كتبهامحمود داوود يعقوب ، في 1 شباط 2008 الساعة: 10:25 ص
توجد اليوم أعداد كبيرة من الجرائم وهي موزعة بين فصول المجلة الجنائية والكثير من النصوص القانونية الخاصة وكل نص يحدد أركان الجريمة وعقابها وأحيانا صفة الفاعل.
وأمام كثرة الجرائم وازديادها المستمر كان لابد من البحث عن معايير عامة تحدد النظام القانوني لكل مجموعة من الجرائم.
لذلك اقترح الفقهاء عدة تصنيفات انطلاقا من أركان الجريمة حيث يوجد تصنيف انطلاقا من كل ركن من أركان الجريمة الثلاثة(مبحث ثاني). لكن المشرع اعتمد تصنيفا واحدا هو التصنيف الثلاثي للجريمة(مبحث أول).
المبحث الأول: التصنيف التشريعي للجرائم
إن التصنيف الأشهر والأبرز للجرائم هو التصنيف الثلاثي للجريمة، باعتبار وأن هذا التصنيف معروففي الكثير من التشريعات المقارنة التي بدأت باعتماده منذ بدايات القرن 19 الى درجة أصبح معها هذا التصنيف من أهم المحاور التي تدور حولها أغلب أحكام القانون الجنائي بمعناه الواسع جدا أي بشقيه الإجرائي والموضوعي معا. فالغاية من جميع أنواع التصنيف كانت تتمثل أساسا في جمع أكبر عدد ممكن من الجرائم في إطار صنف معين وإخضاعها لنفس القواعد بقصد تحديد نظامها القانوني بسهولة وبمجرد ذكر الصنف الذي تنتمي اليه الجريمة.وقد أقر المشرّع التونسي هذا التصنيف منذ إصدار المجلة الجنائية،في 1913 بالفصل 14 ق.ج وأعاد التأكيد عليه عند إصدار مجلة الإجراءات الجزائية بالفصل 122. والفارق بين الفصلين هو أن الفصل 14 يعتمد أدنى العقوبة السجنية فقط في حين أن الفصل 122 يعتمد سلم العقوبات الاصلية الوارد في الفصل 5 م ج ( ـ إعدام ـ سجن ـ خطية).
فالفصل 14 اعتمد معيارا واحدا هو أدنى العقوبة السجنية فقط ولكن توجد عقوبات أخرى ما هو تصنيف الجرائم المعاقبة بها ؟ الإجابة نجدها في الفصل 122 م.أ.ج. الذي قسم الجرائم حسب مختلف العقوبات الأصلية (لا عبرة بالعقوبات الفرعية).
فمعيار التقسيم إذا هو العقوبة المقررة للجريمة وليس طبيعة الحق المعتدى عليه وليست صفة القائم بالفعل وليست درجة الضرر لهذا وجه انتقاد لهذا التقسيم بأنه كان على المشرّع أن يضيف الجرائم حسب جسامة كل جريمة ولكن هذا مردود عليه بأن المشرّع لم يصنف الجريمة ويحدد لها عقوبتها إلا بعد أن قدر جسامتها ونظر اليها من كافة جوانبها وعناصرها وبعد ذلك وضع معيارا واضحا سهل التطبيق للتمييز بين مختلف الجرائم وهو نوع أو مقدار العقوبة المقررة. ويمكن القول أن هذا التصنيف الثلاثي هو الغالب اليوم فيأغلب التشريعات المقارنة وكذلك في التشريع التونسي.
إذا فإن تنوع العقوبة هو الذي يدلنا على نوع الجريمة، فإذا أردنا أن نعرف الصنف الذي تنتمي اليه جريمة ما فلابد من أن ننظر الى العقوبة التي اقرها المشرّع لتلك الجريمة.
إذا فإن تنوع العقوبة هو الذي يدلنا على نوع الجريمة، فإذا أردنا أن نعرف الصنف الذي تنتمي اليه جريمة ما فلابد من أن ننظر الى العقوبة التي اقرها المشرّع لتلك الجريمة.
الفرع الأول:ـ اعتماد المشرع تصنيفا ثلاثيا للجريمة:
يمكن القول أن المعيار التشريعي مبني على عنصر العقوبة وهو ما جعله عرضة للانتقادات لذلك لابد من دراسة محتوى المعيار التشريعي (فقرة أولى) للمرور بعد ذلك نحو معرفة مدى دقته (فقرة ثانية).
الفقرة الأولى: محتوى التصنيف الثلاثي:
ـ جاء بالفصل 14 م.ج حسبما أعيدت صياغته سنة 2005 (نقح بالأمر المؤرخ في 15 سبتمبر 1923)ينص على أنه: "ضبطت بخمسة أعوام أدنى عقوبة السجن في الجرائم التي يعتبرها القانون جناية على معنى الفصل 122 من مجلة الإجراءات الجزائية وبستة عشر يوما فيمادة الجنح وبيوم واحد في مادة المخالفات واليوم أربع وعشرون ساعة والشهر ثلاثون يوما"..
ـ جاء بالفصل 122 م.أ.ج"(حسبما نقح بالقانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرخ في 27 فيفري 1989) الذي جاء أكثر دقة ووضوح و شمولا لكل أنواع العقوبات الأصلية: :"توصف بجنايات على معنى هذا القانون الجرائم التي تستوجب عقابا بالقتل أو بالسجن لمدة تتجاوز خمسة أعوام. وتوصف بجنح الجرائم التي تستوجب عقابا بالسجن تتجاوز مدته خمسة عشر يوما ولا تفوق الخمسة أعوام أو بالخطية التي تتجاوز الستين دينارا. وتوصف بمخالفات الجرائم المستوجبة لعقاب لا يتجاوز خمسة عشر يوما سجنا أو ستين دينارا خطية".
فالفصل 14 يعتمد على أدنى العقوبة السجنية فقط. أما الفصل 122 فيعتمد على سلم العقوبات الأصلية الواردة بالفصل 5 م.ج. أي أن الفصل 122 أعم وأشمل وأدق من الفصل 14 رغم أن كلاهما يعتمد على العقوبة، لكن أي عقوبة هل هي العقوبة الواردة بالنص أم العقوبة المقضي بها؟.
Ü العبرة بالعقوبة النصية لا المقضي بها من المحكمة.
ـ اعتمد المشرّع العقوبة الأصلية معيار التصنيف الجرائم ولم يعتمد وعلى طبيعة الحق المعتدى عليه ولا على صفة القائم الفعل ولا على درجة الضرر.
حيث جاء بالفصل المذكور ـ الجناية ـ الجنحة والمخالفة.
ويكون المعيار معتمد هو العقوبة الواردة بالنص وليس العقوبة المقضي بها من المحكمة لأن المحكمة بإمكانه أن تطبق ظروف التخفيف وتنزل مثل بعقوبة الجناية لتطبق عقوبة جنحة أو أن تنزل بعقوبة جنحة لتطبيق عقوبة مخالفة ولكن يجب التمييز بين هذه الحالة التي لا تؤثر في تغيير وصف الجريمة والحالتين الآتيتين :
1 ـ حالة وجود ظرف تشديد خاص يقضي بترفيع العقاب من جنحة الى جناية (خيانة المؤتمن مثلا) فهل تبقى الجريمة جنحة أم تصبح جناية ؟ طالما أن المشرّع هو الذي عدل العقوبة بسبب وجود ظرف خاص فالجريمة تصبح جناية لأن العبرة في التصنيف هي العقاب المقرر للجريمة حسب الوصف الذي وصفه المشرّع بالنص الخاص بالجريمة.
2 ـ في صورة وجود ظرف تشديد عام أي العود يكون العقاب مضاعفا أحيانا مما يعني إمكانية انطباق عقاب مخصص للجناية على جنحة فهل يتغير وصف الجريمة؟ لا يتغير التصنيف لأنه لا عبرة بظرف العود اف 125 م.أ.ج العود لا يغير مرجع النظر).
الفقرة الثانية ـ مدى دقة التصنيف الثلاثي :
وجه بعض الفقهاء انتقادا لاعتماد المشرّع على معيار العقوبة باعتبار أن المعيار الواجب اعتماده يجب أن يكون حسب جسامة كل جريمة ومدى خطورتها بدل الاعتماد على العقوبة. ولكن هذا مردود عليه بأن المشرّع لم يصنف الجريمة ولم يحدد لها عقوبتها إلا بعد أن قدر جسامتها ومدى خطورتها ونظر إليها من كافة جوانبها وعناصرها ثم قدم لنا معيارا سهل التطبيق وهو نوع أو مقدار العقوبة.
فهذا التصنيف في الحقيقة هو حصيلة جهد تشريعي لا نرى إلا نتيجته وهي اعتبار جريمة أما جناية أو جنحة أو مخالفة. ولكن هناك مع ذلك بعض الصعوبات التي يطرحها هذا التصنيف خاصة وأن المشرّع أحيانا لا يحترمه. فباستثناء عقوبة الإعدام التي خصصها المشرّع للجنايات فإن عقوبتي السجن والخطية عقوبتان مشتركتان بين أنواع الجريمة الثلاثة فكيف سنميز بينها؟ .
مبدئيا التمييز سيكون حسب مقدار العقوبة. ولكن ما هو الحل لو أن المشرّع وضع حدا أدنى يدخل في إطارالمخالفة وحدا أقصى يدخل في إطار الجنحة فما هو وصف الجريمة جنحة أم مخالفة؟
فبعض الجرائم عقوبتها الخطية من 50 الى 1000 دينار أو من 50 الى 200 دينار أي أن حدها الأدنى مخالفة وحدها الأقصى جنحة فما هو الحل؟ مبدئيا الحل الراجح والمعمول به في القوانين المقارنة ويعتمده الفقهاء هو اعتماد الحد الأعلى في التصنيف. كما أن هذا التصنيف تعرض لانتقاد آخر لأنه يعتمد معيارا مجردا لا يراعي ظروف كل جريمة على حدة لذلك ظهر ما يسمى بالتجنيح الذي يعني التعامل مع الجنايات باعتبارها جنحا أي أن تخضع لأحكام وعقوبةالجنحة بدل عن أحكام وعقوبات الجناية وهذا التجنيح يتم بدون نص يسمح به إلا ما جاء بالفصل 69 م.ج.ط الذي سمح بتجنيح كل الجنايات ما عدا القتل، ويتم التجنيح بإهمال أو تجاهل بعض الظروف أو الصفات التي تجعل الجريمة جناية ويقع التعامل معها بوصفها جنحة وذلك إما مراعاة لظروف الفاعل (مبتدئ) أو لتفاهة الضرر.
كما وجهت للتصنيف الثلاثي عدة انتقادات يمكن حصرها في :
1 ـ عدم منطقيته: فهل من المعقول أن نصف الجريمة استنادا الى الأثر المترتب عن اقترافها أي عقوبتها؟ أليس منطقيا أكثر أن نصنف الجرائم أولا بسبب طبيعتها أي جرائم شديدة الخطورة ومتوسط الخطورة ومحدودة الخطورة ونقول بأن الشديدة هي جناية ونحدد لها العقوبة الأشد ومتوسطة الخطورة هي الجنحةونحدد لها العقوبة الأقل شدة ومحدودة الخطورة هيالمخالفة ونحدد لها العقوبة الأخف؟ فالجريمة حسب المنتقدين يجب أن تأخذ وصفها من نفسها لا من العقاب المحدد لها.
ـ الرد : المشرّع أعطانا حصيلة جهده فبعد أن درس الجريمة وقدر درجة خطورتها ضبط لها العقاب الملائم وما نراه في نصوص القوانين ما هو إلا حصيلة جهد المشرع وأحكام الفصل 14 يوحي بذلك صراحة إذ جاء فيه تقديم للعقاب على وصف الجريمة ، فمثلا العقاب بالسجن لمدة خمسة اعوام على الاقل يحكم به لما تعتبر الجريمة جناية .
2 ـ جموده: فهذا التصنيف لا يقيم أي اعتبار لظروف المجرم أو الظروف التي ارتكبت فيها الجريمة Ü عدم تحقيق العدالة لأن تحقيق العدالة يستوجب التمييز بين الحالات ومراعاة الظروف الخاصة.
ولهذا وقع التخفيف من هذا الجمود بإقرار قاعدة التجنيح أي جعل الجناية جنحة وهذه القاعدة لا يوجد نص عام يكرسها بينما يوجد فصل خاص بالأطفال الفصل 69 م.ح طفل وهو النص الوحيد في التشريع التونسي. أما بالنسبة للرشد فالأمر يبقى خاضعا لاجتهاد المحاكم والنيابة العامة و قضاة التحقيق.
ورغم كل هذه الانتقادات فإن قاعدة التصنيف الثلاثي لا تزال معتمدة بل يمكن القول أن الاستغناء عنها لم يعد وارد أصلا خاصة في التشريع الجزائي التونسي وذلك نظرا لأهميته.
الفرع الثاني: الأهمية العملية للتصنيف الثلاثي للجريمة :
يمكن القول أن هذا التصنيف الثلاثي للجرائم يعتبر اليوم المحور الذي تدور حوله مختلف قواعد القانون الجنائي سواء أكانت قواعد إجرائية (أ) أم كانت قواعد موضوعية (ب).
الفقرة الأولى: أهمية التصنيف الثلاثي من الناحية الموضوعية :
1 ـ الاختصاص التشريعي الفصل 34 من الدستور: فالمخالفات المعاقب عليها بالخطية فقط من اختصاص السلطة التنفيذية بينما بقية الجرائم من اختصاص السلطة التشريعية.
2 ـ تسقط العقوبة المحكوم بها بمرور 20 سنة جناية ولا يجوز للمحكوم عليه الاقامة بمنطقة الولاية التي ارتكبت فيها الجريمة دون رخصة من الوالي. و5 سنوات للجنحة وسنتين المخالفة Ü هذا هو المبدأ.
وهناك استثناءات فالمخدرات مثلا 10 جنحة 20 جناية
3 ـ المحاولة معاقب عنها في الجنايات دون حاجة لنص خاص، الجنح بنص خاص، المخالفة لا عقاب (ف 59 م.ج).
4 ـ المشاركة معاقب عليها في الجنايات والجنح دون المخالفات (ف 35 م.ج).
5 ـ المخالفات (ف313 م.ج) معاقب عنها ولو بدون توفر قصد الإضرار وقصد مخالفة القوانين، لكن المبدأفي الجنايات والجنح أن لا يعاقب أحد إلا بفعل ارتكب قصدا (ف 37 م.ج).
ـ لا عود في المخالفات بينما يترتب عن العود تشديد العقاب في الجنح والجنايات.
ـ لا يجوز تأجيل تنفيذ العقاب في المخالفات (ف 53 ـ 12 م.ج).
الفقرة الثانية: أهمية التصنيف الثلاثي من الناحية الإجرائية :
بالرجوع الى م.أ.ج نجد أن الكثير من قواعدها يعتمد على التصنيف الثلاثي وتضع لكل صنف قواعد خاصة ومنها :
1 ـ انقضاء الدعوى العمومية الفصل 5 م.أ.ج وهنا المبدأ هو: 10 سنوات في جناية ـ 3 سنوات في جنحة ـ سنة واحدة في المخالفة وذلك من يوم وقوع الجريمة، مع وجود حالات استثنائية مثل استثناء قضايا المخدرات فهي لا تسقط إلا بمرور 5 سنوات فيالجنحة و10 سنوات في الجناية.
2 ـ تحديد المحكمة المختصة : الفصل 122 م.أ.ج الذي جاء فيه التصنيف ورد أصلا في باب مرجع النظر القضائي وكانت الغاية منه أصلا التمهيد لبقية الفصول التي ستحدد اختصاص المحاكم. فالجنايات من اختصاص المحاكم الابتدائية بمقر محكمة الاستئناف. والجنح من اختصاص المحكمة الابتدائية باستثناء الجنح التي عقوبتها أقل من 1000 دينار خطية أو سنة سجن فإنها من اختصاص حاكم الناحية وكذلك المخالفات.
3 ـ سير إجراءات المحاكمة :ـ التحقيق وجوبي فيالجنايات اختياري في الجنح وغير وارد فيالمخالفات.
ـ الايقاف التحفظي غير وارد في المخالفات فهو خاص بالجنايات وأيضا في الجنح المتلبس بها. ـ وجوبية تعيين محام للمتهم في الجنايات إذا لم يعين هو محام.
4 ـ اختصاص المحاكم التونسية في الجرائم المرتكبة بالخارج محصور فقط في الجنايات والجنح دون المخالفات.
5 ـ تسليم المجرمين الأجانب لا يكون إلا في الجنايات والجنح.
و رغم أهمية التصنيف الثلاثي فإن الفقه سعى للبحث عن تصنيفات أخرى.
المبحث الثاني: التصنيف الفقهي للجرائم
لئن كان التصنيف الثلاثي للجرائم قد اقره المشرّع معتمدا في ذلك معيار العقوبة المقررة بصفة مسبقة ومجردة فقد كانت التصنيفات الأخرى فقهية و هي مستمدة بالأساس من الأحكام التشريعية، وهذه التصنيفات إما أن تكون بالاعتماد على موضوع الجريمة (الفرع الأول) أو بالاعتماد على الركن المادي(الفرع الثاني) أو انطلاقا من الركن المعنوي(الفرع الثالث).
الفرع الأول: تصنيف الجرائم حسب موضوعها
و بموجب هذا التصنيف يميز الفقه بين ثلاثة أصناف من الجرائم وهي الجريمة السياسية (الفقرة الأولى) والجريمة الإرهابية (الفقرة الثانية) والجريمة العسكرية (الفقرة الثالثة).
الفقرة الأولى :الجريمة السياسية
لئن كان الإجماع حاصلا حول الاعتراف بوجود الجريمة السياسية فإن تعريفها لم يكن محل إجماع ولعل السبب في ذلك هو غياب نص تشريعي يكون مرجعا لذلك التعريف بحيث سكت المشرّع التونسي عن تعريف "الجريمة السياسية" منذ صدور المجلة سنة 1913 ولم ترد عبارة "جريمة سياسية" إلا في أمر 1926 الذي أخرج الجرائم السياسية عن نظر القاضي التونسي وأوكلها تماما إلى اختصاص القاضي الفرنسي المنتصب ببلادنا آنذاك أما بعد الاستقلال فقد تفادى المشرّع أيضا استعمال عبارة "جريمة سياسية" باستثناء أمر 19 أفريل 1956 المتعلق بالمحكمة العليا الذي تعرض لذلك ولا وجود في القانون الجزائي التونسي إلا لنص يتيم تعرض للجريمة السياسية وهو الفصل 313 م.إ.ج الذي جاء به أن التسليم لا يمنح "إذا كانت الجناية أو الجنحة تكتسي صبغة سياسية أو اتضح من الظروف أن الطلب كان لغاية سياسية والاعتداء على حياة رئيس الدولة أو أحد أفراد عائلته أو أحد أعضاء الحكومة لا يعتبر جريمة سياسية.
كما تعرض الفصل السابع عشر من الدستور التونسي إلى تحجير تسليم اللاجئين السياسيين وهو نفس التوجه الذي اتبعته معظم الدول العربية والغربية ويفسر ذلك برغبة كل دولة في عدم التدخل في المشاكل السياسية لدولة أجنبية. فلا وجود لأي تعريف تشريعي للجريمة السياسية في القانون التونسي وهو نفس الوضع في القانون الفرنسي حتى بعد المجلة الجزائية الجديدة لسنة 1992[1]، لكن المشرّع الإيطالي لسنة 1930 عرف الجريمة السياسية بأنها جرم يعتدي به فاعله على مصلحة سياسية للدولة أو للمواطن ويعتبر كذلك كالجرم السياسي كل جرم عادي دفع إليه أو آزر على الدفع إليه عامل سياسي.
كما عرف المشرّع الألماني الجريمة السياسية بأنها "الاعتداءات المعاقب عليها والموجهة مباشرة ضد الدولة أو أمنها أو ضد رئيسها أو ضد أحد أعضاء الحكومة أو ضد هيئة عامة نص عليها الدستور أو ضد الحقوق المدنية والسياسية في حالة الانتخاب أو التصويت أو ضد حسن العلاقات التي تربط الدولة بغيرها من الدول". أما في التشريعات العربية فقد عرف قانون العقوبات في كل من سوريا ولبنان الجريمة السياسية بأنها الجريمة المقصودة التي اقدم عليها الفاعل بدافع سياسي وهي كذلك الجريمة الواقعة على الحقوق السياسية العامة والفردية ما لم يكن الفاعل قد انقاد بدافع أناني دنيء.[2]
أما على مستوى الفقه فقد اعتبر الفقيه Stéfani أن تحديد مفهوم الجريمة السياسية يعد أمرا صعبا لأن المجلة الجزائية الفرنسية لسنة 1810 والنصوص اللاحقة لها لم تتعرض لمفهوم الجريمة السياسية فهي لم تقدم قائمة حصرية للجرائم السياسية ولم تورد تعريفا عاما لها[3] رغم التصنيف الموجود صلب المجلة الجزائية بين الجرائم ضد المصلحة العامة والجرائم ضد الأفراد. ويري Garraud أنه إذا صح البحث عن الجرائم السياسية في إطار الصنف الأول من ذلك التصنيف فإنه من الخطأ الإدعاء بأن كل تلك الجرائم هي جرائم سياسية فالجرائم التي يرتكبها الموظف أثناء مباشرته لمهامه مثلا ولئن دخلت ضمن الجرائم المرتكبة ضد المصلحة العامة فإنه لا يمكن اعتبارها جرائم سياسية[4]. وقد سعى الفقه إلى تحديد مفهوم للجريمة السياسية من خلال بعض النصوص التي تعرض فيها المشرّع ضمينا لتلك الجريمة، مستندا في ذلك على معياري العقوبة والاختصاص القضائي.
فقد اعتمدت العقوبة لتحديد وصف الجريمة إن كانت جريمة سياسية أم جريمة حق عام فالمجلة الجزائية التونسية كما وقع تحرير نصها سنة 1913 تعرضت إلى عقوبة النفي صلب الفصل الخامس منها وهي عقوبة سياسية[5] وبالتالي فإن من يعاقب بها يعد مرتكبا لجرم سياسي. لكن لم يعد من الممكن الاستناد على هذا المعيار لأن عقوبة النفي وقع إلغاؤها من سلم العقوبات بمقتضى تنقيح أول سنة 1964 وتنقيح ثاني سنة 1966 وذلك تبعا لمقتضيات الدستور الذي حجر تغريب المواطن عن تراب الوطن أو منعه من العودة إليهفي الفصل 11 منه. لكن الاعتماد على هذا المعيار ليس مطلقا فبعض العقوبات يمكن أن تطبق على الجرائم السياسية والعادية على السواء لهذا وقع اعتماد معيار أخر هو معيار الاختصاص القضائي، فقد أحدث المشرّع التونسي سنة 1968 محكمة استثنائية تنظرفي أهم القضايا السياسية وهي "محكمة أمن الدولة" وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار الجريمة التي تخضع لاختصاص هذه المحكمة جريمة سياسية إلا أن هذا المعيار لم تعد له أهمية نظرا لإلغاء هذه المحكمة سنة 1987.ويتضح مما سبق أنه من الصعب استخراج معيار من المقتضيات التشريعية لذلك قدم الفقه عدة معايير للتفرقة بين الجريمة السياسية والجريمة العادية. و انقسموا في آرائهم إلى ثلاثة مذاهب: الشخصي و المادي والتوفيقي.
فحسب أنصار المذهب الشخصي فإن العبرة في الباعث الذي حمل الجاني على ارتكاب الجريمة أو الغرض الذي قصده منها. أما أنصار النظرية الموضوعية أو المادية فيرون أن العبرة بالنتيجة التي تحدثها الجريمة أي طبيعة الضررالذي يلحق بالمصلحة المحمية وبذلك فأنها توصف بالسياسية الجريمة التي تستهدف الاعتداء على مؤسسات الدولة وحسن سيرها بعكس الجريمة العادية التي لا تهدد إلا مصالح فردية خاصة.وعلى هذا الأساس تعتبر سياسية الجرائم المرتكبة ضد أمن الدولة الخارجي (الفصول 60 إلى 62 مكرر م.ج) أو الداخلي (الفصول 63 إلى 81 م. ج).
ولكن الصعوبة تبدو بالنسبة للجرائم المختلطة و الجرائم المترابطة، والجريمة مختلطة (Délits complexes ou mixtes ) هي التي تضر في آن واحد بالنظام السياسي وبالحقوق الفردية كقتل رئيس الدولة بقصد قلب الحكومة وبصفة عامة فإن هذا المفهوم مرفوض من قبل فقه القضاء الفرنسي حيث تعتبر محكمة التعقيب الفرنسية أن فظاعة النتيجة التي تؤدي إليها بعض الجرائم تنزع عنها كل صبغة سياسية[6] كما أن معاهدات التسليم تستثني في أغلب الأحيان مثل هذه الجريمة من قائمة الجرائم السياسية (La clause belge ).أمّا الجريمة المرتبطة (Délits connexes ) فهي الحالة التي ترتكب فيها جريمة عادية في أثناء حوادث سياسية وكانت لها صلة ما بهذه الحوادث كنهب محل أسلحة عن طريق متمردين سياسيين، فهي بهذا المفهوم الجرائم التي تكون بحكم نتيجتها جريمة حق عام إلا أن ارتباطها بجريمة أو أحداث سياسية يجعلها بدورها تصبغ بتلك الصفة السياسية وقد سبق لفقه القضاء الفرنسي أن أقر هذا المفهوم حيث أكدت محكمة التعقيب الفرنسية في قرار لها صادر في 18 نوفمبر 1959 على الصبغة السياسية لمحاولة قتل وتشارك المفسدين التي ارتبطت بتهديد أمن الدولة واعتبرت أن هذه الجرائم تشكل في مجملها جريمة سياسية. ولكن يعاب على كل من المذهب الشخصي والمذهب الموضوعي التطرف والمغالاة في الرأي ولذا يرى فريق من الشرّاح وجوب التفرقة بين حالتين.
الحالة الأولى وهي : أن تقع جريمة عادية لا علاقة لها بثورة ولا بحرب أهلية وإنما أوحى بها باعث سياسي كقتل رئيس دولة لا بقصد الانتقام منه أو ارتكاب سرقة بل بقصد قلب الحكومة التي يمثلها ذلك الرئيس وكقتل أحد رجال الشرطة لا لكراهية شخصية بل لكراهية السلطة فهذه الجرائم لا تعتبر سياسية لأن الصفة السياسية أو غير السياسية لعمل جنائي لا تتوقف على وجود أو عدم وجود أسباب أو أغراض سياسية بل تتوقف على طبيعة العمل في ذاته وبعبارة أخرى لا يصح من الوجهة القانونية التفرقة بين جرائم القتل أو السرقة أو الحريق التي ترتكب لباعث أو غرض سياسي والتي ترتكب لباعث أو غرض غير سياسي بل تبقى الجريمة في كل الأحوال جريمة عادية ويكون للقاضي فقط أن يراعي البواعث في تقدير العقوبة وهو الموقف الذي تبناه كل منGarçon et GARRAUD .
أمّا الحالة الثانية فهي أن تقع الجريمة أثناء حوادث سياسية كحرب أهلية أو ثورة فهل يجب مراعاة لهذه الظروف اعتبار جميع الجرائم التي تقع فيأثناء تلك الحوادث جرائم سياسية؟ الجواب على هذا السؤال يقتضي التفرقة بين :أولا : الجرائم التي ليست لها علاقة بالحوادث السياسية وهذه تعتبر جرائم عادية، كمن ينتهز فرصة الاضطرابات ويسرق محلا تجاريا أو يقتل عدوا له. وثانيا : الجرائم التي تتعلق بتلك الحوادث فتعتبر سياسية، إذا كانت تجيزها القوانين الدولية للحروب المنظمة وتعتبر جرائم عادية إذا كان القانون الدولي لا يجيزها ولو وقعت في حالة حرب منظمة لأنها تكون حينئذ من الأعمال الهمجية المستنكرة. وهو المذهب الذي أقره معهد القانون الدولي في اجتماعه بأكسفورد حيث قرر أنه "لتقدير الوقائع التي ترتكبفي أثناء ثورة أو حرب أهلية يجب البحث فيما إذا كان العرف الحربي يبررها أم لا"[7].
وبذلك فإن المعيار الموضوعي والمعيار الذاتي لم يكنا محل إجماع من الفقه والقضاء وهو ما أدى إلى بروز اتجاه ثالث حاول التوفيق بين المعيارين، حيث تمسك الفقيه Travers بالهدف الذي يسعى الجاني إلى تحقيقه وبطبيعة الحق المعتدي عليه. وبذلك تعتبر سياسية كل جريمة تمثل اعتداء مباشر على النظام السياسي للدولة، والتي تكون الغاية منها أو الآثار الممكنة أو المحتملة المترتبة عنها هي تعريض الأمن الداخلي للدولة إلى الخطر.
ويقرّ Rodière ثلاثة عناصر أساسية للجريمة السياسية : وهي هدف الجاني والخطر السياسي وعدم الإضرار بمصلحة شخصية. وبذلك فهو يتمسك بالاتجاهين الموضوعي والذاتي لكنه يميل أكثر إلى الاتجاه الموضوعي إذ يقر التفرقة بين الجريمة السياسية الصرفة التي تجتمع فيها العناصر المذكورة آنفا والجريمة السياسية المرتبطة.
(يتبع)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق