هاجر الهيشري يعقوب
باحثة جامعية
(كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس- جامعة تونس المنار)
المقدمة
إن المساواة مقدمة لا بد منها للحرية، وهي حجر الأساس لكل مجتمع
ديمقراطي يتوق إلى العدل الاجتماعي وحقوق الإنسان، لكن الواقع العملي يؤكد أنه في
كل المجتمعات وفي جميع أوجه النشاط تقريبا تتعرض عدة فئات اجتماعية لأوجه عدم
المساواة في القانون والواقع وهذا الوضع يسببه ويزيد من حدته وجود تمييز في الأسرة
وفي المجتمع وفي مكان العمل، فبسبب القوانين والتقاليد حرمت عديد الفئات من حق
الحصول على مكانة قانونية واجتماعية مستقلة استنادا لقيم بالية تقليدية تدعم
التمييز ضد تلك الفئات، وهذه الحقائق جعلت المجتمع الدولي يولي اهتماما خاصا
بقضايا الفئات الخاصة والمهمشة باعتبارها جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان وتم تشكيل
لجان لرصد أوضاعها وإنشاء آليات من أجل تطبيق الحقوق الإنسانية لتلك الفئات،
ومكافحة أي تمييز ضدها.
فالتمييز تعبير يعني معاملة الإنسان بقيم دونية تخفض من قيمته استنادا إلى أنه ينتمي مجموعة دينية أو أقلية جنسية معينة مثلاً. فالتمييز هو تمييز
الصفات والاختلافات بين الأشخاص أو الأشياء وجعل الخيارات بين الناس استنادا إلى
تلك الصفات الشخصية. وبالتالي فان التمييز هو في أساسه يتعارض مع مفهوم
المساواة.
1- تعريف
التمييز:
عرفت عدة مواثيق دولية التمييز، ولعل أهمها وأعمها ما ورد في
المادة الأولى من الاتفاقية الدولية الخاصة بالقضاء على جميع صور الميز
العنصري[1] :" أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على
أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل
أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها،
على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في
أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة"[2].
لكن الاتفاقية استدركت واستثنت في المادة 1-4 من مفهوم التمييز
أنه:" لا تعتبر من قبيل التمييز العنصري أية تدابير خاصة يكون الغرض
الوحيد من اتخاذها تأمين التقدم الكافي لبعض الجماعات العرقية أو الإثنية المحتاجة
أو لبعض الأفراد المحتاجين إلى الحماية التي قد تكون لازمة لتلك الجماعات وهؤلاء
الأفراد لتضمن لها ولهم المساواة في التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو ممارستها،
شرط عدم تأدية تلك التدابير، كنتيجة لذلك، إلى إدامة قيام حقوق منفصلة تختلف
باختلاف الجماعات العرقية، وشرط عدم استمرارها بعد بلوغ الأهداف التي اتخذت من
أجلها"[3].
وهذا التعريف ثم الاستدراك اعتمده المشرع التونسي في الفقرتين
الثانية والثالثة من الفصل الأول من القانون عدد 83 بتاريخ 15/ 8/ 2005 المتعلق
بالنهوض بالأشخاص المعوقين وحمايتهم. إذ عرفت الفقرة الثانية التمييز بأنه:" تعتبر
من قبيل التمييز كل الأحكام أو الأعمال التي يترتب عنها إقصاء أو ينتج عنها تقليص
من الحظوظ أو ضرر للأشخاص المعوقين".
ولكن الفقرة الثالثة استدركت
بأنه:"لا تعتبر من قبيل التمييز
الإجراءات التشجيعية الخاصة والهادفة إلى ضمان المساواة الفعلية في الحظوظ
والمعاملة بين الأشخاص المعوقين وبقية
الأشخاص".
2- أنواع التمييز:
كرس الاستدراك المذكور أعلاه تفرقة بين نوعين من التمييز:
الأول: تمييز ممنوع أو محظور، يمكن تسميته التمييز السلبي،
وهو القائم على استهداف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات
الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة.
والثاني: تمييز مباح أو مقبول، يمكن تسميته بالتمييز الإيجابي،
وهو القائم على اتخاذ تدابير خاصة يكون الغرض الوحيد منها تأمين التقدم الكافي
لبعض الجماعات أو لبعض الأفراد المحتاجين إلى الحماية لتضمن لهم المساواة في
التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو ممارستها، شرط عدم إدامة قيام حقوق
منفصلة، وشرط عدم استمرارها بعد بلوغ الأهداف التي اتخذت من أجلها.
وعلى أساس قاعدة التمييز الإيجابي تبتكر سياسات وتوضع آليات
بهدف سد الفجوة بين فئة اجتماعية وأخرى من حيث التمتع بالحرية والحقوق المدنية
والاقتصادية والاجتماعية، ذلك أن بعض الفئات الاجتماعية تضررت بسبب عادات وتقاليد
وقيم موروثة وأسكنت منزلة دونية داخل المجتمع. هذا علما وأن الفئة المتضررة هي
التي تكون أكثر عرضة من غيرها للفقر والأمية وعدم التكوين التربوي والمهني كما هي
عرضة للاستغلال والاضطهاد وغياب الحقوق وتكون بالتالي غير قادرة على تحقيق الذات
وتنمية القدرات.
3- تسمية
"التمييز الإيجابي"
إن مصطلح التمييز الإيجابي قائم على تناقض
بين مفردتيه مما اضفى عليه ضبابية وغموضا زادا من الشكوك في مشروعيته ومدى
فاعليته. فإذا كان التمييز بطبيعته أمرا سلبيا، فكيف يمكن أن يوصف بكونه إيجابيا؟
فالتمييز هو جعل شخص أو فئة من الأشخاص يمتازون عمن سواهم
بمنحهم ميزة أو ميزات مع منعها عن الآخرين وبالتالي فان التمييز هو في أساسه حالة من حالات إجهاض
المساواة ومن ثم هو وجه من اوجه اللاعدالة لان الحقوق الممنوحة والأوضاع المقررة
كامتيازات لفرد أو فئة يقابلها بالضرورة حرمان للآخرين منها.
لهذا يختلف البعض على التسمية دون إخلال بالمبدأ، ففي أمريكا
يسمونها ""Affirmative
Action"العمل الإيجابي" وبعض دول أوروبا تسميها «التمييز الإيجابي» "discrimination positive" ودول أخرى تسميها «المعاملات التفضيلية»
ودول أخرى تسميها «آليات الإنعاش الملائم للأقليات» أو "«إجراءات الفعل التوكيدي» أو «المساواة الرافعة»،
لرفع مستوى الضعفاء إلى مستوى الأقوياء، أو «آليات الدمج لكل مكونات الأمة»
أو «تفعيل المواطنة» عن طريق إجراءات خاصة لتعزيز المشاركة والمساواة، أو «آليات
التمثيل والتواجد العادل للأقليات» أو حتى تعزيز «قانون التنوع»، ولكن
في الحقيقة كل هذه العبارات ما هي إلا وصف لجزء من محتوى الفكرة ولا تشمل كافة
جوانبها، فالتعبير المعروف في اللغة الانقليزية بـ :"Affirmative Action" ومقـــــابـلــــه فـــــــي النـــص الفـــرنـــــــــــسي
تـعـبـيـــــــــــر "discrimination positive" كان يعني في الولايات المتحدة الامريكية
اتخاذ تدابير إيجابية لصالح السود إنصافا لهم من آثار التمييز العنصري التي لحقت
بهم. وفي السنوات الأخيرة صار التعبير يشمل المرأة أيضا وعدة فئات خاصة مثل
ذوي الاحتياجات الخاصة وسكان المناطق الاقل تنمية، والمدارس الأقل مستوى.
واصطلحا يمكن ترجمة هذا المفهوم من اللغة الانقليزية إلى
العربية بعبارة "العمل الإيجابي"، وهي ترجمة مختصرة وإن كانت لا
تخلو من الغموض شأنها شأن التعبير الأصلي في اللغة الإنقليزية؛ ولزيادة الوضوح
هناك من يقترح ترجمة العبارة الإنقليزية بـ "تدابير إيجابية". أو
التمييز الإيجابي اقتداء بالترجمة الفرنسية "discrimination positive" .
4- ظهور
التمييز الإيجابي
ظهرت نظرية (Affirmative
Action) "العمل الإيجابي" لاول مرة في الولايات المتحدة الامريكية كمجموعة إجراءات ذات
طبيعة عامة او خاصة اعتمدت باغلبيتها في أواسط الستينيات من القرن الماضي بمبادرة
اجهزة مختلفة في الجسم الاداري الفيدرالي يهدف الى منح اعضاء مجموعة مختلفة خضعت
بالماضي الى تمييز سلبي وتلك المجموعات هي أقليات أثنية مثل السود واللاتينيين والسكان الأصليين وكذلك النساء وتتبع باجراءاتها المعتمدة رفع مستوى التمييز
المتدني لهذه الفئات في البلاد.
أما عبارة discrimination positive" التمييز الإيجابي" فقد ظهرت في
القاموس السياسي الفرنسي قبل نحو عشرين عاماً، لكنها شاعت في بداية القرن الحالي،
في إطار الحديث عن الاقتراح القاضي بجعل السيَر الذاتية لطالبي الوظائف سرية، وعن الاتفاقية المبرمة بين معهد الدراسات
السياسية وعددٍ من المدارس الثانوية المصنّفة ضمن "مناطق الأولوية
التربوية"، وكذلك في ما يخصّ إدخال معيار "الأصل" الإثني في
الدراسات السوسيولوجية.
أما في تونس فقد دخلت تقنية التمييز الإيجابي الى
النظام القانوني من خلال الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس منذ ستينيات
القرن الماضي، لكن استخدام عبارة "التمييز الإيجابي" في التشريع
اقترنت بقانون المصادقة على الميثاق العربي لحقوق الإنسان لسنة 2004، وهو القانون
الذي أعطى فرصة مباشرة للمجلس الدستوري كي يبين مدلول التمييز الإيجابي وأحكامه.
ففي الرأي عدد 13 - 2005 للمجلس
الدستوري بخصوص مشروع قانون المصادقة على الميثاق العربي لحقوق الإنسان
اعتبر المجلس أن: "تعهد الجمهورية التونسية ضمن الميثاق العربي المذكور
لتأمين المساواة الفعلية بين المرأة والرجل في إطار التمييز الإيجابي
لصالح المرأة، يتلاءم مع ما نصت عليه الفقرة الأولى من الفصل 5 من الدستور في نطاق
ضمان شمولية لحقوق الإنسان وطالما أن هذا التمييز الإيجابي لا ينال
من الحقوق الأساسية التي يضمنها الدستور وكان خاضعا لهدف وحيد وهو تحقيق تكافؤ
الفرص ومتسما بالتناسب بين مضمون التشريعات المشار إليها والهدف
المذكور". مما يعني أن المجلس كان قد قبل
بالتمييز الإيجابي من خلال التوفيق بين أحكام الفصلين 5 و6 من دستور
1959 الملغى الذي لم يسمح بهذا النوع من التمييز صراحة. فالحق في المساواة أصبح منظورا إليه من خلال
مبادئ كونية وشمولية وترابط الحريات وحقوق الإنسان وقيم التضامن والتآزر والتسامح
بين الأفراد والفئات والأجيال، وهي مبادئ سمحت للمجلس بالاعتداد بالتمييز الإيجابي
وقبوله.
وفي الرأي عدد 32 – 2005 بخصوص مشروع قانون توجيهي يتعلق بالنهوض بالأشخاص الحاملين لإعاقة وحمايتهم اعتبر المجلس
الدستوري: "وحيث وان اقتضت أحكام الفصل 6 من الدستور المساواة في الحقوق
والواجبات وأمام القانون، فإن في تضمن الفقرة الأولى من الفصل 5 من الدستور شمولية
لحقوق الانسان ما لايمنع من التمييز الايجابي لفائدة بعض الفئات قصد تأمين
المساواة الفعلية كالأشخاص الحاملين لإعاقة في صورة الحال، طالما أن هذا التمييز
الايجابي لا ينال من الحقوق الأساسية التي يضمنها الدستور وكان خاضعا لهدف وحيد
وهو تحقيق تكافؤ الفرص ومتسما بالتناسب بين الامتيازات والمنافع والتسهيلات
والاعفاءات من جهة والهدف المنشود من جهة أخرى"
5- محتوى
التمييز الإيجابي
فمصطلح التمييز الإيجابي يشير إلى عدد من الأساليب
الرامية إلى مواجهة آثار التمييز في الماضي وللمساعدة في إلغاء الصور النمطية.
فهو عمل تقوم به الدولة أو مؤسسة خاصة لتعويض جماعة عن تمييز حصل في السابق على
أسس اختلاف النوع، العرق، الأصول الاثنية، الدين أو العجز عن الدراسة، أو الوظيفة،
أو المشاركة السياسية. لكن هناك من ينتقد التمييز
اﻹيجابي، ويرى أنه:" ليس إﻻ كذبة كبيرة، بكافة مفرداته، فهو ينعكس سلبياً على
قضية المرأة، التي تتمحور حول تجاوز الذكورية لصالح أنسنة المجتمع، أي الوصول إلى
حالة من التكافؤ بين أفراده بغض النظر عن عامل الجنس، فهذا التمييز يُكرّس ما
يُفترض تجاوزه، ويُذكّر بما يجب تناسيه، أي على عكس المطلوب تماماً.
وينطلق مفهوم التمييز الإيجابي من تحول مفهوم المساواة من المساواة في الفرص الى المساواة في النتيجة، وبما ان التمييز الإيجابي اتى لمعالجة الغبن في الحقوق
الذي طال عدة فئات، فقد اعتمد كأسلوب للقضاء على كل أوجه التمييز. إنطلاقا من أن التمييز
ضد التمييز هو عودة للأصل أي عدم التمييز وبالتالي تحقيق المساواة.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز الإيجابي فهو علاوة
على كونه وسيلة تعويضية للفئات التي عانت تاريخيا من حرمان ناتج عن العادات
والتقاليد غالبا لا بل وعن القانون أحيانا، فإنه آلية لتكريس قيم التضامن
والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال.
فوظيفة التمييز الإيجابي اليوم اختلفت عنها زمن نشأته في
الولايات المتحدة أواسط الستينيات، إذ أنه لم يعد وسيلة لإدماج وتعويض الأقليات العرقية
فقط، وإنما صار
أداة تعويضية تستخدم بصفة وقتية لتحقيق تكافؤ في الفرص بين مختلف فئات ومكونات
المجتمع الواحد. فهو أداة تنموية،
تعويضية، وإدماجيه تتماشي مع المواثيق الدولية واتفاقيات حماية الأقليات وفقه
القانون الدولي الحديث وأخذت به الديمقراطيات العريقة والحديثة على السواء، لأن
التعويل على أن التغيير المجتمعي سوف يؤدي إلى رفع الغبن عن الفئات المحرومة مع
الزمن غير صحيح، فالتمييز الإيجابي لا يحدث عبر استفتاء شعبي وإنما عبر إرادة
سياسية فوقية، وهذا ما حدث في أغلب المجتمعات التي أخذت به، فالمستأثر بميزة
لن يتخلي عنها طوعا وإنما بقوة القانون وصرامة تطبيقه، فالتمييز الإيجابي هو تحالف
بين العقلاء لصالح مجتمع ديمقراطي سليم يأخذ بآليات مؤقتة لرفع المظالم التاريخية
عن الفئات المهمشة، فهو تحالف من أجل الوطن يقوده مناضلون من أجل الحرية.
وبالتالي
فإن التمييز الإيجابي باعتباره نوع من التعويض عن تمييز سلبي حصل في السابق هو ضمان حقيقي للوصول إلى أكبر قدر من المساواة بين فئات
ومكونات المجتمع، وهو ما يبرر مشروعية هذا النوع من التمييز، إذ يمكن القول أن كل
المواثيق الدولية والقوانين الوطنية التي أقرت التمييز الإيجابي لم تأخذ بهذا
الإجراء اعتباطا أو في المطلق، وهو ما يمكن استنتاجه من موقف المجلس الدستوري الذي
قبل التمييز الإيجابي وفق التعليل التالي: "وحيث وان اقتضت أحكام الفصل 6 من
الدستور المساواة في الحقوق والواجبات وأمام القانون، فإن في تضمن الفقرة الأولى
من الفصل 5 من الدستور شمولية لحقوق الإنسان ما لا يمنع من التمييز الإيجابي
لفائدة بعض الفئات قصد تأمين المساواة الفعلية كالأشخاص الحاملين لإعاقة في
صورة الحال، طالما أن هذا التمييز الإيجابي لا ينال من الحقوق الأساسية التي
يضمنها الدستور وكان خاضعا لهدف وحيد وهو تحقيق تكافؤ الفرص ومتسما بالتناسب
بين الامتيازات والمنافع والتسهيلات والإعفاءات من جهة والهدف المنشود من جهة
أخرى".
وفي الختام يمكن القول إن العلاج الوحيد لسنوات من الإقصاء والتهميش
والحرمان هو التمييز الإيجابي الذي يجب دسترته في الدستور التونسي القادم لضمان:
-
عدالة في التنمية الجهوية والتربوية والتعليمية.
-
عدالة في مشاركة المرأة في الحياة العامة. بدسترة مبدأ التناصف
في الانتخابات مع تدعيمه بمبدأ التناوب.
-
عدالة في تأهيل وإدماج ذوي الاحتياجات الخاصة.
-
عدالة في إدماج الأقليات.
فمجرد إقرار مبدأ المساواة في
الدستور القادم لا يكفي لإعادة التوازن إلى الفئات التي عانت من سنوات التهميش.
وأبسط دليل على ذلك أنه رغم مرور أكثر من ستين عاما على اعتماد «الإعلان العالميّ
لحقوق الإنسان»، والذي ينص في مادته الأولى على أنَّهُ «يولد جميع الناس أحرارا
ومُتساوينَ في الكرامة والحقوق»؛ إلا أنَّ اتساع دائرة الانتهاكات وارتفاع
وتيرتها في معظم أرجاءِ العالَم يجعل منها مُجرَد «حِبْر على ورق»، فالتمييز الإيجابي
جاء كتقنية لتفعيل مبدأ المساواة لا للحد منها، وإن كانت عبارة
"تمييز" توحي بخلاف ذلك، فمن المتفق عليه اليوم ان المساواة المطلقة
ما هي إلا ظلم مطلق، لأن البشر بطبيعتهم مختلفون من حيث القدرات المادية
والفكرية والبدنية، ولهذا فقد كانت فكرة المساواة حسب الأصناف مقبولة
دائمة، كما قبل فقه القضاء الدستوري فكرة التمييز الهادف، أي التمييز
الرامي لتحقيق هدف ضمنه أو نص عليه الدستور، فلماذا يستنكر البعض فكرة التمييز
التعويضي، أي التمييز من أجل التعويض عن حرمان سابق ولتدارك حيف واقع على فئات
لا للذنب وإنما لجنسها أو لونها أو إعاقتها أو سنها أو طبقتها الاجتماعية. لهذا
فإن المستفيدين من التمييز الإيجابي اليوم هم نفسهم من كانوا ضحايا التمييز
السلبي في الامس، لا امتيازا وانما تعويضا وتداركا.
والتمييز الإيجابي في جوهره
ما هو الا وسيلة من وسائل المساواة الفعلية، هدفه التنمية وضمان مشاركة كافة مكونات المجتمع في ممارسة
السلطة والاستفادة من خيرات الوطن. وباعتباره وسيلة لا غاية في حد ذاته فمن
الطبيعي أن يكون مؤقتا في الزمان، ولكنه توقيت مرتبط بالنتيجة، فكلما
بلغت الفئة المعنية الحد اللازم لتكون على قدم المساواة مع البقية كلما فقد
التمييز الإيجابي مشروعيته.
فالقانون ينظم العلاقات
الاجتماعية ويحدد حقوق الأفراد ويعكس قيم المجتمع. وهو أيضا أداة من أدوات السلطة
للتغيير، ويمكن استخدامه لتعويض بعض الفئات عن الانتقاص السابق وحرمانها من
حقوقها.
[1] ) اعتمدتها
الجمعية العامة وعرضتها للتوقيع والتصديق بقرارها 2106 أ (د. 20) المؤرخ في 21
ديسمبر 1965، تاريخ بدء نفاذها: 4 جانفي 1969، طبقاً للمادة 19 منها. وصادقت عليها
تونس بموجب القانون عدد 70 لسنة 1966مؤرخ في 28 نوفمبر 1966 يتعلق بالمصادقة على
الاتفاقية الدولية الخاصة بالقضاء على جميع صور الميز العنصري. منشور في الرائد الرسمي
ع 51، لسنة 1966، ص 2159. وأنظر كامل أحكام هذه الاتفاقية
المنشورة في الرائد الرسمي عدد 16 لسنة 1967 المؤرخ في 4-7 أفريل 1967، ص 522 وما
بعدها.
- المادة 2 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
(القانون عدد 4 لسنة 2008 المؤرخ في 11 فيفري 2008 المتعلق بالموافقة على اتفاقية
حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وعلى البروتوكول الاختياري المتعلق بهذه الاتفاقية. والمادة
1 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة اعتمدتها الجمعية
العامة وعرضتها للتوقيع وللتصديق والانضمام بقرارها 24/180 المؤرخ في 18 ديسمبر
1979 تاريخ بدء النفاذ: 3 سبتمبر 1981.و "اتفاقية التمييز في مجال
الاستخدام والمهنة لعام 1958" التي اعتمدها المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية في 25 حزيران/
يونيه 1958 وبدأ نفاذها في 15 حزيران/ يونيه، 1960. و"الاتفاقية الخاصة
بمكافحة التمييز في مجال التعليم" التي اعتمدها المؤتمر العام لمنظمة
الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة في 14 ديسمبر، 1960 وبدأ نفاذها في 22 ماي
1962.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق