"الحكم المعدوم"
الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
التعليق على القرار الاستئنافي عدد 60442 الصادر بتاريخ 2/7/2014 عن محكمة الاستئناف بتونس والقاضي بإبطال حكم رجوع في التبني.
يعتبر الحكم القضائي المكتوب الصادر من محكمة مختصة وفي خصومة صحيحة والمستوفي لصحة قواعد إجراءات إصداره صحيحاً ، ولا يكفي لإكمال هذه الصحة ما تقدم فقط ، بل لابد ان يتضمن تحديداً سليماً لوقائع الدعوى ومن ثم تطبيق القواعد الموضوعية في القانون عليها تطبيقاً صحيحاً وسليماً ، كذلك يجب ان تكون الإجراءات السابقة على إصداره والأخرى المعاصرة لنشوئه والتي استند إليها عند إصداره مطابقة للقانون ، أي بعبارة أخرى يكون الحكم القضائي صحيحاً بتوافر أركانه وصحة إجراءاته والتطبيق السليم للنصوص القانونية على وقائع الدعوى .
والقاعدة المبدئية هي أن الحكم القضائي متى صدر يظل مرتباً لأثاره وأهمها حجية الأمر المقضي ما لم يتم إلغاءه بإحدى طرق الطعن المقررة قانوناً فإذا كان الحكم مما لا يجوز الطعن فيه أصلاً فإذا استنفذت طرق الطعن فيه صار صحيحاً بصوره نهائيه وفقاً لقاعدة عدم جواز المساس بالحكم ولا يمكن التمسك ببطلانه عن طريق الدعوى أو الدفع أو المنازعة فى تنفيذه[1].
تصنف الأحكام المدنية من حيث قابليتها للطعن فيها الى ثلاثة أصناف:
·
أحكام ابتدائية الدرجة: يمكن الطعن فيها بطريقة الطعن العادية أي الاستئناف.
·
أحكام نهائية الدرجة: يمكن الطعن فيها بطرق الطعن غير العادية أي التعقيب أو الاعتراض أو التماس اعادة النظر.
·
أحكام باتة: وهي الأحكام التي لا تقبل الطعن فيها بأي طريقة من طرق الطعن العادية وغير العادية وذلك اما لاستنفاذ طرق الطعن أو بسبب تفويت آجال القيام بها.
والهدف من كل دعوى هو الحصول على حكم ينهي النزاع، ويفصل الخصومة، وهذه هي الوظيفة الأساسية للقضاء، ويترتب عن التصريح بالحكم النتائج التالية:
1-
خروج الخصومة من ولاية المحكمة ، أي أن المحكمة لا يبقى لها أي إختصاص على هذا الموضوع وبالتالي لا تستطيع أن تعدل هذا الحكم، ولو برضاء الخصوم.
2- إن الحكم يقوم بتقرير الحقوق أخدا بقاعدة أن الأحكام مقررة للحقوق وليست منشئة لها .
3-
إن الحكم متى صدر كان له حجية الشيء المقضي به وهذه الحجية يقصد بها بان الموضوع هذا (موضوع النزاع) صدر في الحكم وبالتالي لا يجوز للنقاش الإ بإتباع إجراءات معينة ولا يمكن الدفع بهذا الإ بتوفر شروط الإ إذا كنا أمام نفس الموضوع ونفس الأطراف ونفس السبب على أن الحكم الذي يجوز الدفع لحجية الشيء المقضي به وهو ذلك الحكم القطعي ، أما الحكم على الحال الذي يكون مرتبطا بالحالة ، إذا ظهر ظرف آخر غير من الحالة يجوز طرحه من جديد أما القضاء والفصل فيه ، والكثير يذهب الى الدفع بحجية الشيء المقضي به.
ويعد الحكم القضائي الفاصل في الدعوى شكلا معينا من القرارات القضائية الصادرة من المحكمة، فهو العمل الأخير الفاصل، وهو الذي يحدد المركز القانوني المتنازع عليه، وبمجرد إصدار الحكم من قبل الهيئة القضائية المختصة بإصداره، يصبح قابلا للطعن بإحدى طرق الطعن المقررة قانونا، وليس لأطراف القضية الصادر فيها الحكم إلا أن يعرضوا تظلمهم على محكمة أخرى أعلى درجة،
حصر المشرع طرق الطعن في الأحكام ووضع لها آجالاً محددة وإجراءات معينة - لا يجوز بحث أسباب العوار التي قد تلحق بالأحكام إلا عن طريق التظلم منها بطرق الطعن المناسبة - إذا كان الطعن غير جائز أو استغلق فلا سبيل لإهداره إلا بدعوى البطلان الأصلية، التي يجوز استثناء الطعن بها في الأحكام الصادرة بصفة باتة في غير الحالات التي نص عليها القانون.
وفي هذا الإطار يندرج الحكم محل التعليق الذي تتلخص وقائعه في أن المدعية في الأصل قد عرضت صلب دعواها بأنها ابنة كل من علي وفاطمة وقد كانت تدعى "ح" وقد تم تبنيها من قبل المرحومة هند والمرحوم أحمد واسند لها اسم "ك" وذلك بموجب حكم التبني عدد 782 الصادر بتاريخ 19/7/1968 وقد توفيت والدتها هند فتح الله يوم 4/3/1985 وأقيمت حجة وفاتها بتاريخ 11/4/1985 بواسطة محكمة ناحية جمال والتي تضمنت ان المدعية ووالدها بالتبني هما ورثتها الشرعيين، وبعد وفاة والدتها واتضح انها ترث عمد والدها بالتبني احمد إلى رفع قضية في الرجوع في التبني لدى المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 3/6/1985 عبر والديها الطبيعيين دون علمهما وبالرغم من كون الاخيرة فاقدة للتمييز مطلقا بحكم جنونها وذلك بإنابة ابنة شقيقته المحامية عنهما، وقد سبق لوالدها الطبيعي علي المدعي في قضية الرجوع في التبني سبق ان اكد صلب شهادته المتلقاة لدى عدلي الاشهاد بتاريخ 13/5/1992 انه لم يطلب الرجوع في التبني ولم يقدم قضية في ذلك ولم يكلف من ينوب عنه لرفعها وان ما قام به المتبني احمد من ابطال لتبني هو حيلة لحرمان البنت "ك" من ميراث والدتها المتوفاة هند بدليل استعمال حكم الرجوع في التبني فقط لإصلاح حجة وفاة والدتها ليقع ادراجها بإدارة الملكية العقارية، مضيفا بأن المحكمة قضت لصالح الدعوى وبالرجوع في التبني بمقتضى حكمها عدد 82187 بجلستها المنعقدة خلال العطلة القضائية في 23/7/1985 وبعد شهر فقط من نشر القضية ودون التحرير على الأطراف والبنت، وكل ذلك يجعل حكم الرجوع في التبني مختلا قانونا خصوصا وان الفصل 13 من قانون التبني يعطي لحكم التبني صبغة نهائية بما يحول دون الطعن فيه، والفصل 484 م ا ع ينص على انه "يجوز نقض الحكم الذي لا رجوع فيه اذا ثبت ان الحكم بني على غلط حسي كان السبب الاصلي او الوحيد في صدوره، وطلبت الحكم ببطلان حكم الرجوع في التبني عدد 82187 الصادر عن المحكمة الابتدائية بتونس في 23/7/1985 والرجوع في جميع آثاره. وقد بتت محكمة البداية في الدعوى المشار إليها يوم 17/12/2013 تحت عدد 38210 وفضت ابتدائيا بقبول الدعوى الاصلية شكلا وعدم سماعها أصلا. فاستأنفته وبموجب ذلك تم جلب ملف القضية من المحكمة الابتدائية ورسمت بمحكمة الاستئناف تحت عدد 60442 وصدر الحكم فيها بجلسة يوم 02/07/2014 الذي قضى بقبول الاستئناف شكلا وفي الأصل بنقض الحكم الابتدائي والقضاء من جديد ببطلان حكم الرجوع في التبني.
والمشكل الذي تصدت له محكمة الاستئناف هو هل يجوز الطعن في حكم قضائي بات غير قائم على أساس قانوني سليم استنفذت بشأنه كل طرق الطعن؟
أجابت المحكمة على هذا التساؤل بالإيجاب من خلال إقرارها لمبدأ الطعن (الجزء الأول)، وتحديد أساسه القانوني (الجزء الثاني).
الجزء الأول: إقرار مبدأ
الطعن ( التأرجح بين العدم والبطلان):
كثيراً ما يتم الخلط بين بطلان الحكم والأسباب التي يبني عليها هذا البطلان وبين دعوى فرضها الواقع العملي على الرغم من أن ليس لها أساس قانوني تبني عليه تلك الدعوي هي (دعوى إقرار الانعدام ). ويمكن القول أن الحكم محل التعليق رغم ميله نحو التأسيس لنظرية الحكم المعدوم انساق نحو الخلط سابق الذكر فكانت النتيجة هي وقوع في التردد.
الفقرة الأولى- الحكم المعدوم (محاولة تأسيس):
جاء في الحكم محل التعليق وتحت عنوان "قابلية حكم الرجوع في التبني للإبطال" مايلي:"حيث تخضع الأحكام القضائية عموما للمراقبة سواء عبر الطعن فيها بأوجه الطعن المخولة قانونا كالاستئناف والتعقيب والاعتراض والتماس اعادة النظر...أو عبر طلب الحكم ببطلانها اذا كان فاقدة لمقومات الأحكام القضائية التي ترمي أساسا لرد الحقوق إلى أصحابها وإقامة العدل عبر إنفاذ حكم القانون، فيبطل الحكم القضائي ويكون في حكم المعدوم اذا خلا من احد أركانه كأطراف النزاع وموضوعه ومنطوقه، أو إذا كان الخلل الذي اعتراه من الجسامة بما يفقده مقوماته...او إذا كفّ ان يكون عنوانا للعدل والإنصاف كأن يكون نافيا لحكم القانون ومكرسا لمظالم بينة وجسيمة أو كان غطاء لحيل وخزعبلات تستهدف تحقيق أغراض غير مشروعة...".
والسؤال الأول الذي تفرضه هذه الحيثية هو: هل أن المحكمة تبحث عن إبطال الحكم أما أنها تسعى لإثبات انعدامه أصلا؟
تجيبنا المحكمة في حيثيتها الثانية بالقول: "وحيث تهدف دعوى الإبطال على أساس ذلك إلى جعل الحكم القضائي في حكم المعدوم بعد أن اعتراه عيب جسيم جرده من أركانه الأساسية على نحو يفقده كيانه وصفته كحكم ويطيح بما له من حصانة ويحول دون اعتباره موجودا منذ صدوره.".
ويستفاد من هاتين الحيثيتين أن هناك عيوبا جسيمة إذا شابت الحكم القضائي تمنع من اعتباره موجودا منذ صدوره ولذا لا تستنفذ سلطة القاضي ولن يرتب حجية الأمر المقضي وفي هذه الحالة يكون غير قابل للتصحيح لأن غير الموجود لا يمكن تصحيحه ولذا يمكن التمسك بهذا العيب بأي طريق سواء بطريق الدعوى الأصلية أو بالطلب العارض أو الدفع أو بالمنازعة في تنفيذه كما يمكن استخدام طرق الطعن القانونية للتمسك بهذه العيوب ويمكن للقاضي أن يقرر انعدامه من تلقاء نفسه إذا جرى التمسك بالحكم أمامه ويطلق على الأمر الذي ترتبه هذه العيوب " الانعدام " تمييزا له عن البطلان القابل للتصحيح .
فالأصل أن الحكم القضائي متى صدر يظل قائما ومرتبا أثاره وأهمها حجية الأمر المقضي ما لم يتم إلغاؤه بإحدى طرق الطعن المقررة قانونا فإذا كان الحكم مما لا يجوز الطعن فيه أصلا واستنفدت طرق الطعن فيه صار صحيحا بصورة نهائية وفقا لقاعدة عدم جواز المساس بالحكم ولا يمكن التمسك بطلانه عن طريق الدعوى أو الدفع أو المنازعة في تنفيذه .
فالمشرع حصر طرق الطعن في الأحكام ووضع لها آجالا محدودة وإجراءات معينة بحيث يمتنع يحث أسباب العوار التي تلحق بالأحكام إلا عن طريق التظلم منها بطرق الطعن المناسب لها بحيث إذا كان الطعن غير جائز أو استغلق فلا سبيل لإهدار تلك الأحكام بدعوى بطلان بدعوى بطلان أصلية وذلك تقديرا لحجية الأحكام باعتبارها عنوان الحقيقة إلا أنه يستثنى من ذلك الأصل العام حالة تجرد الحكم من أركانه الأساسية بحيث يشوبه عيب جوهري جسيم يصيب كيانه ويفقده صفته كحكم ولا يرتب حجية الأمر المقضي ولا يرد عليه التصحيح لأن المعدوم لا يمكن رأب صدعه.
والحكم المعدوم نوع من الأحكام القضائية غير الصحيحة ، كونه لا يترتب على صدوره أي اثر قانوني فهو والعدم سواء ، والحكم المعدوم هو الحكم الذي مسه عيب جسيم في ركن من أركانه ، بحيث يجرده من مقوماته وأركانه الأساسية على نحو يفقد كيانه وصفته بوصفه حكماً ، ويزيل ما له من حصانة ويحول دون عده موجوداً منذ صدوره ، فلا يستنفذ سلطة القاضي ، ولا يرتب حجية الأحكام له ولا يرد عليه التصحيح فهو مجرد واقعة مادية تحول بين صاحب الحق واقتضاء حقه وتتوافر به العقبة المادية لصدوره في شكل حكم قضائي ملزم وبالتالي لا يكسب حقاً او يزيل حقاً ، ويمكن التمسك بهذا الحكم بأي طريق سواء بطريق الدعوى الأصلية لتقرير انعدامه ، او عن طريق الدفع ، او عن طريق طرق الطعن القانونية المحددة للتمسك بهذه العيوب ، ويجوز للقاضي . ان يقرر انعدامه من تلقاء نفسه اذا جرى التمسك بالحكم أمامه.
فالعيب الجسيم هو العيب الذي يجرد الحكم من مقوماته وأركانه الأساسية على نحو يفقده كيانه وصفته كحكم ويطيح بما له من حصانة ويحول دون اعتباره موجودا منذ صدوره فلا يستنفذ سلطة القاضي ولا يرتب حجية الأمر المقضي ولا يرد عليه التصحيح لأن المعدوم لا يمكن رأب صدعه فإذا لم يتوافر في العيب هذه الصفة فإنه لا يكون جسيما فلا يجرد الحكم من صفته ولا يؤدي إلى انعدامه .
وحالات الانعدام هي أعنف من حالات البطلان وأمعن فى الخروج على القانون، وكثيراً ما تدق التفرقة بينهما ، وتظهر أهميتها فى أن الحكم الباطل يعد قائماً مرتباً كل أثاره إلى أن يحكم ببطلانه بولوج طرق الطعن فى الأحكام المقررة فى التشريع أما الحكم المعدوم فهو والعدم سواء ، ولا يرتب أي أثر قانوني ، ولا يلزم الطعن فيه للتمسك بانعدامه وإنما يكفى إنكاره عند التمسك به بما أشتمل عليه من قضاءه ، ويجوز رفع الدعوى لطلب انعدامه ولا تزول حاله انعدام الحكم بالرد عليه بما يدل على اعتباره صحيحا[2].
هذا وإن الانعدام لا يحتاج إلى نص القانون عليه بخلاف البطلان الذي تحكمه قاعدة : "لا بطلان بدون نص"، كما أن المعدوم لا يحتاج إلى إعلان قضائي لأن المعدم ليس في حاجة إلى من يعدمه، وإذا عرض الأمر على القاضي فإن القاضي لا ينفي الانعدام وإنما يقرر الواقع ويستطيع كل ذي مصلحة أن يتمسك بالانعدام، وإن عرض للقاضي عمل منعدم فعليه أن يقرر الانعدام من تلقاء نفسه، هذا ولا تستطيع الإرادة ولا التقادم مهما طال أن يصححا الانعدام لأن إرادة الشخص مهما قويت لا تستطيع أن تقلب المعدم إلى الوجود كما أن التقادم مهما طال لا يقوى أيضاً على هذا .
هذا ويمكن في الحكم المعدوم رفع دعوى جديدة بنفس الموضوع لنفس السبب بين نفس الخصوم أمام نفس المحكمة أو أمام محكمة أخرى. وإذا جاز التمسك والدفع بانعدام حكم ما وقام نزاع حول ذلك فللخصوم الخيار إما أن يطعنوا به إذا كان قابلاً للطعن أو أن يتقدموا إذا لم يكن قابلاً للطعن إلى المحكمة التي أصدرته لتقرير انعدامه لأن الانعدام لا يغير من طرق الطعن ولا من قواعد الاختصاص وإنما يفيد أن القرار لا وجود له[3]. فهل كرست المحكمة في حكمها محل التعليق نظرية "الحكم المعدوم"؟.
الفقرة الثانية- الحكم المعدوم (تردد في التكريس):
قامت المدعية في الأصل في قضية الحال بقضية لطلب إبطال الحكم والتصريح بكونه منعدما إذا كانت طلبات دفاعها واضحة منذ البداية إذ جاء فيها أن: "الحكم الابتدائي طاله عيب جوهري أصاب كيانه وأركان انعقاده ذلك ان حكم التبني بمثابة العقد الذي لا يمكن الرجوع فيه إلا برضاء كامل أطرافه وهو ما لم يتوفر في قضية الحال باعتبار أن والدة منوبته بالتبني هند فتح الله توفيت قبل القيام بدعوى الرجوع في التبني وان احد أطراف قضية الرجوع في التبني - وهي الأم الطبيعية لمنوبته - كانت فاقدة للتمييز زمن نشر القضية تبعا لجنونها وإقامتها بمستشفى الأمراض العقلية بالرازي، وقد استعمل والد منوبته بالتبني التدليس لاستصدار الحكم من خلال القيام في حق والدي المتبنى وتكليف محام للقيام بدعوى الرجوع في التبني دون علمهما او رضائهما وفي غياب أي مصلحة للأب الطبيعي في ذلك...، مؤكدا بأن تلك الممارسات هي الآن موضوع تتبع جزائي وبحث بواسطة فرقة الشرطة العدلية، وكل ذلك يجعل حكم الرجوع في التبني فاقدا لمقوماته وغير منتج لآثاره باعتباره معدوما...طالبا على أساس ذلك نقص الحكم الابتدائي والقضاء من جديد ببطلان حكم الرجوع في التبني".
ويتضح مما سبق أن محكمة الحكم محل التعليق سايرت الدفاع في تمشيه وطلباته فهو من جهة يحتج بعيب الانعدام، ومن جهة ثانية يتمسك بجزاء البطلان، حال أن العدم لا يسلط عليه جزاء[4]. فمظهر الانعدام عدم الوجود ومظهر أو جزاء عدم الصحة هو البطلان.
وربما كان تمشي الدفاع ومسايرة المحكمة له راجع إلى أن التصريح بالانعدام ليس لها سند تشريعي، مع أن الفقه يؤيد هذا التوجه ويعتبره حلا لتلك الحالات التي يبلغ فيها العيب الذي يصيب الحكم حدا من الجسامة لا يجوز معه أن يتمتع الحكم بالحجية فضلا عن إمكان إلغاؤه وعدم الاعتداد به حيث يتجرد الحكم من أركانه الأساسية ويجد فيها الفقه أيضا تفرقة بين تلك الحالات التي يعتور الحكم فيها عيب بسيط يمكن تداركه عند الطعن فيه فإذا لم يقع الطعن تحصن الحكم مع ما فيه من عيب وبين تلك الحالات التي لا يجوز فيها إضفاء حصانة على الحكم بعد انقضاء ميعاد الطعن فيه وهي حالات انعدام.
وفي حقيقة الأمر لو أننا طالعنا نشرية محكمة التعقيب أو دخلنا أرشيف تلك المحكمة فسنجد أنها تطبق جزاء البطلان على عديد من القرارات التي يفترض أنها شابها عيب يجعلها منعدمة أصلا، وهو ما نجده أيضا في كثيرا من القرارات الاستئنافية الصادرة بنقض الحكم الابتدائي، وسبب ذلك هو عدم وجود نص يسمح بالحكم بالانعدام من جهة، ومن جهة ثانية لأن طرق الطعن لازالت ممكنة. لكن ما هو الحال ان كانت طرق الطعن العادية وغير العادية غير ممكنة أو استنفذت دون الانتباه إلى وجود حالة انعدام؟ الحل طبعا هو القيام بقضية إبطال مع التمسك بسبب الانعدام كما حصل في قضية الحال.
فالفقه والقضاء لم يصل إلى وضع معيار ثابت جامع للتفرقة بين الحكم الباطل والحكم المعدوم فالأمر لا يعدو سوى تطبيقات قضائية يختلف الفقهاء في تقييمها أو تصورات فقهية يمكن ألا يعتد بها القضاء.
و مما يجب لفت النظر إليه أن البطلان المتعلق بالنظام العام لا يعدم الحكم ولا يفقد كيانه، وإذا لا يعد ضابطا للتفرقة بين حالة الانعدام وحالة البطلان كون البطلان الذي يشوب الحكم متعلقا بالنظام العام أو غير متعلق بالعيب المعدم للحكم والعيب المبطل له.
وقد حاولت محكمة الاستئناف بتونس في قرارها محل التعليق أن تضع معيارا للحكم المعدوم من خلال ضبط بعض أوجهه وهي:" الحكم القضائي في حكم المعدوم بعد أن اعتراه عيب جسيم جرده من أركانه الأساسية على نحو يفقده كيانه وصفته كحكم ويطيح بما له من حصانة ويحول دون اعتباره موجودا منذ صدوره... لفقدانه أركانه الأساسية ومقوماته الجوهرية - سواء من الناحية الشكلية أو الأصلية - لخلل في ذاته بما ينفي عنه صفة الحكم، دون أن يتيح ذلك للمحكمة البت مجددا في النزاع موضوعه.".
فالعدم يكون جزءاً لمخالفة أركان الحكم القضائي السليم، وأيضاً في حالة تخلف أي ركن من أركانه، المتمثلة بعدم صدوره من محكمة مختصة لها الولاية في نظر الدعوى او صدوره في غير خصومة صحيحة، أو صدوره دون أن يحرر بصيغة مكتوبة. أي أن الانعدام بتعلق بالعيب الجسيم المتصل بغياب ركن أساسي، بينما لا يتعلق البطلان بغياب تلك الأركان بل بعيب يطالها[5].
فالعدم يكون جزءاً لمخالفة أركان الحكم القضائي السليم، وأيضاً في حالة تخلف أي ركن من أركانه، المتمثلة بعدم صدوره من محكمة مختصة لها الولاية في نظر الدعوى او صدوره في غير خصومة صحيحة، أو صدوره دون ان يحرر بصيغة مكتوبة.
من المسلم به أن هناك عيوباً جسيمه إذا شابت الحكم القضائى تمنع من اعتباره موجوداً منذ صدوره ولذا لا تستنفذ سلطه القاضى ولا يرتب حجيه الأمر المقضى وفى هذه الحاله يكـــــــــون غير قابل للتصحيح لأن غير الموجود لا يمكن تصحيحه ولذا يمكن التمسك بهذا العيب سواء بطريق الدعوى الأصليه أو بالطلب العارض أو الدفع أو بالمنازعه فى تنفيذه كما يمكن أستخدام طرق الطعن القانونيه للتمسك بهذه العيوب ويمكن للقاضى أن يقرر أنعدامه من تلقاء نفسه إذا جرى التمسك بالحكم أمامه ويطلق على الأمر الذى ترتبه هذه العيوب " الأنعدام " تميزاً له عن البطلان القابل للتصحيح[6] وعن طبيعة الانعدام يقول الفقه :- انعدام الحكم او عدم وجوده واقعه ماديه حدثت بالفعل ومن ثم فلا يحتاج الأمر الى حكم يقررها او ينشئها ؛ فالعدم لا يحتاج الى ما ينشئه او يقرر بانعدامه والحكم الصادر بناء على دعوى الانعدام هو حكم كاشف له غير منشئ إذ يكشف عن واقعة ماديه حدثت فى الوجود فعلا.ولقد أنحازت محكمه النقض المصرية إلى هذه الفكرة وذهبت تواظب على أعمالها فى خصوص الأحكام القضائية ، وتقوم هذه الفكرة فى تطبيقات المحكمة على ضرورة التصنيف فى العيوب التى يمكن ان تشوب الأحكام والتنويع فى أثارها بحسب جسامه العيب ، فالعيب الجسيم هو العيب الذى يجرد الحكم من مقوماته وأركانه الأساسية على نحو يفقده كيانه وصفته كحكم ويطيح بماله من حصانه ويحول دون اعتباره موجوداً منذ صدوره ، فلا يستنفذ سلطه القاضي ولا يرتب حجية الأمر المقضي ولا يرد عليه التصحيح لأن المعدوم لا يمكن رأب صدعه. ويؤكد شراح القانون هذا الرأي ووجاهته له فقيل فى ذلك انه :- إذا فقد الحكم ركناً من أركانه الأساسية فأنه يفقد صفته كحكم وإذا شاب الحكم عيب جوهري أصاب كيانه ، فأنه أيضاً يفقد صفته كحكم ، أنما إذا كان العيب الذى يعتريه ليس من شأنه أن يفقده صفته كحكم ، بل لا يعدوا أن يكون شائبه تصيب صحته دون ان تمتد إلى انعقاده وكيانه فإنه يكون باطلاً وليس معدوماً[7].
لكن محكمة الاستئناف وبعد أن "طمعتنا" إن صحة العبارة بتعميق نظرية الحكم المعدوم من خلال تطبيقها تراجعت فجأة وغيرت وجهتها نحو البطلان إد جاء في الحكم محل التعليق ما يلي:" وبالرجوع الى قضية الحال يتضح ان دعوى الحال موضوعها إبطال حكم الرجوع في التبني[8] وهو موضوع مختلف عن دعوى الرجوع في التبني، كما اتضح أن المستأنفة لم تكن طرفا في حكم الرجوع في التبني المطعون فيه كما لم تكن ممثلة في القضية موضوعه بأي وجه من الوجوه رغم انها كانت هي نفسها محلا للنزاع في تلك القضية ...ولا يمكن حينئذ التمسك إزاءها باتصال القضاء أو بحجية الحكم باعتبارها غيرا عنه حال أن الأحكام لا تلزم إلا أطرافها عملا بمبدأ الحجية النسبية للأحكام. وحيث إضافة إلى ذلك فليس بوسع المستأنفة من الناحية المادية والعملية الطعن في حكم الرجوع في التبني بوجه اخر كالاستئناف وذلك باعتبارها لم تكن طرفا فيه وباعتبار مضي مدة طويلة جدا على صدوره حيث صدر حين كانت قاصرا دون أن يُفترض علمها بصدور الحكم...ليكون الطعن بالبطلان الطريقة القانونية الباقية لحماية حق المستأنفة في الهوية ومطابقة حالتها الشخصية والمدنية من الناحية القانونية ومن الناحية الواقعية تداركا لإخلالات سابقة لم تكن متسببة فيها بل كانت متضررة منها بصفة مباشرة. وحيث زيادة على ذلك، فان الدعاوى المتعلقة بالحالة الشخصية والحقوق اللصيقة بذات الإنسان وكيانه كتلك المرتبطة بالحق في الحياة والنسب والهوية تهم النظام العام لذلك لا تسقط بالتقادم ولا يصح مجابهة صاحب الحق باتصال القضاء في شانها ويظل التداعي في خصوصها ممكنا ولو بعد استيفاء طرق الطعن العادية وتبقى الأحكام القضائية المتعلقة بها قابلة للمراجعة وكذلك الإبطال تحقيقا للمصلحة الحيوية المرتبطة بالنظام العام، ليكون حكم الرجوع في التبني خاضعا لهذه القاعدة وقابلا للإبطال بطبيعته. وحيث فضلا عن كل ذلك فإن دعوى الرجوع في التبني ذاتها لم تقتضها النصوص القانونية بصفة صريحة بل تحول حرفية الفصل 13 من قانون التبني المقرة للصبغة النهائية للحكم دون قبولها ومع ذلك وجد اتجاه فقهي وقضائي يرجح قبولها تأسيسا على الصبغة العقدية لحكم التبني وافتراضا لمصلحة المتبنى، ومن باب أولى تكون دعوى ابطال حكم الرجوع ممكنة - ولو لم ينص عليها المشرع - إذا رامت أيضا حماية الجانب العقدي في حكم التبني وكانت الغاية منها تحقيق مصلحة المتبنى. وحيث - تأسيسا على كل ذلك - يظل حكم الرجوع في التبني قابلا للإبطال من الناحية القانونية".
فالمحكمة التي أسست لبناء موقفها على نظرية الحكم المعدوم تراجعت عند التطبيق نحو التمسك بنظرية البطلان.
فالبطلان لغة يعني الضياع والخسران، فيقال : بطــُـلَ الشيء يبطل بطلا وبطولا وبطلانا، ذهب ضياعا وخسرانا فهو باطل... ويقال " ذهب دمه بطلا أي هدرا... والباطل نقيض الحق"[9].إن البطلان ونظرا لمفعوله التدميري إن صح التعبير Effet destructif يدخل الكثير من التوتر والارتباك على العلاقات، وهو ما يأباه الأمن القانوني[10]. وإذ تعلق الأمر برفع دعوى بطلان الحكم كعمل قانوني فإن العيب الذي يبرر رفع هذه الدعوى هو دائما خطأ في الإجراء ذلك أن الخطأ في التقدير مهما كانت جسامته لا يؤدي إلى بطلان الحكم. إذ ينقسم الفقه حول مدلول الحكم الباطل إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول [11]:-
يرى أصحاب هذا الاتجاه ان الحكم الباطل هو الحكم القضائي الذي شابه عيب ليس من شأنه ان يفقد طبيعته كحكم ، بل لا يعدو إلا أن يكون شائبة تصيب صحته دون ان تمتد الى انعقاده وكيانه فيكون باطلاً ، ويورد أصحاب هذا الاتجاه التقليدي من الفقه أمثلة كثيرة ومتعددة على حالات الحكم الباطل وأسبابه اذ يذكرون منها : - اذا صدر الحكم من أربعة قضاة بدلاً من ثلاثة - اذا صدر الحكم من قاضٍ غير مختص . - إذا صدر الحكم ولم يمثل النيابة العامة في الحالات التي يوجب القانون حضوره في الدعوى . - اذا صدر الحكم وقد تخلف احد القضاة الذين اشتركوا في المداولة فيه عن إمضائه . - اذا صدر دون ان يتم استدعاء الخصم . - اذا صدر الحكم دون بيان أسبابه . - اذا صدر الحكم على متوفى أقيمت عليه الدعوى مع العلم بوفاته[12]. - اذا صدر دون إمضاء القاضي[13] .
ويرى أصحاب هذا الاتجاه ان الحكم الباطل يتحصن ويتمتع بحجية الأحكام الصحيحة إذا لم يطعن فيه خلال مدة الطعن . فالتعريف الذي تبناه هذا الاتجاه من الفقه يبين ان هناك عيوباً مست الحكم الصادر ولم تمس أركانه ، إلا أنها أثرت في صحة وشروط انعقاده وصدوره، بحيث لا تؤدي إلى إهداره وعدم الاعتداد به .
أما الاتجاه الثاني[14] :- يذهب أصحاب هذا الاتجاه الى القول بأن الحكم الباطل هو الحكم المستوفى لمقوماته والموجود الذي له كيان مستقل ، إلا انه يتأثر بالإجراءات التالية لبدء الخصومة ، متى ما كانت من الأسس التي بني عليها ، فيكون باطلاً إذا شابها البطلان .
و بالتالي يمكن تعريف الحكم الباطل بأنه الحكم القضائي المخالف للنموذج القانوني الذي رسمه المشرع، والذي شابه عيب في شروط صحة انعقاده وقواعد إصداره، أو بسبب إجراء باطل سابق بني عليه ، يؤثر فيه ولكن لا يعدمه ويحوز حجية الأحكام حتى وان كان بطلانه متعلقاً بالنظام العام، طالما لم يطعن فيه، فعناصر الحكم الباطل تتمثل بوجود عيب أصابه لا يمس أركانه ، بل قواعد إصداره، أو بسبب إجراء باطل سابق بني عليه، وان هذا الحكم يحوز حجية الأحكام حتى وان كان هناك بطلان مسه متعلق بالنظام العام، إذ يتحول هذا الحكم من باطل إلى حكم صحيح عندما لا يطعن فيه خلال مدة الطعن، ويرتب الآثار القانونية التي يرتبها الحكم السليم الخالي من هذا العيب، وهو لا يقبل الطعن فيه بدعوى بطلان أصلية[15] . أما الحكم المعدوم فيكون (كما بينا سابقا) جزءاً لمخالفة أركان الحكم القضائي السليم، أي في حالة تخلف أي ركن من أركانه المتمثلة بعدم صدوره من محكمة مختصة لها الولاية في نظر الدعوى او صدوره في غير خصومة صحيحة ، او صدوره دون ان يحرر بصيغة مكتوبة.
فهل أن الحكم الذي نظرت فيه محكمة الاستئناف في حكمها موضوع هذا التعليق هو حكم مكتمل الأركان حتى تجد نفسها مضطرة للبحث عن أساس قانوني لإبطاله؟
الجزء
الثاني: الأسس القانونية لإلغاء جميع آثار الحكم (بين الاستبعاد والاعتماد):
جاء في الحيثية الأخيرة من الحكم محل التعليق: " وحيث شابت حكم
الرجوع في التبني عيوب جوهرية متعددة يصلح كل منها سببا منفردا لإبطاله ناهيك عن
اجتماعها صلبه، وقد طالت تلك العيوب مقومات المحاكمة العادلة وقوضت أسس العمل
القضائي ومست جوهر الحقوق..، وهو ما يفقد الحكم المشوب بها كيانه وينزع صفته كحكم
ويجعله قانونا في حكم المعدوم الذي لم تصدره محكمة. وحيث كان حكم الرجوع في التبني
فاقدا لوجوده القانوني وليس لهذه المحكمة سوى نقض الحكم الابتدائي والقضاء من جديد
ببطلانه وإلغاء جميع آثاره".
ويستفاد من هذه الحيثية الختامية أن محكمة الحكم محل التعليق مع
وفائها لترددها بين العدم والبطلان أرادت أن
تعزز موقفها وتقوي حجتها من خلال استعراض كل أسباب إلغاء جميع آثار الحكم التي
اجتمعت في الحكم المطلوب إبطاله فتولت تقسيمها[16]
على النحو الآتي:
أولا-
الأسباب المستبعدة للإبطال:
1/
البطلان على اساس الفصل 484 م ا ع
2/
البطلان على أساس قانون العدالة الانتقالية
ثانيا- الأسباب المعتمدة للإبطال:
أ-
البطلان لعدم ثبوت صفة القائمَين بدعوى الرجوع في
التبني
ب-
البطلان لعدم تمثيل الطفل المتبنى في حكم الرجوع
في التبني
ج-
البطلان لعدم تمثيل الحق العام بواسطة النيابة
العمومية
2/
البطلان لفداحة أخطاء المحكمة
أ-
الإعراض عن التماس الحقيقة
ب-
عدم تعليل الحكم
3/
البطلان للانحراف بالحق في التقاضي والحياد بوظيفة الحكم القضائي:
4/
البطلان لإهدار حقوق ومصلحة المتبنى:
5/
البطلان لعدم تنفيذ الحكم لمدة تفوق 20 سنة: (اشكالية التنفيذ الجزئي وقانون أقل
مجهود)
وهي مجموعة أسس متنوعة
يمكن حصرها في فئتين هما: الأسس الإجرائية لإلغاء جميع آثار الحكم (الفقرة
الأولى) والأسس الحمائية لإلغاء جميع آثار الحكم (الفقرة
الثانية).
الفقرة الأولى: الأسس
الإجرائية لإلغاء جميع آثار الحكم
جاء في الحكم محل التعليق ما يلي: " حيث ينتج الحكم القضائي
عن مسار من الإجراءات والأعمال القانونية التي تنجزها المحكمة والتي تمهد لصدور
الحكم أو تبرر منطوقه، لذلك يكون لبعض الإجراءات القانونية أو الاعمال القضائية
أهمية بالغة بحكم تأثيرها المباشر على صدور الحكم والمنحى الذي يتخذه، فيكون الخطأ
فيها من الفداحة بما يطال الحكم ذاته ويبرر ابطاله".
و رغم أن محكمة
الحكم محل التعليق أدرجت هذه الحيثية تحت الفقرة المخصصة لبيان أوجه "
البطلان لفداحة أخطاء المحكمة " فإنها تصلح كتقديم عام لمختلف الأسس
الإجرائية الواردة فيه لإلغاء جميع آثار الحكم سواء تعلق الأمر
بالسبب المستبعد أو بجملة الأسباب الإجرائية الخمسة المعتمدة.
1/ استبعاد البطلان على
اساس الفصل 484 م ا ع:
إن الأحكام التي لا رجوع فيها وفق ما ورد بالفصل 484 المذكور هي الأحكام
الباتة التي اتصل بها القضاء[17]
ولقد أقرّت محكمة التّعقيب ذلك حين اعتبرت أن: "من بين شروط اتصال القضاء على
معنى أحكام الفصل 481 من مجلة الالتزامات والعقود هي أن يكون الحكم لا رجوع فيه
والمقصود بذلك الأحكام الباتة في أصل النزاع بصورة لم يعد بالإمكان معه الرجوع
إليه".[18]
كما اعتبرت أن: "قرينة اتصال القضاء التي أناطها القانون بالحكم الذي لا رجوع
فيه على معنى الفصل 480 من مجلة الالتزامات والعقود تقتضي أن يكون باتا حتى يعتبر
محرزا على نفوذ اتصال القضاء".[19]
فالأحكام الباتة هي تلك
الأحكام التي اتصل بها القضاء أي حازت قوة الشيء المقضى به حسب تعبير بعض
التشريعات ولم تعد قابلة للطعن بأي وسيلة باستثناء الطعن بالتماس إعادة النظر الذي
لا يسلط إلا على الأحكام الباتة وفقا لأحكام الفصل 156 مــن م م م ت . لكن المشرّع
أجاز نقض الأحكام[20] إذا توفرت الشروط التالية وفق ما اقتضاه
الفصل 484 من م ا ع :
أولا: إذا ثبت زور الرسوم أو البيانات الأخرى التي انبنى عليها الحكم وكانت
هي السبب الأصلي أو الوحيد في صدوره.
ثانيا: إذا ثبت أن الحكم بني على غلط حسي كان السبب الأصلي أو الوحيد في
صدوره.
ثالثا: إذا ثبت من الوقائع ما يقتضي القيام بمؤاخذة القاضي .
وقد جاء في الحكم محل
التعليق: " حيث تمسك نائب المستأنفة ببطلان حكم الرجوع في التبني على أساس
الفصل 484 م إ ع. وحيث خول الفصل 484 م ا ع "نقض الحكم
الذي لا رجوع فيه اذا ثبت ان الحكم بُني على غلط حسي كان السبب الاصلي او الوحيد
في صدوره "، غير ان الفصل المتمسك به يتعلق بنقض الاحكام لا بإبطالها، إذ
يقتضي النقض إعادة النظر في القضية والحكم في اصلها مجددا لوجود غلط حسي في الحكم
المطعون فيه، أما الابطال فيرمي الى الغاء الحكم برمته لخلل فيه دون أن يسمح
للمحكمة بتعديله او النظر مجددا في جوهر النزاع وهو لا يقتضي ضرورة وجود غلط حسي،
ليكون القيام بدعوى الابطال على ذلك الأساس في غير طريقه وحريا بالرد".
ولكن يبدو أن ما ذهبت إليه المحكمة لا
يستقيم لا لغة ولا قانونا.
فلغويا: نَقْضُ الْحُكْمِ:
إِبْطَالُهُ، إِلْغَاؤُهُ[21].
وقانونيا: فإن الفصل 191 من م م م ت مثلا
ينص على أن: "القرار الذي تصدره محكمة التعقيب بالنقض يرجع الطرفين للحالة التي
كانا عليها قبل الحكم المنقوض في خصوص ما تسلط عليه النقض..."[22].
وهو ما يستفاد منه أن النقض من جهة يحمل معنى البطلان ومن جهة أخرى
فإنه لا يستوجب بالضرورة إعادة النظر في القضية بل هو يعيد الأطراف للحالة التي
كانوا عليها قبل صدور الحكم الواقع نقضه.
وهو ما أكدته محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة حين اعتبرت : "إنّ تأسيس الطعن في الحكم المعقب على خرق أحكام الفصلين
14 و 19 من م م م ت ينطوي على خلط بين الحكم المعقب والحكم المطلوب إبطاله فمحكمة
الحكم المعقب لم تخرق أي احد من الفصلين المذكورين ولا مصلحة للمعقبين في إثارة
هذا الطعن واما الحكم المطلوب إبطاله فانّ أسباب الطعن فيه بالبطلان تبدو منحصرة
فيما تضمنه الفصل 484 من مجلة الالتزامات والعقود والمتمثلة في وقوع المحكمة التي
أصدرته في غلط حسي كان السبب الأصلي أو الوحيد في صدوره وهذا السبب لم يثره
المعقبون إطلاقا ولا وجود لأيّ اثر له بالحكم المطلوب إبطاله"[23].
ولو عدنا إلى باقي تعليل الحكم محل التعليق
فسنجد أن إمكانية اعتماد الفصل 484 م ا ع كانت واردة. وبالتالي كان من الممكن
اعتماده كسبب للأبطال لا استبعاده.
2/ البطلان لعدم ثبوت صفة القائمَين بدعوى الرجوع في التبني:
حدد المشرع شروط القيام لدى المحاكم أو شروط قبول الدعوى بصفة صريحة، حيث
نص صلب الفصل
وفي هذا الاتجاه جاء في الحكم محل التعليق ما يلي:
" وحيث اقتضى الفصل 19 م م م ت ان حق القيام لدى المحاكم يكون لكل شخص له صفة
وأهلية تخولانه حق القيام بطلب ما له من حق وأن تكون للقائم مصلحة في القيام...
ومن واجب المحكمة رفض الدعوى إذا تبين لها من أوراق القضية أن أهلية القيام بها
منعدمة أو لم تكن للطالب صفة القيام بها. وحيث تم تقديم دعوى الرجوع في التبني من
قبل المدعوّين علي بن عبد الله بن الحاج عبد الله وفاطمة بنت محمد بن حسين على
اساس انهما الوالدان الطبيعيان للبنت كوثر. وحيث لم يتضمن ملف قضية الحال ولا حيثيات
الحكم المراد ابطاله ما يفيد أبوة وأمومة المذكورين للبنت كوثر بما يجعل نسبتها
اليهما محل شك وارتياب خصوصا وان حكم التبني نفسه لم يتضمن اسميهما كطرف فيه اذ تم
الاكتفاء باسم طالبي التبني والحق العام. وحيث ان الأصل في الدعاوى والأحكام أن
تجمع خصوما أو أطرافا ذوي صفات يقع إثباتها لا على صفات قائمة على مجرد الادعاء،
وطالما لم تثبت صفة المدعيَين في حكم التبني كوالدي البنت كوثر فان قيامهما بدعوى
الرجوع في تبنيها يغدو صادرا ممن لا صفة له قانونا في الدعوى بما يجعل الحكم
المترتب عنها والذي أغفل تطبيق الفقرة الثالثة من الفصل 19 م م م ت معيبا وحريا
بالإبطال".
وهذا الموقف
يندرج في اطار فقه قضاء مستقر من ذلك مثلا:
ü
قرار
تعقيبي مدني عدد 45161[24]
جاء فيه مايلي: " صفة القيام لدى المحاكم والطعن إلا حكام هي ليست من المساءل
التي لا تهم سوى مصلحة الخصوم وإنما هي من الإجراءات الأساسية لأنها تتعلق بسير
التقاضي ولان شروط رفع الدعوى وطرق الطعن إلا حكام تهم النظام العام وتتمسك بها
المحكمة ولو من تلقاء نفسها".
ü
قرار
تعقيبي مدني عدد 6901[25]
جاء فيه أنه " كان على محكمة الموضوع أن تتحقق من صفة المدعي ولو من تلقاء
نفسها لان صفة القيام لدى القضاء تهم النظام العام حسب أحكام الفصل 19 من
م.م.م.ت".
3/
الإعراض عن التماس الحقيقة:
يفترض في المحكمة أنها لا تنطق بالحكم إلاّ بعد أن تحققت من احترام المبادئ
الأساسية للخصومة وخاصة منها مساواة المتقاضين أمام القضاء ومبدأ المواجهة[26]
وبعد أن تهيئت القضيّة للفصل بشكل كاف وهو ما يعني أنها قد أذنت بإجراء كافة
الأعمال الاستقرائية اللازمة الكاشفة للحقيقة والتي قد توجبها طبيعة الخصومة وفق
ما نصت عليه الفقرة الأولى من الفصل 86 مـن م م م ت التي جاء بها : يمكن للمحكمة
إذا رأت لزوم إجراء أبحاث معينة من سماع بينات أو إجراء توجهات واختبارات أو تتبع
دعوى الزور أو غير ذلك من الأعمال الكاشفة للحقيقة أن تأذن للقاضي المقرر
بإتمامها.
فيما يذهب البعض إلى أن المقصود بالحياد هو أن يقف
القاضي المدني موقفا سلبيا من كلا الخصمين فيما يتعلق بإثبات الدعوى[27]
لكن هذا المفهوم وقع تجاوزه، وأصبحت الدعوى المدنية ينظر إليها لا فقط على أنها
مجرد نزاع فردي يدور بين شخصين، إلا أن الفصل فيه يرجع إلى القضاء لذلك ذهبت
الكثير من التشريعات اليوم نحو منح القاضي دورا إيجابيا في النزاع كي يتمكن من
الوصول إلى الحقيقة وذلك من خلال منحه صلاحيات قانونية تتيح له مثل هذا الدور
الإيجابي[28].
فبرز اتجاه مبني على تصور جديد للحقيقة القضائية، قائم على إخراج القاضي المدني من
عزلته وحياده وتحطيم القيود الإجرائية المكبلة له والتي تحجب عنه الحقيقة الصحيحة،
كي يساهم مساهمة إيجابية في البحث عنها[29].
ولا يجوز تبعا لذلك تجريد القاضي من نفوذ تسيير الدعوى وجعل دوره سلبيا في النزاع
لا يتخذ أية بادرة إجرائية للكشف عن الحقيقة، خاصة وأنه مطالب بالبحث عن الحقيقة
الموضوعية فلا يحكم لصالح الغني أو الفقير أو الغبي أو الفطن بل لفائدة صاحب الحق[30]،
طبق القواعد والإجراءات القانونية واحترام حقوق الدفاع حتى يكون الحكم أقرب ما
يكون إلى الواقع الصحيح لأن سير القضاء يقتضي الوقوف على الحقيقة. وقد أقرت محكمة
التعقيب المفهوم الإيجابي لحياد القاضي المدني ضمن العديد من القرارات من بينها
القرار الصادر في 3 نوفمبر 1993 الذي ورد فيه مايلي: "الإذن من طرف المحكمة
لإجراء الأبحاث العينية والاختبارات والبحث وزيادة الإيضاح لا يعد ذلك سعيا منها
في تكوين وإحضار حجج الخصوم ولا يجسم خرقا لأحكام الفصل 12 من مجلة المرافعات
المدنية والتجارية بل هو من قبيل وسائل البحث التي يمكن لمحكمة الموضوع أن تأذن
بإجرائها ولو تلقائيا للكشف عن حقيقة تحت الحاجة لذلك وفق ما خول لها الفصلان 86
و114 من نفس المجلة."[31] ومن
أبرز القرارات المجسمة لهذا التوجه القرار التعقيبي عدد 6957 الصادر في 26 ماي
1970 الذي جاء فيه : "أن الشيء الذي لا يجب على المحكمة القيام به إنما هو
السعي في تكوين أو إتمام أو إحضار حجج الخصوم حسب الفصل 12 مجلة المرافعات المدنية
التونسية وإما تحرير الحقيقة في الموضوع بإلقاء الأسئلة على المتقاضين واستجوابهم
ومطالبتهم بالإدلاء بمؤيداتهم والإذن بإتمام ما يلزم لفصل القضية فإنه يعتبر من
أبرز واجبات المحكمة ودورها من هذه الناحية ليس سلبيا"[32].
كما تقول محكمة التّعقيب أنه: "ينبغي
على المحكمة أن تأذن بإجراء الأبحاث اللازمة لإيضاح الحالة طبقا للفصل 86 من م م م
ت وان تبين الأسباب الدافعة لرفض ذلك وان تعللها بما هو قانوني ... .[33]
و ورد بقرار آخر في نفس المعنى: "إنّ مهمة القاضي ليست مجرد فصل القضايا بل
فصل النزاعات طبق القانون وعلى أساس معطيات صحيحة وهذا يدعو القاضي إلى عدم التقيد
بما يقدمه الخصوم من وسائل دفاع ومستندات إذ قد تكون منقوصة بل عليه أيضا أن يبحث
بنفسه عن الحقيقة ولا يمكن أن يكون العمل القضائي ايجابيا إلا إذا انبنى على
معطيات صحيحة فيكون الحكم مطابقا للحقيقة وعلى القاضي الكشف عنها باتخاذ ما يراه
ضروريا من الأعمال وقد خول الفصل 86 من م م م ت للمحكمة الإذن بكل الأعمال ذات
الصّبغة الاستقرائية الرامية أساسا للكشف عن الحقيقة ومنها الأبحاث الموطنية .[34]
وبالتالي فإن استقراء المحكمة وقائع القضيّة ودراسة جوانبها القانونيّة
يفرض عليها كما سلف الإذن بإجراء الأعمال الكاشفة للحقيقة الذي هو من صميم مهمتها
دون أن تكون مؤاخذة بأنها أخلت بواجب الحياد[35] أو أنّها أعدت حجة
لأحد الخصوم على حساب الآخر وعليه فلا يعد ذلك خرقا منها لأحكام الفصل 12 من م م م
ت وهو أمر استقر عليه فقه القضاء في العديد من القرارات إذ تقول محكمة التّعقيب: إنّ
الإذن من طرف المحكمة بإجراء الأبحاث العينية وزيادة الإيضاح لا يعد ذلك سعيا منها
في تكوين وإحضار حجج الخصم ولا يجسم خرقا لأحكام الفصل 12 من م م م ت بل هو من
قبيل وسائل البحث التي يمكن لمحكمة الموضوع أن تأذن بإجرائها ولو تلقائيا للكشف عن
الحقيقة متى دعت الحاجة لذلك وفق ما خول لها الفصلان 86 و 114 من نفس المجلة .[36]
كما ورد بقرار آخر في نفس المعنى : إنّ الاستجابة لطلبات الخصوم في خصوص
الأعمال الكاشفة للحقيقة لا يعد من قبيل السعي في تكوين حججهم على معنى الفصلين
12-
وفي ذات السياق جاء في الحكم محل التعليق ليقرر ما
يلي: "
حيث تعلق الحكم المطعون فيه بالرجوع في التبني. وحيث إن الأحكام القضائية تتمتع
بقوة قانونية تعطيها حجية الشيئ المقضي به وتصبح قانونا عنوانا للحقيقة، وتأسيسا
على ذلك وجب أن يكون الحكم القضائي قد صدر بعد ان تحرت المحكمة في أوراق القضية
وفحصت المؤيدات المقدمة لها وأجرت الابحاث الضرورية بغاية التوصل – في حدود موضوع
الدعوى والطلبات - إلى نتيجة موضوعية ومقنعة تصلح أن تكون أساسا لحقيقة قضائية
تنشد العدل. وحيث ولئن كانت المحكمة غير ملزمة بالوصول إلى حقيقة القضائية مطابقة
للحقيقة الواقعية إلا أنه من واجبها – من الناحية الإجرائية والأصلية - أن تغوص في
عمق النزاع بالتحرى في مظروفات الملف وتدرس المؤيدات والتصريحات وتقيمها وتتحقق من
مصداقيتها ناهيك عن إذنها بإجراء ابحاث وتحريات إضافية رفعا للالتباسات ودرءا
للغموض والتماسا لليقين...، وإن إحجامها عن ذلك يعد تخليا منها عن واجبها في
التماس الحقيقة إقامة للعدل وإحقاقا للحق. وحيث ترتبط قضايا التبني والرجوع فيه
وقضايا الاطفال عموما بمفهوم مصلحة الطفل المتبنى الفضلى والتي تهم النظام العام
ووجب على المحكمة المتعهدة بها – والمتجردة من واجب الحياد على معنى الفصل 12 م م
م ت - القيام بجميع التحريات الموصلة لذلك عبر الاستقراءات والأبحاث الاجتماعية
والتحريرات المكتبية وسماع الاطراف ومنها شخص المتبنى خصوصا اذا كان مميزا لمعرفة
موقفه والبحث في ظروفه الاجتماعية والنفسية والتربوية. وحيث تقوم الأوضاع الشخصية
والحالة المدنية للأشخاص كتلك المرتبطة بالهوية على قاعدة الثبات والاستقرار وإن
تغييرها يجب ان يكتسي صبغة استثنائية وان يكون مبررا ويمليه تهديد جدي لذي المصلحة
وهو ما لا يمكن إدراكه دون إجراء الاستقراءات الضرورية. وحيث اقتضى الفصل 86 م م م
ت أنه "يمكن للمحكمة إذا رأت لزوم إجراء أبحاث معينة من سماع بيّنات أو إجراء
توجهات واختبارات أو تتبع دعوى الزور أو غير ذلك من الأعمال الكاشفة للحقيقة أن تأذن للقاضي المقرر بإتمامها." وحيث
ولئن كان اللجوء إلى الأبحاث المنصوص عليها بالفصل 86 م م م ت اختياريا بالنسبة
للمحكمة في الصور التي لا تكون فيها مقيدة بواجب الحياد لتعلق النزاع بمصالح
الخصوم الشخصية، إلا أن إجراء تلك الأبحاث يغدو ضروريا وواجبا على المحكمة كلما
تعلق الأمر بمصالح تهم النظام العام كحقوق الطفل ومصحة المتبنى خصوصا إذا كان ملف
القضية مفتقدا للحد الأدنى من عناصر ومعطيات البت في النزاع عن دراية وعلى بصيرة. وحيث
بالرجوع إلى مظروفات الملف يتبين ان محكمة الحكم المراد ابطاله تقاعست عن القيام
بالأبحاث اللازمة وإجراء الاستقراءات الضرورية لتبين صحة الدعوى ومتانة أسانيدها
وحجية مؤيداتها وفاتها اجراء تحريرات مكتبية لسماع طرفي الدعوى أو إجراء بحث
اجتماعي لتقدير مصلحة المتبنى أو سماع الطفلة المتبناة رغم انها مميزة وقريبة من
سن الرشد المدني، واكتفت المحكمة بتلقي طلب محامي الوالدين المفترضين الرجوع
وموافقة الوالد بالتبني دون التأكد من صفة طالبي الرجوع وحقيقة الطلب ومصداقيته
ودوافعه ثم المصادقة بصفة الية على ذلك دون مراقبة او تحرّ أو تحقيق في مكمن مصلحة الطفلة ومن ثمة اصدار حكم متسرّع ومعتلّ عار عن البحث والتحقيق وخال من
إجراءات وأعمال قضائية أساسية، مُنزلة بذلك عملية تبني الطفلة منزلة عقد
البيع او الهبة لبضاعة او متاع والتي يُكتفى فيها برضا المتعاقدين، وهو ما يشكل من
الناحية الأصلية إهدارا لكرامة الذات البشرية ومن الناحية الإجرائية إعراضا عن الحقيقة الواجب التماسها وإحقاقها
صلب الأحكام القضائية عنوان العدالة وصون الحقوق، وهي جميعا عيوب جسيمة تقوض بنيان
الحكم وتبرر ابطاله".
وبناء على جملة
ما سبق يمكن القول أن محكمة الحكم محل التعليق لم تشذ عما استقر عليه الفقه
والقضاء بل هي اعتبرت أن عدم قيام القاضي بدور إيجابي يهدف لكشف الحقيقة يجعل حكمه
باطلا لكونه لا يتضمن الحقيقة المطابقة للواقع.
4/عدم تعليل الحكم:
جاء في الحكم محل التعليق ما يلي: " حيث اقتضى الفصل 123 م م
م ت أنه "يجب أن يضمن بكل حكم المحكمة التي أصدرته وأسماء وصفات ومقرات
الخصوم موضوع الدعوى وملخص مقالات الخصوم والمستندات
الواقعية والقانونية ونص الحكم. وحيث إن تعليل الأحكام القضائية هو أحد
شروط صحتها باعتباره الأساس القانوني والواقعي الذي ينبني عليه منطوقها. وحيث ولئن
كان ضعف التعليل من أسباب الطعن في الأحكام، فإن انعدام التعليل في معرض الحاجة إلى التعليل يعيب الحكم ويجعله خاليا
من أحد عناصره الشكلية الجوهرية
وحريا بالابطال. وحيث بالرجوع إلى مظروفات الملف يتضح أن الحكم المراد إبطاله جاء
مقتضبا وخلا من أي مستند واقعي أو قانوني يبرر القضاء بالرجوع في التبني، واكتفت
المحكمة بمعاينة موافقة طرفي الدعوى على الرجوع في التبني وترتيب أثر مُسقط إسقاطا
عليها دون ارتباط حقيقي ودون استناد إلى حجج واقعية أو أسانيد قانونية، ليكون
حكمها خاليا من أحد عناصره الجوهرية المنصوص عليها بالفصل 123 م م م ت وهي التعليل
بما يبرر الحكم ببطلانه".
تعليل الأحكام وإن كان يتطلّب من القضاة جهدا كبيرا فضلا عمّا يستنفذه من
وقت إلاّ أنّه يبقى شرطا لازما لصحّة الحكم. ولذلك لا يكفي لقيام الأسباب المبهمة
والمجملة التي لا تقنع المطّلع عليه بعدالة المحكمة ومن ثمّ يجب تعليل كل حكم يصدر
بصفة صريحة أو ضمنيّة في طلب أصلي أو احتياطي أو شكلي أو في دفع متى
قدّم الطلب أو الدّفع إلى المحكمة تقديما صحيحا وصريحا[38]
وبالتالي فإنّ الحكم يجب أن يكون عنوانا للحقيقة حتى تستقرّ المعاملات وتطمئنّ
النفوس وتتدعّم ثقتهم في مرفق القضاء ويبقى الحكم في نظرهم رمزا لإعلاء كلمة الحق.
وهو أمر استقرت عليه محكمة التعقيب من ذلك:
ü
ان
تعليل الأحكام من الوجهتين الواقعية والقانونيّة شرط لصحتها وذلك يقتضي ابراز
المحكمة ما يفيد انها اطلعت على كل وقائع القضيّة وجميع المستندات والاوراق
المضافة اليها
واستخلصت الوقائع الصحيحة منها واعطتها التكييف القانوني المناسب وتعقبت حجج
الخصوم ولم تخل باي دفع جوهري قدم لديها فان اقامت حكمها على ما يخالف الثابت
بالاوراق او على واقعة لا سند لها بالملف كان حكمها معيبا ومستوجبا للنقض[39].
ü
ان
تعليل الأحكام وان كان يتطلب من القضاة جهدا كبيرا فضلا عما يستنفذه من وقت الا انه يبقى شرطا لازما
لصحة الحكم ولذلك لا يكفي لقيام الحكم الاسباب المبهمة او المجملة او التي لا تقنع
المطلع عليه بعدالة المحكمة ومن ثمة يجب تعليل كل حكم يصدر بصورة
صريحة او ضمنية في طلب اصلي او احتياطي او شكلي او في دفع متى قدم الطلب او الدفع إلى المحكمة تقديما صحيحا وصريحا[40].
فنصّ الحكم يجسم حصيلة المجهود الفكري والمخاض الذهني للقاضي وهو مع ذلك
المكان الذي ترتكز فيه قوى الحق في أجلّ مظاهره، وأقوى خاصّيات سلطانه. وهو
بالإضافة إلى هذا كلّه الغاية المنشودة والهدف الدائم المقصود الذي من أجل إدراكه
يتحمّل المتقاضي له شتّى أنواع المتاعب الماديّة منها والمعنويّة[41]
فالقضاء مكلّف بهذا الدور الخطير عند الحكم بين النّاس[42]،
ويفترض أنّ الأحكام التي تصدر عنه تكون عنوانا للحقيقة وأنّها جاءت معلّلة تعليلا
قانونيّا سائغا وتعرّضت لكافّة جوانب القضيّة الواقعيّة والقانونيّة وردّت على
دفوعات الأطراف.
5/البطلان للانحراف بالحق في التقاضي والحياد بوظيفة الحكم القضائي:
جاء في الحكم محل التعليق ما يلي: " حيث اقتضى الفصل 107 من
دستور 26 جانفي 2014 أن "حق التقاضي وحق الدفاع مضمونان." وحث نص الفصل 102 من الدستور على أن
"القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون وحماية
الحقوق والحريات." وحيث شرع التقاضي لإقامة العدل بين الناس ورد الحقوق الى
اصحابها وحماية المصالح المشروعة، ويفترض في دعوى الرجوع في التبني تحقيق المصلحة
الفضلى للطفل المتبنى ناهيك عن مصالح اطراف عملية التبني شرط ان تكون جائزة قانونا
وغير متعارضة مع مصلحة المتبنى وان يتم ذلك باستعمال وسائل مشروعة، ويترتب عن ذلك
أن دعوى الرجوع تفتقد لمشروعيتها اذا اتضح انها ترمي الى تحقيق مصالح غير جائزة
قانونا او انها تمس بمصالح الطفل المتبنى، ليكون الحكم القاضي بقبولها منحرفا
بوظيفته الاصلية بما يقوض كيانه. وحيث يمكن قانونا اثبات سوء استخدام احد طرفي
النزاع لحق التقاضي واستعماله حيلا وخزعبلات للحصول على حكم قضائي يسند حقوقا لغير
اصحابها او يسلب اولي الحق حقهم بكل وسائل الإثبات لتعلق الامر بوقائع قانونية
وذلك دونما ضرورة للجوء الى التقاضي الجزائي أو انتظار صدور حكم بالإدانة في
الغرض...ويجوز حينئذ الاكتفاء بما توفر بمظروفات الملف من أدلة وقرائن
متواترة
ومتضافرة وقوية يحكمها رابط منطقي للتدليل على الانحراف بحق التقاضي والحياد
بوظيفة الاحكام القضائية ومن ثمة ترتيب آثار مدنية على الأفعال غير المشروعة
كالبطلان. وحيث بالرجوع الى مظروفات الملف يتضح انه وقع تبني الطفلة كوثر منذ سنة
1968 وخلال شهر أفريل 1985 توفيت الام بالتبني هند فتح الله عن ارملها المتبني
احمد بلخيرية وابنتها بالتبني المستأنفة كوثر بلخيرية تاركة عديد العقارات المسجلة
طبق ما هو مبين بحجة وفاتها المحررة بتاريخ 11/4/1985 وقد سارع الاب بعد مدة وجيزة
بتاريخ 3 جوان 1985 الى القيام بإجراءات الرجوع في التبني واستصدار حكم في ذلك ثم
القيام بإجراءات إصلاح حجة وفاة زوجته لتخلو من ابنتها بالتبني كوثر. وحيث اقتصر
تنفيذ حكم الرجوع على القيام بإصلاح حجة وفاة الام بالتبني هند فتح الله مع بقاء
عناصر هوية البنت المتبناة كوثر بلخيرية على حالها نسبة لوالديها بالتبني الى
تاريخ اليوم بعد اكثر من 29 سنة وهو ما تثبته جمله وثائق الحالة المدنية كمضمون
ولادة المتبناة وعقد زواجها وشهادة في الجنسية... بما يقيم الدليل على فساد المقصد
من استصدار حكم الرجوع في التبني وانتفاء الرغبة في حماية حقوق المتبناة وتحقيق
مصلحتها، وانصراف إرادة محرك الدعوى إلى حرمانها من الميراث والاستئثار به لنفسه. وحيث
شككت المستأنفة في انابة والديها المفترضين لمحام لتقديم قضية في الرجوع في تبنيها
واعتبرت ذلك امرا محبوكا من والدها بالتبني، وبتفحص مظروفات الملف يتضح ان والد
المستأنفة المفترض سبق له ان نفى بموجب الشهادة المتلقاة بواسطة عدلي الاشهاد سلوى
عصمان وحسين البجاوي بتاريخ 13/5/1992 تكليفه لمحامية للقيام بالقضية نيابة عنه
وتأكيده بان والد المستأنفة بالتبنى سبق ان اتصل به بعد 18 سنة من تبني الطفلة
كوثر سنة 1968 وسلمه البنت مع مبلغ مالي دون ابلاغه بأي اجراءات او تفاصيل..كما
اتضح أيضا من خلال بطاقات المعالجة والمواعيد والشهادات المتلقاة بواسطة عدل
الاشهاد الاستاذة حوازة بوسكاية بتاريخ 7/11/2013 ان والدة المستأنفة المفترضة
فاطمة بن حسين كانت فعلا تعالج من اجل مرض عقلي بمستشفى الرازي بما يؤشر لانعدام
أهليتها.. كما تبين كذلك– وخلافا للأصل في الأمور ولقوانين مهنة المحاماة وأعرافها
من استئثار كل محام بمكتب بعنوان خاص به- ان عنوان مكتب محامية طالبي الرجوع في
التبني الاستاذة فاطمة محجوب بن ميمون هو نفس عنوان محامي خصمهما المدعى عليه في
تلك القضية الاستاذ سالم بن عبد القادر وهو 19 نهج مرسيليا تونس، وقد اكدت
المستأنفة ان محامية المدعيين هي ابنة اخت المدعى عليه(الاب بالتبني) وهو ما لم
تنفه المستأنف ضدها في قضية الحال..وكل ذلك -ودون اعتبار للمصادفات النادرة -يجعل
قيام الوالدين المفترضين بدعوى الرجوع في التبني بواسطة المحامية المذكورة امرا
مشكوكا فيه وغير ثابت تبعا لانتفاء مصلحة ظاهرة من ذلك وتباين مستوى المعيشة بين
الاسرتين بين اليسر والفاقة ولعدم ثبوت التكليف بالقيام بطريقة اخرى بعد إنكاره من
قبل الأب المفترض واستبعاد قيام الأم المفترضة بذلك لتواتر أدلة إصابتها بمرض عقلي
أفقدها اهليتها. وحيث تبين أيضا أن من حضر بجلسة المرافعة المنعقدة في 9 جويلية
1985 علاوة على محاميي الطرفين هو المدعى عليه (الاب بالتبني) دون المدعيين بما يعكس
حرصا مريبا على التخلص من عبئ ثقيل يتمثل في بنت وحيدة تبناها منذ 18 سنة وقد صرح
للمحكمة بموافقته على الرجوع في التبني، رغم ان الأحرص على الحضور منطقيا هما
الوالدين المفترضين للبنت باعتبارهما القائمين بالدعوى ولافتراض مصلحتهما ولهفتهما
على استعادة ابنتهما مجددا. وحيث تشير القرائن المتعددة والمتواترة والمتضافرة
والقوية والمترابطة ترابطا منطقيا إلى أن الساعي في القيام بدعوى الرجوع في التبني
هو في الحقيقة الأب بالتبني (المدعى عليه فيها) وقد عجّل بعد وفاة زوجته ودون علم
والدي المستأنفة الطبيعيين بإجراءات الرجوع في التبني ليتولى لاحقا اصلاح حجة وفاة
الهالكة هند فتح الله وشطب البنت كوثر من قائمة الورثة ليستأثر هو بأغلب الميراث
وهو ما يعد انحرافا بالإجراءات القضائية وتحايلا على أحكام الميراث التي تهم
النظام العام فلا تجوز مخالفتها ناهيك عن التحايل عليها لاستبعادها. وحيث اتضح أن
والد المستأنفة بالتبني قد استعمل وسائل غير مشروعة لاستصدار
حكم الرجوع في التبني رمي من خلاله إلى تحقيق مصلحة غير جائزة قانونا
وهو
ما يعد - من جانبه - انحرافا بالحق في
التقاضي ومن جانب المحكمة التي قبلت دعواه حيادا بوظيفة إقامة العدل المفترضة في الحكم القضائي كما تضمنتها
أحكام الفصل 102 من الدستور، بما يحتم إبطاله".
ومن الواضح أن المحكمة لازالت هنا
تواصل التأكيد على دور القاضي في إلتماس الحقيقة من خلال تأكيدها على فكرة أن الحياد
يتعارض مع ما للحاكم المدني من أهداف لبلوغ العدالة المثالية[43]. فالخصومة ليست مجرد مبارزة قضائية
بين شخصين، فعلى الرغم من أن نهايتها لا تهم إلا طرفيها بالدرجة الأولى إذ أنّها
تمكن المحكوم له من الحصول على مطالبه، إلا أن لكيفية حسمها أثر على كامل المجتمع
لأن التداخل والترابط بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة ثابتان دون شك[44]
لهذا ظهر اتجاه واضح في جل التشريعات الحديثة يميل نحو الحرص على أن يسعى القاضي
عند البت في النزاعات المدنية إلى الكشف عن الحقيقة المطلقة لا إلى مجرد الحقيقة
النسبية التي قد تكون مفتعلة من أحد المتقاضين[45].
ولقد تبنت محكمة التعقيب التونسية هذا التوجه في قرارها عدد 1197 المؤرخ في 21
ديسمبر 1978، والذي جاء فيه "على الحاكم تحرير حقيقة الأمر بنفسه أو
بتكليف أهل الخبرة"[46].
وهو موقف يؤكد أن من أبرز وظائف القضاء ليس الإسراع في فصل النزاع بل الاجتهاد
في البحث عن الحقيقة[47].
ولهذه الأسباب أكدت محكمة التعقيب أن "مهمة
القاضي ليست مجرد فصل القضايا بل فصل النزاعات طبق القانون وعلى أساس معطيات
صحيحة، وهذا يدعو القاضي إلى عدم التقيد بما يقدمه المتقاضين من وسائل دفاع
ومستندات إذ قد تكون منقوصة بل عليه أيضا أن يبحث بنفسه عن الحقيقة ولا يمكن أن
يكون العمل القضائي إيجابيا إلا إذا انبنى على معطيات صحيحة فيكون الحكم مطابقا
للحقيقة وعلى القاضي الكشف عنها باتخاذ ما يراه ضروريا من الأعمال وقد خوّل الفصل
86 مجلة المرافعات المدنية التونسية للمحكمة الإذن بكلّ الأعمال ذات الصبغة
الاستقرائية الرامية أساسا للكشف عن الحقيقة"[48].
6/ البطلان لعدم تنفيذ الحكم لمدة تفوق 20 سنة: (اشكالية التنفيذ الجزئي وقانون أقل مجهود)
جاء في الحكم محل التعليق ما يلي: " حيث اقتضى الفصل 257 م م
م ت انه يبطل العمل بالحكم بمضي عشرين سنة مسيحية من تاريخ يوم صدوره. وحيث صدر
حكم الرجوع في التبني منذ تاريخ 23 جويلية 1985 أي منذ 29 سنة تقريبا دون أن يقع
تنفيذه في خصوص الأثر الأهم والأساسي لذلك الحكم وهو هوية الطفلة المتبناة سواء
بشطب اسمي والديها بالتبني برسم ولادتها ومختلف وثائق الحالة المدنية أو بالتنصيص
مجددا على هوية والديها المفترضين بدفاتر الحالة المدنية توازيا مع ما اقره الفصل
13 فقرة أخيرة من قانون التبني بالنسبة لحكم التبني بما يجعل الحكم لاغيا وجوبا
وغير ذي نفاذ وحريا بالإبطال عملا بصريح الفصل 257 م م م ت. وحيث ان بطلان حكم
الرجوع في التبني في خصوص أثره الاساسي والأصلي المتعلق بهوية البنت المتبناة
وحالتها المدنية يؤدي بصفة الية الى بطلانه في خصوص آثاره الفرعية والعرضية ولو تم
تنفيذه في خصوصها عملا بقاعدة "الفرع يتبع الأصل" وقاعدة "ما بني
على باطل فهو باطل".
كما أضافت المحكمة مايلي لتعليل حكمها بخصوص هذه النقطة وبيان وجه
التنفيذ الجزئي الذي تم والغرض منه إذا قالت: " وحيث بالرجوع الى مظروفات
الملف يتضح انه وقع تبني الطفلة كوثر منذ سنة 1968 وخلال شهر أفريل 1985 توفيت
الام بالتبني هند عن ارملها المتبني احمد وابنتها بالتبني المستأنفة كوثر تاركة
عديد العقارات المسجلة طبق ما هو مبين بحجة وفاتها المحررة بتاريخ 11/4/1985 وقد
سارع الاب بعد مدة وجيزة بتاريخ 3 جوان 1985 الى القيام بإجراءات الرجوع في التبني
واستصدار حكم في ذلك ثم القيام بإجراءات إصلاح حجة وفاة زوجته لتخلو من ابنتها
بالتبني كوثر. وحيث اقتصر تنفيذ حكم الرجوع على القيام بإصلاح حجة وفاة الام
بالتبني هند مع بقاء عناصر هوية البنت المتبناة كوثر على حالها نسبة لوالديها
بالتبني الى تاريخ اليوم بعد اكثر من 29 سنة وهو ما تثبته جمله وثائق الحالة
المدنية كمضمون ولادة المتبناة وعقد زواجها وشهادة في الجنسية...".
تثير هذه الحيثيات عدة ملاحظات هي:
·
هل أن جملة "يبطل
العمل بالحكم" تفيد إمكانية القيام بدعوى أصلية لابطال الحكم ذاته أم أنها
تفيد فقط زوال مفعوله وعدم القدرة على تنفيذه جبرا أو الطعن فيه أو حتى طلب إصلاحه[49]؟
من المؤكد أن بطلان العمل
بالشي لا يعني بطلان ذلك الشيء ذاته وإنما فقط فقدانه لقوته التنفيذية.
فابطال العمل بالحكم يعني
أنه لا يمكن تقديمه للتنفيذ بعد عشرين سنة من تاريخ صدوره وهو أجل سقوط لا يقبل
الوقف أو الانقطاع وكان أولى أن يستعمل المشرع عبارة السقوط وليس البطلان إذ أن
جزاء الخلل بالاجراءات هو السقوط[50].
وبالتالي فإن جملة
"يبطل العمل بالحكم" هي حجة ضد الحكم محل التعليق وليست له. فطالما ثبت
أن الحكم بطل العمل به فلا مجال للحكم ببطلانه وانما يقتصر الآمر على التصريح
ببطلان العمل به في مواجهة من يطلب تنفيذه بعد 20 سنة. فمقتضيات الفصل 257 المذكور
لا تسمح بالقيام بدعوى أصلية لأبطال الحكم بل هي تمكن من وقع الاحتجاج عليه بذلك
الحكم من الدفع ببطلان مفعوله ليس إلا. وهو أمر تمسكت به نائبة المستأنف ضدها لكن
محكمة الحكم محل التعليق تجاوزت دفعها دون تعليل مقنع.
·
حسبنا يستفاد من حيثيات
القرار محل التعليق فإن من استصدر حكم الرجوع في التبني المطلوب ابطاله قام
بتنفيذه جزئيا من خلال الاكتفاء باستعماله لإصلاح حجة الوفاة فقط قصد التشطيب على
البنت المتبناة والاستئثار بكامل الإرث دون القيام بإدراجه في دفاتر الحالة
المدنية قصد تغيير هوية البنت المتبناة وارجاع هويتها الأصلية. وهذا هو ربما ما
جعل المحكمة تخوض في تطبيق مقتضيات الفصل 257 م م م ت كي تبين وأن الحكم المطلوب
ابطاله هو أصلا لم يعد يصلح كحجة لتبديل هوية البنت التي لازالت في دفاتر الحالة
المدنية بنتا لوالديها بالتبني ولم يقع ارجاع هويتها السابقة وهو أمر بات من المستحيل
القيام به الآن لأنه بطل العمل بالحكم.
والسؤال هنا كيف تم اصلاح
حجة الوفاة دون المرور بإصلاح رسوم الحالة المدنية؟ والحال أن إقامة تلك الحجة أو
إصلاحها أو الاعتراض عليها أو طلب ابطالها لا يتم إلا بناء على رسوم الحالة المدنية؟
كما يتجه التساؤل أيضا حول الدعوى التي كان يتجه القيام بها أصلا وهل هي دعوى
ابطال حجة الوفاة لتعارضها مع رسوم الحالة المدنية؟ أم دعوى ابطال الحكم غير
المدرج برسوم الحالة المدنية كما حصل فعلا في قضية الحال؟ يبدو لي أن التطبيق
السليم لمقتضيات الفصل 257 م م م ت كان يستوجب القيام بدعوى ابطال حجة وفاة الأم
بالتبني وإذا ما وقع التمسك حينها بحكم الرجوع غير المدرج بدفاتر الحالة المدنية
فعنده يقع الدفع بمقتضيات الفصل 257 المذكور الذي سبق القول أنه فصل يصلح كسند
للدفع وليس كسند للقيام. وترتيبا عما سبق بيانه فإن طلب ابطال العمل بالحكم الذي لم
ينفذ لمدة 20 سنة يمكن أن يكون في شكل دعوى عارضة، عملا بأحكام الفصل 226 من م. م.
م. ت، في إطار دعوى أصلية عند تمسك الخصم بالحكم الذي أبطل العمل به.
ويستخلص مما سبق أن المحكمة تمسكت بسند قانوني لتأسيس قبول دعوى
ابطال الحكم عليه والحال أنه لا يصلح إلا كسند للدفع ببطلان العمل بالحكم في إطار
دعوى أصلية وهو ما يجعل حجتها هذه ضعيفة ولا يمكن تبريرها حتى بالنزعة الحمائية
التي سعت كذلك للتأسيس عليها.
الفقرة
الثانية: الأسس الحمائية لإلغاء جميع آثار الحكم
سعيا من محكمة الحكم محل التعليق إلى تعزيز موقفها بترسانة من الحجج
التي تسمح لها بإلغاء جميع آثار حكم الرجوع في التبني فقد
عمدت إلى استعراض ثلاث حجج حمائية بعد أن كانت استبعدت الحجة الرابعة التي تمسكت
بها المستأنفة وهو ما سيقع بيانه عند التعرض لتلك الحجج كما سيلي بيانه.
1/ استبعاد البطلان على أساس قانون العدالة
الانتقالية:
جاء في الحكم محل التعليق: " حيث تمسكت المستأنفة ببطلان حكم الرجوع في التبني تبعا لحصول انتهاك جسيم
على طفل قاصر على أساس الفصل 8 من القانون عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر
2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، والحال أن قانون العدالة
الانتقالية عموما من خلال فصله الثالث يفترض في الانتهاك الجسيم أن يكون ممنهجا
وصادرا عن أجهزة الدولة او مجموعات أو أفراد تصرفوا باسمها أو تحت حمايتها وهو ليس
شان قضية الحال التي لم تثبت فيها بوجه او بأخر الصبغة المنظمة للانتهاك الواقع
على المستأنفة أو تورط اجهزة الدولة فيه، كما ان الاختصاص بالنظر في تلك
الانتهاكات طبقا للفصل 8 من القانون المشار إليه معقود لدوائر قضائية متخصصة
بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف التي لم تُحدَث بعد، بما يجعل
محاكم الحق العام غير ذات نظر في تلك الدعاوى...وليكون التماس البطلان على اساس
قانون العدالة الانتقالية غير ذي وجاهة وحريا بالرفض".
خلافا لسابقه (أي استبعاد مقتضيات
الفصل 484 م ا ع) يبدو أن هذا الاستبعاد كان سليما وفي طريقه، أولا للحجج التي
تمسكت بها المحكمة، وثانيا لأن العدالة الانتقالية مسار مستقل عن القضاء العادي
كما سبق لمحكمة التعقيب أن أكدت ذلك في قرارها الجزائي عدد 55745 المؤرخ في
02/09/2017 (غير منشور) الذي جاء فيه ما يلي: "طالما أن محكمة القرار المنتقد قد بررت
قضائها اعتماد على أحكام الفصلين 3 و8 من قانون العدالة الانتقالية فإن ذلك يعد
خلطا بين منظومة العدالة الانتقالية الاستثنائية والمحددة في الزمن ومنظومة
العدالة القضائية وفي ذلك خرق لأحكام القانون".
وثالثا لأن مقتضيات الفصل 8 من القانون الأساسي عدد 53
لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها ولئن
نصت على أنه: " تحدث بأوامر دوائر قضائية متخصصة بالمحاكم
الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف تتكون من قضاة، يقع اختيارهم من بين من
لم يشاركوا في محاكمات ذات صبغة سياسية، ويتم تكوينهم تكوينا خصوصيا في مجال
العدالة الانتقالية". فإن الأمر التطبيق المحدث لتلك الدوائر والذي
صدر بعد صدور الحكم محل التعليق أكتفى بإحداث دوائر جنائية فقط[51].
2/البطلان لعدم تمثيل الطفل المتبنى في حكم الرجوع في التبني:
جاء في الحكم محل التعليق ما يلي: " حيث تقتضي النظرية
العامة للأحكام القضائية أن ينتج الحكم القضائي عن خصومة منعقدة بين طرفين على
الأقل حيث يتواجه الخصمان بالأدلة والبراهين والحجج تتولى المحكمة دراستها
وتمحيصها وتقييمها والترجيح بينها. وحيث ولئن لا تتضمن جميع القضايا على خصومة أو
مصالح متضاربة بين اطرافها كأن تتضمن اتفاقا تُصادق عليه المحكمة ويصدر في صيغة
حكم مثلما هم شأن حكم التبني طبقا للفصل 13 من قانون التبني، إلا أنه من الضروري
أن يكون صاحب المصلحة الشرعية في الدعوى طرفا ضروريا فيها. وحيث إن خلو الدعوى -
ومن ثمة الحكم القضائي - من "طرف" أو "خصم" ضروري يجعل الخصومة القضائية غير منعقدة أصلا ويجعل الدعوى غير قائمة في حقه
ليكون الحكم القضائي المتولد عنها باطلا لا وجود له قانونا. وحيث تهم دعوى الرجوع
في التبني أساسا شخص المتبنى لتعلق الأمر بهويته ونسبه ومصيره ومعاملاته
المالية...ووجب أن يكون ضرورة طرفا في النزاع بواسطة من يمثله كي يتولى الدفاع عن
حقوقه ومصالحه وتحمل مسؤولية القيام في حقه لدى المحكمة مُدعيا كان أم مدعى عليه.
وحيث إن عدم شمول دعوى الرجوع في التبني للطفل المتبنى كطرف يجعل منه مجرد محل للتعاقد ثم موضوعا للدعوى يتنازع حوله الخصوم
او يتفق بشأنه المتعاقدون وهو ما يشكل إهدارا للكرامة البشرية تأباه مقتضيات الفصل 23 من دستور 26 جانفي 2014 الذي
ينص على أن: "تحمي الدولة كرامة الذات البشرية..." وكذلك مقتضيات الفصل
47 منه الذي ينص على أن: "حقوق الطفل على أبويه وعلى الدولة ضمان
الكرامة..." وحيث زيادة على ذلك، وبتفحص حكم الرجوع
في التبني يتضح أن الطفلة المتبناة كوثر كانت بتاريخ رفع دعوى الرجوع في التبني
تبلغ من العمر 18 سنة اي انها كانت قاصرا طبق القانون الجاري به العمل آنذاك ولم
يقع تمثيلها في النزاع بواسطة وليها - سواء والداها المفترضان أو والداها بالتبني
- طبقا لأحكام الفصل 6 م ا ع والفصل 154 م ا ش وذلك بالرغم من كونها صاحبة المصلحة
الاساسية والشرعية والمباشرة في الدعوى، وقد خالفت المحكمة مقتضيات الفصل 19 م م م
ت وقبلت الدعوى التي كان طرفاها الوالدان المفترضان والوالد بالتبني فقط بالرغم من
أن صفة بعضهم ومصلحته في الدعوى غير ثابتة وصفة البعض الآخر غير مباشرة و تبعية
ومتفرعة عن مصلحة الطفلة المتبناة، ليكون الحكم خاليا من طرف ضروري في الدعوى وهو ذو الصفة والمصلحة الأساسية ممن وجب تمثيله فيها بما يجعله فاقدا
لأحد أركانه الاساسية وحريا بالإبطال من هذه الجهة".
أشارت المحكمة من خلال هذه الحيثية إلى خرق مبدأ أساسي من مبادئ
المحاكمة العادلة ألا وهو مبدأ المواجهة بين الخصوم والذي كرسه المشرع في الفصل 4
من م م م ت، واعتبرت أن عدم استدعاء البنت المتبناة لتكون طرفا في قضية الرجوع في
حكم التبني يجعل ذلك الحكم مختلا بخلل جوهري يستوجب بطلانه وموقفها هذا وجيه وفي
طريقه.
3/البطلان لعدم تمثيل الحق العام بواسطة النيابة العمومية:
جاء في الحكم محل التعليق ما يلي: " حيث تبين من الشهادة في
نص حكم تبني الصادرة بتاريخ 31/3/2011 ان حكم تبني المستأنفة الصادر في 19/7/1968
شمل والد المستأنفة بالتبني أحمد من جهة والحق العام من جهة أخرى غير ان النيابة
العمومية الممثلة للحق العام الذي كان طرفا في قضية التبني لم يتم استدعاؤها ولا
تمثيلها او حتى عرض الملف عليها في قضية الرجوع في التبني مثلما يقتضي ذلك مبدأ
توازي الشكليات والأساليب وما تحتمه حماية المصالح التي تهم النظام العام، وهو ما
يعد خللا اجرائيا وشكليا جسيما يعيب حكم الرجوع في التبني ويبرر الحكم
ببطلانه".
تأتي هذه الحيثية في سياق التوجه الحمائي الذي انتهجته المحكمة من
خلال تعمقها في الملف الأصلي المتعلق بالحكم المطلوب ابطاله قصد استخراج جميع
النقاط التي يمكن أن تؤسس عليها حكمها القاضي بالبطلان. ولكن لماذا تمسكت المحكمة
بمبدأ توازي الشكليات دون أن تتمسك بمقتضيات الفصل 251 م م م ت صراحة؟ يبدو أن
المحكمة تعلم جيدا أن الفصل 251 المذكور يسمح للنيابة العمومية بالقيام بالقضايا
كلما كانت هناك مصلحة شرعية تهم النظام العام .لكنه
لا يفرض عرض الملف عليها إلا في حالات معينة لا يتوفر أيا منها في قضية الرجوع
بالتبني لهذا فضلت اعتماد توازي الشكليات انطلاقا من أن أطراف الحكم بالتبني يفترض
أن يكونوا هم أنفسهم أطراف القضية المتعلقة بطلب الرجوع فيه والحال أن قضايا
الرجوع في التبني لا نص فيها أصلا وإنما هي من القضية المثيرة للجدل.
وبالتالي فإن
اعتماد حجة غياب النيابة العمومية في قضية لا يوجد فيها نص صريح ينظمها ويبين
أطرافها من جهة وفي غير الحالات التي ينص عليها الفصل 251 م م م ت من جهة أخرى
يجعل هذه الحجة ضعيفة ولا تصلح لتأسيس دعوى ابطال الحكم عليها وهو ما سيدفع
المحكمة لتعزيز موقفها بحجج من الدستور.
4/ البطلان لإهدار حقوق ومصلحة المتبنى:
جاء في الحكم محل التعليق ما يلي: " حيث اقتضى الفصل 107 من
دستور 26 جانفي 2014 أن "حق التقاضي وحق الدفاع مضمونان." وحيث نص الفصل
102 من الدستور على أن "القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور
وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات." وحيث شرع التقاضي لإقامة العدل بين
الناس ورد الحقوق الى اصحابها وحماية المصالح المشروعة، ويفترض في دعوى الرجوع في
التبني تحقيق المصلحة الفضلى للطفل المتبنى ناهيك عن مصالح اطراف عملية التبني شرط
ان تكون جائزة قانونا وغير متعارضة مع مصلحة المتبنى وان يتم ذلك باستعمال وسائل
مشروعة، ويترتب عن ذلك أن دعوى الرجوع تفتقد لمشروعيتها اذا اتضح انها ترمي الى
تحقيق مصالح غير جائزة قانونا او انها تمس بمصالح الطفل المتبنى، ليكون الحكم
القاضي بقبولها منحرفا بوظيفته الاصلية بما يقوض كيانه. وحيث يمكن قانونا اثبات
سوء استخدام احد طرفي النزاع لحق التقاضي واستعماله حيلا وخزعبلات للحصول على حكم
قضائي يسند حقوقا لغير اصحابها او يسلب اولي الحق حقهم بكل وسائل الإثبات لتعلق
الامر بوقائع قانونية وذلك دونما ضرورة للجوء الى التقاضي الجزائي أو انتظار صدور
حكم بالإدانة في الغرض...ويجوز حينئذ الاكتفاء بما توفر بمظروفات الملف من أدلة
وقرائن متواترة ومتضافرة وقوية يحكمها رابط منطقي للتدليل على الانحراف بحق
التقاضي والحياد بوظيفة الاحكام القضائية ومن ثمة ترتيب آثار مدنية على الأفعال
غير المشروعة كالبطلان. ... وحيث شككت المستأنفة في انابة والديها المفترضين لمحام
لتقديم قضية في الرجوع في تبنيها واعتبرت ذلك امرا محبوكا من والدها بالتبني،
وبتفحص مظروفات الملف... تبين كذلك– وخلافا للأصل في الأمور ولقوانين مهنة
المحاماة وأعرافها من استئثار كل محام بمكتب بعنوان خاص به- ان عنوان مكتب محامية
طالبي الرجوع في التبني الاستاذة فاطمة هو نفس عنوان محامي خصمهما المدعى عليه في
تلك القضية الاستاذ سالم وهو 19 نهج ... تونس، وقد اكدت المستأنفة ان محامية
المدعيين هي ابنة اخت المدعى عليه(الاب بالتبني) وهو ما لم تنفه المستأنف ضدها في
قضية الحال..وكل ذلك -ودون اعتبار للمصادفات النادرة -يجعل قيام الوالدين
المفترضين بدعوى الرجوع في التبني بواسطة المحامية المذكورة امرا مشكوكا فيه وغير
ثابت تبعا لانتفاء مصلحة ظاهرة من ذلك وتباين مستوى المعيشة بين الاسرتين بين
اليسر والفاقة ولعدم ثبوت التكليف بالقيام بطريقة اخرى بعد إنكاره من قبل الأب
المفترض واستبعاد قيام الأم المفترضة بذلك لتواتر أدلة إصابتها بمرض عقلي أفقدها
اهليتها. وحيث تبين أيضا أن من حضر بجلسة المرافعة المنعقدة في 9 جويلية 1985
علاوة على محاميي الطرفين هو المدعى عليه (الاب بالتبني) دون المدعيين بما يعكس
حرصا مريبا على التخلص من عبئ ثقيل يتمثل في بنت وحيدة تبناها منذ 18 سنة وقد صرح
للمحكمة بموافقته على الرجوع في التبني، رغم ان الأحرص على الحضور منطقيا هما
الوالدين المفترضين للبنت باعتبارهما القائمين بالدعوى ولافتراض مصلحتهما ولهفتهما
على استعادة ابنتهما مجددا. وحيث تشير القرائن المتعددة والمتواترة والمتضافرة
والقوية والمترابطة ترابطا منطقيا إلى أن الساعي في القيام بدعوى الرجوع في التبني
هو في الحقيقة الأب بالتبني (المدعى عليه فيها) ... ليستأثر هو بأغلب الميراث وهو
ما يعد انحرافا بالإجراءات القضائية وتحايلا على أحكام الميراث التي تهم النظام
العام فلا تجوز مخالفتها ناهيك عن التحايل عليها لاستبعادها. وحيث اتضح أن والد
المستأنفة بالتبني قد استعمل وسائل غير مشروعة لاستصدار
حكم الرجوع في التبني رمي من خلاله إلى تحقيق مصلحة غير جائزة قانونا
وهو
ما يعد - من جانبه - انحرافا بالحق في
التقاضي ومن جانب المحكمة التي قبلت دعواه حيادا بوظيفة إقامة العدل المفترضة في الحكم القضائي كما تضمنتها
أحكام الفصل 102 من الدستور، بما يحتم إبطاله".
سعت المحكمة من خلال هذه الحجة إلى تأسيس موقفها على الدور الدستوري
للقاضي كحام للحقوق والحريات وكضامن لعدم التلاعب بحق التقاضي لتبين بعد استعراض
مستفيض لمجريات قضية الرجوع في التبني ومن قام به وما شاب نيابة محاميا الطرفين من
ملابسات تدعو للريبة وتفتح باب الشك في وجود قرينة قوية على التواطئ مع الأب
بالتبني قصد تمكينه من الحصول بالحيلة والتدليس على حكم رجوع بالتبني يسمح له
بالاستئثار بالميراث وحرمان البنت من منابها في ميراث أمها بالتبني لتنتهي المحكمة
إلى أن هناك انحراف بحق التقاضي وخروج عن الوظيفة المفترضة للقضاء بما يسمح بإبطال
حكم الرجوع في التبني.
يبدو أن هذه الحجة جاءت لتعزز قناعة المحكمة نفسها قبل أن تكون موجهة
للغير. وكأن المحكمة عبرت عما اختلج بوجدانها عند اطلاعها على الحكم المراد ابطاله
فسعت لتأسيس موقفها على حجج قانونية فلم تجد سوى المبادئ الدستورية المتعلقة
بتنظيم القضاء من جهة ومن جهة أخرى فإنها بينت بصفة ضمنية أن حتى المحاميين اللذان
حضرا في القضية خرجا عن دورهم القانوني والدستوري كشركاء في إقامة العدل ليكونا
شريكين في إقامة الظلم. ورغم القيمة الأخلاقية لهذا التعليل فإنه يبدو غير كاف لأن
يكون سندا للابطال لولا أنه تعزز بإنكار الوالدين الأصليين تكليفهما لأي محام حتى
يقوم بدعوى الرجوع علاوة على ثبوت فقدان الأم لأهليتها زمن القيام وتغيبهما التام
عن الجلسة اليتيمة التي عقدت للبت في الملف. فهذه الحجة الاخلاقوية تصلح لتعزز
قناعة المحكمة لكن لا يمكن ان تكون بمفردها سندا للقيام بدعوى الابطال.
ففكره أنعدام الأحكام ولدت
ونمت على يد الفقه وأحكام القضاء دون أن يرد بها نص تشريعى صريح. ورغم
أن هناك من يرى عدم منطقيه تلك الفكرة وعدم قيامها على سند تشريعى بل عدم أفادتها
أصلا، ويتجه رفضها لأن القانون ينظم البطلان، الذي يطال كل عمل لا تتوفر فيه
المقتضيات التي يتطلبها القانون فيه. مما يؤدى الى عدم انتاج اثاره القانونية ولا
يمكن ان يقصد بالانعدام القانوني غير هذا[52]
وبالتالي فإن البطلان والانعدام سواء. ومع هذا فقد أخذ غالبيه الفقه بمساندة من
القضاء بفكره انعدام الحكم القضائى رغم وجود خلط بين البطلان والانعدام كما حصل في
الحكم محل التعليق وهو ما تم بيانه في الجزء الأول من هذا التعليق. مع أن الحكم
المنعدم هو الحكم الذى يفقد ركناً أساسياً من أركان وجوده. وعلى عكس الحكم الباطل
الذي توفرت له أركان الوجود ولكن شابها أو شاب أحداها عيب متعلق بشروط صحته.
والعيب الذي يؤدى الى انعدام الحكم القضائى هو عيب من الجسامه بحيث يجعل ما ورد به
غير جدير بالاحترام الواجب للتقديرات القضائية ويجعل الحكم غير صالح لأداء وظيفته.
فإذا وجد العيب المعدم للحكم فأنه من المتعين أهدار حجيته وأزالته من الوجود تماما
كما هو حل الحكم موضوع القضية التي صدر بمناسبتها الحكم محل التعليق إذ قضت
المحكمة بإلغاء جميع آثاره.
وفي الختام يمكن القول أن الحكم محل التعليق
هو من الاحكام التي تتضمن اجتهادا وعمقا لا يمكن للمرء سوى أن يعترف بهما ويقدره
ويشكر كل من ساهم فيه. وكأن بالمحكمة أرادت من خلال هذا الحكم لا فقط أن تلغي جميع
آثار الحكم المقدوح فيه فقط بل هي أرادت أن تمحو كل انطباع سلبي خلفه ذلك الحكم في
نفس البنت التي ظلمت وانتهكت حقوقها نتيجة تواطئ مريب بين والدها بالتبني وجناحي
العدالة.
إن هذا الإقرار المبدئي بقيمة الحكم محل التعليق لا يمنع من توجيه النقد
له اعتمادا على معيار اقتصادي أشارت له المحكمة نفسها بصفة عرضية لكنها لم تطبقه وهو
ما يعرف بقانون "أقل مجهود" الذي ينصرف إلى تحقيق أكبر منفعة ممكنة بأقل
مجهود مبذول. فلو طبقت المحكمة هذه القاعدة على الحكم محل التعليق لوجدت أنه كان
بإمكانها الاكتفاء بحجة الفصل 257 م م م ت (حسب فهمها هي له) دون أدنى داع للخوض
في بقية الحجج. لكن يبدو أن المحكمة أرادت ان تستغل الفرصة لكي تستعرض بإطناب كل
أوجه البطلان (أو الانعدام) التي رأتها ممكن لكي تمكن كل راغب في طلب ابطال حكم يعتبره
طالم له من أن يجد حجة أو أكثر تسمح له بذلك. إلا أن التمعن في بعض الحجج يستوجب
لفت الانتباه إلى خطورتها وأنها قد تكون سببا لأبطال الكثير من الاحكام التي لم
يقم فيه القاضي بواجبه القانوني والدستوري على الوجه الأكمل. وكأن من حرر هذا
الحكم أراد التأسيس لإصلاح قضائي ولنوع خاصة من العدالة الانتقالية غابت عن
مقتضيات القانون المنظمة لتلك العدالة كما سبق بيانه.
[1] - ماهر أبو العنين – مجله
المحاماة (مصر) – العدد الأول – دعوى البطلان الأصلية – ص 631. محمد بشير جزائرلي
، الحكم القضائي السليم والمعدوم والباطل ، مجلة المحامون السورية ،نقابة المحامين
في الجمهورية العربية السورية ،العددان السابع والثامن ، تموز ، اب ،1993 ،ص 66.
احمد مليجي ،موسوعة الطعون في الأحكام ،ج1 ، المركز القومي للإصدارات القانونية ،
القاهرة ، 2005 ،ص 5.
[2] - أحمد أبو الوفا – نظريه الأحكام فى قانون
المرافعات الطبعة الخامسة 1985 ص 316 وما بعدها
[3] - قرار الهيئة العامة
لمحكمة النقض السورية عدد /1/ تاريخ 28/2/1980.
[4] - تقول محكمة النقض
المصرية: "ان الحكم يكون منعدما ا اذا تجرد من احد اركانه اساسية وقوامها
صدور من قاض له وية القضاء فى خصومة مستكملة المقومات اطرافا ومح وسببا فى القانون
بحيث يشوبه عيب جوهرى جسيم يصيب كيانه ويفقد صفته كحكم ويحول دون اعتبار موجودا منذ
صدور وترتب المحكمة على انعدام الحكم ان القا يستنفذ به سلطته وان الحكم يرتب حجية
امر المق و يرد عليه التصحيح باى من طرق الطعن المقررة لحكام القائمة والتى تحوز
حجية احكام ن المعدوم يمكن رأب صدعه وليس فى حاجه الى ما يعدمه فهو فى القانون غير
موجود اص ويكون السبيل لتقرير انعدامه الدعوى المبتدأة او بانكار والتمسك بعدم
وجود عند احتجاج به وان الدفع بانعدام يتقيد بترتيب معين فى ابدائه ويحق لكل ذى
مصلحة التمسك به ومثلت المحكمة للحكم المعدوم بذلك الذى يصدر على شخص ثبتت وفاته
قبل رفع الدعوى او على شخص لم يعلن بصحيفتها او اعلن غشا على موطن وهمى". ق
61 س 951 طعن 11/2/1999 نقض ق 54 س 612 طعن 26/5/1991 نقض ق 51 س 849 طعن
12/3/1985 نقض ق 48 س 1017 طعن 27/4/1979 ..
قيما اعتبرت محكمة التمييز الاتحادية
العراقية أن: "لحكم المعدوم هو الحكم الذي يكون فاقداً عنصراً هاماً من عناصر
تكوينه ولا يحتاج الى اعلان قضائي لان المعدوم ليس بحاجة الى من يعدمه حيث يستطيع
كل ذي مصلحة ان يتمسك بانعدام الحكم اذا كان قد صدر من محكمة غير مختصة او في حالة
انعدام الخصومة مما تكون الدعوى وبالصيغة التي اقيمت فيها فاقدة لسندها القانوني،
وصدر القرار بالاتفاق في 28/صفر/1438هـ الموافـق 28/11/2016م.".
أما القضاء اللبناني فقد اعتبر:"الحكم
المعدوم هو الذي لا يمكن تصحيحه ولا يمكن لاي فريق الاحتجاج به ولو كان صادراً
لمصلحته في حين ان الحكم الباطل هو الذي يمكن تصحيحه ويمكن لمن وضع البطلان
لمصلحته التذرع به. وحيث اذا اقيمت الدعوى على شخص متوفٍ فان البطلان موضوع لمصلحة
الورثة ويمكن لهؤلاء التنازل عن البطلان الموضوع لمصلحتهم والتذرع بالحكم. وحيث ما
دام يحق للورثة التنازل عن البطلان الموضوع لمصلحتهم والتذرع بالحكم الصادر ضد
مورثهم المتوفي فان هذا يعني ان الحكم هو قابل للابطال وليس معدوماً وقد اقر بهده
الوجهة بعض الاجتهاد الفرنسي. (يراجع ادوار عيد موسوعة اصول المحاكمات الجزء
الرابع ص 262 هامش رقم 1) وحيث وفقاً للمادة 613 اصول محاكمات مدنية لا يجوز ابطال
الحكم الا باستعمال طرق المراجعة المعينة في القانون. وحيث يستفاد من هذا النص انه
لا يمكن ابطال الحكم الا عن طريق استعمال طرق المراجعة العادية وغير العادية وهذا
يعني انه لا يمكن ابطال الحكم في معرض دعوى ثانية (جديدة) لان الدعوى الثانية ليست
طريقاً من طرق المراجعة.". المصنف في القضايا المدنية 2004 أصول محاكمات
مدنية. استـئناف بـيروت. 3/24/2004
[5] - ينقسم الفقه الإجرائي
مابين مؤيد لها وأجاز إقامة دعوى أصلية لتقرير الانعدام. (وجدي راغب، فهمي ، نظرية
العمل القضائي في المرافعات ، منشأة
المعارف ،الإسكندرية 1974 ص 403.) ومعارض لها ويعتبر النظرية ذاتها بمثابة العدم
، فتحي والي . و احمد ماهر زغلول ، نظرية البطلان في قانون
المرافعات ، ط 2 ، دار الطباعة الحديثة ، القاهرة ، 1997. ص 510 و511.
[6] - وجدى راغب النظريه العامه للعمل القضائى فى قانون المرافعات سنه
1974- ص 403
[7] - أحمد أبو الوفا – نظريه الأحكام فى قانون المرافعات – الطبعة
الخامسة 1985 – ص 316 وما بعدها .
[8] - مع التذكير هنا بأن
الدفاع تمسك بكون الحكم معدوما كما سلف بيانه اعلاه.
[9] - لسان العرب لابن
منظور ، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت 1968، المجلد الحادي عشر، حرف اللام،
كلمة بطل.
[10] (
POLLAND – DULIAN (F) : a propos de la sécurité juridique RTD civ. 2001، p189
[11] - احمد ابو الوفا ،
نظرية الأحكام في قانون المرافعات ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ،1990 ،ص 321 و322
؛ إبراهيم المشاهدي ، معين المحامين في المرافعات والإثبات ،ج1 ، مكتبة الجيل
العربي ،الموصل ، العراق ، 2004 ،ص 33 ؛ مدحت المحمود ، شرح قانون المرافعات
المدنية رقم 83 لسنة 1969 وتطبيقاته العملية ،ج 2 . مطبعة الخيرات ،بغداد ،2005 ،ص
2.
[12] - اعتبرت محكمة النقض
المصرية في الطعن رقم1606 لسنة49 ق والصادر بجلسة1983/3/17 أن مثل هذا الحكم
يكون معدوما:" وحيث ان هذا النعي سديد ذلك انه لما كانت الخصومة في الدعوي
لاتقوم إلا بين أشخاص موجودين علي قيد الحياة, فان رفعت الدعوي علي متوفي,
كانت معدومة, ولاترتب أثرا ولايصححها اي اجراء لحق, وكان الثابت ان الطاعنين
قد اختصموا في دعواهم, مورث المطعون ضدهم, عدا الأول الذي تبين انه كان قد
توفي قبل ايداع صحيفة الدعوي, قلم الكتاب, فان الخصومة في الدعوي تكون معدومة
بالنسبة له, ولايترتب علي ايداع صحيفتها أي أثر, ولو كان الطاعنون يجهلون
وفاته, إذ كان يتعين عليهم مراقبة مايطرأ علي خصومهم, من وفاة قبل اختصامهم,
لما كان ذلك وكان تعجيل الطاعنين للدعوي, واختصامهم الورثة فيها من يعد, عديم
الأثر لوروده علي غير محل, وليس من شأنه تصحيح الخصومة المعدومة, وكانت الدعوي
الماثلة مما يوجب القانون اختصام البائعين والمشترين فيها, وإلا كانت غير
مقبولة, فإن انعدام الخصومة بالنسبة لهذا المورث وهو أحد المشترين ـ يستتبع عدم
قبول الدعوي, وإذ التزم الحكم المطعون فيه في قضائه هذا النظر, فان النعي عليه
بهذين السببين يكون علي غير أساس. وغني عن البيان أن نقض الحكم أو عدم نقضه,
لاينشيء خصومة جديدة فان كانت الخص ومة قد بدأت معدومة, تظل معدومة ـ علي النحو
السابق ـ ولكل ذي مصلحة ان يثير هذا الانعدام في أي مرحلة من مراحل النزاع, ولو
بدعوي مبتدأه علي النحو السابق" ومثله:
. ـ الطعن2402 لسنة56 ق جلسة92/2/20
والطعن2448 لسنة56 ق جلسة1989/1/15.
[13] - قرار تعقيبي جزائي
عدد 16138 مؤرخ فى 01/12/2007 نشرية محكمة التعقيب - القسم الجزائي ،سنة 2007. ص
128: "وحيث إستقرّ الرّأي على أنّ مسألة الإمضاء تعتبر من الإجراءات
الأساسيّة التّي ينجرّ عن عدم احترامها بطلان الأحكام وجميع الأعمال"،
قرار تعقيبي مدني عدد 8958 مؤرخ فى
18/09/2007 نشرية محكمة التعقيب- القسم المدني ، سنة 2007. ص 128. "إن إمضاء
لائحة نص الحكم من طرف القضاة المتفاوضين إجراء وجوبي على المحكمة أن تثيره من
تلقاء نفسها لمساسه بأحكام الإجراءات الأساسية... وحيث تبين بالإطلاع على محضر
الجلسة المتضمن الحكم المنتقد أنه ممضى من طرف قاضيين فقط مما صيّره باطلا لمساسه
بقواعد الإجراءات الأساسية وتعين بالتالي النقض والإحالة".
[14] - انور طلبة ، بطلان الأحكام وانعدامها ، المكتب
الجامعي الحديث ،الإسكندرية ،2006 ، ص 406 ؛
فتحي والي ، احمد ماهر زغلول ، نظرية البطلان في قانون . المرافعات ، ط2،
دار الطباعة الحديثة ، القاهرة ،1997 ،ص 737 و 738
[15] - ياسر باسم ذنون، صدام خزعل يحيى، الآثار
القانونية للحكم الباطل في قانون المرافعات المدنية، دراسة مقارنة. مجلة الرافدين
للحقوق ، المجلد ( 14 ) ، العدد ( 50 ) ، السنة ( 1). ص 360.
[16] - وهو تقسيم يجد مرجعية
له لدى: ماهر معروف النداف: بطلان الحكم القضائي في الفقه الاسلامي. دراسة مقارنة
بالقانون. أطروحة دكتوراه. كلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية. 2005.
[17] - سهير الصنديد، الحكم
البات، مذكرة ختم دروس بالمعهد الأعلى للقضاء 2002-2003.
[18] - قرار تعقيبي مدني عدد
37969 مؤرخ في 08 نوفمبر 1994 – نشرية محكمة التّعقيب القسم المدني لسنة 1994 ص
461
[19] - قرار تعقيبي مدني عدد
49130 صادر بتاريخ 04/07/1996 نشرية محكمة التّعقيب لسنة 1996 القسم المدني، الجزء
الثاني ص 18
[20]- نص المشرّع الفرنسي صراحة بالفصل 460 من قانون الإجراءات المدنية على عدم إمكانية طلب إبطال حكم
إلاّ بالطعن فيه.
- La nullité d’un jugement ne peut être demandée que par voie de
recours prévues par la loi
[21] - معجم المعاني
الجامع.
[22] - ومثله ولكن بأكثر
وضوح الفصل 269 م إ ج: "تنظر محكمة التعقيب في حدود المطاعن المثارة إلاّ إذا
كان موضوع الحكم غير قابل للتجزئة ويجب عليها أن تثير من تلقاء نفسها، عند
الاقتضاء، المطاعن المتعلقة بالنظام العام. وفي صورة قبول الطعن تقرر نقض الحكم
كلا أو بعضا وتصرح بإحالة القضية على محكمة الأصل لإعادة النظر فيها في حدود ما
تسلط عليها النقض.
لكن يمكن لها أن تقرر النقض بدون إحالة، إذا
كان حذف الجزء المنقوض يغني عن إعادة النظر أو لم يترك النقض شيئا يستوجب
الحكم".
[23] - قرار تّعقيبي عدد
24710 صادر عن الدوائر المجتمعة ، مجموعة قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التّعقيب
لسنة 2005 منشورات مركز الدراسات القانونيّة والقضائية تونس 2006 ص 45 و 46 . وفي
ذات التوجه جاء القرار التّعقيبي عدد 2005. 5031 الصادر بتاريخ 18/10/2005 :- لا
وجود بمجلّة المرافعات المدنية والتجارية ولا مجلة الالتزامات والعقود ما يفيد انه
تم إلغاء الفصل 484 من م ا ع في فقرته الثانية المتعلقة بإبطال الحكم الذي اتصل به
القضاء بسبب الغلط الحسي لا ضمنيا و لا بصورة صريحة... وحيث أضاف المشرّع لإمكانية
إبطال الحكم الذي لا رجوع فيه استنادا إلى وجود غلط حسي اجرائين آخرين يؤدّيان إلى
نفس النتيجة و هما التماس إعادة النظر و مؤاخذة الحكام (غير منشور).
[24] - قرار تعقيبي
مدني عدد 45161 مؤرخ في 10 نوفمبر 1994، ق.م.ت. 1994 ص 66
[25] - قرار تعقيبي
مدني عدد 6901 مؤرخ 28 مارس 1989 ق.م.ت.1989، ص 133.
[26] - محمود مصطفى يونس،
الحماية الإجرائية لحقوق الإنسان في القانون القضائي – دار النهضة العربية –
الطبعة الأولى – مصر - ص 17 .
[27]- السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني ج2، ص 30.
[28]- أدم النداوي، مدى سلطة المحكمة المدنية في تعديل نطاق
الدعوى، دار الثقافة عمان، الطبقة الأولى 2001، ص 257.
[29]- عبد الله الأحمدي، القاضي والإثبات في النزاع
المدني.دار أوربيس. 1991، ص
225.
[30] (- CORNU GERARD :
Rapport de synthèse, in les rôles respectifs du juge et du technicien dans
l’administration de la preuve P.U.F. 1976 P121 et suiv.
[31]- قرار تعقيبي مدني عــدد30709 مؤرخ في 3 نوفمبر
1993 نشرية محكمة التعقيب القسم المدني، سنة 1993.
[32] - قرار غير منشور ذكره
،عبد الله الأحمدي، المرجع السابق، ص 90 .
[33] - قرار تعقيبي مدني عدد
43626 صادر بتاريخ 22 أكتوبر 1996 نشرية محكمة التّعقيب القسم المدني لسنة 1996 ج
1 ص 137.
[34] - قرار تعقيبي مدني
عدد 44100 صادر بتاريخ 29 أكتوبر 1996 نشرية محكمة التّعقيب لسنة 1996 ج 1 ص 32.
[35] - راميا الحاج، مبدأ
حياد القاضي المدني بين النظرية والتطبيق، منشورات الحلبي الحقوقية لبنان 2008.
.
[36] - قرار تعقيبي مدني عدد
30709 مؤرخ في 26/01/1993 نشرية محكمة التّعقيب لسنة 1993 ص 31.
[37] - قرار تعقيبي مدني عدد
13294 مؤرخ في 26 ماي 1986 ، مجلة القضاء والتشريع عدد 4 لسنة 1988 ص 68 .
[38] قرار تعقيبي مدني عـــدد 75466 صادر بتاريخ
31/01/2000 نشريّة محكمة تعقيب لسنة 2000 قسم مدني ج 2، ص99.
[39]- قرار
تعقيبي مدني عدد1329 صادر بتاريخ 16/10/2000 نشرية محكمة التّعقيب لسنة 2000 ، القسم المدني ، ص
102 .
كما ورد بفقه القضاء ايضا في السياق نفسه :
ü
يجب
توافر رباط منطقي وثيق بين اسباب الحكم ومنطوقه فإذا وردت في اسباب الحكم تقدير
لمبادئ قانونيّة سليمة وصحيحة وكانت النتيجة التي انتهى اليها تخالف الحكم وغير
متماشية معه فانه يكون مشوبا بخطا في تطبيق القانون ومتناقض المنطوق مع السند
ومستوجبا للنقض.( قرار تعقيبي مدني عدد
75053 صادر بتاريخ 07/02/2000 نشرية محكمة التّعقيب لسنة 2000 ص 105 ).
ü
ان
تعليل الأحكام من الوجهتين الواقعية والقانونيّة شرط لصحتها وذلك يقتضي ابراز
المحكمة ما يفيد انها اطلعت على كل وقائع القضيّة وجميع المستندات والاوراق
المقدمة فيها واستخلصت الوقائع الصحيحة منها واعطتها التكييف القانوني المناسب
وتعقبت حجج الخصوم ولم تخل باي دفع جوهري قدم لديها.( قرار تعقيبي مدني عدد 1330 صادر بتاريخ 25/12/2000
نشرية محكمة التّعقيب لسنة 2000 ص 108 )
ü
ان
تعليل الأحكام من الوجهتين الواقعية والقانونيّة شرط لصحتها وذلك يقتضي سرد
الوقائع الكاملة المكونة للدعوى دون خطا او تحريف واستخلاص الصحيح منها وتكييفها
التكييف القانوني المنساب وانزال حكم القانون على ذلك التكييف مع تتبع دفوعات
الخصوم ومناقشتها والرد على ما كان منها مؤثرا على وجه الفصل ومتى اقامت المحكمة
حكمها على ما يخالف الثابت بالاوراق يكون حكمها باطلا.( قرار تعقيبي مدني عدد 2901 صادر بتاريخ 06/11/2000
نشرية محكمة التّعقيب لسنة 2000 ص 111 ).
ü
ان
تعليل الأحكام من الوجهتين الواقعية والقانونيّة شرط لصحتها وذلك يقتضي من المحكمة
اطلاعها على كل وقائع القضيّة جميع المستندات والوثائق المقدمة فيها واستخلاص
الوقائع الصحيحة منها وتكييف هذه الوقائع حتى يمكنها ارساء القاعدة القانونيّة مع
اثرها عليها مع اشتراط عدم الاخلال باي دفع جوهري من شانه لو صح لتغير وجه الرأي
في الدعوى.(قرار تعقيبي مدني عدد 4759 صادر بتاريخ
23/10/2000 نشرية محكمة التّعقيب لنسة 2000 ص 116 ).
[40]-
قرار تعقيبي مدني عدد75466 صادر بتاريخ 31/01/2000 نشرية محكمة التّعقيب لسنة 2000
، القسم المدني ، ج 2 ص 99
.
السيد محمد صالح العيّاري مذكّرات وبحوث
قانونيّة، الطبعة الأولى 1987، مذكّرة عــدد 8410 بتاريخ 05 أكتوبر 1982. [41]
[42] السيد رشيد الصبّاغ الرئيس السابق لمحكمة
التعقيب بتونس "ملتقى حول التعقيب مجموعة لقاء حقوقيّين من 4 إلى 7 أفريل
1989، كليّة الحقوق والعلوم السياسيّة بتونس 1989، عــدد 1 و2.
[43] Mazeaud, leçon
de droit civil. Introduction Tome I page 21.
[44]) عبد الله الأحمدي، المرجع السابق.ص.99.
[45]) عبد الله الأحمدي، المرجع السابق. ص 231.
[46]) منشور في مجلة القضاء والتشريع عدد 7 لسنة 1979، ص
125.
[47]) عبد الله الأحمدي، مرجع سابق، ص 228.
[48] ) تعقيب مدني عدد 44100 مؤرخ في 29-10-1996 النشرية ، ص
32.
[49]- قرار تعقيبي مدني عدد
18157 مؤرخ فى 29/06/1989 جاء فيه: "اقتضى الفصل 257 من مجلة المرافعات
المدنية و التجارية ان ابطال الحكم بمضي عشرين سنة من تاريخ صدوره لذا فان القرار
باصلاحه بعد مضي هذه المدة لاكتشاف خطأ فيه في غير طريقه و مستهدف للنقض".
[50] - علي كحلون، التعليق
على م م م ت . ص473.
[51] - وعلى الأمر عدد
2887 لسنة 2014 المؤرخ في 8 أوت 2014 المتعلق بإحداث دوائر جنائية متخصصة في
العدالة الانتقالية بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف بتونس
وصفاقس وقفصة وقابس وسوسة والكاف وبنزرت والقصرين وسيدي بوزيد كما تم تنقيحه
وإتمامه بالأمر عدد 4555 لسنة 2014 المؤرخ في 29 ديسمبر 2014، وبالأمر الحكومي عدد 1382 لسنة 2016 مؤرخ في 19 ديسمبر 2016.
[52] - فتحى والى، الوسيط فى قانون المرافعات المدنى.
ص 472.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق