2013/03/02

المفهوم...


من مقدمة كتاب: محمود داوود يعقوب: المفهوم القانوني للارهاب، دراسة تحليلية تأصيلية مقارنة. منشورات دار زين الحقوقية. 2012. ط1.
***********************************************

يطلق المفهوم لدى اللغويين على مجموع الصفات التي يتضمنها تصور الشيء، أو النقاط الجوهرية المتماثلة بين أفراد الصنف الواحد، ويسمى بالمفهوم الإجمالي، ودقة المفهوم ترادف العلم اليقيني، لأنه يشكّل حصيلة ذهنية لسلسلة من العمليات التي تشمل تطبيق عدد من مناهج المعرفة، مثل المقارنة والتحليل والتركيب والتجريد والصياغة في فكرة التعميم والاستقراء والاستنباط، واستخلاص النقاط الأساسية أو المكونات الجوهرية وإطلاقها على صورة مفهوم محدّد[1]

ومن خلال تعيين المفاهيم نحصل على معرفة أكثر عمقاً بالواقع عن طريق فرز جوانبه الجوهرية وتعميمها. «إنّ أي مفهوم علمي باعتباره انعكاساًَ للواقع، هو مفهوم متحرك ومتدفق، شأنه في هذا شأن الأشياء والعمليات (السيرورات) التي هو تعميم لها»[2]

والواقع إنّ من أبرز مشكلات الفكر القانوني والسياسيّ العربي التداخل بالمفاهيم والمصطلحات المستخدمة في خطابات رجال السياسيّة وكتابات القانونين، وعدم تطابق مدلولاتها ومعانيها إلى حد التناقض والتعارض. فينعكس ذلك على أخطاء في الفهم والإدراك، بل يتعداهما إلى السلوك والتصرف. الأمر الذي جعل الفكر السياسيّ العربي المعاصر يضيع في متاهات معقدة انعكست على الحياة العربية في مناحيها وجوانبها المختلفة[3]

ويشمل خطر الاضطراب في المفاهيم العلاقات مع الخصوم والأصدقاء على السواء. فالوطن العربي يعيش مرحلة خطيرة ناشئة من التحديات التي تواجهه من أعدائه، وفي مقدمتهم «إسرائيل» وحلفاؤها. ويتطلب ذلك تفكيراً موحداً حول مفاهيم مضبوطة. وحينما يختلف بعضنا مع بعض في مفهوم السلام أو الحرب أو الإرهاب مثلاً، يستطيع الخصم أن يركب الموجة ليعطي للقضايا الأساسية مفهومه الخاص: الحرب، السلام، السلطة، القانون الدولة، الحرية، الأمن، الإرهاب...» [4]

والمعركـة المصطلحيـة[5] لم تعد تمس صميم المصطلحات، بل تعدتها لتخلـط الكثير من الثبات المصطلحي، وتزعزع وحدة التصور الفكري، فالمصطلحات بعامة، شأنها شأن اللغة ذاتها خاضعة للمفهوم التاريخي التطوري، فمنها ما هو قديم ومنها ما هو حديث العهد، ومنها الذي اندثر بعد أن أدى دوره المرسوم لـه في فترته الزمنية التي طالت أو قصرت، ومنها الذي صمد وبقي واستمر مع الأيام والسنين، وهذا عائد بالتأكيد إلى المنطق التطوري اللغوي الذي خضع مع الزمن للتغيير أو التبديل أو الاستمرار. 

كما أن المصطلحات في نشوئها، تعود إلى أسباب ومسببات وأهداف وغايات، فقد يتكون هذا المصطلح أو ذاك وينتشر في أصقاع العالم، ويكون الهدف منه خدمة الإنسانية جمعاء، كما هو الحال في بعض المصطلحات العلمية أو الفكرية، وقد يكون محدود الانتشار، ويستخدمه مجتمع دون غيره من المجتمعات، وفي الوقت ذاته، قد يتم تخليق أو افتعال مصطلح ما من قبل جهات معينة مثل مصطلح الإرهاب، ويكون الهدف منه نفعياً يخدم مصالح هذه الجهة أو تلك، مثلما يكون في الوقت ذاته إضراراً بجهات أخرى بعينها، وهذا النوع من المصطلحات أخذ يتحول إلى سلاح فعال في عصرنا الراهن، وبات يستخدم في الوسائل الإعلامية والثقافية التي أصبحت تمتلك تقنيات إيصال هائلة في أيامنا هذه، حتى أصبح لا يقل أهمية أو خطورة عن البندقية والمدفع والصواريخ العابرة للقارات.[6]

فالمُصطلَحات في اللغة السياسيّة تُستخدَم بشكل مختلف ومعكوس تماماً بحيث تُظهر الكلمات نقائض ما يُضمر القائلون، بحيث تُعطي الكلمات مدلولات تختلف عن مقصودها اللغوي وتُجرِّدها من معناها الأصلي. ففي القرن التاسـع عـشر سُمِّي الاحتلال "حماية"، والهيمنة "انتداباً"، والنهب الاستعماري "عبء الرجل الأبيض ورسالته"، ثم استُبدلت بهذه التسميات المضللة تسميات أخرى لا تقل عنها ضلالاً وتضليلاً إنما تتفق مع ما يُسمَّى "روح العصر". فدخلت إلى المعجم السياسيّ المتداول كلمات جديدة مثل: "المعونات الدوليّة" ـ"القروض" ـ "نقل التكنولوجيا" ـ "الاعتماد المُتبادَل"، وكل هذه المُصطلَحات لا تخرج عن مضمون الاحتلال والتبعية والاستنزاف بصور جديدة. ومن بين هذه الكلمات ذات المدلول المضلل في الاستعمال السياسيّ الدوليّ كلمة "الإرهاب" بحيث أصبحت القوى الاستعمارية والمنظمات الدوليّـة الخادمــة لها تسـتخدم الكلمة "الإرهاب الدوليّ" كمرادف لتعبير "الحرب المشروعة" التي هي حرب الضعفاء ضد الأقوياء بحيث أصبح من يقذف حجراً أو يُطلق رصاصة على من يحتل أرضه ويسلبه كرامة المواطن "إرهابياً مدفوعاً"، على عكس المحتل الذي يبدو وكأنه بالاحتلال يؤدي حقاً تُقِّره الأعراف[7]

وإذا كان الأمر كذلك فإن تحرير مضامين المصطلحات واكتشاف مناطق الاتفاق ومناطق التمايز في معاني ومفاهيم هذه المصطلحات -وخصوصا تلك الأكثر شيوعا وإثارة للجدل بين تيارات الفكر في عصرنا وفي واقعنا-... هو مهمة أساسية، وأولية بالنسبة لأي حوار فكري حقيقي وجاد ينقذ حياتنا الفكرية من خطر الاستقطاب الحاد، ويوجد "لغة فكرية واحدة" بين الفرقاء المتحاورين[8]

ومن هنا تبرز أهمية وخطورة تحديد مفاهيم المصطلحات خاصة في الكتابة القانونية التي عصبها المصطلح وقوامها مفهومه، وترمي إلى منتهى الدقة، وأقصى الإيجاز، وغاية الإفادة والعلم. وتقتضي السلاسة والفصاحة والبلاغة والبيان، أي تسلسل عناصر الجملة وتناسقها وعدم تنافرها وتبليغ المراد منها وجلاء الفكرة من ورائها في أناقة وحسن ديباجة، دون اطالة أو تكرار. 

فبعد أن يتضح مفهوم المصطلح، تكتمل الصورة وينجلي المقصود تماما. ومتى استحكم فهم فحوى المصطلح كان بالإمكان أن يصل المعنى تدريجيا إلى القارئ ولو كان غير متخصص ليس له إلمام بالموضوع ودراية بخلفيته، شريطة أن يوفق الباحث في ضبط المفهوم ويبرع في ابراز خصائصه المميزة له عما يشابه من مصطلحات. فالوضوح يعين على سهولة إدراك المفهوم. 

فالتعريف هو مفتاح المفهوم المصطلحي، إذ يحصر إطاره ويحدد معالمه ويقرّبه إلى المدارك بإتاحة التصوّر. وتكمن أهمية تعريف المصطلح في أنه يميزه ويخصصه فيجعل له دلالة ملازمة له في لغة العلم والاختصاص. كما أنه واجب لأنه يبين المقصود منه[9]

إلا أن الإشكال المطروح في تعريف المصطلح هو معرفة من ذا الذي أحق به؟ أهو اللغوي العارف بأصول اللغة ومسالكها وإمكاناتها القادر على التصرف فيها وتطويعها، أم رجل القانون المتخصّص الملمّ بالموضوع الواقف على خباياه ومضامينه؟ أم المفروض انهما يكملان بعضهما البعض؟ وهذا هو الصواب، فالمفهوم اللغوي يجب أن يكون المنطلق ولو لم يكن هو الغاية[10]

فالمصطلح هو روح النص العلمي ولا يتأتّى التفاهم والتطوير إلا بتحديد مفهومه ودلالته. والمصطلح نص دقيق مكثّف يصلح لبناء نص متكامل أكبر قائم على التفاصيل والجزئيات[11]

ولكل مصطلح قانوني ثلاثة عناصر هي: طبيعته القانونية، ونظامه القانوني، ومفهومه. 

– الطبيعة القانونية : 

أي البحث عن تكييف المصطلح وإدراجه في إحدى الأصناف القانونية بغاية تحديد نظامه القانوني العام الذي سيطبق عليه. 

فالقانون يحتوي على مجموعة من الأصناف القانونية لكل منها أحكامه الخاصة به، والفائدة من عملية التكييف تكمن أساسا في تحديد الصنف القانوني الذي سنعود إليه ونعتمده لسد الثغرات الموجودة في التنظيم الخاص بمصطلح ما من خلال العودة إلى الأحكام العامة للصنف القانوني الذي ينتمي إليه ذلك المصطلح. 

وتقتضي عملية التكييف تحقيق أمرين8 يتمثّل الأول في التحديد المجرّد للعناصر القانونية المميزة لصنف من الأصناف، أما الأمر الثاني فيتمثل في تحقيق التطابق بين عناصر المصطلح الماثل مع العناصر القانونية للصنف الذي سيدرج فيه[12]

ويجب البحث عن الطبيعة القانونية وتحديدها لما لها من أهمية في تحديد النظام القانوني العام للمصطلح، ويكون ذلك من خلال البحث في الأحكام التي خصصها القانون لتنظيم ذلك المصطلح فنعود إلى تلك الأحكام ونبحث فيها حتى نتبين إلى أي صنف من الأصناف القانونية ينتمي. 

– النظام القانوني: 

وهو مجموعة الأحكام التي وضعها القانون لضبط مصطلح ما وذلك من خلال بيان شروطه وآثاره وقواعد وجوده وزواله. ويعتبر هذا العنصر أهم عناصر أي مصطلح إذ لا مجال للاستغناء عنه فإما أن يكون هو محور التحليل وإما أن يكون هو مصدر تحديد المفهوم أو الطبيعة القانونية للمصطلح. 

– المفهوم : 

أي تعريف المصطلح من خلال إبراز عناصره المميزة له عن غيره والمعبرة عن محتواه بعبارات عامة شاملة وموجزة تسمح بتحديد المقصود بذلك المصطلح من جهة، ومن جهة أخرى بضبط مكوناته وبتمييزه عن غيره. 

ومبدئيا يقع التعرض للمفهوم في مقدمة البحث إلا إذا كان تحديده مثار جدل وخلاف فمن الممكن أن .يقع التطرق إليه صلب موضوع كامل



[1]- جميل صليبا: المعجم الفلسفي. بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1973. المجلد الثاني، ص 403 ـ 405.[2]- روزنتال ويودين (إشراف): الموسوعة الفلسفية، ترجمة سمير كرم. بيروت: دار الطليعة، الطبعة الثانية، 1980. ص 488.
[3] - خلف الجراد :المنظومة المفاهيمية ومسألة المصطلح، مجلة «المعرفة» الصادرة عن وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، العدد /478/، تموز /2003/.[4]- عبد الكريم غلاب: أزمة المفاهيم وانحراف التفكير. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998. ص11.
[5] - لمزيد التوسع في هذا الموضوع انظر: عبد الوهاب المسيري: إشكالية التحيز ـ رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن، الطبعة الأولى، 1996م، ج 1، ص 3.. 107. علي جمعة: كلمة في التحيز، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن، الطبعة الأولى، 1996م، ج 1. ص 117..321. محمد عمارة: الخصوصيات الحضارية للمصطلحات، ج 1، ص 125.. 123. أحمد صدقي الدجاني: التحيز في المصطلح، ج 1. ص 145.. 161.
[6] - عبد الرحمن عمار: قضية الإرهاب بين الحق والباطل، منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2003. ص32.
[7] - عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. ج2. ص315.
[8] - محمد عماره: معركه المصطلحات بين الغرب والاسلام. نهضه مصر. الطبعة 2. 2004. ص. 12.
[9]- فيما يتعلق بأهمية المصطلح راجع: بيشت، هربيرت ودراسكاو، جنيفر: مقدمة في المصطلحية. ترجمة محمد محمد حلمي هليل. الكويت: مجلس النشر العلمي. 2000. محمـد الديـداوي: إشكالية وضع المصطلح المتخصـــص وتوحيده وتوصيله وتفهيمه وحَوْسَبته. مكتب الأمم المتحدة في جنيف. 2003.
[10]- محمـد الديـداوي: إشكالية وضع المصطلح المتخصـــص وتوحيده وتوصيله وتفهيمه وحَوْسَبته. مكتب الأمم المتحدة في جنيف. 2003.
[11] - أنظر في هذا الصدد: محمد الديداوي: الترجمة والتواصل. دراسات عملية تحليلية لإشكالية الإصطلاح ودور المترجم. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء- بيروت. 2000.
[12] - نذير بن عمّو: القانون المدني ،العقود الخاصة، البيع والمعاوضة، مركز النشر الجامعي، 2007.ص 8 و9.

ليست هناك تعليقات: