2013/02/17

العدالة الجزائية الدولية… مقال وتعليق


كتبهامحمود داوود يعقوب ، في 2 أغسطس 2008 الساعة: 12:47 م

جاء في مجلة المجلة في عددها الصادر بتاريخ 24/07/2008 تحت عنوانالعدالة الدولية.. عين لا ترى إلا ماتريد ما يلي (مقتطفات من المقال):
في ظل التغاضي عن جرائم العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية
محاكمة البشير انتقائية مفضوحة و«عدالة لاهاي» لم تلتفت للغرق الإسرائيلي في الدماء العربية
*أصبحت ازدواجية المعايير هي السمة البارزة التي تميز منظومة عمل المنظمات الأممية؛ وبات واضحاً بما لا يقبل مجالاً للشك أن هناك قانونين دوليين أحدهما للتعامل مع الحكام العرب والآخر لمن سواهم.وبرزت هذه الحقيقة كأوضح ما يكون على خلفية مطالبة المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة الرئيس السوداني عمر البشير.وقد قوبل هذا المطلب باستياء عربي وإسلامي كبير لما به من ازدواجية في المعايير التي يتم بها تطبيق القوانين الدولية التي لا تخلو هي نفسها من تلك التهمة بما تحويه من مواد تكفل الحماية لمواطني دول دون غيرها .
البعض يرى أن القضية الراهنة قد نجحت في تنبيه الحكومات العربية والرأي العام العربي إلى خطورة الموقف بعد أن فشلت محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين في إحداث مثل هذا التنبيه.وفي إطار تلك الصحوة العربية تحرك العرب للوقوف أمام الانتقائية الظاهرة، حيث أعلن مجلس التعاونالخليجي بلا مواربة أنه سيقف مع الرئيس السوداني عمر البشير ضد ازدواجية المعايير بالمحكمة الجنائية.
وقال عبد الرحمن بن حمد العطية الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي: “إنه لا يعقل أن تقوم أية جهة قضائية تنص لائحتها على اختصاصها في جرائم الحرب والإبادة ضد الإنسانية باتخاذ إجراءات ضد ما تزعم أنه يقع تحت بند الانتهاكات ضد حروب الإنسان في دولة ما وضد شخصيات محددة بالاسم، وفي نفس الوقت تتجاوز عن انتهاكات واضحة في أماكن أخرى لا تحتاج إلى ما يثبتها نظراً لتوافر الأدلة القاطعة على ارتكابها، إلا أنها تغض الطرف عن تلك الانتهاكات”.
وأشار أكمل الدين إحسان أوغلي–الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي-  إلى أن المحكمة الجنائية بدلاًَ من أن تناقش الانتهاكات الفعلية التي تحدث في الأراضي الفلسطينية والعراق والتي يشاهدها الملايين يومياً عبر وسائل الإعلام، اختارت أن تطرح قضية البشير الخلافية التي يمكن أن ينتج عنها انهيار عملية السلام المترنحة في دارفور،وأوضح أيضاً أن منهج الكيل بمكيالين له عواقب وخيمة ولن يحل أية مشكلة بل إنه سيؤدي إلى نتائج كارثية.
ومن جانبه قال المدعي العام للمحكمة الجنائية أوكامبو في حوار أجرته معه قناة العربية إن لديه تفويضاً واحداً وهو تطبيق العدل فحسب. ولكنه فشل في الإجابة عن سؤال عن هذا العدل المكلف بتطبيقه في الأراضي الفلسطينية والعراق ولبنان. وذكر أنه متفهم لما يشعر به العرب، لكنه أضاف أن الدولالعربية عليها أن توقف المعايير المزدوجة بنفسها!! وحاول استغلال ذلك في تمرير قضية البشير، مشيراً إلى أن محاكمته هي الخطوة الأولى لينعم العالم العربي بالعدالة. إلا أن المحللين يرون أن تبريره قد يكون تسريباً لما يحمله في جعبته في المستقبل من توجيه اتهامات مماثلة لحكام عرب آخرين.
ويعد تأكيد أوكامبو المتكرر أن القضايا المشابهة في المنطقة لا تقع ضمن نطاق عمله أكبر دليل على تسييس هذه القضية وما شابهها، حيث إن مبرره الدائم أن مجلس الأمن هو من ألقى بالقضية في ملعب المحكمةإلا أن مجلس الأمن نفسه لا يخلو من اتهامات بتطبيق المعايير المزدوجة في تعامله معجل القضايا التي يقوم بمناقشتها والبت فيها، ولعل أهمها غزو العراق الذي أضفى عليه شرعية أثارت دهشة المتابعين.
وحتى عند سؤاله عن حرب لبنان وإمكانية التحقيق في الأسلحة التي استخدمتها إسرائيل قال إن لبنان يمكنه تحويل القضية إلى المحكمة التي تقوم بتقدير من ارتكب الجرائم الأبشع ومن هو المسؤول. وكأن أوكامبو بهذه الطريقة يحذر لبنان من أن الدائرة قد تدور عليه ويصبح هو المتهم، وهي دعوة مبطنة لتصمتبيروت عن الجرائم الإسرائيلية بحقها.
وبدا من هذا الحوار والتصريحات المتكررة لتبرير طلب توقيف البشير أن أوكامبو عبر المحكمة الجنائية ما هو إلا أداة لمحاكمة ثاني حاكم عربي والأول الذي يحاكم أثناء مدة ولايته في سابقة اعتبرها البعض امتهاناللحكومات العربية.
قادة إسرائيل غارقون في الدم العربي بلا حساب وإذا كان أوكامبو لا يملك الشجاعة لتناول الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، فإن هناك أصواتاً خرجت من هذا الصمت، ولكن على الرغم من ذلك لم تلق آذاناً مصغية. ومن أشهرهم جون دوجارد خبير الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية؛ فهو لا يترك فرصة إلا وينبه العالم فيها للجرائم الإسرائيليةوطالب منذ أشهر بمحاكمة القادة الإسرائيليين المسؤولين عن عدد من الجرائم ضد المدنيين ومنها استهداف مقار وزارات فلسطينية بالقرب من حفل زفاف، ما نتج عنه مصرع أكثر من 20 مدنياً. كما حذر مراراً من مغبة الحصار الإنساني الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين على حد تعبيره. وطالب الأمم المتحدة بالانسحاب من اللجنة الرباعية إذا لم تتمكن من حماية حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية. ومع كل هذا لم يجد أية استجابة كالتي تحظى بها القرارات ضد الدول العربية.
وبالنسبة لمجلس الأمن الذي ألقى بملف دارفور إلى المحكمة الجنائية، فإنه لا يحرك ساكناً إزاء الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية بشأن الجدار الإسرائيلي العازل في 2004. وتناولت الفتوى مسألة الجدار من الناحية السياسية والقانونية؛ فقد اعتبرت أن الضفة الغربية بما فيها القدس أراضٍ محتلة وأن بناء الجدار في مساره الحالي يعتبر انتهاكاً لحقالفلسطينيين في تقرير المصير. كما أوضحت صراحة أن القدس محتلة وليست عاصمة إسرائيل المنتظرة. وطالبت الفتوى إسرائيل بالتوقف عن إتمام البناء. وعلى الرغم من أن تلك الفتوى تحركت داخل الأمم المتحدة حيث تقرر في 2003 اعتماد الفتوى بأغلبية 150 دولةوفي 2006 قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 164 دولة إقامة مكتب حصر للأضرار وتعويضها ومقره فيينا. ولكن أي تقدم على الأرض لم يتم وواصلت إسرائيل جدارها الخانق للفلسطينيين دونما اكتراث لقرارات الأمم المتحدة كما اعتادت دوماً.

وقد تغض المحاكم الدولية والأمم المتحدة الطرف عن الانتهاكات التي قام بها القادة الإسرائيليون –ولا يزالون- ضد المدنيين في الأراضي العربية بدءاً منقيام إسرائيل في 1948. ولا تزال دماء ضحايا مذابح التهجير ومذبحة صابرا وشاتيلا ومذبحتي قانا ومخيم جنين ومذابح الأسرى المصريين تبحث عن محاكمة القتلة. والمفارقة أن كل هذه الجرائم موثقة وسبق اعتراف أصحابها بها حتى أن آرييل شارون –رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق- كان يفتخر دوماً بجرائمه التي ارتكبها على مدار نصف قرن. يضاف إلى هذا أن لجنة إسرائيلية أدانته في 1983 بعد أن اعترف مفتخراً بجرائمه.

وهناك وزير الدفاع إيهود باراك الذي يمتلئ سجله بالعديد من الجرائم حتى إنه أصر على أن تلتقط له صور أثناء تمثيله بجثة الشهيدة دلال المغربي، كما شارك في المجازر التي ارتكبت ضد الأسرى المصريين إضافة لكون مهندس عمليات قمع الانتفاضتين الفلسطينيتين.

ويعترف جيمس ديفيد أحد قواد البنتاجون المتقاعدين أن واشنطن تقود مسيرة المعايير المزدروجة بحمايتها إسرائيل. ويدعو بلاده إلى التخلي عن التواطؤ معإسرائيل إذا أرادت أن تنعم بمصداقية تفتقدها من المجتمع الدولي بحسب مقاله في USA media monitors.العالم يغمض عينيه عن مذابح العراق
وثمة ملف آخر يمثل ضربة قاصمة للمصداقية في أداء المؤسسات الدولية وهو الملف العراقي. وثمة مفارقةتكمن في سكوت العالم عن محاكمة رئيس دولة بقانون احتلال دونما أدنى اعتراض بل مباركة تنفيذ الحكم بإعدامه صبيحة عيد الأضحى في رسالة واضحة. ويتواصل السكوت المهين الذي يعبر عن ازدواجية المعايير في أوضح صورها بعد أن بدأ قبل سنوات من غزو العراق.
ولا يختلف الوضع كثيراً في أفغانستان التي سبقت العراق في السيناريو الهزلي الذي شاركت فيه الأمم المتحدة.
وبالطبع لم تجرؤ أية محكمة دولية على مجرد توجيه اللوم لقاطني البيت الأبيض حتى عندما تسربت فضائح الانتهاكات التي تتم في معتقل جوانتانامو.وامتد هذا الصمت حتى مع وجود اعترافات أمريكية باستخدام أساليب لا إنسانية في هذا المعتقل. واقتصرت الإدانة على جمعيات حقوق الإنسان الأهلية دون أي تحرك رسمي من المؤسسات الدولية.

تعليقا على ماسبق أقول:

إنها عدالة الأقوياء والمنتصرين ومادام العرب خائفين ضعفاء فلن يكونون إلا ضحايا…
لماذا لم تصادق أغلب الدول العربية على نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية؟ فهم لو صادقوا كانوا سيشكلون ككتلة مجموعة ضاغطة في جمعية الدول الأطراف التي تعين القضاة والمدعي العام. لقد اعتقد زعماؤنا أنهم بعدم تصديقهم سيكونون في حصانة من سلطان المحكمة ولكن فات مستشاريهم ان يقرؤوا نظام روما جيدا وأن ينتبهوا إلى إمكانية الإحالة عن طريق مجلس الأمن على أساس الفصل السابع من الميثاق (وهو ما حصل للسودان)…لقد اتبعوا -عن جهل- نهج الولايات المتحدة وإسرائيل لكن فاتهم أن الأولى عضو دائم في مجلس الأمن وتملك حق النقض وبالتالي فلا مجال لان ينعقد اختصاص المحكمة بالنسبة لها لا مباشرة كدولة عضو ولا بإحالة من مجلس الأمن لامتلاكها الفيتو وكي تحصن الولايات المتحدة نفسها أكثر قامت بإبرام اتفاقات ثنائية مع جل الدول الأعضاء في المحكمة لتمنح جنودها حصانة عن جرائمهم… وما قيل عن أمريكا ينسحب بالتبعية على إسرائيل… أما نحن العرب فبماذا نحتمي؟ ولماذا ضيعنا فرصة المشاركة في ضبط سياسة المحكمة؟… الجواب بسيط فجل حكامنا يخافون مما صنعت أيديهم بشعوبهم من مجازر وإبادة ولكنهم كانوا كالنعام الذي يغمس رأسه في الأرض كي لا يراه أحد، ولا يكتشف الحقيقة إلا عندما يركل على قفاه، وعندها يدرك أنه الأعمى الوحيد…

ليست هناك تعليقات: