2013/02/07

ضمانات المحاكمة العادلة في القانون التونسي -على ضوء احكام دستور 2014-

محمود داوود يعقوب


المقدمة

تظلّ الحقيقة المنتهى الذي ترمي إليه الإجراءات الجزائية لكن هذه الحقيقة لا تخرج من بئرها عارية وإنما هي دوما في حاجة إلى البحث والتقصي [1]، فالبحث عن الحقيقة كالحفر في الصخر[2]. وهي ثمرة مجهود مضن وبحث شاق ومتابعة فكريّة وانتقاء ذهني.
ويؤدي القانون الجزائي وظيفته في الدولة القانونية في إطار من الشرعية على النحو الذي يحدده الدستور فالقانون الجزائي يحمي الحقوق التي قرّرها الدستور ويلتزم بالمبادئ التي يقررها في مجالات التجريم والعقاب والإباحة والمسؤولية ويلتزم قانون الإجراءات الجزائية بالمبادئ الدستورية في الحقوق والحريات العامة.
وإذا كانت الحماية الجزائية للمصلحة العامة تقرّر بحسب الأصل بقانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية فإن حماية الحقوق والحريات تتقرّر بحسب الأصل بالدستور لذا كان ولا بدّ من جملة مبادئ هي بمثابة الضمانات التي تتكفل بحماية الفرد عندما تصبح حريته مهددة بحكم القانون والتي تتكفل أيضا بتوفير حقوق هذا الفرد الذي أصبح يشغل مركزا قانونيا معينا، وهو المتهم.
ولا شك أن إدانة المتهم بجريمة إنما تعرضه لأخطر القيود على حريته الشخصية وأكثرها تهديدا لحقه في الحياة وهي مخاطر لا سبيل إلى توقيها إلا على ضوء ضمانات فعلية توازن بين مصالحها الأساسية من ناحية أخرى. ولا شك أن المضامين لا تجلو إلا بوجود التعريفات لذلك لا بدّ من تعريف المصطلحات الواردة بعنوان البحث الذي اخترنا له ضمانات حقوق المتهم.
إذ يحيط الغموض مصطلح الضمانات، حيث لم يتناوله المشرع ولا القضاء ولا الفقه ولكن إذا عدنا إلى المعاجم اللغوية أدركنا تعدّد التعريفات التي وحّد بينها المضمون ففي أساس البلاغة[3] "ضمن المال أي تكفل له به وهو ضمينه وضمناؤه. ومن المجاز ضمن الوعاء الشيء وتضمنه وضمنه إيّاه"، وجاء في المصباح المنير[4] "ضمنت الشيء كذا جعلته محتويا عليه. فتضمنه أي فاشتمل عليه واحتوى" وفي المعجم الوسيط[5] "الضمان- الكفالة والالتزام".
والمقصود بالضمانات اصطلاحا ووفقا للقانون حماية الشخص من ضرر يهدّده، أو تعويضه عن ضرر وقع عليه وهو ما يمنح للمتهم في الدعوى الجزائية على وجه الضرورة لحسن سير القضاء ولتفادي الأخطاء القضائية.[6]
أما تعريف المتهـــــم انطلاقا من مجلة الإجراءات الجزائية فإننا لا نكاد نجد تعريفا واضحا ودقيقا فيها لمصطلح المتهم، ولقد وقع استعمال هذا الوصف في مواقع متعددة ومن أجل إيجاد تعريف اصطلاحي للفظ متهم كان لزاما الرجوع إلى الفقه وإن كان الأمر كذلك ليس يسيرا لما وجد من اختلاف بين فقهاء القانون في تعريف المتهم.فمنهم من عرّفه تعريفا ضيقا، ومنهم من اتسم تعريفه بالوسع وفريق ثالث كان تعريفهم تعريفا وسطا.
يرى أصحاب التعريف الواسع أن المتهم: هو كل شخص تتخذ ضدّه إجراءات الدعوى الجزائية من قبل السلطات المختصة أو الذي ترفع ضدّه شكوى أو بلاغ متضمنا اتهامه بارتكاب الجريمة[7] وهو نفس ما ذهبت إلى اعتباره مواثيق الأمم المتحدة التي تطلق صفة المتهم على أي شخص تم توقيفه أو حبسه بسبب مخالفة لقانون العقوبات وضع في عهدة الشرطة أو السجن ولكن لم يحاكم.[8]
أمّا الاتجاه الأوسط فقد عرّف المتهم بأنه كلّ شخص توافرت ضدّه أدلة أو قرائن قانونية لتوجيه الاتهام إليه وتحريك الدعوى الجزائية ضدّه، إذ يعرّف الفقيه عمر الفاروق الحسيني المتهم بكونه الشخص الذي قامت ضدّه أي سلطة سواء بإجراء قانوني أو بمجرّد عمل مادي يكشف في ذاته عن يقينها أو اشتباهها في مساهمته أو اتصافه بفعل يعدّ جريمة.[9]
أمّا الاتجاه الضيّق فيعرّف اتباعه المتهم بأنه الشخص الذي يخضع لإجراءات التحقيق الابتدائي بناء على ما توافرت في حقه من دلائل وعناصر مادية ثابتة أثناء مرحلة البحث الأوّلي ويترتب على ذلك أن الشخص يعدّ متهما بأوّل إجراء من إجراءات التحقيق سواء تعلّق الأمر بمرحلة البحث الأوّلي أو التحقيق الابتدائي وهو ما يعني تمتعه بكافة الضمانات القانونية منذ ثبوت صفة المتهم فيه ومن أهمّها ضمانات الدّفاع وما يتفرّع عنها.
ويستعمل المشرّع الفرنسي المصطلحات التالية للتعبير عن المتهم L’inculpé,
 Le prévenu, L’accusé: أما L’inculpé فهو كل شخص يشتبه في ارتكابه مخالفة أو جنحة أو جناية أما Le prévenu ، فهو من تتخذ ضدّه الإجراءات باعتباره مذنبا في مادة الجنح و L’accusé فهو من تتخذ ضدّه الإجراءات باعتباره مذنبا في الجنايات[10].
وقد دأب المشرّع المصري على استعمال لفظة "متهم" في كل مراحل الدعوى الجزائية لذلك يعتبر إدراج مصطلح المشتبه فيه ضمن القاموس القانوني من اجتهاد الفقه وفقه القضاء المصري.
وبالعودة إلى م.إ.ج نجد أن المشرع التونسي لا يفرّق بين ذي الشبهة والمظنون فيه والمتهم بل نراه يستعملها في غير مواضيعها. لكن الفصل 13 من م.إ.ج تجاوز هذا الخلط واستعمل كلمة suspect أي ذي الشبهة وهو من قامت قرائن ضدّه على أنه ارتكب جريمة ما.
وتفترض صفة ذي الشبهة من خلال الفصل 13 مكرر من م.إ.ج شرطين الأول وجود بحث في جريمة وقع ارتكابها وثانيها قيام جملة من الشكوك ضدّ من اتخذ ضدّه قرار الاحتفاظ وهكذا يتضح وأن الخلط الذي وقع فيه المشرع الفرنسي وقع فيه كذلك المشرع التونسي.
وقد راوح المشرع بين استعمال المصطلحين المذكورين فتارة يستعمل عبارة ذي الشبهة[11] وطورا يستعمل المظنون فيه[12] وبالرّغم من تخصيص قسم ثالث لذي الشبهة إلا أنه سبق للمشرع استعمال المصطلحين وذلك ضمن القسم الأوّل من الباب الأوّل تحت عنوان في "مأموري الضابطة العدلية" ولكن هذا التقسيم يطرح عدة تساؤلات متعلقة بمدلول المشبوه فيه في القانون التونسي.
يعرّف الفقه ذي الشبهة بأنه الشخص الذي اتخذت ضدّه إحدى إجراءات التحقيق وانطلاقا من هذا التعريف يبدو وكأنّ المشرع التونسي وقع في خطإ شكلي إذ يخصص لذي الشبهة قسما ضمن الباب الثاني تحت عنوان "في التحقيق" فإذا كان كل من يحال على التحقيق مشتبها فيه فما هو وصفه قبل الإحالة أي عند مرحلة البحث الأوّلي وإن كان نفس الوصف تعلق به في كلتي المرحلتين فما الفرق إذن بين مرحلة البحث الأولي ومرحلة التحقيق؟
يقصد بباحث البداية ذلك البحث الاولي وهو مجموعة التحريات التي يقوم بها رجال الشرطة او الحرس الوطني قبل وضع قاضي التحقيق يده على القضية قصد التاكد من حدوث الجريمة وجمع الادلة عنها وكشف مرتكبها[13] 
فمرحلة البحث الاولي هي اذا تلك المرحلة التي تسبق مرحلة تعهد حاكم التحقيق بالقضية, وهي مرحلة يقوم فيها اعوان الضابطة العدلية بمعاينة الجرائم وجمع ادلتها والبحث عن مرتكبيها .
أما قاضي التحقيق فهو جزء من القضاء الجالس يقع تعيينه بمقتضى أمر من رئيس الجمهورية  و عند الضرورة يمكن تعيين أحد الحكام مؤقتا للقيـــام بوظائف التحقيـــق و في حالة غياب صاحب الوظيفة أو عند تعذر الحصول عليه يمكن لرئيس المحكمة أن يعين أحد القضاة للقيام بتلك الوظائف[14]. غير انه في واقعنا القضائي تتدخل النيابة العمومية لتعين حاكم التحقيق حيث أنه " إذا كان بالمحكمة عدة حكام تحقيق فإنه لوكيل الجمهورية أن يعين لكل قضية الحاكم المكلف بالبحث[15]" وقد حدد المشرع صلب مجلة الإجراءات الجزائية اختصاص حاكم التحقيق وسلطاته، ويعرّف "التحقيق الابتدائي بأنه مجموعة من الإجراءات التي تباشرها سلطة قضائية مختصة للبحث والتنقيب عن الأدلة في شأن جريمة ارتكبت وجمعها وتقديرها والتصرف فيها بحسب ما إذا كانت الأدلة كافية لإحالة المظنون فيه إلى المحاكمة أم أنها غير كافية فتمنع الإحالة وتتوقف الدعوى عند هذا الحد."[16]
وحسب أحكام الفصلين 68 و69 من م ا ج فإنّ أوّل مهام حاكم التحقيق عند الحضور الأوّل لذي الشبهة أمامه وبعد التثبت من هويته تعريفه بالأفعال المنسوبة إليه والنصوص المنطبقة عليه.
إن من أوكد مهام حاكم التحقيق توجيه التهمة منذ الحضور الأوّل من أجل أن يتمتع بالضمانات الواردة للشخص محل التتبع ولعل أهمّها حضور المحامي فإذا ما تم توجيه التهمة وأصبح يتمتع بالضمانات المنصوص عليها في الفصول 69 من م إ ج وما بعده فإنه كان من الأفضل أن يستعمل المشرع لفظ متهم بدلا عن المشتبه فيه ذلك ان إدراج عبارة ذي الشبهة ضمن باب "التحقيق" لا يتماشى مع طبيعة الإجراءات المتخذة والتي هي من اختصاص قاضي التحقيق مطلقا. ولا شك أن هذا الخلط مدعاة إلى المساس بالحقوق التي يجب أن تتوفر للمتهم.
غير أنّ البحث عن الحقيقة يفرض التثبت والتمحيص لذلك شرّعت قواعد تنظيم سير الدعوى الجزائية التي تمرّ بمراحل عديدة تبدأ بمرحلة أساسيّة هي مرحلة ما قبل المحاكمة وتتضمن كل من البحث والتحقيق ثمّ تتلوها مرحلة المحاكمة وتنتهي بالتنفيذ.
و من هنا تبرز الأهميّة القصوى لقانون الإجراءات الجزائية الذي يوفر الضمانات القانونية للفرد عند اتهامه وكيفيّة معاملته في جميع مراحل الدعوى وبين كيفيّة محاكمته محاكمة عادلة أمام قاضيه وحقّه في الدّفاع عن نفسه والاستعانة بمحام لذلك يؤكد الفقيه Harvey على أهميّة قانون الإجراءات الجزائية بقوله: " القانون الموضوعي لا يؤدّي دوره ما لم يقف بجانبه على الدّوام قانون الإجراءات كآلة نقالة تحوّل تلك النّصوص إلى لغة المحاكم وتحيط المتّهم بالإجراءات التي تضمن له حقوقه في جميع مراحل الدعوى ".
فقانون الإجراءات الجزائية يضمن للفرد حريته وكرامته وذلك عبر تنظيم مراحل سير الدعوى محاولا التوفيق بين مصلحة المتهم من جهة وتحقيق العدالة من جهة أخرى. فنظم مرحلة ما قبل المحاكمة حيث أقر جملة من الضمانات الإجرائية التي ترتكز على عدّة مبادئ تكاد تلتقي فيها النظريات القانونية وكلّ المواثيق العالمية والإقليمية.
و تتمثل هذه المبادئ أساسا في مبدأ قرينة البراءة وهو أحد المبادئ الأصولية التي ترتكز عليها حقوق الإنسان فمجرّد توجيه الاتهام إلى شخص معيّن بارتكاب جريمة لا يعني ثبوت إدانته وصفته كمتّهم لا يقوم إلا متى توفرت دلائل جديّة على ارتكاب الجريمة وصدور حكم بات بالإدانة بعد توفّر الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه ويتطلّب احترام هذا الأصل ضمانات لحماية الحريّة الشخصيّة للمتّهم ويلتزم القاضي بضمان هذه الحريّة بعدم الخروج عن الإطار الذي حدّده قانون الإجراءات الجزائية لتطبيق العقوبات والإطار الذي حدّدته الاتفاقيّات والإعلانات الدولية التي تبناها المشرّع.
و لعلّ أدقّ مرحلة يتجلى فيها مبدأ قرينة البراءة هي مرحلة ما قبل المحاكمة وذلك بمناسبة جمع الأدلة حيث تلجأ الدولة إلى اتخاذ بعض الإجراءات الماسة بالحرية الفرديّة للمتّهم في سبيل البحث عن الحقيقة، ويمكن تعريف مرحلة ما قبل المحاكمة بأنّها أوّل اتصال للسلطات العامّة بالقضيّة من خلال القبض على المتّهم وجمع أدلة إدانته من قبل سلطات الضابطة العدليّة والتحقيق فيها من قبل قاضي التحقيق لتقديمه إلى المحكمة المختصة.
من خلال هذا التعريف يمكن القول أنّ مرحلة ما قبل المحاكمة تتضمن طورين: طور البحث الأولي وطور التحقيق. ويمكن أن نعرّف البحث الأولي بأنّه مجموعة التحريّات التي يقوم بها أعوان الضابطة العدلية بهدف تقصّي الجرائم واقتفاء أثر المجرمين والحصول على الأدلة والبحث عن المجرمين لتقديمهم إلى العدالة.
أمّا مرحلة التحقيق فهي مرحلة لا تقلّ خطورة عن مرحلة البحث الأولي حيث يتولاه قاضي تحقيق يقع تعيينه بأمر يتعهّد بمقتضى قرار إجراء التحقيق في القضايا الجزائية والبحث عن الحقيقة بدون توان لتقديم المذنب للمحاكمة.
و في ظل هذه المرحلة التمهيدية يمكن أن يدور الجدل حول مدى إمكانية الإقرار بوجود ضمانات للحريّة في هذه المرحلة باعتبار أنّه يمكن المساس بحريته قبل المحاكمة حيث أنّ الفرد الذي يجلب لنفسه الريبة بسلوكه وتصرفاته فإنه حفاظا على أمن المجتمع والمصلحة العامة استباح المشرع مصادرة حق الفرد في الحرية وذلك بإيقافه تحفظيا.
إنّ حريّة الإنسان الشخصيّة أو الفرديّة تعدّ أعزّ ما يملك وقوام وجوده وأساس بنيان المجتمع السّليم فهي أنفس الحريات.
لقد ارتقت الضمانات القضائية للاحتفاظ والإيقاف التحفظي إلى مستوى الدستور حيث كانت الفقرة الأولى من الفصل 12 من دستور غرة جوان الملغى، تنص على ما يلي "يخضع الاحتفاظ للرقابة القضائية ولا يتم الإيقاف التحفظي إلا بإذن قضائي ويحجّر تعريض أي كان لاحتفاظ أو إيقاف تعسفي" والتي عوضتها أحكام الفصل 27 من الدستور الجديد ونصه: "المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة.".
وهذا تكريس لما نصت عليه المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي حرمت اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا كما يستجيب للمبادئ التي وضعتها الأمم المتحدة سنة 1979 لحماية الأشخاص الذين يتعرضون تعسفا للاحتجاز والاعتقال والسجن.[17]
وتتعرض الفقرة الثانية من فصل 13 من دستور غرة جوان الملغى  إلى مسألة الحرمة الجسدية والكرامة الإنسانية حيث جاء فيها "كل فرد فقد حريته يعامل معاملة إنسانية في كنف احترام كرامته طبقا للشروط التي يضبطها القانون".والتي عوضتها أحكام الفصلين 29 و30 من الدستور الجديد ونصهما: الفصل 29 " لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أو بقرار قضائي، ويعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه، وله أن ينيب محاميا. وتحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ بقانون". والفصل 30 "لكل سجين الحق في معاملة إنسانية تحفظ كرامته".
إن إدراج هذه الحقوق في صلب الدستور وورودها في شكل قواعد قانونية عامل يثير الالتزام لدى المشرع باحترامها وعدم إصدار قواعد قانونية تخالفها، كما أن هذا الإدراج يشكل في حدّ ذاته حماية لهذه الحقوق باعتبارها مضمنة في القانون الأسمى للبلاد مما يجعلها تكتسب علوية وقداسة تستمدها من علوية الدستور.
حيث يفترض الالتقاء التام والمتين بين كل من القانون الدستوري والقانون الجزائي بشقيه الحكمي والإجرائي وذلك من خلال تحديد جملة الضمانات المدرجة في الدستور والتي تشكل حماية لحقوق المتهم. كما أننا نستشف البعد التطبيقي لهذا البحث من خلال آثار هذه الضمانات التي تعتبر ملزمة للمشرع توجهه وتعصمه من الانحراف بالتشريع إلى ما يناقضها.
 ومن هنا جاز لنا أن نطرح السؤال التالي كيف تمظهرت ضمانات المتهم وللجواب عن هذه الإشكالية سعينا إلى الكشف عن جملة الضمانات والتي يمكن حصرها في فئتين رئيسيتين وهما: ضمانات الحرية، وضمانات المحاكمة العادلة.

الجزء الأول: ضمانات الحرية

الفرع الأول: في حالة الاحتفاظ

  من خلال سلسلة التنقيحات التي أدخلت على مجلة الاجراءات الجزائية فيما يتعلق بالاحتفاظ يتبين بشكل واضح أهمية مؤسسة الإحتفاظ والسعي الدائم نحو تطويرها للتخلص من السلبيات كإجراء يحد من الحرية وينتهك حرمة الذات البشرية. فقبل هذه التشاريع لم يقع تنظيم هذه المسألة رغم أنها على غاية من الأهمية لما لها من مساس بالحرية الفردية ولعل هذا ما حدا بالمشرع إلى تنظيمها حفاظاً منه على الحريات وسعياً إلى أن لا تنتهك ، لذلك كان يعتبره البعض "وسيلة لإفشال مبدأ النزاهة في البحث عن الأدلة"، ويرى فيه آخرون "مخبراً للتحصيل على اعترافات المشبوه فيه"،
  أ ـ شروط الاحتفاظ :
  لم يكن أي من الأشخاص المحتفظ بهم يعرف كيف ولماذا وممن صدر قرار الإحتفاظ ، فلا وجود لأي نص قانوني ينظم شروط الإحتفاظ رغم أنّه يمثل إنتهاكاً للحرية وحرمة الفرد التي يضمنها الفصل الخامس من الدستور منذ صدوره سنة 1959.
  ولقد إستمر هذا الحال إلى أن جاء الفصل 13 مكرر المضاف إلى مجلة الإجراءات الجزائية بقانون 26/11/1987. والمنقح لاحقاً بقانون 02 / 08 / 1999. وبموجب هذا الفصل وقع تحديد الشروط الخاصة لإجراءات القيام التي لا تتعلق فقط بصلاحيات السلط القائمة بهذا الإجراء (1) إنما أيضاً تتصل بالأفراد المستهدفين به (2).

1 –السلط القائمة بالإجراء الإحتفاظ :

  يتطلب إجراء الاحتفاظ بالأساس وجود سلطة مخول لها قانونياً إتيان هذا الإجراء ولقد نظم الفصل 13 مكررم.إ.ج الحالات التي تقتضيها ضرورة البحث، معتبراً أنه في الحالات التي تقتضيها ضرورة البحث لايمكن لمأموري الضابطة العدلية المبينين بالعددين 3 و4 من الفصل 10 ولوفي حالة التلبس بالجناية وبالجنحة[18] ولا لمأموري الضابطة العدلية من أعوان الديوانة في نطاق ما تخوله لهم مجلة الديوانة[19]، الإحتفاظ بذي الشبهة لمدة تتجاوز ثلاثة أيام وعليهم إعلام وكيل الجمهورية بذلك[20] .
  إلا أن عبارة "البحث" فضفاضة ومرنة وغامضة ، وقد توسع في نطاق الاحتفاظ بحيث تجعله ممكناً كلما اقتضى عمل الأجهزة الأمنية ذلك[21]، غير أن المشرع باستعماله عبارة "ضرورة البحث" أراد إيجاد صيغة تحد قانونياً على الأقل من ميدان اللجوء إليه، فضرورة البحث تعني مبدئياً أنه لا بد من إجراء الاحتفاظ ، ويبقى تقدير توفر هذا الشرط المفرط في المرونة محل سؤال ، فمأمور الضابطة العدلية المكلف بالبحث دون سواه موكول إليه تقدير شروط الاحتفاظ من خلال ضرورة البحث[22]، ويكفيه في ذلك التعلل باقتضاء البحث لهذا حتى يكون قراره سليماً من الناحية القانونية[23].
  ورغم هذه الصياغة الفضفاضة التي يبررها تعذر حصر الحالات التي يمكن فيها الإحتفاظ إلا أنّه يمكن القول أنّها ألغت الإحتفاظ الآلي والوجوبي ، لهذا فقد ارتأى البعض قياس الإحتفاظ على الحالات التي يجوز فيها الإيقاف التحفظي وهي حالة التلبس وإجتناب فرار ذي الشبهة أوعرقلة الأبحاث .
  وبالنظر في التشريعات الإجرائية يلاحظ  أنّها إعتمدت عبارات أدق ، فقد إستخدم المشرع الإجرائي الأمريكي اصطلاح "السبب المعقول" وهو نفس التعبير الذي استخدمه المشرع الكندي والقانون الانقليزي كذلك نجد تعبير " أمارات قوية " ، في القانون الإجرائي الجنائي الإماراتي والعماني، وتعبير "الدلائل الكافية" في القانون الجزائي اللبناني أمّا المشرع الفرنسي فقد إستخدم تعبيرات عدّة منها تعبير "الدلائل القوية والمتوافقة أو تعبير الدلائل الخطيرة والمترابطة أو المتطابقة".
  كما حصر المشرع بشكل دقيق من خلال الفصل نظم الفصل 13 مكررم.إ.ج السلط التي يخول لها إتخاذ هذا الإجراء وهم مأموري الضابطة العدلية المذكورين أعلاه فقط .
  إلا أنه على الصعيد العملي يبرز الإشكال نتيجة أن بعض الأعوان يباشرون البحث والاحتفاظ رغم عدم التنصيص عليهم ، ويكتفي أصحاب الاختصاص الأصلي بالإمضاء والمصادقة الأمر الذي يؤدي إلى إفراغ هدف المشرع من محتواه وجدواه باعتبار أنه قد يفتح المجال إلى إرتكاب تجاوزات من قبل هؤلاء الأعوان .
  كما لا يمكن في سبيل تحقيق الأمن أن يتم التعرض للمدعى عليه وإساءة معاملته الإنسانية[24]، وهذا ما يحدث غالباً من قبل بعض مأموري الضابطة العدلية[25] في الأساليب المستعملة لانتزاع الاعتراف[26]، وللكشف عما يخفى عن أعين ومسامع الجهاز الرقابي القضائي ، يعاين الطبيب حالة المحتفظ به الصحية لإثبات أعمال الإكراه والعنف كضمان إجرائي[27] ،  فالإعترافات التي تتم في مثل هذه الظروف لاتكون بالضرورة الحقيقة [28].
  كما لا يمكن في سبيل تحقيق الأمن أن يتم التعرض للمدعى عليه وإساءة معاملته الإنسانية[29]، وهذا ما يحدث أحيانا من قبل بعض مأموري الضابطة العدلية[30] في الأساليب المستعملة لانتزاع الاعتراف[31]، وللكشف عما يخفى عن أعين ومسامع الجهاز الرقابي القضائي ، يعاين الطبيب حالة المحتفظ به الصحية لإثبات أعمال الإكراه والعنف كضمان إجرائي ، فالقانون الجزائي يحمي الحرمة الجسدية من كل اعتداء عليها وذلك بتجريم القتل والضّرب والجرح والعنف[32]، ثم إن الإعترافات التي تتم في مثل هذه الظروف ليست بالضرورة الحقيقة [33].
  ولذلك وقع المطالبة بتحجير إنابة إجراء الإستنطاق لمأمور الضابطة العدلية لأن عملاً هام كالاستنطاق لا يمكن إجراؤه إلا من قبل قضاة دون أي شخص آخر وخاصة عون الشرطة . وهذا التحديد يهدف إلى تفادي كل تعسف ممكن وإلى حماية حقوق الدفاع بصفة فعلية.
  ويمكن في هذا الإطار الأخذ بما نص عليه المشرع الفرنسي بالفصل 152 م إج أنه "يمكن لقاضي التحقيق إصدار إنابة عدلية لفائدة أعوان الضابطة للقيام بجميع الأعمال التي تساعد على كشف الحقيقة ما عدا التحقيق مع المتهم". 

2 - الأفراد المستهدفين بالاحتفاظ :

  كان الإحتفاظ يشمل أي فرد حسب ضرورة البحث سواء أكان شاهداً أومشتبهاً به[34] ، لكن قانون 26 نوفمبر 1987 حصر الأفراد المستهدفين بالاحتفاظ ، ورغم ذلك قد تخرج شخصية المتهم وخطورة الجريمة عن الاعتبار فيتأسس هذا الإجراء أحياناً على أسس مفتعلة، إلا أن إمكانية الاحتفاظ بذي الشبهة، وعلى بداهة مبدئها، انطلاقاً من مجرد قراءة الفصل 13 مكرر، تطرح بعض الإشكاليات العملية.
  إن الإعتداد المفرط أحياناً من المشرع بالبحث ومقتضياته، تنزل مختلف الأبحاث الجزائية في خانة واحدة على الأقل من حيث جواز الاحتفاظ بذي الشبهة وهوما من شأنه أن يجعل خطورة الجريمة موضوع البحث وشخصية ذي الشبهة[35]، خارج دائرة التقدير عند اتخاذ قرار الاحتفاظ، كما يبقى شرط توفر جملة من الشكوك في الفرد مرناً إلى حد يكتفي فيه مأمور الضابطة العدلية بالتعلل بأن قرار الاحتفاظ أملته مقتضيات البحث حتى يكون قراره سليماً من الناحية القانونية على الأقل[36].
أما بالنسبة للأفراد الذين يمكن الاحتفاظ بهم بعد ذي الشبهة فنجد الشاهد إذا قامت ضده بعض الشكوك التي تقرب إحتمال اقترافه للسلوك الإجرامي وهواحتفاظ يمثل إستثناءاً مؤسساً على الفصل13 مكرر باعتبار أن البحث هوأساس هذا التحول وهذا ما يعرفه بـ "انتقال الشبهة".
  لكن بعض الفقهاء يعتبرون أنه لا يجوز الاحتفاظ بالشاهد لما فيه من تناقض مع مبدأ الحرية الذاتية ولأنه يكون من غير المعقول إعمال وسيلة شرعية على غرار الاحتفاظ تجاه من لا يشكل موضوع أية شبهة [37]، غير أنه ورغم تلك الانتقادات وتأكيد الفقه على الصيغة الاستثنائية لمسألة الاحتفاظ بالشهود [38]، والذي لا يمكن أن يشمل إلا الشاهد المتعنت أو الذي يخفي أقواله[39] ، إلا أنه يبقى من الأفضل إستبعاد خيار الإحتفاظ بالشاهد تطبيقاً للقواعد الأصولية لمبدأ الحرية التي تناهض أي مصادرة لحرية الفرد متى لم تتوفر إزاءه شبهة تجعل إحتمال ارتكابه للجرم قائماً[40]، غير أن الأعمال التحضيرية للفصل 13 مكررم.إ.ج ، لا تستبعد إمكانية الاحتفاظ بالشاهد.
  إذ يعتبر واضعو النص أن عبارة "ذي الشبهة" يقصد من ورائها "تمييز ذي الشبهة عن غيره من الأشخاص المتهمين لدى التحقيق أولدى المجلس" وهوبذلك "كل شخص حامت حوله شكوك ولوضعيفة في مشاركته في الجريمة موضوع البحث سواء كان مخبراً أوشاهداً "[41].
 وهذا ما ذهب إليه بعض الفقهاء الذين أجازوا الاحتفاظ بالشاهد في حالات استثنائية وذلك عند تعنت الشاهد ورفض الإدلاء بأقواله أوتعمد إخفاء بعض المعلومات المهمة لمصلحة البحث[42]، وبذلك تكون هذه الإمكانية متاحة بدرجات متفاوتة في القوانين المقارنة[43].

3 ـ الآجال:

كان من الممكن لأعوان الضابطة العدلية أن يحتفظوا بشخص ما إلى أجل غير مسمى، طالما أنّ القانون لم يكن ينظم الإحتفاظ ومن البديهي إن لا يكون هناك آجال. إلا أن هذه الفرضية صارت جزءا من الماضي ، فمنذ إضافة الفصل 13 مكرر سنة 1987 حصر المشرع المدّة القصوى للاحتفاظ بأربعة أيّام إذ يعتبر تقييد مدّة الاحتفاظ أحد الأساليب الناجعة لصيانة حقوق الأفراد وسعياً منه لتدعيم ضمانة تحديد مدّة الاحتفاظ تدخّل المشرع مجددا لتقليص المدّة الأصلية بموجب القانون عدد90 لسنة 1999 المؤرخ في 02 أوت 1999، وأصبحت المدة 3 أيام قابلة للتمديد مرة واحدة، والتي يتسنى من خلالها الكشف عن الحقيقة، مع إمكانية التمديد في الاحتفاظ حسب ضرورة البحث[44]، شريطة إحالة المحتفظ به أمام وكيل الجمهورية، وأن يكون قرار التمديد كتابياً[45] .
  ولئن كان تحديد مدّة الاحتفاظ يشكل أمراً إيجابياً في حدّ ذاته إلاّ أنّه لا يخلو من مخاطر جدّية بحيث يشكل خطوة إلى الوراء على إعتبار أنّ مدّة الاحتفاظ قبل سنّ قانون 26-11-1987 لا تتجاوز 48 ساعة حسب ما جاء بمنشور وزير الداخلية في 2-4-1977 ، ففي القانون الانقليزي تصل فترة الاحتفاظ إلى 36 ساعة، هولندا 3 ساعات، سويسرا 3 ساعات، وفي حالات استثنائية من 24 إلى 48 ساعة، والقانون الجزائري 48 ساعة ، والبعض من التشريعات الأخرى أوجب تقديم المشتبه فيه فوراً وبدون مهلة إلى سلطة التحقيق مثل الأرجنتين،البرازيل،اليابان...
  وتميّز المشرع الفرنسي عن نظيره التونسي بتحديد مدّة الاحتفاظ حسب نوع الجرائم وسن المجرمين، فجريمة المخدرات مثلا يكون الاحتفاظ فيها بالأشخاص لمدّة 48 ساعة قابلة للتمديد مرّة واحدة في حالة الضرورة فصل 706 م.ا.ج.ف. بحيث تصبح المدّة الكاملة 4 أيّام.
  أمّا بالنسبة للجرائم العادية فقد اكتفى الفصل 707 من نفس المجلة بالتنصيص على مدّة 24 ساعة قابلة للتجديد مرّة واحدة.
  ويعتبر تحديد بداية ونهاية إجراء الاحتفاظ بالمشبوه فيه، ضمانة هامّة في حدّ ذاته في أي لحظة تبدأ مدّة الإجراء وفي أي لحظة تنتهي حماية الفرد من الخضوع لفترات أطول من المدة الأصلية المقررة قانونا . 
  فقد نص الفصل 13 مكرر من م.إ.ج أنه على مأموري الضابطة العدلية المنصوص عليهم بالفقرة الأولى من هذا الفصل أن يمسكوا بالمراكز التي يقع بها الاحتفاظ سجلاً خاصاً ترقم صفحاته وتضمن به هوية المحتفظ بهم لديهم مع بيان بداية الاحتفاظ ونهايته يوما وساعة[46].
  لكن مع صدور قانون26 نوفمبر1987 الذي ضبط المدة الأصلية القصوى للاحتفاظ بأربعة أيام قابلة للتمديد،  ثم وقع تقليص المدة الأصلية بموجب القانون عدد90 لسنة 1999 المؤرخ في 02 أوت 1999، وأصبحت المدة 3 أيام قابلة للتمديد مرة واحدة، والتي يتسنى من خلالها الكشف عن الحقيقة، مع إمكانية التمديد في الاحتفاظ حسب ضرورة البحث[47]، شريطة إحالة المحتفظ به أمام وكيل الجمهورية، وأن يكون قرار التمديد كتابيا لكنه لم يقع بيان الصور التي يمكن فيها اتخاذ قرار التمديد علماً وأن الفصل 13 مكرر قديم من مجلة الإجراءات الجزائية كان يتضمن أكثر ضمانات لذي الشبهة، كونه أشترط لتمديد مدة الاحتفاظ وجود ضرورة قصوى .
  إلا أن التنقيح الجديد ألغى هذا الشرط وترك التمديد خاضعاً لاجتهاد النيابة العامة مما يترك حالات التمديد دون تحديد وهوما يعد من نقائص هذا التنقيح رغم الإيجابيات التي منحها، خاصة وأن الواقع أفرز أنه يتم التخاطب بين مأموري الضابطة العدلية ووكيل الجمهورية عبر الهاتف أوبصفة مباشرة لإعطائه فكرة عن الأبحاث ، وعلى إثرها يتخذ القرار، والمطلوب أن يطلع وكيل الجمهورية فعلياً على الملف ليكون رأيه الشخصي ويتخذ القرار على بينة من حقيقة الأمر.
  وبخصوص صور التمديد لم يدرج المشرع حالات تحديد آلي بخصوص أنواع معيّنة من الجرائم موضوع البحث خلافاً لما ورد في المشروع الأوّل لتنقيح م.إ.ج. الذي تضمن إستثناءاً لجرائم أمن الدولة التي كانت من أنظار محكمة أمن الدولة والتي تمّ حذفها بمقتضى قانون عدد 79 لسنة 1987 المؤرخ في 29/11/1987 ، هذا المشروع تمّ سحبه لذا بقي الفصل 13 مكرر خالياً من أي تمييز بين مختلف الجرائم موضوع البحث وبقيت جميعها خاضعة لنفس المدّة ، وحصر الفصل المذكور المدّة في 3 أيّام قابلة للتمديد لمدّة واحدة، لتصبح المدّة القصوى 6 أيّام إلاّ أنّه وبالرغم من إيجابيات القانون الحالي إلاّ أنّه ظل يشكو من عدّة نقائص تستوجب التدارك وهي :
  أوّلا ـ أوجب المشرع أن يكون قرار التمديد كتابياً إلا أنه لم يحدد الصور التي يمكن فيها اتخاذ هذا القرار بالرغم من أنّ الفصل 13 مكرر قديم م.إ.ج. تضمّن ضمانات لذي الشبهة كونه إشترط لتمديد مدّة الاحتفاظ وجود ضرورة قصوى ، إلاّ أنّ التنقيح الجديد ألغى هذا الشرط وترك قرار التمديد خاضعاً لاجتهاد الكتابة مما يبدو معه أن عدم التنصيص على شروط أو حالات التمديد يعد من سلبيات التنقيح الجديد .
  ثانيا ـ عدم إمكانية المحتفظ به الاتصال بوكيل الجمهورية أو حاكم التحقيق عند الإذن بالتمديد إذ يتخذ قرار التمديد على أساس الأسانيد القانونية والواقعية التي تبرره إذ غالبا ما يتم دون حضور المحتفظ به أمام النيابة العمومية أو حاكم التحقيق فتدخل كلاهما خلال هذه الفترة ضعيف جدّاً.
  إذ بالنظر في الفصل 13 مكرر. م.إ.ج. يُلاحظ أنّ المشرّع لم ينص على ذلك فالواقع العملي يؤكد حرص النيابة العمومية على التمديد في الاحتفاظ لتأثرهم الدائم بملحوظات مراكز الشرطة ولا يدققون فيها الأمر الذّي يجعل تدخلها متأخرا وغير مجدي ولا شك مبدئيا أنّ الإطلاع الدقيق على مجريات البحث وما توصّل إليه خلال المدة الأولى في الاحتفاظ، وكذلك مراقبة وضعية المحتفظ به إن اقتضى الحال ، من شأنه أن يضمن جدية مطلب التمديد أو الإذن به.
  إذ من الصعب عملياً تصور السعي الشخصي لوكيل الجمهورية أو حاكم التحقيق للإتصال بالمحتفظ به وبالإطلاع المباشر على تفاصيل البحث ، والتعذر في هذه الحالة إن لم يكن مادياً كقلة الإطار البشري أو تضخم مهام أجهزة الرقابة وتراكم ملفاتها ، فهو تعذر معنوي مردّه الثقة المفترضة في المرؤوس المشرف على البحث. وهي الثقة التي تحول علاقة الرقابة إلى علاقة تعاون فتنتفي بذلك عن أسلوب الإذن الكتابي للتمديد كل صبغة رقابية وتحيد كل العملية عن الإطار القانوني الذي حدده لها المشرع .
  وفي جميع الحالات يجب أن يكون قرار التمديد مكتوباً وهذا التخفيض في المدة يعتبر تطوراً يتماشى وضمانات حقوق المتهم المنصوص عليها لاحقاً في الفصل 12 من الدستور منذ تنقيح غرة جوان 2002.
  إذ أصبحت الفقرة الأولى من الفصل 12 دستور تنص صراحة على خضوع الإحتفاظ للرقابة القضائية وتحجير الإحتفاظ التعسفي (والتي عوضتها أحكام الفصل 29 من الدستور الجديد ونصه: " لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أو بقرار قضائي، ويعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه، وله أن ينيب محاميا. وتحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ بقانون".). لكن جريان العمل في الواقع أثبت أنّ عملية التمديد بالإحتفاظ أصبحت شبه آلية . بل أن هناك مطبوعات جاهزة للتمديد لهذا جاء التطور الأخير بموجب قانون 04 / 03 / 2008 ليفرض وجوبية أن يكون التمديد بقرار معلل يتضمن الأسانيد القانونية والواقعية التي تبرره.
  ويمكن القول أن شرط التعليل مع تحديد المدة سيجعلان من مؤسسة الإحتفاظ حداً قانونياً يخفف من الطابع الإستثنائي لهذه المؤسسة بإعتبارها قيداً خطيراً على حرية الأفراد خاصة وأن المحتفظ به لن يبقى وحيداً ومعزولاً، بل أنّه صار يتمتع بضمانات قانونية ، لكن هذا الأخيرأصبح يتمتع بضمانات تدعم وجود حق المعاملة الإنسانية لكنها تبقى منقوصة ولا بد من المزيد من التطور.

4 ـ التدوين والإعلام :

  لم يكن المحتفظ به يتمتع بأيّة ضمانات شكلية، فكان الأمر عبارة عن فوضى لا يعرف معها من دخل ومن خرج ولماذا وكيف. إلا أنّ الفصل 13 مكرر أصبح يفرض على مأموري الضابطة العدلية تحرير محضر إحتفاظ ، وفرض عليهم حد أدنى من المصداقية والنزاهة  من خلال تضمنهِ لجملة من التنصيصات الوجوبية الغاية منها التخفيف من وطأة الإحتفاظ على ذي الشبهة.
  ومن أهم هذه التنصيصات أن يقع إعلام المحتفظ به بسبب إحتفاظه ، والضمانات التي يمنحه إياها القانون كما يجب إعلام عائلته إن وقع الإحتفاظ به، كما يجب تحديد مدة الإحتفاظ بداية ونهاية باليوم والساعة ، وزمن كل إستنطاق مع تدوين طلب العرض على الفحص الطبي إن صدر عن ذي الشبهة أو عائلته.
  لقد منح المشرع عدة ضمانات للمظنون فيه عند الاحتفاظ به من قبل مأمورو الضابطة العدلية ، ولإضفاء الشرعية على هذا الإجراء أوجب الفصل 13 مكرر م.ا.ج أن يقع "إعلام وكيل الجمهورية بذلك" . لكن يبقى هناك غموض بخصوص زمن الإعلام وكيفيته وجزاء الإخلال به من طرف مأمورو الضابطة العدلية وفي غياب التنصيص على زمن إعلام جهاز النيابة العمومية بقرار الاحتفاظ فمن المتصور أنه قد يقع تأخير ذلك الإعلام إلى فترة قد تمتد ساعات عديدة ، يكون فيها المحتفظ به مقيد الحرية وبمعزل عن كل رقابة حول شرعية ذلك الاحتجاز.
  وأمام عدم وضوح زمن الإعلام سابق أم لاحق للاحتفاظ فإنه يتجه القول بأن المنطق القانوني يفرض إعلام وكيل الجمهورية قبل اتخاذ قرار الاحتفاظ ، وقد يتأكد هذا الرأي في صورة ما إذا كان المحتفظ به طفلاً إذ طبق الفصل 77 م.ح.ط. أنه : "لا يمكن لمأموري الضابطة العدلية سماع الطفل المشبوه فيه أو اتخاذ أي عمل إجرائي تجاهه إلاّ بعد إعلام وكيل الجمهورية". كما يمكن الإقتداء بما جاء بالفصل 57 م.إ.ج في خصوص تنفيذ الإنابة العدلية بما أنّ إحتفاظ مأموري الضابطة العدلية بذي الشبهة الذي لم يسبق لقاضي التحقيق سماعه كمتهم لا يكون إلا بعد إعلام قاضي التحقيق المنيب .
  إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من مخاطر عدم تحديد زمن الإعلام بالاحتفاظ على شخص المظنون فيه لأن في ذلك تقييد لحريته ، الأمر الذي قد ينجر عنه مساس بكرامة وسمعة الفرد خاصة إذا ما تبين أنه كان بريئاً من كل الشبهات .
  ولذلك يتّضح مما سبق أنّ إكتفاء المشرع بالتنصيص المجرد على وجوبية الإعلام بقرار الاحتفاظ لكن دون تحديد زمنه وكيفية القيام به من شأنه أن يفرغ هذا القيد الرقابي من محتواه.
  وإلى جانب إعلام وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق بإجراء الاحتفاظ يجب على مأمورو الضابطة العدلية إعلام العائلة حسب ما نصّ على ذلك الفصل 13 مكرر م.ا.ج. "إعلام أحد أصول أو فروع أو إخوة أو زوجة ذي الشبهة حسب اختياره بالإجراء المتخذ ضده " .
  وهذه القائمة الحصرية بقدر ما تؤكد حرص المشرع على احترام  حقوق الفرد بقدر ما تطرح تساؤلا في خصوص المحتفظ به الذي ليس له عائلة ، ولعله يتعيّن على المشرع التفطن لهذا الفراغ خاصّة أمام عدم إلزام مأمور الضابطة العدلية بإعلام عائلة المحتفظ به ، كما يستنتج ذلك من عبارات الفصل 13 مكرر م.إ.ج بالتنصيص صلب المحضر على "وقوع إعلام عائلة ذي الشبهة المحتفظ به من عدمه " .
  ومن ناحية أخرى لم ينص المشرع على زمن إعلام المحتفظ به بالإجراء المتخذ ضده هل عند تلاوة محضر الاحتفاظ بمناسبة إمضائه والتي يكون فيها العلم بهذا الإجراء عرضياً ، أم أنّه يقع إعلامه بالإجراء المتخذ ضده زمن المثول أمام عون الضابطة العدلية ؟
  ذلك أن حصول العلم للمحتفظ به سيصبح له دور في وضع الضمانات القانونية موضع تطبيق لممارسة حقه  في الدفاع ، ويمضى المحضر من مأمور الضابطة العدلية والمحتفظ به، إلا إذا أمتنع هذا الأخير فيقع ذكر السبب.
 ولكن هذه البيانات على أهميتها قد لا تشكل ضمانة حقيقية ، إذ يمكن  لأعوان الضابطة العدلية أن ينصوا فيها على عكس ما أراد المتهم ، فيذكر أنّه لم يطلب الفحص الطبي مثلا مع أنّه طلب ذلك.
 وإلى جانب محضر الإحتفاظ أضاف الفصل 13 مكرر م.ا.ج ضرورة مسك سجل الإحتفاظ وتكون صفحاته مرقمة وممضاة من وكيل الجمهورية أو مساعده. ويندرج في هذا السجل وجوباً هوية الأشخاص المحتفظ بهم وبداية الإحتفاظ من نهايته يوما وساعة.
ومن شأن هذا السجل أن يعزز الضمانات الواردة في محضر الإحتفاظ لأنّه من الممكن أن يكون محل مراقبة دورية وفجئية من قبل التفقدية العامة لأعوان الشرطة والحرس .
 وما يجب ملاحظته أن المشرع عندما نظم واجب الإعلام في الفصل 13 مكرر أشار إلى ضرورة أن يتم ذلك بلغة يفهمها المحتفظ به ، أي أن يكون بلغة غير العربية إن لم يكن عربياً أو بعبارات بسيطة إن كان شخصاً أميا. مع تلاوة ما يضمنه له القانون خاصة إمكانية طلب العرض على الفحص الطبي وهو ما يمثل تطوراً من انتهاك الحرمة الجسدية إلى تعزيز الضمانات .

 5ـ  الفحص الطبي :

  لقد سبق للأستاذ محمد الهادي الأخوة أن وضع عنوان محاضرة تتعلق بالاستنطاق وهو "حتى لا يبقى مجال للقول أن التعذيب يستنطق والآلام تجيب" ألقاها سنة [48]1986 وأشار فيها إلى الحالة المزرية لحالات الإحتفاظ وما يعانيه المحتفظ بهم من انتهاكات ، طالما أنّها تبقى حبيسة أقبية السجون .
  وفي  هذا الإطار شُرع الفحص الطبي بوصفه وسيلة حماية لفائدة المحتفظ به ضد مختلف الاعتداءات المحتملة، والتي من الممكن أن تصاحب عملية الاستنطاق من طرف الضابطة العدلية المتعهدة بالبحث عن الجريمة.
 ولقد جاء هذا الضمان ليعكس مهارة فائقة لتشريع متحضر[49] يأخذ بعين الاعتبار مصالح المحتفظ به، بحيث يمثل ضماناً تحول دون تعريضه لمختلف أشكال العنف والقسر الذي تطال سلامته البدنية بمناسبة استنطاقه [50] وذلك لأنه يحد بطريقة غير مباشرة من رغبة الباحث وعزمه على حث المشبوه فيه على الاعتراف [51].
  لهذا يمكن القول أنه من الضمانات نجد وجوبية العرض على الفحص الطبي بموجب الفصل 13 مكرر خلال مدة الإحتفاظ أو عند انقضائه ، وهو ما يشكل تطوراً هاما لضمانات المحتفظ بهم  . فقد أتاح هذا الفصل للمحتفظ به أو أحد أفراد عائلته ، وهم أصوله أو فروعه أو إخوته أو زوجه، حق طلب العرض على الفحص الطبي وذلك لإثبات حالته الصحية ولبيان إن كان قد تعرض للعنف الجسدي[52].
  لكن هذا الإجراء على أهميته يتخللهُ بعض النقائص إذ لم يذكر المشرع إمكانية أن يتم الطلب من طرف محامي المظنون به مع أن تنقيح 22 / 03 / 2007 صار يسمح بحضور المحامي في صورة وجود إنابة عدلية كما أن الفحص الطبي لا يمكن في كثير من الحالات أن يثبت الانتهاكات المعنوية التي جانب أن المشرّع لم يبين من هي السلطة التي يرفع إليها طلب الفحص الطبي والمنطق القانوني يفرض أن يسند هذا الاختصاص لوكيل الجمهورية باعتباره الرئيس المباشر لأعوان الضابطة العدلية[53] .
  ومن الضمانات  نجد ضرورة إجراء الإعلام كأحد الإجراءات الأولية للاحتفاظ بالمشبوه فيه ومن جملة التنصيصات التي يجب أن يتضمنها محضر الاحتفاظ : تلاوة ما يضمنه القانون للمحتفظ به من إمكانية طلب عرضه على الفحص الطبي خلال مدّة الاحتفاظ ، ولئن كان هذا الإجراء تعبيراً من المشرع على مراعاته لحقوق طرفي الاحتفاظ إلاّ أنّ هذا الإجراء يبقى مشوبا بعدّة نقائص:
 ـ فقد أتاح الفصل 13 مكرر م.ا.ج. إمكانية طلب إجراء الفحص الطبي على المحتفظ به خلال مدّة الاحتفاظ أو عند انقضاءها لأشخاص جاء تعدادهم على شكل حصري وهم أصول أو فروع أو إخوة أو زوجة ذي الشبهة المحتفظ به إضافة إلى المعني بالأمر نفسه وهو ما يقصي حالات العرض الوجوبي على الفحص الطبي ، على عكس ما يستفاد من نصوص قانون الإجراءات الجزائي الفرنسي الذي يضيف إلى هذه القائمة  ، مأمور الضبط القضائي والنيابة العمومية الذين لهم الإمكانية بطلب توقيع الكشف الطبي من تلقاء أنفسهم ويكون الكشف الطبي على المظنون فيه كل 24 ساعة.
  هذا ولم يحدد الفصل 13 مكرر السلطة المخول لها النظر في المطالب لكنه أوجب على مأمور الضابطة العدلية تضمين هذا الطلب بمحضر الاحتفاظ وتأسيسا على ذلك يمكن اعتبار أنّ مأمور الضابطة العدلية المشرف على الاحتفاظ والمباشر لمختلف الإجراءات المتعلقة به ، يتمتّع بسلطة في تلقي مطالب إجراء الفحص الطبي ، فهل من الممكن تقديم هذا المطلب إلى وكيل الجمهورية[54]؟.
 أجاب بهذا الخصوص ممثل الحكومة عند التداول على الفصل 13 مكرر بأنّه : "يمكن أن يقدّم المطلب للسلطة التي تتولى بحث القضية ويمكن أن يقدّم أيضاً إلى وكيل الجمهورية فليس هنالك تضييق بفرض جهة معينة يقدّم اليها الطلب.
  لكن هنالك فراغ في القانون الجديد يتمثل في أنّ المشرع فضلاً عن كونه لم يحدد بدقة الجهاز المختص بتلقي مطالب إجراء الفحوص الطبية ، فإنه لم يتعرض لمآل نتائج تقديم المطلب ، كما لم يحدد أي أجل للنظر في المطلب وتاريخ إجراء الفحص الطبي ، كما لم ينص على جزاء الإخلال به في صورة رفض المطلب ، وهذا الفراغ التشريعي قد ينقص من قيمة ونجاعة هذه الضمانة الممنوحة للمحتفظ به ، خاصّة أمام عدم إمكانية الطعن في قرار الرفض إلى جانب إخلالات إجراء الاحتفاظ كعمل من أعمال البحث الأولي.
  وفي هذه الحالة يجد المظنون فيه أن إجراء الفحص الطبي قد يكون فرصة لإثبات العنف وسوء المعاملة الذي تعرض له في فترة الاحتفاظ ، لكن قد يعجز الفحص الطبي في صورة معيّنة على إثبات هذه الاعتداءات  ، إلى جانب ما قد يقع من تجاوزات أثناء تدوين المحاضر من قبل مأمور الضابطة العدلية قام المشرع بحصر وسائل إثبات ما يخالف هذه المحاضر بالفصل 154 م.إ.ج.
  هذه النقائص التي تسربت إلى  الفصل 13 مكرر م.ا.ج تدفع إلى إبداء الإحتراز من نجاعة الفحص الطبي في التطبيق ، لأنه قد يكون قاصراً عن إدراك العنف المعنوي كالسب والشتم والتهديد ، وبالإضافة إلى أنه لا يعاين إلاّ الآثار المادية وهو ما تحاول تفاديه الوسائل الحديثة للتعذيب ، ويجري الفحص الطبي بعد حصول الضرر.
  والغريب أيضاً أن الفصل 13 مكرر الفقرة 3 م.ا.ج أعتبر أنه من حق أقارب الموقوف طلب عرضه على الفحص الطبي ، إلا أنّ هذا الإجراء المتخذ يصعب إن لم نقل يستحيل تطبيقه خاصّة إذا قدم إلى مأمور الضابطة العدلية حيث لا توجد أية فائدة من تقديمه لهذا الأخير أمّا إذا قدّم مباشرة إلى وكيل الجمهورية فإنّه ليس مطالبا قانونا بالاستجابة لهذا الطلب كما أنّه غير مرتبط بأجل معيّن للأمر بإخضاع المشبوه فيه إلى الفحص طبي مماّ يثير من جديد مسألة الآجال واختفاء آثار الاعتداءات،ومن ناحية أخرى فإنّ أقارب الموقوف عادة ما لا يتمكنون من معرفة مركز الإيقاف رغم ما أوجبه المشرع من مسك سجلات في مراكز الشرطة والحرس تتضمن هوية المحتفظ بهم.
  ورغم أنّ الفصل 13 مكرر م.ا.ج : ينصّ على إعلام عائلة ذي الشبهة المحتفظ بها إلاّ أنّه إجراء غير ملزم للضابطة العدلية كإمكانية مخوّلة له، ممّا قد يؤدي إلى انقضاء المدّة القانونية للاحتفاظ بدون إعلام العائلة الأمر الذي يحول دون تمكنهم من تقديم المطلب لإجراء الفحوص الطبية.
 

الفرع الثاني: في حالة الايقاف التحفظي:


تعدّ الضمانات الإجرائية في مرحلة التحقيق أمرا ذا أهمية خاصة أن مرحلة التحقيق ليست هدفا في حدّ ذاته، إنما هي وسيلة غايتها معرفة صلاحية عرض المتهم على القضاء من عدمه. وبناء على ما تقدم لابدّ من تدعيم قرينة البراءة كأساس دستوري لقاعدة استثنائية اللجوء إلى الإيقاف التحفظي، وجب ضمان حقوق المتهم وحمايتها على إعاقة كلّ ما من شأنه أن يهدر حقوقه وتطويق المخاطر المتأتية من إجراءات التحقيق القسرية وذلك عبر إقراره عديد الضمانات من خلال تقييد الإيقاف التحفظي من جهة(1) وإقرار جملة الضمانات الناشئة عن الإيقاف (2).

 1- تقييد الإيقاف التحفظي

 الإيقاف لغة هو المنع من التحرك وهو أيضا الحبس والتقيد وهو المنع والإبعاد، فيقال أوقف عن العمل أي منع عن مباشرته أو مواصلته [55].
 أما الإيقاف التحفظي في معناه الاصطلاحي القانوني فهو أمر يصدر بإلقاء القبض على المتهم ووضعه في السجن احتياطيا إلى أن يصدر حكم المحكمة في التهمة أو يقع الإفراج عنه قبل ذلك [56].
وهو أيضا حرمان المظنون فيه من حريته إثر توجيه التهمة عليه وذلك إلى صدور الحكم بالبراءة أو الإدانة [57].
 فالإيقاف التحفظي هو أخطر إجراءات التحقيق على الإطلاق لما ينطوي عليه من سلب لحرية ذي الشبهة لفترة من الزمن قد تطول أو تقصر بحسب تطور إجراءات البحث والتحري ومع ذلك فقد أجاز المشرع هذا الاعتداء على الحرية لأسباب قدر أنها أولى بالرعاية ومنها حرصه على الحيلولة دون عرقلة المتهم للتحقيق أو تضليله للمحقق لذلك اعتبرها المشرع إجراءا استثنائيا وليس وجوبيا، وقيده بشروط (أ) وكيفية تنفيذه (ب).

 1-1- شروط الإيقاف التحفظي:

 لكي يتم إيقاف المظنون فيه تحفظيا لابدّ من توفر شروط شكلية (1)، وشروط موضوعية (2)

 1-1-1- الشروط الشكلية:

 تهم هذه الشروط السلطة الموكول لها القيام بهذا الإجراء وكذلك البطاقات القضائية.
أما في خصوص المسألة الأولى، فمن الضمانات الأساسية لصيانة الحرية الفردية إيكالها إلى أيدي تقدرها حق قدرها أي جهة مستقلة ونزيهة [58] تحرص على صيانة هذه الحرية.
 و هذه السلطة هي قاضي التحقيق ودائرة الاتهام والقضاء المجلسي والنيابة العمومية.
 ففيما يتعلق بالجهة الأولى اقتضى الفصل 80 من م.إ.ج. " لحاكم التحقيق بعد استنطاق ذي الشبهة أن يصدر بطاقة إيداع في السجن بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية وذلك إذا كانت الفعلة تستوجب عقابا بالسجن أو عقابا أشدّ ".
 و تأكيدا لتخصيص قاضي التحقيق بإصدار البطاقات القضائية فقد منع الفصل 57 م.إ.ج. هذا الأخير من إنابة غيره من أعوان الضابطة العدلية بإصدار تلك البطاقات باستثناء الأعمال الأخرى وذلك في صورة تعذره عن القيام بتلك الأعمال بنفسه وهذا المنع جاء متماشيا مع حرص المشرع على أن لا يكون الإيقاف التحفظي وسيلة للانحياز والحيف لو أعطى حق ممارسته لسلطة غير السلطة القضائية.
 أما فيما يتعلق بالجهة الثانية وهي دائرة الاتهام فيمكن لها إصدار بطاقة إيداع ضدّ المظنون فيه وذلك حسب مقتضيات أحكام الفصل 117 من م.إ.ج. وهي كهيئة قضائية عندما تمارس هذا الإجراء فإن ذلك يمثل ضمانة هامة من الضمانات القضائية للحرية الشخصية للمظنون فيه.
 نجد بعد ذلك الجهة القضائية الثالثة وهي النيابة العمومية التي حددت م.إ.ج. تركيبتها وصلاحيتها [59] فالنيابة العمومية هي سلطة قضائية خاصة محدثة لدى بعض الدوائر القضائية لتمثل الهيئة الاجتماعية وباسمها تشير إلى القوانين التي يجب تطبيقها عند إصدار الأحكام ولوكيل الجمهورية في جميع صور الجنايات أو الجنح المتلبس بها مع سلطة التتبع جميع ما لحاكم التحقيق من سلط [60] فله أن يصدر البطاقات القضائية وذلك ضمانا لنجاعة البحث وسرعة اقتفاء أثار الجريمة حتى لا تضيع أدلتها.
 و أما الجهة الرابعة وهي القضاء المجلسي الذي له إصدار البطاقات القضائية كسلطة قضائية مستقلة عن سلطتي الادعاء والتحقيق [61].
 أما في خصوص المسألة الثانية والتي تهم البطاقات القضائية فإن الإيقاف التحفظي لا يؤذن به بصفة عشوائية بل لابدّ له من وسيلة لاتخاذه وهي بطاقة الإيداع التي تتضمن الأمر الصادر من المحاكم إلى كبير حراس السجن بقبول المتهم واعتقاله [62] ونجد إلى جانب بطاقة الإيداع، بطاقة الجلب التي يصدرها الحاكم إذا لم يحضر المشتبه فيه أو كان في حالة من الأحوال المبينة بالفصل 85 من م.إ.ج. والتي تتضمن الإذن لكل عون من أعوان القوة العامة بإلقاء القبض عليه وجلبه أمام حاكم التحقيق أو غيرها من السلط التي أصدرت هذه البطاقة وضبط الفصل 81 م.إ.ج.[63] الصنع الشكلية لبطاقة الإيداع عند إصدارها إذ جاء فيه بطاقة الإيداع يحررها حاكم التحقيق ويؤرخها ويمضيها ويختمها ويذكر بها في وضوح اسم وصفة هذا الحاكم واسم ذي الشبهة وعمره التقريبي وحرفته ومكان ولادته ومحل إقامته وموضوع التهمة مع بيان النصّ القانوني المنطبق ..."

1-1- 2- الشروط الموضوعية:

 تنصب هذه الشروط على نقطتين أساسيتين: هما تحديد حالات الإيقاف التحفظي وضبط الأشخاص المشمولين به.
 ففيما يتعلق بالنقطة الأولى فقد حصر الفصل 85 م.إ.ج. حالات الإيقاف التحفظي في الجنايات والجنح المتلبس بها وكذلك كلما ظهرت قرائن قوية تستلزم اتخاذه باعتباره وسيلة أمن يتلافى بها اقتراف جرائم جديدة أو ضمانا لتنفيذ العقوبة أو طريقة توفر سلامة سير البحث. فالإيقاف التحفظي هو إجراء الاستثنائي واختياري إذ لم يجعله المشرع إجباري وأنه في صورة اتخاذه لا يمكن تجاوز الحالات المحددة قانونا، وأن هذا في حدّ ذاته يعد ضمانا من ضمانات حرية المظنون فيه تجنبا لكل تعسف أو تحكم غير أن هناك من يرى [64] أن الفصل 85 م.إ.ج. رغم ما يوفره من ضمانات بتحديده لصور الإيقاف التحفظي فإنه استعمل عبارات واسعة وفضفاضة تاركة المجال لقاضي التحقيق في تقديرها حسب اجتهاده متبع في ذلك مبدأ الوجاهة في الإيقاف التحفظي ويستخلص هذا الرأي المبدأ المذكور من قرار محكمة التعقيب التونسية [65] الذي جاء فيه أنه: " لا جدال في وجاهة الإيقاف من عدمه لأنه جدال موضوعي لا شأن لمحكمة التعقيب فيه ".
 أما فيما يتعلق بالنقطة الثانية فإنّ الأشخاص المعنيين بالإيقاف التحفظي لم يرد في شأنهم تحديد في مجلة الإجراءات الجزائية ويذهب الرأي على اعتبار أن كل شخص حامت حوله الشبهات وتوفرت في جانبه حالات الفصل 84 م.إ.ج. يمكن إيقافه تحفظيا ويحق لقاضي التحقيق إصدار بطاقة إيداع كلما استوجبت الفعلة عقابا بالسجن أو عقابا أشدّ [66] غير أن هناك فئات منحها المشرع حماية خاصة وهي: الأحداث ومن يتمتعون بحصانة. فالحدث الذي تجاوز عمره 13 عاما لا يمكن وضعه مؤقتا بمحل الإيقاف من طرف حاكم الأحداث أو حاكم التحقيق أو دائرة الاتهام إلا إذا ظهر من المتحتّم هذه الوسيلة أو ظهر أنه لا يمكن اتخاذ غيرها من التدابير وفي هذه الصورة يودع الطفل بجناح خاص مع عزله ليلا بقدر الإمكان عن بقية الموقوفين (فصل 238 م.إ.ج.) فهو إجراء وقتي وثانوي. أما المتمتعون بحصانة فهم:
 أولا: الممثلون الديبلوماسيون الذين لا يمكن تتبعهم من أجل جرائم ارتكبوها في البلاد التي يمثلون بلادهم فيها.
ثانيا: أعضاء مجلس النواب إذ لا يمكن إجراء تتبع أو إيقاف ضدهم طيلة نيابتهم في تهمة أو جناية وجنحة ما لم يرفع مجلس النواب الحصانة عنهم، أما في حالة التلبس فيوقف ويعلم المجلس حالا[67]. ثالثا: للقضاة الذين يمنع تتبعهم أو سجنهم من أجل جناية أو جنحة بدون إذن من المجلس الأعلى للقضاء ولكن في حالة التلبس بجناية أو جنحة يجوز إلقاء القبض عليهم ويعلم المجلس الأعلى للقضاء فورا [68].
 على أنّ الإلمام بضمانات الحرية في مرحلة التحقيق لا ينحصر في دراسة الضمانات الحرية المستمدة من خلال تقييد الإيقاف بل تعداه إلى تحديد إجراءات تنفيذه.

2 – تنفيذ الإيقاف :

 إن حاكم التحقيق الذي عهدت إليه مهمة البحث عن الحقيقة بمناسبة ارتكاب جريمة لا يقتصر دوره على معاينتها وجمع أدلتها التي من شأنها مساعدة قاضي الموضوع في حكمه بل إن مهمته تتجاوز هذه الأعمال الاستقرائية إلى إصدار إذن يتحقق بموجبه إيقاف المظنون فيه تحفظيا. فكلما توفرت الشروط الإجرائية لهذا الإذن (1) إلا وأمكن بيان محتواه.إلا أن تنفيذ الإيقاف قيده المشرع بمدة معينة لا يمكن تجاوزها (2) .

1: الشروط الإجرائية للإذن بالإيقاف.

 اقتضت أحكام الفصل 80 م.إ.ج. " لحاكم التحقيق بعد استنطاق ذي الشبهة أن يصدر بطاقة إيداع في السجن بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية " فالاستنطاق يعتبر شرطا إجرائيا من شروط الإيقاف التحفظي. ويقصد بالاستنطاق مواجهة المظنون فيه بالتهمة المنسوبة إليه ومطالبته بإبداء رأيه فيها ومناقشتها تفصيلا في أدلة الدعوى إثباتا أو نفيا كمحاولة للكشف عن الحقيقة ويمثل استنطاق ذي الشبهة في حدّ ذاته ضمانة من ضمانات الحرية في مرحلة  التحقيق  باعتبار أنه لا يمكن لحاكم التحقيق أن يصادر حق ذي الشبهة في حريته إلا عبر المرور بهذه المرحلة الأساسية، حيث تعتبر من أهم أعمال التحقيق التي تخول ذي الشبهة مناقشة الأدلة المتوفرة ضده بل إنه لا يتحقق إلا بتوجيه التهمة ومناقشتها من قبل لذي الشبهة تفصيلا لها ومواجهته بالأدلة القائمة ضدّه. فالاستجواب لا يتحقق بمجرّد سؤال المتهم عمّا نسب إليه أو إحاطته علما بنتائج التحقيق إذ لم يتضمن ذلك مناقشة تفصيلية في الأدلة المنسوبة إليه [69].
 فالاستنطاق كعمل محوري في التحقيق الابتدائي يستدعي أن يملك قاضي التحقيق الوسائل التي تخول له إحضار ذي الشبهة أمامه لاستنطاقه سواء من حلال استدعائه إن كان بحالة سراح أو بإصدار بطاقة جلب في شأنه إن اقتضى الأمر ذلك [70].
 فإذا كان ذو الشبهة بحالة سراح فإنه يستدعى كتابة لاستنطاقه والاستدعاء يتم بالطريقة الإدارية أو بواسطة العدل المنفّذ وهو يحتوي على اسم ذي الشبهة ولقبه وحرفته وعنوانه ومكان الحضور وتاريخه وساعته ونوع التهمة [71].
 أما إذا لم يحضر ذو الشبهة بعد استدعائه فإن المشرع قد خوّل قاضي التحقيق أن يصدر ضدّه بطاقة جلب تكون مؤرخة وممضاة ومختومة ويذكر فيها ما يميزه أتم تمييز مع بيان موضوع التهمة والنصوص القانونية التي ينطبق عليها كما تضمن بها الإذن لكلّ عون من أعوان القوة العامة بإلقاء القبض عليه وجلبه أمام حاكم التحقيق [72]. وفي صورة تنفيذ البطاقة المذكورة يكون على هذا الأخير إجراء الاستنطاق في أجل لا يتجاوز 3 أيام من تاريخ إيداع المظنون فيه بالسجن على معنى الفقرة 1 من الفصل 79 م.إ.ج.
 إن المشرع في تحديده لمحتويات بطاقة الجلب وإجراءات استدعاء ذي الشبهة للاستنطاق يعتبر في حدّ ذاته ضمانة لحرية المتهم، تضمن حريته وتقيد من إمكانية المساس بها في هذه المرحلة الحرجة من مراحل الدعوى الجزائية.
 نتبين  أن أهم ما يصون الحرية في مرحلة التحقيق هو ضبط أهم ضمانات الاستنطاق وأهميتها في ضمان حرية المظنون فيه منها واجب توجيه التهمة.
 مدة الإيقاف التحفظي
 تضمن الفصل 85 م.إ.ج. تحديدا للمدة التي من الممكن أن يستمر خلالها الإيقاف التحفظي سواء فيما يتعلق بالمدة الأصلية (أ) وبالمدة المضافة (ب).
 أ-  المدة الأصلية للإيقاف.
 إنّ تحديد مدة الإيقاف تمثل ضمـانا للمتهم حيث تنصّ الفقـرة2 من الفصل 85 م.إ.ج.على "... والإيقاف التحفظي في الحالات المنصوص عليها بالفقرة السابقة لا يجوز أن يتجاوز الستة أشهر". وكان المشرع قد ضبط الأجل الأقصى الذي ليس لسلطة الإيقاف أن تتجاوزه كلما تراءى لها الإذن بإيقاف المظنون فيه تحفظيا وقد رأى جانب من الفقه في هذا التحديد ضمانة لحرية المتهم لكونه أمرا مستحدثا ولم يكن موجودا قبل قانون نوفمبر 1987.
 إن صياغة هذه الفقرة تجعل من أجل 6 أشهر مدة قصوى لا يجوز للحاكم تجاوزها كلما إذن بإيقاف ذي الشبهة في مناسبة أولى، غير أن مدّة الإيقاف 6 أشهر كمدة أصلية قد تنطبق مهما كانت طبيعة الجريمة قد ثبتت في رأي الأستاذ ساسي بن حليمة مدة طويلة جدا ولا يمكن تبعا لذلك أن تعتبر دعما وضمانا للحريات الفردية [73].
 فالفصل 85 م.إ.ج. يعتبر ا ن الإيقاف التحفظي في الجنايات والجنح سواء كانت متلبسا بها أدخلت عن هذا الوصف لا يمكن أن تتجاوز الستة أشهر كمدة أصلية تكون قابلة للتمديد كلما اقتضت مصلحة البحث إبقاء المظنون فيه بحالة إيقاف، ويتم احتساب المدة من يوم تنفيذ بطاقة الإيداع ضدّ المظنون فيه وبالتالي فلا إشكال في احتسابها ما دامت هذه البطاقة محررة طبقا للصيغ القانونية ثابتة التاريخ حاملة لإمضاء وختم حاكم التحقيق الذي أصدرها.
 لكن ولئن اعتبر البعض أن في تشريع 1967 المتعلق بتحديد مدة الإيقاف تحسينا واضحا فإن جمهور الفقه ورجال القانون قد أجمع على اعتبار طول مدة كلّما نظرنا إلى الإمكانية الممنوحة لقاضي التحقيق في تمديدها سواء في الجنحة أو الجناية.

2- تمديد مدة الإيقاف:

 لقد نظم المشرع من خلال تنقيح 22 نوفمبر 1999 مدّة الإيقاف التحفظي في صورة التمديد حيث أصبحت لا تتجاوز ستة أشهر إلا أنه يمكن لقاضي التحقيق بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية وبمقتضى قرار معلّل تمديد فترة الإيقاف مرة واحدة لا تزيد مدتها عن 3 أشهر للجنح وبالنسبة للجنايات مرتين لا تزيد مدة كلّ واحدة على 4 أشهر وبذلك أصبحت أقصى مدة للإيقاف التحفظي بالنسبة للجنحة 9 أشهر وبالنسبة للجنايات 14 شهرا.
 و حرصا من المشرع على ضمان حرية المظنون فيه فقد قيد إمكانية التمديد في مدة الإيقاف بشروط التمديد منها ما يتعلق بالأصل في حين يخص بعضها الآخر الإجراءات.
 جاء بالفقرة 3 من الفصل85: " إذا اقتضت مصلحة البحث إبقاء المظنون فيه في حالة إيقاف يمكن لقاضي التحقيق بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية... ".
 فحتى يتسنى لحاكم التحقيق التمديد في فترة الإيقاف لابدّ أن تكون مصلحة البحث اقتضت حدوث هذا الأمر، وهذه المصلحة تعود إلى اجتهاد القاضي في تقديرها وإثبات قيامها.
 إن اعتماد المشرع لمعيار مصلحة البحث في تعليل تمديد فترة الإيقاف لا تمنع قاضي التحقيق من الاعتماد في ذلك على المبررات التي كانت قد مثلت أساس اتخاذ قرار الإيقاف منذ البداية وخاصة منها التبرير المتعلق بما تقتضيه سلامة سير البحث ويجب توفر جملة من المعطيات القانونية والواقعية تكون نابعة مما له أصل ثابت بملف القضية تجيز هذا التمديد وتجعله أمرا ضروريا في كثير من الأحيان.
 أما عن اتخاذ رأي وكيل الجمهورية قبل اتخاذ قرار التمديد فيمثل شرطا إجرائيا واجب الاحترام لكونه يمثل ممثل النيابة العمومية كطرف في الدعوى الجزائية من الاطلاع عن كثب على مدى تقدم التحقيق ومستجدات البحث وتطوراته وقرار التمديد شأنه شأن أي قرار يصدر عن قاضي التحقيق في تسيير ملف القضية المتعهد بنظرها يحق لممثل النيابة العمومية العلم به وذلك عن طريق إطلاعه على الملف [74].
 و يثبت أخذ رأي وكيل الجمهورية حول التمديد في فترة إيقاف المظنون فيه بصدور قرار في الاطلاع عن هذا الأخير يتضمن طلباته بشأن ما تمت استشارته فيه.
 أما عن اشتراط القرار المعلل في إيقاع التمديد فإن خطورة هذا القرار تستدعي بيان ما يبرر اتخاذه ويعلله تعليلا قانونيا وواعيا حتى تتمكن دائرة الاتهام من بسط رقابتها على هذا القرار وممارستها بصورة فعلية.
 أما في القانون الفرنسي فإن الإيقاف المؤقت لا يمكن أن يتجاوز في المادة الجنحية 4 أشهر، فإنه يمكن وبصفة استثنائية التمديد فيه لمدة تختلف بحسب درجة خطورة المعني بالأمر[75]، حيث ينص الفصل 145/1 م.إ.ج. الفرنسية في فقرته الثانية وفي صياغته الجديدة على أنه لقاضي الحريات والإيقاف أن يقدر وبصفة استثنائية التمديد في الإيقاف المؤقت لمدة لا تتجاوز 4 أشهر وبقرار معلل حسب أحكام الفصل 137/3 ومتخذ إثر نقاش وجاهي منظم طبق أحكام الفقرة 6 من الفصل 145 وبعد استدعاء المحامي على معنى الفقرة 2 من الفصل 114.
 إن اشتراط تعليل قرار التمديد في فترة إيقاف المظنون فيه من شأنه أن يقيد سلطة قاضي التحقيق في المساس بحرية المظنون فيه وضمانا قانونيا تحميه طوال مدة التحقيق.
 إن المشرع في حرصه على ضمان حرية المتهم في مرحلة ما قبل المحاكمة أحكم تنظيمها من خلال تقييد الإيقاف بجملة من الشروط الشكلية والموضوعية من جهة ومن خلال إقراره بجملة من الضمانات الناشئة عن الإيقاف من جهة ثانية.
 ففيما تتمثل هذه الضمانات وإلى أي مدى تضمن حرية المتهم في مرحلة التحقيق ؟

 3: الضمانات الناشئة عن الإيقاف.

 إن تحقق الإيقاف برغم سلبه للمظنون فيه حريته ومصادرة لها فليس قدره أن يبقى موقوفا إلى ما لا نهاية بل لابدّ لهذه الوضعية أن تنتهي سواء بصورة ظرفية أو مستمرة (3-1) وفي صورة ما إذا تم الإفراج عنه فإن المشرع أسعفه بحق الضمان في التعويض في صورة ثبوت براءته (3-2).

3-1- ضمان الحق في الإفراج:

 إضافة إلى التحديد المذكور الذي جاء به قـانون 1993 فإن المشـرع التونسي قسم أحكـام م.إ.ج.  تقسيما جديدا في اتجاه توفير مزيد الضمانات للحرية الفردية بإقرار حق الإفراج واسترجاع حريته.
 ينصّ الفصل 85 فقرة3 على أنه " يتحتم الإفراج بضمان أو بدونه بعد الاستنطاق بخمسة أيام لفائدة المظنون فيه الذي له مقرّ معيّن بالتراب التونسي ولم تسبق الحكم عليه بأكثر من 3 أشهر سجنا إذا كان أقصى العقاب المقرر قانونا عاما سجنا ".
 إن النظر في أحكام هذه الفقرة يفيد أن وجوبية الإفراج عن المظنون فيه الموقوف في هذه الصورة يبقى رهين توفر جملة من الشروط وهي:
 الشرط1- وهو شرط جوهري ويمثل أساس الإقرار بوجوبية الإفراج. هذا الشرط هو حصول استنطاق المظنون فيه الموقوف فطالما لم يقع استنطاق ذي الشبهة من طرف قاضي التحقيق استنطاقا فعليا قائما على توجيه التهمة إليه وإعطائه فرصة الدفاع عن نفسه بمحضر محاميه وتوفير الضمانات القانونية لمباشرة عملية الاستنطاق وبعد الاستنطاق وإصدار بطاقة الإيداع يصبح المظنون فيه موقوفا يجب الإفراج عنه في ظرف 5 أيام من تاريخ إجراء الاستنطاق إذا ما توفرت في شأنه باقي الشروط المذكورة بالفقرة الأخيرة من الفصل 85 م.إ.ج.
 الشرط2- وأن يكون للمظنون فيه مقرّ معلوم في التراب التونسي سواء كان هذا المقرّ أصليا أو مختارا على معنى أحكام القانون المدني[76].
 أما الشرط3-  عدم سابقية صدور حكم عليه بالسجن لمدة تفوق 3 أشهر دون بيان إن كان هذا الحكم قد صدر بالتنفيذ أو بتأجيله ومثل هذا الشرط يفترض وجود بطاقة السوابق العدلية بين يدي قاضي التحقيق لاتخاذ قرار الإفراج.
 الشرط 4- فيتمثل في العقاب المقرر قانونا للجريمة موضوع تعهد حاكم التحقيق وهو أن يكون أقصى العقاب المقرر العام سجنا بمعنى أن يتمتع المظنون فيه بحق الإفراج عنه إذا كان العقاب المقرر يقلّ عن العام سجنا أو يساويه، أما إذا تجاوزه فلا يتمتع بالإفراج.
 لوجوبية الإفراج لابدّ أن تتحقق كلّ هذه الشروط وإذا تخلف أحدها سواء فيما تعلق بمقرّ المظنون فيه أو بسوابقه العدلية أو بالعقاب الذي استهدفه في الجريمة موضوع التتبع وإن كان القاضي في حلّ من وجوبية الإفراج عن الموقوف وإذا انعدمت هذه المعطيات فإن الإفراج يكون حسب تقديره.
إن جملة الضمانات الممنوحة للمحتفظ به لا تتوقف عند ضمان الإفراج الوجوبي بل تمتد لتشمل ضمان آخر وهو ضمان الحق في التعويض.

3-2- ضمان الحقّ في التعويض:

 قد يحدث في كثير من الأحيان أن تنتهي سلطة التحقيق إل الإقرار بأن لا وجه تتبع المظنون فيه الموقوف فتقضي بحفظ التهمة وتفرج عنه بعد أن يكون قد أمضى مدة من الزمن بحالة إيقاف تحفظي ويطرح في هذه الصورة تساؤل جوهري ذو علاقة بالضمانات الحرية في مرحلة ما قبل المحاكمة مقابل خطر التعدي على حريته بإيقافه تحفظيا لمدة من الزمن قد تطول أو تقصر بحسب ملابسات كلّ قضية.
 هذا التساؤل مناطه مدى جواز الإقرار بضمان حقّ التعويض للمظنون فيه الذي استعاد حريته عن الأضرار التي لحقته بسبب الإيقاف ؟
 التعويض هو ذلك المقابل الذي يطالب به المتضرر لترميم الضرر الذي لحقه من جراء عدم تنفيذ الالتزام، سواء كان هذا الالتزام [77] تعاقديا أو قانونيا.
 انتهج المشرع التونسي بهذا التوجه، نهج المشرع الفرنسي والذي أضاف ضمن الفصل 88 من القانون الصادر في 15 جوان 2000 والمتعلق بتدعيم قرينة البراءة أنه " يمكن لكل جهة قضائية أصدرت قرارا بمنع المحاكمة أو بالبراءة أو بعدم المسؤولية أن تمنح تعويضا للشخص الملاحق، بناء على طلب من صاحب المصلحة، لتغطية النفقات التي دفعها بسبب رفض الدولة لتسديدها ".
 خلافا لهذا يتضح أن ميدان تدخل التشريع التونسي كان ميدانا ضيقا ومحدودا ومحصورا بالتعويض، لمن أوقف تحفظيا، أو نفذت عليه عقوبة السجن، وأثبت أنه تضرر ماديا ومعنويا، مما يوضح أن التعويض أقر أساسا لجبر أخطاء مادية بحتة وهي الإيقاف التحفظي أو السجن.
 لأن الإيقاف التحفظي يوقع ضررا بالمتهم، يمس من كرامته وسمعته، اتجه الفقه إلى أنه لابدّ من إقرار التعويض الكامل عن الأضرار، أي أن المسؤول عن الفعل غير المشروع، يلتزم بتعويض جميع الأضرار التي لحقت المتضرر[78]، وقد رأى الفقهاء أن التعويض فقط من شأنه أن يعيد الضحية على الحال التي كان عليها قبل وقوع الفعل غير المشروع [79]، وقد رأى رأي آخر أن للتعويض نتيجة حتمية لبلوغ الأمن الاجتماعي الذي يسعى المشرع إلى تحقيقه، مما يوجب أن يكون التعويض مكافئا أو معادلا للضرر الذي وقع [80].
 و قد اختلفت مواقف التشريعات الجزائية من هذه المسألة حيث أقر التشريع الفرنسي مثلا إمكانية التعويض للمظنون فيه عن مدة إيقافه منذ القانون عدد 643 لسنة 1970 المؤرخ في 17 جويلية 1970، بمناسبة التغييرات الجوهرية التي شهدها نظام الإيقاف التحفظي في تلك الفترة كما تبنى المشرع البلجيكي نفس الموقف في قانون 13 مارس 1973، المتعلق بالتعويض عن الإيقاف في حين غاب عن الاعتراف التشريع الأنقليزي [81].
 وهو ما حدا بالمشرع التونسي إلى إصدار قانون 29 أكتوبر 2002 والمتعلق بالتعويض عن الموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم، حيث جاء في الفصل  الأول منه " إنّه يمكن لكل من أوقف تحفظيا أو نفذت عليه عقوبة السجن مطالبة الدولة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحقه من جراء ذلك في الأحوال التالية...".
 و يستند نظام التعويض عن الإيقاف أساسا إلى إقرار مسؤولية الدولة عن الأضرار المترتبة عن سير مرفق العدالة، وتتأكد مسؤولية الدولة أكثر كأساس للتعويض عن الإيقاف في القانون الفرنسي من حلال المبدأ العام الذي تضمنه الفصل 1-781 من مجلة التنظيم القضائي الذي مفاده أن الدولة ملزمة بجبر الضرر الناجم عن السير الضار لمرفق العدالة [82].
 نصّ الفصل1 من قانون 29 أكتوبر 2002 على أنه " يمكن لكلّ من أوقف تحفظيا أو نفذت عليه عقوبة السجن مطالبة الدولة بتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحقه من جراء ذلك في الأحوال التالية:
·          إذا صدر في شأنه قرار بحفظ التهمة إما لأنّ الفعلة لا تتألف منها جريمة، إما لأن÷ لا وجود لها أصلا أو لأنه لا يمكن نسبها إلى المتهم.
·          إذا صدر ضده حكم بالسجن ثم ثبتت براءته بوجه بات للأسباب المذكورة أعلاه.
·          إذا صدر ضدّه حكم في موضوع سبق أن اتصل به القضاء.
 و يضيف الفصل 2 أنه " ينتقل حق التعويض عند وفاة صاحب الحقّ إلى القرين والأبناء والـوالدين فقط "، ويفهم من هذه الأحكام الأولية أن الحق في التعويض ينتقل لهؤلاء بما يعنيه ذلك من كونه يحلون محلّ مورثهم في مباشرة إجراءات المطالبة القضائية في مختلف مراحلها حتى وإن لم يسبق للهالك أن أثار ذلك لدى القضاء.
 تختص محكمة الاستئناف درجة أولى للتقاضي بسبب خصوصية الخصومة وطرفيها وجعل من محكمة التعقيب موضوع تنظر في الأصل كلما نقضت الحكم أو عدلته. وتتركب محكمة التعقيب المختصة للنظر في مطالب التعويض من الرئيس الأول للمحكمة أو نائبه وعضوين بخطة رئيس دائرة لدى نفس المحكمة.
 و يخضع تقديم مطلب التعويض في القانون الفرنسي وكذلك في المشروع المقترح في القانون التونسي إلى آجال محددة حيث ضبط الفصل 149 م.إ.ج. الفرنسية رفع مطلب التعويض إلى اللجنة المختصة بستة أشهر من تاريخ صدور القرار أو الحكم الصادر بعدم التتبع أو بترك السبيل أو بالبراءة باتا، ويتضمن وجوبا ملخصا للوقائع وكلّ المؤيدات المفيدة وخاصة تاريخ وطبيعة القرار الذي أذن بالإيقاف ومكان تنفيذه والهيئة القضائية التي صدر عنها قرار عدم التتبع أو ترك السبيل. وقد نص الفصل 3 من قانون التعويض: " يرفع طلب التعويض خلال أجل أقصاه 6 أشهر من تاريخ سيرورة القرار أو الحكم المحتج به باتا وإلا سقط الحقّ ".
 و بتوفر شروط القيام واستيفاء إجراءاته تعقد المحكمة جلساتها للبتّ في المقدار للتعويض الذي يحكم به للطالب.
 ينص الفصل 13 من قانون التعويض " يقضى للطالب بتعويض جملي عن الضرر الحاصل له إذا أثبت حقيقة الضرر وجسامته وأنه حال وناتج مباشرة الإيقاف التحفظي أو عن تنفيذ عقوبة السجن ".
 فتقدير التعويض المناسب للمظنون فيه المتضرر من الإيقاف من طرف المحكمة، يتم بالاعتماد على عنصرين يتمثل الأول في اعتماد المعطيات الواقعية المقيدة للتقدير والمتصلة أساسا بسن الطالب وجنسه ووضعه العائلي والاجتماعي وخاصة المدة التي قضاها رهن الإيقاف، أما العنصر الثاني للتقدير فيقوم على اعتماد مبلغ جملي للتعويض يضبط بمراعاة حقيقة الضرر وحساسيته وكونه حالا وناجما مباشرة عن الإيقاف التحفظي وتدخل في نطاق هذا الضرر فقدان مركز العمل وانقطاع الروابط العائلية والزوجية بسبب طول مدّة الإيقاف مثلا.

4- هياكل مراقبة الايقاف:

 يمارس أطراف الدعوى الجزائية رقابة على سلطة قاضي التحقيق في الإيقاف مع التمييز بين رقابة النيابة العمومية (4-1)، ورقابة دائرة الاتهام (4-2).

4-1- رقابة النيابة العمومية:

 تمارس النيابة العمومية رقابة على الإيقاف من خلال ما تتقدم به من طلبات كتابية في إصدار بطاقة الإيداع أو الإفراج عن المظنون فيه الموقوف أو كذلك من خلال ممارستها لحق الطعن في قرار التمديد في الإيقاف. كما يمكن أن تتجسد رقابة النيابة العمومية على الإيقاف في الواجب محمول على قاضي التحقيق في أخذ رأي وكيل الجمهورية قبل الإذن بإيقاف ذي الشبهة تحفظيا وكذلك التمديد في إيقافه بما يمثله إبداء وكيل الجمهورية لرأيه في المسألة من فرصة لتذكير قاضي التحقيق ضمن طلباته الكتابية بما يتجه مباشرته من الأعمال دون أن يكون ذلك بمثابة التدخل في مهامه وإنما فقط لضمان حسن سير مرفق القضاء وكفالة مشروعية قرار الإيقاف ولو أن تقدير مدى سلامة هذا القرار يبقى خاضعا لسلطة قاضي التحقيق التقديرية على ضوء ما يتمتع به من استقلالية في مباشرة وظائفه.
 أما عن بطاقة الإيداع الصادرة في حق ذي الشبهة فإن النيابة العمومية ولئن كانت ملتزمة قانونا بتنفيذها فإن طعنها في هذه البطاقة من شأنه أن يكفل احترام قاضي التحقيق للشروط الشكلية والأصلية لصدور قرار الإيقاف بما يمثله هذا الطعن من فرصة لدائرة الاتهام لبسط رقابتها على هذا القرار، ولا تحول رقابة النيابة العمومية على الإيقاف دون ممارسة هذه الرقابة من باقي أطراف الدعوى العمومية.
 يخضع إيقاف ذي الشبهة تحفظيا إلى رقابة قضائية تضمن حماية هذا الأخير من التعسف عند حدوثه بمثل ضمانها لاحترام مصلحته الشرعية في الأثناء ولحسن تطبيق القانون. وتباشر هذه الرقابة دائرة الاتهام.

 4-2- رقابة دائرة الاتهام:

 لدائرة الاتهام طبيعة مزدوجة ضرورة أنها تجمع بين عمل التحقيق وعمل المحاكم [83]. ولها عملا بأحكام الفصل 116 م.إ.ج. تدارك ما تراه من نقص في التحقيق من خلال الإذن بتتبع جديد أو بإجراء بحث تكميلي كما تنظر في الطعون المرفوعة ضدّ قرارات قاضي التحقيق ذات الصبغة القضائية بوصفها محكمة استئناف لها وتبعا لذلك سلطة إبطال هذه القرارات [84]. وعلى هذا الأساس تشكل دائرة الاتهام الهيكل القضائي الفعال الذي يرسم بوضوح معالم الدور الحمائي للقضاء تجاه حريات الأفراد وحقوقهم حيث يبقى مبدأ الشرعية هو الأسمى ولا تصح أعمال التحقيق إلا بقدر احترامها لهذا المبدأ, ويرى البعض من رجال القضاء [85] في هذا السياق أن أعمال التحقيق تعد عملا إنسانيا لا يرقى إلى الكمال لذلك لابدّ من عين ساهرة توجه هذا العمل وتنير سبيل العدالة لتجعل المظنون فيه في مأمن من كلّ تجاوز وتعسف سواء قصدا أو عن غير قصد. فدائرة الاتهام هيئة تحقيق وقضاء تختص بنظر أخطر القضايا الجزائية ومن واجبها ضمان الحريات الفردية بمراقبتها الإيقاف التحفظي ولشرعية وملائمة أعمال قاضي التحقيق [86]. ذلك أن دورها الأساسي يتمثل في مراقبة أعمال التحقيق وإجراءاته وتصفيتها من العيوب والإخلالات وإبطال ما تراه منها معيبا [87].
 و مع أنه لا وجود بالتشريع التونسي لنص قانوني صريح في ضبط سلطات دائرة الاتهام في مجال إبطال قرارات قاضي التحقيق إلا أن هذه السلطات حقيقة راسخة في تحاليل فقهاء القانون والقضاء استنادا إلى بعض فصول م.إ.ج. ذات المفهوم العام [88]. ولعل أهمها الفصل 199 من هذه المجلة الذي جاء فيه أنه " تبطل كلّ الأعمال والأحكام المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو للقواعد الإجرائية الأساسية أو لمصلحة المتهم الشرعية. والحكم الذي يصدر بالبطلان يعين نطاق مرماه ". وعملا بهذه الأحكام يمكن أن ينحصر الإبطال في العمل التحقيقي المعيب الذي يصبح كأنه لم يوجد أصلا بملف القضية ويستمر التحقيق بدونه. ولدائرة الاتهام اعتماد أحكام هذا الفصل لإبطال كلّ قرار صدر عن قاضي التحقيق يكون متعلقا بإيقاف المظنون فيه كالقرار المتعلق بإصدار بطاقة الإيداع بسجن الإيقاف والقرار القاضي برفض الإفراج أو بتمديد فترة الإيقاف. فهي تراقب هذه الأعمال التحقيقية حماية لحرية المظنون فيه وصيانة لمصلحته الشرعية من كلّ تجاوز أو تعسف.
 و أخيرا يمكن القول أن لدائرة الاتهام دورا هاما وخطير في حياة المظنون فيه مما يستدعي إعطائها ما تستحقه من الأهمية في الجهاز القضائي حتى تكون أداة رقابة ناجعة لأعمال قاضي التحقيق وهيئة توجيه وتبصير قانونية [89] إضافة لكونها المحطة الأخيرة لأعمال التحقيق والتمحيص التي لها أثرها العميق على مصير المظنون فيه وخاصة كلما كان موقوفا. كما يدخل في نطاق هذه الرقابة إعادة تكييف الأفعال المنسوبة إلى هذا الأخير إعطائها الوصف القانوني الصحيح. وتبرز الفائدة من هذه العملية خاصة كلما أسند قاضي التحقيق لهذه الأفعال وصفا مشددا كأن يصفها بالجناية ثم يتبين لدائرة الاتهام أنها مجرد جنحة فتسند لها الوصف القانوني المناسب وتحيل المظنون فيه تبعا لذلك أمام قاضي الناحية أو المحكمة الابتدائية بحسب الحالات. إلا أن الرقابة على الإيقاف كضمانة للمظنون فيه قد تتجاوز دائرة الاتهام لتتدخل محكمة التعقيب لتصحيح ما قد يكون تسرب إلى أعمال التحقيق من أخطاء قانونية.
 لاشك أنّ هذه الرقابة عن الاحتفاظ تنتج آثارها في صورة الإخلال بإجراءاته وتنتج بطلان الإجراء المخالف لما رسمته م.إ.ج. من شروط يجب احترامها.

الجزء الثاني: ضمانات المحاكمة العادلة

الفرع الأول: الحق في إنابة محام


1) لدى باحث البداية

عملا بأحكام الفصل 27 من دستور 2014: " المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة".
ويدخل في نطاق هذه الضمانات أن يتولى التحقيق في التهمة المنسوبة إلى المظنون فيه جهاز مستقل عن سلطة التتبع والاتهام ألا وهو قاضي التحقيق. وأثناء هذه المرحلة يتمتع ذو الشبهة بجملة من الحقوق لعل أهمها أن يتولى الدفاع عنه محام يختاره لمؤازرته حين إجراء الاستنطاق بالإضافة إلى تمتعه بالحق في عدم الجواب إلى حين حضور محاميه بعد استدعائه كما يجب عملا بأحكام الفصلين 69 و72 م.إ.ج.[90] غير انه قد يتعذر على قاضي التحقيق إجراء الاستنطاق بنفسه وفي ميعاده فيضطر إلى إنابة مأموري الضابطة العدلية من شرطة وحرس وطني لمباشرة هذا الإجراء. ولئن منع الفصل 57 م.إ.ج. على هؤلاء المأمورين إصدار البطاقات القضائية إلا أن إنابتهم لإجراء استنطاق المظنون فيه يحرم هذا الأخير من الضمانات المذكورة بحيث يسقط تمتعه بحق الصمت في انتظار حضور محاميه. بل أن حضور المحامي نفسه كلن غير معترف به في تشريعنا أمام مأموري الضابطة العدلية الذين يتولون استنطاق ذي الشبهة بموجب إنابة عدلية [91] إلا أنه صدر قانون عدد 17 في سنة 2007 المؤرخ في 22 مارس 2007، المتعلق بإتمام بعض أحكام م.إ.ج. مضيفا فقرتين لأحكام الفصل 57 م.إ.ج.[92]. فمجرد صدور هذه الإنابة يشكل خطرا يتهدد ذا الشبهة فبحرمانه من مؤازرة محاميه يخوض هذا الأخير تجربة الاستنطاق وحيدا أعزل عن كل ضمان يحميه ضد خطر التعسف. ويستمر هذا الخطر بإحالته أمام قاضي التحقيق الذي يتولى تقدير مدى ملائمة الإذن بإيقافه تحفظيا من عدمه على ضوء ما ورد بمحضر استنطاقه من تصريحات قد تكون في أغلبها مخالفة لواقع الأمور أو منتزعة غصبا وكرها. إن خطورة هذه الوضعية ومساسها الشديد بالبراءة المفترضة في المتهم بجريمة تستدعي إقرار المزيد من الضمانات في هذا النطاق ويكون ذلك من خلال الاعتراف صراحة باستمرارية حضور المحامي إلى جانب المظنون فيه أثناء إجراء استنطاقه ولو باشر عملية الاستنطاق مأمور الضابطة العدلية وهو ما من شأنه تدعيم دستورية قرينة البراءة القائمة في حق كل متهم بجريمة.

2) لدى قاضي التحقيق


كما ورد بالفصل 69 م.إ.ج. أنّ قاضي التحقيق يتلقى جواب ذي الشبهة بعد أن ينبهه بأن له الحق في أن لا يجيب إلا بمحضر محام يختاره وينص على التنبيه بالمحضر ويشكل الاستعانة بمحام مظهر من مظاهر تدعيم حقوق الدفاع أثناء مرحلة التحقيق إذ أنّ الاستعانة به تتساوى حظوظ الدفاع مع الصلاحيات المخولة للنيابة العمومية في الاطلاع على ملف الإجراءات ومراقبة سير التحقيق.
 و يتم هذا التنبيه بمجرّد توجيه التهمة حيث يصبح الشخص الواقع ضدّه التتبع يتمتع بالعديد من الحقوق المتمثلة بصفته كمظنون فيه كالحقّ في الاستعانة بمحام وذلك منذ انطلاق التحقيق أي عند حضور المظنون فيه لأول مرة أمام قاضي التحقيق، ويعتبر واجب التنبيه قد تمّ بصفة قانونية إذا صرّح المظنون فيه أنه يريد أن يحتفظ بحقه لممارسته فيما بعد. ففي هذه الحالة يعتبر المظنون فيه قد تنازل عن ممارسة حقه في الوقت رغم أن المظنون فيه يحتفظ بحقه في الاستعانة بمحام طالما أن التنازل في بداية الإجراءات لا يكون نهائيا ويمكن التراجع فيه في أي طور من أطوار التحقيق ولا يسري هذا التنازل إلا على الاستنطاق الذي وقع فيه[93].
 و بالرجوع إلى الفصل 69 م.إ.ج. يتضح أن هذا التنبيه يجب أن يسبق أي تصريح يمكن أن يدلي به المظنون فيه فلا يجوز لقاضي التحقيق تقبل هذه التصريحات إلا بعد إعلام المظنون فيه بحقه في أن لا يدلي بأقواله بصفة مباشرة.

3) الاتهام المتأخر حدّ من تدخل المحامي:

 لمعرفة أثر لجوء حاكم التحقيق إلى التأخير في توجيه التهمة على دور المحامي وجب معرفة متى يكون الاتهام متأخرا ؟
 يبقى توجيه التهمة إلى شخص ما لحظة حاسمة في الإجراءات التي تسبق المحاكمة بل هو الإجراء المحوري الذي يدخل تغيير جوهري على وضعية الشخص الذي وجهت إليه التهمة من مظنون فيه أو ذي الشبهة حامت حوله شكوك أو شبهات في ارتكاب فعل مجرم إلى متهم تظافرت حوله أدلة في قيامه بذلك الفعل وقد عرف الأستاذ عزّ الدين العرفاوي توجيه التهمة بأنه " إلحاق الرسمي لمن كان مشبوها فيه بالأفعال الإجرامية والنصوص القانونية المنطبقة عليها وإعلامه بالحقوق المترتبة له عن ذلك "[94].
 و أهم إشكال يطرحه توجيه الاتهام هو تحديد التوقيت الذهني لتوجيه التهمة أي اللحظة الزمنية التي يجب على حاكم التحقيق توجيه الاتهام إلى المظنون فيه حتى لا يكون الاتهام متسرعا ولا متأخرا أيضا ويكتسب هذا التحديد أهمية بالغة فتوجيه التهمة إضافة إلى أنه اتهام فهو عمل دفاعي يرقب العديد من الضمانات القانونية للمتهم [95]، والتي لا يمكن أن يتمتع بها هذا الشخص إذا كان في وضعية الشاهد وخاصة حقه في الاستعانة بمحامي وبالتالي فإن تأخير الاتهام من شأنه أن يحرم المعني بالأمر من الضمانات الممنوحة للمتهم مما يجعل التأخير غير قانوني.
  فمتى يكون الاتهام متأخرا ؟
 طرحت المسألة على فقه القضاء الفرنسي قبل تدخل المشرع سنة 1956 نسبة الفصل 105 م.إ.ج. الذي عالج هذه المسألة وقد تبنى فقه القضاء معيارين مختلفين لتحديد الاتهام المتأخر وهما المعيار الذاتي والمعيار الموضوعي.
 و تأسس المعيار الذاتي على الغاية أو الهدف الذي من أجله لجأ حاكم التحقيق إلى التأخير في توجيه التهمة وهو حرمان المظنون فيه من الضمانات القانونية التي يمنحها المشرع للمتهم وهو ما ينتج عنه إضرار بحقوق الدفاع وقد وقع اعتماد هذا المعيار في قضية Dominici في 22 جويلية 1954 [96].
 و بالرغم من أن قرار المحكمة كان رفض الطعن على الاتهام المتأخر إلا أنها أقرت بطريقة ضمنية اعتمادها على معيار ذاتي وهو نية حاكم التحقيق في حرمان المتهم من الضمانات التي منحها القانون وفي الواقع فقد اعتمدت محكمة التعقيب شرطين في هذا القرار لمعاقبة التأخير في توجيه التهمة وهما عدم مشروعية الهدف وهو حرمان المتهم من الضمانات القانونية والنتيجة التي يؤدي لها ذلك الهدف وهي المساس من حقوق الدفاع.
 أما المعيار الموضوعي فيتأسس على النتيجة التي تترتب عن التأخير في توجيه التهمة، وهي الإضرار بحقوق الدفاع بقطع النظر عن اتجاه نية حاكم التحقيق إلى تلك النتيجة من عدمها وقد اعتمد فقه القضاء الفرنسي هذا المعيار في قرار بتاريخ 16 جوان 1955 الذي عرف بقرار Fesh[97]. وبالتالي فإن محكمة التعقيب أسست نقضها لقرار الإحالة على النتيجة التي أدى لها سماع المتهم على أنه شاهد وهي انتهاك حقوقه من الدفاع دون اعتبار إن كانت نية حاكم التحقيق متجهة إلى ذلك.
 إن المشرع التونسي لم يعتن بتنظيم هذه المسألة واكتفى بالتنصيص صلب الفصل 69 م.إ.ج. بأن حاكم التحقيق مجبرا على تعريف المتهم بالأفعال المنسوبة إليه والنصوص المنطبقة عنها أثناء الحضور الأول دون تحديد اللحظة الزمنية التي يجب على حاكم التحقيق أن يمتنع عن سماع المظنون فيه كشاهد ويتعين عليه توجيه التهمة إليه مما أفضى إلى وقوع عدة تجاوزات من قبل حاكم التحقيق على المستوى العملي أدت في غالب الأحيان إلى حرمان المتهم من حقه في الاستعانة بمحام وهو أهم أثر يمكن أن يترتب عن لجوء حاكم التحقيق إلى التأخير في توجيه التهمة.
 يعتبر إجراء توجيه الاتهام البوابة الوحيدة التي تمكّن المحامي من التدخل في إجراءات التحقيق ومعاضدة موكله وكلما تأخر حاكم التحقيق في القيام بهذا الإجراء بقي المحامي مغيبا عن الإجراءات لذلك اعتبر توجيه التهمة عمل دفاعي طالما أنه يؤسس حق استعانة المتهم بموكله أثناء التحقيق معه وكلما تأخر القيام بهذا الإجراء نتج عنه ضرر بحقوق الدفاع.
 كما أن حاكم التحقيق قد يعمد إلى جعل إجراءات البحث الولي تطول نسبيا وذلك بتأخيره لتوجيه التهمة إلى ذي الشبهة نظرا للنجاعة التي يعرفها البحث البوليسي الذي عادة ما يقترن بالضغط المعنوي والمادي على ذي الشبهة.
 و في غياب نص قانوني صلب م.إ.ج.التونسية يقابل الفصل 105 م.إ.ج. الفرنسية الذي يلزم حاكم التحقيق بالامتناع عن سماع الشخص الماثل أمامه بصفته شاهد إذ توفرت قرائن قوية ومتظافرة على إدانته فإن الاتهام المتأخر في ظل التشريع التونسي أصبح بمثابة الحيلة القانونية التي يلجأ إليها حاكم التحقيق لإقصاء المحامي من إجراءات التحقيق حتى يصبغ على عمله السرعة والنجاعة اللازمتين وذلك بمواصلة سماعه للمظنون فيه على أنه شاهد بالرغم من توفر عناصر وأدلة كافية لتوجيه التهمة إليه حتى لا يتمكن المظنون فيه من الاستعانة بمحامي الذي من شأنه أن يعطل سير الإجراءات تنبيه موكله إلى سبل درء التهمة عنه. وبالتالي فإن دور المحامي في الدفاع عن موكله في القانون التونسي يبقى رهن إرادة حاكم التحقيق في توجيه التهمة وقد يلجأ حاكم التحقيق إلى تأجيل الاتهام وذلك لمتابعة التحقيق بأي عمل تحقيقي آخر يراه صالحا كالاختيار وهو ما يعرف بالتحقيقات الإضافية وبذلك يحرم المتهم من حقه في الاستعانة بمحام دون أن يكون قد انتهك أي مبدأ من مبادئ الإجراءات الجزائية [98]، مما يجعل المتهم عاجزا عن المطالبة بحقه في الدفاع.
 و قد اعتبرت محكمة التعقيب في قرار لها بتاريخ 11 جوان 1962 أن البطلان المطلق يهم قواعد النظام العام وبعض القواعد والإجراءات الأساسية إذ كان ذلك مقصد المشرع والتساؤل الذي يطرح تحت أي هذه المعايير يمكن إدراج الاتهام المتأخر ؟ أي هل التأخير في توجيه التهمة تهم النظام العام أو القواعد الإجرائية الأساسية أم أنه يتعلق بالمصلحة الشرعية للمتهم ؟
 لقد اعتبر الأستاذ محمد الزين [99] أن سماع شخص بصفته شاهد بطريقة غير شرعية يؤدي حتما إلى تأدية هذا الأخير لليمين بدون سبب شرعي ويضيف أن لجوء حاكم التحقيق إلى تأخير في توجيه التهمة ينطوي على خطأ فاحش يتمثل في نية الإضرار بحقوق الدفاع ويعتبر نزاهة حاكم التحقيق من قبيل الأمور التي تهم النظام العام وهو ما يجعل البطلان في هذه الحالة مطلقا.
 و يبقى الفراغ القانوني هو موطن هذه الإشكاليات وهو ما يجعل تدخلا تشريعيا أكيد لوضع نص يقابل الفصل 105 م.إ.ج. الفرنسية يمنع عن حاكم التحقيق اللجوء إلى التأخير في توجيه التهمة بهدف إقصاء المحامي من التدخل في الإجراءات والدفاع عن موكله.

4) غياب المحامي عن الاعمال المادية للتحقيق

 إن بحث حاكم التحقيق عن الحقيقة بدون توان يتطلب منه في بعض الأحيان مغادرة مكتبه للغوص في ملابسات القضية عن كثب لإجراء أبحاث تكميلية مثل التوجه والمعاينة والتفتيش والحجز وهي أعمال مادية يقوم بها حاكم التحقيق بصفة مباشرة كما يمكن لهذا الأخير الاستعانة بأهل الاختصاص لإجراء الاختيارات اللازمة والتساؤل الذي يطرح في هذا المجال هل يمكن للمحامي مواكبة هذه الأعمال طالما أن نتائجها تهم موكله من جهة وبوصفه مساعدا للقضاء من جهة أخرى ؟
 منح المشرع هذه الصلاحية لحاكم التحقيق بمقتضى الفصل 53 م.إ.ج. الذي نص على أن هذا الأخير يتولى بمساعدة كاتبه إجراء المعاينات بسجل الواقعة.
 بالرجوع إلى الفصل 69 م.إ.ج. في فقرته قبل الأخيرة نجد المشرع بعفي حاكم التحقيق من مراعاة الأحكام المتعلقة باستدعاء المحامي وحضوره ومكنه من إجراء الاستنطاق في الحين إذا توجه على عين في حالة التلبس بالجريمة.
 و هو ما يعني بقراءة عكسية أن المحامي يمكنه الحضور وعلى حاكم التحقيق أن يستدعيه للحضور إلى جانب المتهم إذا كان التوجه إلى العين سيقترن باستنطاق المظنون فيه خارج حالة التلبس ويتدعم هذا الرأي بما ورد في الفقرة الأخيرة من الفصل 56 الذي مكن حاكم التحقيق من نقل ذي الشبهة إلى محل التوجه إذا ظهر لزوم ذلك.
 إذ أن الواقع العملي يفيد أنه نادرا جدا أن يستدعي حاكم التحقيق محامي المظنون فيه لحضور عملية التوجه والمعاينة ويمكن تفسير ذلك بالصيغة الاختيارية لحاكم التحقيق في تمكين المظنون فيه ومن باب أولى وأحرى محاميه من الحضور لإجراء التوجه والمعاينة بقا لمقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 56 م.إ.ج. وبالتالي يمكن القول أن دور المحامي يبقى مغيبا في إجراءات التوجه والمعاينة التي يقوم بها حاكم التحقيق إذ لا يوجد نص بـ م.إ.ج. يجبر هذا الأخير على استدعاء المحامي للحضور على عكس وكيل الجمهورية الذي يمكنه أن يطلب من حاكم التحقيق التوجه إلى مكان الواقعة وألزم المشرع هذا الأخير بإعلام ممثل النيابة العمومية عند التوجه من تلقاء نفسه وله الخيار في الحضور من عدمه.
 وهو ما يمثل اختلالا في التوازن بين سلطتي الدفاع والاتهام وبذلك فإنه حري بالمشرع أن يتدخل ليمكن المحامي من الحضور عملية التوجه والمعاينة التي يقوم بها حاكم التحقيق خاصة إذا كان هذا الأخير ينوي استنطاق المتهم أثناء قيامه بهذا الإجراء.
 كما أن المشرع لم يضع نصا قانونيا يخول للمحامي حضور هذه الإجراءات التفتيش والحجز أو يجبر حاكم التحقيق على استدعاء محامي المظنون فيه قبل أن يشرع في عملية التفتيش أو الحجز فحضور المظنون فيه بنفسه لعملية التفتيش والحجز لا يمثل شرطا أساسيا لصحة الإجراءات بل هو يخضع للسلطة التقديرية لحاكم التحقيق وإذا كان المظنون فيه لا يحضر هذه الإجراءات فمن باب أولى وأحرى أن لا يحضر محاميه أيضا وهو ما يمثل إضرارا لحقوق الدفاع إذ أنه عمليا إذا أقر حاكم التحقيق بنقل ذي الشبهة إلى مكان التفتيش والحجز فعادة ما يكون غايته استنطاق المتهم بطلب إيضاحات وإلقاء عليه مجموعة من الأسئلة حول الأشياء المراد حجزها ففي هذه الحالة يكون لزاما على حاكم التحقيق تمكين ذي الشبهة في الاستعانة بمحام.
 و عموما فإنه في ظلّ غياب نص قانوني صريح يبيح للمحامي الحضور أثناء عمليات التفتيش والحجز فإن حضور هذا الأخير يبقى عمليا مستبعدا وهو ما يدعو المشرع إلى التدخل بإلزام حاكم التحقيق باستدعاء محامي ذي الشبهة لحضور عملية التفتيش والحجز خاصة إذا كان ينوي استنطاق هذا الأخير أثناء قيامه بهذه الأعمال.

الفرع الثاني: حقوق الدفاع

أهم ضمانات الاستنطاق.

1-   واجب توجيه الاتهام:

 ينصّ الفصل 69 م.إ.ج. " يثبت حاكم التحقيق هوية ذي الشبهة عند حضوره لأول مرة ويعرفه بالأفعال المنسوبة إليه والنصوص القانونية المنطبقة عليها ويتلقى جوابه بعد أن ينبهه بأنّ له الحقّ في أن لا يجيب إلا بمحضر محام يختاره وينص على هذا التنبيه بالمحضر".
 فتوجيه التهمة هو إجراء يقوم به قاضي التحقيق، يشعر المظنون فيه بالأفعال المنسوبة إليه والنصوص القانونية المنطبقة عليها وتوجيه الاتهام هو الفيصل بين المرحلة التي يكون فيها حقوق الشخص الواقع ضده التتبع شبه غائبة والمرحلة التي تنشأ، فبإتمام هذا العمل يتمكن المظنون فيه من بقية الحقوق المترتبة عليها وخاصة الحقّ في عدم الإجابة الفورية والحقّ في الاستعانة بمحام.
 يذهب الفقيه الفرنسي Merle إلى أن توجيه التهمة يشكل مرحلة هامة في النزاع الجنائي وذلك بإحداث طرف الدفاع مقابل النيابة العمومية كطرف مدع وتجدر الملاحظة أن المظنون فيه غير مجبر على قول الحقيقة فيمكنه الالتجاء إلى الكذب كوسيلة دفاع عن نفسه وإثبات براءته ولا أدلّ على ذلك من أن الفصل 69 م.إ.ج. ينصّ في فقرته 6 على أنه " يجب أن يتيح الاستنطاق لذي الشبهة فرصة إبعاد التهمة عنه أو الاعتراف بها ".
 إن توجيه الاتهام يجب التنصيص عليه صلب محضر الحضور الأول حتى يتمكن الدفاع فيما بعد من مراقبة صحّة الإجراءات إذ يخوّل له مراقبة ناجعة لأعمال قاضي التحقيق.

2-   حق الاطلاع

لا يكون حق الدفاع مؤمنا بصورة مجدية ما لم يكن للمتهم حق الاطلاع على كل ما تعلق به في الادعاء. فلا يجوز أن تجمع الأدلة او تناقش بغياب المتهم، وانما يجب إعلامه سريعا وتفصيلا وبلغة يفهمها بطبيعة التهمة الموجهة اليه وبأسبابها، لكي يتسنى له تحضير دفاعه بروية. وبهذا المعنى فرض الفصل 69 من مجلة الاجراءات الجزائية على قاضي التحقيق عند مثول المدعى عليه أمامه في المرة الأولى ان يحيطه علما" بالجريمة المسندة اليه فيلخص له وقائعها ويطلعه على الأدلة المتوافرة لديه وعلى الشبهات القائمة ضده لكي يتمكن من تفنيدها والدفاع عن نفسه؛ كما فرضت على قاضي التحقيق أن يمكن محامي الدفاع من الاطلاع على اوراق الملف قبل 24 ساعة على الاقل من الاستنطاق.

3-   التنبيه بالحقّ في عدم الإجابة:

 بعد التحري في هوية المظنون فيه وإعلامه بالأفعال المنسوبة إليه والنصوص القانونية المنطبقة عليها وينبهه قاضي التحقيق بأن " له الحق في أن لا يجيب إلا بمحضر محام ".
و يبدو من عبارات الفصل 69 م.إ.ج. أن التنبيه على ذي الشبهة بالحق في عدم الإجابة الفورية وبإمكانية الاستعانة بمحام هما حقان متلازمان إذ لا يتصور أن يمتنع المظنون فيه عن الكلام إن لم تتجه إرادته إلى إحضار محام والغاية التي يرنو إلى تحقيقها المشرع هي تمكين ذي الشبهة من أخذ مهلة للتفكير لتحديد واختيار طريقة الدفاع المناسبة والملائمة لضمان حقوقه وأدل على ذلك من أنه يمكنه العدول عن الاستعانة بمحام عند انتهاء هذه المهلة لذلك فالحق في عدم الإجابة الفورية هو حقّ مستقل يستلزم التنبيه به بكلّ وضوح من قبل القاضي.
 إن الهدف من إقرار هذا الحق هو حماية ذي الشبهة من كلّ اعتراف يمكن أن يصدر عنه بصفة غير مركزة تفاديا للتصريحات المضرة بمصالحه والتي قد تحدث له المفاجأة والروعة أثناء التحقيق في الأصل ويوفر التنبيه بعدم الإجابة الفورية للمظنون فيه خيارين اثنين: إما أن يدلي بصفة مباشرة وتلقائية وحرة بتصريحاته بعيدا عن الضغوطات الفكرية والنفسية وإما أن يلتزم المظنون فيه الصمت لمدّة معينة بما يصير الحضور الأول مجرّد استيضاحات حول هوية هذا الأخير[100].
فهل يعتبر الحق في عدم الإجابة الفورية هو الحق في الصمت ؟
 يذهب البعض إلى أن الحق في عدم الإجابة الفورية هو حقّ في الصمت المؤقت في حين يرى البعض الآخر أنه حق في الصمت بأتمّ معنى الكلمة إلا أن عدم الإجابة الفورية لا يمكن اعتبارها بالمرة حقا في الصمت، ذلك أن الصمت هو في الأصل عائق يحول دون سعي قاضي التحقيق لإدراك الحقيقة بالإضافة إلى أنّ الحقّ في الصمت يكرسه المشرع صلب الفصل 74 م.إ.ج. لكن دون أن يحمل قاضي التحقيق عبء التنبيه به وبذلك فالحق في عدم الإجابة الفورية هو وسيلة من وسائل تنظيم الدفاع.
 فعدم الإجابة الفورية هو حقّ مؤقت في انتظار حضور نائب المتهم بدليل أن المشرع أقر صراحة أنه في صورة عدم حضور المحامي بعد استدعائه يحب أن تجري الأعمال بدون توقف على حضوره.
 و يتجسد حقّ الصمت في امتناع ذي الشبهة عن الجواب عن أسئلة قاضي التحقيق.

4-   حق المظنون فيه في الصمت:

 يختار ذي الشبهة الطريقة الملائمة لدفاعه تجاه المؤيدات المقدمة ضدّه أثناء الاستنطاق، فيمكنه أن يلازم الصمت من خلال الامتناع عن الإجابة عن أسئلة قاضي التحقيق.
 اقتضى الفصل 74 م.إ.ج. " أنه إذا امتنع ذي الشبهة عن الجواب أو أظهر عيوبا تمنعه وليست فيه فإن حاكم التحقيق ينذره بأن البحث في القضية لا يتوقف عن جوابه وينصّ على هذا الإنذار بالتقرير".
 و يبرر الحق في الصمت تمتيع المظنون فيه على تمتعه بقرينة البراءة والتي تفيد ان النيابة العمومية تتحمل أصلا إثبات ارتكاب ذي الشبهة للفعل الإجرامي والبحث عن المؤيدات طالما يتمتع بقرينة البراءة التي تغذيها قاعدة مفادها أن الشك ينتفع به المتهم.
 و يرتكز الحق في الصمت الذي يتمتع به المظنون فيه على مبدأ عدم جواز إجباره على إدانة نفسه وهو مبدأ يترتب بداهة عن عدم أداء اليمين من قبله وهو ما جعل الحق في الصمت حقا دستوريا على غرار الدستور الأمريكي الذي كرسه في التعديل 5 " لا يمكن إجبار شخص على الشهادة ضدّ نفسه في القضايا الجزائية ". كما أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اعتبرت في قرار Funk الصادر في 25 فيفري 1993 معرفا الحق في الصمت كالآتي: " الحق في الصمت هو الحق المستمد بصفة طبيعية من حق كلّ شخص في أن لا يساهم في اتهام ذاته ".

لقد حاول المشرع التونسي توخي النظام الاتهامي في طور التحقيق القائم على مبدأ المواجهة وذلك بتمكين المتهم من الاستعانة بمحام أثناء التحقيق معه. لكن السلطة الموسعة لحاكم التحقيق في تسيير عملية التحقيق وضرورة البحث تجعل أحيانا تدخل المحامي في إجراءات التحقيق محدودا مما يؤدي في بعض الأحيان إلى تعسف حكام التحقيق بلجوئهم إلى بعض الحيل القانونية لإقصاء المحامي من الحضور، لذلك مكن المشرع موكل المتهم من مراقبة أعمال حاكم التحقيق من خلال الطعن فيها أمام دائرة الاتهام بوصفها درجة التحقيق إلا أن رقابة هذا الأخير على إجراءات التحقيق كانت محدودة.
 يبقى تدخل المحامي أمام حاكم التحقيق مرتبطا أشد الارتباط بتوجيه الأخير الاتهام على المظنون فيه وبالتالي فإن حاكم التحقيق يمكنه أن يقصي المتهم من إجراءات التحقيق إذا لجأ إلى تأخير توجيه التهمة، أما إذا تم توجيه التهمة على المظنون فيه فإن المحامي لا يحضر أمام حاكم التحقيق إلا عند استنطاقه للمتهم وبالتالي فهو متغيّبا عن الأعمال التكميلية لحاكم التحقيق.

5-    حق المظنون فيه في التكلم:

 يعتبر كلام ذي الشبهة أثناء عملية الاستنطاق عاملا من عوامل المواجهة لذلك نصّ المشرع صلب الفقرة 6 من الفصل 69 م.إ.ج. " يجب أن ينتج الاستنطاق لذي الشبهة فرصة إبعاد التهمة أو الاعتراف بها " وهو ما يمكن المظنون فيه من مناقشة الأدلة الموجودة ضدّه.
 و هذه المناقشة تشمل الإجابة عن أسئلة قاضي التحقيق وتقديم بعض التوضيحات في الأصل لذي الشبهة الحق في الإجابة عن أسئلة قاضي التحقيق وله أن يختار الصيغة المناسبة للجواب وله أن يتحكم في مضمون إجابته عن سؤال قاضي التحقيق وله أن يجيب حينئذ إجابة مقتضبة كأن يقول "لا" أو "نعم" كما يمكن أن يكون جوابه ضافيا ولا يجوز جبره على الإجابة بصيغة معينة ويجب على قاضي التحقيق إلقاء الأسئلة عليه بصيغة واضحة ومفهومة وإذا كان المظنون فيه لا يتكلم العربية يجب أن تعيّن له المحكمة مترجما يمكن من استيعاب مضمون السؤال الموجّه إليه[101].
 تمكين ذي الشبهة من استيعاب الأسئلة المطروحة عليه على صبغتها الأصلية أو من خلال تأمين ترجمتها بصدق لذلك اقتضى الفصل 66 م.إ.ج. وجوب أن يكون المترجم محلفا وأن يؤدي اليمين على أن يترجم بكامل الصدق وهو ما يفرض الأمانة في ترجمة السؤال والجواب على حدّ السواء.
 يمكن للمظنون فيه أن يقدم تبريرات وتوضيحـات بخصوص أصل القضيـة حيث يعتبر Pradel أن " الاستنطاق هو الوحيد الذي يخول للمظنون فيه تقديم بعض التبريرات والتوضيحات في الأصل ".
 و غالبا ما تكون أسئلة قاضي التحقيق الموجهة لذي الشبهة متضمنة لأدلة تبعث على إدانته فإنه يكون من حقّ هذا الأخير مناقشة صحة تلك الأدلة والردّ عليها بما يمكن أن يفيد خلاف ذلك.

 

 

خاتمة

حتى تقوم مرحلة ما قبل المحاكمة بدورها في ضمان حسن سير العدالة الجزائية لابد من إعادة النظر في مؤسسة البحث الأولي وفي بعض الضمانات وذلك من خلال الحرص على توفيرما يلي :
الإقرار بحق الدفاع للمظنون فيه خلال مرحلة البحث الأولى والتدقيق في الإجراءات وتحديد الأعمال التي قد تمس بالحرية الفردية بصفة واضحة وصريحة[102]، والاعتناء بمؤسسة الاحتفاظ من خلال تقليص مدته وإيجاد رقابة مباشرة على أعمال الباحث المناب حماية لحقوق المتهم ، وإرساء رقابة فعلية للإذن بالفحص الطبي ، مع ضرورة تشدد السلطة التشريعية والقضائية عند وجود اعتداءات مسلطة على المتهم[103]، حماية لحقوق الإنسان التي تضمنها القوانين والمواثيق الدولية والتي صادقت عليها تونس. 



[1] - سمير ناجي: حماية حقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية: المؤتمر الثاني للجمعية المصرية للقانون الجنائي، الإسكندرية 1988، ص2.

[2] - BEKAERT (H) : La manifestation de la vérité dans le procès pénal. Edition E.E.B Bruxelles 1972 page12.

[3]  أساس البلاغة: الإمام محمد بن عمر الزمخشري: دار المعرفة للطباعة والنشر.

[4]  المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي: لأحمد بن علي المقري البيومي

[5]  المعجم الوسيط: معجم اللغة العربية، طبعة ثانية: مصر ص 544

[6]  عبد الله الأحمدي: حقوق الإنسان والحريات العامة في تونس: ص 393.

[7]  رمسيس بهنام: الإجراءات الجنائية، تأصيلا وتحليلا. منشأة المعارف 1984 ص 175

[8]  القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة المسجونين وإجراءات التنفيذ- إدارة شؤون الإعلام نيورك 1984، ص 15- فرع ج.

[9]  عمر فاروق الحسيني : تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف: المطبعة العربية الحديثة، القاهرة 1986، ص 70.

[10]  هذه التعريفات وردت وفقا للمادة 111 من المرسوم الصادر في 20 ماي 1903- في فرنسا.

[11]  انظر الفصول: 68،69،71،74،76 من م ا ج

[12]  انظر الفصلين: 70و75 من م ا ج.

[13] - حياة عباس : التعذيب بين الواقع والقانون : مذكرة للحصول على شهادة الدراسات المعمقة في القانون 1992

[14] - الفصل 48 م إ ج

[15] - الفصل 49 م إ ج

[16] - علي عبد القادر القهوجي، قانون أصول المحاكمات الجزائية، ج 2، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان 1992،ص193.
[17]  سامي بن فرحات: الإصلاح الدستوري وجمهورية الغد- المكتب الجامعي الجديد 2006- ص 25

[18]  ـ حاتم الدشراوي، الحقوق الفردية وصلاحيات الشرطة، مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمقة في العلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1995-.1996.

[19]- القانون عدد 34 لسنة 2008 المؤرخ في 2 جوان 2008 يتعلق بإصدار مجلة الديوانة ، بما يكون معه من المستساغ إستعمال عبارة أعوان الديوانة عوض أعوان القمارق مثلما ورد بالفصل 13 مكرر من م.إ.ج.

[20]  ـ محمد المحرزي عبو، وكيل الجمهورية في المادة الجنائية، مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمقة في العلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 1992، ص. 73.

[21]- القانون عدد 70 لسنة 1982 المؤرخ في 6 أوت 1982 المتعلق بضبط النظام الأساسي العام لقوات الأمن الداخلي. الرائد الرسمي عدد 54 الصادر في 13-10 ديسمبر1982  ، ص. 1827

[22]- Bel Hadj Hammouda Ajmi،  " le silence de l’ inculpé " colloque sur l’instruction " association Tunisienne du droit pénal. Tunis 1992.p 163.
 - لطفي بن جدو، ضمانات المتهم، مداخلة ضمانات المتهم، لقاء جهوي الكاف، 9 جوان 1995، ص.16.

[23]  ـ حسن عزالدين دياب ، الحق لفاقد الحرية في المعاملة الإنسانية ، مرجع سابق ، ص. 55.

[24] Graven (J) ; la protection de la personne dans le procès pénal en droit Suisse، 1969، p 29

-[25] جمال الزمزمي، استنطاق ذي الشبهة، مذكرة ملحق قضائي ،المعهد الأعلى للقضاء، 2001-2002،ص.113.

[26]- جان دوبلان، شرح قانون المرافعات الجزائية، ترجمة محمد بن عمار الورتاني، المطبعة التشريعية تونس 1922 ، ص. 682 .

[27] ـ لمياء العبيدي ، العنف في القانون الجنائي: مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمقة في القانون كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1999- 2000 ص. 5. ـ فراس حسني إبراهيم ، تبرير المساس بالحرمة الجسدية ، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون ، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، السنة الجامعية 2004 ص.5 . ـ عمر فاروق الحسيني ، تعذيب المتّهم لحمله على الاعتراف، المطبعة العربية الحديثة ،القاهرة ،1986، ص .25.

[28]- ألويس مبدر، أثر التطور التكنولوجي على الحريات العامة، منشأة المعارف ، الإسكندرية، 1987، ص .223.


[29] Graven (J) ; la protection de la personne dans le procès pénal en droit Suisse، 1969، p 29

- [30] جمال الزمزمي، إستنطاق ذي الشبهة، مذكرة ملحق قضائي ،المعهد الأعلى للقضاء، 2001-2002،ص 113.

[31]- جان دوبلان، شرح قانون المرافعات الجزائية ، ترجمة محمد بن عمار الورتاني، المطبعة التشريعية تونس 1922 ،ص 682

[32] - ثروت جلال ، جرائم الاعتداء على الأشخاص ، الإسكندرية ، الدار الجامعية 1984 ، ص. 404 .

[33]- ألويس مبدر، أثر التطور التكنولوجي على الحريات العامة، منشأة المعارف ، الإسكندرية، 1987، ص 223

34 ـ عبد الله الأحمدي، حقوق الإنسان والحريات العامة في القانون التونسي ، مرجع سابق،ص. 379.

[35]- رجاء المالكي ، التعسف في معاملة ذي الشبهة ، مذكرة للحصول على شهادة الماجيستير في القانون ، كلية الحقوق والعلوم القانونية والسياسية بتونس ،2004/2005 ،ص. 25.

[36] -عوض محمد عوض، حقوق المشبوه فيه في مرحلة التحقيق، م.ق.ت، ماي 1980، ص. 73.

[37] - BESSON : Article précité D 1958 chron p136 et SS n° 53.

[38] - ESSAID : La présomption d’innocence ; Thèse précitée n° 726.

[39] - PEUCH, Jurisclasseur procédure pénal Art. 53 à 73 ; n° 111 et 112

[40]- انظر مثالاً تطبيقياً لهذه الحالة: تع جزائي عدد 8297 مؤرخ في 1 أفريل 1972، قانون جزائي 1972، ص.96.

[41]- تقرير لجنة الشؤون السياسية ولجنــة التشــريع العام، مداولات مجلـس النواب ،عدد 5، جلسة 21 نوفمبر 1987، ص 21.

[42]- Puech ، Jurisclasseur، Proc، Pén. Art 53 a 73 N° 111 et 112.

[43]- Lambert ، Precis de police judiciaire selon le nouveau code a l'ancien ، ed Désigne  et cie ، Lyon 1959 P101.
- حامد عبد الحليم الشريف، الدفوع في الجنح في قانون العقوبات ، القاهرة ، المركز الفرنسي للإصدارات القانونية، 2005،ص89.

[44]- سامية دولة، دور القضاء في ضمان الحريات، م.ق.ت السنة 43 أكتوبر 2001،  عدد 8،  ص.262.

[45] ـ بسمة الشابي ، حرية المتهم ، ماجستير علوم جنائية ، كلية الحقوق والعلوم الساسية بتونس ،السنة الجامعية 2006/2007 ، ص.80 وما بعدها .

[46]ـ أوجبت المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية المصري على المحقق عند حضور المتهم أمامه لأول مرة أن يتحقق من شخصه، بأن يثبت اسمه ولقبه وسنه وما إذا كان ذكرا أوأنثى ومكان مولده ومركزه الاجتماعي والعائلي وسوابقه القضائية وذلك حتى لا يتخذ الإجراء ضد برئ.

[47]- سامية دولة، دور القضاء في ضمان الحريات، مرجع سابق ، ص.262.

[48]  ـ محمد الهادي الأخوة: حتى لا يبقى مجالا للقول التعذيب يستنطق والآلام تجيب، محاضرة ألقيت على منبر الجمعية التونسية للقانون الجنائي سنة 1986، ص49

[49] - LAMBERT ; Précis de police judiciaire selon le nouveau code comparé à l’ancien,éd. Desvigne et Cie, Lyon, 1959, p.96.

[50] - JAZI, (D) :Les rapports entre l(Etat et le citoyen dans la Tunisie indépendante : le problème des libertés publiques. Op. Cit, p.226.

[51] - ساسي بن حليمة،  " نناشد المشرع أن لا يترك المشروع على ما هو عليه" صحيفة الرأي ،عدد 358 ،مؤرخة في 31 جانفي 1986، ص.8.

[52]  ـ محمد علي الزّمالي، مناهضة التعذيب، مذكرة للحصول على شهادة ماجستير علوم الإجرام، كلية الحقوق والعلوم الساسية بتونس 2004-2005. ص.89 .

[53] ـ محمد هيثم شيخة ، الاختبار الطبي في المادة الجزائية ، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في علوم الإجرام ، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس ، السنة الجامعية 2008/2009
 

[54]  ـ  حنان بو غابة ، التوجهات الحديثة للنظام القضائي التونسي ، ماجستير في العلوم الجنائية ، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس ، السنة الجامعية  2007/2008 ، ص.12.

[55] - المنجد في اللغة والإعلام طبعة دار المشرق بيروت، لبنان، 1987، ص55.

[56] - الذهبي العباسي: الإيقاف التحفظي وانعكاساته على الحريات العامة. م.ق.ت. جوان 1977، ص9.

[57] - محي الدين بن مبروك: الإيقاف التحفظي عند الشرطة والحرس الوطني. م.ق.ت. 1972، ص39.

[58] - AYED Mohamed : La détention avant jugement. M.D.E.S. – Fac des droits et de Sc.P ; et Eco. De Tunis 1977-78. p.50.

[59] - انظر الفصل 20 وما بعده من م.إ.ج.

[60] - انظر الفصل 34 من م.إ.ج.

[61] - انظر الفصل 142 من م.إ.ج.

[62] - انظر الفصل 81 من م.إ.ج.

[63] - حدد الفصل 85 م.إ.ج. هذه الحالات في : التلبس وعند ظهور قرائن قوية تستلزم الإيقاف.

[64] - أحمد ولها: حقوق المظنون فيه في مرحلة التحقيق الابتدائي، مذكرة علوم جنائية، كلية الحقوق ، تونس، 1991-1992، ص20.

[65] - قرار تعقيبي جنائي عدد 6912 مؤرخ في 4 جوان 1969. نشرية محكمة التعقيب لسنة 1970، ص163.

[66] - الفصل 80 م.إ.ج.

[67] - ينص دستور 2014 على مايلي: 
الفصل 68 – لا يمكن إجراء أي تتبع قضائي مدني أو جزائي ضد عضو بمجلس نواب الشعب، أو إيقافه، أو محاكمته لأجل آراء أو اقتراحات يبديها، أو أعمال يقوم بها، في ارتباط بمهامه النيابية.
الفصل 69 – إذا اعتصم النائب بالحصانة الجزائية كتابة، فإنه لا يمكن تتبعه أو إيقافه طيلة مدة نيابته في تهمة جزائية ما لم ترفع عنه الحصانة.
أما في حالة التلبس بالجريمة فإنه يمكن إيقافه، ويُعلم رئيس المجلس حالا على أن ينتهي الإيقاف إذا طلب مكتب المجلس ذلك.

[68] - الفصل 22 من قانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلق بضبط القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء والقضاة.

[69] - فوزية عبد الستار: شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1986، ص352.

[70] - مصطفى مجدي هرجة: الإثبات في المواد الجنائية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1990، ص156.

[71] - عادل فرحات: استنطاق ذي الشبهة من قبل قاضي التحقيق، مذكرة علوم جنائية، تونس 1996، ص69 وما بعدها.

[72] - الفصل 68 م.إ.ج.

[73] - انظر ساسي بن حليمة، المقال المذكور، صحيفة الرأي 31 جانفي 1986.

[74] - الفصل 109 م.إ.ج.

[75] - مصطفى مجدي هرجة: ذكر سابقا، ص68.

[76] - الفصل 7 م.م.م.ت.

[77] - عبد الرزاق السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، المجلد 2، الالتزام بوجه عام، ص823.

[78] - " التعويض الكامل يكون موكولا إلى اجتهاد القضاء ويخضع إلى مجموعة من المبادئ تهدف عموما إلى تأمين منح الضرر تعويضات كاملة وشاملة لمختلف عناصر الضرر المادية والأدبية... لا يكون التعويض كاملا إلا إذا شمل مختلف عناصر الضر المادية منها والمعنوية على حد السواء، وتدخل عناصر التعويض المادي ما فات المتضرر من مداخيل نتيجة الضرر الجسدي اللاحق به وما أنفقه وما كان عليه أن ينفقه لتدارك عواقب الفعل الضار وكذلك النقص الحاصل في التكامل الوظيفي لجسده، ويشمل التعويض عن الضرر المعنوي جميع ما ترتب عليه المساس بالحرمة الجسدية من آلام وأوجاع ونقص في التناسق الجمالي للجسد والمساس بصفاته الجمالية "
محمد اللجمي: التعويض عن الضرر البدني في القانون التونسي والمقارن، مطبعة بابيريس 1997، ص ص 43-50.

[79] - LAMBERT-FAIVER (Y) : Droit du dommage. 3ème édition. Dalloz, 1996. p158.

[80] - LARROUMET (CH) : Droit civil, les obligations, le contrat. 2ème édition, édition Economica, 1990, p696.

[81] - LEIGH (L.H) : La détention provisoire en droit anglais, in colloque les atteintes à la liberté avant jugement en droit comparé. Edition Cujas 1994, p129.


[82] - GUIDICELLI (A) : L’indemnisation des personnes injustement détenues ou condamnées.

  R.S.C. 1998, p11 et S.

[83] - الطيب اللومي، مقال مذكور سابقا ص31.

[84] - قرار تعقيبي عدد 10602 في 27 فيفري 1986 ن.م.ت. 1987، ص66.

[85] - لطفي بن جدو: ضمانات المتهم، مداخلة ضمانات المتهم، لقاء جهوي الكاف 9 جوان 1995، ص16.

[86] - PRADEL (J) : Op. Cit. p81.

[87] - ZINE (M) : Op. Cit. p85.

[88] - محمد الحبيب الشريف: مقال مذكور سابقا، ص51.

[89] - الطيب اللومي: مقال مذكور سابقا، ص31.

[90] - راجع في هذا الصدد مذكرة عادل فرحات حول استنطاق ذي الشبهة من طرف قاضي التحقيق، مرجع مذكور سابقا، ص69 وما بعدها.

[91] - باستثناء صورة الاستنطاق  في جرائم البورصة حيث يحضر المحامي أمام مأموري الضابطة العدلية.

[92] - انظر الفصل 57 م.إ.ج الوارد بالقانون عد 17 لسنة 2007، المؤرخ في 22 مارس 2007.

[93] - محمد الشركسي:ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي والمحاكمة في القانون الإجرائي الليبي، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1993، ص 147.

[94] - Arfaoui (E) L’inculpation, Mémoire D.E.S, Sciences criminelles, Faculté de droit et des sciences politiques de Tunis, 1978, p15.

[95] - Arfaoui (E) Op.Cit.p22.

[96] - تتمثل وقائع هذه القضية في أن شخص اتهم بقتل 3 أشخاص وقد رفضت الدائرة الجنائية لمحكمة التعقيب طعن المتهم على أساس الاتهام المتأخر واعتبرت في إحدى حيثياتها أن حاكم التحقيق يوجه التهمة إلى المظنون فيه بعد أن يتأكد من قيامه بأفعال من شأنها إثبات مسؤوليته عن الجريمة واعتبرت أنه لا يوجد أي وثيقة بالملف وليس هناك ما يفيد أن المحقق قصد حرمان المتهم من الضمانات التي يمنحها له القانون وبالتالي فإن حاكم التحقيق لا ينتهك حقوق الدفاع للمتهم ".

[97] - وتتمثل وقائع القرار في أن المدعو Fesh أراد شراء مركب شراعي ليقوم بجولة حول العالم ولم تكن لديه أموال فقام بالسطو على محل مبادلات مالية بمساعدة Blot et Rabel وعند خروج Fesh  من المحل وجد نفسه وجها لوجه مع عون أمن فأطلق عليه النار فقتله اعتقادا منه أنه كشفه ورغم القبض عليه متلبسا فقد تم استجوابه كشاهد فقام بالطعن في الإجراءات بالبطلان وقبلت الدائرة الجنائية لمحكمة التعقيب طعنه ونقض قرار الإحالة معتبرة أنه بعد استجوابه من قبل مأموري الضابطة العدلية وهو متلبس وبعد اعترافه بمساهمته في الأفعال الإجرامية فإنه لا يمكن لـ Fesh أن يستجوب من الغد أو بعده كشاهد وبالتالي فقد كان على قاضي التحقيق أن يوجه له الاتهام منذ اعترافاته الأولى وهكذا فإن سماعه كشاهد لاحقا ينتج عنه حرمانه من الضمانات التي أسست لصالحه قانونا "

[98] - Arfaoui (E) : Op. Cit. p86.

[99] - M ZINE. Op. Cit. p149.

[100] - محمد الهادي الأخوة، مرجع سابق، ص12.

[101] - عوض محمد عوض: حقوق المشتبه فيه في مرحلة التحقيق م.ق.ت.عدد5 جانفي 1980، ص80.

[102]  ـ إيمان الهبي ، ضمانات الحرية في مرحلة ما قبل المحاكمة ، ماجستير علوم جنائية  ، كلية الحقوق والعلوم الساسية بتونس ، السنة الجامعية 2007/2008  ، ص.09.

[103] -PRADEL , Le dispositions de la loi n°70-643 du 17 Juillet 1970 sur la garde à vue en matière de sureté de l’être.Dalloz, 1972.  

ليست هناك تعليقات: