2013/03/16

الجريمة المعلوماتية وتوجهات محكمة التعقيب

إعداد علي كحلون

المقدّمة العامة
لا شكّ في أنّ مفهوم المعلوماتية يحتاج لتعريف دقيق حتى نعي قدر المفاهيم القانونية، والأغلب أنه يمكن التوافق على تعريف محدّد للمعلوماتية بالرغم من تعددّ التطبيقات والمتدخلين في هذا المجال.
I-تعريف المعلوماتية
تعرف المعلوماتيّة بعلم المعلومات أو تكنولوجيا المعلومات، أي المعلومة الخاضعة للمعالجة الإلكترونيّة، وهي  مشتقّة من كلمة المعلومة information من ناحية، ومن كلمة الأوتوماتيك automatique من ناحية أخرى. وهي تبدو أكثر إحكاما وضبطا من كلمة الإعلاميّة. وعرّفها القانون الفرنسي " بعلم المعالجة العقلانيّة، لاسيّما بواسطة الآلات الأوتوماتيكيّة، للمعلومة التّي تعتبر مرتكزا للمعارف الإنسانيّة ولوسائل الاتّصال في المجال التّقني والاقتصادي والاجتماعي[1] ". ويبدو هذا المفهوم واسعا بحكم ارتباطه الشّديد بمدى التّقدّم الحاصل في مجال المعالجة والأنظمة الإلكترونيّة، والتّطوّر السّريع الذّي يشهده هذا القطاع. والمعلوماتيّة في نهاية الأمر لا تخرج عن استعمالات الكمبيوتر أو الآلة الحاسبة[2] وما تفرضه من تقنيّات حتّمتها مظاهر تقدّم هذا المجال وما تفرزه من خدمات عبر المعالجة الآلية للبيانات[3].
وتكون هذه المعالجة محلّ نظام متكامل، يعرف بنظام المعالجة الآليّة للبيانات إذا توفّرت عناصر هذا النّظام: - système de traitement automatisé des données-، وهو مجموعة وحدات معالجة وذاكرة وبرامجيّات ومعطيات وروابط، منظّمة بهدف تحقيق نتيجة معيّنة، وعادة ما يكون هذا النّظام محميّا ومؤمّنا، سواء باستعمال كلمة السّر أو كلمة العبور أو منظومة التّشفير أو أيّ طريقة فنيّة أخرى. معنى ذلك أنّ تتناسق العناصر من أجل تحقيق المعالجة وحمايتها. أو هو " كلّ وحدة مستقلّة أو مجموعة من الوحدات المترابطة والمتقاربة والتّي يضمن إحداها أو جميعها، تنفيذا لبرنامج محدّد، المعالجة الإلكترونيّة، أو عدّة أعمال أخرى[4]".
ويخرج من مفهوم المعالجة مفهوم البيانات أو المعطيات الإلكترونيّة، أي المعلومة في شكلها الإلكتروني بعد أن خضعت لإجراء المعالجة. وتفهم المعطيات الإلكترونيّة على أنّها مفهوم مجرّد، فتأتي خالصة عن دلالاتها ومقاصدها. وإذا أردت أن تسند إلى هذه المعطيات بعدها الفلسفي والاقتصادي والاجتماعي والسّياسي، وغير ذلك من التّعابير الثّقافيّة، فنقول عندئذ بالمحتوى المعلوماتي. فالمعطيات الإلكترونيّة هومفهوم مجرّد غير واعي، والمحتوى هو مفهوم واقعي وذو مقاصد متعدّدة.
II-تطبيقات المعلوماتية
 للمعلوماتية عدة تطبيقات تكاد لا تحصى، وهي تمتاز بتطوّرها المطّرد الذّي لا يتوقّف، وما يمكن أن يقال اليوم، قد نتجاوزه في الغد، لكنّها تجتمع على كلمة واحدة وهي أنّها تتأسّس على أنظمة معلوماتيّة. وتشمل على وجه الخصوص ما يعرف ببنوك المعلومات وقواعد البيانات والوسائط المتعدّدة والشّبكات المعلوماتيّة.
-بنوك المعلومات: وهي على رأي توصيّات الاتّحاد الأوروبي " مصنّفات من المعطيات والعناصر المتّصلة بها والمنظّمة بطريقة آليّة ومنهجيّة والتّي يمكن النّفاذ إليها شخصيّا سواء بواسطة الوسائل الإلكترونيّة أو بواسطة وسائل أخرى "،وعرّفها القانون الفرنسي بأنّها " مجموعة من المعطيات الخاصّة بمجال محدّد من المعارف، ومنظّمة بطريقة يسهل استشارتها من الغير [5]". ويتلخّص من ذلك أنّه من الممكن جمع المعلومات في نشاط معرفي معيّن، على أنّ يتمّ تنظيمها بشكل دقيق ومبسّط، وفي إطار منهجيّة محدّدة، ويمكن بالتّالي لكلّ طرف النّفاذ إلى هذه المعطيات وقضاء حاجته، ومن المفترض أن تكون هذه المعطيات موضوع معالجة إلكترونيّة ومحفوظة بذاكرة الحاسوب، على أن يتحقّق للغير التّوصّل بهذه المعارف كلّما فتح الحاسوب وضغط بالمكان المناسب، ومن الممكن أن تنظّم بنوك المعلومات بأقراص ضوئيّة مكتنزة CDRom أو أقراص رقمية متعدّدة الوسائط D.V.D أو غيرهما، فتوضع هذه الأقراص بموضعها لتفتح، ويتّصل المعني بالمعلومات التّي يريدها، لكنّ الشّئ الهام في ذلك هو أنّه بالإمكان النّفاذ إلى بنوك المعلومات بطريقة إلكترونيّة عن بعد، إذا كانت هذه البنوك مرتبطة بشبكات معلوماتيّة.
-قواعد البيانات: وهي مجموعة من البيانات المنظّمة لغاية استعمالها بواسطة البرامج المعلوماتيّة المناسبة والمميّزة بشكل يسمح بتسهيل التّطوّر المستقلّ للمعطيات والبرامج. أو هي مجموعة الأعمال والمواد المنسّقة والمخزّنة والتّي يمكن الوصول إليها عن طريق وسائل إلكترونيّة بما في ذلك العناصر الضّروريّة لتشغيل القاعدة. ويرد على رأس قواعد البيانات ما يعرف بالفهارس (repertoires ou annuaires ou indexes).
-الملتيميديا والأنفوميديا: وتطوّر عالم المعلوماتيّة بشكل سريع، حيث ارتقت المعالجة الإلكترونيّة، بفضل التّقنيّات الجديدة في عالم البرامجيّات والأنظمة، إلى وسائط متعدّدة الاستعمالات Multimedia سواء كانت في شكلها غير المباشر أي المضمّنة بأقراص ضوئيّة مكتنزة CDRom  أو المباشر أي المحالة بواسطة شبكة الأنترنات، وأصبحنا نتحدّث عن الوسائط المعلوماتيّة infomedia. وتعرف الوسائط المتعدّدة بكونها مجموعة التّقنيّات والمنتوجات التّي تسمح باستعمال المعلومات في شكل نصوص أو صور سواء كانت ثابتة أو متحرّكة، وبطريقة تفاعليّة. فهي نتيجة للتراكم التّقني في الرّقمنة numérisation الذّي  مكّن من الاستعمال المجتمع للصورة والصّوت والنصّ، وبطريقة تفاعليّة.
وإذا كانت البداية حصرت المعلوماتيّة وخدماتها في مجرّد العمليّات الحسابيّة فإنّ التّطبيق الحالي جعل من تكنولوجيا المعلومات، مفهوما يتّسع إلى جميع المواد والبرامجيّات والخدمات التّي تسمح بمعالجة ونقل المعلومة، بل إنّ نجاح شبكات الاتّصالات الحديثة جعل هذا المفهوم يستوعب التّبادل الإلكتروني للبيانات وشبكة الأنترنات. فهو خلط بين المعالجة الإلكترونيّة والاتّصالات.
-الشّبكات المعلوماتيّة: وتعرف بمجموعة الوسائل الماديّة والبرامجيات المخصّصة للاتّصالات بين الحواسيب والوسائل الطّرفيّة. ويمكن أن تكون شبكات مغلقة أو مفتوحة. وقد أصبحت  التطبيقات المغلقة أساس تنظيم المؤسّسات الاقتصادية والإدارية ولعلّ أهمّها ما يعرف بشبكة تونس للتّجارة[6] وشبكة المقاصة الإلكترونيّة[7]. وقد تكون هذه الشبكات المغلقةدولية[8]. ونظامها أن لا تستعمل من العامة ولا يصح النفاذ إلى محيطها إلا بالإذن، وعادة ما تكون هذه الشبكات محمية بوسائل فنية تمنع الدخول إليها بدون تسجيل سابق.
ويأتي في هذا الباب التّبادل الإلكتروني للبياناتEchange de données informatisés EDI،وهو اتّفاق مسبق للمبادلات الإلكترونيّة طبق ضوابط معيّنة، يحدّد به محتوى الوثائق موضوع التبادل وكيفيّة ضمان سرّيتها وسلامتها وجميع المسائل التّي لها علاقة بالإثبات والقانون المنطبق، إلى غير ذلك من المسائل الاتّفاقيّة والتّي لها علاقة بالجوانب الإلكترونيّة، ومن تطبيقاته التبادل الإلكتروني للمطبوعاتEchange de formulaires informatisés EFI. ويأتي في هذا الباب ما يعرف بالإنترانات Intranet والإكسترانات Extranet. وهي أدوات تقنيّة تتوفّر خاصّة للمؤسّسات الاقتصاديّة لضمان الانتشار والتّوزير والتّحكّم في الموارد.
أما الشبكات المفتوحة، فتبقى عامة يصح للجميع الانتفاع بخدماتها، ولعلّ المثال الهام في ذلك هو شبكة الأنترنات، متى أمكن الرّبط المباشر والمفتوح بين الحواسيب المشتّتة هنا وهناك. وكان ذلك سببا في نشأة نظام جديد. ومن ثمّ أمكن تبادل المعلومات بصفة إلكترونيّة وتوفير جملة من الخدمات عن بعد، وبمواصفات معلوماتيّة. فهي مجموعة من آلاف و ملايين المستعملين بدون حدود جغرافية أو ضغوط زمنية، وهي مجموعة غيرمتناهية من المعلومات[9].
وتعمل شبكة الأنترنات من خلال بروتوكولات وهي جملة من القواعد الفنيّة المحدّدة لكيفيّة تنفيذ العمليّات، فهي الطّريقة المعتمدة فنيّا في نقل البيانات وتنظيمها، وهي طريقة نموذجيّة يعتدّ بها على المستوى الدّولي. ويستخلص من ذلك أنّها عبارة عن نظام وصفي للطّريقة الفنيّة المعتمدة في نقل وتنظيم المعلومة، أي جملة الضّوابط التّي من المفروض احترامها لضمان تنظيم المعلومة في مرحلة أولى ونقلها في مرحلة ثانية ثمّ إعادة تنظيمها في مرحلة ثالثة. وهي متعدّدة وتكاد لا تحصى ولا تعدّ، والأغلب أن تكون مفتوحة، بمعنى أنّها معلومة من الكافّة، وبالإمكان استغلالها بدون قيد[10]. وللأنترنات عدة تطبيقات[11].
III- المتدخلون في المجال المعلوماتي
علمنا مفهوم التّطبيقات والخدمات المعلوماتيّة، بقي أن ندرك مفهوم المتدخّلين في ذلك. ولنا أن نأتي على عددهم. ولنعلم بداية أن المتدخّل المقصود هو المتدخّل في إطار التّطبيقات المعلوماتيّة وخدماتها أي استغلال المعلوماتيّة بشكل عام، فيخرج عن ذلك، بطبيعة الحال، جميع المتدخّلين في صناعة المعدّات المعلوماتيّة أو صيانتها أو بيعها أو شرائها أو كرائها أو توريدها أو تصديرها[12]. ويأتي المستعمل أو صاحب المحتوى أوّل المتدخّلين في استغلال المعلوماتيّة، وإذا انتقلت المعلومة من مكان إلى مكان، في إطار الشّبكات المعلوماتيّة، فيفترض أن يتدخّل مزوّد الدّخول ومزوّد النّقل، وتأتي الخدمات ذات القيمة المضافة من نوع أنترنات بعدّة صور جديدة من الخدمات، وتتطلّب إضافة إلى ما تقدّم، تدخّل مزوّد الإيواء ومحرّكات البحث وعدّة هياكل أخرى.
ويتلخّص من ذلك أنّ المتدخّلين بالشّبكة على كثرة، لأنّ عددهم لا يحصى ولا يعدّ، فمنهم من يضمن الربط، ومنهم من يضمن نقل المعلومة، ومنهم من يضمن خدمة الإيواء، أي إيواء المعلومة hébergement، أو البحث عنها recherche، ومنهم من يضمن خدمة المصادقة الإلكترونيّة certification[13]، ومنهم من يضمن علامة المواقع labellisation[14]، ومنهم من يعرض وسائل التّشفير. ورغم كثرتهم فإنه يمكن ردّهم إلى  فئتين، ففئة منهم تتدخل على المستوى الفني في صياغة وتنظيم الأنظمة المعلوماتية وفئة أخرى تساهم في عرض المحتوى المعلوماتي في مجمله على العامّة أو الخاصّة، والمعنيّون بذلك فقط مزوّد الدّخول ومزوّد النّقل ومزوّد الإيواء ومزوّد البحث[15]. معنى ذلك أنّه يخرج من مفهوم المتدخّلين في استغلال المعلوماتيّة صنفان، فمنهم من يستفيد من خدمات المعلوماتيّة، فنسمّيه بالمستفيد والمستعمل، أو ينتج المحتوى فنسمّيه بمزوّد المحتوى، ومنهم من يقوم على تزويد الغير بهذه الخدمات، فنسمّيه بمزوّد الخدمات. وبمعنى آخر هناك من يخلق المحتوى المعلوماتي أو يستفيد منه، وهناك من يعرض هذا المحتوى، وذلك هو المقصود من عبارة المتدخلين في المجال المعلوماتي، وهم من ستلقى عليهم المسؤولية المعلوماتية في نهاية الأمر حسب درجات تدخلهم[16].
والمجمل في ذلك أنّ المعلوماتيّة بأنظمتها وبرامجيّاتها أصبحت هيّ الأساس في جانب كبير من الشّبكات والأعمال السمعيّة والبصريّة، فنقول بالشّبكات المعلوماتيّة، كما أنّ الوسائط المتعدّدة ليست إلاّ منتوجا سمعيّا بصريّا، في نهاية الأمر. ورغم هذا التّداخل بين قطاع المعلوماتيّة من جهة والاتّصالات والوسائل السمعيّة البصريّة من جهة أخرى، فإنّ الحدود بينها واضح، وهو أنّ المعلوماتيّة تتعلّق بالأنظمة المعلوماتيّة والبرامجيّات، في حين أنّ الاتّصالات ترتبط بمفهوم الشّبكات، وتشمل الوسائل السّمعيّة البصريّة مجموعة الأصوات والألوان والصّور والألواح الموسيقيّة. ولكنّ الترابط وثيق بين المعلوماتية ومعنى الاتصالات والمصنفات السمعية البصرية إذا انبنت هذه الأخيرة على أجهزة ومعدات وتنظيمات معلوماتيّة، بل إن التنظيم المفتوح للشبكات تجاوز معنى الاتصالات ليشمل معنى النشر والصحافة وغير ذلك من الخدمات[17]. معنى ذلك أن الحديث عن الأنظمة المعلوماتية والمعطيات الإلكترونية المجردة يحمل إلى تقنيات المعلوماتية بينما الحديث عن خدمات المعلوماتية يحمل إلى المحتوى المعلوماتي، وذلك ما يكون عادة محل الجريمة المعلوماتية التي يمكن أن تشمل في نهاية الأمر ليس المستعمل فقط ومزود المحتوى بل إن الفنيين كذلك يمكن أن تحمل على أوزارهم المسؤولية الجزائية. وفي ذلك ذهب التشريع وفقه القضاء، وقبل الحديث عن توجهات التشريع وفقه القضاء في ذلك (الفقرة الثانية) يتعين في نقطة أولى تعريف الجريمة المعلوماتية (الفقرة الأولى).

الفقرة الأولى:تعريف  الجريمة المعلوماتية

كما يمكن أن تكون المعلوماتيّة بأنظمتها ومعطياتها محلّ اعتداء، فإنّها بالمثل يمكن أن تكون سببا في تسهيل ارتكاب الجريمة، فنتحدّث في الصّورة الأولى عن جرائم الاعتداء على سريّة وسلامة وجاهزيّة المعطيات والأنظمة المعلوماتيّة في مرحلة أولى، وعن التّزوير والتّدليس المعلوماتي في مرحلة ثانية، وهذه هي الجريمة المعلوماتيّة في مفهومها الضّيق (أ)، ونتعرّض في الصّورة الثّانية لمسألة الجرائم المتعلّقة بالمحتوى (ب). وهذا هو التّقسيم الذّي استقرّ عليه الرّأي دوليّا ووطنيّا[18].
أ-جرائم الاعتداء على المعلوماتية
أصل المعلوماتيّة في نظامها وبرامجها، ومن السهل القول إنّه بالإمكان الاعتداء على هذا النّظام في أيّ طور من أطواره، وتخريب سير عمله، أو إتلاف البيانات الموجودة به، وذلك هو أصل الجريمة المعلوماتيّة، أي أنّ الجريمة المعلوماتيّة وببساطة هي الاعتداء على نظام المعالجة الآليّة للبيانات[19]، سواء كانت هذه الأنظمة مرتبطة بشبكة أو غير مرتبطة، وسواء كانت داخل الآلة الحاسبة أو خارجها أي مضمنة بسندات إلكترونية. ويدخل في ذلك كل اعتداء على الأنظمة والمعطيات (1)وكل تدليس للسندات (2).
1-الاعتداء على الأنظمة والمعطيات
يشمل الاعتداء على الأنظمة والمعطيات الجرائم المتعلّقة بسريّة وسلامة وجاهزيّة المعطيات والأنظمة المعلوماتيّة، أي النّفاذ غير الشّرعي والالتقاط البيني غير الشّرعي والاعتداء على سلامة المعطيات الإلكترونيّة والاعتداء على سلامة الأنظمة المعلوماتيّة.
ويقتضي النّفاذ غير الشّرعي للأنظمة المعلوماتيّة الدّخول العمدي إلى الأنظمة المعلوماتيّة سواء كان هذا النّظام محميّا أو غير محميّ، وسواء كان مرتبطا بأنظمة معلوماتيّة أخرى أو غير مرتبط، وذلك بهدف الحصول على بيانات معلوماتيّة أو بهدف الإضرار.
والمقصود بالالتقاط البيني غير الشّرعي هو الالتقاط العمدي بواسطة طرق فنيّة لمعطيات إلكترونيّة خاصّة وهي في طريقها إلى مكان معيّن ذهابا وإيّابا، بما في ذلك الإرساليّات الكهرومغناطسيّة الصّادرة عن الأنظمة المعلوماتيّة والنّاقلة للمعطيات الإلكترونيّة. ويستوى الأمر إن كان هذا الالتقاط بنيّة إحداث الضّرر أو خلافه.
ويفهم من الاعتداء على سلامة المعطيات، أن يأتي الفاعل أفعالا عمديّة التّي من شأنها الإضرار بالمعطيات المعلوماتيّة أو فسخها أو إتلافها أو تعديلها أو إعدامها.
ويفهم أخيرا من الاعتداء على سلامة النّظام، الأعمال العمديّة الخطيرة التّي من شأنها إعاقة عمل النّظام المعلوماتي، سواء عن طريق إدخال البيانات المعلوماتيّة أو نقلها أو الإضرار بها أو فسخها أو إتلافها أو تعديلها أو إعدامها[20].
2-التّدليس والتزوير المعلوماتي.
يعرف بالتّدليس المعلوماتي صنع أو تعديل المعطيات الإلكترونيّة أوفسخها أو إدخالها أو إعدامها، إذا كان ذلك عن عمد، ومن شأنها أن تغيّر من حقيقة البيانات، وبهدف استخدامها في الإجراءات القانونيّة على أنّها صحيحة، سواء كان ذلك على سند ورقي أو سند غير مادي وذلك بنية الإضرار بالغير. ويقصد بالتّزوير المعلوماتي الأفعال العمديّة وغير الشّرعيّة التّي من شأنها إلحاق الضّرر المادي بالغير، سواء بإتلاف المعطيات الإلكترونيّة أو فسخها أو تعديلها أو إعدامها أو إدخالها أو صنعها، وبجميع أشكال الاعتداء على عمل النّظام المعلوماتي، وذلك بهدف التّزوير والإضرار والحصول على مردود اقتصادي لفائدة الفاعل أو لفائدة الغير. وذلك هو التمييز النظري لدى رجال القانون بين أفعال التّدليس وأفعال التّزوير[21].
وعادة ما ترتبط الجريمة المعلوماتية بهكذا معنى بتجريم جميع الأفعال المتعلّقة بإنتاج وبيع وشراء وتوريد وتوزيع المعدّات بما في ذلك البرامج المعلوماتيّة التّي تساعد على ارتكاب مثل هذه الجرائم أو كلمات العبور والرموز والمعطيات الإلكترونيّة المشابهة التّي تمكّن من النّفاذ إلى النّظام المعلوماتي أو إلى جزء منه. وتعتبر حيازة مثل هذه المعدّات جريمة في حدّ ذاتها، إذا كانت نيّة الحائز متّجهة إلى استعمالها في ارتكاب الجرم[22].
2-الجرائم المتعلقة بالمحتوى المعلوماتي
فليست الأنظمة والمعطيات في الجرائم المرتبطة بالمحتوى المعلوماتي محلّ اعتداء وإنما تستعمل الاعلامية في الاعتدام لذلك يتحدث رجال القانون عن الإجرام المعلوماتي في هذه الصورة، وصوره كثيرة يمكن أن تشمل التقسيم المعروف بالمجلة الجزائية، ولكن أهم الجرائم التي يمكن أن تركب بواسطة المعلوماتية لها علاقة بالاعتداء على الحياة الخاصة والبيانات الشخصية والملكية الفكرية والنشر والصحافة وحقوق المستهلك.
-الاعتداء على الحياة الخاصة والبيانات الشخصية: إذا كانت ضوابط الحياة الخاصّة ومفهومها وما يتّصل بها من عناصر، تعرف صعوبات جمّة في نظامها المادي، بحكم تطوّر حياة الإنسان ومعيشته، وتغيّر الأمصار والعصور[23]، فإنّ المسألة تزداد تعقيدا في عالمها الفرضي المتصلّ بالمعلوماتيّة. ولا شكّ أنّ المعالجة الآليّة للبيانات، في جميع أشكالها فيها خرق لخصوصيّة الفرد وحقوقه الشّخصيّة، بل إنها تسهّل الاعتداء على الحياة الخاصة، بفضل الإمكانيّات الكبيرة في المواصلات واستشارة بنوك المعلومات. ويزداد الأمر تعقيدا لأنّ مفهوم حماية الحياة الخاصّة والمعطيات الشّخصيّة في مثل هذا العالم المفتوح وضبط حدوده مازال من الأمور المستعصية[24]، ويمكن أنّ يتّخذ الاعتداء عليها عدّة أشكال[25]. لذلك وضعت عدّة مبادئ لحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية ومن ذلك واجب الإشعار [26] والموافقة المسبقة[27] والحماية[28]والشرعية[29] والاطلاع[30] والصحة[31] وجبر الإضرار في نهاية الأمر[32].
-الاعتداء على قواعد النشر والصحافة:  الحقيقة أن  المعالجة الإلكترونيّة وخاصّة في فضائها المفتوح أي توزيع المحتوى عبر الشّبكات المفتوحة، ليست وسيلة من وسائل  الاتّصال أو خدمة من الخدمات السّمعيّة البصريّة فقط بل هي خدمة من خدمات الصّحافة والنّشر. ومن ثمّ فإنه من الممكن استعمال الشبكات المفتوحة لارتكاب جميع الجرائم ذات الصلة. فالثّلب والشّتم من الجرائم البسيطة التّي يمكن ارتكابها سواء عبر مواقع الواب أو عن طريق مجموعات الأخبار، ويستثنى من ذلك البريد الإلكتروني باعتبار أنّه يتميّز بخصوصيّته[33].
-الاعتداء على الملكية الفكرية: من الممكن أن يشمل الاعتداء الملكية الأدبية أو الملكية الصناعية.
+الاعتداء على الملكية الأدبية: حقّ التّأليف هو " الحقّ الذّي ينفرد به صاحب المصنّف دون سواه في استغلال مصنّفه أو في التّرخيص للغير في استغلاله بإحدى الطّرق المبيّنة قانونا "، أي أنّه يعود لصاحب الحقّ عرض ونقل المصنّف بأيّ طريقة كانت.
وإذا كانت هذه المسألة لا تطرح بالنسبة إلى الاستعمالات المعلوماتيّة الخاصّة، والمقصود بذلك المعالجة الشخصيّة والشّبكات الخاصّة والبريد الإلكتروني، فإنّ الشّبكات المفتوحة والمقصود بذلك شبكة الأنترنات، تمثّل وسيلة طيّعة وسهلة في الاعتداء على حقوق الملكيّة الأدبيّة. ويمكن أن يشمل الاعتداء مستوى أوّل ومستوى ثاني. فالمستوى الأوّل يتعلّق باستهلاك المحتوى، والمستوى الثّاني يتعلّق بإنتاجه. ويتطلّب المستوى الأوّل النّظر في إمكانيّة عرض المصنّف على شبكة الأنترنات دون أن تكون للمستعمل رخصة مسبّقة من صاحب العمل وفي إمكانية استخراج المحتوى على سند مادي أو غير مادي  واستعماله دون قيد. ونساءل في المستوى الثّاني إن كانت الرّقمنة تمثّل عملا جديدا مبتكرا وجديرا بالحمايـة ؟
ومن السّهل القول إنّ إنتاج مواقع الواب يمثّل في حدّ ذاته عملا فنيّا مبتكرا بحكم المحتوى المتميّز الذّي يمكن أن يتضمّنه، ويحقّ لمزوّد المحتوى تبعا لذلك التّمتّع بالحماية المطلوبة. ومن المفروض كذلك أنّ استخراج المحتوى واستعماله لا يمكن أن يسمح به إلا إذا بقيت الاستعمالات خاصة وليس فيها معنى المتاجرة و أنّ أيّ عرض لمصنّف محمي على شبكة الأنترنات يتطلّب الإذن من صاحبه، وكلّ عرض بدون ترخيص يعتبر اعتداء على حقّ التأليف. حيث إنّ الرقمنة La numérisation التّي تسمح في نهاية الأمر للعامة بالاتصال بالمصنّف بطريقة غير مباشرة، تعتبر عملا فنيّا ناقلا، وبالتالي لا يجوز القيام بهذه الرقمنة إلاّ إذا كان للمستعمل حق النقل أو أذن له من طرف صاحب الحقّ. ولا يمكن أن يتعلّل المعني بالطبيعة الخاصة لصفحات "Web" باعتبار أنّها تسمح في نهاية الأمر لأي مشترك بالدخول والتّحصيل على نسخة. وتعدّ الإنترنات وسيلة اتصال عامة، وبالتالي كل عرض (Représentation) لمعلومة أو مصنف محمي يوجب التحصيل مسبقا على إذن من صاحب الحقّ.
والحقيقة أنّ تقنية الإيبرتاكس أساس التنظيم المعلوماتي[34]، لم تبق مجالا دون تأثير، بحكم الإمكانيّات الجديدة التّي تتيحها في إطار المعالجة الإلكترونيّة، وهي من بين الطّرق الجديدة التّي تفرز اعتداءً على حقوق الملكيّة الأدبيّة، مهما كان مستعمل هذه الطّريقة. حيث إنّ مجرّد عمليّة الإحالة إلى موقع آخر لا تعدّ من بين أعمال إعادة النّقل للمصنّف، ولا تمسّ من الحقوق الماديّة للمؤلّف، ولسبب بسيط وهو أنّ المصنّف متوفّر من قبل على الشّبكة. وربّما تتحقّق عمليّة النّقل للمصنّف إذا ضغط المستعمل على المصوّب pointeur، أي المكان المعدّ على صفحة الموقع، والذّي يسمح بمجرّد لمسه طبق الطّريقة المحدّدة من الوصول إلى صفحات الموقع المحال إليه، فهو مدخل التّرابط. وتتحقّق عمليّة النّقل كذلك بالنسبة إلى التّرابط الآلي بواسطة المتصفّح navigateur دون تدخّل من المستعمل.
لكنّ الموضوع ليس فيه إجماع، وإذا كان البعض أدرك أنّ مجرّد التّرابط أو الإحالة لا يعدّ إعادة نقل للمصنّف reproduction، باعتبار سابقيّة توفّر المصنّف على الشّبكة، فإنّ الجانب الآخر يعتبر هذه العمليّة بمثابة نقل غير مشروع للمصنّف، وهناك من لم يكتف بذكر العموميّات واختار التّخصيص، ولا يقول بشرعيّة التّرابط إلاّ بالنسبة إلى التّرابط السّطحي، أي الذّي يحيل إلى صفحة استقبال الموقع المحال إليه.أمّا بقيّة الطّرق ففيها من التّقنيّات ما يسمح بالقول بأنّها غير شرعيّة. ولا شكّ أنّه لا يمكن الحديث عن الحقوق الأدبيّة في إطار التّطبيقات المتعدّدة للهيبرتاكس، حيث إنّ طريقة الآليّة والإطار والتّعمّق في التّرابط تؤلم كثيرا صاحب المؤلّف ولا تبقي على اعتباره.
ويلحق بنظام الهيبرتاكس طريقة تنظيم المصوّب pointeur في حدّ ذاتها، وإذا كانت هذه الطّريقة لا تمسّ مبدئيّا من حقوق الملكيّة الفكريّة، حيث بإمكان صاحب الموقع أن يورد به عناوين المواقع المحالة إليها دون حرج ودون التّحصيل على التّرخيص المسبّق من أصحابها، فإنّ بعض التّطبيقات تؤّدي إلى الاعتداء على حقوق التّأليف، كما إذا تولّى صاحب الموقع اعتماد عناوين المقالات التّابعة للموقع المحال إليه كمصوّب في الإحالة، خاصّة إذا كان هذا العنوان فيه من الخصوصيّة ما يكفي لحمايته[35].
ولهذه الرّوابط كذلك أثر سلبي على قواعد البيانات المحميّة، حيث إنّ أعمال الاستخراج extraction سواء كانت جزئيّة أو كلّيّة لمضمون القاعدة يعدّ عملا غير شرعي. وتساهم طريقة الهيبرتاكس وخاصّة منها ما يتعلّق بالتّرابط الآلي والتّرابط الإطاري في أعمال الاستخراج بطريقة غير شرعيّة.
ولا ننسى أنّ هذه الطّرق تسهم في خرق قواعد المنافسة الشّرعيّة، حيث إنّ المواقع الأصليّة عادة ما تحتوى على معلّقات إشهاريّة، فإذا ما عرضت هذه المواقع دون صفحة الاستقبال، فلا شكّ أنّ ذلك يعدّ من قبيل المنافسة غير الشّرعيّة.
وملخّص القول أنّ طريقة الهيبرتاكس في حدّ ذاتها، وما يرتبط بها من وسائل، إذا اعتمدها صاحب الموقع، تؤدّي في معظم تطبيقاتها إلى الاعتداء على حقوق الملكيّة الفكريّة والمنافسة وغير ذلك من الحقوق، وإن كان المبدأ هو جواز الاستعمال[36].
+الاعتداء على الملكية الصناعية:بعد إعداد الموقع من الوجهة الفنيّة، وقبل إيوائه، من المفروض أن يسعى المعنى بالأمر إلى إيداع اسم النّطاق لدى الجهاز المكلّف بذلك. ويذكر أنّ قاعدة الإيداع تخضع لقاعدة الأولويّة، أي أنّ حقّ استعمال الاسم يعود إلى الأوّل في التّسجيل « premier arrivé, premier servi ». وفي حالة النّزاع بين عدّة أطراف من المفروض أن يعطى الأوّل الحقّ في استعمال الاسم. لكنّ عمليّة التّسجيل لا تتطلّب كثيرا من العناء والموجبات في غياب المراقبة المبدئيّة والحقيقيّة للأسماء. وقد بيّنت التّجربة سواء على المستوى الدّولي أو على المستوى الوطني أنّ مؤسّسات التّسجيل لا تضع شروطا مجحفة لإتمام العمليّة، بل إنّ المعني بالأمر يسأل فقط عن الاسم والعنوان والبريد الإلكتروني والمسائل الفنيّة التّي لها علاقة بالإيواء. وهي مسائل يمكن أن يوفّرها أيّ شخص ولو كان القصد هو الإضرار بالغير والتّلاعب بالأسماء المحميّة، بل إنّه يمكن الحصول على اسم النّطاق حتّى بطريقة فرضيّة مباشرة. وعادة ما ينصّ عقد التّسجيل على عدم مسؤوليّة مؤسّسة التّسجيل، ولفت نظر المنتفع إلى حجم المسائل الخلافيّة التّي يمكن أن تظهر نتيجة استعمال هذا الاسم. ويصرّح المنتفع بالمناسبة بعدم الإضرار بحقّ الغير ويلتزم بعدم استعمال العنوان في مسائل غير شرعيّة، ويطلب منه نهاية أن يحترم القوانين والمواثيق.
لكنّ أهميّة هذه الأسماء في الأوساط التّجاريّة وحجم المغانم المرتبطة بها، إضافة إلى طبيعة شبكة الأنترنات، كلّ ذلك ساهم في جعلها مركزا من مراكز الاعتداء، وأصبحت بالتّالي مصدرا من مصادر المتاجرة غير المشروعة. والسّبب في ذلك كلّه هو أنّ بعضا من هذه الأسماء نقلت أسماء تجاريّة وصناعيّة دون إذن أصحابها، سواء بحسن نيّة أو بسوء نيّة[37].
-الاعتداء على حقوق المستهلك: تعتبر التّجارة الإلكترونيّة المجال الرّئيسي للشّبكات الرّقميّة في وقتنا الحاضر. ويعتبر الإشهار التّجاري من أهمّ المسالك التّجاريّة في ترويج السّلع والتّأثير على قرار المستهلك. وقد سجّلت الشّبكات الرّقميّة أرقاما مهولة في ذلك بفضل الإمكانيّات الجديدة التّي توفّرها التّقنيّات الحديثة، ويأتي على رأسها ما يعرف بالرّوابط الإيبرتاكس، وما توفّره خدمات البحث من معطيات للمستهلك بما في ذلك جمع المحتويات الجديدة، وتنظيم المواقع حسب القطاع.
وتكوّنت فعلا مؤسّسات مختصّة في مجال الإشهار والتّصرّف في أنظمته لغاية تسهيل الانتفاع بالفضاء الرّقمي. وتواجدت عدّة طرق فنيّة بالإمكان استعمالها للغرض بما في ذلك المعلّقات الإشهاريّة التّي من الممكن إدراجها بالمواقع أو حتّى بالمواقع الأخرى في إطار التّبادل بين التّجار أو حتّى في إطار الشّراكة أو ما يعرف بحلقات الواب cercles web.
ويتطلّب نظام تبادل المعلّقات الإشهاريّة التّسجيل المسبّق لدى المؤسّسة المتصرّفة التّي من المفروض أن تراقب المحتوى وتطمئنّ لعدم تعارضه مع شروط الانخراط، فيما تقوم الشّراكة وحلقات الواب على اتّفاق مهني مسبق بين المتدخّلين بغرض الانتفاع المتبادل بالفضاء الرّقمي لدى الأطراف المعنيّة سواء بالإشهار المتبادل أو الرّبط بين المواقع.
لكنّ المواقع ليست الوحيدة في تنمية قطاع الإشهار، بل إنّ البريد الإلكتروني هو الآخر استعمل بغرض الإشهار المباشر، أي إيصال المحتوى الإشهاري إلى غاية عنوان المستعمل وهو ما يعرف بـ spamming.
واستقرّ الرّأي على أنّ هذه الطّريقة لا يمكن أن تتمّ إلاّ في إطار قانوني باعتبار أنّ البريد الإلكتروني من خصائص الحياة الخاصّة ولا يمكن التّصرّف فيه إلاّ بموافقة المعني. والحقيقة أنّ الإشهار المباشر فيه من الضّرر المباشر سواء بالنسبة إلى مزوّد الدّخول أو المستعمل، ومن الممكن في هذا الإطار أن تعتمد عدّة طرق لتنظيم هذا القطاع سواء بواسطة الإجراء المعروف بـ opt out، أي الحقّ في سحب العنوان أو opt in أي منع الإشهار المباشر إلاّ بموافقة المعني، ويطلب دوما إبقاء الإمكانيّة في الاتّصال بصاحب الإشهار حتّى يصرّح المستهلك بموقفه.
والخوف كلّه أن تستعمل هذه الإمكانيّات في الاعتداء على حقوق المستهلك بما في ذلك الإشهارات الكاذبة وما شابه ذلك، والمقارنات المغلوطة والألعاب التّرويجيّة الممنوعة. والأغلب أن يتعلّق محتوى الإشهارات بعناصر تعترض عليها أكثر التّشاريع إذا تعلّقت بالمخدّرات أو الكحول أو التّبغ أو بعض المعدّات الممنوعة، والقائمة قد تطول في ذلك. 
ولهذا الغرض نجد على شبكة الأنترنات عدّة أدلّة توصي باعتماد ضوابط معيّنة في الإشهار، سواء من حيث المحتوى أو الطّرق المستعملة، مع التّنصيص على قائمة الإشهارات المباحة أو الممنوعة. وبرزت كذلك طريقة المصادقة على المواقع التّي من شأنها أن تطمئن المستهلك على صدق فحوى الإشهار. ورغما عن ذلك تبقى الشّبكات الرّقميّة الحديثة من أهمّ الأسباب التّي تساهم في خرق قواعد حماية المستهلك[38].
-الاعتداء على الأمن والأخلاق الحميدة والأشخاص:يقسّم الفقهاء عادة الجرائم إلى جرائم الاعتداء على الأمن العام، وجرائم الاعتداء على الممتلكات، وجرائم الاعتداء على الذّات البشريّة، وجرائم الاعتداء على الأخلاق. والمعلوم  أنّه في إطار الشّبكات المعلوماتيّة من الممكن أن ترتكب جميع هذه الجرائم، وبالسّهولة التّي ربّما لا تتوفّر في العالم الواقعي. وكثير من الوقائع تبقي آثارها السيّئة على حقوق الغير، حيث إنّ تداول المعلومة في فضاء مفتوح فيه من الضّرر الكثير سواء على مستوى إحداث المواقع أو استغلالها أو على مستوى مجموعات الأخبار، بل إنّ خدمة البريد الإلكتروني، ورغم خصوصيّاتها قد تكون سببا في إلحاق الضّرر. ولعلّ المحتويات التّي تفضي إلى الاعتداء على الأشخاص و الحريّات الخاصّة بشكل عام، و على المصنّفات الأدبيّة، وحقوق المستهلك، من أكثر المحتويات رواجا على الشّبكات المعلوماتيّة المفتوحة.
وتعدّ الشّبكات المفتوحة وسيلة سهلة في اتّجاه الاعتداء على الحريّات الخاصّة وعلى كلّ ما يتّصل بالشّخص، وإذا كانت الجريمة تتطلّب في عالمها المادي شيئا من "الحذق والتّعب"، فإنّها السّهولة الكاملة في فضائها اللامادي، بفضل أدوات المعلوماتيّة وتقنيّاتها، وهي تتحقّق في أوقات قياسيّة لم يشهد لها التّاريخ مثلا. ويمكن أن يشمل الاعتداء شرف الإنسان وعرضه وأخلاقه وأمنه. ونمّت المعلوماتيّة فعلا أشكال الثّلب والشّتم والميز العنصري والإرهاب والتّحريض على الجريمة والتّجسّس والمتاجرة بجسد الطّفل وبجميع الأشكال الجنسيّة. وتعدّ الشّبكات المفتوحة فضاءً سهلا للقول بخيار العنصر أو القوم سواء لأسباب دينيّة أو عرقيّة أو لونيّة، وهي فضاء ليّن لإشهار الخطب والمقالات العنصريّة والتّباغض بين الأجناس.
ويمثّل الاعتداء على أمن الأشخاص ومن ثمّ الاعتداء على الأمن العام إحدى النّتائج السيّئة للتّطبيقات المعلوماتيّة، وقد نشطت المنظّمات الإرهابيّة ووجدت في الأنترنات على وجه التّحديد أرضيّة طيّبة لترويع النّاس والتّحريض على الجريمة وتنمية منتوجها وتنظيم عملها وترويخ الأخبار الزّائفة، بل ظهرت خدمات فرضيّة لها علاقة باستعمال الأسلحة وصناعة المعدّات الحربيّة وحتّى القنابل، وأضحت الشّبكة طريقة سهلة للجوسسة ورصد المعارف الوطنيّة والدّوليّة بطريقة غير شرعيّة.
ولعلّ الجرائم الجنسيّة الأكثر شهرة في هذا الباب،  وأشدّ مظاهرها المتاجرة بجسد الطّفل، التّي تلاقي معارضة شديدة من أغلب الدّول في العالم. وأقرّ الملتقى الدّولي حول الاستغلال الجنسي للأطفال المنعقد بستوكهولم سنة 1996 " أنّ الأنترنات فتحت قنوات جديدة في اتّجاه تنمية الممارسات الجنسيّة "، ويمكن أن يلحق الضّرر بالأطفال سواء باطّلاعهم على المحتوى الجنسي أو كانوا أنفسهم محلّ استغلال جنسي. وفعلا تواجدت عدّة مواقع ليس لها إلاّ محتوى جنسي وتبقي تأثيراتها ليس فقط على الطّفل بل الكهل كذلك، وعادة ما تشترط هذه المواقع الإعلان عن سنّ الزّائر، محافظة منها على حدود الطّفل، لكنّ هذا الشّرط ليس جدّيا باعتبار إمكانيّة تجاوزه بمجرّد الإعلان عن اسم غير حقيقي.
والحقيقة أنّ الجرائم التّي يمكن أن ترتكب بواسطة الشّبكات المفتوحة والتّي لها علاقة بحريّة الإنسان، تكاد لا تحصى ولا تعدّ، بما في ذلك المواقع التّي تدعو إلى القتل وارتكاب الجريمة والانتحار، وانتشرت كذلك دور القمار الفرضيّة والسمسرة غير الشّرعيّة وما شابه ذلك من الوقائع[39]، وفي كلمة يمكن القول إنّ ما يمكن القيام به في الحياة الماديّة من الممكن القيام به في الحياة الفرضيّة[40].
والخلاصة في جميع ذلك أنّ الجريمة المعلوماتية تنصرف إلى طرق الاعتداء على البيانات أو الأنظمة المعلوماتية سواء كانت مدمجة بالحاسوب في استعمالاته المستقلة أو المفتوحة المرتبطة بالشبكات أو كانت مضمنة بسندات إلكترونية، أي أن المعطيات والأنظمة هي المجني عليها في نهاية الأمر. أمّا إذا استعملت الإعلامية في الاعتداء على الغير، فليست المعلوماتية حينئذ محلّ اعتداء بل مجرّد وسيلة جديدة من جملة الوسائل المستعملة في ارتكاب الجريمة، ونتحدّث حينئذ عن الإجرام المعلوماتي بصفة عامة. فهل من إطار تشريعي حديث لمؤاخذة الفاعل أم أن الموجود يكفي ؟ وما رأي فقه القضاء في ذلك ؟

الفقرة الثانية: التعريف بتوجهات التشريع وفقه قضاء محكمة التعقيب

لا يمكن إدراك حقيقة توجه فقه القضاء (أ) إلا بإظهار الأسس التشريعية في هذا الجانب (ب).
أ- التشريع
الحقيقة أنّ المشرّع التّونسي كان من الأوائل في معالجة المسائل العالقة بالمعلوماتيّة سواء بمناسبة المصادقة على القانون عدد 83 لسنة 2000 المؤرّخ في 9 أوت 2000 المتعلّق بالمبادلات والتّجارة الإلكترونيّة أو بمناسبة تنقيح مجلّة الالتزامات والعقود بموجب القانون عدد 57 لسنة 2000 المؤرّخ في 13 جوان 2000 المتعلّق بتنقيح مجلّة الالتزامات والعقود في اتّجاه الاعتراف بالوثيقة الإلكترونيّة[41] والإمضاء الإلكتروني[42] أو بمناسبة تنقيح المجلّة الجزائيّة بموجب القانون عدد89 لسنة 1999 المؤرّخ في 2 أوت 1999 في اتّجاه إقرار الجريمة المعلوماتيّة، أو بمناسبة وضع إطار قانوني لضمان السّلامة المعلوماتيّة بموجب القانون عدد 5 لسنة 2004 المؤرّخ في 3 فيفري 2004[43] وضمان حماية المعطيات الشخصيّة بموجب القانون عدد 63 لسنة 2004 المؤرّخ في 27 جويلية 2004 [44]أو بمناسبة تنظيم نشاط المتدخّلين في إطار كراس الشّروط الخاص بالخدمات ذات القيمة المضافة من نوع أنترنات أو كرّاس الشّروط الخاص بالخدمات ذات القيمة المضافة التّليماتيكيّة والسمعيّة المصادق عليه بقرار من وزير المواصلات بتاريخ 22 مارس 1997، أو من خلال القانون عدد 61 لسنة 2000 المؤرخ في 20 جوان 2000 المتعلّق بتنقيح المجلّة التّجاريّة في اتّجاه الاعتراف بالمقاصة الإلكترونيّة أو قرار وزير الماليّة المؤرّخ في 15 جانفي 2001 في اتّجاه الاعتراف بنظام المبادلات الإلكترونيّة في إطار الإضبارة الوحيدة liasse unique، أو من خلال القانون عدد 51 لسنة 2005 المؤرخ في 27 جوان 2005 المتعلّق بالتحويل الإلكتروني للأموال[45]، أو من خلال القانون عدد 1 لسنة 2001 المتعلق بمجلة الاتصالات أو من خلال قانون عدد 36 لسنة 1994المؤرخ في 24 فيفري 1994 المتعلق بالملكية الأدبية والفنية كما هو منقح بموجب القانون عدد 33 لسنة 2009 المؤرخ في 23 جوان 2009 في اتجاه حماية البرامج المعلوماتية بواسطة قواعد الملكية الأدبية[46]، إلى جانب جملة من النّصوص القانونيّة الهامّة في اتّجاه تنظيم مجمل النّقاط التّي لها علاقة بتنطيم مهنة مزوّدي الخدمات الرّقميّة واستغلال الشّبكات الرّقميّة[47]. وفي الحقيقة أنّ ذلك يأتي في إطار سياسة متكاملة للنّهوض بقطاع تكنولوجيا المعلومات على وجه الإجمال[48]. ويمكن القول إن التشريع غطى أغلب مظاهر الإجرام المعلوماتي سواء كان الاعتداء على الأنظمة المعلوماتية والمعطيات أو شمل المحتوى المعلوماتي[49].
1- الإطار التشريعي بالنسبة إلى الاعتداء على المحتوى المعلوماتي
جاء بالفصل الأوّل من الأمر عــ501ــدد لسنة 1997 المؤرخ في 14 مارس 1997 والمتعلّق بالخدمات ذات القيمة المضافة أنّ " إنتاج وتقديم وتوزيع وإيواء المعلومات في إطار وضع واستغلال الخدمات ذات القيمة المضافة للاتصالات يخضع لقانون الصحافة وللقانون المتعلّق بالملكية الأدبيّة والفنية." وأضاف الفصل 14 من الأمر عدد501 لسنة 1997 المشار إليه: " يجب أن يكون لكلّ خدمة ذات قيمة مضافة للاتصالات مدير مسؤول عن محتوى الخدمة المقدّمة إلى المستعملين طبقا لأحكام مجلّة الصحافة. ونص الفصل 9 من كرّاس الشّروط الضابط للشروط الخاصة بوضع واستغلال الخدمات ذات القيمة المضافة للاتصالات من نوع أنترنات[50]على ما يلي " تنطبق مقتضيات هذا الفصل على مزودي الخدمات من نوع أنترنات وعلى كلّ الحرفاء المشتركين في الخدمات من نوع أنترنات المالكين لصفحات وموزعي "واب" الذين تمّ إيواؤهم في أنظمتهم. ويجب على مزود الخدمات في إطار تطوير الخدمات من نوع أنترنات في تونس تطوير وإيواء صفحات موزعي "واب" في أنظمته. ويتحمّل المدير الذي يعينه مزود الخدمات طبقا للفصل 14 من الأمر عـ501دد لسنة 1997 المشار إليه أعلاه والذي قدّم اسمه للمتدخّل العمومي المعني المسؤوليّة حول محتوى صفحات وموزعي الواب الذين يقوم بإيوائهم في أنظمته، طبقا لأحكام مجلة الصحافة المشار إليها أعلاه......ويلتزم المدير بضمان مراقبة دائمة لمحتوى الموزعين المستغلين من قبل مزود الخدمات حتّى لا يقع تمرير معلومات مخالفة للنظام العام والأخلاق الحميدة. ويجب عليه المحافظة تحت مسؤوليته على نسخة من محتوى الصفحات ومن الموزعين الذين قام بإيوائهم وذلك في شكل وثائق مكتوبة وعلى وسائط مغناطسية مدة سنة بداية من تاريخ توقّف إرسالها لغاية تقديم الحجّة.وفي حالة غلق أو وقف إرسال خدمة ذات قيمة مضافة للاتصالات من نوع أنترنات يلتزم مزود الخدمة حالا بتسليم مجمل الأرشيف، وكل أجهزة قراءة هذه الوسائط إلى المتدخل العمومي المعني". ونصّ كذلك الفصل التّاسع من كرّاس الشّروط الضّابط للشّروط الخاصّة بوضع واستغلال الخدمات ذات القيمة المضافة للاتّصالات التّلماتيكيّة والسّمعيّة على نفس المبادئ، مع التّركيز على ضرورة أن يكون لكلّ خدمة من هذه الأصناف مدير يسأل عند الاقتضاء[51].
ويتلخّص من ذلك أنّ مزود الخدمة، وعادة ما يكون مزود الدخول والإيواء في نفس الوقت،  يعتبر مسؤولا على معنى مجلة الصحافة بالنسبة إلى المعلومات التي قام بإيوائها والمخالفة للقانون، وبذلك أعفى المشرّع التّونسي الفقه والقضاء من الاجتهاد في هذه الحدود، ونصّ بصفة صريحة على نفاذ مجلّة الصّحافة على الجرائم المرتكبة بواسطة شبكات ذات خدمة مضافة[52]. وبالتّالي يسأل مدير الخدمة عن جرائم الثّلب والشّتم والتّعريض على ارتكاب الجرائم ضدّ الممتلكات وضدّ أمن الدّولة وضدّ الأشخاص بما في ذلك التّحريض على التّباغض بين الأجناس والأديان والسّكان، كما تقدّم. ويعاب على هذا التّشريع وروده بكرّاس الشّروط المصادق عليه بقرار من وزير المواصلات، وكان من المطلوب أن يرد ذكره بنصوص تشريعيّة، حتّى إن اقتضى الأمر تنقيح المجلّة الجزائيّة أو النّصوص الخاصّة. ولكنّ حسن هذا التشريع أنه كان واضحا في مساءلة مزوّد الخدمة بداية، وإصراره على أن يكون لكلّ خدمة ذات قيمة مضافة مدير يسأل عند الاقتضاء. حيث عوّل المشرّع كثيرا على تدخّل مزوّد الخدمات، وطلب منه أن يراقب مسبّقا محتوى المعلومة، وإذا أخلّت هذه المعلومة بالحدود الجزائيّة، فيسأل بداية المسؤول عن هذه الخدمة، وهو المدير المعيّن والمعلوم من طرف المتدخّل العمومي، وهي قرينة قانونيّة يصعب دحضها[53]. ويتناسق هذا الاتّجاه مع عدّة نصوص أوروبيّة[54].
ونص كذلك الفصل 9 من كرّاس الشّروط الضابط للشروط الخاصة بوضع واستغلال الخدمات ذات القيمة المضافة للاتصالات من نوع أنترنات[55]على ما يلي: "..... كما يكون الحرفاء المشتركون في الخدمات من نوع أنترنات والمالكون للصفحات وللموزعين الذين تمّ إيواؤهم، مسوؤلين عن المخالفات لمقتضيات التشريع الجاري به العمل.....".
ويتلخّص من ذلك أنّ التشريع الجاري به العمل يبقى منطبقا على الأفعال التّي يرتكبها المستعمل وخاصة منه المجلّة الجزائيّة والقانون المتعلق بالملكية الأدبيّة والفنية ومجلّة الصّحافة و أحكام الملكيّة الصناعيّة [56]وحماية المستهلك،[57]والقانون المتعلق بالبيع عن بعد، والإشهار التجاري.[58]وجملة الجرائم التّي من الممكن ارتكابها بواسطة شبكات الاتّصالات الحديثة المبيّنة بالقوانين الجزائيّة.
ولم يكتف المشرع بالإطار التشريعي الموجود لتجريم المحتوى المعلوماتي المخالف، بل جاءت النصوص  القانونية الخاصة بتجريم المحتوى المعلوماتي منجمة على مرّ الأيام متى حصلت القناعة بضرورة تأطير الجرائم المستحدثة. فأصبح الاعتداء على الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية ولو في فضائها اللامادي جريمة على  معنى القانون عدد 63 لسنة 2004 المؤرّخ في 27 جويلية 2004[59]، كما أن الاعتداء على الأخلاق الحميدة الواقعة بواسطة المعلوماتية جريمة على معنى الفصل 226 مكرر م.ج بعد تنقيحها سنة 2004 [60]،  وأوردت مجلة الاتصالات الواردة بموجب القانون عدد 1 لسنة 2001 عدة جرائم لها علاقة بالاستعمال السيء لأجهزة الاتصالات. وكان المشرع منذ سنة 1994 وضع إطارا خاصا للبرامج المعلوماتية.
لكنّ المشرّع التونسي لم ينقح المجلّة الجزائيّة[61] أو النّصوص الخاصّة لجعلها تساير الجرائم المرتكبة بواسطة القنوات الحديثة[62]، ولربما يكون ذلك عائقا أمام تطبيق التشريع الجزائي الخاضع لمبدأ الشرعيّة[63]، الذي من نتائجه الرئيسية التأويل الضيّق للنص الجزائي[64]. وما يعاب على المجلّة الجزائيّة إجمالا أنّها لم تنصّ إلى حدّ الآن، وكقاعدة عامّة، على ارتكاب الجريمة بواسطة الشّبكات المعلوماتيّة، والحال أنّ ذكر الوسيلة هام في بيان العناصر المادية للجريمة[65]، على غرار ما أوردته مجلّة الاتّصالات في مؤاخذة  " كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العموميّة للاتصالات " بوجه عام[66]، أوعلى غرار بعض التّشاريع[67].  والحال أنّه من الممكن ارتكاب عدّة جرائم منصوص عليها بالمجلّة الجزائيّة بواسطة الشّبكات المعلوماتيّة المفتوحة وخاصّة منها جرائم الاعتداء على أمن الدّولة وعلى الأشخاص وجرائم الاعتداء على الأخلاق الحميدة والجرائم الأخلاقيّة بوجه عام خاصّة منها جرائم التّحرّش الجنسي والتّحريض على الخناء واستغلال جسد الطّفل وغير ذلك[68]. كما لم تعدّل المجلة الجزائية في اتجاه التنصيص على الوسائل المعلوماتية في ارتكاب الجريمة كما في صورة تدليس العملة الورقية بواسطة المعدات المعلوماتية[69] أو افتعال وصنع الشهادات بواسطة المعدات المعلوماتية[70]. فقد ينتظر أن ينص المشرع على هذه الوسائل مستقبلا أو أنّه حسم الأمر في شأنها واعتبرها عديمة التأثير على نظام التجريم والعقاب. لكنّ حدّة هذا الرّأي قد تتقلّص مبدئيّا بحكم وضوح النّصوص القانونيّة في عدّة جوانب:
-بالنسبة إلى جريمة التدليس: نصّ الفصل 172 من المجلة الجزائية كما هو منقح  بالقانون عدد 89 لسنة 1999 المؤرخ في 2 أوت 1999على أنّه "يعاقب بالسجن بقية العمر وبخطية قدرها ألف دينار كلّ موظف عمومي أو شبهه وكل عدل يرتكب في مباشرة وظيفته زورا من شأنه إحداث ضرر عام أو خاص وذلك في الصور التالية:
-بصنع كلّ أو بعض كتب أو عقد مكذوب أو بتغيير أو تبديل أصل كتب بأي وسيلة كانت سواء كان ذلك بوضع علامة طابع مدلس به أو إمضاء مدلس أو كان بالشهادة زورا بمعرفة الأشخاص وحالتهم.
-بصنع وثيقة مكذوبة أو تغيير متعمد للحقيقة بأي وسيلة كانت في كلّ سند سواء كان ماديا أو غير مادي من وثيقة معلوماتية أو إلكترونية وميكروفيلم وميكروفيش ويكون موضوعه إثبات حق أو واقعة منتجة لآثار قانونية".
معنى ذلك أن التدليس بالوثائق المادية أو الإلكترونية يمكن أن يحدث بأي طريقة ويدخل في ذلك الطرق المعلوماتية في إتمام التدليس. فإلى جانب كون هذا الفصل ينظم التدليس المعلوماتي أي التدليس بوثيقة إلكترونية بالصنع أو التغيير فإنّه تضمن بالمثل قاعدة أن تستعمل المعلوماتية في إتمام التدليس بسند مادي أو غير مادي.
-بالنسبة إلى الملكيّة الأدبيّة: إذا كان قانون الملكيّة الأدبيّة عدد 36 لسنة 1994 والمؤرّخ في 24 فيفري 1994كما هو منقح بموجب القانون عدد 33 لسنة 2009 المؤرخ في 23 جوان 2009 لم يعرّف العمل الفنّي فقد أورد بالفصل الأوّل منه جملة المصنّفات المعنيّة بحقّ التّأليف ومنع عرض هذه المصنّفات بجميع الوسائل بصفة عامة، ويدخل في ذلك ضمنيّا شبكة الأنترنات بطبيعة الحال، لأنّها في نهاية الأمر ليست إلاّ وسيلة عرض واتّصال. ومن هذه النّاحية يستوجب كذلك إيداع العمل الفنّي على معنى أحكام مجلّة الصّحافة[71].
-بالنسبة إلى مجلّة الصّحافة: إنّ مجلّة الصّحافة وإن رجع تاريخها إلى سنة 1975، فقد تضمّنت جملة من القواعد ما يسمح لها بالانطباق على أغلب وسائل التّرويج، بما في ذلك الشّبكات المعلوماتيّة، حيث جاء بالفصل 42 إشارة إلى هذه الوسائل بقوله " أيّة وسيلة أخرى من وسائل التّرويج "، ونصّ الفصل 72 على الجرائم المرتكبة بواسطة " الصّحافة أو بأيّ وسيلة أخرى من وسائل النّظر ".
كما أنّ مجلّة الصّحافة استوعبت معظم الجرائم المنصوص عليها بالمجلّة الجزائيّة، عندما نصّت على تتبّع أعمال التّحريض ضدّ أمن الدّولة الدّاخلي والخارجي وضدّ الهيئات الرّسميّة أوعلى ارتكاب السّرقة والقتل والنّهب والحريق وعلى إحدى الجرائم المنصوص عليها بالفصول 208 إلى 213 من المجلّة الجزائيّة والفصل 219 كذلك، والتّحريض على التّباغض بين الأجناس والأديان والسّكّان أو نشر أفكار قائمة على الميز العنصري أو التّطرّف الدّيني، إضافة إلى جملة من الجرائم تظلّ مرتبطة بأعمال النّشر والتّوزير ومنها نشر الأخبار الزّائفة والثّلب والشّتم ونشر الظّروف المحيطة بالجرائم المنصوص عليها بالفصول 201 إلى 240 م.ج والإعلام عن قضايا الثّلب والمداولات المتعلّقة بقضايا ثبوت النّسب والطّلاق والإجهاض[72]
-بالنسبة إلى حماية الحياة الخاصّة للطّفل: أورد الفصل 121 من مجلّة حقوق الطّفل عقابا " لكلّ من نال أو حاول النيل من الحياة الخاصّة للطفل سواء كان ذلك بنشر أو ترويج أخبار تتعلّق بما يدور بالجلسات التّي تعالج فيها قضايا الأطفال، وذلك بواسطة الكتب أو الصّحافة أو الإذاعة أو التّلفزة أو السّينما أو بأيّة وسيلة أخرى أو نشر أو ترويج نصوص صور من شأنها أن تطلع العموم على هويّة الطّفل."[73]
-بالنسبة إلى الجريمة الإرهابيّة: أورد المشرّع التّونسي بالفصل 52 (قديم) من المجلّة الجزائيّة بأنّها " توصف بإرهابيّة كلّ جريمة لها علاقة بمشروع فردي أو جماعي يستهدف النّيل من الأشخاص أو الممتلكات لغرض التّخويف والتّرويج. وتعامل معاملة الجرائم المتّصفة بإرهابيّة أعمال التّحريض على الكراهيّة والتّعصّب العنصري أو الدّيني مهما كانت الوسائل المستعملة." هذا وقد تدخّل المشرّع بموجب القانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرّخ في 10 ديسمبر 2003 المتعلّق بدعم المجهود الدّولي لمكافحة الإرهاب وألغى الفصل 52 واعتمد مفهوما موسّعا للجريمة الإرهابيّة وألغى الفصل 52[74]، لكنّه لم ينص على الوسائل المستعملة ولم تقع الإشارة إلى الشبكات المعلوماتيّة كوسيلة بل أشير إليها بوصفها محلّ اعتداء أي " ...الإضرار .....بالمنظومات المعلوماتيّة...".
وبالرّغم من جميع ذلك كان من اللاّزم بل من الضّروري الإشارة بالمجلّة الجزائيّة أو بمجلّة الصّحافة أو بقانون الملكيّة الفكريّة أو بمجلّة حماية الطّفل على الشّبكات الحديثة في الاتّصال والمعالجة على غرار عدّة تجارب، تلافيا لما قد يتطلّبه مبدأ التأويل الضيّق للنّص الجزائي وما قد يوجبه مبدأ الشرعيّة من ضوابط[75].
2- الإطار التشريعي بالنسبة إلى الاعتداء على الأنظمة المعلوماتية والمعطيات والتدليس المعلوماتي
أصل المعلوماتيّة في نظامها وبرامجها، ومن السهل القول إنّه بالإمكان الاعتداء على هذا النّظام في أيّ طور من أطواره، وتخريب سير عمله، أو إتلاف البيانات الموجودة به، وذلك هو أصل الجريمة المعلوماتيّة، أي أنّ الجريمة المعلوماتيّة وببساطة هي الاعتداء على نظام المعالجة الآليّة للبيانات. وقد اضطرّ القضاء في البداية إلى تطبيق النّصوص الجزائيّة العاديّة في السّرقة والاحتيال والإضرار بملك الغير لمعاقبة مثل هذه الأعمال ليقينه أنّها تمثّل عملا غير مشروع، وحمّل النّصوص الجزائيّة ما لا تطيق من تأويلات لإيقاع الممارسات المعلوماتيّة تحت طائلة النّص الجزائي[76].لكنّ المعلوماتيّة فيها من الجديد ما يخرج عن الضّوابط التّقليديّة ويطلب التّأطير الخاص.
وعلى غرار أغلب الدّول اعتمد المشرّع التّونسي قانونا خاصّا بالجريمة المعلوماتيّة بموجب القانون عدد 89 لسنة 1999 المؤرّخ في 2 أوت 1999 والمتعلّق بتنقيح المجلّة الجزائيّة، وعدّل الفصل 172 وأضاف الفصل 199 مكرّر والفصل 199 ثالثا في اتّجاه تجريم:
-النّفاذ أو البقاء غير الشّرعي بكامل أو بجزء من نظام البرمجيّات والبيانات المعلوماتيّة دون تأثير مضرّ (الفصل 199 مكرر م.ج فقرة أولى).
-النّفاذ أو البقاء غير الشّرعي بكامل أو بجزء من نظام البرمجيّات والبيانات المعلوماتيّة النّاجم عنه إفساد أو تدمير (الفصل 199 مكرر م.ج فقرة ثانية).
-الإفساد أو التّدمير العمدي لسير نظام معالجة معلوماتيّة (الفصل 199 مكرر م.ج فقرة ثالثة).
-إدخال بيانات بنظام معالجة معلوماتيّة بطرق غير شرعيّة من شأنها إفساد  البيانات التّي يحتوي عليها البرنامج أو طريقة تحليلها أو تحويلها (الفصل 199 مكرر م.ج فقرة رابعة).
-إدخال تغيير على محتوى وثائق معلوماتيّة أو إلكترونيّة أصلها صحيح بشرط حصول ضرر للغير (الفقرة أولى من الفصل 199 ثالثا م.ج).
-مسك واستعمال وثائق معلوماتيّة أو إلكترونيّة مدلّسة عن قصد (الفقرة الثانية من الفصل 199 ثالثا م.ج).
-صنع وثيقة مكذوبة أو تغيير متعمّد للحقيقة بأيّ وسيلة كانت في كلّ سند سواء كان ماديّا أو غير ماديّ من وثيقة معلوماتيّة أو إلكترونيّة وميكروفيلم وميكروفيش ويكون موضوعه إثبات حقّ أو واقعة منتجة لآثار قانونيّة (الفصل 172 م.ج فقرة ثالثة).
ويتّفق الفقه على تجريم الاعتداء على كامل النّظام أو جزء منه، لذلك نصّ المشرّع التّونسي على كامل أو جزء من النّظام، وعلى المعالجة الإلكترونية التّي تمثّل نتيجة محدّدة ومضبوطة، ويبدو أنّ المشرّع التّونسي يشترط أن يكون النّظام محميّا لذلك نصّ على ركن الشّرعيّة. لكنّها ليست القاعدة باعتبار أنّ مفهوم الشرّعيّة يمكن أن ينحصر في الجانب القانوني وليس في الجانب الفنّي، فيفهم من عدم الشّرعيّة عدم الإذن لا أكثر ولا أقلّ. والتّوجّه الأغلب على المستوى الدّولي أن تقرّر الحماية للأنظمة ولو لم تكن محميّة.
وقد حاول المشرع من خلال التنقيح الجديد التمييز بين التدليس المعلوماتي متى يكون الصنع أو التغيير شاملا للوثيقة الإلكترونية ذاتها وذلك بالفصلين 199 ثالثا و172 فقرة ثالثة والاعتداء على سرية وسلامة وجاهزية البيانات والاعتداء على المعطيات والنظام المعلوماتي بالفصل 199 مكرر.
وترتبط جرائم الاعتداء على الأنظمة المعلوماتيّة والمعطيات الإلكترونية، بنوع جديد من الإجرام المرتبط بوسائل حماية الأنظمة. حيث إنّ جرائم النّفاذ والالتقاط والاعتداءات بأنواعها، لا يمكن أن تطال الأنظمة المعلوماتيّة المحميّة إلاّ إذا تمّ خرق وسائل الحماية المستعملة. لذلك حرص المشرّع التّونسي على تنظيم هذا الجانب، سواء بالقانون عدد 83 لسنة 2000 المتعلّق بالمبادلات والتّجارة الإلكترونية (الفصل 48) أو بالقانون عدد 1 لسنة 2001 المتعلّق بمجلّة الاتّصالات (الفصل87)، وألقى بالمسؤوليّة الجزائيّة على كلّ من:
- استعمل بصفة غير مشروعة عناصر تشفير شخصية متعلقة بإمضاء غيره[77]. 
- استعمل أو صنع أو استورد أو صدر أو حاز لأجل البيع أو التوزيع مجانا أو بمقابل أو عرض للبيع أو باع وسائل أو خدمات التشفير أو أدخل تغييرا عليها أو إتلافها دون مراعاة أحكام الأمر المنصوص عليه بالفصل 9 من مجلّة الاتّصالات[78]. ويذكر أنّ المشرّع ضبط شروط وإجراءات استعمال وسائل أو خدمات التّشفير عبر شبكات الاتّصالات وتعاطي الأنشطة ذات العلاقة، تطبيقا لهذا الفصل، بموجب الأمر عدد 2727 لسنة 2001 المؤرّخ في 20 نوفمبر 2001 بداية، وأخيرا بموجب الأمر عدد 2639 لسنة 2008 المؤرّخ في 21 جويلية 2008[79].
ويتلخّص من ذلك أنّه من الممكن أن تتوارد الجرائم فيتمّ النّفاذ إلى الأنظمة المحميّة بواسطة استعمال وسائل تشفير على ملك الغير، ومن الممكن كذلك أن تلحق بالمتّهم جرائم الاعتداء على الأنظمة المعلوماتيّة والمعطيات الإلكترونية والجرائم المتعلّقة بوسائل التّشفير بدون ضمّ، خاصّة إذا لم يحترم المتّهم الذّي نفذ إلى الأنظمة المعلوماتيّة موجبات المصادقة على وسائل التّشفير على سبيل المثال.
كما وضع المشرع نصا خاصا بتزوير آداة الدفع الإلكتروني بموجب القانون عدد 51 لسنة 2005 حيث إنّ تزوير أداة تحويل إلكتروني أو استعمال أداة تحويل إلكتروني للأموال مزورة مع العلم بذلك وقبول تحويل أموال باستعمال أداة تحويل إلكترونية مزورة مع العلم بذلك يمثل جريمة حسب القانون الجزائي وتصل العقوبة في ذلك إلى عشرة أعوام والخطية بعشرة آلاف دينار، كما أنّ استعمال أداة تحويل إلكتروني دون إذن صاحبها أصبح يمثل عقوبة جزائيّة تصل العقوبة فيها إلى حدّ ثلاث سنوات والخطية بثلاث بثلاثة آلاف دينار.
ويذكر أنّ المشرّع التّونسي نقل أحكام القانون الفرنسي عدد 19 لسنة 1988 المؤرّخ في 5 جانفي 1988 المتعلّق بالتّزوير المعلوماتي في صياغته لأحكام الفصل 199 مكرّر والفصل 199 ثالثا والفصل 172 فقرة أخيرة من المجلّة الجزائيّة، لكنّه لم يحافظ على صياغة هذا النّص، كما أنّ الأحكام الواردة بالقانون الفرنسي قد تجاوزها التّطبيق بعض الشيء بشكل أضرّ بالمفاهيم المعتمدة بالقانون التّونسي. فالنّصّ الفرنسي اعتمد مسألة النّفاذ والبقاء وتدمير وفساد المعطيات والاعتداء على نظام المعالجة الإلكترونية وإدخال بيانات وتزوير وثائق إلكترونيّة واستعمالها بأيّة طريقة كانت. غير أنّ المشرّع التّونسي أبقى على جريمة البقاء والنّفاذ والفساد والتّدمير والاعتداء على النّظام وإدخال بيانات، ولم يعتمد المفهوم العام في تزوير الوثائق واستعمالها واقتصر على ذكر " تغيير وثيقة إلكترونيّة أصلها صحيح " تماشيا مع بعض الصّور الخاصّة الواردة بالمجلّة الجزائيّة، الأمر الذّي لم يكن متناسقا بالمرّة مع ما تتطلّبه الإعلاميّة ويُبقي على جملة من الجرائم خارج إطار التّجريم، كما إذا صنع الجاني وثيقة جديدة بعد اطّلاعه على وثيقة تابعة للغير واستعملها في شكلها الجديد دون أن تأتي تحت طائلة الفصل 172 فقرة أخيرة م.ج حيث ولئن نصت هذه الفقرة على "صنع وثيقة مكذوبة أو تغيير متعمّد للحقيقة بأيّ وسيلة كانت في كلّ سند سواء كان ماديّا أو غير ماديّ من وثيقة معلوماتيّة أو إلكترونيّة وميكروفيلم وميكروفيش ويكون موضوعه إثبات حقّ أو واقعة منتجة لآثار قانونيّة" فإن شرط الصناعة والإحداث بالفصل 172 م.ج يتعلق بالوثائق المثبتة للحقوق أي الوثائق التي تتضمن التزاما في نهاية الأمر وليس مجرد رخصة. أما ما كان في باب الفصول 193 إلى 199 ثالثا فمرده لافتعال واستعمال الرخص التي تخرج عن طبيعة الوثائق المقصودة بالفصل 172 م.ج، ولكن الفصل 199 ثالثا لم يورد معنى الصنع والإحداث، وقد عبّر المشرّع الفرنسي على هذه الحالة بقوله " كلّ شخص عمد إلى تزوير وثائق معلوماتيّة مهما كانت طبيعتها من شأنها إلحاق الضّرر بالغير يعاقب ......" ويعاقب كذلك " كلّ من استعمل هذه الوثائق المزوّرة...". وبذلك غفل التنقيح الجديد عن ذكر فعل الصنع  بالفصل 199 ثالثا م.ج، كما أنّ التنقيح الجديد لم يبرز حقيقة الاختلاف بين الوثائق الواردة بالفصل 199 ثالثا م.ج والأخرى المنصوص عليها بالفصل 172 فقرة ثالثة ولو أنه من الممكن الوصول إلى بيان الاختلاف، كما فعلنا، رجوعا للسوابق.
وينتقد هذا التّشريع الجديد كذلك في حدود أنّه لم يعتمد تعريفات واضحة للمفاهيم التّي استعملها والحال أنّها تمثّل الأساس في ضبط الرّكن المادي للجريمة، حيث استعمل المشرّع التّونسي بالفصل 199 مكرّر مفاهيم لا يتّفق حولها المختصّون للدّلالة على نظام المعالجة الآليّة للبيانات: système de traitement automatisé de donneés فتبنّى من جهة مفهوم " نظام البرمجيّات والبيانات المعلوماتيّة "، ومن جهة أخرى " نظام معالجة معلوماتيّة "، والحال أنّه لم يتعرّض للفرق بين المفهومين، ولا أظنّ أنّ المشرّع يفرّق بين المفاهيم المستعملة، خاصّة وأنّ النّص الفرنسي للفصل 199 مكرّر تبنّى مفهوما تقنيّا واحدا وهو: نظام المعالجة الآليّة للبيانات. وكان من المؤمّل أن يخيّر المشرّع التّونسي هذا التّوجّه السّليم.
واستعمل المشرّع التّونسي بالفصل 199 ثالثا عبارة الوثائق الإلكترونية أو المعلوماتيّة والحال أنّه لا وجود لفرق بين الوثيقة الإلكترونية والمعلوماتيّة. كما أنّ المشرّع التّونسي تبنّى مفهوم المعالجة المعلوماتيّة الذّي لا يتجاوز من الوجهة الواقعيّة نظم المعلوماتيّة التّي لا ترتبط بشبكة مواصلات، وقد تقرّر منذ مدّة وبعد نقاشات متواصلة تطبيق الجريمة الإعلاميّة حتّى بالنسبة إلى نظام تبادل المعطيات الإلكترونية وهو ما يعرف بالالتقاط البيني. لذلك كان من المستحسن لو تبنّى المشرّع التّونسي مفهوم نظام المعالجة الآليّة للبيانات لأنّه مفهوم عامّ يشمل جملة الصّور التّي مثّلت محور النّقاشات الفقهيّة والقضائيّة.
وإذا كان من الجائز تبرير ما أقدم عليه المشرّع التّونسي، فنقول إنّ المشرّع التّونسي تخلّى عن مفهوم نظام المعالجة الآليّة للبيانات بعلّة حرصه على التّفرقة الواضحة بين الاعتداء على البيانات ذاتها بالاطّلاع عليها أو إتلافها أو سرقتها بدون حقّ من جهة، والاعتداء على نظام المعالجة ذاته بتعطيله أو تحويره، وكان ذلك واضحا في إشارة المشرّع إلى نظام البرمجيّات من جهة والبيانات المعلوماتيّة من جهة أخرى. لكنّه كان يخيّر اعتماد المفهوم الفنيّ السّليم للإشارة إلى جملة الصّور والحالات، وهو نظام المعالجة الآليّة للبيانات. ومن هذه النّاحية كان من الضّروري التّدخّل لتنقيح الفصول 172 و199 مكرّر وثالثا.
والفائدة من جميع ذلك أن يقع التمييز بعناية بين جرائم الاعتداء على نظام المعالجة الإلكترونية بما في ذلك جرائم التدليس الإلكتروني وهو ما يحمل إلى وقوع الجريمة على ذات السند الإلكتروني صنعا وتغييرا ونفاذا وبين أن تستعمل المعلوماتية كوسيلة في الإجرام، فهي بذلك ليست محلّ الاعتداء وإنما وسيلته فتدخل في معنى الركن المادي المتمّم للجريمة. وإذا كان المشرع اكتفى في بعض الصور بإخضاع الإجرام المعلوماتي إلى التشريع الجاري به العمل دون إشارة إلى وسيلة المعلوماتية، فكيف كان تأويل محكمة التعقيب للنصوص الجزائية في غياب النصوص التشريعية الصريحة ؟
2-فقه القضاء
لا شكّ في أن التطبيقات الأولى لفقه القضاء كانت في اتجاه التمسك بالنصوص التقليدية في السرقة والخيانة والتحيل وما شابه ذلك كلما كان الاعتداء على الأنظمة المعلوماتية والمعطيات خاصة قبل أن يوجد النص الجزائي. وقد طرحت طرق الدفع الإلكتروني في البداية إشكالا على المستوى الجزائي في غياب نص التجريم. وما كان من الممكن تطبيق المبادئ العامة سواء في التدليس أو الافتعال لتعلق النصوص الجزائيّة الموجودة بالسندات الورقيّة ولم يكن يعتقد أنه من الممكن أن يكون السند الإلكتروني محلّ تدليس، ورغما عن ذلك اتجهت بعض المحاكم في حالات منعزلة إلى تطبيق النصوص العامة[80]، وذهبت بعض المحاكم الأخرى إلى تطبيق الجرائم الخاصة بالتشفير الواردة بنصوص خاصة بالرغم من خصوصية الجرائم الخاصة بالتشفير[81]. وذهبت بعض المحاكم كذلك إلى تطبيق الفصل 199 مكرّر من المجلّة الجزائية والحال أنه يتعلّق بالجرائم الخاصة بالأنظمة المعلوماتية ولا يشمل إجمالا الجرائم التي لها علاقة بالبطاقات البنكية المستعملة في التحويل الإلكتروني[82]. بل إنه حتى بعد اعتماد النصوص الخاصة في التدليس الإلكتروني وتجريم المحتوى المعلوماتي كثيرا ما تلجأ محاكم الأصل إلى النصوص العامة، والحال أن القاعدة الأصولية تقتضي أن يقدم النص الخاص على النص العام[83]، وقد سبق أن طرحت مسألة تقليد البرامجيات وسرقة مرمزات المصادر code source إشكالا أمام محاكم الموضوع[84]، وذهب البعض منها إلى تطبيق جريمة الخيانة والحال أن النصوص الخاصة بتكسير التشفير أو في حماية البرامجيات متوفرة. وكان من المفروض تقديمها. على أنه كثيرا ما تطرح الإشكاليات المتعلقة بالاعتداء على الأخلاق الحميدة بواسطة السندات الإلكترونية وكثيرا ما تجد المحاكم بالفصل 226 مكرر م.ج السند في ذلك ولم أن العقوبة قد لا تتناسب مع حجم الجرم.
والحقيقة أن محكمة التعقيب تعهدت في أكثر من مناسبة بالنظر في مسائل لها علاقة بالموضوع، وقد يكون ذلك بطريقة فرعية أو أصلية، ولكن المناسبات كانت قليلة بالنظر إلى فقه القضاء المقارن[85]، وتبدو القرارات المنشورة قليلة مع أنه من الممكن الإشارة إلى قرارات غير منشورة، وقد أمكن لمحكمة التعقيب من خلالها أن تمارس سلطتها في المراقبة والتوجيه. ومع ذلك من الممكن الإشارة إلى توجه واضح فيما يتعلق بالجريمة المعلوماتية واستعمال المعلوماتية في الإجرام من خلال الفصلول 199 مكرر و 199 ثالثا و172 فقرة أخيرة م.ج.
-قرارات منشورة : يمكن في هذا الباب الإشارة إلى القرار عدد 16065 الصادر بتاريخ 24 أفريل 2002 والقرار عدد عـ12545ـدد الصادر بتاريخ06 أكتوبر 2007 .
+ قرار تعقيبي عدد 16065 الصادر بتاريخ 24 أفريل 2002 منشور بالقضاء والتّشريع ديسمبر 2004 ص 165 وما بعد[86]:
تفيد وقائع القضية أن الجاني عمد إلى "فتح رموز سريّة لبطاقات رقميّة أصليّة مستعملة عادة من متعاقديها لالتقاط محطّات أرضيّة، وعلى ضوء تلك الرّموز السريّة المشفّرة قام بشحن بطاقات رقميّة غير مبرمجة عذراء بتلك الرّموز السريّة المستنسخة من البطاقات الرقميّة الأصليّة ثمّ قام بواسطة متّهم ثاني ببيعها."وكانت النّيابة العموميّة أحالت المتّهمين إلى المجلس الجناحي لمقاضاتهم من أجل " افتعال وثيقة معلوماتيّة ...ومسك واستعمال تلك الوثيقة." ونظرا إلى أن الفصل 199 ثالثا م.ج لم ينص على فعل الصنع  والافتعال قضت المحكمة الابتدائيّة ببنزرت بالقضيّة عدد 7245 بتاريخ 28-11- 2000  بعدم سماع الدّعوى وسارت محكمة الاستئناف ببنزرت في نفس الاتّجاه بالقضيّة عدد 747 بتاريخ 31 ماي 2001، بعلة عدم انطباق نصّ الإحالة. فتعقّبه ممثّل النّيابة العمومية ناعيا عليه " خرق القانون قولا بأنّ المحكمة متعهّدة بالأفعال لا بالإحالة وطالما ثبت من تصريحات المتّهمين أنّ الأوّل افتعل وثيقة والثّاني تولّى تسويقها للغير بغاية تسهيل الاطّلاع على برامج تلفزيّة مشفّرة هي على ملك الغير وتمّ التّسهيل للاطّلاع عليها بدون موافقة مالكها فإنّ هذه الأفعال تندرج ضمن ما درج على تسميته فقهاء القانون بالمشاركة في سرقة الاستعمال المنصوص عليها بالفصل 258 ق.ج طالبا على هذا الأساس النّقض والإحالة."لكنّ محكمة التّعقيب رفضت مطلب التّعقيب أصلا تحت عدد 16065 بتاريخ 24 أفريل 2002 بعلّة " أنّ المشرّع لم يحرم افتعال مثل تلك البطاقات وبالتّالي لم يحدّد أيّة عقوبة على كلّ من يعمد إلى تقليد أو افتعال أيّة بطاقة إلكترونيّة أو معلوماتية....ومن البديهي الوقوف عند عبارات النصّ الجزائي وعدم التّوسّع فيه عملا بالمبدأ القائل بأن تأويل النّصّ الجزائي يكون ضيّقا وإن حصل يجب أن يكون لصالح المتّهم.....وحيث إنّ اقتصار نصّ الإحالة على تجريم فعل التّغيير فقط دون الافتعال يجعل ما نعاه ممثّل النّيابة العامّة على القرار المخدوش فيه يفتقر إلى السّند الصّحيح ضرورة أنّ مقتضيات الفصل 258 م.ج المتعلّق بسرقة الاستعمال تستوجب شروطا خاصّة حدّدها المشرّع وأوضحها عمل المحاكم وأنّ ما أتاه المتّهمان من أفعال لا يمكن صهرها في مجال النصّ القانوني المشار إليه لانعدام الأركان القانونيّة المستوجبة لها. وحيث طالما أنّ فصل الإحالة اقتضى معاقبة من يدخل تغييرا على وثيقة معلوماتيّة أصلها صحيح ولا ينصّ مطلقا على معاقبة من يفتعل تلك الوثيقة يكون القرار المنتقد حين قضى على النّحو المصرّح به في طريقه قانونا[87]."
وفضل هذا القرار أنه أقر بتقديم النص الخاص عن النص العام[88] وفصل بوضوح بين جريمة الفصل 199 ثالثا وجريمة الفصل 172 فقرة أخيرة م.ج وأبرز خلو الفصل 199 ثالثا من جريمة تدليس الوثائق الخارجة عن حدود الفصل 172 م.ج. حيث بين أنّ الفصل 199 ثالثا هو النص المنطق وليس ثمة غيره من النصوص العامة، ولم تشر إلى الفصل 172 م.ج الذي تضمن جريمة التدليس المعلوماتي بالصنع والتغيير لوعيها بأن الفصل له مجال مخصوص بطبيعة الصكّ سند التدليس، فلا بد أن يكون الصكّ مثبتا لحق أو واقعة منتجة لآثار قانونية. وأكدت على عدم تضمين بيانات الفصل 199 مكرر أو الفصل  199 ثالثا لمعنى الصنع بل أشار  الفصل 199 ثالثا فقط إلى معنى التغيير لسند أصله صحيح.
وفضل هذا القرار كذلك، ولو بصفة ضمنية، أنه لم يعتمد القواعد الخاصة بالتشفير حيث إن التشريع التونسي لا يعترف إلا بالإمضاء الإلكتروني المعروف بالتشفير التماثلي دون بقية الطرق في الإمضاء وخاصة منها الرقم السري والإمضاء الاصبعي، وقد كانت هذه البطاقات تعتمد على الأرقام السرية في طريقة الإمضاء، فما كان من الممكن اعتبار الاعتداء على هذه البطاقات من قبيل الاعتداء على الإمضاء الإلكتروني والحال أن المشرع التونسي لا يعترف قانونا بهذه الطريقة بل إن مجالها هو اتفاق الأطراف لا غير، مع تحمل الطرفين للآثار السلبية لهذا الاستعمال. علما  أنّ التغيير المقصود بالفصل 199 ثالثا هو التغيير الحاصل بوثيقة إلكترونية أصلها صحيح، وليس بوثيقة مادية ورقية، وعادة ما يقترن فعل التغيير بالاعتداء على وسائل الإمضاء التابعة للغير إذا كانت الوثيقة محمية.
وفضل هذا القرار أخيرا أنه ميّز، ولو بصفة ضمنية، بين جرائم الاعتداء على المعلوماتية وكون الإعلامية وسيلة في الاعتداء، فلا مجال لمؤاخذة الفاعل من أجل الاعتداء على المعلوماتية إلا بنص سابق الوضع ولا يمكن للنصوص التقليدية في السرقة والتحيل والخيانة وغيرها أن تفي بالحاجة. فليس في الاعتداء على المعلوماتية تغيير في الوسيلة فحسب، بل هو غرض مستحدث ينتج جملة من الأركان الجديدة لا تقدر النصوص التقليدية على تجريمها ويتطلب المؤاخذة صراحة بنص جديد يضمن به أركان الجرائم المستحدثة.
والواضح أنّ محكمة التعقيب بهذا القرار اطمأنت إلى معنى التأويل اللفظي للنصّ الجزائي ولم تأخذ بمعنى التأويل بعلّة النصّ لظنها حقًا أنّ الأخذ بالعلة في هذه الصورة ينتهي إلى تجريم فعل غير مذكور بالنص وهو فعل الصنع، وهو ما يخرج بطبيعة الحال عن مجرد تغير الوسيلة.
ولكن وقائع القرار تدلّ على أنّ هذه الشّبكة، شبكة البرامج التلفزية الخاصة، تُعدّ شبكة خاصّة ولا يمكن النّفاذ إلي خدماتها إلاّ بموجب اشتراك مسبق وهي ضمن شبكات الأقمار الصّناعيّة التّي تستند في عملها لنظام معالجة إلكترونيّة، ورغم أنّ المحكمة كيفت البطاقات المستعملة على أنها تُعدّ بطاقات إلكترونيّة  ومع ذلك فقد أخلي سبيل المتّهين ولم يؤاخذوا من أجل النّفاذ أو البقاء. صحيح أنّ المشرّع لم يعتمد مفهوم الصنع والافتعال بالفصل 199 ثالثا م.ج ولكنّه كان بالإمكان معاقبة المتّهمين من أجل النّفاذ غير الشّرعي وهي جريمة مضمنة بالفصل 199 مكرر م.ج. كما أنه كان من الممكن إخضاع الوقائع لأحكام الفصل 172 فقرة ثانية الذي تضمن واقعة الصنع والافتعال لوثيقة إلكترونية لأن البطاقات المزودة بأرقام مدلسة ليست مجرد رخصة وقد تقع في حكم الحق إنشاءً أو إثباتا. ولكنّ صياغة النّصوص الجزائيّة بتلك الطّريقة ساهم بقسط كبير في تناقض الحلول المعتمدة.
+القرار  عـ12545ـدد الصادر بتاريخ06 أكتوبر 2007  نشرية محكمة التعقيب لعام 2007 القسم الجزائي ص 371: يستفاد من أوراق القضيّة أنّ المتهمين عمدا إلى تدليس شهائد طبية بواسطة الإعلامية وقد تعودا على تسليم هذه الوثائق للتّلاميذ بالمدرسة الاعداديّة. وبعد إنهاء الأبحاث أحيل المتهمان إلى المجلس الجناحي لمقاضاتهما من أجل تغيير شهادة أصلها صادقة وحقيقيّة طبق الفصل 199 م.ج. فقضت المحكمة الابتدائيّة في حقّهما بعدم سماع الدّعوى بتاريخ 14/ 12/ 2005 تحت عدد 5043. وباستئناف النّيابة العموميّة قضت محكمة الاستئناف بالمنستير تحت عـ5378ــدد بتاريخ 5- 10- 2006 نهائيّا غيابيّا بقبول الاستئناف شكلا وفي الأصل بإقرار الحكم الابتدائي. فتعقّبه الوكيل العام بالمنستير ناسبا له خرق القانون وضعف التّعليل وتحريف الوقائع حيث بالرّغم من حجز الشّهادتين الطبيتين وقيام الحجّة على إقامتها من قبل المظنون فيهما قضت محكمة القرار المطعون فيه بعدم سماع الدّعوى بحجّة أنّ الفصل 199 من المجلّة الجزائيّة يعاقب كلّ من يتعمّد استعمال شهادة مدلّسة وكلّ من يدلّس شهادة من هذا النّوع أصلها صحيح. إلاّ أنّه بالرّغم من حجز تلك الشهائد فلم يقع استعمالها ولم يقع تدليسها ولم يطرأ عليها أيّ تغيير ممّا يجعل الجريمة المحال من أجلها المتّهمين مجرّدة ضرورة أنّ الرّكن القانوني غير متوفّر في قضيّة الحال. وكان من اللاّزم على محكمة القرار المنتقد زيادة التّدقيق بتكليف أهل الخبرة واعتماد أقوال الشّهود للقول بإدانة المظنون فيهما. أمّا وقد أضربت عن ذلك، فقد جاء قرارها خارقا للقانون وضعيف التّعليل محرّفا للوقائع.
إلا أن محكمة التعقيب قضت بالرفض بعد أن تأكدت من "أنّ المتّهمين عمدا إلى معالجة شهائد طبيّة تابعة لطبيبة معينة إلكترونيّا بشكل يؤدّي إلى صياغة شهائد طبّية فارغة مع نقل الإمضاء والطّابع أسفلها بطريقة التّصوير التّفرّسي، ثمّ تُستخرج لتسلّم إلى من يريد استعمالها بتعمير الفراغ كما يريد". واعتبرت أن هذه المعالجة الإلكترونيّة يعبّر عنها بصناعة وثيقة إلكترونيّة جديدة". وردّت على ذلك الأساس المطاعن قولا "إنّ نصّ الإحالة ليس له أيّة علاقة بحقيقة الوقائع ضرورة أنّ الفصل 199 م.ج لا يشمل إلاّ صناعة شهادة جديدة أو تغيير شهادة أصلها صحيح أو استعمالها بطريقة يدويّة وماديّة. وجاء المشرّع التّونسي بنصّ خاص في الجريمة المعلوماتيّة وهو الفصل 199 مكرّر. وكان من الممكن إحالة المتّهمين بناء على هذا الفصل. غير أنّ المشرّع التّونسي أبقى من خلال الفصل 199 مكرّر على جريمة البقاء والنّفاذ والفساد والتّدمير والاعتداء على النّظام وإدخال بيانات، ولم يعتمد المفهوم العام في تزوير الوثائق واستعمالها واقتصر على ذكر " تغيير وثيقة إلكترونيّة أصلها صحيح " تماشيا مع بعض الصّور الخاصّة الواردة بالمجلّة الجزائيّة والمتعلّقة بالافتعال المادي، الأمر الذّي لم يكن متناسقا بالمرّة مع ما تتطلّبه الإعلاميّة ويُبقي على جملة من الجرائم خارج إطار التّجريم، كما إذا صنع الجاني وثيقة جديدة بعد اطّلاعه على وثيقة تابعة للغير واستعمالها في شكلها الجديد دون أن تأتي تحت طائلة الفصل 172 فقرة أخيرة م.ج، كما في صورة الحال. ويعبّر عن هذه الحالة " بالتّعمّد في تزوير وثائق معلوماتيّة مهما كانت طبيعتها من شأنها إلحاق الضّرر بالغير." وحيث رغم أنّ هذه الصّيغة وردت بالفصل 172 من المجلّة الجزائيّة المتعلّق بمؤاخذة أعمال التزوير التّي تطال الحجّة الرّسميّة والعقود والكتائب، إلاّ أنّها تبقى بعيد ة عن إطار الجريمة موضوع التّتبع الحالي لتعلّقها بمجرّد شهائد طبّيّة. وحيث تجاوزا لأقوال الشّهود ولما حجز عن المعقّب ضدّهما ولما يمكن أن يُؤذن به من اختبار، فقد غاب الرّكن الشّرعي في وقائع الحال".
ويؤكد هذا القرار على نفس التوجه وهو أن الفصل 199 ثالثا لم يعتمد معنى الافتعال والصنع وأن جريمة الفصل 199 ثالثا تختلف عن جريمة الفصل 172 فقرة أخيرة م.ج. ولكن هذا القرار يبين بوضوح كيف أن بعض محاكم الأصل مازالت متمسكة بالنص العام بالرغم من توفر النص الخاص، حيث سبق أن أحيل المتهم على أساس الفصل 199 م.ج الذي لا يشير إلى الوثائق الإلكترونية. وفضل هذا القرار أنه ميز بوضوح ولأول مرة بين الجرائم الواردة بالفصل 199 ثالثا م.ج وفصلها بدقة عن جريمة التدليس الواردة بالفصل 172 م.ج مع الإشارة إلى أركان الجريمتين وهذا هو الجديد بهذا القرار.
ولكنّ هذا القرار اعتمد مفهوم التدليس الإلكتروني أي الصنع المكذوب لوثيقة إلكترونية أو تغيير في أصل صحيح ولم يعتمد مفهوم استعمال الوسائل المعلوماتية في ارتكاب الجريمة لوعيه أنّ المشرع لم يعدّل الفصول 193 و196 و199 م.ج في اتجاه التنصيص على الوسائل المعلوماتية المستعملة في ارتكاب الجريمة. وانتهى أخيرا إلى رفض المطلب لكون المشرع لم ينص بالفصل 199 ثالثا الخاص بالجريمة المعلوماتية على جريمة الصنع واقتصر على فعل إدخال تغيير على  محتوى وثائق معلوماتية أو إلكترونية أصلها صحيح.
والحقيقة أن تدليس شهادات طبية بواسطة الإعلامية ليس من قبيل الجريمة المعلوماتية، حيث لم تكن المعلوماتية محلّ اعتداء، بل هو من قبيل استعمال الإعلامية في الإجرام وهي مجرد وسائل حديثة في ارتكاب الجريمة لا تحدث تغييرا في أصل أركان الجريمة والغرض من وضع النص وكان من الممكن نقض القرار لو  اعتمدت محكمة القرار المنتقد طريقة التأويل بالعلة والغرض حتى مع عدم التنصيص بالفصل 199 م.ج على هذه الوسائل الجديدة في ارتكاب الجرائم الواردة بذات الفصل[89]. وهو ما يفيد أنّ محكمة التعقيب تمسّكت بهذا القرار كذلك بالتأويل الضيق للنص الجزائي ولم تشأ تطبيق الفصل 199 م.ج لعدم ذكر هذه الوسائل الحديثة في التدليس.
-قرارات غير منشورة: الحقيقة أن القرارات غير المنشورة كثيرة في هذا الجانب، ولكن ليقع خيارنا على الأهم منها توضيحا لهذا التمييز بين جريمة الفصل 199ثالثا وجريمة الفصل 172 فقرة أخيرة وبين أن تكون المعلوماتية وسيلة أو معتدى عليها.
فقد جاء في القرار الجزائي عـ53290ـدد الصادر بتاريخ 27 مارس 2010 أنّ المتهم تعمد ترويج مجموعة من الأوراق النقدية من فئة 10 دنانير بعد معالجتها وصنعها إلكترونيا. فقررت النيابة  العمومية فتح بحث تحقيق  انتهى بالإحالة على دائرة الاتهام التي قررت بتاريخ 9/ 10/ 2008 تحت عدد 6536 إحالة المتهم على الدائرة الجنائية لمقاضاته من أجل تدليس العملة الورقية الرائجة قانونا بالجمهورية التونسية والمشاركة في وضعها وعرضها طبق الفصل 185 م[90]. وبعد نشر القضيّة بجلسات دوريّة اقتضاها سيرها الطّبيعي قضت المحكمة بتاريخ 11 مارس 2009 تحت عدد 4384 ابتدائيّا حضوريّا باعتبار الأفعال المنسوبة للمتهم من قبيل التحيل على معنى الفصل 291 م.ج  وسجنه من أجل ذلك مدة عامين. وباستئنافه قضت محكمة الاستئناف  تحت عــ4698ـدد بتاريخ 26/ 5/ 2009 نهائيّا حضوريّا بقبول الاستئناف شكلا وفي الأصل بإقرار الحكم الابتدائي في جميع ما قضى به مع إكمال نصه وذلك بإسعاف المتهم بتأجيل تنفيذ العقاب البدني وتحذيره مغبة العود خلال المدة القانونية بعلة أن "تدليس العملة يقتضي في ركنه المادي نوع من الحرفية المتقدمة وليس فقط المعالجة الإلكترونية مع أنها عرفت التدليس إجمالا بأنه كل تغيير للحقيقة بنية الإضرار بالغير وذلك توصلا لاعتبار الأفعال من قبيل التحيل"، فتعقّبه الوكيل العام   ناسبا له الخطأ في تطبيق القانون وضعف التعليل حيث انتهت محكمة القرار المنتقد إلى اعتبار الأفعال من قبيل التحيل في غياب الركن المادي لتدليس عملة الذي يقتضي قيام التدليس بطريقة حرفية تحاكي الأصل وليس فقط نسخ الأوراق على آلة حاسبة والحال أن مفهوم التدليس هو نفسه الوارد بالفصل 172 م.ج، وقد كانت الأفعال ثابتة بجانب المعقب ضده وطلب على ضوء ذلك النقض مع الإحالة.
فانتهت محكمة التعقيب إلى نقض القرار بعد أن ميزت جريمة التحيل عن جريمة تدليس عملة وبينت معنى التدليس المعلوماتي ومفهوم أن تستعمل المعلوماتية في التدليس على معنى الفصل 172 م.ج في فقرته الأخيرة.
فمقتضى الفصل 291 م.ج  أنّه يعاقب بالسجن مدّة خمسة أعوام وبخطيّة قدرها ألفان وأربعمائة دينار كلّ من استعمل اسما مدلّسا أو صفات غير صحيحة أو التجأ للحيل والخزعبلات التّي من شأنها إقناع الغير بوجود مشاريع لا أصل لها في الحقيقة أو نفوذ أو اعتماد وهمي أو التي من شأنها بعث الأمل في نجاح غرض من الأغراض أو الخوف من الإخفاق فيه أو وقوع إصابة أو غيرها من الحوادث الخياليّة ويكون قد تسلّم أو حاول أن يتسلّم أموالا أو منقولات أو رقاعا أو ممتلكات أو أوراقا ماليّة أو وعودا أو وصولات أو إبراءات واختلس بإحدى هذه الوسائل أو حاول أن يختلس الكلّ أو البعض من مال الغير. ورأت المحكمة أنه "لا شكّ في أنّ جريمة التّحيّل جريمة متشعّبة تتوفّر أركانها بتوفّر إحدى العناصر المبيّنة تفصيلا بالنص. ففيها ركن مادي يقتضي استعمال طرق احتياليّة تنتهي بتسليم الشيء موضوع التّحيّل وهو تصرّف غير مألوف على ما تقدّم وركن معنوي وهو نيّة التّحيّل. فيجب أن يلجأ المتحيّل إلى استعمال طرق احتياليّة بمعنى أن يستعمل اسما مدلّسا أو صفات غير صحيحة أو خزعبلات وحيل، ولا يُكتفى بالصمت والكتمان للقول بالحيل والخزعبلات بل لا بدّ من أعمال خارجيّة ولا يُكتفى بالكذب بل لابدّ من أعمال خارجيّة بمعنى توفّر المظهر الخارجي الذّي يكسب الكذب لون الحقيقة قينخدع بها المجني عليه، كما في صورة وجود إخراج مسرحي أو استعمال وثائق غير حقيقيّة أو الاستعانة بشخص لتأييد أكاذيب الجاني، معنى ذلك أن تتوفّر علامات موضوعيّة تقنع الإنسان المجرّد فيقع في الخديعة بعيدا عن الاعتبارات الشخصيّة، فهو تحليل موضوعي لا يستند لاعتبارات شخصيّة. ولهذه الطّرق الاحتياليّة غاية في الإقناع بوجود مشاريع وهميّة أو الإقناع بوجود نفوذ أو اعتماد وهمي أو بعث الأمل في نجاح غرض من الأغراض. والنّتيجة في جميع ذلك تسليم الشيء موضوع التّحيّل بصفة إراديّة، فقد يكون الموضوع أموالا أو منقولات أو رقاعا أو أوراقا ماليّة أو وصولات أو إبراءات. وينحصر الركّن المعنوي في إدراك الجاني لحقيقة أفعاله وعواقبها ووعيه باستعمال طرق غير شرعيّة بهدف الاستيلاء على أموال الغير، وذهب بعضهم إلى حصر الركّن المعنوي في حقيقة الأضرار النّاتجة عن التّسليم. وهو ركن يوجب الإثبات ويبقى خاضعا لاجتهاد المحكمة تستنتجه من الطّرق الاحتياليّة المستعملة ولا رقابة في ذلك لمحكمة التّعقيب شرط التّعليل".
ومقتضى الفصل 185 م.ج  أنه "يعاقب بالسجن بقية العمر كل من يدلس أو يغير العملة الورقية الرائجة قانونا بالجمهورية التونسية أو يشارك في وضع أو عرض تلك العملة المدلسة أو المغيرة أو في إدخالها إلى التراب التونسي". ورأت محكمة التعقيب في ذلك "أنّ أية عملية تدليس أو تغيير للعملة أو وضعها أو عرضها أو إدخالها إلى البلاد التونسية يمثل الركن المادي لجريمة الفصل 185 م.ج، وإذا كانت أعمال التغيير والوضع والعرض والإدخال واضحة ولا تطرح إشكالا من حيث الواقع، حيث إن التغيير يحمل إبدال حقيقة العملة والوضع صنعها أول مرة وعرضها تقديمها للتسويق وإدخالها توريدها، فإن مفهوم التدليس عادة ما يثير بعض الإشكاليات إذا اشترطت المحكمة حرفية متقدمة في التدليس ولم تكتف بعمل التدليس المادي ولم تعتبر معنى استعمال الوسائل الإلكترونية في التدليس.
وأخذت محكمة التعقيب بمضمون الفصل 172 في فقرته الأخيرة قولا  " إن التدليس الوارد بالفصل 185 هو ذات التدليس الوارد بالفصل 172، وينطبق عليه نفس التعريف الداخل في ذلك. بل أكثر من ذلك فقد اعتمد المشرع منذ سنة 1999 مفهوما للتدليس الإلكتروني واعتبر الفصل 172 م.ج بعد تنقيحه بموجب القانون عدد 89 لسنة 1999 المؤرخ في 2 أوت 1999التدليس في "صنع وثيقة مكذوبة أو تغيير متعمد للحقيقة بأي وسيلة كانت في كلّ سند سواء كان ماديا أو غير مادي من وثيقة معلوماتية أو إلكترونية وميكروفيلم وميكروفيش ويكون موضوعه إثبات حق أو واقعة منتجة لآثار قانونية".  وبذلك المعنى فإن استعمال الوسائل الإلكترونية في صنع العملة أو تغييرها إنما هو تدليس وهو المعنى الذي قصده المشرع بالفصل 185 م.ج في تعريف تدليس عملة. وحيث ولئن كان التكييف مسألة قانونية تأتيها محكمة الموضوع في إطار اجتهادها المطلق فقيدها أصول الجريمة وضوابطها وحدّ النص القانوني ومجمل الأحكام الجزائية. وحيث إن في اعتبار الأفعال المنسوبة للمتهم من قبيل التحيل وطرح أحكام الفصل 185 وما جاء به من أحكام وتجاوز معنى التدليس الإلكتروني، مع الاختلاف الواضح بين جريمة الفصلين 185 و291 م.ج، خرق للقانون وضعف للتعليل".
والواضح من خلال هذا القرار أن محاكم الأصل مازالت تأخذ بالنصوص العامة مع توفر النص الخاص، لكن فضل هذا القرار أنه أخذ بالمعنى الصحيح للتدليس الإلكتروني وبين أركانه وميزه على الجرائم المرتكبة بواسطة المعلوماتية، والحقيقة أنه كثيرا ما ترددت هذه المفاهيم الصحيحة للتدليس على معنى الفصل 172 م.ج سواء بقرارات منشورة[91] أو غير منشورة[92]. وقد سبق للدوائر المجتمعة بمحكمة التعقيب أن أعطت مفهوما دقيقا للتدليس[93].
ولكنّ هذا القرار  لم يعتمد في الحقيقة مفهوم التدليس الإلكتروني أي الصنع المكذوب لوثيقة إلكترونية أو تغيير في أصل إلكتروني صحيح، ولو أنه كان من الممكن اقتباس هذا المفهوم من خلال أحكام الفصل 172 فقرة أخيرة م.ج كما هي منقحة سنة 1999 واعتمد مفهوم استعمال الوسائل المعلوماتية في ارتكاب الجريمة حسب المفهوم الوارد بالفصل 172 م.ج ولم يكتف بالإشارة إلى أحكام الفصل 185 م.ج لوعيه أنّ المشرع لم يعدّل الفصول 185 وما بعد م.ج في اتجاه التنصيص على الوسائل المعلوماتية المستعملة في ارتكاب الجريمة. فلا يمكن للمحكمة أن تجد كفاية بالفصل 185 م.ج في تدليس العملة الورقية في غياب التنصيص الواضح على استعمال الوسائل المعلوماتية في التدليس حيث إنّ الوسائل المستعملة في الجريمة تدخل في بيان الركن المادي للجريمة، فلا يمكن أن يذهب التفكير تأويلا إلى اعتماد الوسائل المعلوماتية في التدليس بحكم شرعية الجرائم وقاعدة التأويل الضيق للنصّ الجزائي إلا إذا أخذنا بالمفهوم الوارد بالفصل 172 م.ج الذي نص صراحة على استعمال جميع الوسائل في التدليس، وبذلك أخذت محكمة التعقيب في هذا القرار.
وما أخذت به المحكمة حقيقة لا يتعدّى التعريف القانوني في استعمال الوسائل المعلوماتية في ارتكاب جريمة التدليس لفهم معنى عبارة التدليس الواردة بالفصل 185 م.ج دون الأخذ بعناصر وأركان التدليس الإلكتروني على معنى الفصل 172 م.ج. وهو تأويل مقبول لعبارة التدليس الواردة بالفصل 185 م.ج. حيث جاء بالفصل 172 م.ج أنّ التدليس، بمعنى الصنع والتغيير والتبديل المكذوبين، يمكن أن يقع  "بأي وسيلة كانت".
ولكنّ محكمة التعقيب بهذا التوجه دعمت توجّه التأويل الضيق للنص الجزائي، فلم تكتف بعبارات الفصل 185 م.ج في مؤاخذة الجاني حيث لم ينص هذا الفصل على استعمال الوسائل الحديثة في التدليس، واضطرت إلى إبراز المفاهيم الواردة بالفصل 172 م.ج للتأكيد على أنّ التدليس يمكن أن يتحقق بجميع الوسائل كما ورد بالفصل 172 م.ج، وما كانت لتلجأ لذات الفصل لو أنها اعتمدت طريقة التأويل بالعلة.
فإذا كان مبدأ الشرعية يقتضي أن يرد النص التشريعي مبينا للتجريم والعقاب بتحديد الأركان والعقوبة وليس للقاضي من شأن في بيان ما اتصل بها، ومن آثاره أن تنحصر مصادر التجريم والعقاب في النصوص التشريعية[94] فتستبعد المصادر الثانوية مثل العرف وقواعد العدالة ومبادئ القانون الطبيعي، ولو أنها تبقى مصادر للقانون الجزائي وبالإمكان اعتمادها صراحة،  فإنّ للقاضي واجب تفريد العقوبة وتأويل القاعدة. حيث يقتضي مبدأ التفريد أنّ يتخير القاضي انطلاقا من المبادئ والأحكام الجزائية المنصوص عليها العقوبة الملائمة للجاني، كما أنّه لا يمنع على القاضي تأويل القاعدة الجزائية بهدف تحديد مقصد الشارع من خلال المعاني والألفاظ المستعملة ومدلولاتها توصلا لتطبيق النص على الوقائع المعروضة أمامه، وفي ذلك طريقتان التحليل اللفظي للنص وتحديد علّة النصّ. ومقتضى التحليل اللفظي أن يقف القاضي على معاني ودلالة اللفظ اصطلاحا ومفهوما، فيأخذ كلّ لفظ على حدة ثمّ يأخذ بالمعنى الإجمالي وله أن يعود في ذلك إلى الأعمال التحضيرية وإذا كتبت العبارة بعدة لغات فله أن يأخذ بهذه المعاني. وطريقة علّة النصّ أن يقف القاضي على الغرض الذي قصده المشرع من خلال التجريم، فمن خلال الغرض الذي أراد المشرع حمايته تتحدّد أركان الجريمة. معنى ذلك أن تحدّد الأغراض الذي أراد المشرع حمايتها وذلك ما يجب بيانه تأويلا وإذا ظهر الغرض استوت الوسائل المستعملة، كما في صورة أن يعاقب المشرع على جريمة العنف، فالغرض من ذلك هو حماية الجسد، ومن خلال هذا الغرض تتحدّد أركان الجريمة، فيستوي الأمر إن كان الاعتداء بواسطة الضرب أو الجرح أو اللكم. وتعتبر هذه الطريقة بقيّة النصوص القانونية الجزائية أي النظام العام الجزائي المعتمد من الدولة، فلا يجب أن يخالف التأويل قاعدة جزائية منصوصا عليها وتعتمد بالمثل المفاهيم والوسائل المنصوص عليها بنصوص أخرى غير النصّ الخاضع للتأويل. ومن خلال ذلك تكون نتيجة التأويل ثمرة المقارنة بين النصوص الجزائية دون الخروج عن النظام العام الجزائي. والمحصّل في ذلك أنّ تفسير النص الجزائي لا يقف بالضرورة عند اللفظ بل يتعداه إلى علّة النصّ توصلا لتحديد مقصد الشارع من النصّ، ولكنّ ذلك لا يحمل إلى إمكانية اعتماد القياس في المادة الجزائية، فثمّة فصل واضح بين إباحة التأويل بالعلة والقياس، حيث إنّ البحث عن مقصد الشارع هو بيان هذا المقصد من خلال النصّ التشريعي المتوفر فلا ينتهي مطلقا إلى القول بالتجريم والعقاب في واقعة لم يجرمها المشرع ولكنّ القياس قد يحمل إلى تجريم واقعة ليس فيها نص قياسا على نصّ جزائي موجود وذلك ما لا تأخذ به قواعد التأويل الجزائي[95].
وكان من الممكن تبعا لذلك أن تأخذ محكمة التعقيب بهذا القرار الأخير بغرض النص والاستفادة من التوجه العام للنصوص الجزائية، وهو التأويل بالعلة، فلمّا كان الغرض بالفصل 185 م.ج هو تجريم تدليس العملة وحماية العملة من التدليس، فتستوي في ذلك الطرق والوسائل. وكان من الممكن أن نقف عند هذا الحدّ[96]، وما كان من الضروري الإشارة إلى الفصل 172 م.ج في إمكانية التدليس بالوسائل الإلكترونية، ويكتفي الأخذ بغرض المشرع حتى ييسّر القول بأنّ التدليس الوارد بالفصل 185 م.ج يمكن أن يكون بالوسائل الإلكترونية[97]. وتلك هي طريقة التأويل بالعلّة التي قال فيها البعض إنها طريقة واسعة في تأويل النصّ الجزائي يُطلب اعتمادها لعجز النصّ عن الإشارة إلى جميع الوسائل المستحدثة في التجريم[98]. وما كانت  المحكمة لتحتاج إلى قاعدة التأويل بالعلة لو أن المشرع نصّ صراحة على الوسائل الحديثة في ارتكاب الجريمة[99].
والحقيقة أنّ محكمة التعقيب كانت أقرب في معظم الحالات إلى طريقة التأويل اللفظي للنصوص الجزائية ولم تطمئن إجمالا إلى طريقة التأويل بالعلة، وعادة ما يكون عدم ذكر الوسيلة الجديدة في ارتكاب الجريمة سببا في ترك السبيل أو حجة لتطبيق مفهوم الاعتداء على المعلوماتية عوضا عن مفهوم استعمال المعلوماتية في ارتكاب الجريمة. والفرق شاسع بين المفهومين، فإذا كان مفهوم الاعتداء على المعلوماتية يتطلب ضرورة نصوصا حديثة للقول بالتجريم باعتبارها جرائم حديثة لها جملة من الأركان المستحدثة لا تقدر النصوص التقليدية على ضمّها، فإن استعمال المعلوماتية في ارتكاب الجريمة لا يحتاج إجمالا إلى نصوص جديدة في التجريم إذا ما اعتمدنا طريقة التأويل بالعلة استنادا إلى الغرض من النص الجزائي، حيث تستوي الوسائل إذا بقي الغرض واحدا، وإن كان الأفضل تدخل المشرع بغاية التنصيص على الوسائل الحديثة في ارتكاب الجريمة.
ومع ذلك، فقد كان لمحكمة التعقيب دور هام في ضبط نظام الجريمة المعلوماتية من خلال هذا العدد القليل من القضايا ذات الطبيعة المعلوماتية وإبراز عدّة إشكاليات معلوماتية هامة خاصة ما يتعلق بالفصل بين أحكام الفصلين 172 فقرة ثالثة و199 ثالثا م.ج، وإذا كان الفرق واضحا في البعض بين أن يُعتدى على المعلوماتية وأن تكون المعلوماتية وسيلة في الاعتداء مع تغير الحكم، فإن البعض آخر خلط بينهما وذلك هو سبب الإشكال.



[1] Informatique : Science du traitement rationnel, notamment par machines automatiques, de l'information considérée comme le support des connaissances humaines et des communications dans les domaines technique, économique et social (définition approuvée par l'Académie française). Voir : Glossaire informatique des termes de la Commission ministérielle de terminologie informatique.   Voir : Arrêté  du 22 décembre 1981 relatif à l’enrichissement du vocabuilaire de l’informatique,JO du 17 janvier 1982.
[2]الحاسوب أو الحاسب الإلكتروني هو" جهاز معلوماتي للمعالجة الآليّة للبيانات يضمّ الأعضاء الضّروريّة لعمله المستقلّ "، فهو جهاز إلكتروني قادر على إتمام العمليّات المطلوبة بطريقة سريعة فيها من الحذق والصّناعة الكثير. وقد ظهر الحاسوب نتيجة لرغبة الإنسان في إيجاد آلة حاسبة لعمليات معقدة، تنجز عملها في أسرع الأوقات. وظهرت في البداية عدة تجارب لصناعة آلة حاسبة، وصنعت في أشكال كبيرة اعتمادا على قوة دفع ميكانيكية. وأول أساس للمجال الإلكتروني بدأ منذ سنة 1904 وانتهى في حدود سنة 1943 متى تمّ صنع آلة حاسبة إلكترونية، وتطوّر هذا المجال بسرعة فائقة.
ويقسّم الفنيّون تطوّر صناعة آلة الحاسوب إلى خمسة أجيال، حيث اعتمد في البداية على أنابيب مفرغة من الهواء، وخرج الحاسوب في أشكال ضخمة، ثمّ اعتمد على دارات التّرنزيستور circuit transistor، وفي مرحلة ثالثة استعملت الدّارات على شرائح puce التّي أصبحت في مرحلة رابعة شرائح من الذّاكرة وميكرومعالج  microprocesseur، وأمكن صناعة أجهزة صغيرة للمعالجة، وفي مرحلة خامسة أمكن صناعة أجهزة مزوّدة بذكاء اصطناعي متطوّر. وبالتّالي فإنّ الحاسوب مرّ من حجمه الكبير وضعف إتقانه إلى صغر حجمه ودقّة نشاطه. ولن يقف التّطوّر عند ذلك الحدّ بل بالإمكان أن يحقّق ذكاء الإنسان ما نجهله خلال هذه المرحلة.
وما يميّز هذا الحاسوب هو أنّه يعمل من خلال التّرابط الشّديد بين معدّاته الماديّة وبرامجه اللاّماديّة.-المعدّات المعلوماتيّة: وهي المعبّر عنها بالإنجليزيّة hardware وبالفرنسيّة matériel، وهي المعدّات المستعملة في إنجاز المعالجة أو " مجموعة العناصر الماديّة المستخدمة من أجل معالجة البيانات "، ويدخل في ذلك الجهاز المادي في حدّ ذاته ولوحة المفاتيح والفأرة والوحدة المركزيّة والآلة الطّابعة والتّمديدات الكهروبائيّة، وغير ذلك من المواد.
-برمجيّات الحاسوب : ويعبّر عنها بالنّظام الآلي للحاسوب، وهو المعروف في اللّغة الإنجليزيّة بـSoftware وفي اللّغة الفرنسيّة بـlogiciels، وهو " مجموعة البرامج والوسائل والقواعد واحتماليّا التّوثيقات، والتّي تسمح بمعالجة المعلومة بواسطة الحواسيب "،أو هو " مجموعة البرامج والوسائل والقواعد واحتماليّا التّوثيقات، المتعلّقة بعمل مجموع معالجة البيانات "، وهو في نهاية الأمر جملة الضّوابط اللاّماديّة التّي يعتمدها الحاسوب لإنجاز العمل المطلوب، فهو النّظام العام اللاّمادي لعمل الحاسوب بقواعده ووسائله وبرمجيّاته، أي النّظام المعلوماتي والدّماغ المفكّر للحاسوب، بحيث يستعصى بدونة أن ينطق الحاسوب.
ويعرف البرنامج في حدّ ذاته، الذّي هو أحد عناصر برمجيّات الحاسوب، بكونه " مجموعة من الإيعازات والأوامر المتسلسلة المقدّمة إلى الآلة الحاسبة بلغة وصيغة محدّدة لأداء مهمّة محدّدة." أو هو " مجموعة التّعليمات التّي تترجم خوارزميّة بعبارات ذكيّة تفهمها الآلة وتتعرّف عليها ". وعرّفته المنظّمة الدوليّة للملكيّة الفكريّة " بأنّه مجموع التّعليمات التّي بمجرّد نقلها في صورة أو لغة، يفهمها الجهاز، وتمكّن من الحصول على نتيجة أو مهمّة أو وظيفة وذلك بواسطة جهاز قادر على معالجة المعلومات."وتعتبر عمليّة إعداد البرنامج  programmation من الأمور المعقّدة شيئا ما، حيث يلزم صياغته بمرمّزات يدركها الحاسوب دون المساس من محتواه أو تغييره. وهي لغة مبنيّة على علم الخوارزميّة أي الطّرق المنطقيّة، انطلاقا من تحليل البيانات وانتهاء إلى الاستنتاج وضبط الوظائف المراد تحقيقها séquence، عبر وضع خطّة إجماليّة يبيّن بها مقاصد الرّموز المستعملة وما يوافقها من نشاط. وتصاغ جملة التّعليمات بلغة مشفّرة وهو ما يعرف بمرمّزات المصادر codes sources أو برنامج المصادر programmes sources، أي مجموعة الرّموز المكوّنة للبرنامج والمعلومات الضّروريّة لصيانته، ثمّ تصاغ في شكلها النّهائي وهو ما يعرف بمرمّزات الموضوع code objet أو مرمّزات البرنامج programme objet، وهي لغة يفهمها الحاسوب، على أنّ الغير لا يمكنه تغيير هذا البرنامج ما لم يتعرّف على مرمّزات المصادر.
وقد ظهر أخيرا نوع جديد من البرامجيات الحرّة لغاية تعميم الاستفادة، حيث إنّ صاحبه لم يخف مرمّزات المصادر بشكل يمكن تغيير نظام هذا البرنامج في الاتّجاه المطلوب، ويأتي على رأس ذلك ما يعرف ببرنامج linux.
وتنقسم برامج الحاسوب إلى برامج نظميّة logiciels systèmes، وبرامج تطبيقيّة logiciels d’application.
فالبرامج النّظميّة هي المتعلّقة بنظام الحاسوب مباشرة، وتنقسم بدورها إلى برامج قاعديّة logiciels de base، وبرامج تشغيليّة logiciels d’exploitation. وتتلخّص وظيفة البرامج القاعديّة، وهي المقترنة بنظام الحاسوب الدّاخلي، في تشغيل الوحدة المركزيّة للحاسوب unité centrale والكيان المنطقي لمعالج البيانات الصّغرى microprocesseur. وتتلخّص وظيفة البرامج التّشغيليّة في إدارة البيانات données وتشغيل محيط الذّاكرة الصّلبة hard disk.
أمّا البرامج التّطبيقيّة فهي مستقلّة مبدئيّا عن جهاز الحاسوب، وتتلخّص وظيفتها في أداء عمل مضبوط ومحدّد مسبّقا، مثل برنامج الألعاب jeux lodiciels وبرامج إدارة الحسابات والبرامج التّدريسيّة، إلى غير ذلك من البرامج. وتكون البرامج التّطبيقيّة مختصّة logiciels spécifiques أي موجّهة إلى عدد محدّد من المستهلكين وفي نشاط معيّن، أو نموذجيّة progiciels، وهي موجّهة إلى عدد غير محدّد من المستهلكين، وتأتي على جانب نموذجي من النّشاط البشري.
[3]يقصد بالمعالجة الآليّة للبيانات مجموعة العمليّات المحقّقة بواسطة الوسائل الأوتوماتيكيّة والتّي لها علاقة بجمع وتسجيل وتعديل وحفظ وتحطيم وبثّ المعطيات، واستغلالها بوجه عام، أي جميع العمليّات التّي يمكن أن يقوم بها الحاسوب، انطلاقا من إدخال المعطيات وجمعها، فتغييرها وتعديلاها، وإن شئنا حفظها أو إلغاءها، إلى غاية إخراجها من الحاسوب في اتّجاه الربط بوسائل إلكترونيّة أخرى.
ويعتمد الحاسوب لغة خاصّة في المعالجة وهي لغة البتّة code binaire أي أن تتحوّل جميع البيانات إلى أرقام متكوّنة من الصّفر والواحد، وهو ما يعرف بالرّقمنة numérisation، حيث تتحوّل الكتابة العاديّة إلى أرقام يفهمها الحاسوب، فالكلمة الواحدة، على سبيل المثال، يوافقها ثماني بتّات bits أي أكتي واحد un octet. وتنسحب هذه اللّغة الرقميّة على جميع التّعابير الثّقافيّة بما في ذلك الصّوت والصّورة والنّصوص. وهو الأساس في تخزين المعلومة بالبرامجيّات المستقلّة ومنها الأقراص المكتنزة  CDRom التّي بإمكانها أن تحمل عددا ضخما من البيانات على مساحة صغيرة، والمثل ينطبق على جميع المعدّات المعلوماتيّة. وقد ارتبط تقدّم المعلوماتيّة بمستوى الرّقمنة، وانتشر استعمالها، فأبقت عدّة تأثيرات على مستوى التّطبيقات، والمهمّ أن نعلم الآن أن الرّقمنة هي أساس المعالجة الإلكترونيّة.
[4]  جاء هذا التّعريف بالفصل الأول من مشروع الاتّفاقيّة الدّوليّة الخاصّة بالجريمة المعلوماتيّة( cybercriminalité).
[5]علي كحلون: المسؤولية المعلوماتية،مركز النشر الجامعي، ص. 10 وما بعد.
[6].شبكة تونس للتّجارة: لقد أورد قرار الوزير الأوّل المؤرّخ في 29 جوان 1996 المنقّح بالقرار المؤرّخ في 10 جانفي 1998 المتعلّق بضبط مخطّط التّأهيل المركزي لتعصير الإدارة تبادل المعلومات وتراسلها بالطّريقة الإلكترونية كخيار من خيارات التّوجّهات العامّة للإدارة التّونسيّة.
وقد اتّجهت النيّة منذ مدّة إلى بعث نظام مندمج يجمع بين المتدخّلين في نظام التّجارة الخارجيّة بواسطة وسائل طرفيّة، وقرّر المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 17 سبتمبر 1998 القيام بدراسة حول إمكانيّة إحداث هيكل مستقل تساهم الدّولة في أغلبيّة رأس ماله. وفعلا أنشئ هذا الهيكل.
وتعتبر الشبكة التّي تمّ بعثها، شبكة خاصّة ومغلقة، لا يمكن لأي متعامل أن يتداخل بنظامها إلاّ بواسطة الرّقم السّري الذّي يسند إليه مسبّقا، ويحمل كلّ منخرط معرّفا وحيدا يصاحبه في جميع معاملاته، وهي تضمن قدرة عالية من الدّقة والبيان، مثلها مثل الشّبكات الخّاصة الاخرى، سواء تعلّقت البيانات بهويّة الأشخاص أو بمحتوى المعلومة المنقولة، بحيث إذا تغيّر المعرّف الوحيد يتغيّر محتوى المعلومة المنقولة، ويكون هذا الرّمز السّري بمثابة الرّقم الذّي يخوّل الدّخول إلى الشّبكة، وفي نفس الوقت إمضاء إلكترونيّا يعرّف بهويّة المعني بالأمر وبمصادقته على الوثيقة الإلكترونية، في انتظار أن تعتمد هذه الشّبكات على وسائل التّشفير في الإمضاءات الإلكترونية.وتقدّم هذه الشّبكة خدمة الرّبط بين جميع المتدخّلين، أي المتدخّل والدّيوانة والبنوك ووزارة التّجارة ونقل المعلومة طبق الصّيغ الموجبة في العمليّات المتعلّقة بالتّجارة الخارجيّة، أي أنّها تضمن نقل الوثائق إلكترونيّا مع احترام الموجبات المحدّدة بالأمر عدد 1743 لسنة 1994 المؤرّخ في 29 أوت 1994 والأمر عدد 2470 لسنة 1997 المؤرّخ في 22 ديسمبر 1997، وقد جاء بقانونها الأساسي أنّها تسهّل وتبسّط المبادلات المتعلّقة بعمليّات التّجارة الخارجيّة بين المتدخّلين في إطار مشروع الإضبارة الوحيدة المحدث بمقتضى الأمر عدد 2470 لسنة 1997 المؤرّخ في 22 ديسمبر 1997.
[7].المقاصّة الإلكترونية: تتميّز الطّرق التّقليديّة في المقاصة بين البنوك بالبطء وعدم الآمان، حيث كانت المقاصّة أو "التّقاص" على حدّ تعبير المهنيّين تتمّ كلّ يوم بين أعضاء غرفة المقاصّة الموجودة بالبنك المركزي على أساس إسطوانات تعدّها الفروع البنكيّة لبيان عملها اليومي. لكنّ هذه الطّريقة لا تتماشى مع مقتضيات العولمة وموجبات الاستثمار وجلب رأس المال الأجنبي. لذلك كانت الحاجّة إلى نظام المقاصّة الإكترونيّة لمسايرة ما يشهده العالم من تغييرات، حيث إنّ النّظام الإلكتروني في المقاصّة يهدف أساسا إلى "إعطاء القطاع المصرفي الفرصة في تنظيم نظام مقاصّة يتناسب مع البيئة الحاليّة ومع نشاط المصارف في العالم، والسّماح لقطاع المصارف بأن يندمج بالحركة الإقتصاديّة العالميّة ويواكب تطوّر تقنيّات الاتّصال الحديثة، واستبدال نظام المقاصّة التقليدي بنظام يتناسب والمستويات الدّوليّة، واختصار فترة تنفيذ عمليّات المقاصّة التّي لا تتجاوز يومي عمل بعد تاريخ العمليّة، وضمان منافسة القطاع البنكي".
ولغرض تحقيق هذا النّظام تمّ إنشاء مركز للتّقاص الإلكتروني ليتولّى:" إدارة النّظام المركزي للتّقاص الإلكتروني بين المصارف، وإدارة ومراقبة الرّسائل الإلكترونية فيما بينها، وإدارة الأرشفة الإلكترونية لوسائل الدّفع التّي تمّت مقاصتها، وأرشفة الرّسائل وعمل نظام التّقاص الإلكتروني وجعلها آمنة." ويعتبر المركز مسؤولا عن صحّة جميع التّسجيلات الإلكترونية.وانتفع بهذا النّظام الحديث جميع البنوك التّونسيّة ومصالح البريد بهدف تعصير وسائلها وجعلها تواكب المستحدثات التّقنيّة، حيث إنّ النّظام الحديث يرتكز بالأساس على" تبادل البيانات الإلكترونية الخاصّة بوسائل الدّفع المطلوب إجراء التّقاص لها كذلك صور الشّيكات الممسوحة ضوئيّا باستخدام شبكة الاتّصالات، وإلغاء التّبادل المادي لوسائل الدّفع، والأرشفة الإلكترونية مع إمكانيّة الاطّلاع المباشر."وفي نهاية الأمر تعتبر طريقة المقاصة الإلكترونية طبق الصّورة المبيّنة شبكة خاصّة ربطت البنوك ومصالح البريد فيما بينها في جميع ما يتعلّق بالسحب والدّفع واستعمال الشّيكات والحوالات، وهي توفّر الأمان وتضمن السرّية بدرجة عالية، لأنّه ليس من الممكن الدّخول إليها إلا بواسطة أرقام سريّة لا يتحصّل عليها إلاّ من كان مأذونا.
[8] ولعلّ أشهرها ما يعرف بشبكة الاتّصالات العالميّة بين البنوك –SWIFT- society for wold wide inter bank financial télécommunications، وهي شركة معروفة على المستوى الدّولي في إطار المعاملات بين البنوك، وهي مثال لشبكة معلوماتيّة خاصّة، أين يتحقّق الأمان بدرجة عالية بفضل وضع نوع من الشّكليّات المعلوماتيّة في التّعامل، حيث تعتمد الشّبكة على منظومة التّرقيم التّعاقبي numérotation séquentielle للمراسلات، بمعنى أن المراسل الذّي اتّصل برسالة "n" على سبيل المثال لا يمكنه أن يتحصّل في وقت لاحق إلاّ على الرّسالة "n+1". وتطبّق الشّبكة نظاما محكما للمراسلات مضمونة الوصول اعتمادا على أنظمة معلوماتيّة، وقد عرفت نجاحا باهرا،ربّما لأنّها تتعامل مع مختصّين وذوي خبرة.
[9]ظهرت أول شبكة ( ARPANET ) في أواخر سنة 1960 بعد الأبحاث التي قامت بها وزارة الدفاع الأمريكية، التي كانت تأمل في إنجاز شبكة مواصلات تعمل حتى في زمن الحرب النّوويّة، فتوصلت إلى نظام يربط بين الحواسيب بعضها البعض بواسطة ممرات مختلفة، فإذا أتلف جزء معين من الشبكة أمكن للمعلومة أن تصل عبر ممرّات أخرى. وجمعت هذه الشّبكة في بدايتها أكبر المختبرات والجامعات الأمريكيّة، بما في ذلك وكالة الفضاء الأمريكيّة. وأمكن لعدّة جامعات ومؤسّسات دوليّة من الانخراط في هذه الشّبكة بداية من سنة 1973، فأصبحت الشّبكة دوليّة، وعرف ذلك بمشروع ربط الشّبكات INTERNET TING PROJECT، وسمّي النّظام الجديد باسم الأنترنات.
هذا وقد ظهرت منذ السّبعينات شبكات إعلامية أخرى مثل Transpac بفرنسا، لكنه كان ينتظر ابتكار طريقة مشتركة تسمح بجمع وربط الشبكات بعضها ببعض، فتمّ التّوصّل في سنة 1982 إلى بروتوكول خاص، سمّي ببروتوكول ضبط الإرسال الخاص ببروتوكول الأنترنات:
TRANSMISSION CONTROL PROTOCOL INTERNET PROTOCOL   TCP/IPوقد مكن ذلك من ظهور شبكة عالمية للحاسوب، وهي شبكة تتكون من شبكات إعلامية معقدة منتشرة في العالم أجمع, ولهذا الغرض تدعى الأنترنات: بشبكة الشبكات le reseaux des reseaux.
[10]ولعلّ البروتوكول الهام الذّي سمح بظهور شبكة الأنترنات هو بروتوكول:
TCP/IP Transmission Control Protocol - Internet Protocol
.بروتوكول  TCP/IP : يعتبر بروتوكول TCP/IP أي بروتوكول ضبط الإرسال الخاص ببروتوكول الأنترنات الأساس في تنظيم شبكة الأنترنات، فهو الذّي يضمن تنظيم ونقل البيانات والمعلومات على هذه الشّبكة.
فيعود لبروتوكول ضبط الإرسال TCP تنظيم المعلومة بمعنى تجزئتها إلى حزم أو كتل paquet بما تتضمّنه هذه المعلومة من بيانات لها علاقة بعنوان المرسل وعنوان المرسل إليه، أي تقسيم المعلومة إلى كتل مستقلّة، وله ضبط المعلومة وتنظيمها عند وصولها. لذلك يقال إنّ شبكة الأنترنات هي شبكة اتّصالات كتليّة، على خلاف شبكة الهاتف التّي يقال عنها أنّها شبكة اتّصالات دائريّة.
ويكفل بروتوكول الأنترنات IP نقل الكتل المعلوماتيّة من حاسوب إلى آخر بفضل نظام العناوين المعتمد، حيث إنّ كلّ حاسوب مرتبط بشبكة الأنترنات له بالضّرورة عنوانه الخاص.
.العنوان IP: فرض تنظيم شبكة الأنترنات على أن يكون لكلّ حاسوب مرتبط بهذه الشّبكة معرّف خاصّ به، يعرف بعنوان IP أي بروتوكول الأنترنات، وهو العنوان المعتمد في التّخاطب بين حاسوب وآخر، وهو عنوان رقمي بمعنى أنّ معانيه تحدّد بلغة البنطة bit والأكتة octet، ولكلّ عدد فيه له دلالاته على أهمّية العنوان، بحيث أنّ العناوين تنقسم إلى أصناف، فمنها ما هو هامّ وما هو متوسّط وما هو عادي.
لكنّ هذا العنوان لا يرتبط بالحاسوب بصفة دائمة، بل إنّ مزوّد الدّخول عادة ما يستعمل عدد قليل من العناوين لتلبية عدّة طلبات، وقد يتغيّر هذا العنوان من لحظة إلى أخرى، وقد يرتبط بكلّ استعمال عنوان خاصّ به، ومن ثمّ لايمكن التّعريف بالمتدخّل، ويبقى مزوّد الدّخول هو الوحيد الذّي بإمكانه التّعرّف على المتدخّل وذلك بالرّجوع إلى يوميّة نشاطه. لكنّ العمل يذهب في اتّجاه تعدّد العناوين بشكل يسمح باستعمال عناوين جديدة في أكثر من موقع بغرض تنمية شبكة الأنترنات.[11]استعملت الأنترنات في البداية من طرف الجامعيين لتبادل المعلومة, وبداية من سنة 1990 انتشر استعمالها بين عامة الناس خاصة عبر الشبكة العنكبوتية العالمية ( الوابWeb  ). وهي ليست مجرّد وسيلة اتصال فحسب بل إنها مجموعة تطبيقات معلوماتيّة:
.الشبكة العنكبوتية العالمية: (Wold Wide  WEB ) وهي خدمة تفاعليّة لمراجعة أو لإيواء صفحات ملتيمديا ـ ( نصوص، رسوم، بيانية، صوت) مرتبطه فيما بينها بمجموعة روابط هيبارتاكس. ويرجع العلماء إنشاء هذه الشّبكة إلى مجموعة من الباحثين الأوروبيين في مجال الفيزياء. وقد ظهرت الشّبكة العنكبوتيّة بعد خدمة نقل الملفّات والبريد الإلكتروني، وهي شبكة منضمّة إلى شبكة الأنترنات ولها بروتوكول خاص في التعامل يعرف ببروتوكول نقل النّصّ متعدّد الطّبقات: Hyper text Transfer Protocol (http).
ويميّز هذه الشّبكة طريقة كتابة النّصوص أو طريقة برمجة الصّفحات  المعتمدة على اللّغة المعروفة بـ: (HTML)  .Hyper Text Makup Languageوتضمن هذه الطّريقة السّهولة في البحث عن المعلومة، حيث تكون جملة النّصوص مرتبطة ببعضها بروابط هيبرتاكس hypertexte، أي بمجرّد الضّغط على مكان معيّن من الممكن أن تصل إلى المعلومة التّي لها علاقة بالنّصّ الأوّل، والموجودة سواء بنفس الموقع أو بمواقع أخرى.
ولولا بروتوكول نقل النصّ متعدّد الطّبقات من جهة وطريقة برمجة الصّفحات من جهة أخرى ما كان من الممكن الحديث عن نظام الهيبرتاكس، الأساس في تنظيم صفحات الواب، وما كان من الممكن  بالتّالي الحديث عن صفحات الواب Web. وإضافة إلى ذلك يتأسّس نظام الهيبرتاكس على العناوين الإلكترونيّة. حيث يقتضي الحصول على المعلومة عبر شبكة الواب معرفة العنوان المناسب Uniform Resource Locater URL، الذّي يتّخذ في حقيقة الأمر شكلين: 1) عنوان IP و 2) اسم النّطاق.
-عنوان IP: وقد سبق الحديث عنه، وهو الذّي يتكوّن من أربع مجموعات من الأرقام، ويستعمل في هذا الإطار لتحديد مكان وجود الخدوم serveur أي الحاسوب التّابع لمزوّد الإيواء. لكنّ هذا العنوان لا يظهر على شاشة المستعمل، ويغطّيه اسم النّطاق.
-اسم النّطاق: ويبدأ عادة بعناصر مميّزة كما يلي: http://www وهي إشارة إلى بروتوكول نقل المعلومات إلى الأنترنات الذّي سبق الحديث عنه، وإلى خدمة الواب. ووضعت منذ مدّة تقنيّات هامّة سواء على مستوى تنظيم المواقع أو التّفتيش عنها. حيث مع تعدّد المواقع واختلافها أو تشابهها، مهما كانت طبيعتها تجاريّة أو غير تجاريّة، كان من الموجب إيجاد طريقة تسمح بتعريفها وتحديدها، وبالتّالي تنظيمها. فظهرت طريقة العنونة وهو أن يسند إلى كلّ موقع عنوان خاصّ به ويميّزه عن الآخرين، وأصبح يعرف ذلك باسم النّطاق nom de domaine.
ويتكوّن اسم النّطاق من الاسم القار والمعرّف والعنوان القطاعي والعنوان الوطني. فالاسم القار يتكوّن من العلامة http://www، وهي إشارة إلى خدمة الواب، كما تقدّم. ويعتبر المعرّف هو الأساس في اسم النّطاق، حيث من خلاله يتميّز الموقع، ويطلب أن يكون ذو صلة بالنّشاط الذّي تتعاطاه الذّوات المنتفعة مثل: http://www.tradenet.com، وهو يعرف بالمستوى الثّاني من اسم النّطاق Second Level Domain SLD. ويمثّل اسم القطاع والاسم الوطني المستوى الأوّل من اسم النّطاق Top Level Domain. ويعبّر اسم القطاع عن نوعيّة نشاط الموقع Generic top level domain «Gtlds، وهو يتميّز بعلامات متّفق عليها دوليّا مثل com بالنسبة إلى الشّركات التّجاريّة و org  بالنسبة إلى المنظّمات، وقد كانت في البداية قليلة العدد، ومافتئت القائمة تتّسع لتشمل عدّة أنشطة وذلك بسعي من الشّركة المكلّفة بالتّصرّف في أسماء النّطاق على المستوى الدّولي والمعروفة باسم:  .ICANNكما يعبّر الاسم الوطني عن الموقع الجغرافي Contry Code Top level Domains ccTLDs، وهو يتمثّل في إشارات متّفق عليها دوليّا مثل Tn  بالنسبة إلى تونس.
ويعود إلى المعني بالأمر بطبيعة الحال، وبمساعدة الفنيّين، اختيار المعرّف والاسم القطاعي والاسم الوطني، ومن المفروض أن تراعى المواصفات الفنيّة. وتشرف على تسجيل هذه الأسماء من الوجهة الإداريّة مؤسّسات وطنيّة محليّة ومؤسّسات دوليّة تعرف بـ: INTERnic.
فعلى المستوى الدّولي تقوم الشّركة الموكول إليها بإسناد أسماء النّطاق ( ICANNN ) بالتّصرّف في النّظام الخاص بأسماء النّطاق القطاعيّة بمعيّة عدّة مؤسّسات منتشرة بالعالم أجمع. ولا يمكن الاعتراف بمؤسّسات التّسجيل إلاّ إذا احترمت جملة من الضّوابط الفنيّة والشروط الأساسيّة.
أمّا على المستوى الوطني فيعود إلى المؤسّسة المؤهّلة Net Work Information Center Nic تسجيل الأسماء الوطنيّة أو حتّى إنشاء تقسيمات داخليّة، ويعود لها تنظيم هذا القطاع بالكيفيّة التّي تراها مناسبة، وهي إجمالا قواعد تختلف من بلاد إلى أخرى، لكنّه يلجأ عادة إلى مزوّد الدّخول أو مزوّد الإيواء لضبط الاسم، ثمّ يحال بعد ذلك إلى سلطة التّسجيل التّي تتولّى إنهاء المطلوب. وقد سعت أغلب الدّول في العالم إلى تنظيم هذا المجال، فنجد بفرنسا على سبيل المثال " الجمعيّة الفرنسيّة للعنونة " Association française pour le nommage Internet en coopération .AFNIC.. وفي تونس أوكل المشرّع هذه المهمّة إلى الوكالة التّونسيّة للإنترنات، وصدر القرار عن وزير تكنولوجيا الاتّصال بتاريخ 10 أوت 2001 في ضبط المخطّط الوطني للتّرقيم والعنونة، وبيّن جميع الإجراءات المتعلّة باسم النّطاق.
.البريد الاكتروني: méssages électroniques وهي خدمة تبادل مراسلات إلكترونية بين  المستعملين. وعرفت بداية من سنة 1972 خدمة البريد الإلكتروني بعدما سبقها خدمة نقل الملفّات.
.تالنات: TELNET : خدمة دخول عن بعد بأسلوب مضاهاة الأجهزة الطرفية على حواسيب تبعد عن بعضها.
.بروتوكول تحويل الملفات: Transferts de fichiers: خدمة تحويل الملفات من نقطة إلى نقطة، وهي أوّل الخدمات.
.مجموعات الأخبار: ـ Forum de discussion ـ خدمة ملتقى نقاش تمكن مجموعة من المستعلمين ذوي مصلحة مشتركة حول موضوع خاص من تبادل المعلومات.
[12]  وتلك مسألة تناولها الباحثون في دراسات مستقلّة.
يراجع على سبيل المثال طوني ميشال عيسى خصوصيّات التّعاقد في المعلوماتيّة، المرجع السّابق.Valerie Sedallian, les engagements des prestataires informatiques, http://www.internet-juridique.net.Voir aussi : Les cahiers du Lamy droit de l’informatique et des reseaux, octobre 2001, n° 140.[13]  وقد نظّم المشرّع هذه الخدمات بموجب القانون عدد 83 لسنة 2000 والمؤرّخ في 9 أوت 2000 والمتعلّق بالمبادلات والتّجارة  الإلكترونيّة، وكذلك بمقتضى نصوص خاصة سيأتي الحديث عنها.
[14]  وهي طريقة تستهدف المصادقة على محتوى المواقع بغرض تحقيق الأمان لدى من يرغب التّعامل مع صاحب المحتوى الذّي يلتزم باحترام جملة من المبادئ والضّوابط المرتبطة بخدماته. يراجع التوصية الأوروبيّة عدد 7 لسنة 1997 المؤرّخة في 20 ماي 1997 المتعلّقة بحماية المستهلك في العقود عن بعد.
[15] Alain Strowel, responsabilité des intermediaires : actualité législatives et jurisprudentielles, http://www.droit -technologie.org.
[16]-المستعمل أو المستفيد utilisateur: فالمستفيد ببساطة هو كلّ شخص أو مؤسّسة تستفيد من الأنظمة المعلوماتيّة والمحتوى المعلوماتي أي المتقبّل للتّطبيقات المعلوماتيّة في شكلها المجرّد والواعي، وهو في نهاية الأمر مستعمل للأنظمة المعلوماتيّة، مع الإشارة فقط إلى أنّ مفهوم المستعمل هو مفهوم عام يقصد به كلّ شخص أو مؤسّسة تستعمل الأنظمة المعلوماتيّة بشكل عام بصرف النّظر عن المحتوى المعلوماتي. فيتجاوز مفهوم الاستعمال مجرّد الاستفادة إلى معنى التأثير والإنشاء والإحداث، لكن دون ربط هذا الاستعمال بالمحتوى المعلوماتي.
-مزوّد المحتوى fournisseur de contenu: وهو الذّي له علاقة بمحتوى المعلومة، وهو الطّرف الذّي ينشئ المعلومة. فقد يكون مجرّد الشّخص الذّي يباشر المعالجة الإلكترونيّة، سواء في إطار عمله أو في إطار نشاطه المنزلي. وقد يكون صاحب المحتوى المرسل، أو صاحب الموقع، أو منتجه، وقد يكون المشارك في حلقة النقاش، وقد يكون مزوّد خدمات. ويمكن أن تتعدّد الأمثلة، المهمّ أن يكون صاحب المحتوى الواعي سواء في إطار مفتوح أو في إطار مغلق، في إطار محلّي أو دولي، وأن لا يخرج ذلك عن إطار الأنظمة المعلوماتيّة مهما كانت الوسائل المستعملة وطريقة المعالجة.
-مزوّد الدّخول fournisseur d’accés: إنّ الرّبط بشبكة الأنترنات يوجب على المستعمل ( L’internaute ) أن يكون بحوزته حاسوب مجهز بمعدّل أو مضمّن Modem، وهي آلة تسمح بنقل المعطيات الرقمية التّي يتضمّنها الحاسوب إلى قوة دفع كهربائية، فهو " حلقة الاتّصال بين الحاسوب وشبكة الهاتف، ويقوم بتحويل الإشارات الهاتفيّة من النّمط المتّصل التّناظري Analogique إلى إشارات متقطّعة رقميّة Digital يفهمها الحاسوب،" والعكس بالعكس.
ويجب أن يقع الاتصال بمزود الدّخول fournisseur d’accés بغرض الانتفاع بخدمة الرّبط بشبكة الأنترنات، فيتّفق معه على جميع بنود العقد، وعادة ما يتضمّن الاتّفاق إشارة إلى جميع العناصر الفنيّة والقانونيّة التّي لها علاقة بخدمة الرّبط. ويكون ذلك بمقابل.
ويلتزم مزوّد الدّخول بضمان خدمة الرّبط بمعنى أنّه يضمن الرّبط بالخدوم Les serveurs، وهي أنظمة إعلامية تمكن من إستشارة بنوك المعلومات ( نصوص، صور، أصوات) المتواجدة على عدّة مواقع ـ Sites ـ، إلى جانب المهام الآخرى المتّصلة بخدمات الأنترنات. وفي إطار الشّبكات الخاصّة يطلب كذلك التّعاقد مع منظّم الشّبكة لغاية تحقيق خدمة الرّبط، والفوز بخدمات الشّبكة في إطار اتّفاق مسبق.
- مزوّد البنية التّحتيّة fournisseur d’infrastructure: وهو المعروف بالنّاقل، مثل اتّصالات تونس، أي الذّي يتلخّص دوره في نقل المعالجة من مكان إلى مكان، بحكم امتلاكه للأجهزة الأساسيّة ذات المواصفات المحدّدة التّي تسمح في نهاية الأمر بتحقيق طلب النّقل.
-مزوّد خدمة الإيواء fournisseurd’hébergement: وهو الذّي يتولّى إيواء صفحات الواب بأنظمته المعلوماتيّة. حيث بعد إعداد الموقع من النّاحية الفنيّة ويتحصّل المعني بالأمر على اسم النّطاق، كما تقدّم، يطلب الاتّصال بمزوّد الإيواء لغاية ضمان التّواجد بصفة فعليّة على شبكة الأنترنات. علما أنّه لا يمكن تحقيق الانتشار والتّرابط مع بقيّة المواقع إلاّ بإيواء المعلومة لدى شخص تتوفّر لديه المؤهّلات الفنيّة. والحقيقة أنّ الاتّصال بهذا المزوّد، الذّي من الممكن أن يكون في نفس الوقت مزوّد دخول، هو من الأمور الأوّليّة بالنسبة إلى صاحب الموقع، باعتبار أنّ هيكلة اسم النّطاق تتطلّب بداية الاستعانة بفنّيات معيّنة. لكنّه من الممكن أن تتوفّر لدى الحريف المتدخّل إمكانيّات فنيّة تمكّنه من إيواء الصّفحات الخاصّة به في أنظمته المعلوماتيّة، ولهذا الغرض نصّ الفصل 30 من قرار وزير تكنولوجيا الاتّصال المؤرّخ في 10 أوت 2001 والمتعلّق بالمصادقة على المخطّط الوطني للتّرقيم والعنونة على أنّه " يمكن لكلّ شخص طبيعي أو معنوي إيواء صفحات الواب الخاصّة به في أنظمته المعلوماتيّة شريطة التّقيّد بقواعد السّلامة والرّبط الكفيلة بحماية شبكة الأنترنات وضمان استمراريّة النّفاذ إلى هذه الصّفحات، وتضبط هذه القواعد بمقتضى مقرّر من قبل وزير تكنولوجيا الاتّصال.
وفي هذه الحالة يتولّى مزوّد خدمات الأنترنات التّثبّت من توفّر هذه القواعد لدى حرفائهم الرّاغبين في إيواء صفحات الواب في أنظمتهم المعلوماتيّة عند أسناد أسماء مجالات الأنترنات. وفي صورة إخلالهم بهذه القواعد يتعيّن على مزوّد خدمات الأنترنات إعلام الوكالة التّونسيّة للأنترنات حالا بهذه المخالفات. وتتولّى الوكالة تعليق العمل بأسماء مجالات الأنترنات إلى أن يتمّ رفع هذه المخالفات."-مزوّد خدمة البحث fournisseur de rechercheأي الخدمة التّي تمكّن من جمع المعلومة والبيانات أو التّدرّج في معرفتها. وقد أفرزت التّطبيقات نوعين من خدمات البحث، محرّكات البحث والفهارس.
.الفهارس: ويقال لها كذلك الأدلّة (annuaires, répertoires, indexes)،وهي مجموعة مواقع منظّمة في شكل هرمي وتسلسلي. ويعلن بصفحة الاستقبال عن المواضيع المتعلّقة بها، وما على المستعمل إلاّ الضغط بالمكان المناسب للوصول إلى محتوى الموقع. فهو استعمال يدوي وإنساني لروابط الهيبرتاكس. وبإمكان أصحاب المواقع الانخراط بالدّليل بعد موافقة الجهاز المكلّف بإدارة الدّليل.
.محرّكات البحث: moteurs de recherche وهي برامج معلوماتيّة ومن نوع برامج التّشغيل ولها عدّة تطبيقات، وهي في نهاية الأمر برامج إبحار programme de navigation تسمّى: رابوت Robot. وتعمل من منطلق آلي على خلاف الفهارس، والقصد من ذلك أن يصل المستعمل إلى البيانات المطلوبة بطريقة آليّة، حيث تقوم هذه البرامج، وبمجرّد كتابة موضوع البحث بالمكان المناسب، بجمع جميع الصّفحات المترابطة بروابط هيبرتاكس، ثمّ تنظّمها في شكل قاعدة بيانات لتستجيب لطلبات المستعمل، وتأتي مرتّبة حسب شهرة المواقع وأكثرها استشارة.
ولخدمات البحث أهميّة كبرى في حدود أنّها تعرّف بالمواقع وتمكّن المستعملين من الاطّلاع عليها والانتفاع بمحتواها، وهو القصد من تنظيم المواقع في إطار الشّبكات المفتوحة، وتجد هذه الملاحظة في إطار التّجارة الإلكترونيّة أبعادا هامّة، بحكم أنّ انتشار الموقع هو في نهاية الأمر توسيع مجال السّوق وتحقيق نموّ المؤسّسة الاقتصاديّة بشكل عام.[17]Cyril rojinskey :l’autonomie inacheveé du droit de la presse, legipresse, p. 85 et suiv.
[18]علي كحلون: المسؤولية المعلوماتية، المرجع السابق، ص95 وما بعد.
[19] « lorsqu’il est question de criminalité informatique, il convient de ne pas confondre les situations dans lesquelles l’informatique est utilisé comme moyen de commettre des délits classiques et les cas où l’informatique est le but même de la criminalité. Ce n’est que dans cette dernière hypothèse que l’on parlera de criminalité informatique » Thibault Verbiest, la criminalité informatique : comment la réprimer ? http//www.droit-technologie.org.
[20]بدأ الحديث عن خصوصيّة المعلوماتيّة منذ سنة 1985، وبادر المشرّع الفرنسي إلى حصر الجرائم المعلوماتيّة بموجب القانون عدد 19 لسنة 1988 المؤرّخ في 5 جانفي 1988،وضبط خبراء المجلس الأوروبي منذ سنة 1989 مكوّنات الجريمة المعلوماتيّة،[20]واقترحت لجنة الاتّحاد الأوروبي في تقريرها الواصل إلى مجلس الاتّحاد والبرلمان بتاريخ 26 جانفي 2001 جملة من المسائل والضّوابط من بينها ما  يتعلّق بالجريمة المعلوماتيّة، من أجل بعث مجتمع المعلومات في صورته الصّحيحة،[20]وانتهى الأمر إلى صياغة اتّفاقيّة دوليّة منذ 27 أفريل 2000 بسعي من المجلس الأوروبي (la convention internationale sur la cybercriminalité, draft convention on cybercrime)، وهي في طريقها إلى تأليف الإجماع بين الدّول حيث عرضت بتاريخ 23 نوفمبر 2001 على الدول لغاية الإمضاء، وأمضيت فعلا من قبل 42 دولة (الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، أفريقيا، كندا) وصادقت إلى حدّ هذا التاريخ على هذه الاتفاقية 14 دولة .[20]وتعتبر هذه النّصوص الأسس التّي اعتمدت من طرف الدّول الأوروبيّة في تقنينها المتعلّق بالجريمة المعلوماتيّة وكذلك في بيان مفهوم الجريمة المعلوماتية.
[21]la convention internationale sur la cybercriminalité, op. cit.
[22]نفس الاتفاقية السابقة.
[23]يقول الأستاذ هنري مازو " إنّ الشّعور العميق بالتستّر والحياء المتغلغل في أعماق كلّ كائن بشري يقتضي حماية سرّ الحياة الخاصّة أي الشخصيّة والعائليّة، وبدون هذا السرّ تنعدم الحريّة، فسرّ الحياة الخاصّة هو من مظاهر حريّة وجودنا "، فلكلّ كائن حياته الخاصّة. هذا المكان السّرّي والآمن الذّي يفرض الاحترام. والاعتداء عليه يمثّل مبدئيّا تعدّيا غير مشروع.
وتعتبر الحياة الخاصّة اليوم من أهمّ حقوق الإنسان وتأتي ضمن باب حماية الحريّات، حيث ورد بالفصل 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنّ لكلّ شخص الحقّ في عدم التّدخّل في حياته الخاصّة وعائلته ومسكنه ومراسلاته أو الاعتداء على شرفه وسمعته. ويتمتّع كلّ فرد بالحماية القانونيّة ضدّ مثل هذه الممارسات.
وجاء بالفصل الثّامن من الاتّفاقيّة الأوروبيّة الخاصة بحقوق الإنسان، أنّ لكلّ شخص حقّ التّمتّع بحماية حياته الخاصّة والعائليّة ومسكنه ومراسلاته. ولا تتدخّل السّلطة العامّة في ممارسة هذه الحقوق إلاّ بقدر ما يجيزه القانون وفي حدود ما يبرّره الأمن العام والمصلحة الوطنيّة ومتطلّبات التّنمية والدّفاع الوطني والتّوقّي من الجرائم وحماية الصحّة والأخلاق والحقوق والحرّيات.ويذهب الفصل 17 من الميثاق الدّولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة المؤرّخ في 16 ديسمبر 1966 إلى نفس الاتّجاه.
واستوعبت أغلب الدّساتير هذه المفاهيم، وتبنّت بعض الدّول قوانين خاصّة في اتّجاه حماية الحياة الخاصّة، مثل الميثاق الكندي للحقوق والحريّات. والقانون الفرنسي الخاص بحماية الحياة الخاصّة الصّادر بتاريخ 17 جويلية 1973.
وأصبحت حقوق الشّخصيّة وأسرارها والمراسلات والمسكن، تمثّل إحدى أهمّ عناصر الحياة الخاصّة، ووضعت القوانين لحمايتها وفرضت حماية الشّخصيّة وشرفها وحرمة المسكن وسريّة المراسلات والاحتفاظ بالسّرّ المهني بغرض حماية الحياة الخاصّة. وحصل الإجماع على تحقيق الحماية سواء على المستوى الجزائي أو المدني.[24]لم يكن همّ الإنسان البدائي الذّي لم يعرف الاستقرار بعد إلاّ المحافظة على جسده ومنقولاته. ومع ازدهار الفلاحة في العصر الإقطاعي من جهة، وبداية تشكّل الحياة الحضريّة من جهة أخرى، أضحى المسكن يمثّل إطارا للحياة الخاصّة. وقامت الحماية بالتّالي على مفهوم حقّ الملكيّة  في مرحلة أولى، ومع جريان العمل بكراء المساكن حلّ مقرّ السّكنى محلّ حقّ الملكيّة. ومع اختراع المطبعة وانصراف الإنسان إلى تلقّي الجوانب المعرفيّة ورفع الأميّة، وتسهيل أسس المواصلات البريديّة قامت حرمة المراسلات. وبدأ مجتمع المعلومات في التّشكّل أمام تطوّر الوسائل المكتوبة في الاتّصال، واقترنت به ضوابط احترام شرف الإنسان وأحكام الثّلب. ولم يتحدّث رجال القانون عن حماية الحياة الخاصّة الصرفة أي حقوق الشّخصيّة إلاّ أخيرا، أي مع بداية القرن العشرين. وأصبحت تصريحات الشّخص وأقواله وصورته  وهويّتة إحدى أهمّ الجوانب التّي تمثّل الحياة الخاصّة.
والحقيقة أنّ مفهوم الحياة الخاصّة من أشدّ المفاهيم اتّساعا وتعقيدا وغموضا، وقد يلتبس الأمر مع عدّة مفاهيم ومبادئ قريبة، وتبدو المعايير التّي يحملها نسبيّة ومرتبطة بتقاليد المجتمع وتطوّره. وهناك الكثير من محاولات تعريفه، إلاّ أنّ جميعها تعريفات أوّليّة يسوقها أصحابها بقدر كبير من التّردّد محوطة بعبارات التّحفّظ، ولم يوفّق أصحابها في رفع الحدود الغامضة وضبط الملامح الأساسيّة لهذا المفهوم. وإذا كانت بالنسبة إلى البعض هي " حقّ الشخص في حياة منعزلة وسريّة "، فإنّها بالنسبة إلى البعض الآخر " الحياة العائليّة والشخصيّة للإنسان والحياة الدّاخليّة والرّوحيّة عندما يعيش وراء أبوابه المغلقة "، وهي الحقّ في طلب الآمان.ولم يوفّق فقه القضاء في وضع تعريف جامع، واكتفت جملة الأحكام، بإبراز محتوى الحياة الشّخصيّة للفرد. فيأتي في باب الحياة الخاصّة جميع ما يتعلّق بالحياة الشّخصيّة ( الطّلاق والزّواج والرّوابط الغراميّة والجنسيّة الخ)، والسّوابق العدليّة، والحياة الصحيّة والمهنيّة ومكتسباته الماديّة، ورحلاته وحياته الجامعيّة وانتماءاته السّياسيّة والدينيّة والنقابيّة والعرقيّة.فتشمل المعطيات الطبيّة على سبيل المثال جميل ما يتّصل بصحّة الشّخص بما في ذلك السّوابق العائليّة والعناصر الوراثيّة والأدوية التّي يتعاطاها، وكذلك جميع ما يدلّ على حالته بجانب المؤسّسات الاستشفائيّة ومؤسّسات الضّمان، وبجانب طبيبه المباشر، وبصفة عامة جميع ما يحتويه ملفّه الطبّي. وقس على ذلك جميع مظاهر الحياة الخاصّة.لكنّ الحياة الخاصّة، وبحكم تطوّر المجتمع السّريع، وحاجيّات الإعلام، فقد آلت إلى مفهوم ضيّق لا يتجاوز عنصر السريّة ( intimité ) في الحياة الخاصّة، بمعنى أنّ عناصرها تتنزّل في محيط ليس له علاقة بالعام أو العمومي. فالتّحصيل على صورة في مكان عام ليس فيه شيئ، على خلاف الصّورة التّي تلتقط رغما عن صاحبها أوفي ظروف أرادها أن تبقى سريّة، ويسرى المبدأ على بقيّة الحقوق.
وتبقى جميع هذه المفاهيم فاعلة إذا خضعت المعلومة للمعالجة الإلكترونيّة حسب المفهوم الذّي تقدّم. وإذا كانت المسألة لا تطرح بشدّة إذا بقيت المعالجة في إطارها المغلق، فإنّ المسألة تثير العديد من الصّعوبات إذا ارتبطت الممارسة الإلكترونيّة بشبكة مفتوحة، وقد اعتبر فقه القضاء أن شبكة الإنترنات ينطبق عليها مفهوم " العام"، وبالتّالي فإنّ كلّ عرض أو توزيع يتطلّب مسبّقا موافقة المعني، وكلّ عرض لا يحمل مصادقة المعني من الممكن أن ينتهك سريّة الحياة الخاصّة إذا اكتملت به الضّوابط المشار إليها. وقد ظلّ مطلب السريّة والآمان من أهمّ المطالب بالنسبة إلى الشّبكات المفتوحة، حتّى لا يقع الاعتداء على الحياة الخاصّة من طرف الغير.وكثر الحديث أخيرا مع تقدّم التّعامل بوسائل الاتّصال الحديثة عن مفهوم المعطيات الشّخصيّة والحياة الخاصّة. وإذا كانت جوانب الحياة الخاصة انحصرت إلى وقت معيّن في المفاهيم التّي انتهينا إليها، فإنّ جانبا منها ارتبط بالمعطيات الشّخصيّة أو الإسميّة، بحكم حاجة المعلوماتيّة إليها، وهي بيانات تسمح بأيّ شكل من الأشكال وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالتّعريف بأصحابها مهما كانت طريقة المعالجة الإلكترونيّة ومهما كان الطّرف الذّي تولاّها، شخص طبيعي أو معنوي. ويعتبر من بين المعطيات الشّخصيّة: الإسم واللّقب والعنوان والرّقم الهاتفي ورقم البطاقة البنكيّة ورقم الضّمان الاجتماعي أو الحيطة الاجتماعيّة وتاريخ الولادة والعنوان الإلكتروني وبروتوكول الإنترنات IP. وكلّ معطى يمكّن من التّعريف بالشّخص وتحديده، حيث انطلاقا من هذا المعرّف من الممكن الاطلاع على الملفّ الصّحي أو العدلي أو البنكي أو العائلي أو الاجتماعي أو السّياسي أو النّقابي أو الديني. وبالتّالي فإنّ الحياة الخاصّة هي تلك الدائرة السريّة لبعض أوجه الحياه التّي من حقّ الإنسان أن يبقيها بعيدا عن الفضوليين، سواء جاءت الدّائرة السريّة في إطار البريد الإلكتروني أو في إطار تحرير وثيقة إلكترونيّة حسب طلب الموقع أو في إطار حلقات نقاش أو في إطار تنظيم بنوك المعلومات. ومن المفروض أن تحضى هذه الدّائرة بالحماية الكافية.
[25]لنلاحظ بداية أنّ المعلومات الشّخصيّة، كما تمّ ضبطها، تنقسم إلى قسمين: قسم منها يمكن أن يطّلع عليه العامّة، ويمكن أن يدرج ببنوك معلومات بشكل يؤمّن للكافّة الاطّلاع عليه. ويأتي في هذا الباب المعلومة المشهورة والمتداولة بين النّاس. أو إذا رضي المعني بالأمر مسبّقا. وقسم ثاني يبقى من المعلومات الشّخصيّة التّي يحرّم تداولها، وحتّى إذا جاءت تحت أيدي المؤتمن، مهما كانت صفته، فيحرم عليه اطّلاع الغير عليها.
ولا شكّ أنّ المعالجة الآليّة للبيانات التّي لها علاقة بالحياة الخاصّة فيها من الخطورة الكثير على سرية الحياة الخاصّة، أمام رقمنة الحياة العامّة، وأيلولة الإنسان بالدّفاتر الحكوميّة وغير الحكوميّة إلى رقم رياضي من بين الأرقام، وأمام طغيان العمل ببنوك المعلومات سواء في التّنظيم الإداري أو في القطاع الخاص. وليس من المستبعد أن يقع اللّجوء إلى جمع مثل هذه المعطيات دون أن تتمثّل الحاجة إليها ودون موافقة صاحبها، وقد لا تكون صحيحة ويشوبها بعض التّحريف، وقد يطّلع عليها الغير بطريقة غير شرعيّة، ومن الممكن أن يتمّ المتاجرة فيها أو تداولها في غير المواطن التّي وضعت من أجلها. وتزداد الخطورة أكثر، إذا كانت جملة هذه البيانات منظّمة بقاعدة بيانات ومرتبطة بشبكة الإنترنات متى يتحقّق لكلّ مستعمل الاطّلاع عليها ربّما بوجه غير شرعي. لذلك من المفروض أن تمارس المعلوماتيّة في حدود الضّوابط الوطنيّة والدّوليّة، مع احترام الذّات البشريّة وحقوق الإنسان والحياة الخاصّة والحريّات العامّة والخاصّة. وأمام جملة هذه التّحدّيات، وبالإضافة إلى مبادئ المحافظة على السرّ المهني وسريّة المراسلات التّي تبقى فاعلة في مواجهة جميع المتدخّلين، وضعت جملة من المبادئ الحديثة لغاية حماية الحياة الخاصّة والمعطيات الشخصيّة.
[26]واجب الإشعار أو العلنيّة: ليس بإمكان أيّ شخص إدراك الإمكانيّات الفنيّة لأنظمة المعالجة الإلكترونيّة، وليس بإمكان أيّ شخص وعي المخاطر الفنيّة التّي من الممكن أن تخرق جوانب السريّة في الحياة دون علم المستعمل. ومن هذه النّاحية يفرض على العاملين في هذا القطاع إشعار المستعملين بهذه المخاطر، ولعلّ الأمثلة البارزة في ذلك ما يتعلّق بـ:
-جريدة الفيشات les fiches journaux: وهو ما يعرف بـ log file، وتمكّن هذه الوسيلة الفنيّة من حفظ المعلومات الخاصّة على عنوان بروتوكول الإنترنات IP وتحديد صفحات الواب التّي تمّ استشارتها ونوع الحاسوب المستعمل. وتعتمد هذه الوسيلة التّقنيّة من طرف المواقع التّجاريّة لغاية تحديد رغبات المستهلكين والإحصاء، وفي ذلك خرق لدائرة السريّة في الحياة الخاصّة. ومع أنّ بروتوكول الإنترنات قابل للتّغيير في كلّ أجل من طرف مزوّد الدّخول بحكم الضّغوطات الفنيّة، فإنّ المواقع التّجاريّة تحتفظ بالمعلومات المسجّلة على البروتوكول، ومن المفروض أن يشعر الفرد بهذه الإمكانيّة الفنيّة وبمصير المعلومات المسجّلة طبق هذه الطّريقة.
-الفيشات الشّاهدة les fiches temoins (les coukies )، وهي وسيلة تمكّن الموقع من إسناد رقم خاص لكلّ زائر مهما كان بروتوكول الإنترنات الخاصّ به، بشكل يسمح بتتبّع مسالك الرّبط المتعلّقة به، والقيام تبعا لذلك بإحصائيّات معيّنة وفي اتّجاه مخصوص. وقد يأخذ هذا التّطبيق شكلا آخر من التّدخّل في الحياة الخاصّة، إذا ما أبرم الزّائر عقدا إلكترونيّا وصرّح ببعض البيانات التّي لها علاقة بحياته الخاصّة. فمثل هذه البيانات سوف تربط بالرقم الخاصّ به، ومن الممكن الرّجوع إليها في كلّ مناسبة. وبالتّالي من المفروض أن يكون الزّائر على علم بهذه الطّرق.
-تنظيمات الإشهار المباشر les régies publicitaires en ligne، وهو أن تتولّى بعض المؤسّسات تكليف تنظيمات مختصّة في عالم الإشهار، وتكون هذه التّنظيمات عادة على علم بالفيشات الشّاهدة بشكل يمكّنها من الاتّصال بالمستهلك والوقوف على رغباته مسبّقا وتوجيه اختياراته نهاية. وقد كان هذا التّطبيق محلّ نقاش على امتداد السّنوات الفارطة لما فيه من آثار على الحياة الخاصّة للأفراد. ومن المفروض أن يكونوا على علم بداية، ويمكّنون نهاية من الاعتراض على العمليّة.
[27]مبدأ الموافقة المسبّقة: من حيث المبدأ لا يمكن معالجة البيانات الشّخصيّة المتّصلة بالحياة الخاصّة إلاّ إذا أعرب المستعمل عن موافقته المسبّقة في جميع المراحل، باستثناء الحالات التّي نصّ عليها المشرّع صراحة، بطبيعة الحال. ولا يقصى من ذلك الأطفال باعتبار أنّهم يمثّلون قسما هامّا من المستعملين، ومن حقّهم كذلك ادّعاء التّميّز والحماية في المعطيات المتداولة. لكنّ رضاءهم لا يعتدّ به قانونا، فيطلب موافقة الشّخص البالغ. ويجب أن تطلب الموافقة المسبّقة في جميع أعمال المعالجة، بما في ذلك عمليّات الجمع والبثّ والتوزيع وتنظيم بنوك المعلومات.
-جمع المعطيات الشخصيّة: يسعى أصحاب المواقع، وخاصّة منها التّجاريّة، عادة إلى التّعرّف على الحريف، ويحصل ذلك واقعيّا عبر تحرير الطّلبيّة التّي من المفروض أن تتضمّن الإسم واللّقب والعنوان البريدي والإلكتروني وحتّى رقم البّطاقة البنكيّة في صورة الدّفع الإلكتروني، وكلّ ما يعرّف بهذا الشّخص على وجه الإجمال. ومن المفروض أن يسبق جمع هذه البيانات موافقة صريحة من الزّائر. لكنّ الضّغط الإلكتروني على مكان الموافقة وبعد الاطّلاع على شروط العقد يعدّ رضاء منه بشروط الجمع.-نشر وتوزيع المعلومة والمتاجرة فيها: والقصد من ذلك ليس فقط جمع المعلومة بل بثّها وتوزيعها على عدد من الصّفحات والكشف عنها للغير. وتتطلّب هذه العمليّة الموافقة المسبّقة، بصرف النّظر عن التّصريح بالموافقة فيما يتعلّق بعمليّة الجمع. باستثناء ما يتعلّق بالأبحاث القضائيّة متى يجوز بطبيعة الحال الكشف عن مضمون المعالجة دون موافقة المعني.ويمكن للمستعمل أن يعترض منذ البداية على بثّ وتوزيع مثل هذه البيانات بواسطة الإجراء المعروف بـ opt- in، ويمكن كذلك أن يعترض مستقبلا على الكشف عنها للغير بواسطة الإجراء المعروف بـ opt-out. وهي طرق فنيّة تطلب خاصّة في أعمال الإشهار والمراسلات الإشهاريّة، متى تسعى مثل هذه المواقع إلى ضمان الموافقة المسبّقة.
-قواعد المعلومات: تزداد أهميّة قواعد المعلومات يوما بعد يوم، وربّما انتشرت التّقنية لتشمل القطاع العام خاصة في إطار تجريد الوثائق الإداريّة أو القطاع الخاص خاصّة في نشاط البنوك وشركات التّأمين وغيرها. وتسمح التّقنية بمعرفة السّوابق المتعلّقة بالشّخص بمجرّد الضّغط على مكان معيّن أو تمرير معرّف محدّد، فيمكن انطلاقا من ذلك معرفة البيانات الصحيّة والبنكيّة والقضائيّة والماليّة، إلى غير ذلك من البيانات. وتزداد المسألة أهمّية إذا كانت هذه الفيشات مترابطة فيما بينها بشكل يسمح بالاطّلاع على جملة هذه البيانات انطلاقا من نقطة معيّنة.وإذا كان الموضوع لا يطرح إشكالا بالنسبة إلى الإدارة باعتبار أنّ الممارسة تتمّ بالضّرورة في حدود الضّوابط القانونيّة التّي تبيّن المعلومات التّي يمكن جمعها ومعالجتها والمعلومات التّي يمنع إخضاعها لهذا الإجراء، مثل البيانات المتعلّقة بالانتماء السّياسي والديني والعرقي، فإنّ المسألة تتطلّب بعضا من الضّبط بالنسبة إلى القطاع الخاص، لأنّ عنصر التّرابط فيه اعتداء على جوانب الحياة الخاصّة، ومن المفروض أن يوافق المعني على هذا الإجراء قبل مباشرة العمليّة. ولا يتفصّى مزوّد الخدمة من طلب الموافقة في مثل هذه الصّورة حتّى ولو صادق المعني بداية على عمليّة الجمع. ثمّ أنّ كثيرا من المؤسّسات الفرعيّة لا تتوانى عن إطلاع الشّركة الأمّ على محتوى قواعد البيانات الخاصّة بها، ومن المفروض كذلك أن يكون المعني على علم بهذا التّرابط.
[28]مبدأ الحماية: والقصد من ذلك أن يمنع الغير من الدّخول أو الاطّلاع على المعلومة إلاّ إذا كان مأذونا له اتّفاقا أو قانونا. ويطلب وضع الوسائل الفنيّة الكفيلة بمنع تدخّل الغير بنظام المعالجة والبقاء به أو إفساده أو إتلافه.
[29]مبدأ الشرعيّة: معنى ذلك أن لا تجمع إلاّ المعلومات الضّروريّة للخدمة، وإن جمعت فلا تستخدم إلاّ في الأغراض المشروعة.
-لا تجمع إلاّ المعلومات الضروريّة للخدمة: فلا يسعى صاحب الخدمة إلى جمع جميع البيانات الخاصة، فيشترط أن تكون هذه البيانات ضروريّة للخدمة التّي يباشرها، فإذا كانت الخدمة لا تتجاوز رسائل إلكترونيّة مجانيّة فإنّه لا فائدة من طلب رقم البطاقات البنكيّة على سبيل المثال.
-لا تستخدم إلاّ في الأغراض المشروعة: حيث يطلب بداية تعيين الغرض من عمليّة الجمع، سواء كان ذلك بهدف تعريفي أو تجاري أو إحصائي أو طبّي أو علمي أو تاريخي، إلى غير ذلك. ومادام التّصريح قد صدر في اتّجاه معيّن فإنّه لا يحقّ لصاحب الخدمة بطبيعة الحال، تغيير وجهة المعلومة المجمّعة إلى ميادين أخرى خارجة عن إطار موافقة المعني.
[30]مبدأ الاطّلاع: وهو أن يخوّل صاحب المعلومة الدّخول إلى مكان المعلومة بكلّ حريّة وبالوسائل التّقنيّة النّاجعة التّي يوفّرها صاحب الخدمة دون قيد أو شرط مهما كان نوعه. ويجب أن يمكّن بصفة منتظمة بنسخ من هذه البيانات إن أراد. ومن الممكن أن يحصل ذلك سواء عن طريق البريد العادي أو عن طريق البريد الإلكتروني أو عن طريق صفحات الواب.
ولا يمكن أن يطّلع على هذه البيانات إلاّ من كان مأذونا في ذلك، كما تقدّم. وإذا كان المعني يملك حقّ الدّخول والاطّلاع، فإنّه لا يحقّ له الاطّلاع على بقيّة البيانات. فقط من يعمل على إدارة الموقع أو قواعد البيانات بإمكانه الاطّلاع على جميع البيانات بقدر ما يستوجبه نشاطه، وفي مقابل ذلك يحمل عليه واجب كتمان السرّ المهني.[31] مبدأ الصحّة: وهو أن تكون البيانات المجمّعة صحيحة بداية، وخلال جميع مراحل المعالجة. ويسمح مبدأ الاطّلاع بمراجعة مضمون البيانات أو تعديلها أو إصلاحها أو تصحيحها أو تحيينها عند الاقتضاء، أي أنّه يجوز لصاحب المعلومة في جميع الصّور الدّخول إلى مكان المعلومة وتعديلها في الاتّجاه الصّحيح حتّى تبقى صحيحة على الدّوام.
[32]مبدأ جبر الأضرار: والقصد من ذلك أن يحقّ لكلّ شخص طلب التّعويض وجبر الأضرار، كلّما استهدفت عناصر السريّة في الحياة الخاصّة وخرقت مبادئ الإشعار والموافقة والحماية والشرعيّة والصحة والاطّلاع. ويعود إلى المشرّع بيان حدود مسؤوليّة المتدخّلين.
وإذا كان صاحب الخدمة يبقى مسؤولا في معظم الصّور إذا لم يحترم المبادئ العامّة في الحماية، وخاصّة بالنسبة إلى الشّبكات المغلقة، فإنّ بعضا من خدمات الشّبكات المفتوحة وخاصّة منها حلقات النّقاش، ومن الممكن أن يشترط صاحب الخدمة عدم مسؤوليّته مسبّقا.
[33]يعرف الثّلب بأنه  كلّ ادّعاء أو نسبة شيئ بصورة علنيّة من شأنه أن ينال من شرف أو اعتبار شخص أو هيئة رسميّة. وإعلان ذلك الادّعاء أو تلك النسبة بصورة مباشرة أو بواسطة النّقل يعاقب مرتكبه حتّى ولو وقع ذلك في صيغة الاحتمال أو كان يقصد به شخص أو هيئة رسميّة لم تقع تسميّتها صراحة على أنّ الاهتداء إليها ييسّره فحوى العبارات الواردة في الخطب أو النّداءات أو التّهديدات أو الكتابات أو المطبوعات أو المعلّقات أو الرّسوم أو الإعلانات المطعون فيها. ويعرّف الشّتم كذلك بأنّه كلّ عبارة تنال من الكرامة أو لفظة احتقار أو سبّ لا تتضمّن نسبة شيئ .
[34] المقصود بروابط الهيبرتاكس في مفهومها العام هو وجود صفحات ظاهرة وأخرى مستورة، ويتحقّق الوصول إلى الثّانية بمجرّد الضّغط على ماهو ظاهر. وحسب المفهوم الفنّي فهو تنظيم للصّفحات حسب برمجة لغة HTML بطريقة تسمح إلى المتصفّح navigateur بالانتقال إلى صفحة أخرى سواء كانت بنفس الموقع أو بموقع آخر. وهو على نوعين، إمّا أن يكون داخليّا أو خارجيّا، فإذا أحالت الرّوابط إلى صفحات داخليّة أي بنفس الموقع فهو داخلي، وإذا أحالت إلى صفحات موجودة بمواقع خارجيّة فهو خارجي. وتتّخذ روابط الهيبرتاكس شكل معرّف code HTML، أي أنّ مكان التّرابط يتمثّل في معرّف غير مرئي، ووراء هذا المعرّف يوجد اسم نطاق المواقع المحال إليها. لكنّه بالإمكان إظهار هذا المعرّف عن طريق المتصفّح. ولا يتفطّن المستعمل العادي لوجود المعرّف أو اسم النّطاق، وعادة ما يتمثّل مكان التّرابط في عدّة أشكال أو صور أو كلمات، فقط ليعلم المستعمل بإمكانيّة الإحالة بمجرّد الضّغط بالمكان المناسب، وتسمّى هذه المناطق البارزة بالمصوّب Pointeur، في حين أنّ اسم النّطاق المستور يسمّى معرّف HTML أي code HTML.
وتنقسم طرق الهيبرتاكس إلى أربعة، حسب طريقة البرمجة technique de linking ou type de code HTML:
-الرّوابط السّطحيّة Lien en surface-surface linking: والقصد من ذلك أن تقع الإحالة إلى موقع خارجي في صورته الأصليّة ابتداء بصفحة الاستقبال التّابعة له وغياب الموقع الذّي أحدث الرّبط.
-الرّوابط العميقة Lien en profondeur-deep linking: وهو أن تمرّ الإحالة مباشرة إلى الصّفحات الثّانويّة ودون المرور عبر صفحة الاستقبال، خلافا للرّوابط السّطحيّة التّي توصل إلى صفحة الاستقبال.
-الرّوابط الإطاريّة Le cadrage-framing: تستعمل هذه الطّريقة لغاية تنظيم صفحات الموقع، لكنّها يمكن أن تستعمل لغاية تنظيم الصّفحات التّابعة لمواقع أخرى. وتسمح هذه الطّريقة بإظهار الصّفحات التّابعة لمواقع أخرى دون الخروج من الموقع الأصلي، حيث من الممكن في إطار هذه البرمجة أن تظهر الصّفحة في شكل عدّة أطر frames، وبمجرّد الضّغط على مكان الرّبط يتحقّق الوصول إلى الصّفحات المترابطة دون الخروج من إطار الموقع الأصلي، ودون تغيير في عنوان الصّفحة والموقع، معنى ذلك أنّ المستعمل لا يمكن أن يدرك عنوان الصّفحات موضوع الإحالة.
-الرّوابط الآليّة Lien automatique-inlinking: ويقال كذلك الرّوابط المتحرّكة، وتقتضي البرمجة أن يدرج المسؤول عن الموقع بمكان التّرابط أي المصوّب صورة قد تعبّر عن اسم تجاري أو غيره تابعة لصفحات أخرى سواء كانت موجودة بنفس الموقع أو خارجة عنه، ودون أن يتدخّل المستعمل يحصل التّنقّل إلى صفحات الصّورة في إطار الموقع الأصلي، ودون أن يعلم المستعمل بعنوان الصورة، أي أنّ المتصفّح navigateur هو الذّي يستجيب للبرمجة، فيحيل إلى مكان الصّورة رغم أنّ المستعمل لم يصدر عنه أمر بالانتقال إلى مكان الصّورة، لذلك كانت هذه الطّريقة آليّة.
[35] Kaddouja  Ben Hamda Souid, Droit d’auteur et Internet, Mémoire en vue de l’obtention du diplome des études approfondies, 1999-2000, Tunis 3.
[36] http://www.droit-technologie.org
LA RESPONSABILITE DES INTERMEDIAIRES SUR INTERNET: ACTUALITES ET QUESTION DES HYPERLIENS,Deuxième Partie: la responsabilité en matière d’hyperliens.Alain Strowel :Professeur aux Facultés universitaires Saint-Louis et à l'ULG,alainstrowel@nautaduthil.com,Nicolas Ide :Avocat au barreau de Bruxelles ; nicolaside@nautadutilh.com; 2 février 2001.[37]Abdelwaheb el behi, Nom de domaine :Réalités et perspectives, 3éme symposium international « Internet, Commerce Electronique, Droit et Arbitrage » Tunis 26-27-28 avril 2001 Hotel Carthage place Tunis .
Marie, Emmanuelle Has: la jurisprudence française sur les conflits entre noms de domaine et marques, , gaz. du palais, 19 - 20 - 21 avril 1998.[38]Elloumi abderraouf, la protection du consommateur dans le commerce électronique, DEA, faculté de droit de sfax 2001-2002. 
[39]Lionel Thoumyre :Hyperdossier - La responsabilité des acteurs du web 2.0 entre 2006 et 2010 (actualisation : 10 mai 2010), édité sur le site Juriscom.net le 01/02/2010.
[40]Cormac Callanan, Marco Gercke, Estelle De Marco, Hein Dries-Ziekenheiner: Rapport ''Filtrage d’Internet - Equilibrer les réponses à la cybercriminalité dans une société démocratique'', édité sur le site Juriscom.net le 20/05/2010.
[41]لايمكن الحديث عن التّعامل الإلكتروني بدون الاعتراف بالوثيقة الإلكترونية والإمضاء الإلكتروني، وذلك ما يمثّل أسس التّعامل الإلكتروني في أيّ مجال. وفعلا كان أوّل ما شغل التفكير هو التّقنين في هذا المجال وصيغت النّصوص القانونيّة سواء على مستوى الأمم المتّحدة أو على مستوى هياكل الاتّحاد الأوروبي. وصدر القانون التّونسي عدد 57 لسنة 2000 المؤرّخ في 13 جوان 2000 ليضيف الفصل 453 مكرّر م.ا.ع ويعترف لأوّل مرّة بالوثيقة الإلكترونية وينقّح الفصل 453 م.ا.ع ليعترف بالإمضاء الإلكتروني. ونقّح بالمرّة الفصلين 470 و471 م.ا.ع لبيان نسخ الحجج الإلكترونية.
- الاعتراف بالوثيقة الإلكترونية: لم يعترف رجال القانون في البداية بهذه الوسائل الحديثة في المعاملات، وكان الاعتقاد السّائد أن لا تكون الوثيقة إلا في شكل ورقي ملموس، لذلك تمسّكت جميع التّشاريع بتفوّق الوثيقة الورقيّة وتأسّست الأنظمة القانونيّة في مادّة الإثبات على هذا المبدأ الذي ظلّ يحكم المعاملات على امتداد فترات تاريخيّة معيّنة. لذلك ليس من الغريب أن يؤسّس المشرّع التّونسي نظريّة الإثبات منذ صدور مجلّة الالتزامات والعقود على أهمّية الكتائب الورقيّة التّي تبقي أثرا مكتوبا.لكنّ هذا الاعتقاد لم يكن صائبا، حيث إنّ التّقدّم العلمي أدرك درجة من المعرفة والإتقان في هذا الجانب، وبيّن أنّ الوثائق الإلكترونية ربّما تضمن درجة عالية من الدّقّة والوضوح تفوق الكتائب الورقيّة، التّي تكون عادة عرضة للتدليس بأيسر السّبل. لذلك جاءت المبادرة من لجنة الأمم المتّحدة للقانون التّجاري الدّولي سنة 1985 عندما طلبت من الدّول الأعضاء والمنظّمات الدّولية إعادة صياغة الجوانب القانونيّة الخاصّة بالتّسجيلات الإلكترونية والمعلوماتيّة لغاية استعمال الوسائل الإلكترونية في الإثبات.[41]لذلك  كان المشرّع التّونسي من الأوائل في دراسة الجوانب القانونيّة للوثيقة الإلكترونية. واقتضى الاعتراف بالوثيقة الإلكترونية، تعريف هذا المفهوم الجديد، وبيان مرتبته وشروط الاعتراف به وحجيته ونظام نسخه.
+ مفهوم واسع: لا تخضع الوثيقة الإلكترونية لشكل ملموس، فهي عبارة عن سلسلة من الأرقام تعبّر عن حالة وجود كهرباء في السّلك المجسّم أو مغناطيس في الذّاكرة المغناطيسيّة أو تباين ضوئي في ذاكرة القرص اللّيزري على حدّ تعبير الفنّيين، لذلك نصّ الفصل 453 مكرّر م.ا.ع على أنّ "الوثيقة الإلكترونية هي الوثيقة المتكوّنة من مجموعة أحرف وأرقام أوأيّ إشارات رقميّة أخرى بما في ذلك تلك المتبادلة عبر وسائل الاتّصال".
+مرتبة الوثيقة الإلكترونية: أغلب التّشاريع وضعت الوثيقة الإلكترونية على نفس المرتبة، باستثناء القلّة التّي أنقصت من قدرة الوثيقة الإلكترونية في أن تكون على نفس الدّرجة.[41]والحقيقة أنّ الفقهاء وفقه القضاء عموما يفرّقون بين الكتب والوسيلة المعتمدة لتحريره، فالكتب هو الكتب وإن تغيّرت الوسيلة، وهو المفهوم الصّحيح للمساواة بين الوثيقة الإلكترونية والوثيقة الورقيّة، فلا وجود لأي فرق بينهما، ويعتبر كلاهما وثائق مكتوبة، وإن تغيّر الوعاء، لذلك لم يشأ المشرّع تنقيح الفصول القانونيّة التّي لها علاقة بتعريف الحجج المكتوبة وخاصّة منها الفصل 441 م.ا.ع والفصل 427 م.ا.ع،[41]باعتبار أنّ هذه الفصول تضمّنت التّعريف اللاّزم للوثيقة المكتوبة، ولا تعدو الوثيقة الإلكترونية أن تكون في نهاية الأمر إلاّ وثيقة مكتوبة، وقد ورد بشرح أسباب مشروع القانون المتعلّق بتنقيح مجلّة الالتزامات والعقود أنّه في "نطاق مواكبة المشرّع لآخر المستجدّات خاصّة في مجال التّجارة الإلكترونية اقترح المشروع وضع تعريف للوثيقة الإلكترونية، ونزّلها منزلة الكتب الخطّي"، وبالتّالي ليس من الضّروري التّنصيص على مثل هذه الوسائل الجديدة التّي يمكن أن تتغيّر يوما بعد يوم، وقد اعترف فقه القضاء بالوثيقة الإلكترونية والحال أنّ المشرّع لم يتدخّل بعد للاعتراف بهذه الوثيقة.[41] ويذكر أنّ المشروع التّونسي في بدايته قد تضمّن فعلا تنقيحا للفصلين 441 و427 م.ا.ع لكنّه سرعان ما تراجع عن ذلك قبل المصادقة على مشروع القانون، نظرا للاعتبارات المذكورة. لكنّ المساواة المتحدّث عنها يمكن أن تضمحلّ إذا ما وضع المشرّع بعض الشّروط الإضافيّة لغاية الاعتراف بالوثيقة الإلكترونية، مثل تدخّل الغير في بعض المراحل.
+شروط الاعتراف بالوثيقة الإلكترونية: لايمكن للكتب أن يؤدّي وظيفته إلا إذا مكّن من التّعريف بالأطراف المتعاقدة وضمن سلامته من أيّ تغيير. لكنّ التّعريف بالأطراف الملتزمة وإن كان من وظائف الكتائب بصفة عامّة، فإنّ هذا الدّور يلحق عادة بالإمضاء. بقي أن تضمن الحجّة سلامتها من التغيير أو الإتلاف، حتّى تقوم بوظائفها القانونيّة، لذلك نصّ المشرّع بالفصل 453 مكرّر م.ا.ع على أنّ الوثيقة الإلكترونية يجب أن تكون " ذات محتوى يمكن فهمه ومحفوظة على حامل إلكتروني يؤمّن قراءتها والرّجوع إليها عند الحاجة ".
أمّا أن تكون الحجّة ذات محتوى يمكن فهمه، فذلك من الموجبات التّي يطلب تحقيقها لغاية جعل المراسلة الإلكترونية مفهومة أمام العدالة ومقبولة كوسيلة إثبات، ولا يمكن أن يتحقّق ذلك إلا بعد فكّ رموزها، وهو ما يستدعي ضرورة حفظها. لذلك اشترط المشرّع ضرورة حفظها على حامل إلكتروني يؤمّن قراءتها والرّجوع إليها عند الحاجة.+حجّية الوثيقة الإلكترونية: لقد أنكر العمل القضائي على مثل هذه الوثائق الإلكترونية، في بداية ظهورها الحقّ في التّواجد ضمن وسائل الإثبات المقبولة، ولم تر فيها بعض القرارات القضائيّة إلاّ قرينة من جملة القرائن أو بداية حجّة أو قل إنّ التعامل الإلكتروني يمنع التّحصيل على الحجّة المكتوبة، ممّا يستدعي الحديث عن صور التّعذّر المادي والمعنوي لتحرير الكتائب بصفة مسبقة. لذلك نصّ المشروع الأوّلي لتنقيح مجلّة الالتزامات والعقود على تنقيح الفصل 477 م.ا.ع لغاية توسيع مفهوم بداية الحجّة ليشمل وسائل الإثبات الحديثة مثل التّسجيلات المعلوماتيّة والأشرطة الممغنطة، وتنقيح الفصل 478 م.ا.ع لغاية إقرار مفهوم التّعذّر المادي والمعنوي للحصول على حجّة مكتوبة بالنسبة إلى المعاملات الإلكترونية.
ثمّ تراجع المشرّع عن هذا الاتّجاه، واتّجهت عنايته إلى إدماج فصل جديد "468 م.ا.ع مكرّر" بالباب المتعلّق بالمحرّرات التّي تعدّ حجج مكتوبة، واشترط أن لا تكون للوثيقة الإلكترونية قوّة في الإثبات إلاّ إذا كانت تحمل إمضاء الشّخص الذّي أصدرها وكان معلوم الهويّة والصفة على أن يتمّ إنجازها وحفظها وفق شروط تضمن مصداقيّتها. ويمكن إثبات خلاف ما تضمّنته الوثيقة المعلوماتيّة بقرائن قويّة ومدقّقة ومتضافرة. ولم يحدّد المشرّع بوضوح طبيعة هذه الكتائب، ودرجتها مقارنة بالحجج غير الرّسميّة التّقليّديّة، لكنّه اعتمد يومها قرينة قانونيّة قابلة للدحض، بمعنى أنّ الوسائل المستعملة تعتبر موثوقا بها، إلاّ إذا قام الدّليل على ما يخالف ذلك، وهو اتّجاه كرّسته عدّة تشاريع.
لكنّ تطوّر فقه القضاء في العالم أجمع في اتّجاه دعم مصداقيّة وحجّية الوثيقة الإلكترونية، خاصّة في ميدان التّجارة الإلكترونية، غيّر من نظرة العاملين في المجال القانوني، ودفعهم إلى الرّفع من مستوى حجّية مثل هذه الوثائق. وقد سبق لفقه القضاء في العالم أجمع أن اتّخذ مواقف جريئة في اتّجاه الاعتراف بالوثيقة الإلكترونية وحجّيتها في الإثبات، لكنّ ذلك كان في إطار الاتّفاقات المسبقة بين الطّرفين، وفي مجال يسمح بحرّية الإثبات. لكنّ المشرّع التّونسي لم يشأ انتظار تطوّر فقه القضاء في اتّجاه إقرار حجّية الوثيقة الإلكترونية خارج أيّ إطار اتّفاقي، وتدخّل بموجب القانون عدد 57 لسنة 2000 المؤرّخ في 13 جوان 2000 ونصّ صراحة على أنّ "الوثيقة الإلكترونية تعدّ كتبا غير رسمي إذا كانت محفوظة في شكلها النّهائي بطريقة موثوق بها ومدعّمة بإمضاء إلكتروني،" رغبة منه في إقرار طرق جديدة في الإثبات، وتجاوزا للأفكار الأوّليّة التّي تحطّ من قيمة الوثيقة الإلكترونية في الإثبات، تحت ضغط متطلّبات وموجبات التّجارة الإلكترونية. غير أنّه لم يفوّت الفرصة في إدخال بعض التعديلات على نظام نسخ الحجج ليشمل بعض التّطبيقات الإلكترونية، فيعطيها الحجّية المناسبة.
+ نسخ الحجج الإلكترونية: إنّ الأصل في العالم الإلكتروني له مدلول خاص، ومن الصعب التّفريق بين أصل الحجّة ونسختها، ولا يعدّ ذلك إلاّ من قبيل الأمور الاصطناعيّة. لكنّ المشرّع التّونسي أدمج مفهوم النّسخة بمقتضى التّنقيح الأخير رغبة منه في تأطير بعض الظّواهر المحدّدة والوسائل الحديثة التّي لا يمكن أن نتجاهلها أمام تقدّم المسائل الفنيّة في التّوثيق والتّصوير، حيث جاء بشرح الأسباب تحت باب إقرار قوّة ثبوتيّة لبعض النّسخ ما يلي:" لا تقرّ النّصوص الحاليّة في مجلّة الالتزامات والعقود المتعلّقة بنسخ الحجج بقوّة ثبوتيّة لنسخ الحجج الرّسميّة وغير الرّسميّة المأخوذة من الأصل إلاّ إذا أشهد بصحّتها ومطابقتها لأصلها المأمورون العموميّون بحيث أنّه عند انعدام فقدان الأصل أو إتلافه لا سبيل للاحتجاج بالنسخ والنّظائر ما دامت غير مشهود بصحّتها ومطابقتها لأصلها.وهذا الحلّ المعتمد منذ سنين خلت لم يعد يتماشى مع ما شهدته تقنيّات النّسخ والتّصوير من تطوّر وما أدخلت عليها من ضمانات فنيّة أصبحت تمكّن من المحافظة على الوثائق المستنسخة، إذ يكفي الآن تصوير آلاف الوثائق وتوثيقها في أفلام والاكتفاء بالتّوثيق الفيلمي المصغّر هذا فضلا عن ظهور تقنيّات جديدة للمكروفيلم مثل مخرجات الحاسوب الإلكتروني les sorties d’ordinateur التّي تتضمّن لا فقط نتائج المعالجة الآليّة للبيانات وإنّما تتميّز عن الميكروفيلم العادي بعدم وجود نسخة أصليّة سابقة computer out put microfilm." لذلك نصّ الفصل 470 م.ا.ع الجديد على أنّ نسخ الحجج الرّسميّة وغير الرّسميّة المأخوذة من الأصل تعتبر كأصولها إذا شهد بصحّتها المأمورون العموميّون المأذونون بذلك بالبلدان المأخوذة بها النّسخ أو أقرّ بصحّتها الطّرف المحتجّ بها ضدّه أو كانت ممضاة من طرفه أو إذا تمّ إنجازها وفق وسائل فنية توفّر كلّ الضّمانات لمطابقتها لأصولها. كما نصّ الفصل 471 م.ا.ع الجديد على أنّ الحجج الخاصّة أو العموميّة الموجودة بخزائن المكاتيب العموميّة-الأرشيف الوطني-إذا أخذ المكلّف بها نسخا منها طبق القوانين اعتبرت كأصلها، وتجري هذه القاعدة على النّسخ المأخوذة من دفاتر المحاكم المنتسخ بها الحجج إذا شهد بمطابقتها لأصلها أو إذا تمّ إنجاز تلك النّسخ وفقا للوسائل المشار إليها بالفصل المتقدّم. معنى ذلك أنّ النّسخ الرّسميّة وغير الرّسميّة والنّسخ المأخوذة من الأرشيف الوطني ودفاتر المحاكم والنسخ التّي بحوزة أيّ طرف ما، إذا ما تمّ إنجازها وفق وسائل فنية توفّر كلّ الضّمانات لمطابقتها لأصولها، تعتبر كأصولها.
[42]اعترفت مجلّة الالتزامات والعقود وقانون المبادلات والتّجارة الإلكترونية، ولأوّل مرّة بالإمضاء الإلكتروني، لكنّهما أخضعا هذا الاعتراف لعدّة شروط جوهريّة.
+الاعتراف بالإمضاء الإلكتروني:  لقد سبق لفقه القضاء أن اعترف بالإمضاء الإلكتروني قبل تدخّل المشرّع بنصوص واضحة، وكان هذا الاعتراف في إطار تعاقدي وفي إطار يسمح بحرّية الإثبات. ولما كان الاعتراف بالوثيقة الإلكترونية يتوقّف على  الاعتراف بالإمضاء الإلكتروني، حيث لا يمكن الحديث عن حجيّة بدون الاعتراف بالإمضاء الإلكتروني. لذلك أورد المشرّع التّونسي بالفصل 453 م.ا.ع بعد تنقيحه بموجب القانون عدد 57 لسنة 2000 المؤرخ في 13 جوان 2000 تعريفا للإمضاء الإلكتروني بقوله إنّ الإمضاء الإلكتروني "يتمثّل في استعمال منوال موثوق به يتضمّن صلة الإمضاء المذكور بالوثيقة الإلكترونية المرتبطة به"، وسوّى بينه وبين الإمضاء اليدوي في الحجيّة بقوله:" ويتمثّل الإمضاء -اليدوي- في وضع اسم أو علامة خاصّة بخطّ اليد العاقد نفسه مدمجة بالكتب المرسوم بها أو إذا كان إلكترونيّا في استعمال منوال موثوق به يتضمّن صلة الإمضاء المذكور بالوثيقة الإلكترونية المرتبطة به". والهامّ في هذا الاعتراف هو صدوره خارج أيّ إطار قانوني مسبق، فالإمضاء الإلكتروني معترف به بالتّشريع التّونسي على نفس درجة الإمضاء اليدوي، على خلاف التّجارب الأوّليّة التّي سمحت باعتماده في مجالات معيّنة وفي إطار اتّفاقي. ويعتبر القانون الجديد هام كذلك من حيث أنّه قدّم ولأوّل مرّة تعريفا للإمضاء سواء كان يدويّا أو إلكترونيّا.
والحقيقة أنّ لا شيء يمنع من الاعتراف بالإمضاء الإلكتروني وإن اختلف شكلا عن الإمضاء اليدوي، وملك خصائص مميّزة، لأنّه يؤدّي في نهاية الأمر نفس الوظائف وإن تعدّدت أنواعه وتطبيقاته..التّعريف: فيتمثّل الإمضاء الإلكتروني في شكل رموز رياضيّة سريّة مرتبطة برسالة بيانات إلكترونيّة تعرّف بهويّة صاحبها، يعبّر عنه بمنوال تعريف. ويمكن أن يتّخذ عدّة أشكال.
.التّطبيقات: وأوّل ما عرف في هذا المجال هو "الرّقم السرّي" وهو ممارسة اعتمد عليها نظام البطاقات البنكيّة. رغم أنّ البعض لا يعترف للرّقم السّري بصفة الإمضاء خارج البطاقة التّي تمكّن في حقيقة الأمر من إتمام المعاملة القانونيّة. ويوجد إلى جانب هذا النّوع من الإمضاء ما يعرف بالإمضاء البيومتري المعتمد على بصمات اليد أو قزحيّة العين. فمجرّد وضع البطاقة المحتوية على عناصر معرّفة بالشّخص بالآلة القارئة، يمكن التّأكد إن كان لحامل البطاقة نفس العناصر البيولوجيّة المضمّنة بالبطاقة، فإن صحّ ذلك تأكّد أنّ الحامل هو الشّخص نفسه، وإن تعرّضت البطاقة للتّلف أو السّرقة، يُكتشف أمر حاملها بمجرّد وضعها بالآلة القارئة وتحجز البطاقة مباشرة[42] لكنّ الطّريقة التّي لا تترك مجالا للنّقاش، وهي الأكثر شيوعا في الوسط العالمي، هي الإمضاءات المعتمدة على وسائل التّشفير،[42] هي على نوعين، التّشفير التّماثلي والتّشفير اللاّتماثلي[42]. يعتمد التّشفير التّماثلي cryptographie symétrique على مفتاح واحد، سواء في التّشفير أو فكّ التّشفير. لكنّ هذه الطّريقة تتطلّب إحالة المفتاح بين الأطراف بطريقة يجب أن تضمن سلامته. ويعتمد التّشفير اللاّتماثلي cryptographie asymétrique  على مفتاحين مترابطين، المفتاح الخاصّ ولا يمكن أن يعلمه إلا المعني بالأمروالمفتاح العام وهو معلوم من طرف جميع المتعاملين، حيث يتمّ تشفير الوثيقة بواسطة المفتاح الخاص، فتصبح غير مقروءة، وترسل على الشّبكة، فإذا انفتحت للمرسل إليه بواسطة المفتاح العام المعلوم لديه، فيعلم حينئذ أن المراسلة جاءت فعلا من الباعث المعني دون الآخر. وتمكّن هذه الطّريقة من التّعريف بالباعث identification  واستثباته authentification، لكنّها لا تضمن سريّة وسلامة الوثيقة لأنّه يمكن لأي طرف أن يطّلع عليها فيغيّر محتواها. لذلك اتّجه التّطبيق إلى استعمال طريقة التّشفير المزدوج، وهو أن تشفّر الرّسالة أوّلا بواسطة المفتاح السّري للمرسل، وهو ما يضمن التّعريف بالباعث، وثانيا بواسطة المفتاح العام للمرسل إليه، وهو ما يضمن سريتها، حيث إنّ فتحها لا يمكن أن يتحقّق إلاّ بواسطة المفتاح الخاصّ الذّي لا يمكن أن يعلمه إلا المرسل إليه. وإذا ما وصلت المراسلة إلى المرسل إليه فكّ التّشفير الأوّل بواسطة المفتاح العام للباعث، فيتعرّف على المرسل، وفكّ المستوى الثّاني بواسطة مفتاحه الخاص، فيتعرّف على محتوى الرّسالة. وإذا كان الغرض هو تقرير سلامة الوثيقة من التّغيير، دون سريّة المعلومة، وفي نفس الوقت التّحقّق من هويّة المراسل، فيمكن الاستعمال المزدوج لمنظومة الإمضاء ومنظومة ما يعرف بـhachage ou condensé du message.[42]ورغم أن هذه الطّرق تبدو معقّدة من حيث تكوينها، فإنّها سهلة الاستعمال، لأنّها في نهاية الأمر لا تعدو أن تكون سوى برامجيّات، تؤدّي المطلوب بمجرّد تطبيقها على جهاز الإعلامية[42].
.الخصائص: والحقيقة أنّ الإمضاء الإلكتروني مهما تعدّد فهو يمتاز بخصائص لا تبتعد كثيرا عن خصائص الإمضاء اليدوي الذّي يتميّز بشخصيّة التّوقيع وديمومته وإمكانيّة الكشف عن كل تقليد قد يصيبه. فالشّخصيّة أو الشّخصانيّة ترتبط بمميّزات الشخص في رسم الإمضاء من حيث أشكاله وخطوطه التّي تعرّف في نهاية الأمر بصاحبها، لذلك يقال إن مجرّد كتابة خطّ لا يمكن أنّ يدلّ على شخصيّة صاحب الإمضاء. ويضمن التّوقيع الإلكتروني مبدأ الشّخصيّة في حدود أنّه يمكّن من التّعرّف على هويّة الباحث، لكنّه لا يضمن الشّخصانيّة، بمعنى أنّ منظومة الإمضاء ربّما تسقط بحوزة الغير، كرها أو طوعا، فتلزم صاحبها وإن استعملها هذا الغير. لذلك عادة ما يقع التّنصيص على مسؤوليّة صاحب منظومة التّشفير لكلّ استعمال غير مشروع. وقد أورد المشرّع التّونسي بالفصل السّادس من القانون عدد 83 لسنة 2000 المؤرّخ في 9 أوت 2000 والمتعلّق بالمبادلات والتّجارة الإلكترونية بأنّه يتعيّن "على كلّ من يستعمل منظومة إمضاء إلكتروني اتّخاذ الاحتياطات الدّنيا التّي سيتمّ ضبطها لتفادي كلّ استعمال غير مشروع لعناصر التّشفير أو المعدّات الشّخصيّة المتعلّقة بإمضائه." ويضيف الفصل السّابع من القانون المذكور أنّه في "صورة إخلاله بالالتزامات المذكورة يتحمّل صاحب الإمضاء مسؤوليّة الاضرار اللاحقة بالغير النّاتجة عن ذلك." ونصّ كذلك الفصل 21 في فقرته الأوّلى على أنّ "صاحب شهادة المصادقة الإلكترونية يعتبر المسؤول الوحيد عن سريّة وسلامة منظومة إحداث الإمضاء التّي يستعملها. وكلّ استعمال لهذه المنظومة يعتبر صادرا منه". ويكون الإمضاء اليدوي دائما في حدود أنّه يلازم الشّخص إلى ما لا نهاية. وإن كان بالإمكان التّوصّل إلى ديمومة الإمضاء في العالم الإلكتروني، فالواقع يبيّن تغيّر هذه الطّريقة بتغيّر الوسائل المستعملة خاصّة بالنسبة إلى منظومة التّشفير. وإذا تمّ تزوير الإمضاء اليدوي، يمكن الإذن بإجراءات خاصّة للتّوصل إلى حقيقة التّزوير من عدمه[42]في حين أنّ الإمضاء الإلكتروني لا يقبل التّزوير أو التّقليد بالمرّة لأنّه غير مضمّن بوعاء مادي، خاصّة إذا اعتمدت طرق متقدّمة في منظومة التّشفير[42].
.الوظائف: لكنّ التّشاريع الحديثة ومن ورائها الفقهاء لا يركّزون في حقيقة الأمر على خصائص الإمضاء بقدر ما يشيرون إلى وظائفه التّي تبقى هي نفسها سواء كان الإمضاء يدويّا أو إلكترونيّا. كما يعتبرون أنّ الإمضاء اليدوي ليس إلا مرحلة من المراحل التّاريخيّة التّي يمكن تجاوزها بظهور طرق أكثر إتقانا وحذقا. فيسند عادّة إلى الإمضاء وظيفة التّعريف بالشّخص، ووظيفة بيان التزام الشّخص بمحتوى الوثيقة.  لذلك بيّن الفصل 453 جديد في تعريف الإمضاء الإلكتروني وظيفة الإمضاء دون إغفال المعيار الفني، قولا  إنّ الإمضاء يتمثّل في وضع اسم أو علامة خاصّة بخطّ يد العاقد نفسه مدمجة بالكتب المرسوم بها أو إذا كان إلكترونيّا في استعمال منوال تعريف موثوق به يضمن صلة الإمضاء المذكور بالوثيقة الإلكترونية المرتبطة به.
إنّ الإمضاء اليدوي عادّة ما يتّخذ عدّة أشكال، المهمّ أن يكون مميّزا ويعرّف بالمتعاقد. ويحقّق الإمضاء الإلكتروني التّعريف بالمعاقد بطريقة فيها من الضبط الكثير، ربّما تجاوزت حدود الإمضاء اليدوي، لأنّ التّشفيرعلى قاعدة المفتاح العام لا يسمح فقط بالتّعريف بمن أمضى بل يمكّن من التّعرّف على عناصر هويّته، الأمر الذّي لا يشترطه الإمضاء اليدوي. كما أنّ الإمضاء الإلكتروني يمكّن من تحديد ومراقبة هويّة الباعث والتّأكّد من صدور الإمضاء عنه، وهو ما يعرف بالاستثبات الإلكتروني authentification  الأمر الذّي لا يشترط بالإمضاء اليدوي، حيث يكتفي بمفهوم التّعريف لا أكثر ولا أقلّ identification.
ويعتبر الاستثبات الإلكتروني بواسطة الغير مفهوما فنيّا خاصّا بالإمضاء الإلكتروني، لا يصحّ مقارنته بما يحدث عند تحرير الرّسوم الرّسميّة في العالم الورقي، حيث إنّ الاستثبات ليس له علاقة بمحتوى الوثيقة التّي تظلّ مجهولة حتّى على الطّرف الثّالث المصادق. وبالتّالي فإنّ الإمضاء الإلكتروني لا يحقّق فحسب التّعريف بالأطراف المتعاقدة، بل يتجاوز ذلك ليحقّق الاستثبات طبق المفهوم الذّي سبق شرحه.ويعبّر الإمضاء اليدوي كذلك عن رضاء المعاقد بمحتوى الوثيقة، ويكون الإمضاء اليدوي مدمجا بالكتب نفسه. ولا يمكن للمستوى الإلكتروني بطبيعة الحال أن يضمن هذا الاندماج المادي، لكنّه يضمن صلة الإمضاء بالوثيقة، لذلك علّق الفصل 453 جديد في فقرته الأخيرة صحّة الإمضاء الإلكتروني على ضمان صلة الإمضاء المذكور بالوثيقة الإلكترونية المرتبطة به. لكنّ ذلك لا يمكن أن يتحقّق إلا إذا توفّرت الشّروط الضّروريّة.
+شروط الاعتراف بالإمضاء الإلكتروني: نصّ الفصل 453 جديد م.ا.ع على استعمال منوال تعريف موثوق به يضمن صلة الإمضاء المذكور بالوثيقة الإلكترونية المرتبطة به. ويتّجه التّساؤل في هذا الباب عن مفهوم المنوال الموثوق به، ويقرّ علماء الإعلاميّة ورجال القانون على حدّ السّواء كذلك، أنّ ضمان الصّلة بين الإمضاء وصاحبه لا يمكن أن يتحقّق من الوجهة الواقعيّة إلا بتدخّل طرف ثالث سمّي بمزوّد خدمات المصادقة الإلكترونية.
.استعمال منوال تعريف موثوق به:الإمضاء لا يمكن أن يعتدّ به إلاّ إذا اعتمد على منوال تعريف موثوق به، وقد قدّمنا أنّ الطّرق في الإمضاء يمكن أن تتعدّد، ولذلك أورد المشرّع بالفصل الخامس من القانون عدد 83 لسنة 2000 المتعلّق بالمبادلات والتّجارة الإلكترونية أنّه " يمكن لكلّ من يرغب في إمضاء وثيقة إلكترونيّة إحداث إمضائه الإلكتروني بواسطة منظومة موثوق بها يتمّ ضبط مواصفاتها التّقنيّة بقرار من الوزير المكلّف بالاتّصالات." معنى ذلك أنّ درجة الموثوقيةّ ستحدّد بمقتضى قرار يتّخذه الوزير المكلّف بالاتّصالات.
وتعتبر اليوم الطّريقة المعتمدة على منظومة التّشفير والمعروفة بالتّشفير اللاّتماثلي وتدخّل الغير المصادق، هي الطّريقة المثلى والمعتمدة بواقع التّجارة الإلكترونية، وقد أثبتت نجاعتها. وقد جاء بالقانون عدد 83 لسنة 2000 ما يوحي بشكل لا يدعو مجالا للشكّ أنّ المشرّع التّونسي يطمئنّ لطريقة التّشفير في الإمضاء، وخاصّة منها الطّريقة اللاّتناظريّة. ويفهم ذلك جليّا من تنظيم المشرّع لمنظومتي إحداث الإمضاء والتّدقيق فيه[42]وخدمات المصادقة الإلكترونية[42]،وتكرار الحديث عن مجال التّشفير في عدّة فصول[42].وفعلا صدر أخيرا القرار المؤرّخ في 19 جويلية 2001 المتعلّق بضبط المواصفات التّقنيّة لمنظومة إحداث الإمضاء الإلكتروني واعتمد هذا الاتّجاه[42].
لكنّ ذلك لا يهمّ النّظام العام وبإمكان الأطراف الاتّفاق على مخالفته، وقد سبق لفقه القضاء أن اعترف بصحّة الاتّفاقات الخاصّة بطريقة الإمضاء الإلكترونية في ميدان البطاقات البنكيّة.وإن كان المشرّع التّونسي لم ينصّ صراحة بالتنقيح الأخير على صحّة مثل هذه الاتّفاقات، لكنّه لا شيء يمنع من ذلك والحال أنّ نظريّة الإثبات بصفة عامة لا تهمّ النّظام العام، وقد أورد المشرّع منذ تحرير مجلّة الالتزامات سنة 1906 بعضا من هذا الرّأي، ونصّ الفصل 425 م.ا.ع على صحّة مثل هذه الاتّفاقات.[42]هذا وقد عرّف المشرّع التّونسي التّشفير في عدّة مواضع، وهو في نهاية الأمر وسيلة رياضيّة معقّدة تجعل النّص غير مقروء ولا يمكن إرجاعه إلى صورته الأصليّة إلاّ بعد فكّ رموز التّشفير. كما أشار المشرّع بالفصل الثّالث من القانون عدد 83 لسنة 2000 إلى أنّ استعمال التّشفير في المبادلات والتّجارة الإلكترونية عبر الشّبكات العموميّة للاتّصالات يخضع للتّراتيب الجاري بها العمل في ميدان الخدمات ذات القيمة المضافة للاتّصالات.
ولنعلم أن الخدمات ذات القيمة المضافة والتراخيص التي يمكن أن تسند إلى الأشخاص المعنويين الخاضعين للقانون الخاص أو القانون العام لممارسة هذا النشاط يخضعان لشروط الأمر عدد 501 لسنة 1997 المؤرخ في 14 مارس 1997 المتعلق بالخدمات ذات القيمة المضافة، الذي حدّد كيفية الحصول على رخص الاستغلال ومهام والتزامات مزود الخدمة ومسؤولياته. وقد ورد بالفصل 11 منه أن مزود الخدمة يسعى إلى الحصول مسبقا على ترخيص من الوزير المكلف بالمواصلات لبثّ المعلومات المشفرة وتضبط شروط الحصول على رخصة لاستغلال الشفرة بقرار من الوزير المكلف بالاتّصالات. ولهذا الغرض صدر القرار المؤرخ في 9 سبتمبر 1997 عن وزير المواصلات المتعلق بضبط شروط استعمال الشفرة في استغلال الخدمات ذات القيمة المضافة. وسمح هذا القرار لكلّ مزوّد أو مستعمل لخدمة ذات قيمة مضافة للاتّصالات باستقبال أو إرسال معلومات مشفرة بشرط الحصول مسبّقا على رخصة تؤهّله لوضع واستغلال الشفرة طبقا لمقتضيات الفصل 11 من الأمر عدد 501 المشار إليه[42]
ومن الواضح أن المشرع التونسي أخضع استعمال وسائل التشفير لضرورة التّرخيص المسبّق، مع اطّلاع الوزارة على مفاتيح التّشفير في جميع الحالات. وقد أورد المخطط التاسع في الباب المتعلق بالمواصلات أن هذا المجال سيعرف مراحل جديدة في اتجاه تحيين التّراتيب والمشاريع وتبسيط الاجراءات. وفعلا صدرت مجلّة الاتّصالات الحديثة بموجب القانون عدد 1 لسنة 2001 المؤرّخ في 15 جانفي 2001 وأوردت بدورها تعريفا للتّشفير، ونصّت بالفصل 9 منها على أنّ شروط وإجراءات استعمال وسائل أو خدمات التّشفير عبر شبكات الاتّصالات وكذلك شروط تعاطي الأنشطة ذات العلاقة ستضبط بأمر، وألغيت بالتّالي الأحكام السّابقة. وفعلا صدر هذا الأمر تحت عدد 2727 لسنة 2001 المؤرّخ في 20 نوفمبر 2001، وكانت نيّة المشرّع واضحة في مزيد تبسيط الإجراءات، حيث تخلّى المشرّع عن إجراء التّرخيص في الاستعمال، وعوّضه بإيداع عناصر فكّ التّشفير لدى الوكالة الوطنيّة للمصادقة، مع الإبقاء على حريّة الاستعمال في صورتين[42] وتدخّل المشرّع من جديد في اتّجاه تعديل أحكام الأمر عدد 2727 بموجب الأمر عدد 1071 لسنة 2007 المؤرّخ في 2 ماي   2007[42]، ثمّ تدّخل نهاية بموجب الأمر عدد 2639 لسنة 2008 المؤرّخ في 21 جويلية 2008 لينص بالفصل الثالث منه على أنّ توريد وتسويق وسائل التشفير المتداولة والمصادق عليها من قبل الوكالة الوطنيّة للمصادقة الإلكترونيّة والمحدّدة بقائمة من قبلها لا تخضع لأيّ ترخيص. ويخضع توريد وتسويق وسائل التشفير الأخرى التي لم تدرج بالقائمة إلى ترخيص من قبل الوكالة، باستثناء وسائل التشفير التي تقوم بتوريدها المؤسسات بصفة مؤقتة استجابة لحاجياتها، فلا تخضع للترخيص أو المصادقة، على أن يقع ضبط هذه المؤسسات بقائمة من قبل الوكالة، وألغى بالتالي الأوامر السابقة عدد 2727 وعدد 1071[42].
.ضرورة تدخّل سلطة المصادقة: يعتمد الرّقم السّري غالبا بالمعاملات البنكيّة سواء في سحب الأموال أو الاعتماد أو الدّفع أو القيام بعدّة أعمال أخرى لها علاقة بالعمل البنكي، ويكون ذلك في إطار اتّفاق مسبق يعترف من خلاله بالقيمة القانونيّة لهذه الطّريقة في الإمضاء. لكنّ التّعامل الإلكتروني من خلال شبكة مفتوحة مثل الأنترنات، متى يجهل المستعمل من يقف وراء جهاز الكمبيوتر من النّاحية الأخرى ولمن تعود المنظومات العموميّة للتّشفير، يتطلّب بالضّرورة تدخّل الغير للتّعريف بالأطراف وضمان صلة الشّخص بإمضائه، وذلك بتسليم شهادة المصادقة الإلكترونية المؤمّنة بدورها بالإمضاء الإلكتروني للمزوّد للتّعريف بالطّرفين وضمان الآمان في عالم مفتوح، فبمجرّد الاطّلاع على شهادة المصادقة الإلكترونية يعلم الطّرف المقابل بهويّة الطّرف الآخر وبمصداقيّة الإمضاء، حيث يحرص الباعث على التّعريف بنفسه من خلال هذه الشّهادة التّي تسلّمها سلطات المصادقة الإلكترونية بطريقة إلكترونيّة مباشرة، فيرسلها ضمن مراسلته التّي يمكن أن تفتح بواسطة المفتاح العام، فيعلم المرسل إليه بالهويّة الكاملة للمرسل من خلال هذه الشّهادة، ويمكن التّأكّد من صحّة هذه الشّهادة بإعمال المفتاح العام للمزوّد. ويعتبر تدخّل الطّرف المصادق من الوجهة الواقعيّة من الأهميّة بمكان، بحيث لا يمكن الاستغناء عنه، وهو الاتّجاه الذّي اعتمده المشرّع التّونسي، متى أوجب حفظ أزواج المفاتيح لدى مزوّد الخدمة بواسطة كلمة السّرّ التّابعة للمستفيد، وتنقسم الأزواج إلى عدّة أجزاء ويحفظ كلّ جزء منها لدى مصلحة من مصالح مزوّد الخدمة، ويتعيّن على مزوّد خدمات المصادقة التّثبّت من استجابة منظومة إحداث المفاتيح لشروط السّلامة ومطابقتها للمواصفات والمعايير الدّوليّة في تأمين تكنولوجيا المعلومات. ويتعيّن كذلك على صاحب المفتاح والمزوّد استعمال منظومة تمكّن من حفظ واستعمال المفتاح الخاص بواسطة كلمة السّر، وإخفاء المفتاح الخاص بعد كلّ استعمال، وإذا فقد المفتاح الخاصّ يتعيّن على صاحب المفتاح مطالبة مزوّد الخدمة بإيقاف أو إلغاء الشّهادة. ويتعيّن على مزوّد الخدمات أخيرا وهو الأهمّ " مراقبة النّفاذ إلى منظومة الإحداث المودعة لديه وتحديد هويّة كلّ مستعمل لهذه المنظومة وتسجيل كلّ العمليّات التّي تنجز باستعمال هذه المنظومة في سجلّ خاص[42]وبالتّالي فإنّ تدخّل الطّرف المصادق من الضّروريّات القانونيّة في القانون التّونسي، وإن كان تدخّله لا يعدّ شرطا من شروط إتمام الإمضاء من الوجهة الفنيّة[42]  لذلك أورد المشرّع بقانون المبادلات والتّجارة الإلكترونية بابا كاملا يتعلّق بخدمات المصادقة الإلكترونية.  
إنّ المصادقة الإلكترونية هي طريقة إلكترونيّة تسمح بضمان الصّلة بين المنظومة العموميّة للتّشفير وصاحبها، بحيث يتأكّد الطّرف المقابل بأنّ الإمضاء المعيّن يتعلّق بهويّة شخص معيّن دون آخر، فيتحقّق الآمان المطلوب. وقد استحدث هذا الإجراء لغاية الاستثبات أو التّصديق L’authentification  الذّي يعبّر في نهاية الأمر عن تدخّل الغير والقدرة على مراقبة الهويّة والتّعريف بها والتأكد من صدور الإمضاء عن صاحبه دون آخر. وهو مفهوم إلكتروني ليس له علاقة بالمفهوم المدني الذّي يطلب تدخّل المأمور العمومي كلّما رغب المشرّع في حماية المتعاقدين ومراقبة أعمالهم، فيتعدّى عمله مجرّد التّعريف بالأشخاص ومراقبة هويّتهم إلى مضمون الوثيقة نفسها فيقف على توفّر شروطها وصحّة مضمونها وأهليّة المتعاقدين، فتتّخذ الحجّة المحرّرة طبق هذه الصّورة شكلها الرّسمي.
لكنّ التّصديق في مفهومه الإلكتروني، وإن شبّه الفقهاء القائم به بمثابة العدل أو المأمور، يعني فقط تدخّل الغير لضمان الرّابطة بين الإمضاء وصاحبه، دون تدخّل منه بمضمون الوثيقة، الذّي لا يمكن أن يدركه بحكم سريّة المعلومة المضمّنة به. ويسلّم شهادة في الغرض تعرف بشهادة المصادقة الإلكترونية، التّي يعتدّ بها أمام القضاء، وتمثّل حجّة لا يستهان بها في إثبات علاقة الشّخص بإمضائه.[42]ويجب الإشارة إلى أنّ تدخّل الغير المصادق لا يعتبر شرطا من شروط صحّة الإمضاء في عدّة بلدان، والمنطقي أن لا يعامل المجال الإلكتروني بشدّة تتجاوز المطلوب في العالم الورقي. لكنّ تدخّل الغير المصادق وإن لم يكن شرطا من شروط صحّة الإمضاء فهو الوسيلة التّي تحقّق الآمان النفسي للمتعاملين في مجال افتراضي تنتفي خلاله المعرفة المسبّقة بين الطّرفين، ويمثّل وسيلة ضمان هامّة، وهي الطّريقة التّي تمكّن في نهاية الأمر من إقامة الدّليل على توفّر الرّابطة بين العناصر الشخصيّة للإمضاء وصاحبها. ولهذا الغرض ارتقى تدخّل الغير المصادق بالقانون التّونسي إلى مرتبة تجعله مقترنا بالمنظومة الموثوق بها في إتمام الإمضاء، وبدونه تنعدم الوثوقيّة، ولا يكون الإمضاء إمضاءً.وقد نظّم المشرّع خدمات المصادقة الإلكترونية، من حيث تكوينها وحلّها[42]ومهامها[42]وسؤوليّة المزوّدين بالقانون عدد 83 لسنة 2000 المؤرّخ في 9 أوت 2000. وبذلك وضع المشرّع التّونسي أسس العمل الإلكتروني، لكنّه كان ينتظر أن يطمئنّ المتعاملون لهذا الإطار الجديد.
[43]لا شك في أن للاعلامية جوانب علمية ومسالك تقنية لا يدركها إلا الفني، وهي بذلك عرضة إلى الضرر في كل وقت، خاصة بالنسبة إلى الشبكات المفتوحة، ولا يمكن أن يشعر المتداخلون بالأمان إلا إذا فرضت جملة من القواعد الفنية في إتجاه ضمان السلامة المعلوماتية. وفي هذا الإطار يأتي القانون عدد 5 لسنة  2004 المؤرخ في 3 فيفري 2004 المتعلق بالسلامة المعلوماتية   (la sécurité informatique). وأخضع المؤسسات التي تشغل الشبكات العمومية للاتصالات ومزودي خدمات الاتصال والانترنات والمؤسسات ذات الشبكات الاعلامية المرتبطة فيما بينها عبر شبكات خارجية للاتصالات والمؤسسات التي تتولى المعالجة الآلية للمعطيات الشخصية لحرفائها في إطار توفير خدماتها عبر شبكات الاتصالات للتدقيق الاجباري الدوري الذي يجب أن يقع سنويا. وواضح أن هذه النظم المعلوماتية والشبكات قد تعود لهياكل عمومية أو للقطاع الخاص شرط أن تكون منتفعة بطريقة أو بأخرى بالشبكات العامة للاتصالات والانترنات.
وتتم عملية التدقيق من خلال إجراء تحليل ميداني يعتمد التحري حول النواحي التنظيميّة والهيكلية للسلامة وكيفية التصرف في إجراءات السلامة ومدى توفر آليات تأمين النظام المعلوماتي وكيفيّة استعمالها والتحليل التقني لسلامة كافة مكونات النظام المعلوماتي مع اختبار مناعتها ضد كل أنواع المخاطر وتحليل وتقييم المخاطر التي قد تنجر عن استغلال الثغرات التي تم اكتشافها إثر عملية التدقيق. ويتولى القيام بعمليات التدقيق خبراء وأشخاص طبيعيون أو معنويون مصادق عليهم مسبقا من قبل الوكالة الوطنية للسلامة المعلوماتية. وعند الانتهاء من إجراء عملية التدقيق يسلم الخبير المكلف بالتدقيق للهيكل المعني تقريرا يحمل  ختمه وإمضاءه ويضمن به جميع أعماله مع اقتراح الإجراءات والحلول التنظيمية والتقنية للسّلامة الواجب اعتمادها لتجاوز النقائص المسجلة، ويوجه الهيكل المعني هذا التقرير إلى الوكالة الوطنية للسلامة المعلوماتية التي يمكن أن ترفضه إذا لم يحترم جملة الضوابط المذكورة، وفي هذه الحالـة يتعين إعـادة الاختبار في أجل معين ( شهرين )، وإذا انقضى الأجل دون نتيجة، يمكن للوكالة تعيين خبير يُعهد إليه باتمام أعمال التدقيق على نفقة الهيكل المخالف. كما تبقى الإمكانية قائمة في تعيين خبير على نفقة المخالف إذا امتنع الهيكل منذ البداية عن إجراء التدقيق الاجباري الدوري واستقر على موقفه مدة شهر بعد إنذاره.
  ولهذا الغرض أنشأ المشرّع وكالة وطنية للسلامة المعلوماتية تضطلع بمراقبة عامة على النظم المعلوماتية والشبكات الراجعة بالنظر إلى مختلف الهياكل العمومية والخاصة، وتكلّف خصوصا بالسّهرعلى تنفيذ التوجهات الوطنية والاستراتيجية العامّة لسلامة النظم المعلوماتية والشبكات ومتابعة تنفيذ الخطط والبرامج المتعلقة بالسلامة المعلوماتية في القطاع العمومي وضمان اليقظة التكنولوجية في مجال السلامة المعلوماتية ووضع مقاييس خاصة بالسلامة المعلوماتية وإعداد أدلة فنية في الغرض والعمل على نشرها وعلى تشجيع تطوير حلول وطنية في مجال السلامة وإبرازها وذلك وفق الآليات والبرامج التي يتم ضبطها من قبل الوكالة والسهر على تنفيذ التراتيب المتعلقة باجبارية التدقيق الدوري. ولتحقيق مهامها يمكن للوكالة إجراء معاينات ميدانية بعد دراسة الاختبارات والاطلاع على جميع الوثائق والملفات الخاصة بالسلامة المعلوماتيّة. كما يجب على كل مشغل هيكلا عموميا أو خاصا لنظام معلوماتي أو شبكة، إعلام الوكالة الوطنية للسلامة المعلوماتية فورا بالهجمات والاختراقات وغيرها من الاضطرابات التي من شأنها عرقلة استغلال نظام معلوماتي أو شبكة أخرى حتى يتسنى لها اتخاذ التدابير الكفيلة بالتصدي لها، ويتحتم على المستغل الامتثال إلى التدابير المقررة من قبل الوكالة الوطنية للسلامة المعلوماتية لوضع حد لهذه الاضطرابات. ويمكن لها في هذه الصورة ولغاية حماية النظم المعلوماتية والشبكات اقتراح عزل النظام المعلوماتي أو الشبكة المعنية إلى أن تكف هذه الاضطرابات ويتم هذا العزل بمقتضى مقرّر من الوزير المكلف بتكنولوجيات الاتصال.[44]رفع المشرّع مسألة حماية المعطيات الشّخصيّة إلى مرتبة المبادئ الدّستوريّة بموجب التّنقيح الأخير الصّادر بمقتضى القانون الدّستوري عدد 51 لسنة 2002 المؤرّخ في 1 جوان 2002 المتعلّق بتنقيح بعض أحكام من الدّستور، حيث أصبح الفصل التّاسع ينصّ على أنّ " ...حماية المعطيات الشّخصيّة مضمونة إلاّ في الحالات الاستثنائيّة التّي يضبطها القانون." وجاء القانون الأساسي عدد 63 لسنة 2004 المؤرخ في 27 جويلية 2004 ليعتمد نظاما خاصا بحماية المعطيات الشخصية التي أصبحت تعرف بكونها " كل البيانات مهما كان مصدرها أو شكلها والتي تجعل شخصا طبيعيا معرفا أو قابلا للتعريف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة باستثناء المتصلة بالحياة العامة أو المعتبرة كذلك قانونا." ويعد قابلا للتعريف الشخص الطبيعي الذي يمكن التعرف عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال مجموعة من المعطيات أو الرموز المتعلقة خاصة بهويته أو بخصائصه  الجسمية أو الفزيولوجية أو البيئية أو النفسية أو الاجتماعية والاقتصادية أو الثقافية"[44] وأصبحت جميع العمليات المنجزة سواء بطريقة آلية أو يدوية من شخص طبيعي أو معنوي، والتي تهدف خاصة إلى جمع معطيات شخصية أو تسجيلها أو حفظها او تنظيمها أو تغييرها أو استغلالها أو استعمالها أو إرسالها أو توزيعها أو نشرها أو إتلافها أو الاطلاع عليها يخضع لنظام خاص، وكذلك جميع العمليات المتعلقة باستغلال قواعد البيانات والفهارس أو السجلات أو البطاقات ( الفيشات ) أو الربط البيني.
[45]وضع المشرع إطارا قانونيا لوسائل الدّفع الإلكتروني بموجب القانون عدد 51 لسنة 2005 المؤرّخ في 27 جوان 2005 المتعلّق بالتّحويل الإلكتروني للأموال،وحدّد من خلاله المبادئ العامّة والتزامات المصدر والتزامات المنتفع ووضع نهاية جملة من الأحكام الجزائيّة في تزوير أداة التّحويل الإلكتروني أو في استعمال الأداة المزوّرة أو في استعمال الأداة دون إذن صاحبها.
[46]اعتبر قانون 1994 منذ ذلك التاريخ بالباب السابع (الفصول 43- 44- 45-46-47) أنّ البرمجيّات مصنف أدبي وتعود ملكية البرنامج إلى المشغل وفي غيابه إلى المنتج. ولا يمكن للمؤلف أن يعترض على تعديل البرامج المعلوماتية من طرف الغير في حدود الحقوق التي تنازل لهم عنها ما لم يوجد شرط مغاير. ويحجر كل استعمال للبرامج المعلوماتية لا يكون مرخصا فيه صراحة وكتابيا من قبل المؤلف أو من ينوبه ما لم يوجد شرط تعاقدي مغاير. على أنه يجوز دون ترخيص من المؤلف أو من ينوبه إنجاز نسخة واحدة لصيانة البرنامج المعلوماتي من قبل مالك النسخة الشرعية للبرنامج. وتمنح الحماية للمصنف بمجرد إيداعه وتدوم الحماية خمسين سنة بعد الوفاة.
[47]-المصادقة الإلكترونية: القانون عدد 83 لسنة 2000 المؤرّخ في 9 أوت 2000.
-التشفير: الأمر عدد 2639 لسنة 2008 المؤرخ في 21 جويلية 2008 المتعلّق بضبط شروط وإجراءات توريد وتسويق أو خدمات التشفير عبر شبكات الاتصالات، الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة 29 جويلية 2008، عدد 61، ص 2735. و القرار المؤرّخ في 19 جويلية 2001 المتعلّق بضبط المواصفات التّقنيّة لمنظومة إحداث الإمضاء الإلكتروني.
-اسم النطاق: لم يضع قرار وزير تكنولوجيا الاتّصال المؤرّخ في 10 أوت 2001 بالنّسبة إلى القانون التّونسي والخاص بالمصادقة على المخطّط الوطني للتّرقيم والعنونة شروطا استثنائيّة بالنسبة إلى اسم النطاق، واكتفى بالتّنصيص على جملة الضّوابط الفنيّة وعلى ضرورة أن يكون المعرّف الاسمي ذو صلة بالنّشاط الذّي تتعاطاه الذّوات المعنيّة وبتحجير " استعمال معرّف اسمي يتعلّق باسم تونس أو بأسماء المهن التّابعة للنّقابات المهنيّة أو بالأسماء المخلّة بالنّظام العام والأخلاق الحميدة أو بأسماء الدّول والمنظّمات والهيئات الدّوليّة وكذلك بالأسماء المرتبطة بتسيير شبكة الأنترنات ".
[48]-علي كحلون: الجوانب القانونيّة لقنوات الاتّصال الحديثة والتّجارة الإلكترونيّة، نشر دار إسهامات في أدبيّات المؤسّسة 2002.
-علي كحلون: مسؤولية المتدخّلين في إطار التّطبيقات المعلوماتيّة، مذكّرة لنيل شهادة الدّراسات المعمّقة في قانون الأعمال، ص 5 وما بعد.
-علي كحلون: المسؤوليّة المعلوماتيّة، إصدار مركز النّشر الجامعي 2005، ص 29 وما بعد
-علي كحلون: مجموعة القوانين المتعلّقة بالمعلوماتيّة والاتّصالات، دار إسهامات في أدبيّات المؤسّسة 2001.-علي كحلون : الاتصال والمعلومة بين الواقع والقانون، القضاء والتشريع أكتوبر 1998، ص 159 وما بعد.
-علي كحلون : التّجارة الإلكترونيّة  القضاء والتّشريع فيفري 2000، ص 11 وما بعد.
-علي كحلون : العقد الإلكتروني، القضاء والتّشريع ديسمبر 2001، ص 43.
-علي كحلون: الإطار القانوني للمعلوماتيّة، القضاء والتّشريع جويلة 2005، ص 13. وكذلك المجلّة القانونيّة 2005، ص 273 وما بعد و 2006 ص 98 وما بعد.
-علي كحلون: التحويل الإلكتروني للأموال، مؤتمر دولي حول المنازعات المصرفية، 20-21 ديسمبر 2008، الجزائر.
[49] والحقيقة أن معظم البلدان اعتمدت إطارا تشريعيا للمعلوماتية في جميع النقاط التي سبق الإشارة إليها بالنسبة إلى القانون التونسي، علي كحلون، المسؤولية المعلوماتية، المرجع السابق، ص 168 وما بعد.
وكانت المبادرة من الاتحاد الأوروبي، كما تواجدت الاتفاقية الدولية في هذا المجال.*Directives européennes:-COMMUNICATION de la Commission au Conseil, au Parlement européen, au Comité économique et social et au Comité des régions du 26 janvier 2001.Créer une société de l'information plus sûre en renforçant la sécurité des infrastructures de l'information et en luttant contre la cybercriminalité - Com (2000) 890 Final.-CONVENTION de Strasbourg du 18 janvier 1981, Convention pour la protection des personnes à l'égard du traitement automatisé des données à caractère personnel (Convention 108).
-CONVENTION européenne des droits de l’Homme, 4 novembre 1950.-DIRECTIVE 2001/29/CE du Parlement européen et du Conseil du 22 mai 2001.Directive sur l'harmonisation de certains aspects du droit d'auteur et des droits voisins dans la société de l'information.
-DIRECTIVE 2000/31/CE du Parlement européen et du Conseil du 8 juin 2000. Directive relative à certains aspects juridiques des services de la société de l'information, et notamment du commerce électronique, dans le marché intérieur («directive sur le commerce électronique»)-DIRECTIVE 1999/93/CE du Parlement européen et du Conseil du 13 décembre 1999.Directive sur un cadre communautaire pour les signatures électroniques.
-DECISION 276/1999/CE du Parlement européen et du Conseil du 25 janvier 1999.Décision adoptant un plan d'action communautaire pluriannuel visant à promouvoir une utilisation plus sûre d'Internet par la lutte contre les messages à contenu illicite et préjudiciable diffusés sur Internet.
-DIRECTIVE 98/84/CE du Parlement européen et du Conseil du 20 novembre 1998.Directive concernant la protection juridique des services à accès conditionnel et des services d'accès conditionnel.
-DIRECTIVE 98/34/CE du Parlement européen et du Conseil du 22 juin 1998.Directive prévoyant une procédure d'information dans le domaine des normes et réglementations techniques.
-DIRECTIVE 97/66/CE du Parlement européen et du Conseil du 15 décembre 1997. Directive concernant le traitement des données à caractère personnel et la protection de la vie privée dans le secteur des télécommunications.
-DIRECTIVE 97/7/CE du Parlement européen et du Conseil du 20 mai 1997.Directive concernant la protection des consommateurs en matière de contrats à distance.
-DIRECTIVE 95/46/CE du Parlement européen et du Conseil du 24 octobre 1995.-Directive relative à la protection des personnes physiques à l'égard du traitement des données à caractère personnel et à la libre circulation de ces données.
-RECOMMANDATION N° R (95) 13 du Comité des Ministres aux Etats Membres, 11 septembre 1995, Recommandation relative aux problèmes de procédure pénale liés à la technologies de l'information.
-RECOMMANDATION du Conseil du 24 septembre 1998.Recommandation concernant le développement de la compétitivité de l'industrie européenne des services audiovisuels et d'information par la promotion de cadres nationaux visant à assurer un niveau comp.
-REGLEMENT (CE) n° 44/2001 du Conseil du 22 décembre 2000.Règlement concernant la compétence judiciaire, la reconnaissance et l'exécution des décisions en matière civile et commerciale.
*-les conventions internationales-ACCORD ADPIC du 15 avril 1994.Annexe 1 C de l'Accord de Marrakech instituant l'Organisation mondiale du commerce. Partie portant sur les aspects des droits de propriété intellectuelle qui touchent au commerce.
-CONVENTION SUR LA CYBERCRIMINALITE, Budapest 23 novembre 2001.-CONVENTION de Vienne du 14 avril 1980Convention des Nations-Unies sur les contrats de vente internationale de marchandises-CONVENTION de Rome du 26 octobre 1961Convention internationale sur la protection des artistes-interprètes, des producteurs de phonogrammes et des organismes de radio-diffusion-CONVENTION de La Haye du 15 juin 1955, Convention sur la loi applicable aux ventes à caractère international d’objets mobiliers corporels
-CONVENTION de Genève du 6 septembre 1952, Convention universelle sur le droit d’auteur
-CONVENTION de Berne du 9 septembre 1886, Convention pour la protection des œuvres littéraires et artistiques, modifiée et complétée  plusieurs fois, pour la dernière date le 20 décembre 1996.
-CONVENTION de New York du 10 juin 1958 , relative à la reconnaissance et à l’execution des sentences arbitrales étrangères.-DECLARATION universelle des droits de l’Homme, 10 décembre 1948.-LOI TYPE de la CNUDCI sur le commerce électronique et Guide pour son incorporation, 16/12/1996. Loi type sur le commerce électronique.
-OCDE : Le conseil de OCDE a adopté une recommandation le 27 mars 1997 relative aux lignes directrices régissant la politique de cryptographie.
-OCDE :Trois déclarations ministérielles lors de la conférence interministérielle de l’O. C.D.E à Ottawa en octobre  1998, se rapportant à la prottection de la vie priveé sur les reseaux, à la protection des consommateurs dans le contexte du commerse électronique et à l’ authentification.
*-Les conventions entre pays européens-La convention de rome du 19 juin 1980 entrée en vigeur le 1 avril 1991 relative à la loi applicable aux obligations contractuelles..-La convention de Bruxelles du 27 septembre 1968 entrée en vigeur le 1 février 1973 concernant la compétence judiciaire et l’exécution des décisions en matière civile et commerciale.-La convention de Genève du 21 avril 1961 dite convention européenne sur l’arbitrage international.[50] ـ قــرار وزيـر المواصـلات المؤرخ في 22 مــارس 1997 المتعلــق بالمصادقــة على كــراس الضابـط للشروط الخاصـة بوضـع واستغـلال الخـدمات ذات القيمـة المضافــة للاتصـالات من نوع أنترنات ـ الــرائـــد الرسمــي 28 مــارس 1997 عــ25ــدد صفحــة 519.
[51]  يراجع قرار وزير المواصلات المؤرّخ في 22 مارس 1997 المتعلّق بالمصادقة على كرّاس الشّروط الضّابط للشّروط الخاصّة بوضع واستغلال الخدمات ذات القيمة المضافة للاتّصالات التّلماتيكيّة والسّمعيّة.
[52] ـ يراجع أحكــام الفصــول 23 و 23 مكــرر و 42 و 43 و 44 و 48 مـن القانـون عــ32ــدد لسنــة 1975 المـؤرخ في 28 أفـريـل 1975 والمعلق بإصدار مجلــة الصحـافـة حســب مــا تــم تنقيحـه بموجــب القانون عــ85ــدد لسنـــة 1993 المــؤرخ في 2 أوت 1993 والقانون عدد 1 لسنة 2006 المؤرخ في 9 جانفي 2006.
[53]  يراجع الفصول 68 و69 و70 من مجلّة الصّحافة في تحديد الأشخاص المسؤولين عن الجنايات والجنح المرتكبة بواسطة الصّحافة:
الفصل 68 – يعاقب بصفة فاعلين أصليين بالعقوبات التي يستوجبها الجنايات والجنح المرتكبة بواسطة الصحافة حسب الترتيب التالي:
أولا: مديرو النشريات أو الناشرون مهما كانت مهنهم أو تسمياتهم.ثانيا: عند عدم وجود من ذكر، المؤلفون.ثالثا: عند عدم وجود المؤلفين، متولو الطبع أو الصنع.رابعا: عند عدم وجود متولي الطبع أو الصنع، الباعة والموزعون أو واضعو المعلقات.الفصل 69 – إذا كان مديرو النشريات أو الناشرون مشمولين في التتبعات فالمؤلفون يقع تتبعهم بصفة مشاركين.
كما يجوز إجراء التتبعات بنفس تلك الصفة وفي جميع الصور ضد جميع الأشخاص الذين يمكن أن ينطبق عليهم الفصل 32 من المجلة الجنائية ولا يمكن تطبيق هذا الفصل على متولي الطبع فيما يخص أعمال الطباعة.
على أنه يمكن تتبع متولي الطبع بصفتهم مشاركين في صورة صدور حكم بانتفاء المسؤوليّة الجزائية بالنسبة إلى مدير النشرية ويقع التتبع في هذه الصورة في أجل ثلاثة أشهر من تاريخ ارتكاب الجريمة وعلى أقصى تقدير في أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ ثبوت انتفاء مسؤوليّة مدير النشرية.الفصل 70 – إن مالكي النشريات المكتوبة أو الصوتية أو المرئية مسؤولون مدنيّا مع الأشخاص المعنيين بالفصلين السابقين وملزمون على الأخص بأداء الخطايا والمصاريف بالتضامن مع المحكوم عليهم.
   وفي صورة المنصوص عليها بالفصل 15 من هذه المجلة يمكن استخلاص الخطايا والغرامات من مكاسب المؤسسة.
يراجع كذلك الفصل 53 من قانون 1994 المتعلّق بالملكيّة الأدبيّة سابق الذّكر.
[54] Recommandation N. R 97 - 19 du 21 octobre 1997 sur la violence dans les médias électroniques « Les Etats membres devaient reconnaitre et tenir compte du fait qu’il incombe en premier lieu aux responsables des contenus d’assurer les devoirs et les responsabilités que l’exercice de la liberté d’expression comporte: ces opérateurs ayant la responsabilité première quant au contenu des messages paroles ou images qui transmettent ».
وتبدو التّجربة الإيطاليّة في هذا المجال جوهريّة، من خلال القانون عدد 62 لسنة 2001 المؤرّخ في 7 مارس 2001 والقاضي بتنقيح قانون 5 أوت 1981 المتعلّق بتعريف وسائل النّشر والصّحافة، حيث لم يبيّن المشرّع شروط مسؤوليّة المزوّدين إزاء المحتوى المخالف وإنّما اكتفى ببيان سندها، وألزم بتسجيل المواقع المعلوماتيّة طبق موجبات قانون الصّحافة عدد 47 لسنة 1948، واعتمد مفهوما واسعا لتعريف النّشر. وبالتّالي تحمل المسؤوليّة على جميع المتدخّلين طبق موجبات أحكام قانون الصّحافة أي طبق نظام المسؤوليّة التّدريجيّة في نهاية الأمر. فلكلّ خدمة مديرها وهو المسؤول الأوّل عن أعمال النّشر مهما كان مصدر المعلومة.
ولكن الاتجاه العام في القانون المقارن هو أن لا بؤاخذ مزود الخدمة إلا إذا سبق إعلامه بضرورة إنهاء العمل المخالف ورفض الاستجابة للطلب وفي ذلك يذهب القانون الفرنسي عدد 719 لسنة 2000 المؤرّخ في 1 أوت والقاضي بتنقيح قانون 30 سبتمبر 1986 المتعلّق بحريّة الاتّصالات. وكذلك القانون الأمريكي المؤرّخ في 28 أكتوبر 1998 والمعروف بقانون " Digital Millenium Copyright Act ". كما أن توصيات الاتحاد الأوروبي ذهبت في اتجاه أن لا تحمل المسؤولية على المزودين إلا إذا كان عالما بالمحتوى ولم يسع إلى إخفائها:
 Directive 2000/31/CE du Parlement européen et du Conseil du 8 juin 2000 relative à certains aspects juridiques des services de la société de l'information, et notamment du commerce électronique, dans le marché intérieur («directive sur le commerce électronique), Journal officiel n° L 178 du 17/07/2000 p. 0001 – 0016.
لمعرفة الآراء الفقهيّة حول هذه التّوصيّة، يراجع:ETIENNEMontero, la responsabilité des prestataires intermediaires de l’internet, colloque, internet et droit,TUNIS,mai 2000.
والملخص في ذلك أنّ القوانين أخذت اتجاهين في بيان أساس مسؤولية مزود الخدمة، إما نصت على تطبيق مجلة الصحافة أو أنها وضعت أحكاما خاصة.
[55] ـ انظر قـرار وزير المواصلات المؤرخ في 22 مارس 1997 المتعلق بالمصادقـة على كـراس الضابـط للشروط الخاصة بوضع واستغلال الخـدمات ذات القيمـة المضافــة للاتصالات من نوع أنترنات ـ الــرائـد الرسمي 28 مارس 1997 عــ25ــدد صفحة 519.
[56] يراجع الأمر المؤرخ في 26 ديسمبر 1888 المتعلـق ببـراءة الاختراع حسب ما هو منقّح في 1982  و 1902 و 1932 و 1939 و 1954 و 1956، وأمر 6 جوان 1889 المتعلق بعـلامات الصنع والتّجارة، وأمر 25 فيفــري 1911 المتعلــق بالصور والأنماط الصنــاعيــة. لكنّ المشرّع التّونسي ارتآى مراجعة الإطار العام للملكيّة الصّناعيّة، وألغيت بالتّالي النّصوص القديمة وصدر القانون عدد 84 لسنة 2000 المؤرّخ في 24 أوت 2000 المتعلّق ببراءة الاختراع والقانون عدد 20 لسنة 2001 المؤرّخ في 6 فيفري 2001 المتعلّق بحماية التّصميمات الشّكليّة للدّوائر المتكاملة، والقانون عدد 21 لسنة 2001 المؤرّخ في 6 فيفري 2001 المتعلّق بحماية الرّسوم والنّماذج الصّناعيّة، والأمر عدد 328 لسنة 2001 المؤرّخ في 23 جانفي 2001 المتعلّق بضبط طريقة مسك السّجل الوطني للبراءات وطرق التّرسيم به، والأمر عدد 836 لسنة 2001 المؤرّخ في 10 أفريل 2001 المتعلّق ببراءات الاختراع. والقانون عدد 36 لسنة 2001 المؤرّخ في 17 أفريل 2001 المتعلّق بحماية علامات الصّنع والتّجارة والخدمات.
[57] ـ القانون عــ117ــدد، لسنة 1992 المؤرخ في 7 ديسبمر 1992 المتعلق بحماية المستهل، الرائـد الرسمي 15 ديسمبـر 1992.
[58] ـ انظر القانون عــ40ــدد لسنـة 1998 المؤرخ في 2 جوان 1998 المتعلق بطرق البيـع والإشهار التّجّاري وقـد أورد نظاما حديثا ينطبق على قنوات الاتصـال الحـديثة وما يمكن أن تتيحه مـن خــدمات إضافية.
[59] القانون الأساسي عدد 63 لسنة 2004 المؤرخ في 27 جويلية 2004، سابق الذكر.
[60]أضيف الفصل 226 مكرر بالقانون عدد 73 لسنة 2004 المؤرخ في 2 أوت 2004) للمجلة الجزائية ونص من خلاله على أنه "يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها ألف دينار كل من يتعدى علنا على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة بالإشارة أو القول أو يعمد إلى مضايقة الغير بوجه يخل بالحياء. ويستوجب نفس العقوبات المذكورة بالفقرة المتقدمة كل من يلفت النظر علنا إلى وجود فرصة لارتكاب فجور وذلك بكتابات أو تسجيلات أو إرساليات سمعية أو بصرية أو إلكترونية أو ضوئية".
[61]  ولو أنّ الفصل 61 ثالثا من المجلّة الجزائيّة نصّ منذ 10 جانفي 1957 على استعمال وسائل الاتّصال في الاعتداء على أمن الدّولة.
[62]  وقد رأينا في بابه أنّ جملة من الجرائم يمكن ارتكابها بواسطة شبكة الإنترنات، بما في ذلك الاعتداء على الأمن الدّاخلي أو الخارجي للبلاد، وتكوين المنظّمات الإجراميّة، وعرض النّفس، وحتّى جرائم الإرشاء، وتدليس العملة والشهادات الإدارية إلى غير ذلك من الجرائم المنصوص عليها بالمجلّة الجزائيّة، والأمر لا ينحصر في مجرّد التّحريض على معنى مجلّة الصّحافة، بل من الممكن أن تتوفّر كامل أركان الجريمة.
[63]فقد كان هذا المبدأ سببا في تدخل المشرع على مرّ الأيام لجعل الأفعال مشمولة بالنص الجزائي كما هي الصورة بالنسبة إلى جريمة التزوج بثانية يوم اعتماد الفصل 18 م.أ.ش، فقد اقتضت الصورة تدخل المشرع ثانية لتحديد جميع الصور التي يكون فيها المخالف متزوجا بثانية، كما أنّ المشرع الفرنسي اضطر إلى التدخل بتصوص قانونية واضحة في مؤاخذة كل من يعلم عدم قدرته على الدفع ويستسقي بمشروبات أو يستطعم بأطعمة أو ينزل بمحل معد لذلك بعدما تعذر تطبيق أحكام السرقة أو التحيل. وهو ما يوافق الفصل 282 من المجلة الجزائية التونسية.
[64] يقتضي مبدأ الشّرعيّة في المادّة الجزائيّة أن تفسّر النّصوص الجزائيّة تفسيرا ضيّقا خوفا من مفاجأة الخروج عن ضوابطها يمعنى أن يقف القاضي على ألفاظ النص فقط بغاية تحديد مفاهيمها، والأكيد أن عدم ذكر الوسيلة بالنص تمنع من مؤاخذة الفاعل على أساسه. لكنّ  البعض الآخر يرى أنّ التأويل الضيق لا يعني المنع من الوقوف على علّة النصّ ومقاصد المشرّع، فقط أنّه يمنع اعتماد القياس في التّفسير، وكلّ ما من شأنه أن يؤدّي إلى الخروج عن مقاصد المشرّع وهذه الطريقة تسمح بالمؤاخذة حتى في غياب التنصيص على الوسائل الحديثة طالما أنّ الغرض واحد. فهو رأي بأخذ بالعلة دون اللفظ على خلاف رأي الآخرين الذّين يتمسّكون بضرورة التّفسير اللّفظي دون الوقوف على مقاصد المشرّع.
يراجع على سبيل المثال،  محمّد نجيب حسني، شرح قانون العقوبات اللّبناني، القسم العام، دار النّهضة العربيّة.[65]ذكر الوسيلة هام في النص الجزائي، فهو ما يخرج الجريمة من وصف إلى وصف ومن عقوبة إلى عقوبة، كما في صورة السرقة الموصوفة، فهي موصوفة لتغير الوسائل المستعملة، التسور أو الخلع أو استتعمال السلاح. الفصول 258 وما بعد م.ج. وكما في صورة التحيل الفصل 261 م.ج. وغير ذلك.
[66]  يراجع الفصل 86 من القانون عدد 1 لسنة 2001 المؤرّخ في 15 جانفي 2001 المتعلّق بإصدار مجلّة الاتّصالات.
[67]  حـرص المشرع الفرنسي، على سبيل المثال، خلال النقـاشـات المتعلقـة بتعديل المجلة الجزائية على تنقيـح الفصول المحـددة لطـرق ووسائل ارتكاب الجريمة، وبادر بتغييـر العـبارات باستعمال ألفاظ عامة تسمح بشمـول العنصر المادي لمثل هـذا التطور التكنـولوجي، حيث نجد اليوم عبـارات بأية طريقــة كـانت أو " بأية وسيلة كـانــت."بل نصّ صراحة على استعمال شبكة الاتّصالات في إفساد الشّبيبة وتنظيم جلسات جنسيّة موجّهة إلى الطّفل  وتوزيع ونقل صور الأطفال إذا كانت لها طبيعة إباحيّة. الفصل 22722-23-24  من المجلّة الجزائيّة الفرنسيّة كما هو منقّح بموجب القانون عدد 468 لسنة 1998 المؤرّخ في 17 جوان 1998.
[68] أقحم المشرّع التّونسي حديثا وبموجب القانون الأساسي عدد 43 لسنة 2001 المؤرّخ في 3 ماي 2001 المتعلّق بتنقيح مجلّة الصّحافة بعض الجرائم المنصوص عليها بمجلّة الصّحافة (الفصول 35-37-38-39-45-61-62) بالمجلّة الجزائيّة (الفصول 315 مكرّر-303 مكرّر-303 ثالثا-321 مكرّر-220 مكرّر-121 مكرّر 121 ثالثا). الرّائد الرّسمي للجمهوريّة التّونسيّة 4 ماي 2001 عدد 36.
[69]الفصول 185 إلى 192 م.ج.
[70]الفصول 193 و196 و199 م.ج.
[71] [71] القانــون عــ36ــدد لسنة 1994 المـؤرخ في 24 فيفــري 1994 المتعلــق بالملكيــة الأدبيّة والفنيــة ـ ( انظــر خـاصـة الفصل 2 )
يراجع كذلك الفصل 2 من مجلّة الصّحافة الصّادرة بموجب قانون 28 أفريل 1975 كما وقع تنقيحها  في سنة 1993 بموجب القانون عدد 85 لسنة 1993 المؤرّخ في 2 أوت 1993 وفي سنة 2001 بموجب القانون عدد 43 لسنة 2001 المؤرّخ في 3 ماي  2001 وأخيرا بموجب القانون عدد 1 لسنة 2006 المؤرخ في 9 جانفي 2006.
[72]  يراجع خاصّة الفصول 43-44-47-48-50-63-64 من مجلّة الصّحافة.
[73]  يراجع الفصول 120 و121 و97 و98 من مجلّة حقوق الطّفل.
[74]  الرّائد الرّسمي للجمهوريّة التّونسيّة 12 ديسمبر 2003، ص 3808 عدد 99.
[75]كما لم يشمل التنقيح الإجراءات الجزائيّة، ولا أظنّ أنّ المبادئ التّقليديّة كافية. حيث اكتفى المشرّع بالفصل 93 م.ا.ج بالإشارة إلى أنّ التّفتيش يجرى في جميع الأماكن التّي قد توجد بها أشياء يساعد اكتشافها على إظهار الحقيقة، وحدّدت الفصول الباقية ( 94-95-96) إجراءات التّفتيش في محلاّت السّكنى التّي اعتبرت بداية أنّها الأساس في ضمان حماية الحياة الخاصّة. كما أوجب  الفصل 97 م.ا.ج على حاكم التّحقيق أن يبحث عن الأوراق والأشياء التّي من شأنها الإعانة على كشف الحقيقة وأن يحجزها، وحدّدت بقيّة الفصول إجراءات الحجز. والملاحظ أنّ المشرّع تحدّث عن الأوراق والأشياء الماديّة، الأمر الذّي يستبعد الحديث عن الأشياء اللاّماديّة. غير أنّ المشرّع التّونسي أورد نصّا خاصّا بحجز المراسلات بقوله بالفصل 99 م.ا.ج " لحاكم التّحقيق أن يأذن بحجز كلّ ما كان من قبيل المراسلات وغيرها  من الأشياء المبعوث بها إن رأى في ذلك فائدة لكشف الحقيقة. ولوكيل الجمهوريّة ولو في غير صورة الجناية أو الجنحة المتلبّس بها أن يصدر قرارا في التّفتيش على المكاتبات الموجّهة لذي الشّبهة أو الصّادرة عنه وفي حجزها ويجب عليه أن لا يطلع عليها ما لم يكن هناك خطر ملمّ." والمقصود بذلك هي المراسلات العاديّة. والواضح قطعا أنّ هذه الإجراءات لا تكفي لضبط مسائل هامّة لها علاقة بالتّنصّت الهاتفي أو ما أصبح يعرف بالتقاط المراسلات الإلكترونية. وقد أجمع رجال القانون على ضرورة بيان إجراءات خاصّة لمثل هذه الصّور الحديثة، حتّى تمارس إجراءات التّفتيش والحجز طبق ضوابط إجرائيّة محدّدة، وأن لا يترك المجال مفتوحا دون قيد قانوني وعرضة لبعض الخلل[75] لكن البعض يرى أن فصول مجلة الإجراءات الجزائية على حالها كافية لاستيعاب ما حدث من تطور، ومن الممكن أن تفهم العبارات والمعاني الواردة بالفصول 93 إلى 99 م.إ.ج على أنها تشمل معنى الوثائق المعلوماتيّة.
غير أنّ الإشكال يطرح بشدّة إذا أخذت الجريمة أبعادا دولية، بحكم إمكانية التدخل عبر الشبكات المفتوحة. ويبقى الحلّ هو اعتماد القانون الوطني، لأن القانون الجزائي يطبق بصفة اقليمية، ولكنّ المخالف يمكن أن يكون محلّ عدّة تتبعات في نفس الوقت بحكم ظهور الجريمة في عدّة بلدان، وعلى هذا الأساس أوصت الاتفاقيات الدوليّة بضرورة التنسيق بين الدول في هذا الجانب.وقد صادقت تونس أخيرا على اتّفاقيّة الأمم المتّحدة الخاصّة بمكافحة الجريمة المنظّمة عبر الوطنيّة بموجب القانون عدد 63 لسنة 2002 المؤرّخ في 23 جويلية 2002. وقد وضعت جملة من الأحكام في التّعاون والاختصاص وتسليم المجرمين ونقل الأشخاص والمساعدة القانونيّة المتبادلة والتّحقيقات المشتركة وأساليب التّحرّي الخاصّة بما في ذلك المراقبة الإلكترونية وحماية الشّهود والموظّفين والتّعاون في مجال إنفاذ القوانين وجمع وتحاليل المعلومات والتّدريب والمساعدة الفنيّة ومنع الجريمة المنظّمة، وقد أشارت بوضوح إلى الجرائم التّي يمكن أن ترتكب بواسطة وسائل الاتّصال الحديثة وأعطت التّشاور بين الدول أهمية كبرى في صياغة الحلّ. كما صادقت منذ سنة 1999 على الاتّفاقيّة العربيّة لمكافحة الإرهاب المبرمة بالقاهرة في 22 أفريل 1998 بموجب القانون عدد 10 لسنة 1999 المؤرّخ في 15 فيفري 1999.  وتعدّ الاتفاقيّة الدوليّة الخاصّة بالإجرام المعلوماتي لسنة 2001 الأولى في معالجة جميع المسائل المتّصل بالعالم الإلكتروني حيث وضعت جملة من القواعد الموضوعيّة والإجرائيّة. فمن حيث الموضوع وضعت إطارا للجريمة المعلوماتيّة (الاعتداء على سريّة وسلامة المعطيات الإلكترونية (النّفاذ والالتقاط والاعتداء على الأنظمة والمعطيات) والتّدليس والتّزوير المعلوماتي) والجريمة المتعلّقة بالمحتوى (الجرائم المتعلّقة بالاستغلال الجنسي للأطفال والاعتداء على الملكيّة الفكريّة)، ومن حيث الإجراءات وضعت جملة من القواعد لها علاقة باختصاص المحاكم والقانون المنطبق وضبطت إطار التّعاون الدّولي في مكافحة الجريمة فضبطت إجراءات التّسليم وحدّدت المبادئ العامّة للتّعاون الدّولي وإجراءاته ووضعت قواعد خاصّة بالتّعاون وأرجعتها إلى طرق وقتيّة (الحفظ والكّشف السّريع) وطرق استقرائيّة (النّفاذ والجمع السريع للنّشاط والالتقاط) وأخرى وقتيّة (إحداث شبكة معلوماتيّة). ويذكر أنّ الاتّفاقيّات الجماعيّة والثّنائيّة تبقى فاعلة في هذا المجال وإن رأى البعض أنّ هذه الاتّفاقيات قد صيغت في زمن بعيد عن الأنظمة المعلوماتيّة وقد يصعب نفاذها أو تناسقها مع المقتضيات الإلكترونية، ونادى البعض الآخر إلى تجاوز الإطار الوطني والاقتداء بقواعد حديثة قد تصيغها الأعراف الدّولية وعمل المنظّمات الدّوليّة وإجراءات التّحكيم.
[76] فمن أجل معاقبة سرقة البيانات المعلوماتيّة اضطرّ فقه القضاء إلى التّوسّع في مفهوم الاختلاس، إلى أن أصبح يتوفّر بمجرّد حرمان الغير من احتكار الحيازة القانونيّة للشيء. وأمكن كذلك اللّجوء إلى ألأحكام المتعلّقة بالتّدليس لمقاضاة الجرائم المعلوميّة، حيث ذهبت بعض المحاكم  إلى المقاربة بين إدخال الرقم السرّي والتّزوير الذّي يلحق الرّسوم الورقيّة.
علي كحلون: المسؤولية المعلوماتية، المرجع السابق، ص 130.
[77]  العقوبة المقرّرة هي سجن لمدة تتراوح بين 6 أشهر وعامين وبخطية تتراوح بين 1.000 و10.000 دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين. الفصل 48 من القانون عدد 83 لسنة 2000 المتعلّق بالمبادلات والتّجارة الإلكترونية.
[78]  العقوبة المقرّرة هي السّجن لمدة تتراوح بين الستة أشهر وخمس سنوات وبخطية من ألف إلى خمسة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين، الفصل 87 من القانون عدد 1 لسنة 2001 المتعلّق بمجلّة الاّتصالات.
[79] سبق الإشارة إلى هذه الأوامر.
[80]القرار  عـ12545ـدد الصادر بتاريخ06 أكتوبر 2007  نشرية محكمة التعقيب لعام 2007 القسم الجزائي ص 371.
قرار جزائي عـ53290ـدد الصادر بتاريخ 27 مارس 2010 ، غير منشور.
[81]تبنّى المشرّع التّونسي نظاما خاصّا بطرق التشفير من خلال الفصل 87 من مجلّة الاتّصالات والفصل 48 من قانون المبادلات الإلكترونية. ولكنّ عناية المشرّع توجّهت إلى بيان نظام التّشفير المعتمد قانونا وهو نظام التّشفير اللاّتماثلي، ولم يضع نظاما قانونيّا لبقيّة الطّرق أي الأرقام السريّة والطّرق البيومتريّة، معنى ذلك أنّ استعمال هذه الأرقام لا يمثّل جرما في القانون التّونسي، إلى حدّ صدور القانون عدد 51 لسنة 2005.
[82] سبق الإشارة إلى نصّ  الفصل 199 مكرّر من المجلّة الجزائيّة التونسيّة.
[83]القرار التعقيبي الجزائي عدد 2377 الصادر بتاريخ 29 سبتمبر 2004، نشرية محكمة التعقيب لسنة 2004، ص 166 وما بعد. وقد تعلق الإشكال باستعمال خطوط الاتصالات التابعة للغير على معنى الفصل 84 من مجلة الاتصالات وقد رأت المحكمة إمكانية تطبيق الفصل 32 م.ج في المشاركة.
[84]سبق أن تشكى أحد الأطراف سنة 2007/ 2008 من أجل سرقة مرمزات المصادر، أي الرموز المعتمدة في تنظيم البرامجيات (أشير إلى هذا المقهوم بمقدمة البحث)، من قبل شريكه. فأحيل المظنون فيه من أجل الخيانة والسرقة بعدما سبق فتح تحقيق في الغرض. والحال أنّ جريمة الاعتداء على المرمزات ليست من الجرائم العامة بل هي جريمة ترتبط بالاعتداء على البرامجات كما جاء بقانون الملكية الأدبية 1994 إذا سبق إيداع البرنامج كما يجب، أو أنها جريمة معلوماتية في مفهومها الضيق إذا لم يسبق الايداع.
[85]Lionel Thoumyre: hyerdossier, la responsabilité des acteurs du web entre 2006et 2010, juriscom 2010.
يستعرض الكاتب من خلال هذا المقال جميع القرارات الصادرة ببلدان الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا، وأغلب القرارت لها علاقة بالمحتوى المعلوماتي. ويتلخص من هذه القرارات أنه من الممكن أن تطال التننبعات الجزائية ليس المستعمل فحسب بل كذلك مزودي الخدمة وخاصة منهم مزود الإيواء باعتبارهم أحد القائمين على نشر المعلومة إذا ما اعتمدما نظام االعقوبة الخاصة بالنشر أو بصفهم مشاركين طبق القواعد العامة الجزائية.[86]قرار تعقيبي جزائي عدد 16065 الصّادر بتاريخ 24 أفريل 2002، القضاء والتّشريع ديسمبر 2004 ص 165 وما بعد.
[87]  قرار تعقيبي جزائي عدد 16065 الصّادر بتاريخ 24 أفريل 2002، القضاء والتّشريع ديسمبر 2004 ص 165 وما بعد.
[88]تقديم النص الخاص على النص العام قضاء مستقر بمحكمة التعقيب بالرغم من وجود توجه مخالف.
قرار تعقيبي جزائي عدد 45552 الصادر بتاريخ 2 ماي 2009، غير منشور.
قرار تعقيبي جزائي عدد 51142 الصادر بتاريخ 27 فيفري 2010، غير منشور.
[89]نصّ الفصل 199م.ج على ما يلي "يعاقب بالسجن مدة عامين كلّ من يفتعل باسم موظف عمومي شهادة في حسن السيرة أو في الاحتياج أو غير ذلك من الشهادات التي من شأنها استجلاب رأفة الدولة أو أفراد الناس أو الحصول على الاستخدام أو الاقتراض أو الإعانات.
وتنطبق نفس العقوبة:أولا:على من يتعمد استعمال شهادة مدلسة.ثانيا:على من يدلس شهادة من هذا النوع أصلها صحيح.وإذا كان افتعال الشهادة باسم غير الموظف العمومي فالافتعال أو الاستعمال يعاقب مرتكبه بالسجن مدة ستة أشهر."ويعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى عامين وبخطية من أربعين إلى أربعمائة دينار أو بإحدى العقوبتين فقط بقطع النظر عن تطبيق العقوبات الأشد المنصوص عليها بهذه المجلة وبالنصوص القانونية الخاصة عند الاقتضاء:أولا:كلّ من يتعمد إقامة شهادة أو صكّ نصّ فيه على أمور غير حقيقية بصفة مادية،ثانيا:كل من يدلس أو يغير بأي كيفية كانت شهادة أو صكا أصلها صحيح،ثالثا: كلّ من يستعمل عمدا شهادة أو صكا غير حقيقي أو مدلسا".(أضيفت بالأمر المؤرخ في 6 جانفي 1949).
[90]الحقيقة أنّ نفس الوقائع تكررت بعدّة قرارات غير منشورة.
[91]القرار التعقيبي عدد 22907 الصادر بتاريخ 24 نوفمبر 2007، نشرية محكمة التعقيب لعام 2007، ص 263.
القرار التعقيبي عدد 23615 الصادر بتاريخ 7 جوان 2008، نشرية محكمة التعقيب لعام 2008، ص 303.
القرار التعقيبي عدد 30275 الصادر بتاريخ 10 ماي 2008، نشرية محكمة التعقيب لسنة 2008، ص 245.
[92]القرار التعقيبي عدد 12545 الصادر بتاريخ 6 أكتوبر 2007، القرار التعقيبي عدد 35820 الصادر بتاريخ 25 أكتوبر 2008.
ووجه ذلك أنّ المؤاخذة الجزائيّة تصل إلى كلّ موظّف أو شبهه أو عدل أو كلّ إنسان إذا أتى بعضا من الصّور الواردة بالفصل 172م.ج وهو ينصرف إلى معنى الكتب أو العقد صنعا أو تغييرا أو تبديلا وكذلك إلى الوثيقة والسّند صنعا أو تغييرا ويكون موضوعهما إثبات حقّ أو واقعة منتجة لآثار قانونيّة. وقد استقرّ الفقه وفقه القضاء على ضرورة توفّر ثلاثة شروط في جريمة التّدليس أو التّزوير، علما أن المشرع التونسي لا يفرق بين التدليس والتزوير، أوّلها تغيير الحقيقة في محرّر وثانيها ترتّب الضرر أو احتمال ترتّبه من جرّاء هذا التّغيير وثالثها القصد الجنائي. ويقصد بتغيير الحقيقة في المحرّر أن تتغيّر الحقيقة في محرّر بإحدى الطّرق المنصوص عليها قانونا. وأن يكون تغيير الحقيقة حاصلا في كتابة أي محرّر موجود من الأصل أو بكتابة أي بإنشاء محرّر جديد بقصد تغيير الحقيقة، ولا يهمّ نوع المحرّر الذّي يقع عليه التّدليس، فيجوز أن يكون عقدا أو سندا أو دفترا أو خطابا أو عريضة أو غير ذلك. ولا بدّ من استعمال الوسائل المحدّدة قانونا. ولا يكفي لتكوين جريمة التّدليس تغيير الحقيقة في محرّر بإحدى الطّرق المنصوص عليها قانونا، بل يجب أن يترتّب على هذا التّغيير أو يمكن أن يترتّب عليه ضرر للغير، وهو ركن خاصّ في جريمة التّدليس. ولا يعتدّ بالتّدليس إلاّ إذا نتج عن نيّة خاصّة وهو القصد الجنائي. وليست صفة الجاني شرطا من شروط قيام جريمة التّدليس، فقد يأتيها الموظّف أو شبهه أو العدل وكذلك كلّ إنسان. كما أنّ رسميّة المحرّر سند التّدليس ليست شرطا لقيام جريمة التّدليس، فقد يكون كتبا أو عقدا أو وثيقة أو سند. فقط أنّ المحرّر يجب أن يكون موضوعه إثبات حقّ أي أن يستخدم في الإجراءات القانونيّة على أنّه صحيح أو واقعة منتجة لآثار قانونيّة أي الحصول على مردود اقتصادي لفائدة الفاعل أو لفائدة الغير. والملخّص في جميع ذلك أنّ التّدليس لا يتعلّق فحسب  بالوثائق الرّسميّة بدليل أنّ الفصل 172 م.ج أخضع السندات الإلكترونيّة لجريمة التّدليس والحال أنّ الوثيقة الإلكترونيّة تعريفا تعدّ كتبا غير رسمي على معنى الفصل 453 مكرّر من مجلّة الالتزامات والعقود. والمنتهى في جميع ذلك أنّ المحرّرات المقصودة بالفصل 172 م.ج هي المحرّرات التّي تلزم صاحبها إثباتا أو إنشاءً، فهي في نهاية الأمر ما يمكن أن يكون حالة قانونيّة يلتزم من خلالها شخص أو عدّة أشخاص بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو عدم القيام بعمل. فقد تردّ إلى التّصرّفات الأحاديّة كما يمكن أن تردّ إلى التّصرّفات الثنائيّة أو الجماعيّة، وقد تكون ملزمة لشخص واحد كما تكون ملزمة لشخصين أو أكثر. وقد أشار الفصل 172 م.ج صراحة إلى العقد والكتب والسّند والوثيقة التّي يكون موضوعها إثبات حقّ أو واقعة منتجة لآثار قانونيّة، ويمكن ردّ جميعها لمفهوم الالتزام. وهي بذلك بعيدة كلّ البعد عمّا جاء بالفصلين 193 أو 199 م.ج أو الفصلين 199 مكرر أو 199 ثالثا م.ج. التي جعلها المشرّع شاملة لما يعرف بالشّهادات تغييرا أوصناعة باستثناء ماورد من أحكام خاصة بالفصل 199 ثالثا م.ج. ويكفي الرّجوع إلى الصّياغة الفرنسيّة للفصلين حتّى ندرك أنّ عبارتي الشّهادة والصكّ الواردتين بتلك الفصول إنّما كانتا ترجمتين لعبارتي: certificat et attestation. ويبدو الفرق بين الوثائق الواردة بالفصل 172 م.ج والشهادات الواردة بالفصلين 193 و199 م.ج والفصل 199 ثالثا هو ذلك الفرق بين الحقّ والرخصة. فالرخصة هي إباحة التصرف كالتقاضي والكتابة والنشر والتملك والتعاقد والسياقة والسفر، إلى غير ذلك من الحريات، وهي إباحة عامة تمكن كلّ شخص من التصرف في حدود الترخيص المسند طبق القانون. أما الحق فهو مصلحة معينة مرسومة الحدود يحميها القانون لا يتوافر لكلّ شخص، مثل الملكية فهي حقّ والتملّك فهي رخصة، فالرخصة فضاء أشمل من الحق الذي لا يمارس إلا في إطار ضيّق. وعلى ذلك الأساس فصناعة وثيقة إلكترونية أو تغيير حقيقتها إنما هو من قبيل التدليس الإلكتروني على معنى الفصل 172 م.ج إذا كان موضوعها إثبات حق أو التزاما قانونيا، أما إذا خرجت عن ذلك التعريف فهي من قبل الرخص على معنى الفصل 199 ثالثا، ولكن ميزة هذا الفصل أنه أتى على ذكر فعل التغيير دون الصنع والافتعال، وذلك هو توجه محكمة التعقيب الذي ظهر بوضوح من خلال هذه القرار التعقيبيّة.
على أن التدليس الإلكتروني ينصرف إلى الوثيقة الإلكترونية ذاتها صنعا أو تغييرا، ولو أنه من الممكن في آخر الأمر استخراج الوثيقة على سند ورقي، فما يدخل في معنى التدليس الإلكتروني ليس الوثيقة الورقية إنما القيام بأعمال الصنع والتعديل على سند إلكتروني. ويقترن التدليس الإلكتروني عادة بالاعتداء على وسائل الإمضاء للوثائق الإلكترونية سواء كانت رقما أو بصمة أو تشفيرا أو غير ذلك وقد يوجد النص الجزائي الذي يؤاخذ الاعتداء على  هذه الوسائل كما هي الصورة بالنسبة إلى وسائل التشفير. والملخص في ذلك أنّ التدليس يمكن أن يكون ماديا كما يمكن أن يكون إلكترونيا .
[93]القرار عدد 33530 المؤرخ في 15/ 6/ 1995، قرارات الدوائر المجتمعة، مركز الدراسات الفانونية والقضائية، 1994-1995، 51 وما بعد.
قرار عدد 7250 الصادر بتاريخ 22 فيفري 2007، قرارات الدوائر المجتمعة، مركز الدراسات الفانونية والقضائية، 2006-2007، ص 471 وما بعد.
[94]الفصل 34 من الدستور التونسي.
[95]محمد نجيب حسني: شرح قانون العقوبات اللبناني، القسم العام، ص 81 وما بعد، عدد 62 وما بعد.
[96]ذهبت فعلا بعض القرارات غير المنشورة إلى الأخذ بتدليس العملة بواسطة الوسائل الإلكترونية دون أن تشير إلى أحكام الفصل 172 م.ج ووجدت الكفاية بالفصل 185 م.ج ولو أنّ هذا الفصل كتب منذ سنة 1913 ونقح بموجب القانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرخ في 27 فيفري 1989 ولم ينص المشرع به على هذه الوسائل الحديثة في ارتكاب الجريمة.
[97]وما كان من الممكن أن تلجأ المحكمة إلى هذا التأويل لو نصّ المشرع بالفصل 185 م.ج صراحة على إمكانية استعمال الوسائل الإلكنرونية في التدليس أو وضع قاعدة عامة بالمجلة الجزائية في اتجاه استعمال الوسائل الحديثة في تحقيق الجرائم.
[98]محمود نجيب حسني: الحق في سلامة الجسد، مجلة القانون والاقتصاد، ص 53 وما بعد.
Paul Coster-Floret: L'interpretation des lois pénales, Revue de science criminelle 1937, p. 4 et suiv.Marc Ancel: A propos de quelques discussions sur la règle "nulla poena sine lege", Rev. de science crimielle, 1937, p. 678.[99] ويرى البعض أنّ جميع الجرائم المرتكبة بواسطة الإعلامية لا تتناسق ضرورة مع حكم التأويل بالعلة، كما في صورة دور المعلوماتية في الاعتداء على الملكية الفكرية، فلا بدّ من توفر النص صراحة في ذلك حتى تصحّ المؤاخذة.

ليست هناك تعليقات: