مشروعة لأنها لا تتماشى ومقتضيات تحقيق العدالة ولم تحظ برضى الشعب في حينه، كما هو حال قانون المصالحة في المجال الإداري.

ثم، ما معنى قام بأعمال كان من الواجب أن تترتب عنها جرائم اقتصادية ومالية.؟

ما هو معيار تكييف الفعل هل هو في زمان اقترافه؟ أم بموجب النصوص الحالية؟ فالعدالة الانتقالية مثلا لا تعترف بعدم الرجعية كما سبق بيانه فهل سينطبق هذا على العدالة التعويضية؟ وما هي أصلا الجرائم الاقتصادية والمالية؟ لا وجود لنص يحددها رغم وجود نصوص تتعرض إليها[106]. أوليست الرشوة وغسيل الأموال والجباية والمال العام والسوق المالية والمؤسسات المالية من الجرائم الاقتصادية والمالية؟.

يبدو أن واضع النص تعمد الغموض والتوسع حتى لا يفوته شيء فجاء النص مفتوحا لا حدود موضوعية له، فهو سيترك للجنة الوطنية صلاحيات واسعة في تحديد مقاصده. وهذا خطير ويتعارض مع مقتضيات الشرعية القانونية.

وينتهي الفصل 6 بالفقرة التالية: "لا يشمل مجال الصلح الجزائي وإن اتسعت عبارته سوى الأفعال والأعمال والتصرفات والدعاوى والحقوق المتصالح في شأنها".

ومن الواضح أن موقع هذه الفقرة خاطئ فهي لا تتعلق بنطاق الصلح ذاته وإنما بآثاره. وهذه الفقرة الأخيرة كان يفترض أن تضاف للفصل 5 حتى تكون في سياقها السليم.

·       النطاق الشخصي:

 هو نطاق يفترض أن فيه طرفين هما المصالح والمتصالح معه.

فبالنسبة للمصالح: ينص الفصل الأول من المرسوم على أنه ضبط إجراءات الصلح مع الدولة، وهو ما يعني أن الدولة هي الطرف المصالح.

لكن الفصل 2 يضيف "...في حق الدولة أو إحدى مؤسساتها أو أي جهة أخرى". وجملة أي جهة أخرى وردت في ثلاثة فصول هي: 1 و2 و4. وهي جملة عامة تطال حتى الخواص.

ويتأكد ذلك من خلال الحديث عن " أو طلبات ناتجة عنها تم تقديمها أو كان من المفروض أن تقدم، أي دعوى مدنية «قيام بالحق الشخصي» وهذه من حق كل متضرر. وطالما جاءت عبارة أي جهة أخرى مطلقة فستجري على إطلاقها. ولكن هذا الاطلاق لا يتناسب وباقي مقتضيات المرسوم الذي لم ينظم إطلاقا مفاعيل الصلح مع الخواص. وهو ما يعني عمليا أنهم غير مشمولين به. فهل يعقل أن يتم التصالح مع شخص خاص ثم يودع منتوج الصلح في خزينة الدولة أو يوجه للجهات التي حددها النص ووفق التوزيع الوارد به. وبالتالي فإن الاطلاق الوارد في الفصل الثاني من المرسوم يقيده من ينتفع بعائدات الصلح مما يعني إقصاء الخواص من مجال الطرف المصالح. ولكن ماذا عن المؤسسات التي تساهم الدولة والجماعات المحلية في رأسمالها؟ هل سيطبق في حقها جزئيا أم هي غير معنية به؟ وما هي جدوى التطبيق الجزئي طالما لن يفضي لمصالحة؟ ربما كان على واضع النص أن يضع هذا في اعتباره وينص صراحة على إمكانية تمتيع الخواص بجزء من عائدات الصلح حتى يكون بالإمكان الوصول لمصالحة وطنية فعلا.

أما بالنسبة للمتصالح معه: فينص الفصل 3 على أنه تشمل أحكام هذا المرسوم:

-         كل شخص مادي أو معنوي صدر في شأنه أو في شأن من يمثله حكما أو أحكاما جزائية، أو كان محل محاكمة جزائية أو تتبعات قضائية أو إدارية أو قام بأعمال كان من الواجب أن تترتب عنها جرائم اقتصادية ومالية.

-         كل شخص مادي ومعنوي لم تستكمل في شأنه إجراءات مصادرة أمواله واسترجاعها من الخارج طبق ما اقتضته أحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2011 المؤرخ في 14 مارس 2011 كما تم تنقيحه بالمرسوم عدد 47 لسنة 2011 المؤرخ في 31 ماي 2011.

-                    الأشخاص الذين استفادوا من الأملاك المصادرة دون القيمة الحقيقية لها.

-         الذوات المادية والمعنوية التي استفادت من الأملاك المصادرة دون القيمة الحقيقية لها بأي وجه كان.

-                    الأشخاص المشمولين بأحكام جزائية.

-                    الأشخاص المشمولين بتتبعات قضائية أو إدارية.

-                    الأشخاص المرتكبين لأعمال كان من الواجب أن تترتب عنها جرائم اقتصادية ومالية.

-                    الاشخاص الذين لديهم وضعيات وحالات وملفات تعهدت بها اللجنة الوطنية للصلح الجزائي بطريق التعهد التلقائي المسند لها.

ويلاحظ هنا أيضا وجود توسع كبير سعى واضع النص من خلاله إلى إدخال أكبر عدد من الأشخاص تحته وهذا بدوره يتعارض مع واجب الوضوح والدقة وبالتالي مخالف للشرعية القانونية.

والسؤال المطروح هنا بخصوص المعنيين بالصلح، هل يشمل ذلك حتى الأجانب؟ فقد وردت عبارة النص مطلقة، والقانون الجزائي يخضع لمبدأ الاقليمية وينطبق على أي شخص ارتكب جريمة في تونس. وهناك العشرات إن لم نقل المئات ممن هم محل تتبع من أجل جرائم جبائية ومالية وغسيل أموال وغيرها مما يشمله المرسوم. مبدئيا، الجواب سيكون بنعم طالما أن تلك الافعال اندرجت ضمن النطاقين الزمني والموضوعي للمرسوم. وهو ما يؤكد أن واضع النص أراده مفتوحا فجاء معقدا سواء من حيث نطاقه أو هيكليته.

ب‌-                      هيكلة منظومة الصلح الجزائي:

تضمن المرسوم تنظيما يمكن وصفه بالمعقد والمترامي الأطراف. من الوطني إلى الجهوي وصولا للمحلي ثم الأهلي علاوة على دور النيابة العمومية.

1-   اللجنة الوطنية للصلح الجزائي

تبدأ هيكلية منظومة الصلح الجزائي باللجنة الوطنية للصلح الجزائي[107] الملحقة برئاسة الجمهورية[108](الفصول من 7 الى 12).

فحسب الفصل 7 من المرسوم تحدث لدى رئاسة الجمهورية لجنة تُسمى "اللجنة الوطنية للصلح الجزائي". وهي لجنة ذات تركيبة مختلطة تتكون من ثلاث قضاة وخمسة إداريين (الفصل 8)، فعدد أعضائها زوجي، ورأي الرئيس مرجح (ف 14).

ويتضح من خلال تركيبتها أنها هيئة شبه قضائية. لأنها تتلقى الشكايات وتجمع المعطيات وتبحث وتحقق فهي تقوم بعمل قضائي

وتتكون اللجنة من 8 أعضاء يعينهم ويعزلهم رئيس الجمهورية أي أنها تتسم بعدم الاستقلالية، ولا وجود لأي ضمانات في الغرض لا من حيث تحديد موجبات العزل ولا من حيث وجوبية تعليل القرار.

واللّجنة الوطنية هذه هي الهيكل الأهم في المنظومة بعدم الاستقلالية، ولكنها لا تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية المالية والإدارية. ولم يضبط المرسوم أية قواعد لضمان الشفافية والرقابة على أعمالها (هي وبقية اللجان)، اذ لم ينص المرسوم على أي تقرير دوري لنشاطهم أو ختامي عند نهاية أعمالهم، وهو أمر غير مألوف بالنسبة للجان المكلفة بمثل هذه المهام.

وتضطلع اللجنة الوطنية المذكورة بأدوار عدّة أهمها:

                 ضبط قائمة المعنيين بالصلح الجزائي ودعوتهم إلى إيداع مطالب صلح في أجل 15 يوما من تاريخ الدعوة.

                 التعهد بمطالب الصلح التي يقدمها المشمولون باحكام الفصل 3 من القانون الأساسي عدد 77 لسنة 2016 المؤرخ في 6 ديسمبر 2016 المتعلق بالقطب القضائي المالي، وذلك في أجل شهر من تاريخ إعلان اللجنة عن انطلاق نشاطها الذي بدأ يوم 21 مارس 2023[109].

                 التعهد بالإحالات الواردة على اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من اللجان والهياكل المتعهدة قانونا بملفات لها علاقة بسائر الجرائم المالية والاقتصادية على نحو ما تم تعريفها بالفصل 6 من المرسوم، ولو لم تترتب عنها جرائم أو تتبعات قضائية أو إدارية.

                 التفاوض مع طالب الصلح وضبط المبلغ الماليا لمستولى عليه أو قيمة المنفعة أو مقدار الضرر الذي طال المال العام تضاف إليه نسبة %10 من كل سنة.

                 إبرام الصلح النهائي إذا تم دفع كامل المبلغ النهائي.

                 إبرام صلح وقتي في صورة الاتفاق على إنجازمشروع أو مشاريع في حدود المبالغ المطالب بدفعها.شريطة تأمين 50% من قيمة المبالغ المحددة، على ألا يتم إبرام الصلح النهائي إلا بعد إنجاز المشروع أو المشاريع المتفق عليها.

                 البت في جميع مطالب الصلح في أجل أقصاه أربعة أشهر (4) من تاريخ تعهد اللجنة بها.

                  وتوجيه الإستدعاءات بناء على تعهد تلقائي منها للأشخاص المتعلّقة بهم جرائم فساد للمثول أمامها بغية إتمام اتفاق يقضي بإجراء صلح جزائي.

                 كما تقوم اللجنة بعد دراسة الطلبات والملفات بالتداول في تحديد قيمة الغرامة الواجب دفعها من طرف المتهم للتمتع بآلية الصلح.

                 كما لها السلطة في وقف التتبعات القضائية الجارية في حق الشخص موضوع الصلح. كما لها السلطة المطلقة في طلب أي وثائق من أجهزة الدولة بما في ذلك القضاء الذي يجب أن يستجيب لها في غضون 07 أيّام من تاريخ توصّله بالطلب.

ورغم أن المرسوم لم يحدّد مدّة عمل اللجنة الوطنيّة للصلح، إلا أنه حدّد مدّة تكليف أعضائها بستة أشهر قابلة للتجديد مرّة واحدة. وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت مدّة العضويّة مساوية لمدّة عمل اللجنة وهو إحتمال يبدو مستبعدا فالمرسوم ذاته يكلّف اللجنة بمتابعة تنفيذ الصّلح الجزائي إذا ما أفضى إلى إنجاز مشاريع، وهذا التنفيذ يمكن أن يستغرق سنوات. علاوة على أن حجم العمل الموكول لها لا يمكن إنجازه في سنة واحدة. وبالتالي فإن المنطق السليم يقتضي أن مدة عمل اللجنة تتجاوز مدة تسمية أعضائها الذين سيتوجب تغييرهم كل سنة على أقصى تقدير وهذا غير منطقي. وسيؤدي عمليا لتعطيلات كبيرة وربما اضطراب نتيجة التغيير المتكرر في التركيبة. وسيحد بالتالي من نجاعة اللجنة.

إن واضع النص تركنا أمام خيارين كلاهما وخيم العواقب. فسنة لا تكفي وتكرار التغيير لا يجدي. مما يعني أننا أمام حالة من أخطر مظاهر تناقض وتضارب أحكام المرسوم.

2-   لجنة الخبراء:

وتساند اللجنة الوطنية لجنة خبراء غير محددة العدد، تعمل تحت إشراف اللجنة الوطنية للصلح الجزائي. ويتم اختيارهم من ضمن قائمة تضبط بقرار من رئيس الحكومة(الفصل 24)..

 

وتتمثل مهام لجنة الخبراء في مساعدة اللجنة الوطنية للصلح الجزائي على تقدير الأموال المستولى عليها أو المنفعة المتحصل عليها أو الضرر الحاصل للدولة والهياكل العمومية من خلال جملة الإختبارات التي تقوم بها كل ذلك في أجل لا يتجاوز 20 يوما من تاريخ تعهدها (وهو أجل يبدو غير معقول لكن فرضته الضرورة الناتجة عن قصر مدة تعهد اللجنة الوطنية ذاتها بالملف).

وفي صورة ما إذا كانت نتيجة الاختبار غير مرضية للمتصالح معه فله أن يتظلم لدى اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من نتيجة الاختبار في أجل 7 أيام من تاريخ إعلامه بنتيجة الإختبار.

وفي كل الأحوال يجوز للجنة الوطنية للصلح الجزائي أن تأذن بإعادة الإختبار بواسطة لجنة خبراء من نفس القائمة. كما أن أعمال لجنة الخبراء غير ملزمة للجنة الوطنية للصلح الجزائي. تماما كما هو الحال بالنسبة للقاضي الذي لا يلزمه رأي الخبير.

3-   لجنة متابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهات:

لجنة متابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهات تتكون من تسعة أعضاء (9) ومقرر، وذلك من بين الشخصيات من ذوي الكفاءة في المجالات القانونية والاقتصادية والاجتماعية والمالية، يعينهم رئيس الجمهورية، رغم أن هذه اللجنة محدثة لدى الوزارة المكلفة بالاقتصاد. وكان يفترض أن يترك أمر تعيين أعضائها للوزير أو على أقصى تقدير لرئيس الحكومة. لكن واضع المرسوم اختار أن يتم تعيين أعضاء اللجنة بأمر رئاسي، وهم يعملون بالتفرغ الكامل، ويتقاضون منحة شهرية تضبط بأمر تضاف إلى مرتباتهم الأصلية.

وتضطلع هذه اللجنة بالمهام التالية:

- متابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح واختيار المشاريع ومتابعة إنجازها.

- تحديد المشروع الذي يتعين إنجازه بناء على الترتيب الرسمي المعتمد لدى الإدارة المركزية بخصوص المناطق الأكثر فقرا إلى اقلها.

- إعلام المنتفع بالصلح الوقتي بالمشروع الذي سيعهد إليه وربط الصلة بينه وبين المجلس الجهوي أو الهيكل العمومي المعني ودعوته لإبرام عقد في الغرض في أجل ثلاثة أشهر (3) من تاريخ دعوته.

- متابعة تنفيذ المشاريع النهائية بالتنسيق مع اللجنة الجهوية لمتابعة المشاريع، إذ تحيل اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من إتمام أعمالها قائمة في المعنيين بالصلح المؤقت الذي سيتولون إنجاز مشاريع لتقوم هذه اللجنة بترتيب طالبي الصلح المؤقت ترتيبا تنازليا من الأكثر تورّطا إلى الأقل بحساب قيمة الأموال المنهوبة والغرامات التعويضية المضمنة باتفاقيات الصلح.

4-   اللجان الجهوية لمتابعة وتنسيق المشاريع:

تشمل الهيكلة الهرمية للجان المكلفة بتنفيذ المرسوم بعدد غير محدد من اللجان الجهوية لمتابعة وتنسيق المشاريع على مستوى كل ولاية يترأسها الولاة (الفصل 45).

وهي تتركب من مديري الإدارات الجهوية التابعة للوزارات بكل ولاية. وأعضائها يعملون دون مقابل.

أما المهام المنوطة بها فهي:

- دعوة متساكني المعتمديات المعنية إلى تقديم مقترحات المشاريع التي يرغبون في إنجازها في أجل شهرين من تاريخ الدعوة. ويجب أن تكون مقترحات المشاريع مكتوبة وممضاة من قبل ما لا يقل عن 1000 ساكن، وأن تكون مرفقة بدراسات أولية للمشاريع تتضمن وصفا دقيقا لها وكلفتها وطاقتها التشغيلية ومردوديتها.

- دراسة مقترحات المشاريع والبت فيها والإعلان عن قائمة المشاريع التي حظيت بالموافقة، وإحالتها على لجنة متابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهة.

5-   - الشركات الأهلية

اقتضى الفصل 49 من المرسوم أن يتم تسجيل وتحيين المؤسسات المحدثة في إطار توظيف عائدات الصلح الجزائي (والمقصود بهذه المؤسسات الشركات الأهلية[110]) بالسجل الوطني للمؤسسات حسب التشريع الجاري به العمل ويتم إفرادها يسجل فرعي يطلق عليه تسمية السجل الفرعي للمؤسسات المحدثة في إطار تنمية المعتمديات الأكثر فقرا.

وقد نص الفصل 30 من مرسوم الصلح الجزائي على أن 20% من عائدات الصلح ستخصص لفائدة الجماعات المحلية بغية المساهمة في رأس مال مؤسسات محلية أو جهوية تأخذ شكل شركات ذات صبغة أهلية أو استثمارية أو تجارية طبقا للتشريع الجاري بها العمل.ومن جهتها اقتضت أحكام المرسوم عدد 15 لسنة 2022 المتعلق بالشركات الأهلية أن الشركات الأهلية تتولى خاصة:

ü    بعث المشاريع اقتصادية استجابة لاحتياجات المتساكنين التصرف وإدارة المشاريع في مستوى الجهة المعنية.

ü    تحقيق التنمية الجهوية وفقا للإرادة الجماعية للأهلي وتماشيا مع خصوصيات مناطقهم.

ü    تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات من خلال ممارسة جماعية لنشاط اقتصادي انطلاقا من المنطقة الترابية.

ورغم أن الشركات الأهليّة، تستلهم شعارات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فإنّه لم يقع إدراجها تحت مقتضيات القانون المنظم له. فهي تفتقد إلى شرط أساسيّ، وهو الاستقلاليّة عن السلطة. لذا فهي أقرب إلى التعاضديّات المنظمة بقانون 1967، منها إلى مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني المنظمة بالقانون المؤرخ في 30 جوان 2020، والذي تجاهله تماما مرسوم الصّلح الجزائي[111].

لهذا يعد المرسوم عدد 15 لسنة 2022 المؤرخ في 20مارس 2002 المنظم للشركات الأهلية، على ارتباطا وثيقا بمرسوم الصلح الجزائي[112].

6-   النيابة العمومية:

بحسب الفصل 36 من مرسوم الصلح الجزائي وتوظيف عائداته، تتمثل مهمة وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب في إعلام الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف أو وكيل الجمهورية بالمحكمة المتعهدة بالقضية أو المباشرة للتتبع بختم الصلح الجزائي مصحوبا بنسخة من كتب الصلح.

ويتولى الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف أو وكيل الجمهورية حسب الحال مطالبة الجهة المتعهدة بالتصريح بانقضاء الدعوى العمومية بموجب الصلح والإفراج حالا عن طالب الصلح إن كان موقوفا. وإذا كان المتصالح مشمولا بحكم غيابي أو بتنفيذ عقوبة سالية للحرية، يتولى الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف أو وكيل الجمهورية إصدار قرار بسقوط العقاب بموجب الصلح، ومن ثمة إعلام كبير حراس السجن بذلك ليتولى تسريح المتصالح.

أما إذا كان المتصالح محل تتبع جزائي لدى النيابة العمومية، يتولى الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف أو وكيل الجمهورية اتخاذ قرار بحفظ الملف لانقضاء الدعوى بموجب الصلح والإفراج عن المتصالح إن كان موقوفا.

ويتضح من خلال ما سبق أنه وبغض النظر عن الصعوبات الموضوعية فإن هيكلية منظومة تطبيق الصلح الجزائي إلى جانب عدة مسائل أخرى تطرح تساؤلات جدية حول مدى نجاعة المرسوم.

الفقرة الثانية - نجاعة المرسوم

تنص الفقرة الثالثة من الفصل 8 من المرسوم على أن تعيين أعضاء اللجنة يتم بأمر رئاسي، ويمنح الفصل 12 لرئيس الجمهورية الحق في إعفاء أي عضو من أعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من مهامه. أي أنه يكرس توازي الشكليات ولكنه في ذات الوقت يؤكد عدم استقلالية وحياد اللجنة، إذ يملك الرئيس بمفرده حقا مطلقا في العزل دون مبررات أو تعليل وقد تم فعلا عزل رئيس اللجنة دون تعويضه. كما أن مقرر اللجنة بدوره يعينه ويعزله الرئيس ويؤدي اليمين أمامه. ويمكن القول ان غياب الاستقلالية هو أول حد من نجاعة عمل اللجنة.

ونظرا للصيغة التي صدر بها النص (مرسوم) فإنه لم يكن مسبوقا أو مرفوقا بأعمال تحضيرية وتفسيرية وخاصة شرح الاسباب، ودراسة الجدوى المتوقعة منه[113]. مع أن واضع النص أكد أن العائدات المتوقعة تتجاوز 13 مليار دينار، وذلك بناء على تقديرات ترجع لسنة 2011 لم يقع تحينها حسب ما سبقت الاشارة إليه في الجزء الأول من هذا المقال. كما أن تلك التقديرات لم تأخذ بدورها المجال الواسع الذي تمت إضافته للأفعال التي يمكن التصالح بشأنها.

وبغض النظر عن المردود المالي المتوقع للصلح الجزائي والذي يبقى رهين ما سيتم على أرض الواقع، فإنه من الوجيه التساؤل هل أن مقتضيات هذا المرسوم قابلة للتجسيد على فعليا؟ وهل من الممكن أن يكون الصلح الجزائي هو الحل المناسب لاسترجاع الأموال المنهوبة فعلا؟

طبعا لا يمكن لهذه الدراسة أن تستشرف المستقبل وتحكم على النتائج قبل إنطلاق البدايات. ولكن من المعلوم أن نجاح مؤسسة ما يبقى رهين توفر الآليات القانونية اللازمة لذلك. وعليه فإن دراسة نجاعة المرسوم ستنطلق مما أتى به واضعه من آليات وإجراءات تسمح باتخاذ موقف منه، له أو عليه.

النقطة الأولى التي يجب الانطلاق منها هو أن تطبيق هذا النص يستوجب اصدار 6 نصوص تطبيقية (أوامر وتسميات ونظام داخلي). صدر منها حتى الآن أوامر التسمية فقط[114] والمنشور عدد 9 الصادر عن رئيس الحكومة بتاريخ 10 مارس 2023 (وهذا لم يقع التنصيص عليه في المرسوم) حول تمكين اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من الملفات المتعلقة بالجرائم الاقتصادية والمالية وبالأفعال والأعمال والممارسات التي ترتبت عنها منافع غير شرعية أو يمكن أن تترتب عنها منافع غير شرعية أو غير مشروعة والتي أنتجت ضررا ماليا للدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أي جهة أخرى[115]. والغريب أن هذا المنشور صدر رغم عدم وجود نظام داخلي للجنة.

فحسب الفصل 13 من المرسوم يجب على اللجنة أن تعد في أجل 15 يوما من تاريخ مباشرتها لمهامها نظاما داخليا تتم المصادقة عليه بأغلبية ثلثي أعضائها وينشر بالرائد الرسمي للجمهورية. وكما هو معلوم فإنه ورغم مرور أكثر من ستة أشهر على نشر تركيبة اللجنة لم يصدر هذا النظام الداخلي بعد. ولكن اللجنة أعدت نظامها الداخلي بعد شهرين من تاريخ تكوينها وسلمته لرئيس الجمهورية الذي لم يأذن بنشره بعد، مع أنه توجه باللوم الشديد للجنة على التباطؤ في عملها وعزل رئيسها في الذكرة السنوية الأولى للمرسوم[116] لعدم تحقيق أية نتائج تذكر.

فاللجنة تبدو عاجزة إلى حد الآن عن وضع خارطة طريق لعملها. وربما يكون النقص الحاصل في تركيبتها المنقوصة من مختصين في المجالات المالية، التي هي مجال عمل اللجنة الرئيسي من ضمن أسباب التعطيل. كما أن اللجنة لم تضم في تركيبتها أي محام أو خبير ممن لهم الخبرة في قضايا الفساد المالي أو العدالة الانتقالية منذ سنة 2011. ولم يمنحها المرسوم حق الولوج لملفات هيئة مكافحة الفساد أو هيئة الحقيقة والكرامة أو حتى القطب القضائي الاقتصادي والمالي. واكتفى في الفصل 21 منه بتكليف اللجنة بضبط قائمة المعنيين بالصلح وسمح لمن لهم ملفات في القطب القضائي الاقتصادي والمالي بتقديم مطالب، وجاء في الفقرة الثالثة بحكم عام يشمل ما أسماه "اللجان والهياكل المتعهدة قانونا بملفات لها علاقة بمجال الصلح الجزائي". والسؤال هنا كيف للجنة أن تطبق مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 21 وهي لا تملك حق الولوج لكل الملفات التي يفترض أنها مشمولة بنطاق الصلح بصفة تلقائية؟. بالرجوع إلى مقتضيات الفصلين 15 و16 من المرسوم ذاته سنجد وأنهما تفيان بذلك.

ومن جهة أخرى فإن التفرغ الكامل لأعمال اللجنة (أي الرئيس ونائبيه وبقية الاعضاء) سيساهم في نجاعة عملها نظرا لقصر عمر اللجنة، الذي يبدو غير كاف لإتمام مهمتها.

وبالاطلاع على بقية فصول المرسوم يمكن القول إن مدة السنة لا تكفي وهذا يعني على الأرجح أنه سيكون هناك ضرورة إما لتنقيح المرسوم أو لتعيين تركيبة جديدة بعد سنة. وهذا بحد ذاته تعطيل.

وعلاوة عما ذكر فقد كان من المستحسن أيضا ان ينصّ المرسوم على سبل التقاضي بشأن قرارات اللجنة إعمالا لمبادئ النزاهة وحسن النية والشفافية.

ويستخلص مما سبق أن الصعوبات العملية التي تعترض اللجنة ناتجة في أغلبها عن ضعف النص الذي يؤطر عملها أي المرسوم. فكل ما سبق ذكره من غموض وسوء صياغة لا يمكن تجاوزه إلا بتنقيح المرسوم. ولربما يحتاج الأمر لإعادة وضع نص جديد متكامل المبنى والمعنى، حتى يتحقق الغرض منه. وهو ما سيتم تفصيله فيمايلي.

فيما يتعلق بطريقة تعهد لجنة الصلح:

انطلاق اعمال اللجنة:

يوم 7 جانفي 2023 أعلن رئيس اللجنة الوطنية للصلح الجزائي المعفى مكرم بن منى، عن قرب استكمال الإستعدادات اللوجستية والتنظيمية وإعلان انطلاق أشغال اللجنة الذي حصل فعلا بعد إعفاء رئيسها وذلك يوم 17 مارس 2023 وبداية من يوم 21 مارس 2023 كما سبقت الاشارة إليه. وبالتالي فإن مدة عمل اللجنة بتركيبتها الحالية تنتهي بعد ستة أشهر من ذلك التاريخ وهي قابلة للتمديد مرة واحدة لذات المدة.

وحسب الفصل 17 تتعهد اللجنة الوطنية للصلح الجزائي بموجب مطلب من المعني بالأمر أو محاميه. كما يمكن للجنة أن تتعهد تلقائيا.

وتتعهد اللجنة بمطالب الصلح التي يقدمها المشمولون بأحكام الفصل 3 من القانون الأساسي عدد 77 لسنة 2016 المؤرخ في 6 ديسمبر 2016 المتعلق بالقطب القضائي المالي في أجل شهر من تاريخ إعلان اللجنة الوطنية للصلح الجزائي عن انطلاق نشاطها.

كما ينص الفصل 21 على أنه تكلف اللجنة الوطنية للصلح الجزائي بضبط قائمة المعنيين بالصلح من أجل الأفعال المرتكبة قبل سنة 2011 وإلى حد تاريخ نشر هذا المرسوم بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية وتتولى دعوتهم إلى إيداع مطلب في الصلح في أجل خمسة عشر (15) يوما من تاريخ دعوتهم.

وتتعهد اللجنة بموجب إحالة من اللجان والهياكل المتعهدة قانونا بملفات لها علاقة بالأفعال المذكورة بالفصل 6 من هذا المرسوم ولو لم تترتب عنها جرائم أو تتبعات قضائية أو إدارية.

وفي هذه الصورة تعلم اللجنة الشخص المعني بالصلح وتعلمه بحقه في اختيار مسار الصلح الجزائي.

وعند قبوله مسار الصلح الجزائي يتعين عليه تقديم مطلب وفق أحكام الفصول 18 و19 و20 من المرسوم.

وأوجه التعهد المتنوعة هذه تبدو متعارضة مع فكرة الصلح بحد ذاته. فالصلح عقد يقتضي ايجابا وقبولا. والايجاب يكون عادة من مرتكب الجرم، فكيف سيتم من اللجنة؟

انتبه واضع النص إلى ذلك ونص في الفقرة الأخيرة من الفصل 21 على أن المعني بالأمر عند قبوله مسار الصلح الجزائي عليه التقدم بمطلب طبق الفصول 18 و19 20 من المرسوم. وبغض النظر عن التعارض الموجود بين هذه الفقرة والفقرة الأخيرة من الفصل 18 المتعلقة بالتعهد التلقائي بدورها، فإن واضع النص كما يبدو لا يعتبر التعهد التلقائي إيجابا صادرا عن اللجنة بل هو مجرد إعلام للمعني بالأمر في "حقه باختيار مسار الصلح الجزائي" (حسب عبارة الفقرة قبل الأخيرة من الفصل 21) فإن قبل بذلك العرض توجب عليه تقديم مطلب في الغرض، ولكن هذا الفهم لا يتماشى مع عبارات الفقرة الأخيرة من الفصل 18 التي تتحدث عن "قبول مقترح الصلح"، أي أن اللجنة في صورة التعهد التلقائي تقدم إيجابا كاملا يتضمن مقترح الصلح وللمعني بالأمر فقط حق قبوله أو رفضه، وسكوته لمدة شهر يعتبر رفضا، وهذا الرفض يفقده حقه في القبول بعده.

ومن الواضح أن هذا التشابك بين التعهد التلقائي وتقديم المعني بالأمر لمطلب هو في الحقيقة واحد من مظاهر سوء صيغة النص وكان يمكن تجاوزها بالتمييز بين حق اللجنة في عرض الصلح تلقائيا، وحق المعني بالأمر في طلبه، وفي كلتا الحالتين لا ينعقد اتفاق الصلح ما لم يتم بالقبول من الطرف الأخر.

لا معقولية آجال تلقي المطالب والعمل والإنجاز:

الآجال الواردة في المرسوم لتنظيم بعض الاجراءات والاعمال تشكل اجال غير معقولة، ضرورة انها ضيقة جدّا بما يجعلها شبه مستحيلة:

-                    7 أيام لإعداد الملفات واوراق من بعض الإدارات ( الفصل 22)

-                    20 يوما لإنهاء الخبراء أعمالهم (الفصل 24)، والحال أن المحاكم تعاني دائما من بطء عمل الخبراء وتعذر اتمام اعمالهم في أجل معقول رغم أن م م م ت تنص على 3 أشهر.

-                     4 أشهر للبت في ملفات الصلح من قبل اللجنة الوطنية ( الفصل 27)

-                    شهر لـ 1000 ساكن على الاقل من كل معتمدية لتقديم مقترح مشروع يتضمن دراسة أولية ووصفا له وتقدير لكلفته وطاقته التشغيلية ومردوديته عند الاقتضاء(الفصل 47).

ومن جهة أخرى يتضمن المرسوم آجالا طويلة أو لا محددة:

-                    متابعة تنفيذ المشاريع التي تتطلب سنوات (الفصل 31)

-                    الضمان العشري (الفصل 32).

التعسف في تقدير غرامات التعويض:

تتسم غرامات التعويض بعدم العدل والانصاف خاصة وأنها تبدو لا متناهية ولا تأخذ بعين الاعتبار الوضع الاقتصادي العام الذي مرت به البلاد منذ سنة 2011 كما أنها لم تستثني فترة جائحة الكورونا وما نتج عنها من صعوبات اقتصادية، كما لم تأخذ بعين الاعتبار ما تعرض له المستفيد من الصلح من توقيف وسجن أثر سلبا على نشاطه الاقتصادي.

-                    أصل مبلغ التعويض يحدده الخبراء ورأيهم غير ملزم للجنة التي يمكنها تعديله.

-                    يضاف للمبلغ المحدد نسبة 10 %عن كل سنة من تاريخ الجريمة حسب الفصل 25،

-                    ويضاف إليه كذلك نسبة التضخم السنوية حسب الفصل 2.

وبالتالي فإن مبلغ الصلح قد يتضاعف لدرجة يستحيل معها على المستفيد منه قبوله.

كما أن التنفيذ الجزئي يؤدي الى قطع الصلح مع احالة الأموال والمشاريع الى الدولة، من دون الأخذ بهذا التنفيذ الجزئي عند مواصلة تنفيذ العقوبات المجمّدة او عند الحكم جزائيا لاحقا على المعني بالامر.

مراحل الصلح:

يستفاد من جملة أحكام المرسوم أن الصلح الجزائي يمر عبر آلية التفاوض، وهذا منطقي لأن الأمر يتعلق بإبرام اتفاق، وهذا الاتفاق في صورة الوصول إليه ينتهي بإبرام اتفاقية الصلح التي تكون نهائيا عند أداء كامل المبلغ أو إتمام انجاز المشاريع المتفق عليها، أو تكون وقتية شريطة تأمين نصف المبلغ سواء تعلق الأمر بإنجاز مشاريع أو دفع نقدا وفي هذه الحالة الأخيرة يجب إتمام الخلاص في ظرف 3 أشهر.

وفي صورة عدم إتمام الصلح تصبح التسبقة ملكا للدولة وتستأنف التتبعات أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب. والغريب هنا أن واضع النص لم يجعل أي أثر لتلك التسبقة، وهذا ربما يكون سببا في تردد المعنيين بالأمر عن ولوج مسار الصلح الذي سيترتب عن فشله غرامة إضافية تتمثل في خسارة التسبقة دون أية فائدة لهم.

كما أن تمتع اللجنة الوطنية للصلح الجزائي بصلاحية التعهد التلقائي يخشى منه انفرادها بسلطة تقديرية واسعة ومطلقة لفرض بنود اتفاق الصلح الجزائي على كل شخص دونما حاجة لاختياره وطلبه، وهو ما سيضعه بين خيارين لا ثالث لهما وهما: إما الإذعان أو الرفض. وهو ما يستنتج فعليا من صياغة الفقرة الأخيرة من الفصل 18 كما سبق بيانها. خاصة أمام عدم إتاحة الفرصة للطعن فيما يصدر عن اللجنة المذكورة من قرارات حين ممارستها لصلاحية التعهد التلقائي.

تنفيذ الصلح

حسب ما هو متعارف عليه في الحالات التي أقر فيه المشرع إمكانية الصلح، فإنه اذا تم الصلح بين الطرفين يكون بصورة باتة وغير قابل لأي مراجعة مهما كان السبب... ان دفع المبلغ المعين في عقد الصلح يبطل تتبعات النيابة العمومية كما يبطل تتبعات الادارة. وفي نفس المنوال اقتضى الفصل الرابع من مجلة الاجراءات الجزائية على ان الدعوى العمومية تنقضي بموجب الصلح اذا نص القانون على ذلك صراحة[117]. وفي غياب نص فإنّ الصلح او الاسقاط لا يترتب عنه قانونا محو جريمة[118]. فالصلح مع الإدارة يبطل جميع التتبعات ولا يبق للجريمة أي أثر أو وجود وتصبح منقرضة بمفعول الصلح. كما أنه يلزم الطرفين بصفة باتة ولا يكون قابلا لأية مراجعة مهما كان السبب[119]. ويبطل دفع الخطية المعين مبلغها في عقد الصلح تتبعات النيابة العمومية وتتبعات الادارة[120].

أما في مرسوم الصلح الجزائي فقد ميز واضعه بين حالتين: الصلح الوقتي والصلح النهائي.

فإذا كان الصلح الوقتي يوقف التتبعات والمحاكمة وتنفيذ العقاب مع اتخاذ تدابير تضمن الحضور بما في ذلك تحجير السفر.

وإن تم إبرام الصلح الجزائي النهائي فإنه يؤدي حسب الفصل 5 بعد تنفيذه إلى تطهير الوضعية القانونية للمصالح من شبهات الفساد المالي والاقتصادي فيما شمله الصلح وإعادة إدماجه في الميدان الاجتماعي والاقتصادي على أساس مبادئ الشفافية والنزاهة.

وهنا يجب الوقوف عند جملة "فيما شمله الصلح" فالعبارات العامة والفضفاضة للفصل لا يجب أن تلفت انتباهنا عن محدودية آثار الصلح خاصة عندما يتعلق الأمر بالخواص الذين يشاركون الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسة العمومية برأسمال مؤسسة معنية بالصلح. فالصلح مع الدولة أو الجماعة المحلية أو المؤسسة العمومية لن يشمل الخواص كما سبق بيانه، مما يعني أن المتصالح معه لن تطهر وضعيته بالكامل بل سيكون نطاق التطهير محدودا في المال العام دون سواه وهو ما يفهم بأكثر دقة من عبارات الفقرة الأخيرة من الفصل 5 من المرسوم: "ولا يشمل مجال الصلح الجزائي وان اتسعت عباراته سوى الأفعال والأعمال والتصرفات والدعاوى والحقوق المتصالح في شأنها". فأي جدوى من صلح لا يشمل كل الأطراف؟ سبق وأن بينا أنه كان يجب أن يشمل الصلح كل مساهم مع الدولة أو الجماعات المحلية حتى يكون شاملا، ويسمح بالوصول إلى مصالحة وطنية خاصة وكل أهداف المرسوم المعلنة طبقا للأحكام الواردة بالباب الأول منه وهي:

                  ايقاع الصلح في شأن الجرائم الاقتصادية المالية والإقتصادية وفي كل الأفعال والأعمال والممارسات غير الشرعية التي الحقت ضررا بالدولة أو بالجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أي جهة أخرى، وبالتالي تحقيق المصالحة الوطنية في المجالين الاقتصادي والمالي.

                 تكريس مبدأ العدالة الجزائية التعويضية كوسيلة مستحدثة وبديلة عن الدعوى العمومية لتوظيف عائدات الصلح الجزائي لفائدة المجموعة الوطنية على أساس قاعدة العدل والإنصاف، وذلك من خلال دفع مبالغ مالية أو إنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية بحسب الحاجة.

                 توحيد مسار استرجاع الأموال المنهوبة[121].

                 تطهير الوضعية القانونية للمصالحين من كل شبهات الفساد المالي والإقتصادي العالقة بهم وإعادة إدماجهم في الميدان الاقتصادي والاجتماعي على أساس مبدأي الشفافية والنزاهة.

ومن الواضح أن تحقيق هذه الأهداف التي لم يسبق لأي جهة أن حققت شيئا يذكر منها لا يمكن أن يتم بموجب مقتضيات النص الحالية.

 

وعلاوة عما سبق فإن واضع المرسوم يستخدم مصطلحي الصلح والمصالحة كمترادفين، فهل هما كذلك فعلا؟ ترى الأستاذة رشيدة الجلاصي[122] أن الاستعمال التشريعي يوحي مبدئيّا بالترادف بين المصطلحين. وتشير إلى مقتضيات الفصل 45 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المتعلّق بالعدالة الانتقالية، "تكوّنت صلب الهيئة الوطنية للحقيقة والكرامة لجنة للتحكيم والمصالحة تتعهّد طبقا "لاتفاقية تحكيم ومصالحة" (الفصل 46) تنظر "... في مطالب الصلح في ملفات الفساد المالي".  كما يترتّب عن تنفيذ بنود المصالحة بخصوص ملف الفساد المالي المعروض على اللّجنة "انقراض الدعوى العمومية أو إيقاف المحاكمة أو إيقاف تنفيذ العقوبة..." وهي، تقريبا، نفس النتائج المنجرة عن تطبيق الصلح على معنى الفصل 4 م إ ج، وأيضا، نفس آثار المصالحة طبق القانون عدد 62 لسنة 2017. وتعتبر الأستاذة جلاصي أنّ محكمة التعقيب جارت المشرّع في هذا المنحى حين اعتبرت أن المصالحة الواردة بقانون المصالحة في المجال الإداري هي "صلح بموجب القانون فرض المشرّع تطبيقه كحق لكل من تتوفّر فيه الشروط ويحق طلبه لكل ذي مصلحة". بل أنّ المحكمة ذهبت أبعد من ذلك حين اعتبرت أنّ نتيجة المصالحة بالنسبة لمن صدر في شأنه حكم باتّ بالإدانة والعقاب يكون "بالعفو العام المترتّب عن الصلح بنصّ القانون"... ولكنها بعد استعراضها لأوجه الخلط هذه تؤكد مايلي: "في الحقيقة، تختلف نتائج الصلح الجزائي عموما، ومنها تلك الوارد بها قانون العدالة الانتقالية، عن نتائج المصالحة التي رتّبها قانون 24 أكتوبر 2017. بعبارة أخرى، ولئن كان المصطلحان مشتقان من نفس الجذر (ص ل ح)، إلاّ أنّ الصلح والمصالحة يختلفان... فالصلح ذو طبيعة عقدية وهو كوسيلة لانقضاء الدعوى العمومية لا يفرض بالقانون، وإنّما يكتفي المشرّع بالسّماح بإبرامه، إذا توفّرت شروطه واتجهت إرادة الأطراف إلى تحقيقه. كذلك الأمر بالنسبة للسلطة القضائية التي تكتفي بمعاينته وترتيب الآثار القانونية المنجرّة عنه.  لكن، إذا لم تكن المصالحة صلحا فما هي طبيعتها القانونية؟ إن المصالحة مسار سياسي وهي في ذات الوقت نتيجة ذلك المسار. وهكذا تكون المصالحة صنفا واسعا يحتوي على كلّ العقود والآليات والمؤسسات القانونية التي تمكّن من وضع حدّ للخصومات القضائية، في أيّ من مراحلها، وللضغائن السياسية مهما كان مصدرها. كغاية سياسية نهائية، يمكننا القول بأن المصالحة في هذا المفهوم تستعمل عديد الآليات القانونية والسياسية، ومن بينها الصلح الجزائي على معنى الفصل 4 م إ ج، وكذلك العفو التشريعي العام. بل أم الخلط بين المصالحة والوسائل المستعملة لتحقيقها يؤدي إلى عدم التمييز بين الآثار القانونية لمجمل العقود والمؤسسات التي تهدف إلى وضع حدّ للخصومة ومنها الصلح الجزائي والعفو العام...  وكنتيجة لطبيعته التعاقدية، يتميّز الصلح الجزائي بضرورة وجود تنازلات متبادلة. بل يمكن القول بأنّ التنازلات المتبادلة عي العنصر المحوري في تعريف الصلحي. فكما نصّ على ذلك الفصل 1458 م إ ع، وكمقابل "لرفع النزاع وقطع الخصومة"، "يتنازل كلّ من المتصالحين عن البعض من مطالبه" كمقابل لتنازلات الطرف الآخر، بما يجعل من الحريّ القول بأنّ "لا وجود لصلح بدون تنازلات متبادلة". ويرمي الصلح في كل الحالات إلى ضمان جبر بعض "الأضرار الحاصلة للمتضرر من الأفعال المنسوبة إلى المشتكى به"[123] كمقابل للتنازل عن إثارة الدعوى العمومية أو رفع دعوى مدنية في التعويض. أمّا في القانون الأساسي المتعلق بالمصالحة في المجال الإداري، فلا يوجد أيّ مقابل مادّي أو معنوي يتحمّله المنتفع من المصالحة. بل نجد المشرّع يعفيه حتى من دفع "مبالغ جبر الضرر المادي والمعنوي ...المحكوم بها لفائدة الدولة أو الجماعات المحلية أو المنشآت العمومية".

وبالرجوع إلى المرسوم عدد 13/2022 يتبين وأن التحليل السابق بنطبق عليه بدوره فالخلط بين مصطلحي "الصلح" و"المصالحة" يتجلى في الفصل 37 منه الذي ينص على أنه: "إذا تعذر إتمام الصلح النهائي أو لم يقع تنفيذه في الأجل المحدد يستأنف التتبع الجزائي أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب.

تستأنف إجراءات التتبع والمحاكمة بمقتضى مكتوب يوجه إلى النيابة العمومية من قبل اللجنة الوطنية للصلح الجزائي:

-         في صورة عدم التوصل إلى إمضاء اتفاقية المصالحة.

-         أو في صورة عدم إنجاز بنود اتفاقية المصالحة الجزائية المتعلقة بتمويل وإنجاز مشروع في أي مرحلة من مراحله".

فالخلط موجود مع أن الفصل الثاني من المرسوم ذاته يتبنى التفرقة بين المصطلحين إذ يعتبر أن الصلح الجزائي  يهدف إلى تحقيق المصالحة الوطنية في المجال الاقتصادي والمالي.

وعليه يمكن القول إن: الصلح وسيلة، والمصالحة غاية. وهذا ما كان يجب اعتماده دون خلط بينهما. فما يبرم مع شخص هو صلح، وما يترتب عن تعميم ذلك الصلح هو ما يوصلنا للمصالحة.

توظيف عائدات الصلح

يفترض أن حساب عائدات الصلح الجزائي سيخصص لتمويل المشاريع التنموية طبقا للفصلين 29 و30 من المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته،  إذ يتولى وزير المالية بموجب قرار فتح حساب أموال مشاركة بخزينة الدولة يسمى حساب عائدات الصلح الجزائي لتمويل المشاريع التنموية تودع فيه المبالغ المالية المتفق عليها مقابل وصل يسلّم للمعني بالأمر طبقا للفصل 24 من المرسوم، (وصوابه الفصل 25 من المرسوم)، والمبالغ المودعة بالحساب المذكور توظف وجوبا في تمويل إنجاز مشاريع تنموية اعتمادا على خصوصية المناطق واحتياجات الأهالي والأولويات الوطنية والمحلية والأهداف المرسومة بمخططات التنمية.

توزع عائدات الصلح كما يلي:

- 80 % ترصد لفائدة المعتمديات المنتفعة بالمشاريع المذكورة حسب ترتيبها من الأكثر فقرا إلى الأقل فقرا.

- %20 تخصص لفائدة الجماعات المحلية بغية المساهمة في رأس مال مؤسسات محلية أو جهوية تأخذ شكل شركات ذات صبغة أهلية أو استثمارية أو تجارية طبقاالتشاريع الجاري بها العمل.

ويتساءل القاضي محمد العيادي في تعليق له على المرسوم[124]: "هل ستتطابق فعلا إرادة المتساكنين مع متطلبات التنمية الحقيقية للمعتمديات أو الجهات بحسب الحال مع وجهة نظر الإدارة التنفيذية عموما والمجسمة طبق نفس المرسوم في اللجان الجهوية لمتابعة تنسيق المشاريع، حال ان هذه اللجان يترأسها ولاة الجهات وتتركب من مديري الإدارات الجهوية كما أن هذه اللجان الجهوية مدعوة إلى تحديد قائمة المشاريع المقبولة وإحالتها على لجنة متابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهات، وهي لجنة محدثة لدى الوزارة المكلفة بالاقتصاد خول لها المرسوم إمكانية طلب تمكينها من توضيحات تكميلية وإرجاع المشروع إلى اللجنة الجهوية المعنية للتداول فيه من جديد".

ويجيب قائلا: "وهو ما يجعل من تصوّر إنجاز المشاريع بناء على تطلعات ورغبات المتساكنين أمرا نظريا باعتباره سيصطدم حتما بمسار إداري معقد وثقيل من جهة التصور والإجراءات بما قد يفرغ الأهداف العامة والتصورات المنشورة بمرسوم الصلح الجزائي من كل محتوى".

وحسب الفصل 44 فقرة 2 فإنه يتوجب: " ترتيب المعنيين بالصلح الوقتي ترتيبا تنازليا بناء على المبالغ المضمنة بإتفاقيات الصلح الوقتي وتحديد المشروع الذي يتعين على كل منهم إنجازه وبناء على الترتيب الرسمي المعتمد لدى الإدارة المركزية بخصوص المناطق الأكثر فقرا إلى أقلها " وهذا يعني أنه سيقع تعيين المعنين بالصلح الوقتي بصفة اسمية حول قيمة المبالغ الواجب دفعها فمن هو مدين بالمبلغ الأكبر يقوم بإنجاز المشروع في المعتمدية الأكثر فقرا. حتى نصل الى المدين بالمبلغ الاقل والذي سينجز المشروع في المعتمدية الأقل فقرا. هذه الطريقة من المستحيل أن يقبلها اي مشمول بالصلح الجزائي لأن فيها تشهير به. وبما انه وقع تمكين المشمول بالصلح الجزائي من الإختيار بين دفع الأموال او انجاز مشروع فإنه سيختار حتما الدفع دون اختيار انجاز مشروع وذلك حتى يتمكن من الحصول على صلح نهائي بأسرع وقت وأقل مخاطر. وربما لن نجد من يقبل بفكرة تمويل المشاريع لهذين السببين.

صعوبات متنوعة

·       كيف سيتم التصريح بالمكاسب والمصالح (الفصل 10)؟ والحال ان هيئة الوطنية لمكافحة الفساد مغلقة. فأعضاء لجنة الصلح الجزائي لم يقوموا بالتصريح بمكاسبهم ومصالحهم طبقا لما جاء في الفصل 10 من المرسوم والحال أنّهم صاروا من أكثر الأشخاص المعرّضين للمخاطر سياسيّا نظرا لكونهم سيسترجعون "مبلغا يتراوح بين 10 آلاف مليار و13 ألأف و500 مليار" حسب التقديرات الأولية المعلنة.

·       يشير المرسوم إلى طلبات كان يمكن لأي جهة أخرى تقديمها ولكنها لم تقدم في حينها (الفصل 2)، ولكن كيف لتلك الجهات أن تعلم والحال أن مطالب الصلح لا يتم نشرها؟

·       ماهو مآل الملفات موضوع الرفض شكلا من اللجنة او الرفض من المعنيين؟ وخاصة تلك الملفات المتعلقة بجرائم سقطت بمرور الزمن؟. هال سيثار بشأنها تتبع جديد؟ إن كان الجواب بالنفي فلماذا سيكون المعني بالأمر ملزما بالصلح من أصله؟ وإن كان الجواب بنعم فقد بينا بالجزء الأول المشاكل القانونية المترتبة عن ذلك.

·       ما جدوى تحميل المتصالح معه الذي يقبل بانجاز مشاريع للضمان العشري والحال أن هذا يتعارض مع مقتضيات القانون المنظم لذلك الضمان[125]؟ كما أن تحميل المتصالح لهذا الضمان لا يشجعه على اختيار انجاز مشاريع.

·       كيف يمكن للجان جهوية تفتقد للشخصية القانونية ان تبرم عقود اسداء خدمات بمقابل؟ فمن المسلمات انه لا تعاقد دون شخصية قانونية؟.

·       ذكر في الفصل 3 فقرة 3 أن أحكام هذا المرسوم تشمل من "استفاد من الاملاك المصادرة دون القيمة الحقيقية لها بأي وجه من الوجوه ولكن من هم هؤلاء الأشخاص او الشركات. فالأملاك المصادرة تم التفريط في أغلبها عن طريق طلبات عروض تشرف عليها الدولة عن طريق لجنة التصرف في الأملاك المصادرة التابعة لوزارة المالية. فكيف ستقع المراجعة وبموجب أي آلية؟ وهل هنالك مستفيدون آخرون غير المشترين؟ يبدو أن المقصود هو القائمين على لجنة المصادرة ولجنة التصرف وسلطة الاشراف عليهما ومن تم تعينهم كمتصرفين ومصفين.

·       هناك تعارض بين ما نص عليه الفصلان 33 و34 من إحالة ملكية العقارات والمنقولات والحقوق التي وقع إنجازها وتسليمها في إطار تنفيذ الصلح لفائدة ملك الدولة، وبين فتح حساب خاص في الخزينة ووضع عائدات الصلح على ذمة المعتمديات والجهات والجماعات المحلية حسب الفصل 30، وعلى فرض أنه لا وجود لتضارب فإن دخول تلك الأموال في ملك الدولة سيتطلب اجراءات خاصة لتحويلها وتوزيعها طبق الفصل 30. هذا علاوة على أن الفصل 34 يشير إلى ترسيم العقارات والحال أن الترسيم يتعلق بالصكوك لا بالعقارات.

·       ينص الفصل 41 على أنه لا يمكن استعمال المحررات والاعترافات المسجلة أثناء الصلح الجزائي ضد طالب الصلح في أي تتبع جزائي غير مشمول بالصلح، فهل يمكن استعماله في تتبع مشمول بالصلح في صورة فشله؟

وفي الختام يمكن القول إن هذا المرسوم سيكون بمثابة التجربة الثالثة لمعالجة تركة الفساد الذي زاد وتنوع بعد سنة 2011. إذ أن فشل تجربة العدالة الانتقالية يتجسد أولا وبالأساس في عدم الوصول إلى نتائج واضحة تحدد الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة وتضبط آليات لمعالجتها وتجنب تواصلها أو تكرارها. خاصة وأن تجربة العدالة التقليدية بدورها أثبتت عجزا في هذا المجال. لكن يبدو أن تجربة العدالة التعويضية المكرسة بموجب المرسوم عدد 13 لسنة 2022 لن يكون حظها أوفر من سابقتيها إذا لم يقع تدارك الأمر وتنقيح هذا المرسوم بصفة جذرية لسد كل ما فيه من ثغرات شكلية وأصلية حتى يكون صالحا للتطبيق العملي. فالمرسوم بصيغته الحالية هو نص لا ينتظر منه شيء.

وعموما وبحكم ما تمت معاينته مباشرة من خلال معايشة عملية لتجربتي العدالة التقليدية والعدالة الانتقالية في مواجهة الفساد ومعالجة تركته ومستجداته، وبعد هذه القراءة الأولية لتجربة العدالة التعويضية، يمكن القول إن الحل الأسهل والأنسب والأكثر جدوى لمعالجة الفساد والتخلص منه ومن تواصل نتائجه والاستفادة من عائدات ما سيتم استرجاعه من ذلك، هو تطبيق قاعدتي الاثراء غير المشروع والاثراء دون سبب، أي تطبيق النصوص التي يمكن بموجبها البحث عن كل مظاهر الثراء غير المشروع في القطاعين العام والخاص والمشترك سواء تعلق ذلك بالشخص ذاته أو بعائلته المقربة، ومطالبتهم ببيان مصادر ثروتهم، وعند العجز عن ذلك تتم مصادرة كل مال غير مبرر أو غير شرعي لفائدة حساب خاص في خزينة الدولة، سواء تعلق الأمر بمحصول جرائم الاستيلاء أو الرشوة أو استغلال الصفة أو التهرب الجبائي أو التهريب أو غيرها من جرائم الفساد، ويقع توظيف تلك العائدات لفائدة مستحقيها من الاشخاص والمناطق على قاعدة التمييز الايجابي أي بإعطاء الأولوية للجهات الأقل حظا من التنمية كل ذلك مع مراعاة حقوق الخواص ممن طالهم الفساد.

وهذا الحل ليس ببداعة ولا خروج فيه عن المبادئ التقليدية للقانونين الجزائي والمدني. بل هو تطبيق عادل وشرعي للقانون.

فعلى المستوى الجزائي يمكن الانطلاق من النصوص سارية المفعول ومنها القانون عدد 46 لسنة 2018 المؤرخ في 1 أوت 2018 المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وخاصة الفصل 37 وما بعده[126]. مع إدخال بعض التعديلات عليها.

وعلى المستوى المدني يمكن اعتماد مقتضيات الفصول 71 و72 و80 و81 من مجلة الالتزامات والعقود المتعلق بالإثراء دون سبب.

فقاعدة "من أين لك هذا" تبدو أنسب من كل هذه التجارب المعقدة وغير المثمرة.



[1] الطاهر اللوز: حول استقلالية القانون الجزائي، مذكرة للاحراز على شهادة الدراسات المعمقة في العلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، جامعة المنار السنة الجامعية 96 – 1997. ص 100 – 103.

[2] البشير الأحمر، الصلح في الجرائم القمرقيّة، م. ق. ت عدد 7، جويلية 1994، ص 7

[3] فالشريعة الاسلامية تعطي لأهل القتيل حق العفو مع أو دون قبول الدية. كما أن عديد التشريعات العربية اعتمدت هذا الحل. أحمد محمد النيف: دية النفس في الشريعة الإسلامية: دراسة مقارنة بالقانون والأعراف العشائرية. الجنادرية للنشر والتوزيع. طبعة أولى 2013.ص9. وبالنسبة للتشريع أنظر مثلا في ليبيا: قانون رقم (6) لسنة 1994 بشأن أحكام القصاص والدية والذي ينص في المادة (1) منه ونصها: "القتل عمدا، يعاقب بالإعدام قصاصا كل من قتل نفس عمدا إذا طلبه أولياء الدم ويسقط القصاص بالعفو ممن له الحق فيه وتكون العقوبة الدية". والمادة (300) من قانون العقوبات القطري: "وتستبدل بعقوبة الإعدام، عقوبة الحبس مدة لا تجاوز خمس عشرة سنة، إذا عفا ولي الدم، أو قبل الدية".

[4] وضع الفصل 4 م ا ج قاعدة عامة مفادها أن الصلح من حالات انقضاء الدعوى العمومية.

[5] إن النظريات الحديثة لعلم الإجرام والعقاب، نتبيّن انّ العقوبة السّالبة للحريّة لا تحقّق الردع وبذلك لم تحدّ من الجريمة، وهو ما دعى إلى ضرورة التدخّل وإعادة صياغة القانون الجزائي، فوجدت عدّة تشاريع حلول بديلة جعل السجن الملاذ الأخير وانتهاج سياسة عقابيّة حكميّة ومتبصّرة. محمد صالح بن عيّاد، دور القضاء في المحافظة على السلم الاجتماعيّة، م. ق. ت عدد 11 نوفمبر 1997، ص 28.

[6] بسمة الورتاني: الصلح في القانون الجنائي الاقتصادي، مذكرة الحصول على شهادة الدراسات المعمقة في القانون، شعبة العلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس ااا ، أكتوبر 1997 ص 9 .

[7] وهو ما جعل البعض يعتبر أن الصلح بات بمثابة اجراء زجري تسلطه الإدارة على المخالف

V. Mourgeon (J): la répression administrative L. G. D. J 1967 P 315.

[8] - وهي آلية سبق تكريسها في مجلّة حماية الطفل بموجب القانون عدد 92 المؤرّخ في 9 نوفمبر 1995 (الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة، 10 نوفمبر 1995، ص 2095.) وقد عرف المشرع الوساطة في الفصل 113 مجلة حماية الطفل بكونها: "آلية ترمي إلى إبرام الصلح بين الطفل الجانح ومن يمثله قانونا وبين المتضرر أو من ينوبه أو ورثته وتهدف إلى إيقاف مفعول التتبعات الجزائية أو التنفيذ". لكن عندما تم اعتمادها في مجلة الإجراءات الجزائية وقع الاكتفاء بتنظيمها كبديل من بدائل اثارة الدعوى العمومية فقط لا غير.

[9] الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة، 1 نوفمبر 2002 عدد 89، ص 2750، 2751.

[10] مداولات مجلس النواب، المنعقدة بتاريخ 22 أكتوبر 2002، ص 59.

[11] بسمة الورتاني : الصلح في القانون الجبائي الإقتصادي "مذكرة سبق ذكرها. ص 23

[12] G. Dermanet, la médiation pénale. Op. cit, p 888 et aussi Jean Pierre Bonafé-Schmitt, la médiation pénale en France et aux Etats-Unis L. G. D. J, 1997, p 7.

[13] ارتكزت السياسة الجزائيّة القديمة على نظريّة العقاب، من خلال تسليط عقوبات جسديّة أو سالبة للحريّة الغاية منها ليس فقط ردع المتهم بل التشفّي منه، ولم يكن لجبر الضرر الحاصل للمتضرّر أو إصلاح الجاني وتأهيله ضمن محاور هاته السياسة الجزائيّة. وهو ما أشار إليه مثلا الفصل 335 مكرّر من م. إ. ج. بالنسبة للصلح بالوساطة. التي أرساها المشرع بموجب القانون عدد 93 المؤرّخ في 29 أكتوبر 2002، (الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة، 1 نوفمبر 2002، ص 2750، 2751. مداولات مجلس النواب المنعقدة بتاريخ 22 أكتوبر 2002، ص 59.) ويهدف هذا الإجراء إلى فض النزاعات بين الأطراف وتقليص حجم القضايا المنشورة أمام المحاكم..

[14]- رضا خماخم: قضاة الناحية في تونس بين الأمس واليوم، م. ق. ت عدد 7، جولية 1999، ص 15 و16.

[15] Gérard Blanc, la médiation pénale (commentaire de l’article 6 de la loi n°93 du 4 Janvier 1993 portant réforme de la procédure) J. C. P n°1, 5 Janvier 1994, p 211.

[16]  انظر ما سيأتي لاحقا في الفقرة الثانية من الجزء الثاني حول التفرقة بينهما.

[17] ” … فبعدما كان البحث في الفساد المالي واسترداد الأموال التي نهبت داخل البلاد من أولويات الاستحقاق الثوري بدليل بعث لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد ومن بعدها هيئة مكافحة الفساد، أضحى التعامل مع ملفات الفساد معضلة تؤرق السلطة وتمنع تحقيق مشروعها الإنمائي. فالبحث في هذه الملفات أدى إلى الكشف عن تورط عدد هام من بارونات الاقتصاد الوطني في منظومة الفساد بما يتجاوز التصور الأولي الذي كان يحصر المسألة في أفراد عائلة الرئيس المخلوع وأصهاره والمقربين منهم. وبعدما كانت المحاسبة تبشر باسترداد الثروات المنهوبة وتصنع الحلم بتوفير الأموال، تبيّن سريعا أن الاجراءات الاحترازية أعاقت عددا من رجال الأعمال من الحصول على السيولة المالية لتطوير الاستثمار، فباتت المحاسبة بمثابة عبء ثقيل على عجلة الاقتصاد. وعلى هذا المنوال، دفع العبور السريع من مرحلة الثورة الى مرحلة تأسيس دولة الثورة دوائر القرار إلى ايجاد مخرج من الأزمة في إطار تصور مصلحي معلن. فأكد المسؤولون الحكوميون في أكثر من مناسبة على أن إيجاد حلول تحقق المصالحة مع رجال الأعمال وتنهي التهديد الذي يشعرون به من أعمال المحاسبة هو من أولويات العدالة الانتقالية. وبالفعل، تتالت محاولات المصالحة وغلق ملفات رجال الأعمال. فمن جهة، بادرت لجنة المصادرة بتاريخ 5-5-2012 إلى إصدار بلاغ تضمن دعوة رجال الأعمال الذين استفادوا من منظومة الفساد للتقدم بتصريح تلقائي لها يتضمن كشفهم عن المال الفاسد الذي استفادوا منه وتسليمه لها، على أن تمتنع بالمقابل عن الكشف عن أسمائهم وعن إعلام النيابة العمومية في حال قيامهم بذلك. كما طرحت أكثر من مبادرة لإيجاد حلول صلحية مع رجال الأعمال الفاسدين كان أبرزها الاقتراح الذي تقدم به رجل القانون البارز الأستاذ قيس سعيد الذي اقترح أن يتم الصلح مع هؤلاء مقابل تعهدهم بالاستثمار بالجهات الأقلّ حظوة من التنمية". محمد العفيف الجعيدي: العدالة الانتقالية في تونس: إذا كنت ضعيفا فعقاب، وإذا كنت قويا فلنصالح ”. مجلة المفكرة القانونية. لبنان. العدد الخامس. 2013.

[18] جاء في الفصل الأول منه مايلي: "العدالة الانتقالية على معنى هذا القانون هي مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان".

كما الفصل 15 على أنه: تهدف المصالحة لتعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة والسلم الاجتماعية وبناء دولة القانون وإعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.ولا تعني المصالحة الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات".

 

[19] مقال: ”ملاحظات أولية على قانون العدالة الانتقالية“. منشور في مجلة الاخبار القانونية عدد فيفري 2014.

[20] قيس سعيد: أقترح مصالحة جزائية مع رجال الأعمال المورطين في قضايا الفساد من أجل انجاح مرحلة العدالة الانتقالية. 06 أفريل 2012.

https://www.babnet.net/rttdetail-47885.asp

[21] أسماء سلايمية: الصلح الجزائي: آلية قديمة لبناء جديد؟. المفكرة القانونية.

https://legal-agenda.com/مرسوم-الصلح-الجزائي-مصالحة-الفاسدين/

[22] الرئيس قيس سعيد، اجتماع مجلس الأمن القومي، 31 مارس 2020

[23] اعتبر المصادقة عليه جنازة للعدالة في تونس: قيس سعيد يعلق على مشروع قانون المصالحة:

https://www.hakaekonline.com/ar/article/67125/

[24] مشروع القانون الأساسي عدد 49 لسنة 2015 الذي تقدمت به رئاسة الجمهورية للمجلس النيابي بتاريخ 11-08-2015 كان غرضه أن يحقق هذا الوعد من خلال ثلاثة مقتضيات: عفو عَمن استفادوا من فساد مالي قبل الثورة مقابل صلح تحدد بنوده لجنة إدارية، / عفو غير مشروط عن كل موظف عمومي أو شبه موظف لم تتحقق له استفادة مباشرة من الفساد وتورط في قضايا على علاقة به نتيجة تطبيق تعليمات إدارية أو سياسية، / عفو بشروط ميسرة على من يتهمون بتهريب أموال لخارج البلاد التونسية.

[25] حيث تشددت المحاكم في تطبيقه من ذلك مثلا القرار التّعقيبي عدد 77492-77285الصّادر بتاريخ 05 نوفمبر 2019 حول شروط الانتفاع بعدم المؤاخذة الجزائيّة حسب قانون المصالحة في المجال الإداري (منشور على موقع المحكمة) جاء فيه مايلي:"وحيث جاءت أحكام القانون المشار إليه إستئثناء لمبدأ المحاسبة الجنائيّة ومن أحكام الفصل الأوّل من مجلّة الإجراءات الجزائيّة التّي نصّت على أنّ "يترتّب على كلّ جريمة دعوى عموميّة تهدف إلى تطبيق العقوبات...."وحيث قصد المشرّع من القانون المشار إليه ومن إقرار عدم المؤاخذة الجزائيّة " تهيئة مناخ ملائم يشجّع خاصّة على تحرير روح المبادرة في الإدارة وينهض بالإقتصاد الوطني ويعزّز الثّقة في مؤسّسات الدّولة، وكلّ ذلك تحقيقا للمصالحة الوطنيّة"وحيث أنّ تعطيل تطبيق مبدأ المحاسبة الجنائيّة والقانون الجنائي بعلّة تحرير روح المبادرة في الإدارة وتعزيز الثّقة في مؤسّسات الدّولة يجب أن يستند إلى توفّر كامل شروط عدم المؤاخذة الجزائيّة الواردة بالفصل المذكور... وحيث أنّ تطبيق شروط الإنتفاع بعدم المؤاخذة الجزائيّة وإيقاف المحاكمة مناط القانون عدد 62 لسنة 2017 يهمّ النّظام العامّ باعتباره إستثناء محدودا ومشروطا ومخصوصا يحول دون تطبيق القانون الجزائي الرّادع للجريمة، وعلى المحكمة إثارته من تلقاء نفسها عملا بالفصل 269 م إ ج". كما جاء في القرار ذاته:" وحيث يوكل للمحكمة مراقبة توفّر كامل شروط التّصريح بعدم المؤاخذة الجزائيّة والتحقّق خصوصا من عدم تحقيق الموظّف العمومي المتّهم لمنفعة لنفسه، ولايجب أن يكون التحقّق من ذلك بصورة شكليّة أو عرضيّة أو سطحيّة، بل يجب على المحكمة التّي تمّ التمسّك لديها بتطبيق القانون عدد 62لسنة 2017 لأوّل مرّة ( كمحكمة القرار المنتقد ) بحكم حداثة صدوره –وإلتماسا للحقيقة ( الفصل 50 م ا ج ) – أن تبحث عميقا عن حقيقة إنتفاع الموظّف شخصيّا من أفعاله المجرمة ... بأن تجري الأبحاث التّكميليّة الضروريّة إستكمالا لقناعاتها ( الفصل 143 فقرة أخيرة من م أ ج ) وأن تسمع من ترى فائدة من سماعه ( 145م إج ) أو أن تأذن بالإختبارات الضّروريّة حول وضعيّته الإداريّة والماليّة والإجتماعيّة ...وأن تقوم عموما بكلّ ما يحقّق لها قناعة مؤسّسة وصلبة وموثوقة بجدارة المتّهم بالإنتفاع بعدم المؤاخذة الجزائيّة بآعتباره إستثناء من القاعدة لا يتوّسع فيه ولا يستهان بشروطه ومقتضياته.وحيث إكتفت محكمة القرار المنتقد بإشارة عابرة وسطحيّة إلى عدم ثبوت حصول المتّهمين على منافع ماديّة من الرّئيس السّابق أو زوجته مقابل إنجازهم الأعمال المجرّمة، دون أن يسبق منها تفحّص لكامل مظروفات الملفّ أو القيام بأيّ أبحاث للتحقّق من ذلك أو الإذن بأيّ إختبارات في شأنها... ودون تدقيق بأنّ المنفعة المفترضة يمكن الحصول عليها من غير المتّهمين المذكورين وبأيّ طريقة أخرى مادامت مرتبطة بآستغلال الوظيف مثلما يفهم من عبارات الفصل 2 من القانون عدد 62 لسنة 2017... لتكون المحكمة قد أساءت فهم وتطبيق الفصل المذكور وسارت في إستخلاص مبكّر لنتيجة قانونيّة مسقطة سبقت أبحاثا ضروريّة ولم تأت بها الإستقراءات ولم تأسّس لها أطوار المحاكمة ...وقد كان على محكمة القرار المنتقد- قبل التّعجيل بالتّصريح بعدم ثبوت تحقيق المنفعة الخاصّة – أن تتولّى الإطّلاع على كامل مظروفات الملفّ وأن تتناولها بالدّرس والتّمحيص، وأن تجري الأبحاث والإستقراءات اللّازمة على ضوئها من إختبارات وإستنطاقات ومكافحات وسماع شهود تأسيسا لقناعتها وإسنادا لموقفها وللتحقّق من وجود الرّابط بين إجراءات التّفويت في أرض الدّولة وبين حصول المتّهمين المذكورين على تلك المقاسم والتأكّد من إستحقاقهم فيها وتوفّرهم على الشّروط القانونيّة لذلك بعيداعلى المكافئة أو تحقيق المنفعة غير المشروعة في مقابل أفعال مجرّمة على معنى الفصل 96 مجلّة جزائيّة...ولمّا لم تفعل تكون قد أساءت تطبيق الفصل 2 من القانون عدد 62 لسنة 2017 إضافة إلى خرقها أحكام الفقرة الرّابعة من الفصل 168مجلّة إجراءات جزائيّة التّي توجب عليها بيان المستندات الواقعيّة والقانونيّة التّي أسّست عليها قرارها... بما يعرّض قضاءها للنّقض". وعموما أنظر مقالنا: قانون المصالحة الإدارية أمام محكمة التعقيب بين تطبيقه وتضييق مجاله. الأخبار القانونية: مجلة القانون: (العدد 254-255), ص. 24-26.

[26] نص المشروع الأصلي مع شرح الأسباب منشور على موقع مرصد مجلس:

https://majles.marsad.tn/ar/media/show/396?lawProject=66

[27] تم التخلي عن هذه اللجنة في النسخة النهائية التي تمت المصادقة عليها.

[28] يوم 30 مارس 2022.

[29] تصريح للرئيس قيس سعيد، اجتماع مجلس الأمن القومي، 31 مارس 2020

[30] سبق وأن تمت المراهنة على نتائج قانون المصالحة في المجال الإداري الذي لا يعلم أحد حتى الآن ما هي نتائجه. فقد تقدّم موقع نواة في 2 جويلية 2021 بمطلب نفاذ إلى المعلومة لوزارة العدل يطلب فيه عدد المستفيدين من قانون المصالحة الإدارية، وذلك لمحاولة قياس مدى فاعليّة هذا القانون في تحرير روح المبادرة في الإدارة، ومعرفة ما إذا كانت الغاية من سنّه قد تحقّقت أو لا. ولكنّ المكلّف بالنّفاذ للمعلومة لدى وزارة العدل أفادنا بإجابة بتاريخ 23 أوت 2021 أكّد من خلالها أنّ “المعلومة المتعلّقة بعدد المستفيدين من قانون المصالحة الإدارية غير متوفرة بالنظام الإحصائي لوزارة العدل”، ممّا يجعل من الصعب حصر المعنيّين بهذا القانون. منال دربالي، بعد 4 سنوات من المصادقة عليه، كم من مستفيد من قانون ”المصالحة الإدارية“؟

https://nawaat.org/2021/09/15/بعد-4-سنوات-من-المصادقة-عليه،-كم-من-مستف/

[31] - الفصل 2 من قانون 2017: " لا يخضع للمؤاخذة الجزائية الموظفون العموميون وأشباههم على معنى الفصلين 82 و96 من المجلة الجزائية بالنسبة إلى الأفعال التي تمّ القيام بها والمتصلة بمخالفة التراتيب أو الإضرار بالإدارة لتحقيق منفعة لا وجه لها للغير شريطة عدم الحصول على فائدة لا وجه لها لأنفسهم. وبموجب ذلك تتوقف التتبعات والمحاكمات في شأن تلك الأفعال. ويستثنى من ذلك، من كانت الأفعال المنسوبة إليهم تتعلق بقبول رشاوي أو بالاستيلاء على أموال عمومية.

[32]  الفصل الأول من المرسوم عدد 13/2022: "يضبط هذا المرسوم إجراءات الصلح مع الدولة، صلحا جزائيا في الجرائم الاقتصادية والمالية والأفعال والأعمال والممارسات التي ترتبت عنها منافع غير شرعية أو يمكن أن تترتب عنها منافع غير شرعية أو غير مشروعة والتي أنتجت ضررا ماليا للدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أي جهة أخرى وذلك تكريسا لمبدأ العدالة الجزائية التعويضية كما ينظم هذا المرسوم طرق توظيف عائدات الصلح الجزائي لفائدة المجموعة الوطنية على قاعدة العدل والإنصاف". كما نص الفصل 2 منه على أنه: "يهدف الصلح الجزائي إلى استبدال الدعوى العمومية أو ما ترتّب عنها من تتبع أو محاكمة أو عقوبات أو طلبات ناتجة عنها تم تقديمها أو كان من المفروض أن تقدم في حق الدولة أو إحدى مؤسساتها أو أي جهة أخرى وذلك بدفع مبالغ مالية أو إنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية بحسب الحاجة.

ويدخل في احتساب المبالغ المالية أو المشاريع المتعهد بإنجازها نسب التضخم المالي استنادا إلى الأرقام الرسمية التي تتولى تقديمها الهياكل الرسمية المختصة". وجاء في الفصل 3 أنه: "يشمل أحكام هذا المرسوم كل شخص مادي أو معنوي صدر في شأنه أو في شأن من يمثله حكما أو أحكاما جزائية، أو كان محل محاكمة جزائية أو تتبعات قضائية أو إدارية أو قام بأعمال كان من الواجب أن تترتب عنها جرائم اقتصادية ومالية.

كما تشمل أيضا كل شخص مادي ومعنوي لم تستكمل في شأنه إجراءات مصادرة أمواله واسترجاعها من الخارج طبق ما اقتضته أحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2011 المؤرخ في 14 مارس 2011 كما تم تنقيحه بالمرسوم عدد 47 لسنة 2011 المؤرخ في 31 ماي 2011.

كما تشمل أيضا أحكام هذا المرسوم الذوات المادية والمعنوية التي استفادت من الأملاك المصادرة دون القيمة الحقيقية لها بأي وجه كان

تنسحب أحكام هذا الفصل على الجرائم المرتكبة المذكورة قبل سنة 2011 وإلى حد تاريخ نشر هذا المرسوم بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية".

[33] كشف تقرير للبنك الدولي سنة 2014 أن أصهار زين العابدين بن علي وأقاربه تحكموا بشكل شبه كامل خلال فترة حكمه على 14 قطاعا اقتصاديا تصنف من القطاعات الأكثر ربحية. يراجع تقرير البنك الدولي حول فساد بن علي أو الثورة المنقوصة موقع نواة 11-04-2011.

[34] تسمية مختصرة تطلق على "اللجنة الأوربية للديمقراطية عن طريق القانون" التي هي جهاز استشاري لمجلس أوروبا حول القضايا الدستورية. تولت الهيئة توجيه طلب استشارة للجنة البندقية التي أعلنت بتاريخ 26-10-2015 رأيها الذي أكد على عدم دستورية الجانب الأكبر من أحكام مشروع القانون. أحرج الرأي الإستشاري جهة الإقتراح التشريعي التي باتت في حال إصرارها على مشروعها، متهمة بمحاولة خرق الدستور علاوة على اتهامها بالإنقلاب على مسار العدالة الإنتقالية.

[35] اكتفت السلطة السياسية بإصدار القانون الأساسي عدد 62 لسنة 2017 المتعلق بالمصالحة في المجال الإداري والذي منح عفوا تشريعيا بمقتضاه لموظفي الدولة ومن تحملوا مسؤوليات في هياكلها خلال الفترة الممتدة من 01-07-1955 إلى 14-01-2011 وتورطوا بشكل مباشر في تسهيل نهب غيرهم للمال العام دون أن تنتج لهم من ذلك استفادة مالية شخصية.

[36] لكن لم تقع استشارة المجلس الاعلى للقضاء المؤقت، لاحقا بخصوص النسخة النهائية بالرغم من التنصيص على هذه الاستشارة الوجوبية في الفصل 11 من المرسوم المتعلق به، (المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرخ في 12 فيفري 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء والمتمم بمقتضى المرسوم عدد 35 لسنة 2022 المؤرّخ في 1 جوان 2022). وربما اعتبرت تلك الاستشارة كافية بالنسبة لواضع النص.

[37] الرأي عدد 18 للمجلس الأعلى للقضاء بخصوص مشروع مرسوم يتعلق بالصلح الجزائي مع المتورطين في الجرائم الإقتصادية والمالية. منشور على الموقع الالكتروني للمجلس:

https://www.csm.nat.tn/الآراء-الإستشارية

 

[38] - الرأي عدد 18 للمجلس الأعلى للقضاء سبق ذكره.

[39] - الرأي عدد 18 للمجلس الأعلى للقضاء. سبق ذكره..

ورغم أن المجلس رفض التعهد من حيث الشكل لكنه استغل فرصة العرض لبيان موقفه بطريقة غير مباشرة. فقد جاء في هذا الرأي علاوة على ما ذكر في المتن مايلي: "وأما اختصاصات القطب المذكور فتتمثل في مراجعة جمع ملفات الفساد المتوفرة بالنظر إلى القائمة الأصلية للأشخاص المعنيين بما في ذلك التي سبق النظر فيها من قبل هيئات إدارية أو قضائية أو شبه قضائية أخرى ولو صدر في شأنها حكم بات، والقيام بإجراءات التتبع القضائي والنظر في ملفات الصلح الجزائي، مع إصدار أحكام الصلح طبق اليات احتساب مبالغه التي يحددها أمر خاص، بالإضافة إلى متابعة ومراقبة تنفيذ هذه الأحكام كختم الصلح عند إنتهاء تنفيذها. فيما ضبط المرسوم إجراءات تعهد القطب المحدث ونص على أنه يتعهد بصفة حصرية والية بجميع الدعاوى التي هي في طور البحث وبصفة عامة جميع ملفات الفساد المضمنة بتقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة، كما يتعهد بالنظر في إجراءات الصلح الجزائي المتعلقة بالقضايا المتشعبة والمتعلقة بالمال العام المحالة عليه من قبل القطب القضائي الإقتصادي والمالي بطلب من المدعى عليه وبعد مصادقة وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس، وأما فيما يتعلق بما يصدره القطب من أحكام فاقتضى المرسوم أنها تكتسي الصبغة النهائية وأنها محصنة تحصينا مطلقا ضد كل مراجعة قضائية لكونها غير قابلة للطعن بأي وجه من الوجوه... كما تضمن مشروع المرسوم المعروض أيضا إصلاحا جوهريا آخر طال المنظومة القضائية باعتبار إحداثه من ناحية لمحكمة استثنائية لا يمكن أن تندرج تحت طائلة أصناف المحتكم الموجودة العدلية، والإدارية، والمالية ( محكمة المحاسبات )، وباعتبار ما سيؤول إليه تطبيق أحكامه من ناحية أخرى عند صيرورته نافذا من إنهاء فعلي لوجود القطب القضائي الاقتصادي والمالي الحالي، ذلك أن كافة ملفات الفساد والقضايا المتشعبة المتعلقة بالمال العام، والجرائم الاقتصادية، والمالية المرتكبة في مجال التصرف في المال العام على معنى الفصل 3 من القانون الأساسي عدد 77 لسنة 2016 المؤرخ في 6 ديسمبر 2016 المتعلق بهذا القطب، أكانت منها القضايا التي ما تزال منشورة أمامه أو كذلك تلك التي سبق له أن بت فيها بموجب أحكام نهائية وصارت باتة إما بصدور قرارات تعقيبية في شأنها أو بتفويت آجال الطعن فيها بهذه الوسيلة، سيتعهد بها القطب القضائي للصلح الجزائي سواء آليا أو بطلب من المدعى عليه. وهو المآل ذاته الذي ستلقاه أيضا الملفات القضائية الجارية منها وكذلك السابق فصلها نهائيا أو بصورة باتة، والمعروضة أو السابق عرضها على نظر الدوائر القضائية المختصة في العدالة الانتقالية، باعتبار أن ذلك الصنف من القضايا أسنده مشروع المرسوم للنظر الحصري، والآلي للقطب القضائي للصلح الجزائي المكلف دون سواه بمراجعة جميع ملفات الفساد المتوفرة بما في ذلك التي تم النظر فيها من قبل هيئات إدارية أو قضائية أو شبه قضائية أخرى. ".

[40] شدّدت منظمة "محامون بلا حدود" على ضرورة ألاّ يغيّب الصّلح الجزائي مبدأ كشف الحقيقة وضمان عدم العود، والكشف للعموم عن تفاصيل عمليّات نهب الأموال العمومية والنصوص القانونية التي تمّ خرقها وبمشاركة مسؤولين نافذين ، من خلال تسجيل جلسات علنية تتضمّن اعتذار ا علنيا لطالب الصّلح على أن تتعهّد اللجنة الوطنية للصلح بنشرها للعموم قبل إبرام الصلح النهائي (على غرار الفيديو الخاصّ بشهادة عماد الطرابلسي في إطار أعمال كشف الحقيقة)، وذلك حفاظا على فلسفة العدالة الانتقالية وضمانا لعدم تكرار التجاوزات .وأكدت في السياق ذاته إقرار حقّ المناطق-الضحيّة في التمييز الإيجابي طبق الدستور، حيث أكدت أنه ينبغي على اللجنة المحلية للتنسيق واللجنة الوطنية للصلح، في إطار استمرارية الدولة والمؤسسات، ولعدم تكرار نفس الأعمال التي سبق أن عاينتها أجهزة الدولة، تنفيذ برنامج جبر ضرر المنطقة الضحية الذي قدّمته هيئة الحقيقة والكرامة والذي يحتوي أساسا على مشاريع تنموية وإجراءات على المدى العاجل، المتوسط والبعيد، والذي ينطوي على البعد المادي والبعد الرمزي، وذلك من شأنه أن يحقق التنمية والعدالة للجهات المهمّشة، مما يمكن أن يتماشى مع فكرة الصلح الجزائي الموظف للتنمية والمقترح في مشروع القانون.

[41] أصدرت مجموعة من الجمعيات بيانا معارضا جاء فيه: " تبعا لنشر المراسيم ليوم 20 مارس 2022 في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، تعتبر المنظمات الممضية أسفله أن المرسوم عدد 13 / 2022 المتعلّق بالصلح الجزائي لا يختلف في فلسفته عن قانون المصالحة الادارية عدد 49 / 2015 الذي قدمه الرئيس السابق المرحوم الباجي قائد السبسي والذي لم يكن ناجعا و”لم يحرّر الإدارة وروح المبادرة”، وضمن الإفلات من العقاب دون احترام معايير العدالة الانتقالية المرتكزة على كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وعدم التكرار، ضمن إطار قانوني يحترم الدستور والمعايير الدولية في مقاومة الفساد وخاصة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادقت عليها تونس، وقد كان من الأجدر تناول ملفات الفساد المعروضة على الدوائر القضائية المتخصصة والقطب القضائي المالي والاقتصادي، بتوفير الامكانات المادية والتقنية من أجل التسريع في الفصل في الملفات المنشورة أمامها دون إطالة .وحيث أنّ الائتلاف المدني المدافع على العدالة الانتقالية يعلم جيّدا أسباب ضعف وتيرة المحاكمات وتأخيرها المتواصل من جلسة إلى أخرى، والتي تعود أساسا إلى تقاعس أجهزة وزارة الداخلية في تطبيق بطاقات الجلب الصادرة عن تلك المحاكم، وعدم استقرار قضاتها الجالسين، والطلبات المتكررة من محامي المنسوب إليهم الانتهاك تأخير الجلسات ربحا للزمن السياسي الذي يجري عكس الزمن القضائي.". وأضاف البيان: "إن مرسوم الصلح الجزائي عدد 13 – 2022، فضلا على تناقضاته الإجرائية وعلاّته القانونية، فهو يكرس سياسة الإفلات من العقاب ويظلّل الحقيقة، لأنّ مبدأ كشف الحقيقة ومبدأ المساءلة أمام القضاء وحدهما اللذان يكفلان ضمانات عدم تكرار الانتهاكات، خاصّة في ظلّ استفحال ثقافة الإفلات من العقاب على كلّ الأصعدة، وتمكّنها من أجهزة الدولة وانتشارها في العقليات السائدة.وإذ كان الصلح الجزائي المبرم في الملفات التي تهمّ الدولة حصريا أمر سيعود بالنفع على المجموعة، فإنّ المجموعة من حقّها في المقابل أن تعلم كيف نُهبت تلك الأموال وكيف فصّل الخبراء الاقتصاديون الترتيبات والمخططات المالية والقانونية والقضائية لإضعاف البنوك العمومية وتحقيق مصلحة على غير وجه حقّ لرؤوس الأموال في ذلك الزمن، وأن يتمّ كشف هذه العمليّات للعموم سواء من خلال الوقوف أمام القضاء في إذا كانت الملفات مازالت منشورة، أو من خلال اعتذارهم العلني وكشفهم للحقيقة في تسجيلات مصوّرة إذا تمكّن المشمولون بالمرسوم عدد 13 – 2022 من تسوية وضعيتهم عبر إبرام الصلح، وذلك حتّى نضمن عدم تكرار التجاوزات. )على سبيل الذكر، الفيديو الخاصّ بشهادة السيّد ‘عماد الطرابلسي’ في إطار أعمال كشف الحقيقة خير مثال(وعلى هذا، فإنّ المنظمات الممضية اسفله :▪ تطالب بتعليق العمل بالمرسوم عد د 13 / 2022 المتعلّق بالصلح الجزائي حتّى تتمّ ملائمته مع معايير الحوكمة الرشيدة والشفافية والتشاركية.▪ تعرب عن قلقها من تبعات هذا المرسوم على مسار العدالة الانتقالية وغياب ضمانات الحماية اللازمة لتواصل عمل الدوائر الجنائية المتخصصة، مما قد يهدد مبدأ استمرارية الدولة،▪ تستنكر سياسة التعتيم والانغلاق والأمر المقضي التي تنتهجها رئاسة الجمهورية منذ 25 جويلية إلى اليوم في الجانب التشريعي ،▪ تعبر عن دعمها التامّ للدوائر الجنائية المتخصصة بالعدالة الانتقالية، التي تمثل الضمان الوحيد والنهائي لاستكمال مسار العدالة الانتقالية وذلك من خلال إصدار أحكام ستقدّم حقيقة قضائية للعموم، وتجبر الأضرار المعنوية للضحايا، وتساهم في التمهيد لتحقيق المصالحة المجتمعية .▪ تذكر الدولة التونسية بالتزاماتها القانونية وبتعهّداتها الدولية تجاه مسار العدالة الانتقالية الذي يمثل الرافد الأساسي لمعالجة كلّ الآلام والأزمات حتّى الاقتصادية منها."

منشور على:

https://ftdes.net/ar/العربية-بيان-منظمات-المجتمع-المدني-حو/

[42] سبقت الإشارة إليه.

[43] ارتبط القبول الدولي لأفكار استراتيجيات العدالة ما بعد النزاعات (العدالة الانتقالية) بتزايد عمليات الأمم المتحدة بما فيها عمليات حفظ السلام وبحماية حقوق الإنسان، لاسيما بدور مجلس الأمن وتشكيل لجان التحقيق في جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية برواندا وإنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة سنة 1998 في روما إضافة إلى مبادرات أخرى ذات صلة بالأمم المتحدة، مثل إنشاء محكمة دولية مختلطة في سيراليون وكوسوفو وتيمور الشرقية وكمبوديا. أنظر: كتاب (مؤلف جماعي) وثائق مؤتمر العدالة ما بعد النزاعات المسلحة والمحكمة الجنائية الدولية 15-17 جانفي (كانون الثاني- يناير) 2009، القاهرة جامعة الدول العربية، 2009، مقدمة الدكتور محمود شريف بسيوني ودانيال روتنبرغ، ص 9-23 وص 78 وما بعدها.

[44] القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 رائد رسمي عدد 105 المؤرخ في 31 ديسمبر 2013، ص 4335.

[45] تقرير الأمين العام إلى مجلس الأمن الدولي بشأن "سيادة القانون والعدالة الانتقالية، في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع " 6/16/2004S (الفقرتان 8 و26). قارن: لويز، أربور- العدالة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات التي بمرحلة انتقالية، (محاضرة) المركز الدولي للعدالة الانتقالية، نيويورك 25 تشرين الأول (اكتوبر) 2006.

[46] مذكرة الأمين العام الإرشادية بشأن نهج الأمم المتحدة إزاء العدالة الانتقالية، الصادرة في آذار/مارس 2010، الصفحة 2.

[47] Courtney Jung “Transitional justice for indigenous peoples in non-traditional society” (2009).

[48] ينص  القانون المنظم لها صراحة على إحداث هيئة مختصة ودوائر متخصصة كما يشير لجملة استثناءات خارجة عن القواعد التقليدية للقانون الجزائي.

[49] انظر على سبيل المثال، اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 3(2004) بشأن طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف، والمبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسمية للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي (قرار الجمعية العامة 60/147 المؤرخ 16 ديسمبر 2005).

[50] انظر قرار الجمعية العامة 67/1.

[51] الصفحة 98 من التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة الجزء الأول العهدة. وكانت الهيئة قد قدمت تقريرها النهائي المؤلف من 1700 صفحة للسلط المعنية في جانفي 2019.بموجب قرار مجلس هيئة الحقيقة والكرامة عدد 14 لسنة 2018 المؤرخ في 31 ديسمبر 2018 المتعلق بنشر التقرير الختامي الشامل بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية. وتم نشره في الرائد الرسمي عدد 59 بتاريخ 24/06/2020. وكان يفترض حسب الفصل 70 من قانون العدالة الانتقالية، أن تقوم الحكومة، في غضون عام واحد من نشر التقرير، بتطوير وتبني خطة عمل لتطبيق التوصيات الواردة فيه بهدف ضمان عدم حدوث الانتهاكات مرة أخرى. وتنص المادة ذاتها على وجوب تقديم خطة عمل إلى مجلس نواب الشعب لتشكيل لجنة مراقبة بهدف متابعة تنفيذ خطة التطبيق. ولكن هذا لم يتم.

[52]  كيفت الهيئة الانتهاكات المتعلقة بالمنسوب إليهم الانتهاك من قبيل الفساد المالي والاستيلاء على المال العام وتبييض الأموال والمشاركة في ذلك وفق ما تستوجبه المواثيق والمعاهدات الدولية المصادق عليها من طرف الجمهورية التونسية وبالخصوص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المعتمدة من قبل الجمعية العامة في 31/10/2003 والموافق عليها بمقتضى القانون عدد 16 لسنة 2008 المؤرخ في 25/02/2008 والمجلة الجزائية في الفصول 82 و95 و96 و97 و98 و99 و100 والقانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرخ في 10/12/2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال المشاركة في ذلك طبق الفصل 32 من المجلة الجزائية.

[53] ورد بالجزء الأول من تقرير هيئة الحقيقة والكرامة "العهدة" وتحديدا للصفحة 42 منه كان عدد الملفات التي تقدمت بها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد للهيئة 292 ملف فقط. فيما كان عدد الملفات المتعلقة بانتهاك تعلق بفساد مالي واعتداء على المال العام وكما ورد بالصفحة 49 من ذات الجزء 4955 ملف ( باعتبار ما ورد على الهيئة) مالي رفضت منها 87 لعدم الاختصاص. واعتمدنا في عملنا على ما ورد بالجزء الخاص بالفساد المالي بالتقرير الختامي لهيئة واكتفينا بالإشارة للمعطيات المناقضة بهذا الهامش.

[54] تقرير هيئة الحقيقة والكرامة. سبق ذكره.

[55] لا يتعلق مرسوم الصلح الجزائي مع المتورطين في الجرائم الاقتصادية والمالية فقط بمن نهبوا البلاد قبل سنة 2011 بل وكذلك من يواصلون ذلك إلى حدّ اليوم، وفق تصريح رئيس الجمهورية. وبتاريخ 31 مارس 2020، أكدت رئاسة الجمهورية من خلال بيان توضيح صدر عنها يوم 31 مارس 2021 أن مرسوم الصلح الجزائي لا ينص على مصادرة الأملاك، وبينت أن رئيس الدولة اقترح منذ سنة 2012 الصلح الجزائي مع المتورطين في قضايا الفساد المالي حتى تكون المصالحة مع الشعب. كما بينت أن الصلح الجزائي منصوص عليه في أكثر من نص قانوني، ويكون ذلك في إطار قضائي.

[56] يندرج هذا التعداد الوارد في المرسوم عدد 12 ضمن مفهوم الفساد المذكور في قانون العدالة الانتقالية حسبما تم تعريفه بموجب الفصل 2 من المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 مؤرخ في 14 نوفمبر 2011 المتعلق بمكافحة الفساد الذي جاء فيه: "يقصد بالمصطلحات التالية على معنى هذا المرسوم- الفساد : سوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية. ويشمل الفساد خاصة جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها والإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال." باعتباره النص الساري عند صدور قانون العدالة الانتقالية وقبل ان يتم إلغاؤه بموجب القانون الأساسي عدد 59 لسنة 2017 المؤرخ في 24 أوت 2017 المتعلّق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. والتعريف المعتمد حاليا هو "الفصل 2 من القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المؤرخ في 7 مارس 2017 المتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين الذي ينص على أنه: " يُقصد بالمصطلحات التالية على معنى هذا القانون:... الفساد: كل تصرف مخالف للقانون والتراتيب الجاري بها العمل يضر أو من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة، وسوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية ويشمل جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها، وجميع حالات الإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال وتضارب المصالح واستغلال المعلومة الممتازة والتهرب الجبائي وتعطيل قرارات السلطة القضائية وكل الأفعال التي تهدد الصحة العامة أو السلامة أو البيئة.

[57] محمد أنور الزياني: هل يؤمن رئيس الجمهورية حقّاً بمسار العدالة الانتقالية؟. العدد 23 من مجلة المفكرة القانونية تونس.

[58] فالعدالة الانتقالية حسب الفصل الأول من قانونها هي: "مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان".

[59] "يمثّل التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة أهمية بالغة. أولاً لأنه ثمرة خمس سنوات من العمل الذي بذلته الهيئة وشركاؤها المحلّيون والدوليّون. ثانياً لأنّه يشكّل ختام مرحلة من عملية العدالة الانتقالية في تونس وبداية مرحلة جديدة. وأقل ما يمكننا قوله هو أنّ العملية التونسية حصلت في بيئة عدائية. فهيئة الحقيقة والكرامة لم تتمكّن من إسماع صوتها ليس لأنها تفتقد لاستراتيجيا تواصل مناسبة بل لأن الحكومة المنبثقة من انتخابات 2014 والإعلام كانا معارضَين للعملية بشكل عام ولهيئة الحقيقة والكرامة بشكل خاص. إضافة إلى ذلك، كانت الهيئة تعاني من مشاكل داخلية أبرزها الصدامات بين الأعضاء أنفسهم. وبدأت الاستقالات بمجرّد مباشرة الهيئة عملها واستمرّت طيلة ولايتها وهو ما أثار السجالات وقوّض مصداقية الهيئةويمكن لمس انعدام التوازن والشرذمة في كامل التقرير. ولكنّ ذلك لا يعني أنّه يجب غضّ النظر عن الوثيقة بالكامل. بل على العكس، ثمة أقسام تركّز كثيراً على التفاصيل وهي بذلك تستحق الثناء. فالجزء المتعلّق بجبر الضرر الجماعي يقدّم تعريفاً جيّداً للمناطق الضحية ويطرح إجابات حاسمة على مسألة التهميش الجهوي. الأمر نفسه ينسحب على المنهجية التي يتبعها التقرير لتحليل منظومة الاستبداد. إلا أنّ المستوى الجيّد لبعض الأقسام يفضح أكثر أوجه القصور البارزة في الكثير من الأقسام الأخرى والتي تعتبر خطيرة جداً، كما سوف يكشف تقريرنا المرتقب. وبالنتيجة، تبدو نوعية أقسام التقرير غير متّسقة ما يجعل التقرير غير متوازن حتى لجهة الأسلوب واللغة. أما الشرذمة، فمن شأنها أن تقوّض أفضل الحجج الواردة في التقرير. فمثلاً، تناقش المسألة نفسها في أماكن مختلفة من التقرير من دون أي نوع من الإحالة الداخلية لتوجيه القارئ. فضلاً عن ذلك، يتضمّن التقرير تناقضات، حتى عند تحديد مسؤوليات المرتكبين. ففي المجلّد الثاني، يقول التقرير في الصفحة 50 إن لجان الرعاية كانت برئاسة أحمد التليلي وفي الصفحة 51 يقول إن رئيسها هو حسن العيادي. وبالفعل، عند التقييم الجماعي للتقرير، تكشّف لنا أنّ هذه الشرذمة تشكّل التحدّي الأكبر أمامنا. وعلى الرغم من أننّا لاحظناها من البداية، لكننا لم نكن نعرف المستوى الذي تبلغه. واضطررنا أكثر من مرة للعودة إلى مناقشة الموضوع نفسه مجدداً لأننا وجدنا عناصر جديدة في أقسام أخرى. وقد تكون هذه أوضح مكامن الخلل في التقرير، كما يبدو من قراءة متأنّية لفهرس المحتوى. إضافة إلى ذلك، يمكن من نظرة سريعة إلى الفهرس ذاته، الانتباه إلى أنّ بعض الأقسام لديها مقدّمة ولكن ليس لديها خاتمة والعكس صحيح، في حين تفتقد أقسام أخرى إلى الإثنتين. وهذا النقص الواضح من الفهرس ينسحب على أجزاء أكبر مع التقدّم في قراءة التقرير ويؤثر حتى على المنهجيةفقد يكون علينا أن نعترف بأن التقرير قد لا يحظى بالثقة، على الرغم من التعديلات المستمرة التي أجرتها الهيئة عليه في الأشهر الستة الماضية". حسني مولهي: ملاحظات منهجية حول التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة في تونس. المفكرة القانونية، تونس. العدد 16. ديسمبر 2019. ص: 4 و5. عدد خاص حول:"الحقيقة والكرامة في أفق جديد".

[60] اعتبر المشرع التونسي عند صياغته لشروط مسار المحاسبة في نطاق العدالة الانتقالية أسباب انقضاء الدعوى العمومية عائقا قد يعرقل أهداف تلك العدالة. فاستبعدها بالتنصيص على كون الانتهاكات المشمولة به لا تسقط بمرور الزمن”[الفصل 9 من القانون الأساسي للعدالة الانتقالية] وعلى أن المصالحة لا تعني الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات”[الفصل 15 من ذات القانون] وأن الملفات التي تعدها هيئة الحقيقة لا تعارض باتصال القضاء”[الفصل 42 من القانون المذكور] وهي مبادئ حصنتها السلطة التأسيسية من كل طعن أو دفع ينازع في دستوريتها [بموجب البند التاسع من الفصل 148 الدستور الذي كان ينص على أنه" ” تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها، ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بحجية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن.“] وأن مشروعية الجرائم والعقوبات أمر لا يلائم خصوصيات العدالة الانتقالية”[ورد هذا في تدخل رئيسة لجنة التشريع العام بالمجلس الوطني التأسيسي كلثوم بدر الدين خلال الجلسة المسائية ليوم 13-12-2013 ويذكر هنا أن وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية سمير ديلو تدخل في ذات الجلسة ليتمسك بعدم جواز ان يحاكم القاضي على أفعال غير مجرمة]. فالتنصيص الدستوري مهمّ جدّاً لتفعيل مسار العدالة الانتقالية واستكماله، إذ يضعها في مرتبة قانونية دستورية تسمح لمن له مصلحة من أشخاص ومنظّمات بالتظلّم قانوناً في صورة عدم تفعيل المسار، ومن جهة أخرى يسمح للآليّات الوطنية الدولية لحقوق الإنسان بإرساء رقابة على المسار من خلال الالتزام الدستوري المحمول على الدولة ( انظر في هذا الصدد تقرير المقرّر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار بشأن مسار العالة الانتقالية في تونس، أكتوبر 2021:

https://documents-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/G21/215/84/PDF/G2121584.pdf?OpenElement).

[61] إنتشرت في سنة 2011 وما بعدها معطيات غير رسمية تقدر الأموال التي نهبها بن علي وعائلته وأصهارهم بإثنين وثلاثين مليار دولار[تقديرات أعلنت لأول مرة في تقرير أعدته جمعية تأسست سنة 2011 تحت مسمى منظمة الشفافية المالية التونسية وهي تقديرات تبدو جزافية وإن كانت تتقارب مع تقديرات لمنظمات دولية ذات مصداقية تعلقت بالأموال المنهوبة في دول الربيع العربي عموما.] ويبشر بقرب استعادتها لتوظف في تحقيق النهضة الاقتصادية للبلاد عامة وللمناطق الداخلية التي توصف بالمهمّشة. ولغاية تحقيق ذلك أحدثت السلطة السياسية بموجب المرسوم عدد 15 لسنة 2011 المؤرخ في 26 مارس 2011 لجنة وطنية لاسترجاع الأموال الموجودة بالخارج والمكتسبة بصورة غير مشروعة. والتي أسندت لها اختصاص تنسيق والقيام عند الاقتضاء بإجراءات الإسترجاع” [تتركب اللجنة كما اقتضى ذلك الفصل الرابع من مرسوم إنشائها من محافظ البنك المركزي التونسي الذي يرأسها ويدير جلساتها ووزير المالية أو من ينوبه، وممثل عن وزير العدل، وممثل عن وزير الشؤون الخارجية، والمكلف العام بنزاعات الدولة.] ثم تم استحداث المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرف فيها”.[أمر عدد 1425 لسنة 2012 مؤرخ في 31 أوت 2012 يتعلق بتنقيح وإتمام الأمر عدد 3080 لسنة 2010 المؤرخ في 1 ديسمبر 2010 المتعلق بإحداث مجالس عليا استشارية. ونص الفصل 25 ثالثا من أمر الإحداث على كون المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرف فيها يتركب من الوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالحوكمة ومقاومة الفساد، وزير العدل، وزير الداخلية، وزير الشؤون الخارجية، الوزير المكلف بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، الوزير المكلف بأملاك الدولة والشؤون العقارية وزير المالية، رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، رئيس اللجنة الوطنية لاسترجاع الأموال الموجودة بالخارج والمكتسبة بصورة غير شرعية، رئيس اللجنة الوطنية لمصادرة أموال وممتلكات منقولة وعقارية، رئيس اللجنة الوطنية للتصرف في الأموال والممتلكات المعنية بالمصادرة أو الاسترجاع لفائدة الدولة، خمسة نواب عن المجلس المكلف بالسلطة التشريعية يتم تعيينهم باقتراح منه.”]. تولّت قبل نهاية الشهر الأول من عمر الثورة التونسية كل من الجمهورية الفيدرالية السويسرية والاتحاد الأوروبي

 [DÉCISION 2011/72/PESC DU LE CONSEIL DE L’UNION EUROPÉENNE du 31 janvier 2011. concernant des mesures restrictives à l’encontre de certaines personnes et entités au regard de la situation en Tunisiela]

بناء على طلب صدر لهما عن عميد قضاة التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس إصدار قرارات تجميد إداري لأموال تعود ل48 مواطنا تونسيا شملهم مرسوم المصادرةإسميا. بادرت لاحقا كندا وتحديدا بتاريخ 23-03-2011 إلى إصدار قانون ينظم تجميد أموال المسؤولين الأجانب الفاسدين والتصرف في تلك الأموال

[Loi sur le blocage des biens de dirigeants étrangers corrompus et le Règlement sur le blocage des biens de dirigeants étrangers corrompus]

. وكان أول نص يضبط إجراءات ذاك القانون يتعلق بتونس ويجمد أموال ذات الأشخاص. واستجابت في تواريخ لاحقة دول أخرى لطلب تجميد أموال صدرت عن الدولة التونسية تعود لأشخاص معنيين بمرسوم المصادرة وكشفت استقصاءات لجنة التحاليل المالية بالبنك المركزي بفضل التنسيق مع نظيراتها بتلك الدول [فرنسا وايطاليا وبلجيكا وألمانيا والولايات المتحدة واستراليا وكندا ومصر والمغرب والجزائر ولبنان، الكونغو] عن مسكهم أموالا بها. لم يثمر مجهود الاسترداد في المحصلة إلا عائدات محدودة ربما كان ما صرف من أموال في سبيلها أكثر قيمة منها [تم استرجاع مبلغ 28،8 مليون دينار من مصرف لبنان المركزي وتم ذلك سنة 2013 واعتمد في تحقيقه إكساء حكم تونسي بالصيغة التنفيذية واسترداد طائرة خاصة من سويسرا سنة 2013 كانت على ملك أحد أصهار بن علي. كما تم استرداد يخت لصهر بن علي بلحسن الطرابلسي من إسبانيا بناء على قرار صدر من قاضي تحقيق إسباني وتأيد إستئنافيا يقضي بتأمين اليخت المحجوز تحت يد الدولة التونسية لحين إثبات فساد مصدره (قانونا استرداد مؤقت)، واسترداد يخت على ملك احد أصهار بن علي من ايطاليا بناء على قرار قضائي سنة 2015 واسترداد مبلغ مالي قدرة 250 ألف أورو[15] من سويسرا بموجب حكم قضائي ،سنة 2017 واسترداد مبلغ قدره 3,5 مليون أورو تولت سويسرا رده بناء على مصادقة من المتهم بتهريبه لها (موافقة كتابية من المتهم سليم شيبوب بعد تقدم تحقيقيات قضائية كشفت أن ذاك المبلغ دفع له كعمولة في صفقة عمومية ).]. وقد اعترفت السلطة التونسية بفشلها هذا. اكتفت تونس بمتابعة إجراءات استرداد أموال من جمدت أموالهم سنة 2011 والمطالبة دوريا بتمديد إجراء التجميد في حقهم كلما انتهت مدته. ولم يسجل في جانبها أي مسعى لتوسيع دائرة من جمدت أموالهم. وتولت في اتجاه معاكس سنة 2018 اتخاذ إجراءات رفع تجميد عن أحد من شملهم التجميد. صادق مجلس الوزراء التونسي بتاريخ 22-11-2018 على توجيه طلب للاتحاد الأوروبي في رفع تجميد أموال مروان المبروك. وقد تم اتخاذ هذا القرار رغم عدم صدور أحكام قد تبرره محليا وبعدما فشل من استفاد منه المبروكمن تحقيقه في محاكم الدول الأوروبية.استجاب الاتحاد الأوروبي لهذا الطلب بموجب قراره المؤرخ في 28-01-2019

DÉCISION (PESC) 2019/135 DU CONSEIL du 28 janvier 2019 modifiant la décision 2011/72/PESC

 لطلب رفع التجميد الذي تقدمت به تونس. ويمكن هنا أن يكون تحفظ تونس في متابعة أموالها المنهوبة غير المجمدة وسعيها لتضييق نطاق الأموال المجمدة مؤشرا قد يقرأ خارجها ويفهم منه أنها لم تعد متحمسة لهذا الملف بما يضعف التعاون الدولي معها فيما تعلق به.كما عادت الفيدرالية السويسرية ورفعت بدورها التجميد عن أموال المبروك وشقيقيه محمد علي واسماعيل. وطعنت الدولة التونسية في ذاك القرار، لكن المحكمة الفيدرالية السويسرية الجزائية رفضت بتاريخ 29-10-2019 طعنها لعدم كفاية حجج الإدانة التي تقدمت بها في حق المبروك ولعدم مراعاة حقوق الدفاع في الأبحاث التي تمت في مواجهة شقيقيه. (محمد العفيف الجعيدي: إسترجاع الأموال المنهوبة بالخارج في تونس: الحق الضائع. المفكرة القانونية. العدد 16. سبق ذكره. ص 18-19).

[62] مشروع (أولي) لقانون أساسي يتعلق باستكمال مسار العدالة الانتقالية وبإرساء المصالحة الشاملة وتعزيز الوحدة الوطنية. وهو مشروع تضمن 46 فصلا تمحورت حول كشف الحقيقة والاعتذار والمصالحة والتسوية والمصالحة في المجال الاقتصادي والمالي وفيه أحكام نهائية تتضمن العفو عن الموظفين العموميين الذين لم يحققوا مكاسب لأنفسهم وجاء في الفصل الأول منه مايلي: " انطلاقا من انقضاء المدة الزمنية المحددة بالتشريع التشريع المتعلق بمنظومة العدالة الانتقالية وأخذا بعين الاعتبار نتائج عمل هيئة الحقيقة والكرامة وحق ضحايا الانتهاكات في جبر الاضرار ورد الاعتبار، والحاجة إلى استحداث آليات من شأنها التشجيع على كشف الحقيقة دونما تشف أو انتقام، واعتبارا لما يفرضه الواقع اليوم من تحديات خاصة في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي، وما يتطلبه رفعها من تعزيز اللحمة الوطنية ومن بناء سلم أهلية كشرط لتحقيق أهداف الثورة ونجاحها، وتأسيسا على التجربة الحاصلة، واستخلاصا للعبرة منها، بهدف توطيد الانتقال الديمقراطي وتحصينه من الهزات، وما تقتضيه المرحلة من بناء جسر بين الماضي وما اعتراه من سلبيات وانتهاكات وبين مستقبل يرتكز على ترسيخ حقوق الانسان والتعايش السلمي بين جميع الافراد في نطاق قيم التسامح والقبول بالآخر، وعلى النهوض بالتنمية للجميع أفرادا كانوا أو جماعات أو جهات، واستلهاما من مختلف التجارب التي قامت كلها على توافقات استراتيجية من خلال إقرار عدالة انتقالية تخدم مسارا متكاملا أحدث أساسا لاختزال المسافات الزمنية والإجرائية، لا لتأبيد وضع مواز وداعم للعدالة العادية، وليفضي إلى مصالحة وطنية وشاملة بما يمكن من تحقيق الانتقال الديمقراطي بأيسر السبل وبأقل كلفة، كل ذلك دون تهرب من الماضي أو البقاء سجين سلبياته من خلال تعزيز المكتسبات والاتعاظ بما حصل من سلبيات وانتهاكات وإعادة بناء ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وتكريس دولة القانون بما يضمن التصدي لتكرار الانتهاكات،يهدف هذا القانون الأساسي إلى إرساء نظام قانوني يحفز على كشف انتهاكات حقوق الانسان قصد معرفة الحقيقة والاعتذار للضحايا وهي الانتهاكات الحاصلة في الفترة المشمولة بالفصل 17 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، كل ذلك في كنف جبر اضرار الضحايا ورد الاعتبار لهم والوقوف على مسؤوليات أجهزة الدولة وغيرها في حصول تلك الانتهاكات وبيان سياقاتها. كما يهدف إلى إيجاد آليات تسمح بتسريع استرجاع الأموال العمومية المستولى عليها".لكن هذا المشروع لم يمر منه سوى أحكامه النهائية فقط.والمتعلق بالمصالحة في المجال الاداري. نص المشروع كاملا منشور على:

https://legislation-securite.tn/ar/law/104543

[63] https://alqatiba.com/2022/04/04/مرسوم-الصلح-الفاسدين-العدالة-الانتقا/

[64] أخمد صواب، قراءة نقدية لمرسوم الصلح الجزائي. جريدة المغرب بتاريخ: 01/04/2022:

https://ar.lemaghreb.tn/قضايا-وأراء/item/54350-قراءة-نقدية-لمرسوم-الصلح-الجزائي

[65] سلسبيل القليبي، تصريح لموقع نواة تم ذكره في مقال: " الصّلح الجزائي: حلم سعيد بمرسوم جديد و”مصالحة“ قديمة". منشور بتاريخ 28/03/2022:

https://nawaat.org/2022/03/28/الصّلح-الجزائي-حلم-سعيد-بمرسوم-جديد-و/

[66] سبقت الإشارة إلى أنه جاء في شرح أسباب المبادرة، أنها تهدف إلى معالجة مسار العدالة الانتقالية لما شابها من إخلالات جوهرية حيث كان النصّ الأصلي للفصل الأوّل من مسودة مشروع القانون تنص على التالي: “يهدف هذا القانون الأساسي إلى تهيئة مناخ ملائم يشجع على الاستثمار وينهض بالاقتصاد الوطني ويعزز الثقة بمؤسسات الدولة. كما يهدف إلى إقرار تدابير خاصة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام تحفظ حقوق المجموعة الوطنية وتفضي إلى غلق الملفات، بعد المساءلة والمحاسبة، تحقيقا للمصالحة باعتبارها الغاية الأسمى للعدالة الانتقالية”

[67] شاكر الحوكي: العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في تونس: قراءة نظرية في تفكيك المفاهيم والنتائج. العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية. تونس.

[68] محمد سعيد: العدالة التقليدية الجزائية والعدالة الانتقالية. منشور في أعمال الملتقى الدولي "مائوية المجلة الجزائية: الماضي والحاضر والمستقبل".. مجمع الأطرش لنشر الكتاب المختص وتوزيعه. تونس 2016.

[69] Bernard Bouloc, Droit pénal général, Dalloz, 21e édition, 2009 , n° 26, p 20 .

[70] Zehr, Howard. Changing Lenses – A New Focus for Crime and Justice. Scottdale PA: 2005 (3rd ed),p. 271.

ويُوصف هذا الكتاب المعنون بـ: "تغيير العدسات - تركيز جديد في شأن الجريمة والعدل"، الذي نُشر أول مرة عام 1990 بأنه الرائد في هذا المجال، وبأنه واحد من أول المحاولات لتبيين نظرية العدالة التصالحية. يشير عنوان الكتاب إلى تقديم إطار بديل (أو عدسات جديدة) للتفكير في الجريمة والعدالة. قارن الكتاب بين إطار «العدل العقابي» الذي تعتبر فيه الجريمة اعتداءً على الحكومة، وإطار العدالة التصالحية، التي تعتبر الجريمة فها اعتداءً على الناس والعلاقات.

[71] قانون عدد 92 لسنة 1995 المؤرخ في 9 نوفمبر 1995 يتعلق بإصدار مجلة حماية الطفل. ونظم الباب الثالثمنها: الوساطة. ونص الفصل 113على مايلي: "الوساطة الآلية ترمي إلى إبرام صلح بين الطفل الجانح ومن يمثله قانونا وبين المتضرر أو من ينوبه اوورثته وتهدف إلى إيقاف مفعول التتبعات الجزائية اوالمحاكمة أو التنفيذ".

[72] قانون عدد 93 لسنة 2002 مؤرخ في 29 أكتوبر 2002 يتعلق بإتمام مجلة الإجراءات الجزائية بإرساء الصلح بالوساطة في المادة الجزائية. جاء ب الفصل 335 مكرر – "يهدف الصلح بالوساطة في المادة الجزائية إلى ضمان جبر الأضرار الحاصلة للمتضرر من الأفعال المنسوبة إلى المشتكى به مع إذكاء الشعور لديه بالمسؤولية والحفاظ على إدماجه في الحياة الاجتماعية".

وينشأ حق الدولة في العقاب مع اقتراف الجاني للواقعة الإجرامية ويمارس وفق إجراءات قانونية تجسيدا لقاعدة "لا عقوبة دون محاكمة" إلا أن هذه القاعدة أصبحت تتراجع لتفسح المجال عن طريق التراضي وبعيدا عن إجراءات الدعوى المطولة إلى اعتماد بديل للتتبع بموجب إجراءات مختصرة قوامها مبدأ الرضائية ومن بين أهم هذه الإجراءات نجد الصلح بالوساطة الذي تعد إجراء بديل عن الدعوي العمومية استحدثه المشرع في تعديل قانون الإجراءات الجزائية لسنة 1999 حيث يشكل أهم صورة من صور العدالة الرضائية التي تسعى لاستبدال العدالة الجزائية العقابية التقليدية بعدالة جزائية رضائية أو تصالحية. أنظر: إبتسام عزوز. الوساطة الجزائية كآلية من آليات العدالة الجنائية الرضائية. المجلة الشاملة للحقوق (جامعة باجي مختار-عنابة كلية الحقوق والعلوم السياسية)، المجلد 2، العدد 1 (31 مارس 2022)، ص. 35-45،.

[73] قانون عدد 68 لسنة 2009 مؤرخ في 12 أوت 2009 يتعلق بإرساء عقوبة التعويض الجزائي وبتطوير الآليات البديلة للسجن.جا في الفصل 15 رابعا منه:" تهدف عقوبة التعويض الجزائي إلى استبدال عقوبة السجن المحكوم بها بتعويض مالي يلزم المحكوم عليه بأدائه لمن ترتب له ضرر شخصي ومباشر من الجريمة".

[74] - V. Mourgeon (J) : la répression administrative L. G. D. J 1967 P 315.

[75] - V. Dobkine (M), p 137 opicit p4 et van de kerchove (M), le droit sous peine facultés universitaires saint louis Bruxelles 1987.

[76] هناء جبوري محمد يوسف: التسوية الجزائية طريقة مستحدثة في حسم الدعوى الجزائية. مجلة الکلیة الاسلامیة الجامعة. .العراق. العدد 11 السنة 40. صيف 2016 ص 357.

[77] يقول Gérald Darmanin وزير العدل الفرنسي الأسبق:"من الأفضل إجراء اتفاق جيد عوضا عن محاكمة سيئة «Il vaut mieux un bon accord qu’un mauvais procès» "، طارق أحمد ماهر زغلول، تطورات العدالة الجنائية التفاوضية في جرائم الشرکات (اتفاقات الملاحقة المؤجلة والمصلحة العامة نموذجًا) دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة في القانون الأمريکي والفرنسي. المجلة القانونية. السنة السادسة العدد 11. 2022. ص 1587.

[78] يسمينة لعجال; بن عريف مايسة, وشابي آية ، فعالية السياسة الجنائية الحديثة في جرائم الأعمال. جامعة قاصدي مرباح – ورقلة كلية الحقوق والعلوم السياسية قسم الحقوق. الجزائر. 2022.

[79] الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، لجنة منع الجريمة والعدالة الجنائية. الدورة الحادية عشرة. فيينا 16-25 أفريل 2002 البند 3 من جدول الأعمال المؤقت*إصلاح نظام العدالة الجنائية:تحقيق الفعالية والانصاف. وثيقة: E/CN.15/2002/5

[80] الفصل 124 من الدستور ونصه: "لكلّ شخص الحقّ في محاكمة عادلة في أجل معقول. والمتقاضون متساوون أمام القضاء".

[81] شريف سيد كامل:: الحق في سرعة الإجراءات الجنائية، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، بند 2، ص 11 وما بعدها.

[82] Toute affaire pénale doit s'étaler sur une certaine durée, le travail de décantation des preuves exige du temps pour que la vérité se dégage et pour que soient respectés les droits de la défense et les libertés." Jean PRADEL, La célérité du procès pénal, édition RICPT, 1984, p.155 .

[83] وذلك بمناسبة لقائه مع وفد يتكون من رؤساء المجالس القضائية الثلاثة العدلي والمالي والإداري بالإضافة إلى رئيس المجلس الأعلى للقضاء، بتاريخ 08/12/2021 وذلك قبل أن يتخذ قرار بحل ذلك المجلس.

[84] العدالة التصالحية عملية مرنة ومتجاوبة ثقافيًا، وليست برنامجًا ثابتًا أو موحدًا، حيث يناقش الطرفان بطريقة بناءة كيفية إحداث التغيير. المرونة والاستجابة من بين أهداف العمليات التصالحية، على النحو المبين في المبادئ الأساسية (المبادئ الأساسية لاستخدام برامج العدالة التصالحية في المسائل الجنائية اعتمدت ونشرت على الملأ بموجب قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي رقم 2002/12، المؤرخ في 24 جويليه 2002، أنظر: الديباجة والمبدأ الأساسي 9). إذ تؤطرها تلك المبادئ على المستوى العالمي مبادئ، التي توفر معايير وضمانات بشأن استخدام مبادرات العدالة التصالحية. فالعدالة التصالحية هي "استجابة متطورة للجريمة تحترم كرامة كل شخص ومساواة كل شخص وتبني التفاهم وتعزز الوئام الاجتماعي من خلال علاج الضحايا والجناة والمجتمعات" (قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي 2002/ 12 الديباجة).علاوة على ذلك، يؤكد إعلان الأمم المتحدة بشأن المبادئ الأساسية للعدالة لضحايا الجريمة وإساءة استخدام السلطة (1989) على قيمة عمليات تسوية المنازعات غير الرسمية لتعزيز التوفيق والإنصاف للضحايا (لمزيد من المعلومات ، انظر الوحدة 11 بشأن وصول الضحايا إلى العدالة.).وتنعكس قيم العدالة التصالحية أيضًا في وثائق أخرى للأمم المتحدة ، مثل اتفاقية حقوق الطفل (الملزمة قانونًا) (1989) ، وقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأحداث - `` قواعد بكين '' (1985). ) ، ومبادئ الأمم المتحدة التوجيهية لمنع جنوح الأحداث - "إرشادات الرياض" (1990) ، وقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا للتدابير غير الاحتجازية - "قواعد طوكيو" (1990) ، وقواعد الأمم المتحدة للمعاملة. للسجينات والتدابير غير الاحتجازية للمجرمات - "قواعد بانكوك" (2010). وتشجع هذه الوثائق الدول الأعضاء على تعزيز مشاركة المجتمع بشكل أكبر عند الرد على المخالفين، وتعزيز التحويل وبدائل السجن. ويؤكد إعلان الدوحة لعام 2015 (قرار الجمعية العامة 70/174) على أهمية العدالة التصالحية في حل النزاع الاجتماعي من خلال الحوار وآليات المشاركة المجتمعية ، وكذلك في مجال إعادة دمج السجناء (المادة 5 (ي) و10 (د)). )).وفي أوروبا، تعزز الوثائق الإرشادية التي اعتمدها مجلس أوروبا (CoE) والاتحاد الأوروبي استخدام العدالة التصالحية. تكتسب توصية مجلس أوروبا (2018) 8 ذات الأهمية الخاصة بشأن العدالة التصالحية في المسائل الجنائية ، والتي حلت محل التوصية رقم (99) 19 المتعلقة بالوساطة في المسائل الجنائية. تهدف توصية مجلس أوروبا لعام 2018 إلى تعزيز تطوير العدالة التصالحية واستخدامها في سياق العدالة الجنائية ، وتوضيح معايير استخدامها ، وتشجيع الممارسة الآمنة والفعالة والقائمة على الأدلة. علاوة على ذلك ، تهدف الوثيقة إلى دمج فهم أوسع للعدالة التصالحية ومبادئها مما هو منصوص عليه في توصية 1999. والهدف الآخر هو توضيح استخدام العدالة التصالحية من قبل السجون وخدمات المراقبة (انظر التعليق على التوصية CM / Rec (2018)). تؤكد التوصية على تحول أوسع في العدالة الجنائية عبر أوروبا نحو نهج إصلاحي أكثر.علاوة على ذلك، يحدد توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن حقوق الضحايا (2012) المعايير الدنيا بشأن حقوق ودعم وحماية ضحايا الجريمة ويؤكد على إمكانات برامج العدالة التصالحية. يمكن اعتبار هذا الصك الملزم قانونًا والقابل للتنفيذ علامة فارقة في توفير الحماية والمساعدة لجميع ضحايا الجريمة في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وقد حل محل القرار الإطاري للمجلس 2001/220 / JHA بشأن وضع الضحايا في الإجراءات الجنائية، والذي يتطلب من الدول الأعضاء وضع أحكام تشريعية للوساطة بين الضحية والجاني. كان هذا القرار الإطاري ذا صلة في العديد من البلدان الأوروبية لإدخال الوساطة في المسائل الجنائية والاعتراف بتأثير النتائج التصالحية في الإجراءات الجنائية.تبرز توصية مجلس أوروبا (Rec (2006) 2) بشأن قواعد السجون الأوروبية أهمية الاستعادة والوساطة لحل النزاعات مع السجناء وفيما بينهم (2006 ، القاعدة 56.2) ، وكذلك عند التعامل مع الشكاوى والطلبات المقدمة من السجناء ( 2006 ، القاعدة 70.2).بالنسبة للأطفال المخالفين للقانون ، لا سيما توصية مجلس أوروبا رقم R (2003) 20 بشأن الطرق الجديدة للتعامل مع الأحداث الجانحين ودور قضاء الأحداث ، والتوصية (2008) 11 بشأن القواعد الأوروبية للمجرمين الأحداث تخضع للعقوبات أو التدابير (ERJOSSM) كلاهما يشير إلى استخدام العدالة التصالحية وجبر الضرر. تؤكد التوصية رقم R (2003) 20 على استخدام ردود أكثر ابتكارًا وفعالية عند التعامل مع الجرائم الخطيرة والعنيفة، وتشجع على استخدام الوساطة والتعويض والتعويض للضحية (المادة 8). توصي "القواعد الأوروبية للمجرمين الأحداث الخاضعين للعقوبات أو الإجراءات" بضرورة إتاحة الوساطة والتدابير التصالحية الأخرى في جميع مراحل الإجراءات الجنائية، بما في ذلك عند إصدار الأحكام (2000، المبدأ الأساسي 12). إن تعزيز بدائل الإجراءات القضائية، ولا سيما الوساطة والتحويل وحل المنازعات بالطرق البديلة، أمر تؤكده كذلك المبادئ التوجيهية لمجلس أوروبا بشأن العدالة الملائمة للأطفال (2010، العدد 24). على المستوى الإقليمي، يهدف إعلان ليما بشأن العدالة التصالحية للأحداث (2009) إلى تعزيز تنفيذ النهج التصالحية في أمريكا اللاتينية.

[85] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، سلسلة الوحدات التعليمية الجامعية: مفهوم وقيم ونشأة العدالة التصالحية.

[86] الفصل الاول من المجلة الجزائية.

[87] الفصول 371 الى 375 م إ ج.

[88] الفصلان 376 و377 م إ ج.

[89] الفصل 4 خامسا م إ ج.

[90] الفصل 5 م إ ج.

[91] الفصل 349 م إ ج.

[92] الفصل 4 و132 مكرر م ا ج

[93] Bernard BOULOK, Droit Pénal général, Dalloz, 21ème éd 2009, n° 798 p 648

[94]  Bernard BOULOK,op cit , n° 788, p 639.

[95] Michel Franchimont, Ann Jacobs, Adrien Masset, Manuel de procédure pénale, 2ème éd LARCIER 2006, p 969.

عزالدين العرفاوي، قاعدة عدم إمكانية المؤاخذة مرتين من أجل نفس الفعلة، ملتقى نصف قرن من فقه القضاء الجزائي، يومي 25 و26 نوفمبر 2010 كلية العلوم القانونية والاقتصادية والتصرف بجندوبة، منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص، تونس 2011 ص 211.

[96] Michel Franchimont, Ann Jacobs, Adrien Masset, Manuel de procédure pénale, op cit p 109.

[97] الفصل 38 م ج.

[98] الفصول 39 الى 42 م ج.

[99] حسب تصريحات إحدى أعضاء اللجنة فقد أحال جهاز المكلف العام بنزاعات الدولة وحدة على اللجنة حوالي 10 آلاف ملفّ، وأن اللجنة قبل أن تنطلق في النشاط قامت بفرز الملفات وأعدت جداول بخصوصها وقامت بإعداد قائمة أولية فيها، وأن اللجنة تعمل بأبسط الإمكانيات، وأن وزارة أملاك الدولة هي الوزارة الوحيدة التي سعت بجدية إلى توفير احتياجات اللجنة بينما اقتصرت وزارة المالية على فتح الحساب الجاري المشترك الذي نص عليه المرسوم.

[100] الذي ينص على أنه: " لا يمكن تتبع من حكم ببراءته من جديد لأجل نفس الأفعال ولو تحت وصف قانوني آخر".

[101] المادة 14(7) من "العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية":" لا يجوز تعريض أحد مجدداً للمحاكمة أو للعقاب على جريمة سبق أن أدين بها أو برئ منها بحكم نهائي وفقاً للقانون وللإجراءات الجنائية في كل بلد."

[102] في الواقع، تعدّ آلية التعهّد التلقائي من قبل اللجنة الوطنية للصلح في ظلّ توسّع مجال تدخّلها، متناسقة مع خطاب رئيس الجمهورية المشكّك في نزاهة واستقلاليّة القضاء التونسي من جهة، وخطرا جاثما على صدور المعنيين بقضايا الجرائم الاقتصاديّة والمالية الذي يمكن أن تُستعمل ضدّهم آلية التعهّد التلقائي وإن تعلّقت بهم أحكام باتّة أو إن كانوا بصدد تمضية العقوبة أو لم تشملهم تتبعات. فيكفي أن تفضي أعمال اللجنة إلى أنه كان من المفروض القيام بتتبعات ضدّهم في حقّ الدولة أو قاموا بجرائم يمكن أن يترتّب عنها منافعللتعهّد بملفاتهم تلقائيا. مع الإشارة إلى أن هنالك تناقض بين ما جاء بالفصل 18 فقرة أخيرة والفصل 21 والمتعلقان بالتعهد التلقائي بالصلح الجزائي فالأول أعطى أجل شهر للقبول بمقترح الصلح والثاني أعطى أجل 15 يوما.

[103] أمر رئاسي عدد 112 لسنة 2020 مؤرخ في 22 أكتوبر 2020 يتعلق بإحداث لجنة خاصة برئاسة الجمهورية لاسترجاع الأموال المنهوبة الموجودة بالخارج.

[104] .من أهم الأخطاء المتصلة بصياغة النص يمكن الإشارة إلى :

-                     وجود احالات الى فصول خاطئة وذلك كالآتي:

الفصل 25 فقرة 2 أحال الى الفصل 34 والفصل 36(لا علاقة لهما بمحتوى هذا الفصل ) والصحيح هو الفصل 35.

الفصل 28 أحال الى الفصل 38 لا علاقة له بهذا الفصل والصحيح هو الفصل 29.

الفصل 29 أحال الى الفصل 24 لا علاقة لها بهذا الفصل والصحيح أن الإحالة تكون الى الفصل 28.

-                     الاخطاء الإملائية

أشار إليها السيد أحمد صواب في قراءته النقدية للمرسوم، من ذلك مبدأي عوض «مبادئ»(الفصل 5) ، والاعضاء في اللجنة الوطنية يكتبون كسرا وليس نصبا، لانهم مسبوقين بحرف جرّ (الفصل 8)، السهو عن واو العطف الضرورية (الفقرة الاخيرة من الفصل 18 واخر الفصل 25) ، عبارة «شهر» منصوبة وليس كما ورد في النص «...في اجل لا يتجاوز شهر من ...». (أخمد صواب، قراءة نقدية لمرسوم الصلح الجزائي. مقال سبق ذكره).

-                     كما يضيف في ذات المقال أنه حصل خرق لمبدأ وضوح النص ومقروئيته:

من ذلك أن الفصل الاول نص على «أفعال وأعمال وممارسات يمكن ان تترتب عنها منافع غير شرعية او غير مشروعة والتي انتجت ضررا ماليا للدولة»، وكذلك الفصل 6 الذي نص على عبارات غريبة «ولا يشمل مجال الصلح الجزائي وان اتسعت عباراته سوى ...» فواضع النص يعترف بأنه هناك اتساع في العبارات، بما يصعب معه التأويل والتطبيق ووضع الحدود في الغرض.

ونضيف إلى ما سبق الصياغة الركيكة للفصل 6.

-                     التكرار

كما هو الحال بالنسبة للفصلين 17 و18 فيما يتعلق بطرق تعهد اللجنة الوطنية. و18 و19 فيما يتعلق بتضمين المطلب.

وبالنسبة لآثار الصلح الجزائي التي تم تكرارها في عدة فصول مثل 2 و35

وحدود اتفاق الصلح التي أشار إليها بالفقرة الأخيرة من الفصل 5 والفصل 6 والفصل 39.

-                     التضارب

بين تمليك الدولة لمنتوج الصلح على معنى الفصل 33 وبين فتح حساب خاص بالخزينة وتوزيعها على معنى الفصلين 29 و30.

[105] يشير القاضي محمد العيادي في تعليق له على المرسوم إلى أن الاستثناء يشمل كذلك "الأفعال والأعمال والتصرفات والدعاوى والحقوق التي سبق التصالح في شأنها،" وهو استثناء لم نعثر له على سند في النص بل هناك ما يوحي بخلافه كما تم بيانه أعلاه

[106] يمكن الاشارة إلى مقتضيات الفصل 205 م ا ج الذي يتضمن مفهوما ضيقا لها (مخالفة قانون الاسعار). وقانون القطب القضائي الاقتصادي والمالي الذي يتضمن مفهوما واسعا.

أنظر حول تعريف الجرائم الاقتصادية والمالية: مقدمة كتابنا حول المسؤولية في القانون الجزائي الاقتصادي. دار الحلبي. طبعة ثانية 2008 بيروت.

[107] تم التخلي في النسخة النهائية عن فكرة القطب القضائي للصلح الجزائي. إذ تضمّنت النسخة المعروضة على المجلس الأعلى للقضاء المنحلّ إحداث هيئة قضائية ملحقة بمحكمة الاستئناف تختصّ بإبرام الصلح الجزائي وهي القطب القضائي للصلح الجزائي”. تتكوّن هذه المحكمة حصريّا من قضاة تقع تسميتهم من قبل رئيس الجمهورية. وقد عاب المجلس المنحلّ حينها في رأيه الاستشاري عدد 18 على المشروع إدخاله تعديلا جوهريا في المنظومة القضائية من خلال إحداث محكمة استثنائية لا تندرج ضمن الأصناف الموجودة، معتبرا أنّ مشروع المرسوم المعروض يُدخل كذلك تغييرا يتّصل بالتدخّل في المسارات الوظيفية للقضاة وتحديدا في تسميتهم أعضاء بالقطب القضائي للصلح الجزائي على غير الصيغ الدستورية والقانونية النافذة.أمام الملاحظات المقدّمة، انتهى المشرّع الحالي إلى تعويض القطب القضائي للصلح الجزائيبلجنة مختلطة التركيبة تتضمن قضاة وممثلين عن الوزارات تدعى اللجنة الوطنية للصلح الجزائي”.

[108] تم تحميل مصاريف اللجنة الوطنية على ميزانية الدولة ( الفصل 9 )، والحال أنه كان من المتعين تحميلها على ميزانية سلطة الاشراف على التنفيذ أي على ميزانية رئاسة الجمهورية، سيّما انه نص على ما يلي «تحدث لدى رئاسة الجمهورية لجنة...» ( الفصل 7 ).

[109] أعلنت اللجنة الوطنيّة للصلح الجزائي في بلاغ أصدرته يوم 17 مارس 2023عن إنطلاق نشاطها الرسمي بداية من يوم 21 مارس 2023، وأنّ اللجنة ستقوم بتقبّل مطالب الصلح مباشرة بمقرّها، مقابل وصل في ذلك.

[110] على خلاف مشروع المرسوم المعروض على المجلس الأعلى للقضاء الذي تمّ حلّه، والذي كان يعبّر صراحة على العلاقة بين الشركات الأهليّة والصلح الجزائي ويدمجها في نفس النصّ، قرّر رئيس الجمهورية الفصل بين المرسومين واصدارهما في نفس اليوم، مُعتبرا أنّ هذه المراسيم تعدّ خطوات تاريخيّة واستعادة لكرامة التونسيينمُضيفا أنّها تعبّر عن إرادة الشعب التونسي وتندرج ضمن إطار بناء تونس الجديدة. أسماء سلايمية: مرسوم الصلح الجزائي: مصالحة الفاسدين أمر واقع. المفكرة القانونية.

https://legal-agenda.com/مرسوم-الصلح-الجزائي-مصالحة-الفاسدين/

[111] القانون عدد 30 لسنة 2020 المتعلق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني المؤرخ في 30 جوان 2020. والذي جاء فيه مايلي:

الفصل الأول ـ يضبط هذا القانون الإطار المرجعي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، كما يحدد مفهومه وأهدافه وسبل تنظيمه والهياكل والآليات الكفيلة بإرسائه ومتابعته وتقييمه وتطويره ودعمه.

الفصل 2 ـ يقصد بالعبارات التالية على معنى هذا القانون ما يلي:

1 ـ الاقتصاد الاجتماعي والتضامني: هو منوال اقتصادي يتكون من مجموع الأنشطة الاقتصادية ذات الغايات الاجتماعية المتعلقة بإنتاج السلع والخدمات وتحويلها وتوزيعها وتبادلها وتسويقها واستهلاكها التي تؤمنها مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، استجابة للحاجيات المشتركة لأعضائها والمصلحة العامة الاقتصادية والاجتماعية ولا يكون هدفها الأساسي تقاسم الأرباح. ويهدف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني إلى :- تحقيق التوازن بين متطلبات الجدوى الاقتصادية وقيم التطوع والتضامن الاجتماعي.- تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة،- هيكلة الاقتصاد غير المنظم،- تحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي وتحسين جودة الحياة.

2 ـ الأنشطة الاقتصادية ذات الغايات الاجتماعية: الأنشطة التي يكون هدفها الأساسي توفير ظروف عيش لائقة بغاية الإدماج والاستقرار الاجتماعي والترابي تحقيقا للتنمية المستدامة والعمل اللائق.

3 ـ مؤسسة اقتصاد اجتماعي وتضامني: كل ذات معنوية خاضعة للقانون الخاص شريطة احترامها لمقتضيات هذا القانون وحصولها على علامة "مؤسسة اقتصاد اجتماعي وتضامني" المنصوص عليها بالفصل 3 من هذا القانون وهي :- التعاضديات بما في ذلك الشركات التعاونية للخدمات الفلاحية الخاضعة للقانون عدد 94 لسنة 2005 المؤرخ في 18 أكتوبر 2005.- مجامع التنمية في قطاعي الفلاحة والصيد البحري.- الجمعيات التعاونية.- جمعيات التمويل الصغير الخاضعة لمقتضيات هذا القانون،- شركات التأمين ذات الصبغة التعاونية شريطة التزامها بمقتضيات هذا القانون،- الجمعيات الخاضعة للمرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرخ في 24 سبتمبر 2011 والتي تمارس نشاطا اقتصاديا بغاية اجتماعية.- الشركات، باستثناء شركة الشخص الواحد ذات المسؤولية المحدودة،- تجمع المصالح الاقتصادية شريطة التزامها بمقتضيات هذا القانون،- كل ذات معنوية خاضعة للقانون الخاص يمكن أن يُحدثها المشرع وتحترم مقتضيات هذا القانون.

الفصل 3 ـ تسند لمؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني علامة "مؤسسة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني" وذلك في أجل أقصاه شهر من تاريخ إيداع المطلب وبانقضاء هذا الأجل يعتبر المطلب مقبولا. وتضبط إجراءات وشروط إسناد العلامة وسحبها بمقتضى أمر حكومي يصدر في أجل أقصاه شهرين من تاريخ دخول هذا القانون حيز النفاذ.

الفصل 4 ـ تلتزم مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في أنظمتها الأساسية وأنشطتها بالمبادئ المتلازمة التالية:1 ـ أولوية الإنسان والغاية الاجتماعية على رأس المال واحترام قواعد التنمية المستدامة.2 ـ عضوية حسب التشاريع الجاري بها العمل المنظمة للذوات المعنوية المنصوص عليها بالفقرة الثالثة من الفصل 2 من هذا القانون وانسحاب مفتوح وطوعي دون تمييز.3 ـ تسيير ديمقراطي وشفاف طبقا لقواعد الحوكمة الرشيدة وبالاعتماد على قاعدة صوت واحد لكل عضو.4 ـ تعاون طوعي ومساعدة متبادلة بين مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.5 ـ ربحية محدودة طبقا للقواعد التالية :- تخصيص نسبة 15% من الفواضل في شكل احتياطات وجوبية إلى أن تبلغ نسبة 50% من رأس مال المؤسسة المعنية،- تخصيص نسبة 5% من الفواضل كحد أقصى للأنشطة الاجتماعية والثقافية والبيئية،- توزيع المتبقي من الفواضل في حدود نسبة لا تتجاوز 25% بقرار من الجلسة العامة،- يوظف ما زاد على ذلك في تنمية أنشطتها وتطويرها أو المساهمة في بعث مؤسسات جديدة في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. ويستثنى من تطبيق هذا المبدأ الجمعيات الخاضعة للمرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرخ في 24 سبتمبر 2011.كما لا يمكن بالنسبة للجمعيات المصنفة كمؤسسة اقتصاد اجتماعي وتضامني أن يتعدّى معدل التأجير والمنح السنويّة للأجراء الثلاثة الأعلى رتبة، ثمان مرات الأجر الأدنى القطاعي.6 ـ ملكية جماعية غير قابلة للتقسيم.7 ـ استقلالية في التسيير تجاه السلط العمومية والأحزاب السياسية باستثناء الجمعيات التعاونية.

ويستخلص من هذه الأحكام أن فيها ما كان يغني عن إحداث شركات أهلية وتوظيف عائدات الصلح الجزائي لفائدتها.

[112] تضمّن قانون المالية لسنة 2023 إحداث خط لتمويل الشركات الأهلية وإجراء آخر يهدف الى مساندة المؤسسات الصغرى والمتوسطة. وينص الفصل 29 على إحداث خط لتمويل الشركات الأهلية الجهوية أو المحلية المنصوص عليها بالمرسوم عدد 15 لسنة 2022 الشركات الأهلية الجهوية أو المحلية المنصوص عليها بالمرسوم عدد 15 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022، يخصص لإسناد قروض بشروط تفاضلية وذلك خلال الفترة الممتدة من غرة جانفي إلى 31 ديسمبر 2023. ويخصص اعتماد قدره 20 مليون دينار على موارد الصندوق الوطني للتشغيل لفائدة هذا الخط. ويعهد بالتصرف في خط التمويل إلى البنك التونسي للتضامن بمقتضى اتفاقية تبرم في الغرض مع وزارة المالية والوزارة المكلفة بالتشغيل تضبط شروط وإجراءات التصرف في خط التمويل المذكور. أما الفصل 30 فقد نص على تعويض عبارة "موفى ديسمبر 2022 "الواردة بالفقرة الثانية من الفصل 21 من القانون عدد 47 لسنة 2019 المؤرخ في 29 ماي 2019 المتعلق بتحسين مناخ الاستثمار كما تم تنقيحه بالمرسوم عدد 21 لسنة 2021 المؤرخ في 28 ديسمبر 2021 المتعلق بقانون المالية لسنة 2022، بعبارة "موفى ديسمبر 2024.

[113] ولو أن صفحة رئاسة الجمهورية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك (وهي المصدر الرئيسي للمعلومات المتعلق بالنشاط الرئاسي) كانت قد أصدرت يوم 31 مارس 2020 توضيحا مفاده مايلي: "توضح رئاسة الجمهورية أنه لم ترد في خطاب رئيس الجمهورية مساء اليوم في اجتماع مجلس الأمن القومي، أي إشارة إلى المصادرة، بل ذكّر رئيس الدولة بما كان اقترحه منذ سنة 2012 بالصلح الجزائي مع المتورطين في قضايا الفساد المالي حتى تكون المصالحة مع الشعب. ويتمثل هذا المقترح الذي يعود لأكثر من ثماني سنوات في إبرام صلح جزائي مع من تورطوا في قضايا فساد مالي، علما أن الصلح الجزائي منصوص عليه في أكثر من نص قانوني، ويكون ذلك في إطار قضائي، ثم يتم ترتيب المعنيين ترتيبا تنازليا بحسب المبالغ المحكوم بها عليهم.ويتم ترتيب المعتمديات ترتيبا تنازليا من الأكثر فقرا إلى الأقل فقرا، ويتعهد كل محكوم عليه بإنجاز المشاريع التي يطالب بها الأهالي في كل معتمدية (طرق، مؤسسات استشفائية، مؤسسات تربوية...) وذلك تحت إشراف لجنة جهوية تتولى المراقبة والتنسيق.ولا يتم إبرام الصلح النهائي إلا بعد أن يقدم المعني بالأمر ما يفيد إنجازه للمشاريع في حدود المبالغ المحكوم بها عليه". منشور كذلك على الموقع التالي:

https://www.carthage.tn/توضيح-رئاسة-الجمهورية

[114] صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية الامر عدد 812 لسنة 2022 المؤرخ في 11 نوفمبر 2022 يتعّلق بتسمية أعضاء الّلجنة الوطنية للصلح الجزائي.ومقررها وجاء في الفصل الاول للأمر إن رئيس الجمهورية، بعد الإطلاع على الدستور، وعلى المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعّلق: بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، وخاصة الفصلين 8 و14 منه قرر تسمية أعضاء لّلجنة الوطنية للصلح الجزائي لمدة ستة (6) أشهر وهم .

 مكرم بنمنا، قاضي عدلي من الرتبة الثالثة، رئيسا

 خالد بن يوسف، رئيس دائرة تعقيبية بالمحكمة الإدارية، نائبا أوال للرئيس

 خالد بنعلي، وكيل دولة منّظر بخطة رئيس دائرة تعقيبية بمحكمة المحاسبات، نائبا ثانيا للرئيس،

 لمياء بن عمارة، مراقب عام للمصالح العمومية لة عن الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية، عضوا ممّثلا

 لطفي حرزالي، مراقب عام للمالية، ممّثلا عن هيئة الرقابة العامة للمالية، عضوا.

، سيدة سلماني، رئيسة وحدة بلجنة التحاليل المالية.ممثلة عن لجنة التحاليل المالية بالبنك المركزي التونسي، عضوا

 سامي بالزين، متفّقد مركزي للملكية العقارية بالديوان الوطني للملكية العقارية، ممّثلا عن وزارة أمالك الدولة والشؤون.العقارية، عضوا

 فاطمة يعقوبي، المستشار المقرر العام بالإدارة العامة لنزاعات الدولة، ممثلة عن المكّلف العام بنزاعات الدولة، عضوا

وينص الفصل الثاني من الامر على تسمية منية الجويني، المديرة بوزارة أملاك. الدولة والشؤون العقارية، مقررة لّلجنة الوطنية للصلح الجزائي. والتي تمت أقالتها وتعويضها لاحقا إذ صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية يوم 20 جانفي 2023 الأمران عدد 8 و9 لسنة 2023 مؤرخان يوم 18 جانفي يقضي الأول بإنهاء مهام منية الجويني كمقررة للجنة الوطنية للصلح الجزائي، فيما نص الأمر الثاني على تسمية حياة العربي مقررة جديدة للجنة المذكورة.

ثم صدر الأمر عدد 265 لسنة 2023 المؤرخ في 17 مارس 2023. لينهى تكليف السيد مكرم بنمنا، بمهام رئيس اللجنة الوطنية للصلح الجزائي. ولم يتم تعويضه فورا رغم دوره المحوري في عمل اللجنة.

[115] منشور على موقع رئاسة الحكومة:

http://www.pm.gov.tn/pm/upload/fck/File/cir2309.pdf

[116]  بموجب الأمر عدد 265 لسنة 2023 المؤرخ في 17 مارس 2023.

[117] قرار تعقيبي جزائي عدد 24418 مؤرخ فى 20/06/1989. نشرية محكمة التعقيب عدد 1 سنة 1989. ص 85.

[118] قرار تعقيبي جزائي عدد 39326 مؤرخ فى 15/04/1992. نشرية محكمة التعقيب عدد 2 سنة 1992. ص 161.

[119] رقم قرار تعقيبي جزائي عدد 33313 مؤرخ فى 15/10/1991. نشرية محكمة التعقيب عدد 1 سنة 1991. ص 167.

[120] قرار تعقيبي جزائي عدد 8788 مؤرخ فى 03/04/1985. نشرية محكمة التعقيب عدد 1 سنة 1985. ص 30.

[121] إن مسألة استرجاع الأموال المنهوبة بالخارج يحكمها المرسوم عدد 15 المؤرخ في 26 مارس 2011، ورغم الاشارة إليها فقد اكتفى الفصل الثالث من المرسوم بالاشارة إلى المرسوم عدد 13 لسنة 2011 (مرسوم عدد 13 لسنة 2011 مؤرخ في 14 مارس 2011 يتعلق بمصادرة أموال وممتلكات منقولة وعقارية) وتنقيحه، وكان يتوجب الاشارة كذلك إلى المرسوم عدد 15 لسنة 2011 مؤرخ في 26 مارس 2011 المتعلق بإحداث لجنة وطنية لاسترجاع الأموال الموجودة بالخارج والمكتسبة بصورة غير مشروعة وملحقاته. وتجدر الاشارة إلى أن رئيس الجمهورية سبق له إحداث لجنة تعمل تحت إشرافه تضطلع بمهام البحث واسترجاع تلك الأموال. صدر أمر رئاسي عدد 112 لسنة 2020 مؤرخ في 22 أكتوبر 2020 يتعلق بإحداث لجنة خاصة برئاسة الجمهورية لاسترجاع الأموال المنهوبة الموجودة بالخارج. ونصه:الفصل الأول - تحدث لدى رئاسة الجمهورية لجنة تكلف بملف استرجاع الأموال المنهوبة الموجودة بالخارج. الفصل 2 - تكلف اللجنة بتقويم مختلف الإجراءات التي تم اتخاذها لاسترجاع الأموال المنهوبة الموجودة بالخارج، ولها اقتراح القيام بكل إجراء من شأنه استرجاع هذه الأموال. الفصل 3 - يترأس وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج أو من ينوبه لجنة استرجاع الأموال المنهوبة الموجودة بالخارج، وتتركب هذه اللجنة من الأعضاء الآتي ذكرهم:الوزيرة مديرة الديوان الرئاسي أو من ينوبها، وزير العدل أو من ينوبه، وزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار أو من ينوبه، وزيرة أملاك الدولة والشؤون العقارية أو من ينوبها، محافظ البنك المركزي أو من ينوبه، المكلف العام بنزاعات الدولة أو من ينوبه.يمكن لرئيس اللجنة استدعاء كلّ من يرى فائدة في حضوره للمشاركة في أعمالها. الفصل 4 - تجتمع اللجنة بدعوة من رئيسها في أجل لا يتجاوز شهرا من صدور هذا الأمر الرئاسي، وتضبط نظامها الداخلي وطريقة عملها. الفصل 5 - ترفع اللجنة كل ثلاثة أشهر إلى رئيس الجمهورية تقريرا حول نشاطها وتقدم أشغالها. (الرائد الرسمي عدد: 108 بتاريخ 27.10.2020).

[122] تعليقا على قرار تعقيبي جزائي تحت عنوان: " المصالحة في المجال الإداري: مجال ضيق وآثار موسّعة". مجلة الأحداث القانونية. عدد 2020.

[123] الفصل 335 مكرر م إ ج.

[124] منشور في جريدة المغرب تحت عنوان : قراءة في آلية الصلح الجزائي. نشر بتاريخ 27/12/2022:

https://ar.lemaghreb.tn/قضايا-وأراء/item/58717-منبــــر-قراءة-في-آلية-الصلح-الجزائي

[125]  قانون عدد 9 لسنة 1994 مؤرخ في 31 جانفي 1994 يتعلق بالمسؤولية والمراقبة الفنية في ميدان البناء. الذي ينص في فصله الأول على مايلي: " المهندس المعماري والمهندس والمقاول ومكتب الدراسات ومكتب المراقبة الفنية، وكل شخص مرتبط مع صاحب المنشأة بعقد للإجارة على الصنع أو الخدمات، مسؤولون قانونا، خلال عشر سنوات من تاريخ استسلام المنشأة التي كلفوا بتصورها أو بإنجازها أو بتسيير أو مراقبة الأشغال المتعلقة بها وذلك في حالة انهيار المنشأة كلها أو بعضها أو تداعيها للسقوط على وجه واضح أو ظهور مس واضح بمتانتها على مستوى الأسس أو الهياكل أو السقوف سواء كان ذلك ناتجا عن غلط في الحساب أو التصميم أو عن عيب في المواد أو في كيفية البناء أو في الأرض.

تنسحب هذه المسؤولية أيضا عن الباعثين العقارين وعلى كل شخص يبيع على سبيل العادة أو الاحتراف مبنى بعد الانتهاء من إنجازه تولى تشييده بنفسه أو عن طريق الغير وكل شخص يتولى ولو بصفته وكيلا لمالك المبنى مهمة شبيهة بمهمة الباعث العقاري.

فيما ينص الفصل 2 على أنه: "تنتفي هذه المسؤولية في مواجهة كل متدخل يثبت أن الأضرار اللاحقة بالمنشأة ترجع إلى القوة القاهرة أو خطأ الغير أو إصرار صاحب المنشأة على تطبيق تعليماته القطعية بالرغم من تحذيره من مخاطرها بواسطة عدل منفذ".

[126]  مع مراعاة مقتضيات الفصل 98 من المجلة الجزائية كذلك.

ليست هناك تعليقات: