2015/08/24

مفهوم جرائم رجال الأعمال المقاصد ونطاق تطبيق القانون







إعــداد
محمد بن حمُ
رئيس غرفة بمحكمة النقض المغربية
يوليوز 2012

  
مقدمة :
إن ما يسعى إليه المشرع من خلال سن قواعد زجرية وعقابية هو تنظيم سلوك الأفراد في المجتمع بشكل عام. فالقاعدة القانونية الزجرية، التي تتصف بالتجرد والعموم، تخاطب كافة فئات المجتمع دون تمييز بين أفراده وطوائفه وطبقاته . لكن تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الحديثة دفعت المشرع إلى سن قواعد قانونية تطبق على فئات معينة وأنشطة ومهن محددة . والمال والأعمال والتجارة هو من أهم المجالات التي حظيت باهتمام كبير من طرف المشرع حيث خصها بقوانين ترمي إلى تنظيمها، وقواعد جزائية لزجر المخالفين للنظم الاقتصادية والتجارية المعمول بها. فتدخل المشرع بسن قواعد زجرية  وعقابية في مجال المال والأعمال والتجارة  يرمي إلى إسباغ الحماية الجنائية على مصالح معينة أدى التطور الاجتماعي والاقتصادي إلى وضعها على رأس اهتمامات المسؤولين والحكومات في كل بلدان العالم كيفما كانت توجهاتها السياسية وقناعاتها الإيديولوجية . فوجود قانون جنائي للأعمال غير مرتبط بنوع النظام الاقتصادي المتبع في بلد معين . فكما يوجد هذا القانون بالنظام الاشتراكي فهو يوجد كذلك بالنظام الرأسمالي . وإذا كانت ثمة علاقة بهذا الشأن فهي قائمة بين وجود قانون العقوبات الاقتصادي وانتهاج الدولة سياسة التدخل لحماية توجه اقتصادي معين ، سواء من أجل حماية الحرية الاقتصادية والمنافسة المشروعة أو من أجل تقييد هذه الحرية ووضع ضوابط صارمة لها. فنوع التصرفات والأفعال المجرمة ، بهذا الخصوص ، مرتبط بنوع المصالح التي يريد المشرع حمايتها تحقيقا لسياسة الدولة الاقتصادية[1].

وفي هذا الإطار فإن القانون الجنائي أو قانون العقوبات وجد نفسه عاجزا عن ملاحقة تطور جرائم رجال الأعمال ، فكان لزاما على المشرع أن يحدث تغييرا في مشهد السياسة الجنائية  ويقدم على إصدار العديد من القوانين الخاصة. إن السياسة الجنائية ، بكافة دول العالم ، تعتمد توجها يرمي إلى البحث عن سبل مواجهة وزجر جرائم المال و الأعمال من خلال قواعد قانونية خاصة كفيلة بمواجهة خطورة الجرائم المذكورة . وبمعنى آخر فإن السياسة الجنائية هي التوجه الذي تتخذه الدولة والوسائل التي تستعملها في مكافحة الإجرام عن طريق عملية التجريم أولا، ثم عملية الجزاء ثانيا. فالدولة غالبا ما تجد نفسها أمام اختيارات، لأنها عند معالجتها لعملية التجريم والعقاب قد تتأثر باتجاه أو آخر، أو فلسفة أو أخرى. فهي تختار الاتجاه الذي يلائمها كما تختار اتجاهها في الميادين الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

وعملية التجريم والعقاب، التي تكون السياسة الجنائية، هي نفسها التي تكون ما يسمى بالقانون الجنائي أو قانون العقوبات، لأن ميدانه هو الآخر هو التجريم والعقاب، ومع ذلك يوجد فارق بينهما، فالقانون الجنائي يدرس النظام القانوني القائم على ما هو عليه. أما السياسة الجنائية فتقوم بدور آخر، وهو ما يسمى بالقانون الجنائي السياسي، أو علم التشريع الجنائي، أو القانون الجنائي المتحرك الذي يبحث عن قواعد جديدة أكثر ملاءمة لتحقيق أهداف القانون الجنائي. فهي بذلك تقترب من الفلسفة ، لأنها تبحث في القانون كما يجب أن يكون، أو فيما يجب اتخاذه من تدابير للحيلولة دون وقوع الجريمة، لا في القانون كما هو كائن[2].

وموضوع هذا البحث هو "مفهوم جرائم رجال الأعمال (التجارية والمالية...)، المقاصد، نطاق تطبيق القوانين". ويدخل هذا البحث في إطار برنامج عمل المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية لعام 2012 والمتضمن بين بنوده عقد ندوة علمية حول جرائم رجال الأعمال، والمقرر عقدها بمقر المركز في بيروت في الفترة من 2 إلى 4/7/2012.
وبالنظر إلى موضوع هذا البحث وأخذا في الاعتبار لباقي محاور الندوة المذكورة فإننا نرى تقسيم هذه الدراسة إلى ثلاثة أقسام :
الفصل الأول : الإطار القانوني لجرائم رجال الأعمال ؛
الفصل الثاني : نطاق تطبيق القانون الجنائي للأعمال ؛
ونقسمه إلى أربعة مباحث، هي :
       المبحث الأول : المسؤولية الجنائية لرجال الأعمال
       المبحث الثاني : محل وموضوع جريمة رجال الأعمال
       المبحث الثالث : طبيعة جريمة رجال الأعمال
       المبحث الرابع       : معيار تحديد مفهوم جريمة  رجال الأعمال
الفصل الثالث        : مقاصد التجريم والعقاب في القانون الجنائي للأعمال


الفصل الأول :
الإطار القانون لجرائم رجال الأعمال

       الجريمة هي مفهوم قانوني، فالقانون هو الذي يحدد أركانها العامة وشرطها الخاصة.  وهي بهذا المفهوم لا توجد إلا إذا أوجدها القانون في إطار ما يعرف بمبدأ الشرعية والعقاب، إذ أنه لا جريمة ولا عقاب إلا بنص قانوني. هذا المبدأ متعارف عليه ومطبق بشكل كبير في الدول التي تتبنى نظام القانون الروماني أو ما يسمى بالنظام القانوني الفرنسي، مثل فرنسا والدول العربية. وهذا بخلاف الدول التي تطبق نظام القانون الأنجلوسكسوني أو الإنجليزي الذي يعتمد على السوابق القضائية والأعراف والتقاليد أكثر من التشريع .

إن القانون الجنائي أو قانون العقوبات هو القانون العام الذي يحدد النشاطات والأفعال، التي يعتبرها جرائم، والجزاءات التي تطبق على من يخالف أحكامه. فهو مجموعة من القواعد العامة والمجردة و التي لا ترتبط بحالات فردية معينة وإنما تضع تنظيما موضوعيا للسلوك تنضوي تحته جميع الحالات ، ويترتب عن ذلك مبدأ المساواة بين الجميع أمام القانون[3].

إلا أن التجريم والعقاب لا يقتصر على القانون الجنائي أو قانون العقوبات العام فقط بل هناك قوانين وقواعد زجرية خاصة بمجالات معينة وأنشطة ومهن محددة، ومنها ما يتعلق بالمعاملات الاقتصادية والمالية والتجارية والتي تجرم وتعاقب على مخالفة الأنشطة المرتبطة بتلك المجالات. وهي قوانين تخاطب فئات محددة بنصوص خاصة تتوافق والميدان الذي تنتمي إليه، وهي ما يسمى بفئة رجال الأعمال. وقد ارتأى المشرع التدخل جنائيا لتنظيم المعاملات المالية والتجارية نظرا لأن هذا الميدان أصبح يشكل مجالا خصبا لأنواع جديدة من الجرائم لم تستطع القوانين الجنائية العامة التقليدية الوقوف في وجهها و الحد منها . اذ أن هذه الجرائم   ترتكب من طرف أشخاص يبحثون عن الغنى السريع والفاحش ويحتلون مراكز راقية داخل المجتمع ولهم معارف تقنية ودراية قانونية بمختلف المجالات التي ترتبط بأعمالهم وأنشطتهم. وهي المعارف التي تمكنهم من ارتكاب جرائم اقتصادية ومالية وتجارية بكل دقة واحترافية مع استعمال الحيل لإخفاء آثارها[4].

إن جرائم رجال الأعمال ترتبط بالعديد من المجالات الاقتصادية والمالية، وهي أنواع مختلفة ، كجرائم الشركات وجرائم النقود والصرف والجرائم الضريبية والجمركية وجرائم السوق المالية وغسل الأموال وجرائم الملكية الصناعية... الى غير ذلك . وهي تتميز عن غيرها من الجرائم العادية الخاضعة للقانون الجنائي العام ، وأن ارتباطها بمجال المال والأعمال جعلها تتميز بمجموعة من الخاصيات التي تنعكس على السياسة الجنائية للتجريم والعقاب . وهو الأمر الذي جعل القانون الجنائي للأعمال نظاما فرعيا داخل الميدان الجنائي العام الذي يبقى هو الإطار القانوني للقوانين الخاصة بالمعاملات فيما يتعلق بالمبادئ والقواعد العامة الجنائية التي تطبق على كافة الجرائم دون استثناء .

ونظرا لتعدد القوانين الخاصة بكل مجال من المجالات الاقتصادية والمالية فإن هناك اختلاف بين الفقهاء والمهتمين بهذا الموضوع بخصوص تسميتها فليس لهذه القوانين اسم واحد، فهناك من يسميها بالقوانين الزجرية المالية ، وهناك من يسميها بالقوانين الاقتصادية الزجرية أو قانون المعاملات المالية والاقتصادية ، أو القوانين المتخصصة . وهناك من أطلق عليها القانون الجنائي للأعمال وهي التسمية الأقرب إلى الصواب لأنها تجمع وتشمل كل ميادين ومجالات التجارة والمال والاقتصاد .

وقد عرف الفقه الفرنسي القانون الجنائي للأعمال بأنه : « الفرع من القانون الجنائي الذي يهتم بحياة المشروع التجاري . والذي يستهدف توفير الحماية الجنائية للأفراد الذين يربطهم نشاط ما مع المشروع ضد أي شكل من أشكال الانحراف أو الإساءة... » ولقد بدأ هذا الفرع يمثل أرضا خصبة للجدل والنقاش بين الفقهاء والباحثين، خاصة الفقه الفرنسي في السنوات العشر الأخيرة ، حين بدأت وسائل الإعلام المختلفة تسلط الأضواء على العديد من رجال الأعمال والوزراء الذين انحرفوا بسلطتهم وجاههم وساهموا في تبديد رؤوس أموال العديد من الشركات  الفرنسية . هذا الانحراف الذي يمثل صداعا مزمنا للحكومات الفرنسية المتعاقبة، مما جعلها تتقدم بالعديد من مشروعات القوانين لتقوية قبضة القانون الجنائي في هذا المجال .

وحتى في حال الاتفاق على تسمية هذه القوانين المرتبطة بالمجالات الاقتصادية بالقانون الجنائي للأعمال فإنه من المتعذر أن نضع له حدودا واضحة . فهو ليس قانونا مستقلا يعاقب على جرائم معينة مضمنة في مدونات خاصة بالتجريم والعقاب . بل أنها مجرد فروع وأقسام في قوانين تنظيمية وتأسيسية لمجالات اقتصادية، وكمثال على ذلك القانون التجاري أو قانون الشركات التي لها طابع مزدوج ؛ إذ أنها تتضمن جزءا يتعلق بأحكام تأسيس وتنظيم المجال من الناحية الإدارية والتعاقدية في إطار القوانين المدنية والتجارية . وجزءا ينحصر في نصوص زجرية  تحدد الجرام التي تقع بالمخالفة للقواعد المنظمة للمهنة أو النشاط المعين. وهي نصوص خاصة بمجال معين دون عرض الأحكام العامة المتعلقة بالتجريم والعقاب المنصوص عليها بالقانون الجنائي العام.

إلا أن مقولة أن القوانين  الجنائية للأعمال هي قوانين خاصة بمجال معين لا يمكن الأخذ بها على إطلاقها. فهناك قوانين وإن كانت تتوجه بالخطاب إلى رجال الأعمال فإنها مع ذلك تهم مجالات اقتصادية عديدة ومختلفة . ومن هذه القوانين قانون حماية المستهلك وهو قانون لا يتوجه إلى رجل أعمال بذاته أو مجال اقتصادي بعينه بل جاء بصفة العموم. وهذا ما نستنتجه من مقتضيات المادة 2 من القانون رقم 08-31 المغربي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، إذ تنص على أن هذا القانون : « يحدد العلاقة بين المستهلك من جهة والمورد من جهة أخرى. ويقصد بالمستهلك كل شخص طبيعي أو معنوي يقتني أو يستعمل، لتلبية حاجياته غير المهنية، منتوجا أو سلعا أو خدمات معدة لاستعماله الشخصي أو العائلي. ويقصد بالمورد كل شخص طبيعي أو معنوي يتصرف في إطار نشاط مهني أو تجاري. ويتقيد الأشخاص الخاضعون للقانون الخاص ، المفوض لهم تسيير مرفق عام، بالالتزامات التي يفرضها هذا القانون على المورد . ويتقيد الأشخاص المعنويون ، الخاضعون للقانون العام ، بالالتزامات المفروضة على المورد مع مراعاة القواعد والمبادئ التي تنظم نشاط المرفق العام الذي يسيرونه ».

ومن خلال النص المذكور يتبين أن قانون حماية المستهلك المغربي يتوجه بصفة عامة إلى كل رجل أعمال يتصرف في إطار نشاط مهني أو تجاري وهو ما عبر عنه المشرع بالمورد. فقواعد هذا القانون هي قواعد عامة ومجردة بهذا الشأن. والأمر خلاف ذلك بالنسبة للقوانين الأخرى الخاصة أو المتخصصة في مجال اقتصادي معين كالقانون التجاري الذي يتوجه بالخطاب إلى التاجر.

ونخلص من كل ذلك إلى أنه ليس هناك تعريف واضح وواحد للقانون الجنائي للأعمال. وكل ما يمكن قوله أنه : « فرع قانوني يحكم عالما يسمى بذات الاسم (عالم الأعمال) دون أن يستطيع الباحث القانوني التعرف على حدوده بدقة ».

وإذا كان تعريف القانون الجنائي للأعمال وتحديد مفهومه له أهميته البالغة في تحديد مفهوم جرائم رجال الأعمال، فإن نطاق تطبيقه ومجاله لا يقل أهمية عنه.





















الفصل الثاني :
نطاق تطبيق القانون الجنائي للأعمال

يسعى المشرع، من خلال القانون الجنائي للأعمال، إلى مخاطبة فئة محددة وبنصوص خاصة تتوافق والميدان الذي تنتمي إليه .
غايته في ذلك تنظيم سلوك هذه الفئة، وإرساء أرضية متينة للتعاملات المالية والاقتصادية . فهو يتدخل لمواجهة كل ضرر أو تهديد يمس كل مجال حيوي في البلاد، خاصة المجال الاقتصادي سواء تعلق بالإنتاج بكافة أنواعه أو استهلاك البضائع والمعاملات المالية وتقديم الخدمات.
ولتحديد نطاق تطبيق القانون الجنائي للأعمال يتعين الوقوف على أمور عديدة تتعلق بصفة مرتكب الفعل والنشاط الإجرامي. وهكذا سنقسم هذا الفصل إلى عدة مباحث :

المبحث الأول : المسؤولية الجنائية لرجال الأعمال
المبحث الثاني : محل وموضوع جريمة رجال الأعمال
المبحث الثالث : طبيعة جريمة رجال الأعمال
المبحث الرابع       : معيار تحديد مفهوم جريمة رجال الإعمال










المبحث الأول :
المسؤولية الجنائية لرجال الأعمال

إن سوء تسيير المشروع الاقتصادي أو المالي يكتسي خطورة بالغة على استقرار المعاملات المالية والاقتصادية. وللحد من عواقب وأخطار سوء الإدارة والتسيير في هذا الميدان، ومن أجل حث رجال الأعمال على بدل قصارى جهدهم في تدبير معاملاتهم وأعمالهم والعمل بحسن نية ، فقد تدخل المشرع للنص على جزاءات صارمة تطال كل رجل أعمال ثبتت في حقه أفعال محددة لها أثر سلبي على الاقتصاد الوطني بصفة عامة وعلى مصالح المتعاملين معه بصفة خاصة. فالمسؤولية المدنية -كالمسؤولية عن الديون- الناتجة عن الخطأ في التسيير لم تعد كافية للحد من سوء التسيير مما جعل المشرع يقرر مسؤولية رجال الأعمال الجنائية.

إن المسؤولية الجنائية لرجال الأعمال تخضع في أحكامها للقواعد العامة المنصوص عليها بالقانون الجنائي أو قانون العقوبات العام، وللقواعد الخاصة المنصوص عليها بالقانون الجنائي للأعمال. إن هذا الأخير يحدد نطاق المسؤولية الجنائية من حيث الشروط الخاصة للجرائم. في حين أن القانون الجنائي العام يبقى هو الأصل في تحديد مسؤوليتهم الجنائية من حيث المبادئ والأحكام العامة ، و من حيث الفاعل الأصلي والمساهم والاشتراك في الجريمة والمحاولة ، ومن حيث عناصر المسؤولية المبنية على سلامة العقل والقدرة على التمييز وأسباب انعدامها . فرجل الأعمال شأنه شأن باقي الأشخاص يمكنه أن يسأل ، في إطار القانون الجنائي عن كل فعل مجرم من طرف المشرع أثناء أدائه لمهامه ، كالتزوير والنصب وخيانة الأمانة... وهي الجرائم التي  تخضع في تطبيقاتها للقواعد العامة في الزجر والعقاب. وفي نفس الوقت، فهو يسأل في إطار القوانين الخاصة أو القانون الجنائي للأعمال عن الإخلال بالالتزامات المفروضة عليه قانونا، والجرائم المرتكبة من طرفه بمناسبة نشاطه وأعماله ، كما هو الحال بالنسبة للالتزامات المنصوص عليها بالقانون التجاري وقانون الشركات، والإخلال بواجب الشهر بالسجل التجاري، وجرائم الشيك و التفالس والإصدار غير القانوني للأسهم  والإدلاء بتصريحات ووقائع كاذبة وتوزيع أرباح وهمية... إلى غيرها من الجرائم.
وتبعا لذلك فإن نطاق مسؤولية رجال الأعمال يتحدد في كل المخالفات التي لها علاقة بنشاطهم وأعمالهم المالية والتجارية وغيرها. وتبدأ من مرحلة التأسيس مرورا بالتسيير والإدارة والمراقبة ، وصولا إلى رأس المال وجمعيات المساهمين وحل المشروع أو المؤسسة. والمشرع يهدف ، من كل ذلك ، إلى إرساء وترسيخ نوعا من الانضباط وسد كل الثغرات في مجال الأعمال لينضبط لأهداف وغاية السياسة الجنائية في البلاد.

وكما تطال المسؤولية الجنائية الشخص الطبيعي فإنها تطال كذلك الشخص المعنوي. فقد يكون رجل الأعمال شخصا طبيعيا كحال مالك مشروع اقتصادي أو مقاولة يكون هو المسؤول عنها ماليا وإداريا . وهو في هذه الحالة يسأل عن سوء التسيير بصفة شخصية.

وقد يكون رجل الأعمال جهازا جماعيا كما هو الأمر بالنسبة للشركات التجارية حيث تكون الإدارة للممثل أو ممثلين عنها كمجلس الإدارة مثلا والذي يتمتع في هذه الحالة بصفة الشخص المعنوي الذي له حق التسيير والإدارة ، ويسأل جنائيا مثله مثل الشخص الطبيعي مع فارق على مستوى العقوبات.

ويمتد نطاق المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي والشخص المعنوي إلى كل من المسؤول القانوني والفعلي والواقعي. فكل منهم يتعرض للجزاء حال إتيانه لأفعال ذات طابع جرمي لها علاقة بمجال أعماله.

فالمسؤول القانوني هو رجل الأعمال الذي يتولى بصفة نظامية مهام إدارة وتسيير أعماله سواء كان طبيعيا أو جهازا جماعيا أو أعضاء لشخص معنوي تم تعيينهم في مهامهم بصفة نظامية وقانونية.

والمسؤول الفعلي هو الشخص الذي ينصب نفسه في إطار سياسة الأمر الواقع، في مهمة التسيير والإدارة  بعيدا عن الضوابط القانونية .  فقد يزعم أو يدعي حقا على مشروع مالي أو تجاري، أو يكون شريكا في شركة ويتولى تسييرها دون أن يكون قد نصب من طرف أجهزة الشركة المختصة. وهو مثله مثل المسؤول القانوني تطاله المسؤولية الجنائية عن كل إخلال أو جريمة يرتكبها أثناء مباشرة تلك المهام . إلا أن مسؤوليته لا تتم ولا تقوم إلا إذا كنت الإخلالات والمخالفات قد ارتكبت أثناء التسيير الفعلي، وأن يكون مسؤولا عن اتخاذ القرار أو كان بوسعه اتخاذه ، وأن يكون فعله صادرا عنه بحرية واختيار.

وقد وسع المشرع من نطاق المسؤولية الجنائية لرجال الأعمال  لتطال حتى المسؤول الواقعي. وهو ما يسمى أحيانا بالمسؤول المستتر الذي لا يظهر في وثائق المشروع الرسمية، بل يكلف شخصا بدله ليظهر بمظهر المالك أو المسير القانوني ويبقى هو يعمل في الخفاء إما بسبب حظر أو منع ممارسة بعض الأعمال المالية عليه ، كما هو الحال بالنسبة للموظف العمومي الذي تتنافى وظيفته مع ممارسة النشاط التجاري مثلا . ولكي يخرج من هذه الحالة يتحايل على القانون ويعمد إلى تأسيس شركة أو مشروعا تجاريا أو ماليا في اسم أحد المقربين له كزوجته أو أحد أبنائه. ومتى ثبتت مسؤولية هذا الشخص الا وتعرض للجزاء كفاعل أصلي أو مساهم أو شريك بحسب الأحوال والظروف.

وإذا كانت صفة رجل الأعمال محددة بحسب القوانين التنظيمية الخاصة بمجالات عمله فإن تقدير هذه الصفة أمام القضاء تختلف أحيانا من القضاء المدني إلى القضاء الزجري. فإذا كان القضاء المدني يتقيد في تقدير هذه الصفة بالقوانين التنظيمية للأنشطة والأعمال، كالقانون التجاري بالنسبة لصفة التاجر، فإن القضاء الزجري، في غالب الأحيان لا يتقيد بهذه الضوابط.

إذ أنه لا يشترط دائما قيام الصفة المذكورة للقول بقيام جريمة رجال الأعمال. ولا يتقيد بالتحديد والتعريف الذي يقرره القانون التنظيمي أو القضاء المدني لرجل الأعمال بل انه يتمتع باستقلال تام في تقدير هذه الصفة، ويستخلصها من وثائق القضية المعروضة عليه ووقائعها. وذلك راجع لكون القضاء الجنائي لا يبحث إلا في ثبوت الجريمة من حيث أركانها وشروطها طبقا للمقتضيات القانونية الزجرية. فمتى ثبتت مسؤولية  التاجر الجنائية مثلا عن فعل أو إخلال إلا واستحق الجزاء حتى ولو كانت صفته كتاجر غير مستوفية لشروطها طبقا لأحكام القانون التجاري . ومن الأمثلة على ذلك القول بإدانة الشخص بجريمة الشيك بدون رصيد حتى ولو كان الشيك غير مستوف لشروط الورقة التجارية .

إلا أن لهذه القاعدة استثناءات ، كما هو الحال بالنسبة لجريمة التفالس في القانون المغربي. إذ أن هذه الجريمة لا تثبت أمام القضاء الزجري إلا إذا توفرت في الجاني صفة التاجر ، اذ أنه لا يمكن متابعته  بجريمة التفالس إلا بعد فتح مسطرة معالجة صعوبة المقاولة وهذا ما نصت عليه المادة 721 من القانون التجاري المغربي والتي جاء فيها : «... على أنه يدان بالتفالس في حال افتتاح إجراء المعالجة الأشخاص المشار إليهم بالمادة 702 إذا ارتكبوا فعل من أفعال التفالس...» وهؤلاء الأشخاص حسب المادة 702 المذكورة هم مسيرو المقاولة الفردية أو ذات شكل شركة سواء كانوا مسيرين قانونيين أو فعليين يتقاضون أجرا أم لا. وعليه فإن القانون المغربي قيد القضاء الجنائي، بالنسبة لجريمة التفالس، بفتح مسطرة معالجة صعوبة المقاولة.

ويتفق القانون الكويتي مع القانون المغربي، على مستوى جريمة التفالس، إذ اشترط لمعاقبة المتهم بالتفالس سبق صدور حكم بشهر الإفلاس في مواجهته، ويصدر هذا الحكم من القضاء المدني المختص. ويترتب عن ذلك أن القضاء المدني بدولة الكويت يوقف القضاء الجنائي، وهي مسألة أولية تتعلق بالاختصاص النوعي للمحاكم المدنية ، بحيث يتعين على القضاء الجنائي أن يوقف البت في الدعوى الجنائية المتعلقة بالتفالس إلى حين صدور حكم من المحكمة المدنية بشهر الإفلاس[5].

وقد اتجه القضاء المصري ، بهذا الشأن ، اتجاها مخالفا للقضاء المغربي والكويتي. بحيث أن القضاء الزجري بمصر لا يتقيد، في جريمة التفالس، بتحديد صفة الفاعل التي يحددها القضاء المدني، بل يقوم بنفسه بالتحقق من توافر هذه الصفة ، وهو يتمتع بالاستقلال في تقديره هذا عن القاضي المدني أو التجاري . ويترتب عن ذلك أن القاضي الجنائي لا يلتزم بإحالة النزاع المتعلق بصفة التاجر إلى المحكمة المختصة بشهر الإفلاس بل يتعرض للموضوع بنفسه دون انتظار أن ترفع الدعوى أمام المحكمة المختصة بشهر الإفلاس. كما لا يلتزم بما سبق الحكم به من طرف القضاء المدني من توافر صفة التاجر أو عدم توافر هذه الصفة . ويرجع ذلك إلى اختلاف الدعويين التجارية والجنائية من حيث الأطراف والمحل والسبب ... فموضوع الدعوى الجنائية هو الحكم بالعقوبة أو البراءة . بينما أمام القضاء المدني فإن موضوع الدعوى هو الإفلاس أو الحكم بشهره . ثم أن السبب في الدعوى الجنائية هو حدوث ووقوع أفعال تكون جريمة التفالس بينما في دعوى التفالس المدنية يعتبر "التوقف عن الدفع" كافيا لنشأتها. وخلاصة القول أن الأحكام المدنية الصادرة بشهر الإفلاس في مصر ليس لها حجية أمام القضاء الجنائي في تقدير صفة الفاعل في جريمة التفالس[6].

وعلى العموم فإن صفة رجل الأعمال هي شرط مفترض في أغلب الجرائم وليست ركنا أساسيا في الجريمة. ولذلك فإن تعريف جرائم رجال الأعمال بأنها الجرائم التي تكون فيها صفة رجل الأعمال هي الركن الأساسي في الجريمة لا يفي بالغرض المطلوب ولا يعتبر تعريفا كاملا ودقيقا يعبر عن المفهوم الحقيقي لهذه الجرائم . و لإعطاء تعريف متكامل لجريمة رجال الأعمال فإنه لابد من البحث في عناصر أخرى مكملة لما تم بحثه سابقا، ومن ذلك محل وموضوع الجريمة وطبيعتها ومعايير التحديد والتعريف التي وصل إليها الفقهاء والباحثون.


المبحث الثاني :
محل وموضوع جريمة رجال الأعمال

الحق هو محل وموضوع الجريمة بصفة عامة، والحق أقسام وأنواع فهناك الحقوق السياسية والحقوق المدنية والحقوق العامة أو ما يطلق عليه الحريات العامة. وهناك الحقوق الخاصة ومنها الحقوق المالية أو ما يسمى بحقوق الذمة المالية، والحقوق  بصفة عامة تكون محل اعتداءات ومنازعات من طرف أشخاص ينتمون إلى مختلف الطوائف مما يجعل المشرع يتدخل بفرض قواعد قانونية لحمايتها والحفاظ عليها بمقتضى أنظمة وقوانين تطال الجميع بدون استثناء . إلا أنه بالنظر إلى خصوصية بعض المجالات والمهن اضطر المشرع إلى التدخل بسن قوانين تهم طوائف معينة ، ومنها القوانين المتخصصة في المال والاقتصاد، التي تهم رجال الأعمال وهي القوانين التي تعنى في غالبها بالحقوق المالية. وهي حقوق تنقسم إلى ثلاثة أنواع : حقوق عينية، وحقوق شخصية، وحقوق ذهنية أو فكرية.

فالحق العيني هو سلطة مباشرة يقرها القانون لشخص معين على شيء محدد بالذات، ومن أهم الحقوق العينية حق الملكية، وحق الارتفاق إلى غير ذلك، أما الحق الشخصي فهو سلطة قانونية تثبت لشخص معين قبل شخص آخر، تمكنه من إلزامه بأداء عمل معين أو بالامتناع عنه تحقيقا لمصلحة مشروعة له . وهو على هذا الأساس يمثل علاقة بين شخصين، صاحب الحق والمدين به.

في حين أن الحق المعنوي هو سلطة للشخص على شيء معنوي كالأفكار والاختراعات وعلى العموم كل إنتاج ذهني[7].

ويمكن اختصار الحق المالي بأنواعه الثلاثة (العيني والشخصي والذهني) بأنه : "مصلحة ذات قيمة مالية يحميها القانون". ونختزله في "المال" عموما وهو محل وموضوع جريمة رجال الأعمال موضوع بحثنا هذا. والمقصود بالمال هنا هو المال بمفهومه الواسع الذي يشمل كل حق مالي أو ما له قيمة اقتصادية ، سواء كان عقارا أو عقارا بالتخصيص أو منقولا: كالنقود، والعمارات، والسفن، والأسهم، والسندات، والحصص في الشركات، وحقوق الملكية الصناعية والملكية الفكرية، وبراءة الاختراع...وغيرها.

وبمعنى آخر فإن الأموال التي تعتبر محلا للحق هي كل ما يمكن تقويمه نقدا واكتسابه والتعامل فيه، وتشكل ذمة الشخص المالية. وتعتبر الأموال في عالم الأعمال المحرك الذي يسمح باتخاذ المبادرات واستعمال الميكانزمات الاقتصادية[8].
والمال حسب بعض التعريفات والمفاهيم الأخرى هو: " كل شيء ينفع الإنسان ويمكن أن يستأثر به دون غيره ، أي يمكنه أن يحوزه حيازة مادية"[9]

وبغض النظر عن مفاهيم المال المذكورة فإن المال ينقسم إلى مال عام ومال خاص، فأي منهما يكون محلا لجريمة رجال الأعمال ؟

1- المال العام :
الأموال العامة هي أموال مخصصة للنفع العام، فهي تخضع لنظام قانوني يغاير ذلك الذي ينظم الأموال الخاصة في القانون المدني. ووصف المال بأنه مال عام يعني أنه ملك لكل المجتمع وتنوب عنه الدولة وأجهزتها المختلفة في ملكيته وإدارته بما يحقق المنفعة العامة التي رصد لها. وهو يمثل إحدى وسائل الدولة لتسيير وتدبير مرافقها العامة. وتكون من مجموع ما تملكه الدولة ومؤسساتها المملوكة لها كليا أو جزئيا من أموال عقارية ومنقولة.[10]

وإذا كانت صفة المال العام تعتبر شرطا أساسيا في الجرائم المتعلقة به التي يرتكبها الموظف العمومي ، فإن هذا المال يمكن أن يكون محلا لجريمة رجال الأعمال، في حالات معينة، ومنها حالة المقاولات ذات الامتياز، وهي المقاولات المعهود لها بتسيير مرفق عام بمقتضى عقد امتياز تكون فيه للدولة صفة السلطة المتعاقدة . فأي اختلاس أو اعتداء إجرامي يمس هذا المال العام الموضوع تحت تصرف المقاولة المسيرة يعتبر تصرفا إجراميا أو اختلاسا لمال عام ارتكبه رجل الأعمال كشخص طبيعي أو كشخص معنوي.

وقد يكون المال العام محلا لجريمة رجال الأعمال عن طريق الاشتراك أو الإخفاء. فكثير ما يشارك رجل الأعمال الموظف العمومي في اختلاس أو تبريد مال عام، خصوصا عند تنفيذ الصفقات العمومية . كما قد يعمد إلى إخفاء المال العام المتحصل من جرائم الموظف العمومي.

2- المال الخاص :
الأموال الخاصة هي أموال يمتلكها أفراد أو أشخاص بغرض استغلالها والحصول على ما تنتجه من موارد مالية. وهي تخضع من حيث اكتسابها واستغلالها والتصرف فيها لأحكام القانون الخاص . أما من حيث الحماية الزجرية للأموال الخاصة فهي إما أموال الغير أو أموال الضحية ، وإما أموال المشروع أو المؤسسة ، أو أموال الفاعل أي رجل الأعمال نفسه.

الأصل في القواعد العامة المنصوص عليها بالقانون الجنائي أن الحماية الزجرية للمال تهم بالأساس مال الضحية أو المال المملوك للغير الذي يكون ضحية الفعل الجرمي، كما هو الشأن بالنسبة لجرائم السرقة، والنصب وخيانة الأمانة... وغيرها والتي تتعلق باختلاس أموال الغير. أما بالنسبة للقانون الجنائي للأعمال فإن هذه الحماية لا تقتصر فقط على المال المملوك للغير بل تمتد الى حماية مال الجاني أي رجل الأعمال نفسه أو ما يسمى ب " بمال المؤسسة أو المشروع " وهي الأموال الموضوعة تحت تصرف المسؤولين عن المشروع من أجل استعمالها لتحقيق أهدافه ونشاطه وبلوغ الغاية المخصصة له . وقد تتمثل هذه الأموال في معدات أو بضائع أو براءة اختراع، أو نقود أو أصول... أي كل الحقوق التي لها قيمة مالية سواء كانت مادية أو معنوية . فقيام رجل الأعمال ببعض التصرفات في ماله إضرارا بالمتعاملين معه أو الدائنين يعتبر جريمة وكمثال على ذلك جرائم التفالس في القوانين التجارية، أو جريمة إساءة استعمال أموال الشركة...إلى غير ذلك.

فالمسؤولية الجنائية بالنسبة لأموال المؤسسة تنشأ من تحويلها عن تخصيصها أو مسارها القانوني أو التأسيسي في سبيل مصلحة خاصة وشخصية مما يضر بالغير.
إن هذا التمييز بين مال الغير (الضحية) وبين أموال المشروع أو المؤسسة ينطبق كذلك على مفهوم الاختلاس في بعض جرائم الأموال. فالاختلاس الذي يطال أموال الغير هو تحويل حيازة الجاني الناقصة لتلك الأموال إلى حيازته الكاملة. في حين أن تحويل أموال المشروع أو أموال الجاني لا يمكن أن يعتبر اختلاسا بل هو إخفاء لهذه الأموال بما يضر بمصالح الغير لأن الإنسان لا يختلس أمواله.

وفي نفس الإطار فإنه يتعين التمييز بين رجل الأعمال المالك أو صاحب المال وبين المسؤول الإداري المستخدم، فالأول يعاقب على التصرف في ماله عندما يضر مصالح الغير أو من شأنه الإضرار بالغير أو بالدائن. في حين أن المسير غير المالك للمال الذي يتصرف بسوء نية في أموال المشروع فهو يعاقب في إطار القواعد العامة، وكمثال على ذلك جريمة خيانة الأمانة لأن فعله يعتبر اختلاسا لمال مملوك للغير هذا فضلا على أنه قد يعاقب من أجل جرائم منصوص عليها بالقوانين المتخصصة كحالة المدير المسؤول بالشركة الذي يوزع أرباحا وهمية.

وإذا اعتبرنا في هذا المبحث أن المال الذي يكون محل للجريمة هو المال بمفهومه الواسع، فإن وثائق المؤسسة الحسابية والمحررات والعقود ونسخ محاضر مداولات الهيئات الإدارية والرقابية وقراراتها تعتبر أموالا.

المبحث الثالث :
طبيعة جريمة رجال الأعمال

للجريمة بصفة عامة مفهومان أحدهما علمي والآخر قانوني، فالجريمة حسب المفهوم العلمي هي ظاهرة اجتماعية تتمثل في عمل أو امتناع ضار بالمجتمع سواء نص عليه المشرع أو لم ينص . وهو مفهوم لا يهتم بأركان الجريمة وعناصرها التكوينية المحددة قانونا، وإنما يهتم فقط بفكرة الدفاع عن المجتمع.

أما الجريمة بمفهومها القانوني، فهي الجريمة التي يحددها القانون ويحدد أركانها العامة وشروطها الخاصة . وقد عرفها القانون الجنائي المغربي في فصله العاشر بأنها : "عمل أو امتناع عن عمل مخالف للقانون الجنائي ومعاقب عليه بمقتضاه" ويستند هذا المفهوم إلى مبدأ الشرعية في التجريم والعقاب والذي يتلخص في مبدأ لا جريمة و لا عقاب إلا بنص . والجرائم أنواع مختلفة بحسب موضوعها وبحسب مرتكبها فهي قد تكون جرائم أخلاقية أو جرائم سياسية أو جرائم مالية واقتصادية أو ما يسمى بجرائم رجال الأعمال ... إلى غير ذلك من أنواع الجرائم وصورها.

وجرائم رجال الأعمال شأنها شأن باقي الجرائم تتخذ أشكالا وصورا عديدة تبعا لتطبيق مبدأ الشرعية والعقاب أو الصور التي يتخذها الركن المادي والنشاط الإجرامي أو الصورة التي يتخذها الركن المعنوي .

فمن حيث الركن المادي فان جرائم رجال الأعمال تجمع بين صورتي السلوك الإجرامي الايجابي والسلبي وهو ما يمثل حسب التعريف أعلاه " عمل أو امتناع عن عمل" أو ما يطلق عليه 'الفعل والترك"  . وبالرجوع إلى نصوص القانون الجنائي للأعمال يتبين أن أغلب الجرائم المنصوص عليها بهذا القانون هي جرائم ايجابية . أما الجرائم ذات الفعل السلبي فهي قليلة. ومن صور الجرائم الايجابية تضمين عقد الشركة إقرارات كاذبة تتعلق بتوزيع حصص رأس المال ، وجريمة توزيع أرباح وهمية أو فوائد على خلاف أحكام القانون ، وجريمة إفشاء الأسرار.  ومن الجرائم السلبية : جريمة إغفال المراقب وقائع جوهرية عمدا في التقرير الذي يقدم للجمعية العامة وفقا لأحكام الشركات ، وجريمة الاحجام عمدا عن تمكين المراقبين من الاطلاع على الدفاتر والأوراق التي يكون لهم الحق في الاطلاع عليها[11].

وقد تكون جرائم رجال العمال بسيطة وقد  تكون مركبة ومعقدة عندما تتم على مراحل وتتضمن أنشطة مادية متعددة وقد تكون لها تفاعلات دولية عندما تتم في نطاق  أكثر من دولة وبمساعدة العديد من الأشخاص من جنسيات مختلفة . وهي غالبا ما تتخذ صور الجريمة المنظمة وترتكب في إطار مشروع إجرامي قائم على أشخاص يوحدون جهودهم من أجل القيام بأنشطة إجرامية على أساس دائم ومستمر[12].

ومن حيث الركن المعنوي فان جرائم رجال الأعمال قد تكون عمدية أو غير عمدية . فالجرائم العمدية تتطلب لقيامها توافر الركن المعنوي مثل جريمة إساءة استعمال أموال واعتمادات الشركة التي نصت عليها المادة 384 من القانون 95-17 المتعلق بشركات المساهمة المغربي ، وكذلك جريمة توزيع أرباح وهمية . ان هاتين الجريمتين هما خير مثال على مسايرة المشرع المغربي لأحدث الجرائم والسلوكات الجرمية الواقعة على الذمة المالية للشركة المرتكبة من طرف رجال الأعمال أو مسيرو الشركات . ويأتي تجريم مثل هذه الأفعال في إطار حرص المشرع الجنائي على حماية الحقوق والمصالح المتواجدة في المشروع وعلى رأسها حقوق المساهمين والدائنين وكل المتعاملين معه وحقوق المشروع أو المؤسسة نفسها .

وقد تكون جرائم رجال الأعمال غير عمدية يكفي فيها الركن المادي ، ومنها جريمة عدم تعيين مراقب الحسابات أو عدم استدعائه الى جمعيات المساهمين طبقا للمادتين 170 و403 من القانون 95-17 المذكور أعلاه . وهي جرائم تقوم بمجرد إثبات التصرفات المادية المكونة لها وذلك لعدم ورود أية عبارة صريحة في النص المعاقب عليها تفيد ضرورة قيام الركن المعنوي للجريمة ومن تم فإن إهمال المتصرف القيام بالواجبات المفروضة عليه دون حاجة لاقتراف ذلك بسوء نية ، يكفي في حد ذاته لقيام الجريمة . وهنا تجدر الإشارة إلى أن التجريم، في إطار القواعد العامة ، يشترط العمد ماعدا في حالة الخطأ. أما في القواعد الخاصة بجرائم رجال العمال فان العمد ليس ضروريا في كل جرائم الأعمال[13].

وفي هذا الإطار فإن المشرع وسع من دائرة التجريم والعقاب بالنسبة لرجال الأعمال حتى أنه جرم انعدام كفاءة رجل الأعمال أو التاجر في تسييره لمؤسسته أو مشروعه المالي. وبالرجوع إلى مدونة التجارة المغربية نجد أن المشرع لم يكتف بعقاب التاجر سيء النية بل تعداه إلى معاقبة التاجر عديم الكفاءة أو الذي لم يحترم التزاماته المفروضة عليه قانونا كإمساك الدفاتر التجارية بشكل منتظم . وعاقبه كذلك على تهوره أو سفهه عندما يتعلق الأمر بالإنفاق الباهظ والمبالغ فيه من مال المشروع على مسائل شخصية تفوق امكانياته المادية كشراء منزل فاخر أو لعب القمار. إلا أن القانون لا يتدخل هنا للعقاب لمجرد صدور السلوك المذكور وإنما يتدخل عندما يتوقف التاجر عن الدفع[14].

ومن سمات وخصائص القانون الجنائي للأعمال أنه وسع من نطاق جرائم رجال الأعمال بسبب الخطر الذي تشكله وهو خطر مفترض، وهذا حال جريمة سوء استعمل أموال الشركة . وهي جريمة لا يشترط لقيامها حدوث الضرر بالفعل بل يكفي ثبوت سوء استعمال هذه الأموال لقيامها . وعلى العكس من ذلك ، فإن هناك جرائم لرجال الأعمال تكون جرائم ضرر لا جرائم خطر، فلا تقوم الا إذا تحقق الضرر ومنها جرائم التفالس، ولو أن هناك بعض التشريعات التي تشترط الضرر في جريمة التفالس، ومنها التشريع الكويتي[15].

ومن مظاهر اتساع نطاق التجريم والعقاب في القانون الجنائي للأعمال هو التجريم والعقاب لمجرد الشبهة . فبعض القوانين تعاقب الأشخاص لمجرد الاشتباه في كونه ارتكب جريمة مالية ، وكمثال على ذلك جرائم غسل الأموال التي يعاقب عليها المشرع حتى ولو لم يثبت أن الأموال المراد غسلها متحصلة من جريمة . فهو يفترض أن الأموال متحصلة فعلا من جريمة . ونفس الحالة تنص عليها المادة 529 من القانون الجنائي المغربي التي جاء فيها: "من سبق الحكم عليه من أجل جناية أو جنحة ضد الأموال ، منذ مدة تقل عن عشر أعوام ثم وجد بحوزته نقودا أو أوراقا مالية أو أشياء لا تتناسب مع حالته ولم يستطع أن يثبت حصوله عليها من مصدر مشروع  ، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر". فالمشرع في هذا النص يفترض أن المال الذي بحوزة المعني بالأمر متحصل من مصدر غير مشروع . وأن هذا الشخص ملزم بإثبات براءته عن طريق إثبات شرعية الأموال المذكورة.

ومن جهة أخرى، فإن جرائم رجال الأعمال ، شأنها شأن باقي الجرائم قد تكون مجرد مخالفات وقد تكون جنح كما قد تكون جنايات . ونعتقد أن هذا التقسيم لا يثير صعوبات كبيرة عند التمييز بين الأنواع الثلاثة ، خصوصا المخالفات و الجنح اذ يكفي الرجوع الى نصوص القانون الجنائي للأعمال لتحديد طبيعتهما . أما بالنسبة للجنايات فإنه لا بد من الرجوع إلى أحكام القانون الجنائي العام لتحديدها إذا أن القوانين المتخصصة لا تنص و لا تحدد  في الغالب الجرائم التي تعتبر جنايات . ومن الأفعال التي تكون وتشكل جنايات لرجال الأعمال تلك الجرائم التي ترتكب في إطار عصابات وتنظيمات إجرامية سواء على الصعيد الوطني أو الدولي ، وكذلك الجرائم التي من شأنها المس بالأمن الوطني والاقتصاد العام للبلاد أو السلامة والصحة كما أن الجناية قد تثبت لدى رجال الأعمال عن طريق الاشتراك في ارتكاب الجناية مع الغير ، و كمثال على  ذلك جناية اختلاس أموال عمومية من طرف الموظف العمومي عندما تتوفر شروطها . ولعل من أهم القضايا التي عرفها القضاء المغربي وشكلت الأفعال موضوع المتابعة جنايات لبعض رجال الأعمال قضية الزيوت المسمومة والتي وقعت في ستينيات القرن الماضي ووصفت آنذاك بهيروشيما المغرب والتي تعتبر من حيث الضحايا ثان  أكبر كارثة وطنية بعد زلزال أكادير ، بحيث  أنها خلفت أزيد من 10000 قتيل ومشلول . فقد وقعت الجريمة عن طريق التزييف ثم خلط زيت صالحة للاستهلاك بزيت مصنعة و غير موجهة للاستهلاك الآدمي . وهي جريمة تؤكد سوء نية وجسامة الخرق المرتكب من طرف المهنيين ورجال الأعمال . فهذه الجريمة وإن مست صحة الإنسان و جسمه  فان لها نتائج اقتصادية ومالية سلبية على الاقتصاد الوطني[16].

وفي ختام هذا المبحث لا بد من الإشارة إلى أن جرائم رجال الأعمال قد تكون جرائم مالية أو جرائم اقتصادية . فإذا كانت الصلة وثيقة بين المال والاقتصاد فإن هناك اختلاف بينهما. فالاقتصاد يتعلق بكل البنيات الخاصة بالإنتاج وتداول السلع والبضائع واستهلاك الثروات في بلد معين ، وله ارتباط بالمال العام . فللاقتصاد علاقة وطيدة بالتخطيط والسياسات الحكومية واختياراتها الإستراتيجية من أجل تحقيق التنمية المنشودة . أما المال الخاص فيغلب عليه طابع الخصوصية و مرتبط بالأفراد  والأشخاص أكثر من ارتباطه بالدولة .

وعلى هذا الأساس ميز الفقهاء  والشراح بين الجريمة المالية والجريمة الاقتصادية . فالأولى هي التي يكون محلها وموضوعها أموال الضحية وموارده المالية أو أموال المشروع  سواء كانت شركة  أو مقاولة أو غيرها ، ومن أمثلتها جرائم خيانة الأمانة والنصب و إساءة استعمال أموال الشركة والتفالس وغيرها  .أما الجريمة الاقتصادية فهي نوع من الجرائم التي تشكل اعتداء وتهديدا بالخطر مجموع البنيات الخاصة بالإنتاج والاستهلاك.

وكمثال على الجرائم الاقتصادية المخالفات والممارسات المخلة بحرية المنافسة وجرائم التهريب والجرائم الجمركية والتهرب الضريبي وغسل الأموال وجرائم السوق المالية[17].

وبعد أن تعرفنا على صفة الجاني في جرائم رجال الأعمال ووقفنا على محل وموضوع هذه الجرائم وبينا طبيعتها فإنه يتعين أن نقف ونستجلي مفهوم جريمة رجال الأعمال وذلك من خلال المبحث الرابع المتعلق بمعيار تحديد مفهوم الجريمة المذكورة.

المبحث الرابع :
معيار تحديد مفهوم جريمة رجال الأعمال

إن مفهوم جرائم رجال الأعمال هو مفهوم واسع وغير محصور في جريمة أو جرائم معينة محددة في قانون واحد . بل هي جرائم عديدة ومتنوعة تختلف باختلاف الأنشطة والمجالات التي يعمل بها هؤلاء . وتبعا لهذا التنوع والاختلاف في الجرائم المذكورة فإنه يصعب إيجاد تعريف شامل وجامع لها من الناحية القانونية ، فالمشرع لم يعرف جريمة رجال الأعمال. وهي المهمة التي تصدى لها الفقهاء والباحثون والشراح ، الا أنهم اختلفوا في تحديد معيار واحد ووضع تعريف دقيق لهذه الجريمة . وقد تفرق الرأي بين مذهبين : المذهب الموضوعي الذي يقوم على أن موضوع الجريمة إما أن يكون قانونيا أو اقتصاديا . والمذهب الشخصي الذي يؤسس على شخص مرتكب الجريمة ، وهو إما أن يكون اقتصاديا أو يتعلق بعلم الإجرام .

يميز أنصار المذهب الموضوعي في تحديد مفهوم جريمة رجال الأعمال والقانون الجنائي للمعاملات بين عدة معايير أهمها معيار النظام الاقتصادي ومعيار المشروع  . فالأول يعتمد في تعريف الجريمة على التعريف الذي يتطابق مع التعريفات التي وضعها الفقه والقضاء لما يسمى "بقانون العقوبات الاقتصادي" الذي يتضمن مجموعة القواعد ذات الطابع الجزائي والمخصصة للعقاب على أي اعتداء يقع على السياسة الاقتصادية للدولة .  وهو المفهوم الذي تحدثنا عنه سابقا عندما ميزنا بين الجريمة المالية والجريمة الاقتصادية .  وفي إطار معيار النظام الاقتصادي فإن محكمة النقض الفرنسية عرفت الجريمة الاقتصادية بأنها : "كل اعتداء يقع على إنتاج أو توزيع  و استهلاك السلع والبضائع و وسائل صرف النقود بأشكالها المختلفة ." أما معيار المشروع فينطلق أصحابه من فكرة مقتضاها أن المعاملات ، وهي محور الإجرام،  لا تتم الا داخل المشروع . إلا أن هذه المعايير ، وهي معايير موضوعية اقتصادية ، تتسم بالاتساع  مما لا يتحدد معه مفهوم جريمة رجال الأعمال بالدقة المطلوبة . ويذهب فريق آخر من أنصار المذهب الموضوعي إلى تحديد نطاق القانون الجنائي للمعاملات عن طريق وضع قائمة بالقوانين يجمعها معا تحت هذا الاسم  ، متبعا في ذلك أسلوب السرد والتعداد ، مما يفصح عن إراداته في ربط تحديد نطاق تطبيق هذا القانون بوقوع فعل أو أكثر من الأفعال التي تعالجها هذه القوانين.

أما أنصار المذهب الشخصي فيتوجهون إلى تحديد نطاق تطبيق القانون الجنائي للمعاملات على أساس شخص مرتكب الجريمة . فإجرام المعاملات يخص أشخاصا تتوفر فيهم بعض المواصفات الخاصة ، سواء فيما يتعلق بنشاطهم المهني أم بنفسية المجرم . فمرتكبو هذه الجرائم هم أساسا من صفوة المجتمع أو من طبقة اجتماعية مختلفة عن المجرمين العاديين . إلا أنه يعاب على هذا المعيار أنه يدخل في نطاق إجرام المعاملات تلك الجرائم التي يرتكبها رجال الأعمال حتى ولو لم تكن أصلا من طائفة جرائم المعاملات .

وبالرجوع إلى كتاب القانون الجنائي للمعاملات التجارية – الكتاب الأول المتعلق بالقانون الجنائي الذي اعتمدناه في مناقشة المعايير المذكورة أعلاه  ، نجد أن المؤلف خلص في النهاية  إلى كون كل واحد من المعايير السابقة- منظورا إليه بمفرده- يتسم ببعض المـآخذ التي تجعل التعريف الذي يقول به غير كامل ، وانتهى إلى القول بأن القانون الجنائي للمعاملات له نطاق تطبيق خاص، يشمل إجرام المعاملات الاقتصادية والمالية.  وبناء على ذلك يقصد بجرائم المعاملات تلك الأفعال غير المشروعة التي ترتكب عند مباشرة المعاملات  أو التجارة ، وتؤدي إلى الإضرار أو التهديد بالضرر سلامة المعاملات الاقتصادية والمالية[18].

ونحن بدورنا نخلص من كل ما سبق إلى تعريف نتمنى أن يكون جامعا مانعا. فمن خلال مفهوم  القانون الجنائي للأعمال الذي تحدثنا عنه في المبحث الأول، ومن خلال صفة رجال الأعمال ومسؤولياتهم الجنائية ، ومحل وموضوع  جرائمهم وطبيعتها ومفهومها من خلال المعايير الفقهية المشار إليها أعلاه والمتحدث عن كل ذلك في المبحث الثاني يمكن تعريف جريمة رجال الأعمال بأنها : " كل عمل أو امتناع يصدر عن رجل أعمال بمناسبة ونتيجة ممارسة أعماله ويقع على المال أو الاقتصاد ويعاقب عليه بمقتضى القوانين الجنائية للأعمال".
إن هذا التعريف راعى ، من جهة أولى ، سمات وخصائص الجرائم العامة سواء فيما يتعلق بتطبيق مبدأ شرعية الجرائم والعقاب ، أو الصورة التي يتخذها الركن المادي أو الأسلوب المتبع في التجريم ، أو الصورة  التي يتخذها  الركن المعنوي . كما راعى الشروط الخاصة  بجرائم رجال الأعمال من حيث صفة مرتكبيها ومحلها وموضوعها  المتجليين في المال والاقتصاد بمفهومها الذي تم توضيحه سابقا خلال مبحث محل وموضوع الجريمة . كما أن هذا التعريف جمع بين رأي المذهب الموضوعي والمذهب الشخصي وتفادى سلبيات كل واحد منهما عند تعريف الجريمة المذكورة .

و نختم هذا المحور  بمقاصد التجريم والعقاب في القانون الجنائي للأعمال.


الفصل الثالث :
مقاصد التجريم والعقاب
في القانون الجنائي للأعمال

لا شك أن التدخل بالزجر والعقاب في ميدان الأعمال أمر تمليه عدة أسباب تتصل ، من جهة ، بالسياسة الاقتصادية والجنائية للبلاد . وغايتها دعم حرية المبادرة وحماية الادخار تشجيعا للاستثمار المنوط به تحريك عملية الاقتصاد الوطني . وتتصل ، من جهة أخرى، بحماية المستهلك والدائنين على اختلاف أصنافهم منتجين وموزعين وموردين وعمال وغيرهم من الفاعلين الاقتصاديين وهنا يبرز المعطى الاقتصادي وتأثيره على السياسة الجنائية للبلاد ذلك أن المظهر الاقتصادي أصبح هو نقطة التحول في وظيفة القاعدة القانونية بحيث أصبحت تعكس قوة تأثيره على الطبيعة القانونية للعلاقة الاجتماعية . وغاية المشرع من سن القواعد الزجرية الخاصة بالأعمال ليس بالضرورة دائما هو البحث عن الجريمة ومرتكبها بل هي في الأصل غاية وقائية تستند إلى وعي كل واحد من عناصر السوق بحقوقه وواجباته لتكون العلاقة بين رجال الأعمال والتجار والمتعاملين معهم منسجمة ومبنية على الشفافية .

إن المستهلك هو المحور الرئيسي الذي تدور حوله عمليات الإنتاج والتسويق ، ومع ذلك يعتبر هو الحلقة الضعيفة أمام التطور المتسارع لوسائل الإنتاج و التسويق . وفي هذا الإطار فإن غاية المشرع هي خلق توازن بين طائفتين طائفة رجال الأعمال وطائفة المتعاملين معهم . فتشجيع الاستثمار وإنعاش الاقتصاد بإعطاء الحرية لرجل الأعمال لتدبير وتسيير مشاريعه وأعماله بما يضمن مصالحه الخاصة ، يقابلها حماية المساهمين والمدخرين والدائنين من الإدارة السيئة أو غير الأمينة للمشروع . ان الحفاظ على ثقة كل الفاعلين الاقتصاديين في السوق هو أساس استمرار الاقتصاد الوطني في الازدهار و التقدم . ذلك أن جرائم رجال الأعمال لها عواقب وأثار سلبية ليس على الاقتصاد الوطني فقط بل كذلك على التوازن الطبقي داخل المجتمع لأنها تعمل على زيادة الفجوة بين طبقة الأغنياء التي تحتكر وسائل الإنتاج ، وطبقة المستهلكين والفقراء التي ينبغي حمايتها . واللجوء إلى الجزاء يكون ضروريا وحتميا للحفاظ على التوازن الطبقي داخل المجتمع . وهكذا فقد أصبحت غاية المشرع من سن قوانين جنائية للأعمال هو خلق مساواة معيشية أي مساواة فعلية وحقيقية.

وفي إطار التوازن دائما فإن المشرع لم يهتم فقط بخلق التوازن بين طبقات المجتمع، وإنما عمل عن طريق التشريع و القوانين الجنائية للأعمال على خلق توازن داخل مجالات معينة من الأعمال ، وعلى الخصوص في مجال التجارة . ففي القانون التجاري المغربي خلق المشرع قواعد قانونية تساعد التاجر على حل مشاكله المالية والمديونية عن طريق التسوية القضائية ورفع الصفة التجريمية عن بعض صور النشاط التجاري ، وقلل من حالات التفالس . وغايته في ذلك هو الحفاظ على المؤسسة التجارية وفي نفس الوقت حماية مصالح الدائنين.

وهكذا فإن وظيفة القوانين الزجرية وأهدافها تطورت مع تطور الأهداف الحديثة للمجتمع ، إذ لم تعد رهينة بحماية مجموعة معينة من مصالح ، وصفها البعض "بالمصالح الجوهرية للحياة الاجتماعية القائمة وقت التشريع" وذلك بوضع القيود على الحريات الفردية بهدف محدد وثابت هو المحافظة على التعايش الاجتماعي للإفراد . وهي الوظيفة التي أدت إلى جمود قواعد  القانون عن ملاحقة التطور الاجتماعي ونمو المصالح الاجتماعية . بل ان وظيفية القانون أصبحت أكثر فاعلية وتقوم بدور ايجابي في سبيل دفع حركة المجتمع نحو التطور والتقدم . وأصبحت القاعدة القانونية تحمي مصالح أخرى تبدو جديرة بالحماية من أجل تحقيق الأهداف المتطورة للمجتمع . ونتيجة لذلك تحولت وظيفة القانون الجنائي من الحماية إلى التوجيه . وكان من أسبق المجالات التي تركزت فيها فعالية الوظيفة الجديدة لقانون العقوبات هو الإجرام الاقتصادي والمالي [19].

وخلاصة القول أن المذهب اللبيرالي الذي يستند إلى نظرية كون الفرد هو محور النظام وغايته لم يعد هو النظام الاقتصادي المثالي بالنسبة للاقتصاديات المعاصرة . بل إن السياسة الجديدة أصبحت تعتمد على فعالية دور الدولة من الناحية الاقتصادية الاقتصادية ، ولم يعد مقبولا ان تقف الدولة مكتوفة الأيدي أمام تدهور الحالة الاجتماعية للفقراء وازدياد ثروة الأغنياء التي يمثلها رجال الأعمال والطبقة الجديدة من أصحاب رؤوس الأموال والمشروعات الذين انشأوا  إمبراطوريات خاصة بهم . والغاية الأساسية من تدخل المشرع بالكيفية المذكورة هو إقرار العدالة الاجتماعية بين مختلف طبقات المجتمع والحفاظ على المصالح الاقتصادية العليا التي تحددها السياسية الاقتصادية بالبلاد .


لائحة المراجع : 




ـ محمد كبيش ، المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في شركات المساهمة .
ـ المكي السنتيسي ، مذكرات في القانون الجنائي العام  .
ـ فنينخ عبد القادر ، جنحة استعمال أموال الشركات التجارية في التشريع الجزائري ، مقال منشور بمجلة المؤسسة والتجارة عدد 1 (2005).
ـ غنام محمد غنام ، المسؤولية الجنائية للتاجر ومدير الشركة عن جرائم الإفلاس .
ـ إدريس العلوي العبدلاوي ، المدخل لدراسة القانون ، الجزء الثاني : نظرية الحق .
-  حسن البعال ،  خيانة الأمانة  .
ـ الجرائم المالية من خلال اجتهادات محكمة النقض المغربية .
ـ  حسنين أحمد الجندي ، القانون الجنائي للمعاملات التجارية ، الكتاب الأول القانون الجنائي للشركات ، الناشر دار النهضة العربية سنة 1989 .
ـ محمد أمين الرومي ، غسل الأموال في التشريع المصري والعربي .
ـ من منشورات القانون الجنائي للأعمال تحت إشراف الأستاذ محمد جوهر صادرة عن جامعة الحسن الثاني بعين الشق كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء .


[1]-  محمد كبيش  ،المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في شركات المساهمة ، ص 10 .
[2]-  المكي السنتيسي ، مذكرات في القانون الجنائي العام  ، ص 9 .
[3]- المكي السنتيسي ،  المرجع السابق ، ص 3 .
[4]-  فنينخ عبد القادر ، جنحة استعمال أموال الشركات التجارية في التشريع الجزائري ، مقال منشور بمجلة المؤسسة والتجارة عدد 1 (2005).
[5]-  غنام محمد غنام ، المسؤولية الجنائية للتاجر ومدير الشركة عن جرائم الإفلاس ، ص 37 .
[6]-  المرجع السابق ، ص 35 .
[7] - ادريس العلوي العبدلاوي ، المدخل لدراسة القانون، الجزء  الثاني: نظرية الحق ص .
[8] -  مجلة المؤسسة والتجارة 2005 العدد 1- ، ص 55 . ابن خلدون للنشر والتوزيع – جامعة وهران بالجزائر.
[9] -  حسن البعال ،  خيانة الأمانة  ، ص 42  .
[10] - الطيب الجار ، الجرائم المالية من خلال اجتهادات محكمة النقض المغربية ، ص 33.

[11] - حسيني أحمد الجندي ، القانون الجنائي للمعاملات التجارية الكتاب الاول القانون الجنائي للشركات ، الناشر دار النهضة العربية سنة 1989 ، ص 99 و ما بعدها.
[12] - محمد أمين الرومي ، غسل الاموال في التشريع المصري والعربي ص 14 .
[13] -   منشورات القانون الجنائي للأعمال إشراف الأستاذ محمد جوهر جامعة الحسن الثاني بعين الشق كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء ، ص 53 .
[14] -  غنام محمد غنام ، مرجع سابق ، ص 17  .
[15] -  محمد كبيش ، مرجع سابق ، ص148 .
[16] - " الاستاذ محمد بتقدور  ، ص 429   من محلية الجرائم المالية من خلال اجتهادات مكمة النقض المغربية  .
[17] - منشورات القانون الجنائي للأعمال  ، مرجع سابق ، ص 89 .
[18]-  حسنين أحمد الجندي ، مرجع سابق ، ص 17ـ 18 .  
[19]- حسنين أحمد الجندي ، مرجع سابق ، ص 5 .

ليست هناك تعليقات: