2024/01/07

الصلح الجزائي؟! "الحلم، الكابوس"

 

الصلح الجزائي؟! "الحلم، الكابوس"

الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية

انتهت يوم الإثنين  06 نوفمبر 2023[1] مدة تعيين أعضاء لجنة الصلح الجزائي دون إنجازات تذكر، قياسا على ما كان يتحدث عنه السيد رئيس الجمهورية منذ ولادة الفكرة سنة 2012 وصولا إلى ما طالب به وأكد عليه مرارا وتكرارا من أن "اللجنة مدعوة إلى استرجاع ما قدره 13.5 مليار دينار إلى الشعب التونسي". يتمثّل الصلح الجزائي في إبرام صلح مع الدّولة عن الجرائم الماليّة والاقتصادية المُرتَكبة قبل سنة 2011 إلى حدود 20 مارس 2022، تاريخ صدور المرسوم، تسقط عند تنفيذه كاملا التتبعات الجزائيّة أو يقع ايقاف تنفيذ العقاب، مقابل دفع مبالغ تعويضيّة تُخصَّص لإحداث مشاريع بالجهات حسب قاعدة "الأكثر فسادا للأكثر فقرا". وتوزّع عائدات المشاريع بين المعتمديّات بنسبة 80%، وتُصرف الـ20% المتبقّية لفائدة الجماعات المحليّة كمساهمات في رأس مال المؤسسات المحليّة، الّتي يمكن أن تتّخذ شكل شركات أهليّة.

لقد كانت مسألة "الصلح"، أو على الأدق "المصالحة" من أبرز المسائل التي أثارت الجدل بعد أحداث جانفي 2011 وسقوط منظومة الحكم السابق. على اعتبار وأن بناء الجمهورية الثانية يتطلب تصفية تركة الجمهورية الأولى بأقل خسائر ممكنة وبما يضمن تحقيق السلم الاجتماعي والتنمية. راهن السيد رئيس الجمهورية على مشروع الصلح الجزائي لتحقيق إنجاز اقتصادي، فهو يرى أن هذا المشروع سيمكن الدولة من استعادة الأموال المنهوبة من رجال الأعمال المتورطين في الفساد، ما من شأنه المساهمة في معالجة أزمة المالية العمومية التي تعيشها تونس[2].

و قبل الخوض في النتائج اود الإشارة إلى أنني كنت قد ألقيت محاضرة يوم 5 ماي 2022 في كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس حول مرسوم الصلح الجزائي[3]. أشرت فيها لجملة النقائص والإخلالات الشكلية والجوهرية في ذلك المرسوم وضرورة تنقيحه وإلا فإنه سيكون مجرد تجربة أخرى فاشلة تضاف لما سبقها. وكتبت حرفيا مايلي:"هذا المرسوم سيكون بمثابة التجربة الثالثة لمعالجة تركة الفساد الذي زاد وتنوع بعد سنة 2011. إذ أن فشل تجربة العدالة الانتقالية يتجسد أولا وبالأساس في عدم الوصول إلى نتائج واضحة تحدد الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة وتضبط آليات لمعالجتها وتجنب تواصلها أو تكرارها. خاصة وأن تجربة العدالة التقليدية بدورها أثبتت عجزا في هذا المجال. لكن يبدو أن تجربة العدالة التعويضية المكرسة بموجب المرسوم عدد 13 لسنة 2022 لن يكون حظها أوفر من سابقتيها إذا لم يقع تدارك الأمر وتنقيح هذا المرسوم بصفة جذرية لسد كل ما فيه من ثغرات شكلية وأصلية حتى يكون صالحا للتطبيق العملي. فالمرسوم بصيغته الحالية هو نص لا ينتظر منه شيء".

وها هي الأمور بعد سنة ونصف تنتهي إلى ما كان متوقعا منذ وضع النص. وهذا ناتج طبعا لا عن العلم بالغيب بل عن قراءة علمية للواقع ولنص المرسوم تماما كما كان الحال مع قانون العدالة الانتقالية. الذي كنت قد قلت بشأنه أيضا في شهر فيفري 2014 : «ان الطابع المسقط لجرائم الفساد المالي ضمن منظومة العدالة الانتقالية سيكون عائقا كبيرا أمام سيرها وتقدمها ونجاحها»[4]. وبعد مرور سنوات ثبت صحة تلك الفكرة أيضا إذ لا ينكر أحد أن مسار العدالة الانتقالية تعطل لعدة أسباب كان على رأسها ملف الفساد المالي. وفي سعي لإنقاذ ذلك المسار أو لإعادة توجيهه تم تقديم مجموعة حلول تتمحور حول إفراد المصالحة وخاصة في المجال الاقتصادي والمالي بمسار مستقل، بل إن هناك من كان له تصور خاصة للتعامل في هذا المجال خارج سياق العدالة الانتقالية. ولعل أول خطأ ارتكب فيما يتعلق بالصلح الجزائي هو إخراجه من عباءة العدالة الانتقالية وما تسمح به من استثناءات لمبادئ عامة ودستورية في المادة الجزائية كعدم الرجعية واتصال القضاء والعفو. وهي أمور تم تضمينها في مرسوم الصلح الجزائي صراحة أو ضمنا دون وجود غطاء دستوري يجيزها. فرغم الدعم الرئاسي والحكومي[5] الكامل للصلح الجزائي إلا أن الفكرة بقيت حبيسة لتاريخ ولادتها (2012) ولم يقع أقلمتها مع المستجدات اللاحقة على امتداد عشر سنوات بكل ما فيها من متغيرات مالية وواقعية وقانونية. فمنذ سنة 2012 بدأ رئيس الجمهورية الحالي (بصفته أستاذ قانون دستوري حينها) الحديث عن تصوّره حول كيفيّة تعامل الدولة مع المتورطين في قضايا الفساد المالي وقدّم (حسبما صرح به وقتها مشروعا إلى حركة النهضة حول المصالحة مع رجال الأعمال، مبني على إقرار "نوع من الصلح الجزائي" مع المتورطين في قضايا الفساد المالي)،… «هناك أموال كثيرة، ولكن هناك توزيع غير عادل لها. في سنة 2012، من مصدر حكومي، المبلغ الذي كان مطلوبا من الأشخاص المتورطين في الفساد يتراوح بين 10 آلاف مليار و13 ألفا و500 مليار، اموالهم في البنوك. لماذا لا تعود هذه الأموال إلى الشعب التونسي؟ […] وكنت في ذلك الوقت اقترحت […] على عدد من أعضاء المجلس التأسيسي الصلح الجزائي مع هؤلاء (يقصد رجال الأعمال المتورطين في جرائم مالية) […] كانوا 460، وعدد المعتمديّات 265. وقلت يتمّ ترتيبهم من الأعلى إلى الأسفل، من الأكثر تورّطا إلى الأقلّ تورّطا، ويتمّ ترتيب المعتمديّات ترتيبا تنازليّا أيضا من الأكثر فقرا إلى الأقلّ فقرا وتحت إشراف لجنة جهوية تتولّى التنسيق والرقابة»[6]. ويعتبر المرسوم عدد 13/2022 بالضرورة متمما للقانون الأساسي المتعلق بالمصالحة في المجال الإداري، (ولو أنكر واضعوه ذلك)، لأنه في الحقيقة جاء ليستكمل مسار تلك المصالحة التي اقتصرت في حينها على الموظفين العموميين وأشباههم وأقصي منها رجال الأعمال وكل موظف عمومي أو شبهه تلقى رشوة أو حقق فائدة لنفسه، بينما يشمل المرسوم عدد 13/2022 كل هؤلاء.

لكن الفكرة بعد تنزيلها في نص المرسوم اصطدمت بعديد الاعتراضات والانتقادات وتم إدخال تعديلات عليها[7] دون المساس بجوهرها المبني على تقديرات وتوقعات التقرير النهائي للجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد“ (المعروفة بلجنة عبد الفتاح عمر) قصد إنجاحها، ومع ذلك بقي النص يعاني من العقبات التالية:

       عدم إدراج الصلح الجزائي تحت منظومة العدالة الانتقالية كما تم (ولو بصورة ملتوية كما حصل في قانون المصالحة في المجال الإداري). أو أن يتضمن احكام انتقالية لتجنب أي تناقض أو تصادم. وكان الانسب طبعا هو الإبقاء على الاستثناءات الدستورية الخاصة بمنظومة العدالة الانتقالية والانخراط تحتها.

       المرسوم يتعارض مع قاعدة عدم جواز المحاكمة عن نفس الفعل مرتين، سواء تعلق الأمر بالملفات المحالة على الدوائر المتخصصة، أو ومع مقتضيات المرسوم المتعلق بالمصادرة والنصوص المنقحة والمتممة له وما تم تنفيذه منه فعلا منها.ومع المرسوم المتعلق باسترجاع الأموال المنهوبة بالخارج لسنة 2011 والنصوص المنقحة والمتممة له، بل حتى مع الأمر الصادر عن رئيس الجمهورية سنة 2020[8]. ومع القانون المتعلق بالمصالحة الإدارية.

       غموض النطاق الزمني (ما قبل سنة 2011 وحتى 20 مارس 2023).

       محاولة تجاوز ما تم اتخاذه من تدابير وإجراءات طيلة عشر سنوات تعتبر شكليا شرعية لصدورها في شكل تشريع نافذ ولكن اعتبرت مضامينها غير مشروعة لأنها لا تتماشى ومقتضيات تحقيق العدالة ولم تحظ برضى الشعب واستحسانه، كما هو حال قانون المصالحة في المجال الإداري، وملف الأموال المصادرة أو المهربة.

       تعمد واضع النص الغموض والتوسع حتى لا يفوته شيء فجاء النص مفتوحا لا حدود موضوعية له، وترك للجنة صلاحيات واسعة في تحديد مقاصده، رغم ضيق الوقت الممنوح لها وقلة عدد أعضائها. وهو ما أعاق عمل اللجنة فعليا.

       وجود توسع كبير سعى واضع النص من خلاله إلى إدخال أكبر عدد من الأشخاص تحته وهذا بدوره يتعارض مع واجب الوضوح والدقة وبالتالي مخالف للشرعية القانونية، علاوة على ما فيه من اثقال لكاهل اللجنة.

       الآجال الواردة في المرسوم لتنظيم بعض الاجراءات والاعمال تشكل اجال غير معقولة، ضرورة انها ضيقة جدّا بما يجعلها شبه مستحيلة وهو ما ثبت فعلا في التطبيق.

       تتسم غرامات التعويض بعدم العدل والانصاف خاصة وأنها تبدو لا متناهية ولا تأخذ بعين الاعتبار الوضع الاقتصادي العام الذي مرت به البلاد منذ سنة 2011 كما أنها لم تستثني فترة جائحة الكورونا وما نتج عنها من صعوبات اقتصادية، ولم تأخذ بعين الاعتبار ما تعرض له المستفيدون المحتملون من الصلح من توقيف وسجن أثر سلبا على نشاطهم الاقتصادي.(كنت في مقالي المشار إليه أعلاه قد أكدت على أن مبلغ الصلح قد يتضاعف لدرجة يستحيل معها على المستفيد منه قبوله وهو ما حصل فعلا).

       وقع تمكين المشمول بالصلح الجزائي من الاختيار بين دفع الأموال او انجاز مشروع ومرة أخرى كنت في مقالي سالف الذكر قد أشرت إلى أن أي عاقل سيختار حتما الدفع نقدا دون اختيار إنجاز مشروع وذلك حتى يتمكن من الحصول على صلح نهائي بأسرع وقت وأقل مخاطر لا يتسع المجال لبسطها، وربما لن نجد من يقبل بفكرة تمويل المشاريع لهذين السببين وهو ما حصل فعلا بل إن اللجنة ذاتها لم تعد سوى مطبوعة واحدة تخص دفع أموال.

       يضاف لكل ما سبق معضلة الشركات الأهلية والكثير من الصعوبات الأخرى التي لا يتسع المقام لذكرها الآن وقد فصلتها في تعليقي على المرسوم.

وبناء على جملة ما سبق ومع الأخذ بعين الاعتبار ما ظهر من صعوبات لاحقة لصدور المرسوم منها عدم إصدار النظام الداخلي للجنة رغم تسليمه للسيد رئيس الجمهورية منذ فيفري 2023 وإقالة رئيسها ثم إحدى العضوات، علاوة على غياب عديد النصوص التطبيقية، لينتهي الأمر بأن تتعهد اللجنة بقرابة 260 ملفا فقط وتنجح في استرداد 30 مليون دينار في أعقاب معالجتها لثلث الملفات المعروضة أمامها وانتهاء مدة عملها قبل حتى أن تنتهي من ضبط قائمة أولية للملفات التي يمكن ان تكون محل صلح جزائي.

وخلاصة القول: هي سنة أخرى مرت دون إنجازات تذكر ومع آفاق غير مبشرة. وفي تقديري لن ينفع التمديد مهما طالت مدته ولو مع تعديلات جذرية في تحقيق عشر التوقعات المقررة. ولعل الحل الأنسب وبحكم ما تمت معاينته مباشرة من خلال معاينة عملية لتجربتي العدالة التقليدية والعدالة الانتقالية في مواجهة الفساد ومعالجة تركته ومستجداته، وبعد قراءة معمقة لتجربة العدالة التعويضية، أن الحل الأسهل والأنسب والأكثر جدوى لمعالجة الفساد والتخلص منه ومن تواصل نتائجه والاستفادة من عائدات ما سيتم استرجاعه من ذلك، هو تطبيق قاعدتي الاثراء غير المشروع والاثراء دون سبب، أي تطبيق النصوص التي يمكن بموجبها البحث عن كل مظاهر الثراء غير المشروع في القطاعين العام والخاص والمشترك سواء تعلق ذلك بالشخص ذاته أو بعائلته المقربة، ومطالبتهم ببيان مصادر ثروتهم، وعند العجز عن ذلك تتم مصادرة كل مال غير مبرر أو غير شرعي لفائدة حساب خاص في خزينة الدولة يخصص للتنمية الجهوية. فقاعدة "من أين لك هذا" في ظل الاستثناءات الدستورية الخاصة بالعدالة الانتقالية تبدو أنسب من كل هذه التجارب المعقدة وغير المثمرة.



[1] وليس يوم 10 نوفمبر كما هو متداول فالتعيين لم يكن لمدة سنة أي 365 يوما بل كان لمدة 6 أشهر مع التمديد لمدة 6 أشهر أخرى أي 360 يوما فقط باعتبار الشهر 30 يوما طبق مقتضيات القانون عدد 31 لسنة 1965 المؤرخ في 24/7/1965 المتعلق بالرزنامة الرسمية للبلاد التونسية. فقد صدر أمر رئاسي عدد 812 لسنة 2022 يتعلق بتسمية أعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي ومقررها يوم 11 نوفمبر 2022، تنفيذا لنص الفصل 8 من المرسوم عدد 13 لسنة 2022 بأن يعين بأمر رئاسي أعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي لمدة ستة (6) أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة.

[2] سبق وأن تمت المراهنة على نتائج قانون المصالحة في المجال الإداري الذي لا يعلم أحد حتى الآن ما هي نتائجه. وكان المكلّف بالنّفاذ للمعلومة لدى وزارة العدل أجاب بتاريخ 23 أوت 2021  أنّ “المعلومة المتعلّقة بعدد المستفيدين من قانون المصالحة الإدارية غير متوفرة بالنظام الإحصائي لوزارة العدل”، ممّا يجعل من الصعب حصر المعنيّين بهذا القانون.

[3] تم نشرها مؤخرا في مؤلف جماعي تحت عنوان: "التشريع بالمراسيم في المادة الجزائية" من منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص. 2023. تحت عنوان: قراءة أولية في مرسوم الصلح الجزائي،"العدالة التعويضية، "التجربة الثالثة".

[4]  منشور في مجلة الاخبار القانونية عدد فيفري 2014.

[5]  فقد صدر المنشور عدد 09 لسنة 2023 مؤرخ في 10 مارس 2023 حول تمكين اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من الملفات المتعلقة بالجرائم الاقتصادية والمالية وبالأفعال والأعمال والممارسات التي ترتبت عنها منافع غير شرعية أو يمكن أن تترتب عنها منافع غير شرعية أو غير مشروعة والتي أنتجت ضررا ماليا للدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أي جهة أخرى

 

[6] كلمة السيد الرئيس قيس سعيد، اجتماع مجلس الأمن القومي، 31 مارس 2020:

https://www.youtube.com/watch?v=FVOs7s2vOsQ

 

 

[7] صيغت منذ أكتوبر 2020 ثلاث نسخ لمشروع الصلح الجزائي وذلك في ترجمة عمليّة لإصرار الرئيس على فكرة الصلح الجزائي الذي أفضى أخير لصدور المرسوم عدد 13 لسنة 2022

[8] أمر رئاسي عدد 112 لسنة 2020 مؤرخ في 22 أكتوبر 2020 يتعلق بإحداث لجنة خاصة برئاسة الجمهورية لاسترجاع الأموال المنهوبة الموجودة بالخارج.

ليست هناك تعليقات: