2015/08/24

الهـجـرة السـرّيـة

بسم الله الرحمان الرحيم

 الوثيقة المقدمة من الدولة التونسية في 
 الندوة العلمية حول الهجرة غير المشروعة 


بيروت 4 و5/7/2011م
الموافق 3 و4 شعبان 1432 هـ

المـقـدمـة
لقد احتار علماء الإجتماع والنّفس والفلاسفة وفقهاء القانون في فهم وتبرير السلوك الإجرامي لدى الإنسان. هل هو انعكاس لتركيبة نفسية ذهنية يشترك فيها جميع البشر أم هو استجابة لاستفزازات موضوعية يوجهها الواقع المحيط ؟!.
على أن الثابت هو أن الإنسان قليل التقيّد بقواعد الضبط والتوجيه السلوكي حتى تلك التي يرفع مصدرها إلى مستوى المقدّس مثل الدين .
وقد ظهر ذلك منذ بداية الخلق إذ جاء في القرآن الكريم من سورة البقرة " وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنّة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا أهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ولكم في الأرض مستقرّ ومتاع إلى حين . "
فأب البشر آدم وهو حديث العهد بالخلق تلقى أمرا إلهيا إلا أنّه عصاه.
فالإنسان له استعدادات نفسية وذهنية لأن يفسد في الأرض وهو أمر اهتدت إليه الملائكة " قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " إلا أنّ ذلك لم يمنع خالقه بأن يكلّفه بهذه المهمّة مهمّة الاستخلاف والإعمار. لأنّ إرادة الله كانت متّجهة إلى خلق الإنسان بهذه التركيبة التي تدفعه أحيانا إلى الخطإ والظلم . فقد ورد في الحديث الشريف " كل بني آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون " .
على أن منطق البشر ينزع أحيانا نزعة مثالية ترفع الإنسان إلى مراتب الملائكة   " لا يعصون الله ما أمرهم " وهو منطق روّج لمثال المجتمع بلا جريمة.
وقد ظلّت البشرية تطارد هذا الحلم منذ فلاسفة اليونان وشريعة الرومان مرورا بالحضارات ذات الإنتماء الكنسي. وكان هذا المثال وراء نزعة التشدّد في التعامل مع المجرم والجريمة والتي تنتهي أحيانا إلى اليأس من إصلاح هذه الإنحرافات وإنهاء وجود هذا المجرم حتى يأمن الناس شرّه.
وقد لاحظ الدارسون بأن التشدّد في معالجة الجريمة أدّى تاريخيا إلى نتائج سلبية ولم يوقف مزيد انتشارها.
لذلك تطوّرت منظومة القانون الجزائي في اتجاه إيجاد مصالحة بين المجتمع والخارجين على نواميسه وقيمه وقواعد الضبط فيه من خلال البحث عن معالجة مرنة من خلال تبني تقنية بدائل التتبع والعقوبات البديلة لعقوبة السجن ) العمل لفائدة المصلحة العامة / عقوبة التعويض الجزائي ( مع تخويل النيابة العمومية إجراء الصلح بين الأطراف المعنية ببعض الجرائم.
على أن التطوّر العلمي فيما له علاقة بوسائل الإتصال وانخراط العالم في منظومة العولمة وضع المجتمعات البشرية أمام ظاهرة جديدة للجريمة وهي ظاهرة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود الجغرافية الوطنية والإقليمية. بما يعنيه ذلك من أن الجريمة تجد لها دائما إطارا مناسبا تتكيّف معه وهي تتّسع وتتمدّد في المكان كلما وجدت مبرّرا لذلك.
على ان رواج الجريمة المنظمة العابرة للحدود تقوم دليلا على أن الظاهرة الإجرامية هي ظاهرة متحرّكة وذكيّة بحيث تستفيد من مظاهر التطوّر العام على مستوى الإمكان العلمي والإطار القانوني أيضا.
فلا يخفى على أحد أن شبكات الجريمة المنظمة تسخّر لخدمتها أصحاب الإختصاص في جميع الميادين وخاصة القانونية منها وتغدق عليهم العطاء. ذلك أن مداخيل بعض هذه الشبكات تفوق بكثير ميزانيات بعض الدول.
ونظرا لطبيعة المجال فستقتصر دراستنا على تناول ظاهرة أساسية من ظواهر الجريمة المنظمة وهي : الهجرة السرّية.
فالهجرة لغة هي الترك والإبتعاد والإعراض عن الشيء والهجرة إصطلاحا هي الإنتقال من مكان إلى آخر.
 والهجرة في علم الاجتماع هي حركة داخل الجغرافيا أي من مكان تقلّ فيه أسباب الشدّ والجذب إلى مكان يوفّر عوامل العيش والأمن.
والهجرة في المدلول القانوني هي مغادرة حدود دولة والدخول في حدود دولة أخرى.
والهجرة في المفهوم الشرعي لا تبعد عن ذلك فهي الإنتقال من مكان إلى مكان ومثال ذلك هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة – هجرة الرسول وأصحابه إلى المدينة المنوّرة.
وهي كذلك نقلة في التفكير والسلوك بهدف تلبّس المثال الجديد بعد التخلّص من سيطرة القديم . فالهجرة بهذا المعنى هي حركة مزدوجة في المكان والفكر والسلوك.
وقد وردت لفظة الهجرة ومشتقاتها في عديد الآيات والأحاديث الشريفة وهي تتردّّد بين :
·       الوجوب : " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها "
·       الإباحة : من اجل البحث عن العيش الكريم أو الدراسة.
·       المنع : لقوله صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح " والمقصود بذلك الهجرة فرارا بالدين.
على أن حركة الهجرة هي سنّة كونية تحكم جميع الكائنات القادرة على الحركة وليس الإنسان فقط. وما من أحد يشاهد برامج القنوات التلفزية حول هجرة بعض أصناف الحيوانات مثل الحمر الوحشية – الأبقار البرّية - الغزلان أو حول هجرة بعض الأسماك مثل سمك السلمون إلاّ ويتأكد من ذلك.
وهجرة الإنسان في المكان تحكمه مقتضيات الإستخلاف والإعمار وما كان ليحصل ذلك لو تجمّعت البشريّة في مركز وحيد فوق الكرة الأرضية. كما أن الله سبحانه وتعالى أودع في الأرض وفوقها من أسباب الحياة والرّفاه ما يكفي المتساكنين فيها في أي عصر من العصور.
وقد ساهمت الهجرة عبر الحقب التاريخية المتعاقبة في تكوين مجتمعات وبناء حضارات ومدنيات ومثال ذلك :
-       هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكّة.
-       هجرة الأوروبيين إلى القارّة الأمريكية وأستراليا.
 كما ساهمت في زرع كيانات لقيطة مثل الكيان الصهيوني بعد إغتصاب أرض فلسطين وتشجيع هجرة اليهود إليها كما خلقت ظاهرة الهجرة ظاهرة أخرى ارتبطت بها وهي ظاهرة التهجير ومثالها تهجير السكان الأصليين لكل من أمريكا وأستراليا وتهجير الدول الاستعمارية لبعض سكان الأرض المحتلّة كما تم ذلك في فلسطين.
وقد تلوّث تاريخ هجرة بعض الأقوام بممارسات شنيعة مثل تقتيل الأوروبيين للسكّان الأصليين في أمريكا الشمالية وإبادتهم واستعبادهم وكذلك استعباد السود في القارّة الإفريقية ونقلهم قصرا إلى العالم الجديد لاستعمالهم في الدورة الاقتصادية.
لذلك نجد العديد من القوانين المعاصرة والاتفاقيات الدولية تقرّر أمرين إثنين :
-       الحق في الهجرة بما هو تكريس للحقّ في حرية التنقّل والإقامة والحق كذلك في العودة بما هي تكريس لهذا الحق .
-       تجريم التهجير بما هو اعتداء على علاقة الإنسان بالأرض والوطن.
على أن الهجرة في الوقت المعاصر أصبحت قضية معقّدة وملفّا شائكا حيّر الدول ويجادل في أسبابها رجال السياسية والقانون وعلماء الإجتماع والنفس وتنخرط في معالجته منظمات حقوقية وتكتلات إقليمية ودولية.
لكن معضلات الهجرة المعاصرة تستعصي على الحلّ وتلهب عديد الأحاسيس والمشاعر ويتعقّد الأمر أكثر إذا تعلّق بظاهرة الهجرة السرّية والتي تسمّى أيضا الهجرة غير القانونية أو الهجرة غير الشرعية وهي تسميات تعكس كلّها وجهة نظر تجرّم هذا الفعل وتضعه تحت طائلة القانون الجزائي.
وتعرّف الهجرة السرّية بأنّها حالة الخروج من حدود دولة أو الدخول إلى حدود دولة أخرى دون سلوك المعابر والمنافذ المخصّصة لذلك ودون احترام الإجراءات الإدارية والقانونية لحركة دخول الحدود والخروج منها.
على أنّ وضعية الوجود السرّي يمكن أن تترتّب عن وجود كان في البداية قانونيا وهي حالة العامل الأجنبي الذي تنتهي مدّة إقامته أو ينتهي سبب وجوده القانوني بدولة المهجر.
وللإحاطة بهذا الموضوع وجب الحديث أولا عن أسباب الهجرة السرّية ثم التطرّق بعد ذلك إلى مظاهر معالجة هذه الظاهرة التي باتت عالمية بدون منازع.


المحور الأول : أسبـاب الهـجـرة السـرّيـة
الهجرة السرّية هي أحد وجهي الهجرة . فالهجرة إمّا أن تكون :
- هجرة قانونية : أي أن عملية الخروج من دولة والدخول في تراب دولة أخرى تتمّ بشكل قانوني أي من المعابر المخصّصة لذلك مع إتمام المقتضيات الإدارية الأخرى مثل الحصول على تأشيرة دخول وترخيص بالإقامة وعقد عمل وغيرها من الشروط الأخرى التي تحدّدها التشريعات المعنية.
وتتمّ الهجرة القانونية وفق مخطّط تحدّده دولة القبول تضبط فيه مجال احتياجاتها لليد العاملة الوافدة ونوع التخصّصات المطلوبة, فهي هجرة منظمة ومخطّط لها من دولة القبول ومرتبطة بتنفيذ مخطّطات التنمية الداخلية.
-             أما الهجرة السرّية فهي تلك الهجرة التي تقع خارج القانون ورغما عن إرادة دولة الوجهة ودون سابق تخطيط منها أو طلب. فالدخول يتمّ إن وقع بشكل سرّي ويدخل المهاجر تبعا لذلك رحلة الإختباء والإختفاء خوفا من العثور عليه وسجنه أو إرجاعه إلى خارج الحدود.
وهنا يتّجه التفريق بين وضعيتين ونظامين :
-       نظام الهجرة
-       نظام اللجوء
وكلاهما يخضع لأحكام خاصّة وإن إشتركا في بعض المظاهر. فطالب اللجوء هو إنسان مجبر على الهجرة لأسباب خاصة به كأن يكون مهدّدا في حياته وأمنه من أجهزة حكم بلاده أو بسبب قيام حرب فوق أرض وطنه أو مكان إقامته تهدّد  بشكل جدّي حياته.
وتجدر الإشارة في هذا المستوى إلى أن الهجرة المنظمة أو المرخّص فيها تمنح المهاجر خاصة ذلك الذي كانت وجهته العمل حقوقا يتساوى فيها مع المواطن فيما يتعلّق بحقوق العمل والسلامة المهنية والتغطية الإجتماعية والصحّية . أمّا العامل السرّي فيفقد جميع هذه الحقوق جملة وتفصيلا بسبب تواجده غير القانوني فوق أرض الهجرة . لكن السؤال الذي يطرح الان : مالذي يدفع بعضهم إلى طرق باب الهجرة السرّية بالرغم من وجود خطورة متأكّدة في ذلك تطال الوجود في جوهره ؟ا
إنّ الدارس لهذه الظاهرة  يقف أمام تعدّد أسبابها ومسبّباتها لكن يمكن إجمالا حصرها ضمن ثلاثة مفاصل كبرى :
·       أسباب مرتبطة بدولة المهجر
·       أسباب مرتبطة بدولة المصدر
·       أسباب ذاتية مرتبطة بشخصية صاحب مشروع الهجرة.
الفقرة الأولى : الأسباب المرتبطة بدولة المهجر
 إنّ ما يدفع للهجرة حقّا هو ذلك التفاوت في مستوى العيش بين مجتمعات الشمال ومجتمعات الجنوب وهو التفاوت بين مجتمع يمنح السعادة والرفاه لساكنيه وآخر يمنح البؤس واليأس.
على أنّه يمكن تقسيم دول المقصد في مشاريع الهجرة إلى مجموعتين :
- مجموعة الدول المتقدّمة اقتصاديا والتي ارتبطت نهضتها بالثورة العلمية التي أطرتها في تاريخ سابق والمقصود بذلك دول الغرب أو ما أصطلح عليه بـ"الشمال" وهي موزّعة بين مناطق جغرافية متباعدة نسبيّا إذ تشمل الدول الأوروبية الوسطى والغربية منها وأمريكا الشمالية وأستراليا وبعض دول أسيا مثل اليابان.
هذه الدول لا تمتلك فعلا مصادر الثروة الأساسية ولكنّها استطاعت أن توظف تاريخها بما هي دول استعمارية في غالبيتها وسيطرتها السياسية والاقتصادية على بقية دول العالم وخاصّة تلك التي تمتلك مصادر الثروة الطبيعية )ذهب – نفط – غاز طبيعي( باتخاذ سياسات براقماتية نفعية تقوم على توظيف كل ما هو ممكن لصالحها دون اعتبار لحقّ بقية الدول في الانتفاع بهذه الثروات بالقدر والطريقة نفسها.
- مجموعة أخرى أقلّ تقدّما لكنّها تمتلك مصادر للثروة الطبيعية تصدّرها للعالم. وقد مكّنها ذلك من أن تنمّي واقعها الإقتصادي وتمنح الرفاه لمواطنيها أو بعضهم وهي بهذا المظهر تكون وجهة مطلوبة من سكان دول الجوار الفقيرة وتنشط في اتجاهها حركة الهجرة القانونية والسرّية. ومثال هذه الدول دول الخليج العربي بما هي دول نفطية تمتلك بعض مظاهر المجتمع الإستهلاكي المرفه ويقصدها أساسا الهنود والبنغاليون والباكستانيون وبعض العرب.
على أنّه يمكن حصر عناصر الجذب إلى دول الشمال فيما يلي :
1- مظاهر النمو الاقتصادي :
 إن ما يغري صاحب فكرة الهجرة إلى الغرب ويدفعه إلى تحويل ذلك إلى مشروع يبذل كل ما في وسعه وما في غير وسعه لتنفيذه هو ذلك المظهر الإقتصادي والرفاه الإجتماعي الذي يشاهده في وسائل الإعلام خاصّة المرئية والتي تدفع في اتجاه الترويج لفكرة المجتمع المثال, أي إبراز الغرب على أنّه المثال الحقيقي والمجسم للمجتمع الفاضل.
وتثبت الدراسات المتخصّصة في مجال علم النفس وعلم الاجتماع وكذلك الإعلام أنّ الصورة أو المشهد المرئي يؤثر بشكل سريع ومباشر على المخاطب أو المتلقي فتتولّد لديه حالة قبول وتفاعل من خلال الحواس كثيرا ما تعطّل ملكة التحليل العقلي للمشهد المرئي.
فمشاهدة الصورة العامّة للمجتمع الغربي فيما له علاقة بالوضع الاقتصادي )  شكل المباني – حركة السيارات – المظهر العام للسكان الأصليين من حيث المعيشة والملبس – توفر جميع الخدمات الأساسية ... ( تغري المحرومين والمهمّشين في أوطانهم بالهجرة بشكل أو بآخر باعتبارها الوجه الوحيد للخلاص من حالة البؤس واليأس .
2/ مظاهر الحريّات :
لا يختلف إثنان في الإعتقاد بأن الحرية قيمة أزلية ملازمة لوجود الإنسان منذ بداية الخلق . فهي أساس التكليف, أي أنّ الإنسان لا يمكن مساءلته عن نتائج فعل أتاه إلا إذا كانت له حرية إتيان هذا الفعل . فالحرية بهذا المفهوم مصدر للإرادة وتعبير عنها. لذلك نجد أن الإنسان ينزع بفطرته نحو الحرية وتظل مطلبه الأساسي إذا ما حرم منها.
وما يهمّنا في هذا مستوى أن الحضارة الغربية قامت على عقيدة الحرية وظلّت تروّج لها بتعبيرات مختلفة منها منظومة حقوق الإنسان التي اتسعت رقعتها لتشمل الحق في التعليم والحق في التعبير والإختلاف والحق في العمل والحق في التنقل من بلد إلى آخر والحق في الرفاه والتنمية.
لذلك ساعد هذا المشهد العام للحريات في بلاد الغرب على إغراء من يفتقد مساحات منها في وطنه من دول الجنوب على تلبّس هذا المثال بما هو وسيلة ممكنة للخلاص من حالات القهر والإستعباد التي تجد لها مصدرا في واقع الفقر والإحتياج.
ففي هذا المستوى تبدو برامج الهجرة كرحلة لتحقيق الذات في مجتمع يحترم الذات طبق ما يروّج له.
3/ تأثير الحركة السياحة :
السياحة هي رحلة البحث عن المتعة والإستجمام وقد تكون لها أبعاد ثقافية أو علمية. فهي هجرة مضادّة يمارسها ذوو السعة واليسار القادرين من دول الشمال فرارا من ضغط العمل وتعقّد نسق الحياة في أوطانهم المزدحمة ومجتمعاتهم المضغوطة . فهي هجرة البحث عن السعادة لكن بمفهوم آخر يختلف عن مفهوم أولئك الفارين من أوطانهم بحثا عن لقمة العيش.
فحركة الهجرة نحو الشمال للبحث عن العمل تزامنها وتعايشها حركة هجرة السواح إلى دول الجنوب للإستمتاع بخدمات الترفيه المرتبطة بخصوصية الجغرافيا والمناخ أو بوجود سوق لمستهلكات أخرى وبأسعار زهيدة جدّا.
هذا السائح ينقل معه إلى أماكن الوجهة أموالا وأفكارا وتصرّفات ومظهرا يغري أصحاب النفوس الضعيفة والجيوب الخاوية والبطون الجائعة فيكبر حلم الهجرة لديهم على إيقاع وعود بعض هؤلاء السائحين الذين يجتهدون بدورهم في الدعاية لأفكارهم وأنماط عيشهم ويوظفون حالة البؤس والإحتقان لإبداء الفوارق بين مجتمعين وعالمين أحدهما يمنح الوفرة والرفاه والثاني يهب إنسداد الأفق وقتل الطموحات .
 فيحس هذا المهمّش بأن الجنّة الموعودة هي تلك التي يسكنها السائح وأن مفاتيحها بيده أو بيد من يخترق به الحدود بوجه قانوني أو غير قانوني.
وقد أثبتت الدراسات المختصّة دور حركة السياحة في اتجاه دول الجنوب في إنماء الرغبة في الهجرة إلى الشمال. إذ ينتصب السائح بائعا للأمل أو الحلم من خلال الوعود الكاذبة في أغلبها بالزواج أو ضمان الإقامة أو فرصة العمل.
ويغيب عن ذهن هذا الجنوبي الساذج أن هذا السائح جاء ليتسلّى وينتفع بكل ما جاء من أجله وكثيرا ما يحقق رغباته بمجرّد وعود كاذبة تزيد الضحية إصرارا على تحقيق حلم الهجرة.
4/ تشويه صورة الجنوب لدى مواطنيه :
لا يخفى على أحد أن الفكر الغربي يعرض نفسه للعالم كفكر يعكس كمال التقدّم البشري في العصور الراهنة كما أن النظم السياسية الحاكمة في الشمال تجتهد من خلال برامجها ومخططاتها وسياساتها الخارجية في الدعاية لهذا المثال. ويدخل في سياسية الدعاية تقزيم الآخر وإظهاره في صورة دونية خاصة إذا كان هذا الآخر يختلف معه من المنظور الإستراتيجي.
وفيما يتعلق بملف الهجرة , فإن دول الوجهة تتفق جميعها على أن دول المصدر لا تقوم بواجباتها تجاه مواطنيها وتحرمهم من أبسط حقوق المواطنة وهي لقمة العيش. وكثيرا ما يشنّ هذا الغرب حملات منظمة ضدّ بعض النظم في دول الجنوب للإطاحة بها لأن وجودها لا يخدم مصالحه على الوجه الذي يريد.
وتجدر الإشارة في هذا المستوى إلى أن حملات دول الشمال ضدّ دول الجنوب وإن كانت بخلفية ذاتية مصلحية فإنّها تعتمد بالأساس التشهير بما هو واقع في هذه الدول التي تفتقد نظمها فعلا إلى مقومات النظم الوطنية التي تجتهد في تنمية موارد المجتمع وحشد طاقاته وتوظيفها لتحقيق واقع حياتي أفضل.
لذلك فإن خطاب " الغرب " أو "الشمال " يجد له قبولا سهلا من مواطني الجنوب لشهادة الواقع على صدقه وإن كانت النوايا ليست بريئة بالقدر الكافي.
5/ تشديد إجراءات الهجرة القانونية :
إن هجرة اليد العاملة إلى الشمال بدأت بشكل واضح مع حركة الإستعمار. ذلك أن الدول الإستعمارية كانت في حاجة إلى اليد العاملة في بعض الأنشطة الاقتصادية التي لا تحتاج إلى تكوين أو كفاءة خاصة. ومثاله العمالة في قطاع الفلاحة وقطاع البناء والنقل , فآتجهت إلى توريدها من مستعمراتها بعد أن خبرت شعوبها وعرفت طباعها وعاداتها وأعرافها.
على أن تطور الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والسياسية دفع الغرب إلى مراجعة سياساته المعتمدة في الهجرة وخاصة هجرة العمالة وذلك بتنظيمها وفق إجراءات إدارية وأمنية حمائية.
فالحاجة لليد العاملة الوافدة لم تعد كذي قبل. فدول الاتحاد الأوروبي تغيرت احتياجاتها خاصة بعد تغير النظم السياسية في دول أوروبا الشرقية وتوحد الألمانيتين وإنشاء مجموعة الاتحاد الأوروبي التي فتحت الباب أمام الهجرة من داخل أوروبا ومن دولها الأقل نموا والمقصود بذلك أساسا الدول التي كانت منظوية تحت المظلة الاشتراكية قبل سقوطها والتي نشطت منها الهجرة في اتجاه الغرب أي إلى الدول الرأسمالية التاريخية.
فهذه الدول الأخيرة أصبحت تزن سياساتها في مجال هجرة اليد العاملة بمعايير متعددة تتدخل فيها العوامل التاريخية والحضارية والإقتصادية والأمنية.
فاليد العاملة التي هي من أصل أوروبي في المعنى الواسع هي أولى من غيرها لاعتبارات أقلها أخلاقي . أضف إلى ذلك أن المهاجرين السابقين من المستعمرات استوطنوا بأرض المهجر وتناسلوا بها فأصبح أولادهم من حاملي جنسية بلاد مكان ولادتهم.
 وقد سعت دول القبول إلى إدماج أجيال الهجرة ضمن نسيج المجتمع إلاّ أن ذلك لم ينجح على الوجه المرجو. فظهرت في فرنسا مثلا مشاكل سكان ضواحي باريس الذين هم من أجيال الهجرة في غالبيتهم العظمى والذين يشعرون بأنهم مواطنون من درجة ثانية وأحيانا ثالثة ويتصرفون في مواجهاتهم المتكررة مع السلطات على مقتضى هذه الخلفية.
لذلك نجد السياسات الحديثة للهجرة بدول الشمال قائمة بدرجة أولى على التضييق في مجال الهجرة القانونية بآشتراط الحصول على تأشيرة للدخول ثم الحصول على ترخيص بالإقامة والعمل وفق شروط محددة لكنها مجحفة بحقوق الوافد في مجملها خاصة أولئك القادمين من وراء البحار.
الفقرة الثانية : أسباب الهجرة في دول المصدر 
إن دراسة واقع الدول والمجتمعات التي تنشط فيها حركة الهجرة وخاصة الهجرة غير الشرعية تدفع إلى الإعتقاد بأن حركة الهجرة نحو الشمال هي حركة تبحث عن الخلاص من واقع معيشي صعب.
ويمكن أن نحوصل مختلف هذه الأسباب في النقاط التالية :
1- غياب مشاريع تنموية تمتصّ اليد العاملة :
ذلك أن اقتصاديات الدول المصدرة لليد العاملة في اتجاه الشمال هي اقتصاديات هشة تفتقر في مجملها إلى التخطيط والبرمجة المسبقة بعد ضبط الإحتياجات وتحديد الإمكانيات في مستوى الموارد الطبيعية والبشرية . فجل هذه الدول حتى تلك التي تمتلك موارد طبيعية أساسية موجهة للتصدير ) القهوة – الكاكاو – الفسفاط - الذهب وبعض المنتجات الفلاحية ( لا تحسن توظيف عائدات صادراتها في برامج التنمية الوطنية بالقدر الذي يضمن موارد رزق لأقصى عدد ممكن من الأسر التي تفتقر إلى مداخيل تؤمن لها لقمة العيش. كما أن دول الشمال تصر على ان تشتري المواد الأولية من الدول المصدرة لها في هيئتها الطبيعية الخام دون معالجة أو تحويل وذلك حتى يتسنى لها فعل ذلك لديها بما يضمن تنشيط قدرتها الاقتصادية ويحد من تكاليف شراء المواد الأولية من مصدرها.
هذا بالإضافة إلى أن الشمال يسيطر على إقتصاديات الدول الضعيفة – دول الجنوب- من خلال ربط هذه الإقتصاديات بإقتصادها عن طريق مؤسستي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حيث تظل مشاريع التنمية بدول الجنوب تدور في فلك الإقتصاد العالمي الذي تحكمه الدول القوية إقتصاديا وذات النفوذ سياسيا .
فلا مجال لأن يقع تحويل المواد الأولية ومعالجتها صناعيا وفنيا فوق أراضي مصدرها لأن ذلك يتطلب أموالا طائلة أحيانا وضمانات كافية من الإستقرار السياسي والإجتماعي, وهذا لا يتوفر بشكل مضمون في دول المصدر . وهي ذريعة كافية لأصحاب النفوذ المالي حتى تباشر هذه الأنشطة في دول الشمال أو تحت رعايتها وسيطرتها.
كل هذه الهشاشة الاقتصادية تخلق هشاشة في الوضع الإجتماعي من خلال ضيق فرص الشغل واتساع رقعة سوق البطالة الذي يمول حركة الهجرة إلى الشمال في شكليها القانوني والسرّي.
2- غياب نظام سياسي ديمقراطي :
إن من إيجابيات الديمقراطية أمرين أساسيين :
· التداول على السلطة
· الحريات العامة والخاصة
فالتداول على السلطة يعطي الفرصة لتجدد النظم السياسية من خلال عملية الإختيار.
وإذا قرأنا نتائج الديمقراطية في بلدان الشمال وجدنا أن كل الإيدولوجيات والأفكار السياسية مارست الحكم في مرحلة من المراحل وتمتد القائمة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وهذه وحدها عملية تدريب مزدوجة الفائدة.
- الأحزاب والتكتلات تستفيد من تجربة ممارسة السلطة إذ تتحول الأفكار النظرية والإيدولوجيات إلى برامج عملية في السياسة والتشريع والإدارة كما يكون ذلك فرصة للنقد والمراجعة والتعديل.
- الشعب الذي يستفيد من معالجات جديدة لأوضاعه المختلفة وتجربة الشعارات التي كانت ترددها المجموعات السياسية قبل تولي السلطة وعندما كانت في صف المعارضة للمجموعة السياسية التي سبقتها في الحكم .
وعلى هذا الأساس فإن الديمقراطية تفسح المجال للتجربة والتقييم تحت أنظار الشعب وتحت سيطرته من خلال إشاعة ثقافة النقد والمحاسبة بعيدا عن الخوف والسلبية. فالديمقراطية بما هي إيقاع يضبط الحراك السياسي ويضبط بالتبعية حركة الاقتصاد والمال ويركز ثوابت الإجتماع بحيث تعدو حاجيات الشعب من التنمية والرفاه حاجيات ترقى إلى مستوى التقرير في مستوى البرامج المتوخاة في الغرض.
أما إذا غابت الديمقراطية على الواجهات المجتمعية فإن الأمر يتحول حتما إلى التحكم ممن بيده السلطة فيسيّر الأمور كما يحلو له دون خوف من رقابة أو محاسبة. وبالتالي تقترن السلطة بالشخص وتغيب المؤسسة وغالبا مايؤدي هذا الوضع إلى حروب أهلية أو انقلاب عسكري.
وخلاصة القول إن طبيعة النظم السياسية في البلدان مصدر الهجرة هي نظم مستبدة تسخّر امكانيات البلد المحدودة في مشاريع أمنية وعسكرية صرفة للحفاظ على وجودها فتغيب بذلك مشاريع التنمية ويزداد الإحتقان الشعبي وتنشط حركة الهجرة في اتجاه أرض الميعاد فرارا من جحيم تشعل لهيبه أحيانا الحروب الأهلية والقبلية والتصفيات العرقية.
وغياب الديمقراطية يؤدي بالضرورة إلى قمع الحريات الفردية والجماعية وهذه وحدها تكفي لتنشيط الرغبة في الهجرة مهما كان الثمن غاليا.
3/ انعدام الإستقرار :
إن إنعدام الإستقرار السياسي والإجتماعي يدفع كما أشير إلى ذلك آنفا إلى استنزاف مقدرات بلدان الجنوب في دعم الحلول العسكرية والأمنية لضمان الإستقرار على مقتضى رغبة السلطة الحاكمة . ولا غرابة أن تلجأ بعض الدول من هذا النوع إلى صرف جل ميزانيتها على التسلح والتجييش والتجنيد وتشكيل المليشيات والفرق الخاصة كل ذلك على حساب مشاريع التنمية . 
هذا إضافة إلى أن عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي يؤدي غالبا وبالضرورة إلى مغادرة المستثمرين الوافدين منهم والمواطنين . لأن صاحب رأس المال غالبا ما يكون ولاءه لمصلحته وماله أكثر من ولائه للوطن ولقضايا الإنسانية.
وبالتالي تتعزز مظاهر الفقر والبطالة بمغادرة رؤوس الأموال هذه إلى وجهة أخرى.
دون أن ننسى ما تخلفه القلاقل الإجتماعية والحروب من آثار مباشرة على تعطيل مختلف الأنشطة وارتفاع كلفة بعض المستهلكات وهذا في حد ذاته يكون سببا مشروعا للتفكير في الهجرة زد على ذلك انعدام الأمن والأمان.

4/ توخي نظام الخوصصة في المجال الاقتصادي :
تثبت الدراسات المختصة بأن نجاح نظام اقتصاد السوق الحر رهين وجود قطاع خاص فاعل ومحترم لقواعد المنافسة الشريفة . واستطاعت رياح العولمة خاصة بعد سقوط منظومة الاقتصاد الاشتراكي أن تدفع جميع الاقتصاديات في العالم نحو تمثل أنماط وتقنيات السوق الحر.
وقد تجسد ذلك في دول الجنوب من خلال تخلي مؤسسة الدولة عن ممارسة بعض الأنشطة ذات الطابع الإقتصادي والمالي لفائدة القطاع الخاص. 
وقد اعتمدت البلاد التونسية هذا التوجه ففوتت الدولة والمؤسسات العمومية في عديد الأنشطة والمؤسسات للقطاع الخاص ونجم عن ذلك انسحاب الدولة من إدارة بعض المرافق والأنشطة التي كانت تشغل أعدادا هامة من اليد العاملة التي وجدت نفسها بعد التفويت داعمة لسوق البطالة بالرغم من أن الجهات التي تحول إليها النشاط تعهدت بالحفاظ على العمال الأصليين.
وخلاصة القول أن تحرير الاقتصاد في الدول ذات التنمية الضعيفة لم يزد الوضع الإقتصادي والإجتماعي إلاّ تأزما وتعقيدا نظرا لضعف القطاع الخاص في بلدان الجنوب وهشاشته أمام زحف الرأسمال العالمي إلى مناطق تواجده بحيث وقعت تصفيته لعدم قدرته على المنافسة.

الفقرة الثالثة : أسباب مرتبطة بشخصية صاحب مشروع الهجرة
لقد أثبتت الدراسات الإحصائية والإجتماعية النفسية أن المهاجر أو صاحب مشروع الهجرة هو شاب ضاق به الوضع في بلده وضاقت نفسه عن تحمل واقع التهميش وعدم الفعل.
1/ أغلب المهاجرين هم من الشباب:
إن الشباب هم أكثر الناشطين في حركة الهجرة خاصة السرية بحكم السن والإنفعالات النفسية والروابط الأسرية وطريقة التفكير.
وقد أثبتت بعض الدراسات الإحصائية التي تعاطت مع ظاهرة الهجرة من دول شمال إفريقيا في اتجاه أوروبا أن الغالبية العظمى من المهاجرين تتراوح أعمارهم بين 20 و 35 سنة.
فالشاب مسكون بأحلام ويحاصره واقع أليم وتغرق بصره مشاهد الغرب "جنة الله فوق الأرض " .


2/ المهاجر هو شخص منبهر بالغرب :
يمثل الغرب في مخيال شباب الهجرة ووعيهم مثال المجتمع الفاضل في طريقة عيشه ونمط تفكيره ورمزا للنمو الإقتصادي والرفاه الإجتماعي حتى وإن اضطر للعيش متخفيا.
ولا يجب أن يغيب عن أذهاننا ونحن نتحدث عن هجرة العمالة أن حركة هذه الأخيرة تكون متجهة عموما من الدول المستعمرة آنفا إلى دول مستعمِرة . فالتاريخ مؤثر في هذه المسألة ويشكل عامل جذب وإغراء خاصة إذا علمنا أن عديد دول الجنوب تبنت مناهج للتعليم مقتبسة من تلك التي تعتمدها الدول الغازية بحيث تساهم هذه المناهج التعليمية في تخريج أجيال متفاعلة مع الغرب ومنفتحة عليه مع ما يتيحه ذلك من حذق للغاته وتلبس بقيمه ومثله.
فقد لعبت ثقافة المستعمر دورا مهما في تخريج أجيال موالية لها ومتشبعة بنمط تفكيرها من سكان المستعمرات خاصة تلك التي تتعدد فيها الأعراف واللهجات والأديان. فهي توحد ما تعجز عن توحيده الثقافات المحلية القائمة على القبلية أو الطائفية والعرقية.
وعليه فإن الراغبين في الهجرة إلى الشمال هم منتمون بشكل أو بآخر لثقافة هذا الغرب حتى وإن كان مستواهم التعليمي غير مكتمل. فالتأثير الغربي على هؤلاء يكون أشد من خلال الإنبهار بالمظهر العام المرئي والمشاهد عبر وسائل الإعلام والتخاطب وعبر الوجود في الأراضي مصدر الهجرة من خلال المستثمرين الأجانب والحركة السياحية . فكل هذه المشاهد تؤثر في نفسية المهاجر البائس الطامح إلى تغيير وضعه المعيشي العام بحركة في الجغرافيا بالإنتقال من أرضه التي ضاقت به إلى أرض محصنة بأسوار ومتاريس إلاّ أنها واعدة بالأمل والخلاص.
3/ انسداد الآفاق بالداخل :
إن ما يدفع حقا للتفكير في الهجرة وخاصة الهجرة السرية هو ذلك الإحساس بانسداد الآفاق واليأس من امكانية تغير الأوضاع المعيشية في أرض الوطن. فآرتباط الإنسان بوطنه هو ارتباط يوشك أن يكون بيولوجيا فمنه المنبت والنشأة وإليه المرد والنهاية.
وكم رسم لنا الأدب وخاصة الشعر من صور رائعة لهذه العلاقة الوجدانية بين الإنسان والوطن.
فالذي يفقد وطنه يفقد هويته وخصوصيته الجغرافية . فكم تغنى الأدب الفلسطيني بالأرض والوطن المسلوب وكم تمنى المهاجر الرجوع إلى وطنه حتى وإن غادره كرها.
إلاّ أنه بالرغم من حميمية هذه العلاقة بين الإنسان والوطن فإنه سرعان ما يسكنه حلم المغادرة كلما ضاقت عليه حدوده وكتمت أنفاسه أوضاعه الصعبة لكن ذلك لن يكون إلاّ لوقت قصير فالعودة إلى أحضانه تصبح واجبة بعد جمع ما تيسر للعيش الكريم.
4/ حب المجازفة والمخاطرة :
إن الهجرة السرية هي عملية على غاية من الخطورة وقد كلفت عديد المهاجرين حياتهم إذ إنتهت بهم رحلة الأمل إلى الموت في الصحراء عطشا أو في البحر غرقا أو برصاص القناصة من حرس الحدود أو من الشبكات الإجرامية المنظمة والمسيطرة على سوق الهجرة السرية.
وخير شاهد على ذلك غرق عديد الزوارق في البحر الأبيض المتوسط عندما كانت تنقل مهاجرين سريين من الشواطىء التونسية إلى جزيرة لومادوزة الإيطالية. مع الإشارة إلى أن حركة الهجرة السرية بين تونس وإيطاليا قد شهدت أعلى كثافة لها بعد الثورة وقد غذّاها صنف جديد هم أولئك الفارين من السجون خشية العودة إليها أو اتباع النظام السابق الذين ضاقت عليهم السبل القانونية للمغادرة وكذلك الفارّين من أتون المعارك في ليبيا ومستغلّي ضعف الرقابة الأمنية على الحدود من الأفارقة.
فالمهاجر السرّي إذن يدرك مدى خطورة العملية  أمنيا وعلى حياته إلاّ أنه يصر على المجازفة. ولذلك فهو يكتم أمر الهجرة على عائلته ومحيطه القريب حتى لا يجابه بمعارضة تمنعه من إتمام الفعل الذي شرع في التخطيط له.
ويرى علماء النفس أن صاحب مشروع الهجرة السرية يعيش حالة نفسية شديدة التعقد والإنفعال إذ تختلط جميع الأحاسيس ويتداخل الخوف بالأمل والإصرار بالتردد كما تطفو على السطح مفاهيم الرجولة والبطولة التي تتعارض مع الجبن والخوف وحتى الحذر لدى بعضهم.
5/ الثقة في شبكات التهريب :
إن مشروع الهجرة السرية هو مشروع تشترك في إنجازه أكثر من جهة ويتدخل فيه اكثر من طرف.
فهذا المشروع قد يبدأ كفكرة لدى المهاجر نفسه أو تحت تأثير بعض معارفه أو تحت تأثير وعود من سائح زائر . إلاّ أن الخطورة تبدو أكثر عندما تنشط شبكات تهريب الأشخاص المنظمة في الدعاية لهذا المشروع وإقناع بعض ضحاياها بالانخراط فيه بشكل مباشر أو عن طريق أسرهم. إذ كثيرا ما نجد أن بعض الأسر تنطلي عليها الحيلة ويشحنها الأمل فتلجأ إلى التداين أو بيع بعض الممتلكات لتمويل مشروع الهجرة.      
 إن اليائسين من استمرار البقاء في أراضيهم وبين ظهراني أهلهم يسقطون فريسة سهلة بين يدي سماسرة الهجرة السرية في الداخل الوطني وفي دول العبور وكذلك في دول المصدر.
ذلك أن مهمة هذه الشبكات هي الحصول على أموال بطريقة غير مشروعة بآعتبارها تنشط في الخفاء وتبيع الأمل الكاذب لفقراء لا يملكون قوت يومهم في كثير من الأحوال.
فالطامع في الهجرة الطامح لها يضطر في كثير من الأحيان إلى التداين أو السرقة للحصول على كلفة رحلة لا يعرف نسبة نجاحها . إلاّ أن شبكات التهريب تدعي دائما بأن الرحلة آمنة وتقنع ضحاياها بأنها تضمن في الآن نفسه السلامة والوصول إلى مكان الوجهة. وقد ينطلي ذلك على المعنيين بدافع الثقة وحسن النوايا أو قلّة الخبرة في الحياة أو برغبة ملحّة من الداخل في تصديق ما تهفو إليه الأنفس حتى ولو كان ذلك كاذبا.
وخلاصة القول أن المهاجر سرّيا يمنح كل ما هو متاح لديه من مال وثقة على أمل أن ينجح مشروعه. لكن مجريات الأمور أثناء التنفيذ تثبت للعديد منهم بأن هذه الثقة كانت في غير محلها.
6/ الإنبهار بوضعية بعض العائدين من بلد المهجر :
إن رحلة الهجرة السرية هي رحلة المعاناة والمفاجآت يهلك فيها من هلك عن غير بينة وينجو من نجا بإرادة الأقدار.
غير أن العديد من العائدين من بلاد المهجر ببعض المظاهر الدالّة على النجاح والتوفّق ) سيارة – مبالغ مالية هيئة من اللباس مختلفة ... ( يساهمون في الدعاية لمشروع الهجرة في الأوساط المحرومة التي ينتمون إليها .
وتجدر الإشارة إلى أن أغلب العائدين من رحلة هجرة سرية يجتهدون في إخفاء ما كابدوه أثناء هذه الرحلة بدافع الحياء أو بدافع كتم ما هو شاهد على الإخفاق وذلك من أجل تلميع صورتهم في محيطهم والظهور بمظهر الناجح ولطالما حلموا بذلك.
هذا بالإضافة إلى أن العديد من العائدين بمظاهر النجاح دفعوا ضريبة الهجرة السرية فآستعملوا في أعمال ماسّة بالشرف والاعتبار أو في أعمال إجرامية أو وقعوا في شراك مؤسسات التشغيل السرّي. وهي مؤسسات تنشط بدورها في الخفاء وبسواعد من دفعتهم أوضاعهم غير القانونية إلى الإختفاء والإختباء إلاّ أنهم لا يفصحون عن ذلك لذويهم والمحيطين بهم في أوطانهم محاولة منهم في التعويض النفسي عن مشاعر الذلّ والهوان بإظهار دلائل النجاح الوهمية والكاذبة.
وهذا يساهم بدوره في الدعاية لمشاريع الهجرة.
وتجدر الإشارة في خاتمة هذا الباب إلى أن أمرين أساسيين ساهما أيضا في إستفحال ظاهرة الهجرة السرية :
- العولمة بما هي سياق عام للعلاقات الدولية التي مهّدت لحركة البضائع والأشخاص داخل الدول وفيما بينها.
وقد أدّت العولمة إلى توسيع الهجرة بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب في مستوى مظاهر التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك لسبب بسيط وهو أن دول الجنوب لا تمتلك القدرة على المنافسة بحيث فتحت حدودها للبضائع الأجنبية التي أغرقت أسواقها ومقابل ذلك تراجعت منتوجاتها الوطنية في مستوى الترويج الداخلي وأكثر من ذلك في مجال الصادرات , فكانت النتيجة إفلاس عديد المؤسسات الوطنية وتبعا لذلك تعزّز سوق البطالة بالمطرودين من أعمالهم أو المقالين بسبب إفلاس مشغليهم.
-             التطوّر التقني والفنّي في كل ما له علاقة بالاتصال : ذلك أن التطوّر التكنولوجي عموما ووسائل الإتصال على وجه الخصوص ساهم بقدر كبير في توسيع مساحات الجريمة المنظمة عبر الدول التي اتسعت لتنشط في مجال تهريب الأشخاص عبر الحدود بطريقة غير قانونية.
فالشبكات الناشطة في مجال تهريب العمالة هي شبكات قويّة ونافذة للأسباب التالية:
* إن هذه الشبكات اتجهت نحو تهريب الأشخاص كنشاط مواز أو تكميلي لنشاطها الأصلي في مجال الجريمة, فالعديد منها تنشط أساسا في مجال المخدرات والأسلحة وتجارة البشر بما يعنيه ذلك من قدرتها على توفير وسائل النقل والإتصال الحديثة.
* إنّ هذه الشبكات يمتدّ تأثيرها داخل الإدارات والأجهزة المعنية بالهجرة بآستعمال طريقة الإرشاء وشراء الذمم فيتسنّى لها أحيانا إدخال المهاجرين سرّا إلى دول المقصد بطرق مدروسة وفي غفلة من الرقابة الأمنية والإدارية .
* إنّ هذه الشبكات تتخذ في غالب الأحيان شكل سلسلة حلقاتها متّصلة بين الداخل والخارج بحيث يقع تمرير المهاجر عبر حلقات السلسلة التي قد تتسع لتغطي وجوده في دولة المهجر فتتدبر أمر إخفائه وتشغله في السرّ.
وقد ساعد على ذلك وجود سوق مواز لليد العاملة في دول الشمال تنشط أساسا في الأنشطة المحظورة وتستغلّ العمالة السرية لصالحها.
المحور الثاني : معالجة ظاهرة الهجرة السرية
لقد سبق أن بينّا أن الهجرة السرية تجد مبررّاتها في أسباب بعضها مرتبط بنزعة الإنسان الفطرية نحو الحركة والتنقل من أجل الظفر بمحيط مناسب وظروف مواتية للعيش الكريم.
وقد كفلت عديد المواثيق الدولية والدساتير الوطنية هذا الحق في التنقل من مكان إلى أخر للإقامة أو العمل أو النزهة والفسحة . كما جرّمت بعض القوانين التصرّف الهادف إلى تجميد هذه الحركة بمنع الأشخاص من المغادرة إلى خارج الوطن أو العودة إليه.
كما أنه لا يخفى على أحد حاجة المجتمعات المتقدّمة إقتصاديا إلى اليد العاملة الوافدة لسبين على الأقل :
- أن مواطنيها يستنكفون عن ممارسة بعض أصناف الأعمال التي تعتبر مهينة في نظرهم وماسّة بآعتبارهم مثل العمل لفائدة الغير في مجالات الفلاحة والبناء وحتى بعض الأعمال المرتبطة بالأنشطة الفندقية السياحية.
- أن اليد العاملة الوطنية غير متوفرة بالعدد المطلوب في بعض الأنشطة.
على أن دول القبول تعتمد غالبا سياسات مخططة في طريقة التعاطي مع العمالة الوافدة من خلال ضبط الإحتياجات الوطنية لها حسب القطاعات ونوعية وطبيعة الأنشطة.
وتجدر الإشارة إلى أن سياسات تشغيل اليد العاملة الوافدة تأخذ بعين الإعتبار أيضا أبعادا أخرى قد تبدو بعيدة عن المقتضيات الإقتصادية بعضها سياسي وبعضها حضاري وبعضها الآخر ديني بحيث يفضل بعض المهاجرين على غيرهم . ومثال ذلك أن دول الإتحاد الأوروبي فتحت حدودها للمهاجرين من أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الاشتراكية نظرا لوحدة الدم والجغرافيا والتاريخ والحضارة.
وتبعا لذلك فإن التعاطي مع ملف الهجرة عموما والهجرة السرية خصوصا تغلب عليه المعالجات الأمنية الردعية سواء على مستوى القوانين الوطنية أو الاتفاقيات الدولية, والحال أنه توجد مساحة أخرى مهملة أو متغافل عنها وهي مساحة معالجة ظاهرة الهجرة السرية من مظور أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان .

الفقرة الأولى : المعالجة الأمنية الوطنية
تجتهد دول المصدر وكذلك دول العبور والوجهة في ردع ظاهرة الهجرة السرية من خلال المراقبة المشددة للحدود وتنظيم إقامة الأجانب ودخولهم داخل حدودها.
 ولدراسة هذه المسألة في هذا المستوى نستعرض مثالين لطريقة التعاطي مع الهجرة السرية :
-       المثال التونسي كنموذج لدولة العبور والمصدر .
-       المثال الفرنسي كنموذج لدولة المقصد.
أ- النموذج التونسي :
إن مسألة التنقل داخل البلاد وخارجها مسألة وقع تقنينها دستوريا في البلاد التونسية. فقد نصّت المادّة العاشرة من الدستور الذي عطلت احكامه بعد ثورة 14 يناير2011 على انه " لكل مواطن حرية التنقل داخل البلاد وإلى خارجها واختيار مقر إقامته في حدود القانون ".
ويفهم من هذه المادّة ما يلي :
- أن التنقل وحرية الإقامة حق دستوري يضمنه الدستور.
- أن هذا الحق يمارس في إطار القانون.
كما نصت المادّة 11 من ذات الدستور على أنّه " يحجر تغريب المواطن عن تراب الوطن أو منعه من العودة إليه" . وإذا أردنا أن نعدد النصوص القانونية التي تنظم مسألتي السفر والإقامة - وهذا هو الإطار العام الذي تنشط فيه الهجرة - وجبت الإشارة إلى النصوص التالية :
* القانون عدد 40 لسنة 1975 المؤرخ في 14 مايو 1975 المنقح والمتمم بموجب القانون عدد 6 لسنة 2004 المؤرخ في 3 أكتوبر 2004 والمتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر.
* القانون المؤرخ في 24 يوليو 1965 المتعلق باليد العاملة الأجنبية.
* القانون عدد 7 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1968المتعلق بحالة الأجانب بالبلاد التونسية.
* المجلة التأديبية والجزائية البحرية.
* مجلة التجارة البحرية
وأحكام اخرى موزعة على بعض النصوص المختلفة.
فقد نصت المادّة 38 من القانون المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر , على أنه   " يعاقب بالسجن مدة ثلاثة أعوام وبخطية قدرها ثمانية آلاف دينار كل من أرشد أو دبر أو سهل أو ساعد أو توسط أو نظم بأية وسيلة كانت ولو دون مقابل , دخول شخص إلى التراب التونسي أو مغادرته خلسة سواء تم ذلك برّا أو بحرا أو جوّا من نقاط العبور أو من غيرها. والمحاولة موجبة للعقاب وكذلك الأعمال المعدّة مباشرة لارتكاب الجريمة ".
كما نصت المادّة 39 الموالية على معاقبة كل من آوى الأشخاص الداخلين أو المغادرين للتلااب التونسي خلسة أو خصص مكانا لإيوائهم أو إخفائهم أو عمل على ضمان فرارهم أو عدم التوصل إلى الكشف عنهم أو عدم عقابهم كما يعاقب كل من وفر وسيلة نقل مهما كان نوعها بهدف تسهيل ارتكاب الجرائم المذكورة.
ويفهم من النصين المذكورين بأن المشرّع اتجه بموجب قانون 3 فبراير المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر نحو التشدد في التعامل مع ظاهرة الهجرة السرّية بما هي عملية منظمة وذلك في اتجاهين :
-       تشديد العقوبة الجزائية بالترفيع في عقوبة السجن والخطية.
-       توسيع دائرة التجريم لتشمل كل من له علاقة بعملية تنظيم الهجرة السرية من قريب أو من بعيد كما جرم مجرد المحاولة.
وإذا أردنا أن نعدد مجموعة الجرائم المتصلة بالهجرة السرية فإنه يمكن إيرادها على النحو التالي :
-       إدخال شخص للتراب التونسي خلسة أو إخراجه خلسة وتشمل الجريمة كل من أرشد أو دبر أو ساعد أو توسط أو نظم هذه العملية.
-       إيواء الأشخاص الداخلين أو المغادرين خلسة أو الأشخاص الذين يعملون على تنظيم ذلك أو تخصيص مكان لإيوائهم أو إخفائهم أو العمل على ضمان فرارهم أو عدم التوصل إلى الكشف عنهم أو عدم عقابهم.
-       توفير وسيلة نقل بهدف ارتكاب الجرائم المذكورة أو المساعدة على ارتكابها.
-       المشاركة في تنظيم أو وفاق يهدف إلى الإعداد أو التحضير لارتكاب الجرائم المذكورة وهي إيواء أو نقل أو إدخال الأشخاص خلسة أو إخراجهم بنفس الطريقة.
وبما أن شبكات تهريب الأشخاص هي شبكات منظمة في الغالب وذات نفوذ فهي تتجه إلى إغراء الموظفين القائمين على رقابة الحدود أو المكلفين بتتبع هذه الجرائم , فقد شدّد المشرّع التونسي في العقوبة المسلطة على الموظفين الذين يساعدون على ارتكاب هذه الجرائم أو يتواطؤون مع مرتكبيها للفرار من العدالة .
فقد نصّت المادة 43 من ذات القانون بأنه يعاقب بالسجن مدة إثني عشرة عاما وبخطية قدرها أربعون ألف دينار إذا إرتكبت الجرائم الواقع تعدادها آنفا :
-       ممن عهد إليه بحراسة الحدود أو نقاط العبور أو الموانىء بصفة مباشرة أو بمراقبتها.
-       ممن عهد إليه القانون مهمة معاينة هذه الجرائم وزجر مرتكبيها.
-       من أعوان قوات الأمن الداخلي أو من أعوان القوات العسكرية أو أعوان الديوانة.
-       ممن إستغل صفته أو النفوذ الممنوح له بحكم وظيفته أو عمله.
-       إذا ارتكبت هذه الجرائم ضد طفل أو باستخدامه.
ويفهم من ذلك بأن العقوبة تشدد بحسب صفة الشخص المنخرط فيها أو وضعية من عنته عملية التهريب كأن يكون طفلا.
على أنّ المشرّع أدرج أسبابا أخرى تزيد العقوبة شدّة منها :
-       حالة أن ينتج عن عملية نقل الأشخاص سرّا إلى داخل الحدود أو خروجا منها سقوطا أو عجزا بدنيا دائما.
-       إذا نتج عن هذه الجريمة موت الشخص المعني بها .
ففي هذه الصورة يكون العقاب بالسجن مدة عشرين عاما وبخطية قدرها مائة ألف دينار.
مع الملاحظ أن المشرع لم يمنح المحكمة المختصة بالنظر في هذه الجرائم إمكانية تسليط العقوبة المالية دون العقوبة البدنية بل ألزمها بالتصريح بالعقوبتين دون خيار وذلك يؤكد نزعة التشديد في التشريعات الخاصة بالهجرة السرية بما هي هجرة غير قانونية لكنها منظمة ينخرط في تأمينها والتخطيط لها أكثر من جهة.
على ان المجلة التاديبية والجزائية البحرية الصادر بها قانون 30 مارس 1977 قد أدرجت صلب أحكامها موادا خاصة بالسفر خلسة. إذ عرفت المادة 67 المسافر خلسة وهو       " كل شخص يختفي بالسفينة في أي ميناء أو مكان مجاور له بدون رضى صاحب السفينة أو الربان أو أي شخص مسؤول عن السفينة ويكون على متنها إثر مغادرتها ذلك الميناء أو المكان ".
وقد عاقبت المادة 76 كل شخص ساعد بالبحر أو بالبر المسافر خفية على الإبحار أو النزول بالبر أو يخفيه أو يزوده بالطعام من غير علم الربان.
وأمام تصاعد نسق الهجرة السرية عبر البحر الأبيض المتوسط الفاصل بين تونس وإيطاليا بآعتماد أنواع معينة من السفن والقوارب التي يتحاشى بعضها الرسو في الموانىء هروبا من المراقبة الإدارية والامنية , تدخّل المشرّع وأضاف مادة إلى مجلة التنظيم الإداري للملاحة البحرية وهي المادة 57 مكرر التي أوجبت على السفن المجهزة بمحرك والتي يفوق حجمها الخام خمسة أطنان الرسو داخل الموانىء أو بالمواقع الساحلية البحرية المخصصة لها.
وخلاصة القول أن استفحال ظاهرة الهجرة السرية من وإلى تونس في السنوات الأخيرة دعت المشرع إلى التدخل في مستوى النصوص المنظمة للسفر أو للإقامة أو لحركة النقل البري والبحري والجوي لمقاومة  هذه الظاهرة بتشديد العقوبة والتوسيع في مجال تسليطها بحيث تطال كل من له علاقة بتنفيذ مشروع الهجرة من قريب أو من بعيد مع التشدد الواضح في ردع شبكات التهريب المنظمة.
ب – النموذج الفرنسي
تعتبر فرنسا من أكثر الدول الأوروبية مقصدا في الهجرة القانونية أو السرية وذلك لعدة أسباب :
-             أسباب تاريخية : متعلقة بماضيها الإستعماري لبعض الدول خاصة الإفريقية منها . إذ تنشط حركة الهجرة من مستعمراتها السابقة تحت تأثير العامل اللغوي, أضف إلى ذلك أن فرنسا لم تكن متشددة في قبول هؤلاء إلى حدود الثمانينات.
-             أسباب إقتصادية : إذ تعتبر فرنسا من الدول الأوروبية ذات النمو الاقتصادي الملحوظ بحيث تجد العمالة الوافدة مكانا لها في تنشيط هذه الدورة حتى وإن كان ذلك في السر.
-             أسباب سياسية : مرتبطة بهامش الحريات المتحاة . ففرنسا تصنف على انها دولة القانون وحقوق الإنسان.  
على أن دخول فرنسا في مجموعة الإتحاد الوروبي وتغير المناخات الإقتصادية والسياسية في المحيط العالمي دفعها إلى مزيد التشدّد في التعاطي مع ظاهرة الهجرة خاصة السرية منها تحت تأثير جملة من الاعتبارات منها :
-             أن الدخول سرا إلى داخل حدودها الجغرافية يجبر هذا المتسلل إلى العيش في الخفاء فيفقد أبسط حقوقه كإنسان ويكون عرضة للإستغلال والإبتزاز وهذا يتعارض مع سياساتها الرامية إلى تعزيز حقوق الإنسان في العالم , فلا تقبل أن تنتهك هذه الحقوق فوق أرضها بسبب الدخول بصفة غير قانونية .
-             أن تواجد جحافل الهجرة السرية فوق ترابها أدى إلى ظهور سوق عمالة هامشية موازية للعمالة القانونية يتمعش أصحابها من استغلال المهاجرين سرا.
فقد أثبتت الدراسات المتخصصة بأن فرنسا باتت تعرف نمطين من النشاط الإقتصادي.
- نمط علني وظاهر وهو الذي يستوعب اليد العاملة الوافدة بشكل قانوني.
- نمط مستتر تنشط فيه مؤسسات الظلام التي تشغل اليد العاملة المهاجرة في السر والتي لا يمكنها أن تظهر في العلن . وهذه المؤسسات تحقق أرباحا طائلة مترتبة عن إنخفاظ الأجور المدفوعة لهذا الصنف من العمالة إضافة إلى عدم التصريح بالنشاط بما يعنيه ذلك من عدم دفع الأداءات والضرائب وهذا يا يزيد في هامش أرباحها.
وقد إرتأت الدولة الفرنسية بأن ضرب هذا النشاط الاقتصادي الموازي يتم حتما عبر ضرب مصادر الإمداد البشري وتجفيف ينابيع العمالة المستعملة وذلك عبر محاصرة العمالة السرية والدخول غير القانوني داخل حدودها الوطنية.
ولضمان ذلك قامت الدولة الفرنسية بمراجعة نصوصها القانونية وترتيباتها الإدارية فيما يتعلق بالهجرة عموما مع خصوصية الهجرة لطلب اللجوء. فقد أصدرت فرنسا أخيرا مجلة قانونية تنظم دخول وإقامة الأجانب وحق اللجوء.
فقد نصت المادة 211 على ان الدخول إلى فرنسا لا يتم إلا بتوفر الشروط التالية :
-       جواز سفر صالح للإستعمال وصادر عن جهة مختصة .
-       تأشيرة دخول صادرة من السلط الفرنسية.
-             تقديم إثبات لسبب الإقامة الوقتية بفرنسا. ويأخذ شكل شهادة قبول من الشخص الذي يلتزم بقبول المهاجر لديه وإيوائه بعد مصادقة السلط الإدارية على هذه الشهاة التي تفيد أيضا التزام الجهة الصادرة عنها بتحمل مسؤولية إقامة هذا المهاجر في المسائل المتعلقة بمصاريف العلاج والتغطية الاجتماعية طيلة فترة إقامته الوقتية.
كما نصّت المادة 213 من المجلة على انه يمكن منع دخول اللاجئين إلى التراب الفرنسي إذا كان وجودهم يمكن ان يشكّل مسّا بالنظام العام أو سبق أن صدر قرار بتحجير إقامتهم بفرنسا أو صدر في شأنهم قرار إبعاد.
أما الأجنبي الذي دخل إلى فرنسا برا أو جوا أو بحرا دون أن يصرح له بالدخول أو دون أن يبت في طلب اللجوء فإنه يحتفظ به في أماكن تواجده الأولى ) ميناء - مطار ( في انتظار النظر في وضعيته.
وعلى كل حال فإن الوافد الأجنبي إلى فرنسا بوجه قانوني يمنح شهادة إقامة وقتية أو بطاقة مقيم.
أما إذا كان وجوده غير قانوني فإنّ السلط الإدارية تتخذ قرارا معللا بإبعاده.          فقد نصّت المادة 511 على انه يمكن للسلط الإدارية أن تصدر قرارا معللا بآصطحاب الأجنبي القادم إليها إلى الحدود في الصور التالية :
-       الأجنبي الذي عجز عن إثبات أنه دخل التراب الفرنسي بوجه قانوني.
-       إذا إستمرّ متواجدا فوق التراب الفرنسي بعد انقضاء أجل صلاحية التأشيرة الممنوحة له أو الذي لم يحصل على سند إقامة.
-       الأجنبي الذي رفض طلبه بشأن منح سند الإقامة أو تجديده أو الذي وقع سحب السند منه واستمرّ متواجدا بعد الأجل المسموح به.
-       الأجنبي الذي لم يطلب تجديد سند إقامته الوقتية وأستمرّ متواجدا بعد الأجل المسموح به قانونا.
-       الأجنبي الذي وقع سحب سند الإقامة أو بطاقة مقيم منه.
-       الأجنبي الذي صدر في شأنه حكم باتّ من أجل تدليس أو تزوير أو إقامة سند إقامة.
-       إذا كان تصرف تصرفا يمس بالنظام العام أو مارس عملا غير مرخص فيه.
كل هذه الإجراءات لا تعتبر إذا وجدت اتفاقيات خاصة مع بعض الدول تمنح رعاياها بعض الامتيازات . كما لا تنطبق على مواطني دول الإتحاد الأوروبي أو الدول التي تسري بينها اتفاقية شنقن الموقعة بتاريخ 19 يوليو 1990.
على انه لا يمكن إبعاد القصّر الذين لم يتجاوزوا ثمانية عشرة سنة أو الأجنبي الذي أثبت بأنه يقيم عادة في فرنسا منذ أن بلغ عمره 13 سنة أو منذ ما يزيد عن 15 سنة إلاّ إذا كان متحصّلا طيلة هذه الفترة على بطاقة إقامة وقتية مسجّل عليها عبارة " طالب " . وكذلك الأجنبي المقيم بصورة منتظمة في فرنسا منذ ما يزيد عن عشر سنوات إلاّ إذا كانت إقامته وقتية أو للدراسة . وكذلك الأجنبي المقيم بصفة منتظمة منذ ما يزيد عن عشرين سنة .
كما لا يسلّط الإبعاد على الأجنبي أب أو أم لطفل فرنسي الجنسية مقيم في فرنسا ولكن بشرط المساهمة الفعلية في تربية الطفل والتعاطي معه وكذلك الأجنبي الذي تزوّج منذ عامين على الأقل من فرنسية أو فرنسي .
على أن السلط الإدارية يمكنها اتخاذ قرار بالطرد إذا شكل الأجنبي تهديدا واضحا للنظام العام بالرغم من تواجده القانوني.
كما تضمّنت المجلّة أحكاما جزائية خاصة بردع التواجد غير القانوني فوق التراب الفرنسي.
فقد نصّت المادة 621 على أن الأجنبي الذي دخل التراب الفرنسي أو أقام فيه بدون وجه قانوني وبعد إنقضاء المدة التي تغطيها تأشيرة الدخول يعاقب بالسجن لمدة عام وبخطية قدرها 3750 أورو.
كما عاقبت المادّة 622 كل الأشخاص الذين ساعدوا شخصا أو حاولوا مساعدته على دخول التراب الفرنسي أو الإقامة والتنقل بدون ترخيص في ذلك مدّة خمسة أعوام سجنا مع خطية قدرها 30000 أورو ويمكن التصريح بعقوبات تكميلية من نوع تحجير الإقامة لمدّة معينة – تعليق رخصة السياقة لمدّة معينة – سحب الترخيص في تعاطي بعض الأنشطة. وكذلك مصادرة الأشياء التي أستعملت في إرتكاب الجريمة .
كما عاقب المشرّع الفرنسي شأنه شأن المشرّع التونسي الفعل المنظم في شكل جماعي وكل وفاق يهدف إلى إدخال الأجانب إلى فرنسا سرّا وبشكل غير قانو ني.
ويفهم من النموذجين التونسي والفرنسي أنهما يتقاربان في طريقة معالجة ظاهرة الهجرة السرّية المنظمة بشكل يغلب عليه الطابع الزجري تحت تأثير الإعتبارات الأمنية المتصلة بسلامة الحدود وتنظيم الإقامة والعمالة الوافدة وكذلك جعل الخروج من الحدود الوطنية أو الدخول إليها يتم بشكل قانوني وعبر المعابر المخصّصة لذلك .
إلاّ أنه وبالرغم من هذه الإجراءات الزجرية الصارمة , فإن تدفق الهجرة السرية من تونس كدولة مصدر أو عبور في اتجاه فرنسا كدولة مقصد أو إيطاليا قد تفاقم بما يعنيه ذلك من أن معالجة الظاهرة بالأسلوب الأمني وحده ليس بكاف . بل أن الحل الصحيح يكمن في معالجة أسباب الهجرة خاصة في مستوى بلدان المصدر. بآعتبار أن الدافع الرئيسي للهجرة السرية هو الفرار من واقع معيشي لم يعد محتملا.
هذا مع الإشارة إلى ان الهجرة السرية عبر الحدود التونسية نشطت بشكل غير مسبوق بعد ثورة 14 يناير 2011 وانخرطت فيها أصناف جديدة هم بالأساس الفارون من السجون ومن المحاكمة والتتبع من أنصار النظام السابق إضافة إلى تزايد أفواج المهاجرين عبر تونس من دول الجوار الإفريقي.
على أن التعاطي مع الهجرة السرية بالأسلوب الردعي والزجري لا يلغي خيارات أخرى ممكنة ومكمّلة من ذلك أن العديد من دول الإتحاد الأوروبي المعنية بالهجرة السرية على وجه الخصوص ) إسبانيا – إيطاليا – فرنسا ... ( عمدت إلى عقد إتفاقيات مع دول المصدر تهدف إلى مقاومة الهجرة السرّية من خلال :
-       تبادل المعلومات وتنسيق الجهود على مستوى الحدود الجغرافية لمنع عمليات التسلّل بوجه غير قانوني.
-       مساهمة دول الشمال في تطوير وسائل الرقابة لدى دول الجنوب بمنحها تجهيزات تساعدها على رقابة حدودها ) سيارات – وسائل اتصال – تجهيزات أخرى ... (  .
-       بعث مشاريع تنموية ببلد المصدر تساهم في شدّ اليد العاملة وآستيعابها بشكل يقل معه التفكير في الهجرة.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن دول المهجر إتجهت في السنوات الأخيرة إلى البحث عن حلول للهجرة السرية خارج فضائها الجغرافي وذلك من خلال تسخير دول المصدر أو العبور وتكليفها بمهمة منع الهجرة السرية من داخل حدودها للحيلولة دون عبورها إلى الضفة الأخرى مقابل إغراءات مالية ومساعدات لوجستية فنية . وهو منطق براقماتي نفعي طالما حكم سياسات دول الشمال تجاه الجنوب .
د – الهجرة السرّية في منظور الرؤية الإقليمية .
تعتبر الهجرة وبالخصوص الهجرة السرية من أهم محاور إهتمام التجمّعات الإقليمية المعنية بها. ونقصد بذلك أساسا مجموعة دول الاتحاد الأوروبي .
فقد نشطت مؤسسات هذا الإتحاد وخاصة المجلس الأوروبي في دفع دول الإتحاد إلى توخي سياسة مشتركة فيما يتعلق بالهجرة واللجوء. ذلك أن التعاطي المنفرد مع هذه المعضلة لن ينجح في التصدّي لها خاصة بعد زوال القيود على حركة الأشخاص والبضائع داخل الفضاء الأوروبي.
لذلك أصدر المجلس الأوروبي بتاريخ 16 أكتوبر 2008 وثيقة سماها الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء .  Pacte Europeen sur l'immigration et l'asile
وقد حاول المجلس الأوروبي في هذه الوثيقة ان ينظر إلى الهجرة كظاهرة إيجابية وكواقع مفروض بحكم التفاوت في الثروة والتنمية بين الشمال والجنوب. كما أن الهجرة تمنح المهاجرين فرصة لتحقيق طموحاتهم وتمنح دول القبول فرصة أكثر للتنمية الإقتصادية والتثاقف الحضاري . ودعى المجلس في هذه الوثيقة دول الإتحاد إلى العمل على السيطرة على ظاهرة الهجرة بتوحيد السياسات بشأنها والعمل على حماية الحدود الخارجية للإتحاد وآعتماد سياسة موحّدة بشأن مسألتي التأشيرة واللجوء.
وقد تضمّن هذا الميثاق الإلتزامات التالية :
-       تنظيم الهجرة القانونية أخذا بعين الإعتبار إحتياجات كل دولة من اليد العاملة وقدرتها على إدماج هؤلاء المهاجرين .
-       مقاومة ظاهرة الهجرة السرية وذلك بالعمل على إرجاع هؤولاء المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية أو إلى بلدان العبور .
-       دعم الرقابة على مستوى الحدود .
-       توحيد التشريعات بشأن مسألة اللجوء.
-       دعم التعاون مع دول المصدر ودول العبور من أجل دفع التنمية لديها بالقدر الذي يستوعب فائض البطالة ويحدّ من الهجرة السرّية.
وبالتأمل في مضامين هذه الوثيقة نستنتج أن الإتحاد الأوروبي بما هو تجمّع إقليمي يحاول أن يجد معادلة بين مقتضيات يصعب الجمع بينها.
·             فمن ناحية يدعو الإتحاد الى إحترام كرامة الإنسان المهاجر حتى وإن كان وجوده غير قانوني بفعل دخوله الحدود الأوروبية سرّا ومن ناحية أخرى يدعو إلى توخي الحزم والصرامة في التعاطي مع المهاجرين السريين بحيث لا يبقى داخل الحدود الأوروبية أي أجنبي وضعه غير قانوني. وإذا ما كانت هناك إمكانية لتسوية بعض الوضعيات فإن ذلك لا يمكن أن يكون إلاّ لأسباب إنسانية أو إقتصادية على أن تعالج هذه الأوضاع حالة بحالة.
·             مساعدة دول المصدر أو العبور على التصدّي لظاهرة التسلل من حدودها بشكل غير قانوني ويتمثل ذلك في إعانات مالية أو بتجهيزات أو معدات تساعد على حراصة الحدود بطريقة جدّية وكذلك من خلال تنظيم دورات تكوينية لأعوان الرقابة على الحدود داخل دولة المصدر أو العبور.
·             إرجاع المهاجرين سرّا إلى البلدان التي عبروا من حدودها بحيث تطهّر أراضيها من وجودهم .
·             تمويل مشاريع إقتصادية في دول المصدر بغرض إستيعاب العمالة التائقة إلى الهجرة .
إن ما يلاحظ في سياسات الدول الأوروبية الوطنية منها و الإتحادية بشأن الهجرة السرّية أنها تحاول أن تجد تصريفا لمسارات الهجرة السرّية بأن تعهد بذلك إلى دول المصدر أو العبور إعتقادا منها بأن معالجة الأزمات خارج أراضيها وحدودها تبقى هي الأفضل من حيث النتائج إذا قدّرت المسألة بمعايير أمنية وكذلك من حيث الكلفة المادية.
غير أن معالجة ظاهرة الهجرة تحتاج إلى نفس إنساني وبعد حقوقي . فالتعامل مع المهاجر السرّي على أنّه مجرم غير مرغوب في وجوده يغيّب مأساة هذا الأخير ويصرف النظر عن همومه .

الفقرة الثانية : معالجة ظاهرة الهجرة السرية من داخل منظومة حقوق الإنسان.
إن موضوع الهجرة السرّية يضع في المواجهة طرفين غير متكافئين في القوّة والمركز :
-       الدولة : وتشمل على حد السواء دولة المصدر ودولة العبور ودولة الوجهة .
فهذه الدولة التي هي شخصية من شخصيات القانون الدولي العام تمتلك السيادة فوق أرضها وداخل حدودها . وهي المسؤولة عن حماية هذه الحدود بمنع دخولها أو الخروج منها إلا من المعابر المخصّصة لذلك وبوجه قانوني صحيح ) جواز سفر – تأشيرة دخول – سند إقامة – عقد عمل ... ( وبالتالي فلا أحد يمكنه أن يلوم دولة على تحصين حدودها ومنع إختراقها بكل الوسائل الممكنة حتى تلك التي تلحق أضرارا بمن يقترب منها.
- المهاجر السرّي : ذلك الهارب من الجحيم الذي يفتقر إلى الحدّ الأدنى من الشعور بالذات وبالوجود لكن يستهويه مشهد الرفاه في دول الوجهة فيطمع أن يلتمس لنفسه منه ما يردّ به كرامته .
وتجدر الإشارة إلى أن القانون يتدخل أحيانا لحماية الطرف الضعيف في صنف معين من المعاملات بغرض ضمان التوازن بين المراكز القانونية للطرفين ومثال ذلك قوانين حماية المستهلك . إلاّ أن المهاجر السرّي ولئن يسلّم الجميع بحالة كونه الطرف الأضعف إلا أن ضعفه هذا لا يجلب إليه حماية خاصة لأن التعاطي معه يقع بخلفية أنه مجرم إجتاز الحدود الدولية خلسة وبدون وجه قانوني . فلا حماية قانونية لمن كان تواجده غير قانوني .
هذا المنطق تفرضه قراءة محكومة بخلفية إبراز الدولة في موقع المعتدى عليه ووضع المهاجر في مركز المعتدي والحال أن الواقع يشهد بأن هذا المهاجر البائس اليائس هو الضحية وهو المعتدى عليه.
لهذا السبب ولغيره يجب إحالة ملف الهجرة السرّية ليس على الدوائر الإدارية والسلط الأمنية للدول سواء كانت دول مصدر أو دول عبور أو دول وجهة بل على أحكام القوانين المنظمة لحقوق الإنسان وخاصة القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. أي الإنتقال بملفّ الهجرة السرية من سيادة الدولة إلى سيادة القانون الدولي لحقوق الإنسان وذلك للأسباب التالية :
-             أن حركة الإنسان داخل الجغرافيا والمحيط هي حق بثبوت صفته كإنسان بقطع النظر عن جنسيته ومكان إقامته . لذلك نجد أن جلّ القوانين وعديد الدساتير وكل الإتفاقيات الدولية العانية بحقوق الإنسان قد قرّرت هذا الحق وضمنته.
-             إن حركة الإنسان داخل الجغرافيا هي القاعدة في التاريخ البشري وأن الحدود بين الدول لا يمكنها أن تكبت هذه الحركة إلى حدّ تجميدها وإلغائها.
-             إن الثروة هي في أصلها ملك مشترك بين جميع أفراد الإنسانية ينتفع كل منها بحسب حاجته وبحسب ما يبذله من جهد للحصول عليها.
إلاّ أن إنقسام عالم اليوم بين دول غنية ودول فقيرة يعكس بصورة جلية سوء توزيع الثروة وسوء التصرّف فيها. وهذا يعني أن الدول الغنية لم تكن كذلك منذ الأزل بل اكتسبت مسببات هذه الثروة من ماضيها الإستعماري أساسا الذي فسح لها المجال لآستنزاف ثروات مستعمراتها وتوظيفها في بناء نهضتها دون أن تستشعر مسؤوليتها عن إفقار هذه الشعوب. كما انها إكتسبت هذه الثروة أيضا بفعل سيطرتها على القرار السياسي ومشاريع التنمية في بلدان الجنوب .
فمعالجة ظاهرة الهجرة بخلفية تجريمية إقصائية نافية للوجود تقلّل من إحترام المهاجر كذات بشرية لها حقوقا أوسع من تلك التي تسلبه إيّاها مؤسّسة الدولة سواء كانت دولة المصدر أو دولة المهجر.
فدولة المصدر لا تفعل ما يلزم لتنمية إقتصادياتها واستيعاب البطالة وتخليص الشباب خاصة من حالة اليأس والإحباط. فهي تجتهد في ملاحقته وتضييق الخناق عليه بمنعه أحيانا من حقه في أن يكون له جواز سفر الأمر الذي تعسر معه فرص الهجرة القانونية.
أما دول المهجر فهي تتعامل مع المهاجر سرّا كمصدر للإزعاج لذلك تجتهد هي أيضا في محاصرته فتدفعه إلى الإختفاء والإختباء ويكون بذلك فريسة سائغة بيد شبكات الإتجار في البشر أو شبكات الجرائم المنظمة الأخرى. وسوف يكون محظوظا كلما إستوعبته بعض المؤسسات الإقتصادية العاملة مثله في السرّ . فلا تدفع له إلاّ ما يسدّ الرمق ويقبل ذلك إضطرارا خوفا من التبليغ عنه.
غير أنه من مفارقات العولمة أنها تفسح المجال لحركة السلع بسهولة ويسر لكنها تضع العراقيل والمتاريس أمام حركة الإنسان خاصة إذا كان حظه من الدنيا قليل.
وعلى هذا الأساس وحتى يستعيد الإنسان حريته في الحركة ويحوز حقه في العيش الكريم فإنه يجب إعادة النظر في الإطار الذي تعالج من داخله ظاهرة الهجرة السرية وذلك بتغليب مقتضيات حقوق الإنسان على حقوق السيادة الوطنية وفي اتجاهين إثنين :
-             الكفّ عن التعاطي مع المهاجر سرّا بخلفية كونه مجرما إجتاز الحدود بدون وجه قانوني. وبالتالي فإن نزعة التجريم تؤدي حتما إلى الملاحقة والمساءلة الجزائية مع ما يترتب عنها من إجراءات توقيف وإبعاد وتحجير للإقامة وغير ذلك من الإجراءات التي لن تزيد وضعه الهشّ إلاّ هشاشة .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض دول الشمال تتفنّن في إذلال المهاجر سرّا وإهانته فمنها من أقام معسكرات للتجميع في أماكن معزولة نائية عن العمران بل وأحيانا تتعاقد مع بعض دول الجوار التي تسمح لها بتجميع المهاجرين سرّا فوق أراضيها.
-             العمل على معالجة ظاهرة الهجرة السرية بمعالجة أسبابها ومسبباتها والمتمثلة أساسا في ضرورة تحمّل دول الشمال مسؤوليتها في المشاركة في تنمية دول الجنوب وهذا ليس كرما ومنّة منها وإنما هو واجب إنساني وتحمّل دولي بصفتها تمتلك القدرة على دعم برامج التنمية في دول المصدر التي سبق لها ان موّلتها في بناء نهضتها من خلال إمدادها بالمواد الأولية واليد العاملة.
فهو دين متخّلد بالذمة بآعتبار أن هذه الدول الغنية بنت نهضتها الإقتصادية على إستغلال ثروات مستعمراتها القديمة وسيطرتها على الدول التي توفّر لها المواد الأولية . هذا إضافة إلى مساهمة أبناء دول الجنوب في بناء هذا الصنم الحضاري بشكل مباشر . فأجداد هذا المهاجر البائس هم الذين أقاموا المباني الشاهقات وهم الذين إشتغلوا في مدّ الجسور والطرقات وهم الذين سال عرقهم في المصانع والمعامل مقابل أجور لا تنصف وضعهم .
-             الكفّ عن التعاطي مع المهاجر من زاوية النجاعة الإقتصادية حسب مقتضيات سوق العمل في دول المهجر وتصحيح ذلك بالتعامل معه كذات بشرية لها أيضا إحتياجات وطموحات مشروعة في العيش الكريم من خلال توظيف طاقته الجسمية والذهنية في عمل يتمعش منه.
فالمهاجر ليس متطلبا وليس من نواياه أن ينافس الوطنيّ في مركزه أو مواطنته وإنما مطلبه أن تحترم آدميته وتسعف إنسانيته بعمل يفيد به ويستفيد منه .
إن المهاجر في العصور الحديثة لم يتغير وضعه كثيرا على ما كان عليه قديما. فقد إعتبرت اليونان وروما القديمة المهاجر أجنبيا لا حقوق له بل يصنف على أنه عدوّ . كما كانت العصور الوسطى شاهدا على استعباد كثير من المهاجرين.
فالمفارقة في العصر الحديث تكمن في أمرين إثنين :
-       كثرة المواثيق والاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان عامة وفيما يتعلق بالهجرة والهجرة السرية خاصة.
-       يقابل ذلك إنتهاكات غير مسبوقة أحيانا لحقوق المهاجر . 
فهذا الوضع دفع بعض الفقهاء إلى التفكير في إحداث فرع جديد من القانون الدولي وهو القانون الدولي للهجرة تتأطر ضمنه جميع الأحكام والقواعد التي تحفظ حقوق المهاجر في كل ما له علاقة بالعمل والتنقل والإقامة والجنسية والتغطية الإجتماعية والصحية ... .
ويكون هذا القانون ملزما للدول خاصة بعد أن اتسعت مجالات تدخل القانون الدولي ليشمل حماية الأشخاص بعد أن كان مقتصرا على التعامل مع الدولة بما هي شخصية قانونية عامة .
الخــاتـمــة
إن ملف الهجرة السرية وغيره من الملفات الساخنة الأخرى يشهد على فشل الإنسان المعاصر في إدارة أزماته خاصة فيما يتعلق بالكرامة والحقوق الأساسية.
لقد خلق الله الإنسان خلقا عزيزا فأسجد له الملائكة وأقصى من أجله إبليس من دائرة رحمته لأنه رفض الإعتراف بالتكريم لمخلوق غيره . ثم كلّفه بمهمة الإستخلاف في الأرض بغرض إعمارها وتحقيق ذاته فيها فله أن لا يجوع فيها وأن لا يعرى ولا يضمأ ولا يضحى . فقد أودع الله فيها ما يكفل له الوجود والرفاه وهو يستحق ذلك بثبوت إنتمائه للنوع البشري وامتلاكه للصفة الإنسانية : " وخلق لكم ما في الأرض جميعا " .
لكن هذا الإنسان تنتابه نزعات وتحركه غرائز تدفعه أحيانا إلى نسيان هذا التكريم وهذه المهمة فيظلم ويضع قيودا على حركة بني جنسه ويستأثر بالثروة لخاصة نفسه بل ويسخّر كل ما يقع تحت يده لخدمته حتى أولئك الذين يشاركونه الإنتماء النوعي والصفة الإنسانية.
إن حلّ مشاكل الهجرة السرية يمرّ حتما عبر إعادة النظر وبشكل جذريّ في واقع العلاقات بين المجموعات والقوى بخلفية مغايرة تنفتح عموديا وأفقيا على ثقافة حقوق الإنسان بما هي حقوق موضوعية مرتبطة بالنّوع البشري :
-             إعادة النظر في العلاقة بين الشمال والجنوب بالقدر الذي يحدّ من سيطرة الأول على مدخرات الثاني وعلى قراره السياسي . مع ما يقتضيه ذلك من تحميل لدول الشمال مسؤولية المشاركة في تنمية الجنوب للأسباب الواقع سردها آنفا.
-             توخّي دول الجنوب جملة من الإصلاحات الجوهرية فيما له علاقة بالحريات العامة والفردية وتوخي برامج تنموية تستثمر فيها المدّخرات الطبيعية الوطنية والثروة البشرية . ذلك أنه لا مجال للتنمية في أوضاع غير مستقرة سياسيا وإجتماعيا.
ومن مقتضيات هذه التنمية أن يقع إستثمار الرأسمال الوطني داخل الحدود الجغرافية للوطن المعني به . ذلك أن دول الجنوب شهدت إستنزافا آخر يتمثل في هجرة الرأسمال الوطني خارج الحدود لاستثماره في دول الشمال.
- تكوين تجمعات إقليمية حقيقية مهمّتها السهر على التكامل الإقتصادي والتنموي وفي مجال الحريات بين الدول المعنية به. ذلك أن الأطر الإقليمية القائمة اليوم في بلدان الجنوب ) إتحاد دول المغرب العربي – إتحاد الخليج العربي – الجامعة العربية – منظمة المؤتمر الإسلامي ... ( لا تقوم بما يكفي من أدوار لإقامة فضاء إقتصادي تنموي تكاملي مشترك.

                                         والله ولّي التوفيق



ليست هناك تعليقات: