2026/06/14

ملاحظات حول قرار جناحي استئنافي يتعلق بإثبات التعذيب

محمود داوود يعقوب

محام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.

 قرار جناحي ممتاز صادر عن الدائرة الجناحية الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بباجة بتاريخ 14 ماي 2026، في قضية استئنافية اعتراضية ضد حكم ابتدائي صدر بتاريخ 12 أوت 2025 يقضي بعقوبات سجنية متعددة (سنة + 6 أشهر + 6 أشهر + شهرين + شهرين + شهرين + 15 يوما + 15 يوما) عن جرائم التهديد، الإضرار العمدي بملك الغير، هضم جانب موظف عمومي، التعاصي، الاعتداء على الأخلاق الحميدة، القذف العلني، والسكر الواضح وإحداث الهرج (الفصول 304، 125، 222، 226 مكرر، 245، 247، 116، 315، 316، 317 م.ج).

صدر برئاسة السيدة نائلة التريكي رئيسة الدائرة وعضوية المستشارين السيدة فاتن خير الله والسيد على قيقة 

وهو من تلخيص القاضي المتميز علي قيقة.

وقبل تقييم القرار لا بد من كلمة تقدير للهيئة التي أصدرته لما تضمنه هذا القرار من شجاعة قضائية وتمييز في التعليل. فقد آثرت هذه الهيئة، في زمن قد يكون فيه الانحياز إلى محاضر الضابطة العدلية والمصادقة الشكلية على الأحكام أيسر السبل للسلامة الذاتية، أن تتعمق في أوراق الملف وتبني قرينة جدية على التعذيب من معطيات دقيقة (المعاينات الطبية، احتكار الباحث للسيطرة المادية، انعدام أي تفسير معقول للإصابات، إغفال فتح بحث مستقل، قبول شهادة محامي ذي الشبهة)، وهذا النوع من القرارات يجسد عمليا ما يُفترض أن يكون عليه القاضي الجزائي، حارسا فعليا لكرامة الإنسان ومبدأ المحاكمة العادلة، لا مجرد مصادق على ما يُعرض عليه. وهو يبعث برسالة مهمة، خصوصا لمن يمارسون مهنة المحاماة، بأن الدفوع المتعلقة بسلامة الإجراءات وكرامة المتهم ليست شكليات يمكن تجاوزها، بل جوهر العمل القضائي. تحية لهذه الهيئة، وأمل أن يكون هذا القرار نموذجا يُحتذى في قضايا مماثلة.


ورجوعا للقرار أبدي الملاحظات الأولية التالية:


الإطار الموضوعي: قبلت المحكمة الاعتراض شكلا (طبق الفصل 209 وما بعده م.إ.ج)، وفي الأصل بنت قرارها بنقض الحكم الابتدائي والقضاء ببطلان إجراءات التتبع بكاملها، استنادا إلى مسارين متداخلين:

البناء التحريري للقرار (تسلسل: مبدأ ⟸ معطى وقائعي ⟸ قرينة ⟸ أثرها على الإثبات ⟸ الطلب المهمل ⟸ التكييف القانوني ⟸ النتيجة) متماسك منهجيا ويعكس مستوى معقولا من جودة التعليل القضائي مقارنة بقرارات أخرى من هذا النوع،

على حد علمي هو أول حكم قضائي تونسي يؤسس قرينة التعذيب أثناء الاحتفاظ بناء على معاينات وشهادات وتقارير طبية تثبت إصابات بدنية بليغة على المتهم أثناء فترة الاحتفاظ، دون أي تفسير معقول لمصدرها، مع احتكار أعوان الأمن للسيطرة المادية عليه طوال تلك الفترة، وعدم فتح بحث مستقل في الإصابات.


**- من حيث المبدأ الدستوري وحماية الكرامة

الأساس الذي بنت عليه المحكمة قرارها أن السلامة الجسدية والمعنوية للمظنون فيه ضمانة جوهرية لشرعية التتبع، وأن الاعتراف أو الإجراء المتم تحت الإكراه فاقد لكل قيمة قانونية ويتطابق مع المبدأ الدستوري الثابت في الفصول المتعلقة بحظر التعذيب وحماية كرامة الإنسان، وهو مبدأ مستقر في التراتب الدستوري التونسي منذ دستور 2014 واستمر في دستور 2022 ضمن باب الحقوق والحريات. رغم أن القرار لم يُسند هذا المبدأ إلى فصل دستوري محدد بالعدد، بل صاغه كـ"مبدأ دستوري مستقر" بصفة عامة. 


**- البناء المنطقي الذي اعتمدته المحكمة: 

 يطابق بدقة المعيار الذي درجت عليه الهيئات والمحاكم الدولية المعنية بمناهضة التعذيب (مبدأ مفاده أن وجود إصابات لدى شخص محتفظ به دون تفسير من الدولة يولّد قرينة مسؤولية على عاتقها). هذا التطابق يُعد نقطة قوة حقيقية في التعليل، ويعكس انسجاما مع روح الفصل 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب (استبعاد كل قول أو دليل ثبت أنه انتُزع بالتعذيب).

كما أن استناد المحكمة إلى تقارير طبية أعدها خبراء بتسخير قضائي يتماشى مع منهجية "بروتوكول اسطنبول" الخاص بالتوثيق الطبي والقانوني للتعذيب، وهو معيار دولي معتمد.


القرار الاستئنافي متماسك منهجياً ومطابق للمعايير الدولية فيما يتعلق بـ:

* مبدأ عبء الإثبات المعكوس في التعذيب (اللجنة الدولية لمناهضة التعذيب - التعليق العام رقم 3) نقل عبء تقديم التفسير المعقول إلى جهة البحث عند ثبوت إصابات لدى محتفظ به أثناء مدة الاحتفاظ دون وجود سبب أخر، إثبات وجود إصابات بدنية بليغة وقعت أثناء فترة كان فيها أعوان الأمن الجهة الوحيدة المحتكرة للسيطرة المادية على المتهم، وانتفاء أي تفسير معقول بديل، فينشأ عن ذلك قرينة جدية على التعذيب تنتقل بموجبها عبء تقديم تفسير معقول إلى جهة البحث الأولي.

* الاعتماد على تقارير طبية أُعدت بتسخير قضائي: مطابق للفصل 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب** 

* استبعاد الدليل المنتزع بالتعذيب: المحاضر وما تولد عنها لفساد جوهر وسائل الإثبات.

* الحق في محاكمة عادلة: اعتبار عدم الرد على طلب جوهري خرقاً لحق الدفاع (امطابق للمادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.


** التقييم في السياق التونسي

قرينة التعذيب: تقدم نوعي، المحكمة لم تنتظر "إثباتاً قاطعاً" بل اعتمدت القرينة الجدية من الإصابات + احتكار السيطرة. هذا يكسر المنطق التقليدي الذي يُلقي بعبء الإثبات على الضحية

استبعاد الدليل الفاسد: تطبيق فعلي لمبدأ "الثمرة المسمومة" (fruit of the poisonous tree) — نادر في التطبيق القضائي التونسي حيث تُقبل المحاضر رغم شبهات التعذيب

حماية حق الدفاع: اعتبار أن عدم الرد على طلب سماع شاهد (المحامي) يُوجب البطلان، يُرسّخ رقابة قضائية على سير الأبحاث

التسخير القضائي للخبرة الطبية: اعتماد تقارير طبية بتسخير قضائي (وليس طبيب مسخر من باحث البداية) يُضعف احتمال التلاعب

وفي سجل تونس المُثقل بالإفلات من العقاب في قضايا التعذيب، فإن القضاء ببطلان إجراءات التتبع يعتبر أمرا محمودا رغم غياب ما يسمح في المنظومة القانونية الحالية من وجوبية تتبع الفاعلين (تم تكريسها في مشروع م ا ج المرمى فوق الرفوف منذ سنة 2019)

عموما البطلان كـ"جزاء إجرائي"في السياق التونسي، يُقرأ غالباً كـ"انتصار شكلي" ولكنه عمليا يُغلق الملف دون محاسبة. المتهم يُطلق سراحه (إيجابي) لكن الأعوان يُفلتون من العقاب (سلبي) هذا الحل يُرضي الضحية (بإطلاق سراحه) ويُرضي الأمن (بعدم محاسبة الأعوان)، لكنه لا يُعالج أصل المشكل.ما يُميّز هذا القرار

الاعتراف بـ"قرينة التعذيب": سابقة قضائية نادرة. في معظم الأحيان، تُقبل المحاكم التونسية تبريرات "المقاومة أثناء القبض" أو "إصابات سابقة"

كما أن ربط البطلان بـ"حق الدفاع": توسيع لنطاق حماية المحامي من شاهد على الاحتفاظ (بعد تخليّه عن النيابة)، وهو تكييف قانوني مُبتكر لم يسبق لي شخصيا أن وجدتها في حكم قضائي.


في مقياس العدالة التونسية القرار "استثنائي في الشكل، تقليدي في الجوهر" بالنسبة لتونس لأنه تجرأ على استبعاد دليل الشرطة بناءً على قرينة التعذيب — خطوة نادرة في قضاء تاريخياً "محافظ" إزاء سلوك بعض الأمنين. ومع هذا فالقرار يُمثّل تقدماً نسبياً في جودة التعليل القضائي، رغم فشل المنظومة القانونية الصادر في ظلها في اختبار "المحاسبة الفعلية" وهو ما يُميّز دولاً أخرى خرجت من ثقافة التعذيب.

التقييم النهائي: قرار ممتاز في حدود نظام قانوني هزيل، وجريان عمل قضائي يغلب عليه تشجيع الافلات من العقاب.


*******

حيثيات القرار:


حيث انه من المبادئ الدستورية المستقرة ان حماية السلامة الجسدية والمعنوية للمظنون فيه، تعد من الضمانات الجوهرية الملازمة لشرعية التتبع الجزائي، وان كل اعتراف او اجراء تم اتمامه تحت وطأة العنف او الاكراه او التعذيب يكون فاقدا لكل قيمة قانونية.

وحيث يستفاد من مؤيدات الملف، وخاصة ما تضمنته الشهادات والمعاينات والتقارير الطبية المجراة بواسطة تساخير، ثبوت وجود اثار عنف واصابات بدنية بليغة على المظنون فيه خلال فترة الاحتفاظ، دون ان يتضمن الملف أي معطى جدي يثبت نسبة تلك الإصابات الى شخص اخر بما في ذلك الشاكي، او الى سبب سابق او لاحق عن زمن الاحتفاظ، والحال ان الثابت من أوراق القضية ان أعوان الامن المشرفين على البحث كانوا الجهة الوحيدة المرافقة للمظنون فيه سواء اثناء القبض عليه او اقتياده الى مركز ... او مباشرة الأبحاث الى حين تقديمه للنيابة العمومية.

وحيث ان انعدام أي تفسير معقول لمصدر تلك الإصابات، فضلا على عدم تصريح الشاكي بتشابكه مع المظنون فيه ابان خلافهما وعدم معاينة باحث البداية لاي مظاهر عنف او اعتداء على المتهم عند حلولهم لنجدة الشاكي، مع احتكار الباحث لسلطة السيطرة المادية على المظنون فيه طيلة مدة الاحتفاظ، ينشئ قرينة جدية على تعرضه للعنف اثناء مباشرة الأبحاث تنضاف الى تصريحات المظنون فيه كما تتعزز بعدم المبادرة بفتح بحث مستقل وجدي في ملابسات الإصابات الثابتة عليه، بما يجعل سلامة الإجراءات محل ريبة مشروعة.

وحيث ان التعذيب او العنف الواقع اثناء الاحتفاظ لا يمس فقط بسلامة الشخص المادية، بل ينال من حرية الإرادة ويفسد جوهر وسائل الاثبات المستقاة خلال تلك المرحلة، مما يجرد المحاضر وما تولد عنها من اعمال لاحقة من شرط الموضوعية.

وحيث وفضلا على ما تقدم ثبت بمراجعة مؤيدات الملف تمسك الدفاع امام المحكمة بطلب سماع الأستاذ المحامي "..." الذي كان متوليا نيابة المظنون فيه خلال مرحلة البحث، وذلك بعد تصريحه بالتخلي عن نيابته، باعتباره شاهدا مباشرا للوقائع والظروف التي رافقت الاحتفاظ والسماع وما شابها من ادعاءات بالتعذيب والاكراه تعززت بشهائد طبية بما يجعله من وسائل الاثبات الجوهرية المتصلة مباشرة بشرعية الإجراءات وسلامة الأفعال المنسوبة للمظنون فيه.

وحيث انه من الثابت ان المحكمة لم تستجب لذلك الطلب ولم تبد بشأنه أي تعليل قانوني صريح بالقبول او الرفض، رغم ما يكتسيه صبغة جوهرية وتأثير مباشر على تكوين قناعتها، خاصة وان الشهادة المطلوب سماعها لا تتعلق بسر مهني محمول على الدفاع بعد زوال صفة النيابة بالتخلي الصريح عنها، وانما تتعلق بمعاينات مادية ووقائع عاينها الشاهد المفترض وتتصل بادعاءات التعذيب والعنف المسلط اثناء الاحتفاظ.

وحيث ان حق الدفاع لا يقتصر على الحضور الشكلي او تقديم الملحوظات او الترافع، بل يشمل كذلك تمكين المظنون فيه من كافة وسائل الاثبات القانونية الكفيلة باثارة الشك حول سلامة الإجراءات.

وحيث ان المحكمة تبقى ملزمة بالاجابة على الطلبات الجوهرية تعليلا وقضاء، قبولا او رفضا، والا عد سكوتها اخلالا بحقوق الدفاع وخرقا لمبدا المحاكمة العادلة.

وحيث ان طلب سماع الشاهد المذكور كان من شانه لو استجيب له، ان يكشف حقيقة الظروف التي تمت فيها الأبحاث الامر الذي يجعله طلبا منتجا لا يجوز الالتفات عنه ضمنا او اغفاله دون رد.

وحيث استقر فقه القضاء على ان اغفال المحكمة الرد على طلب جوهري من طلبات الدفاع يعد قصورا في التعليل واخلالا بحقوق الدفاع موجبا لبطلان الإجراءات والحكم المبني عليها، خاصة متى تعلق الطلب بالطعن كما هي صورة الحال بمشروعية وسائل الاثبات ذاتها.

وحيث اتجه والحال ما تقدم القضاء ببطلان الإجراءات.









ليست هناك تعليقات: