2023/03/14

تجريم التمييز

 

تجريم التمييز

الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية

تتضمن المعاهدات الدولية لحماية حقوق الإنسان، التي عقدت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مبدأ عدم التمييز، إذ تنص المادة (26) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على مبدأ عدم التمييز كقاعدة قانونية عامة، وبشكل مطلق، وذلك لعدم تقيدها مبدأ عدم التمييز من ناحية الحقوق المنصوص عليهـا فـي الميثاق، ولعدم تقيدها بأسس عدم التمييز : جميع الأفراد متساوون أمام القانون ومخولـون لحمايـة القانون دون أي تمييز . بينما قيدت المادة (2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة(2) مـن العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعي تطبيق مبدأ عدم التمييز على الحقــوق المنـصوص عليها في المعاهدتين ولم تقيدهما بالأسس. فالمادة (2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تـنص على أنه : " لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييـز من أي نوع، ولاسيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجـنس،أو اللغـة،أو الـدين، أو الـرأي سياسياً كان أو غير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي،أو الثروة، أو المولـد، أو أي وضـع آخر.

ويعتبر ميثاق الأمم المتحدة الذي اعتمد في سان فرنسيسكو عام 1945 أول وثيقة دولية[1] تشير في عبارات محددة وبوضوح إلى مبدأ المساواة في الحقوق حيث اعتبر الميثاق المساواة بين الاعضاء هدف أساسي[2]. ثم توالت المواثيق الدولية حيث ورد المبدأ العام بعدم التمييز في جميع اتفاقيات حقوق الإنسان[3] وشددت الشرعة الدولية لحقوق الإنسان[4] على المساواة في الحقوق، لتحسين أوضاع الفئات المهمشة، مما سمح بشيوع مبدأ المساواة في الحقوق عالميا[5].

فالمساواة، مقدمة لا بد منها للحرية، وهي حجر الأساس لكل مجتمع ديمقراطي يتوق إلى العدل الاجتماعي وحقوق الإنسان، لكن الواقع العملي يؤكد أنه في كل المجتمعات وفي جميع أوجه النشاط تقريبا تتعرض عدة فئات اجتماعية لأوجه عدم المساواة في القانون والواقع وهذا الوضع يسببه ويزيد من حدته وجود تمييز في الأسرة وفي المجتمع وفي مكان العمل، فبسبب القوانين والتقاليد حرمت عديد الفئات من حق الحصول على مكانة قانونية واجتماعية مستقلة استنادا لقيم بالية تقليدية تدعم التمييز ضد تلك الفئات، وهذه الحقائق جعلت المجتمع الدولي يولي اهتماما خاصا بقضايا الفئات الخاصة والمهمشة باعتبارها جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان وتم تشكيل لجان لرصد أوضاعها وإنشاء آليات من أجل تطبيق الحقوق الإنسانية لتلك الفئات، ومكافحة أي تمييز ضدها. فمبدأ عدم التمييز، يشكّل أحد المبادئ المحورية للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

ويقصد بالتمييز معاملة الإنسان بقيم دونية تخفض من قيمته إستناداً إلى أنه ينتمي لمجموعة دينية أو أقلية جنسية معينة مثلاً[6]. فالتمييز هو تمييز الصفات والاختلافات بين الأشخاص أو الأشياء وجعل الخيارات بين الناس استنادا إلى تلك الصفات الشخصية. وبالتالي فان التمييز هو في أساسه يتعارض مع مفهوم المساواة[7].

التمييز هو التفرقة ضد شخص أو فئة من الأشخاص أو جماعة بشرية أو عزلها أو فصلها عن غيرها بقصد معاملتها معاملة مختلفة تبعاً لمعايير متغيرّة. ومن ثم، فإن التمييز يعني معاملة شخص ما أو مجموعة من الأشخاص معاملة لا تتسم بالمساواة وغير مواتية وقائمة على معايير يكون الهدف منها هو حرمان هؤلاء من حقوقهم الأساسية.

ويحدث التمييز عندما يعامَل الأشخاص الذين هم في وضع واحد معاملة مختلفة وتكون هذه المعاملة مجحفة بهم.

وقد يكون التمييز مباشراً عندما يُستهدَف به أشخاص على نحو متعمد، مثلاً عندما ترفض مؤسسة أعمال ما تشغيل شخص بسبب لونه أو ديانته أو إعاقته أو عمره.

ويكون التمييز غير مباشر عندما يجري استخدام معيار يكون في ظاهره محايداً من أجل الإجحاف بفئات معينة من الأشخاص. مثال ذلك أن يرفض أحد الملاك تأجير شقة لشخص لديه أطفال بذريعة أن الشقّة غير ملائمة لوضعه. وأحد الأمثلة الأخرى هو أن ترفض مؤسسة أعمال معينة تعي ن امرأة في وظيفة ما بذريعة أن الوظيفة تتطلب قدرات قيادية كما لو كانت المرأة لا تمتلك هذه القدرات بداهةً[8].

ويمكن أن يتمثل التمييز في فعل صادر عن أشخاص عاديين أو عن موظفين تابعين للدولة أو عن مؤسسات عامة أو خاصة.

ذهبت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حكمها الصادر في 23 جويلية 1968، بخصوص قضية اللغات في بلجيكا إلى أن المقصود بالتمييز هو: "التفرقة التعسفية أو غير المبررة، وأنه وفقا للمبادئ المنبثقة من الممارسات القضائية في عدد كبير من الدول الديمقراطية، فإن المساواة في المعاملة يتم انتهاكها إذا لم تجد التفرقة المبررات الموضوعية المنطقية، وينبغي أن يتم تقييد هذه المبررات على ضوء الهدف المنشود من التدبير المعني وما يترتب عليه من آثار مع مراعاة المبادئ التي تسود المجتمعات الديمقراطية..." [9]

وهو نفس ما ذهبت إليه محكمة العدل الدولية الدائمة بموجب رأيها الاستشاري الصادر في 07 أفريل 1935 ،في قضية مدارس الأقلية في ألبانيا، حيث قضت بأن: "المساواة لا تعني فقط المساواة الشكلية أمام القانون، فالمساواة بين الجميع يمكن أن تعلن جيدا في نصوص القانون، ومع ذلك ما زال في الواقع يمكن أن تكون هناك عدم مساواة مادية كنتيجة لاعتبارات اجتماعية واقتصادية أو ثقافية[10]. التمييز يعد نقيضا للمساواة إذا لم يكن هذا التمييز مبررا تبريرا موضوعيا معقولا.

وقد عرفت عدة مواثيق دولية التمييز، ولعل أهمها وأعمها ما ورد في المادة الأولى من الاتفاقية الدولية الخاصة بالقضاء على جميع صور الميز العنصري[11] :" أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة"[12].

وهذا التعريف  اعتمده المشرع التونسي جزئيا في الفصل 2 من القانـون أساسي عدد 50 لسنة 2018 مؤرخ في 23 أكتوبر 2018 يتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري: "يقصد بالتمييز العنصري على معنى هذا القانون كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني أو غيره من أشكال التمييز العنصري على معنى المعاهدات الدولية المصادق عليها والذي من شأنه أن ينتج عنه تعطيل أو عرقلة أو حرمان من التمتع بالحقوق والحريات أو ممارستها على قدم المساواة أو أن ينتج عنه تحميل واجبات وأعباء إضافية.

لا يعد تمييزا عنصريا كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل بين التونسيين والأجانب على ألا يستهدف ذلك جنسية معينة مع مراعاة الالتزامات الدولية للجمهورية التونسية[13]".

ومن الواضح أن المشرع لم يتطرق للتمييز بسب الجنس الذي كان قد أورده سابقا ضمن الفصل 3 من القانون عدد 58 لسنة 2017 : "التمييز ضد المرأة: كل تفرقة أو استبعاد أو تقييد يكون من آثارها أو أغراضها النيل من الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات على أساس المساواة التامّة والفعلية في الميادين المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو إبطال الاعتراف للمرأة بهذه الحقوق أو تمتعها بها وممارستها بغض النظر عن اللون أو العرق أو الدين أو الفكر أو السن أو الجنسية أو الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو الحالة المدنية أو الصحية أو اللغة أو الإعاقة".

ومما لا شك فيه أن تجريم التمييز يعود بشكل أساسي للقانون الدولي، الذي ترجع له الأسبقية من كل القوانين الوضعية الداخلية في التطرق لهذا الموضوع، وهذا بسبب كل الحروب ذات الطابع العالمي التي راح ضحيتها الملايين، التي نشبت بلا شك بسبب مسألة التمييز بين مختلف الشعوب، سواء كان مبنيا على الاختلاف الديني[14] أو العقائدي أو العرقي أو الإيديولوجي أو غير ذلك من أسباب الاختلاف، بل بالعكس نجد أن هناك من القوانين الوضعية الوطنية التي كانت تكرس التمييز إلى غاية وقت قريب.

وعلى المستوى المحلي فإن أول ما يلاحظ هو أن الدستور التونسي الذس اقر مبدأ المساواة صراحة[15] لم يفرض تجريم التمييز، مع أن التوطئة نصت على أنه "تأسيسا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنية...تضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان واستقلالية القضاء والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات والعدل بين الجهات". وأكتفى المشرع التأسيسي بأن نص في الفقرة الأخيرة من الفصل 46 على أنه: "تتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة."[16]. "فمبدأ المساواة الذي جسّده الدستور في  يمنع تطبيق قواعد مختلفة على وضعيات متجانسة،"[17].

ويمكن القول أن الفقرة الأخيرة من الفصل 46 فتحت الباب بطريقة غير مباشرة أمام ضرورة أن تضع الدولة قوانين تجرم التمييز عامة وضد النساء خاصة.

ومن الغريب أن القانون الخاص بتجريم التمييز ضد المرأة[18] صدر قبل القانون العام لمناهضة كل أشكال التمييز العنصري[19].

ولسائل أن يتساءل ما هي العلاقة بين قوانين تعاقب على التمييز ونص دستوري يفرض اتخاذ تدابير للقضاء على العنف؟

فهل أن التمييز صورة من صور العنف؟ أم هل أن العنف مؤسس على التمييز؟.

لقد كرس المشرع جدلية خاصة للتمييز والعنف تتمثل في أن: كل تمييز هو عنف ولكن ليس كل عنف هو تمييز

وهو ما يستنتج من الفصل 2 من القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017  حين عرف العنف ضد المرأة بأنه: " كل اعتداء مادي أو معنوي أو جنسي أو اقتصادي ضد المرأة أساسه التمييز بسبب الجنس..."  وكذلك حين اعتبر في الفصل الرابع من ذات القانون أن من أهدافه :"اعتبار العنف ضد المرأة شكلا من أشكال التمييز وانتهاكاً لحقوق الإنسان،".

وبالتالي فإن البحث في تجريم التمييز يتطلب الإجابة عن جملة من التساؤلات مثل: هل كرس المشرع مبدأ عدم التمييز أم إننا لا زلنا نواجه مجموعة من القواعد التي تميز ضد النساء؟ وهل يحترم القانون كرامة المرأة ؟ وهل يتوافق مع الاتفاقيات الحامية لحقوق الانسان والتي صادقت عليها الدولة التونسية تباعا وأهمها فيما يخص المرأة اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة الصادرة سنة 1979 (سيداو) التي ربما لم تعالج مسألة العنف مباشرة ولكنها تبنت في توصيتها رقم 12 الصادرة عام 1989 ضرورة أن تضمن الدول في تقاريرها معلومات حول العنف على أساس الجنس كما أكدت في توصيتها رقم 19 على إن العنف ضد المرأة هو شكل من أشكال التمييز على أساس الجنس بالمعنى المقصود به في الإتفاقية وإن التمييز هو سبب من أسباب العنف .

فالعنف ضد النساء عموما والتمييز خصوصا هو نتاج بنية إجتماعية تاريخية تتصف بالتراتبية والسلطوية وتتمثل بعلاقات السلطة بين الرجل والمرأة، وتتمتع هذه البنية الإجتماعية بالحصانة القانونية وهو يشكل إنتهاكا لكرامة المرأة وتهديدا لسلامة الأسرة وإستقرارها، وعائقا أمام نمو المجتمع إذ يحد من قدرة النساء على التمتع بالحقوق والحريات الإنسانية ،وهو يصبح أكثر فتكا عندما يمارس بإسم القانون ،حيث يعزز ثقافة التسلط والإقصاء داخل الأسرة مما يؤدي إلى تنشئة جيل على قيم غير ديمقراطية ، تنتهك حقوق الإنسان وحرياته الأساسية خاصة وإن دور القانون هو حماية الإنسان ومعاقبة من ينتهك قواعد العدالة والمساواة ،والدولة مسؤولة عن سن التشريعات التي تحمي الضحية وتعاقب الجاني ، ومع هذا فإن عديد النصوص القانونية التمييزية ضد المرأة لازالت موجودة ونافذة بما يتعارض ومبدأ المساواة المكرس في دستور الجمهورية الثانية والمواثيق الدولية المصادق عليها، لهذا بداء التحضير لوضع قانون إطاري لمناهضة العنف ضد المرأة سيمثل مكسبا تشريعيا كبيرا من أجل تعزيز حماية الحرمة الجسدية والمعنوية للمرأة حفاظا على إنسانيتها وكرامتها ومكانتها المتميزة في المجتمع

وبالنظر لعواقب التمييز ضد المرأة على صحتها ورفاهيتها وما يؤدي إليه من تكاليف إنسانية واقتصادية باهظة على المدى القصير وعلى المدى البعيد تعيق التنمية[20] فإن الفصل 46 من الدستور، يعدّ مَكسَباً وتَتَويِجاً لعمل الحقوقيات والحقوقيين في تونس فهو اعتراف من المشرع التأسيسي بالتمييز الخصوصي المسلط على المرأة وهو إلزام للدولة بحماية النساء منه. وهذا المَكسب التاريخي هو نتيجة لحملات مناصرة ومدافعة قوية خاضتها المنظمات التونسية وساندتها في ذلك المنظمات الدولية على مدى سِنيِن، وقد استندت منظمات المجتمع المدني إلى المنَظومة الدولية لحقوق الإنسان في كونيتها واعتِباَرِها أن حقوق النساء جزءً لا يتجزَّأُ من حقوق الإنسان وبالتالي وضوح رؤيتها في ذلك دون تردّد أو مٌسَاوَمة جَعَلهَا أقوى في فرض مَطَالبها والتعبئة المجتمعية من أجلها.فالجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وكذلك الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان قدمت مشاريع دساتير اقترَحتها على المجلس التأسيسي التونسي وكان المشروعان مٌتفَقَان في الباب المتعلق بالمساواة وحقوق النساء وقد عملت الجمعيات على التعبئة المٌجتمعية والتوعية بمحتوى مقترحاتِها للدستور في الجهات وفي الإعلام ونجحت في تجنيد الرأي العام لمساندتها. من ناحية أخرى واكبت منظمات المجتمع المدني مختلف النقاشات داخل المجلس ورافقت عملية كِتابة الدستور لَحظة بلحظة على مٌدة عامين وتصدّت في كل مرة لمحاولات المسّ من حقوق النساء من ذلك أن مشروعا أولا للدستور (أوت 2012) تضمن مفهوم التكامل في العلاقات بين الجنسين عوضا عن المساواة تمت مقاومته واسقاطه، ونبهت المنظمات إلى خطورة المفهوم على المرأة التونسية وعَبَأت الشارع في المظاهرات ضده إلى أن وقع الترَاجع عنه كما طالبت بإقرار مَبدَأ التَنَاصف وكان ذلك في الدستور الجديد[21].

إذن لقد ضمن الدستور الجديد جملة من الآليات بغاية مكافحة التمييز ضد المرأة سواء من خلال تركيز مفهوم الامن الانساني للمرأة على صعيد العائلة والمجتمع، أو مفهوم التمييز الايجابي ومنع التمييز السلبي.

وإلغاء النصوص التمييزية بحق النساء وموائمتها والتشريعات الدولية يشكل إلتزاما على الدول القيام به بموازاة إعتماد المقاربة الدولية المتطورة لناحية عدم الإفلات من العقاب الذي بدأت المنظمة الأممية بالترويج له ، وبتكريسه من خلال إقرار مجموعة من النصوص والتدابير بهدف تأمين معادلتي العقاب والحماية

وفي هذا السياق جاء القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 الذي يعتبر تتويجا لما صادقت عليه تونس من مواثيق واتفاقيات دولية واقليمية لا تخلو من إقرار مبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.[22] كما سبق تعزيز المنظومة التشريعية التونسية في العشرية الأخيرة بإصدار ما لا يقــل عن 14 قانونا ذا علاقة بحقوق المرأة من أجل دعم العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل[23]. وأهم المكاسب التي جاء بها القانون هو تجريم التمييز على أساس الجنس واعتبار العنف ضد المرأة مبنيا على هذا الأساس.

فهل كرس المشرع لهذا المبدأ أم إننا لا زلنا نواجه لمجموعة من القواعد التي تميز ضد النساء؟ وهل يحترم القانون كرامة المرأة ؟ وهل يتوافق مع الاتفاقيات الحامية لحقوق الانسان والتي صادقت عليها الدولة التونسية تباعا وأهمها فيما يخص المرأة اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة الصادرة سنة 1979 

فكيف جرم المشرع التمييز؟ وهل نستطيع القول أن قانون 58/2017 وضع لأول مرة سياسة جزائية متكاملة لتجريم التمييز ضد المرأة؟

يمكن القول أن المشرع كرس تجريما واسع النطاق للتمييز (I) إلا أنه ليس تجريما كليا (II).

I – تجريم واسع

أ – مظاهر التوسع

1-                تجريم التمييز الاقتصادي:

جاء في تعداد أجري لسنة 2014 أن نسبة البطالة قد بلغت 8.41% (4.11% ذكور و2.22% إناث) بعد أن كانت 1.41% سنة 2004، ولكن تبقى هذه النسبة عامة ولا تعكس بدقة واقع التشغيل بتونس حيث عرفت تونس بعد 14 جانفي 2011 ارتفاعا في عدد المؤسسات الإقتصادية التي تنشط في القطاع غير المهيكل إذ بلغ عددها 425 مؤسسة أي ما يوازي 53%  من مجموع المؤسسات الإقتصادية في تونس ولعل هذه الممارسات غير المهيكلة وغير المنظمة ساهمت في ممارسة عنف على المرأة في ما يتعلق بأجرها وهو ما يعبر عنه بالعنف الإقتصادي. أي أن المقصود هنا هو الجانب المالي في حياة  المرأة  بحكم وضع التبعية التي تنشأ عليه النساء ضمن تنشئة تقليدية وسلطوية. فهل تدخل المشرع بطريقة فاعلة لتجريم التمييز الاقتصادي؟

لم ينظم دستور 1959 مسألة العمل والمساواة بين الجنسين في العمل وهو ما تجاوزه دستور 26 جانفي 2014 وذلك بأن تناول مسالة العمل في باب الحقوق والحريات في فصله الأربعين: " العمل حق لكل مواطن ومواطنة، وتتخذ الدولة التدابير الضرورية لضمانه على أساس الكفاءة والإنصاف.

ولكل مواطن ومواطنة الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل."

و قد نصت المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان في إطار تكريس المساواة بين الجنسين القضاء على التمييز في العمل والأجر "لجميع الأفراد، دون أيِّ تمييز، الحقُّ في أجٍر متساوٍ على العمل المتساوي."

فإقرار مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة الذي كرسته معايير العمل الدولية والعربية في مجال العمل، إلا أن هناك بعض الاعتبارات أدت إلى إفراد حماية قانونية خاصة للمرأة العاملة، سواء في مجال التشغيل أو في تعزيز بعض الإجازات الخاصة للمرأة . ومرد ذلك أنه توجد بعض الحقوق الخاصة اللصيقة بالمرأة كونها أنثى تحمل وتنجب وتربي أولادها، فضلاً عن تحملها ببعض الأعباء العائلية التي لا يمكن أن يقوم بها الرجل[24].

الأمر الذي يتطلب تحقيق نوع من التوازن في الحقوق التي يتمتع بها كل منهما، بالإضافة إلى أن المرأة تتمتع ببعض الصفات التي توجب عليها القيام ببعض الأعمال وعدم صلاحيتها للقيام بنوع آخر من الأعمال، مما أوجد نوعاً من الاختلاف الطبيعي بينها وبين الرجل، يتطلب إفراد حماية خاصة للمرأة سواء في معايير العمل الدولية والعربية أو على نطاق التشريعات الوطنية[25] سواء في مجال التشغيل أو في مجال حماية الأمومة والطفولة[26].

فقد تكرس الحق فى الشغل أكثر من أي وقت مضى كحق أساسى من حقوق المرأة ترهن ممارسته كافة الحقوق الأخرى[27]. وتضمن مجلة الشغل حق المرأة فى العمل على غررا كل النصوص التى تنظم الوظيفة العمومية والاتفاقية الجماعية الإطارية التى تسرى أحكامها على الرجال والنساء على السواء.

إذ نص القانون العام للوظيفة العمومية لسنة 1983 فى فصله 11 على المساواة بين الجنسين عند الانتداب أو عند إسناد الخطط والمسؤوليات أو المرتبات.

غير أن مجلة الشغل خطت خطوة جديدة بفضل التعديل التى تم بمقتضى القانون المؤرخ فى 5 جويلية 1993، حيث كرس صراحة مبدأ عدم التمييز فى ديباجته، ووقعت اضافة الفصل 5 مكرر إلى المجلة[28]ونصه ما يلى: "لا يمكن التمييز بين الرجل والمرأة فى تطبيق أحكام هذه المجلة والنصوص التطبيقية لها"[29].

لكن مجلة الشغل لازالت تتضمن أحكاما تتعارض مع هذا المبدأ مثل مقتضيات الفصل 135 النّاصة على أنّ الأمر الذي يضبط الأجر الأدنى الفلاحي يحدّد "شروط دفع أجرة النسوة والأطفال " وهو ما يستشفّ منه إمكانية عدم تساوي أجر الرجل والمرأة في العمل الفلاحي لكن الأوامر الضابطة للأجر الأدنى الفلاحي والصادرة منذ 1968 نصّت على أنّ هذا الأجر يهمّ الرجل والمرأة على قدم المساواة كما أنّ الاتفاقيات المشتركة نصّت صراحة على مبدأ عدم التمييز بين الجنسين بالفصل 11 "تنطبق بدون تمييز على العملة من هذا الجنس أو ذاك"[30].

لا شك أنه يجب أن تكون العقوبة على قدر خطورة الفعل المرتكب، فأن تكون أقصى العقوبة هي خطية بستين دينار هو أمر يحول دون تفادي هذا التمييز فالمؤجر لن ترده عن هذا الخطأ كالتميز بين أجراءه بسبب جنسهم هذه الخطية التي تتجاوز الستون دينار، ناهيك أمام إنتفاء كل آليات وإجراءات يمكن للمرأة أن تنتهجها إذا ما تعرضت لهذا التمييز وأمام العنف المعنوي المسلط عليها في عملها ،الذي يجعلها تأبى أن تتقدم بشكاية مماثلة خوفا من أن تفقد عملها،

إلا أن ظاهرة التمييز بين الجنسين في العمل والأجر المتقاضى تبقى على درجة من الخطورة التي لا يمكن لهذا النص التشريعي وهذه العقوبة التي تجاوزها الزمن أن تؤدي دورها الردعي في حالة انتهاكه، وأن هذا التمييز هو ما يعرف بالعنف الاقتصادي المسلط على المرأة ،ومن الملاحظات الأساسية التي خرج بها تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي تلك المتعلقة بالفوارق في الأجور، معتبرا أن التطور في هذا المجال بطيء جدا.

وقد نص الفصل 6 من قانون مكافحة العنف ضد المرأة على أنه: "تتخذ الدولة كل التدابير اللازمة للقضاء على كل الممارسات التمييزية ضد المرأة خاصة على مستوى الأجر والتغطية الاجتماعية في جميع القطاعات ومنع الاستغلال الاقتصادي للمرأة وتشغيلها في ظروف قاسية أو مهينة أو مضرة بصحتها وسلامتها وكرامتها."

لهذا فقد تدخل المشرع وعرف العنف الإقتصادي صلب الفصل 2 من نفس القانون المتعلق بمناهضة العنف ضد المرأة بأنه " كل فعل أو امتناع عن فعل من شأنه استغلال المرأة أو حرمانها من الموارد الاقتصادية مهما كان مصدرها كالحرمان من الأموال أو الأجر أو المداخيل، والتحكم في الأجور أو المداخيل، وحضر العمل أو الإجبار عليه. "

و لعل هذا التمييز يجد مكانه فعلا في مواطن العمل الأكثر هشاشة أين تكون المرأة الأكثر تعرضا لعدم الاستقرار والطرد، وترجع إليها المهن متدنية المهارة والأجر. وتتعرض المرأة العاملة إلى التمييز بسبب حالتها المدنية وخاصة الزواج والحمل والرضاعة كما ترهقها ازدواجية المسؤوليات المهنية والأسرية وقل ما تحترم المؤسسات مقتضيات القانون.

وقد خلص التقرير السنوي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي[31] إلى أن "النساء ربما يحتجن إلى عدة قرون لتحقيق التكافؤ بين الجنسين في أماكن العمل في جميع أنحاء العالم". ووفقا للمعدلات الحالية، يرى التقرير أن الفجوة بين الجنسين على مستوى العالم في معظم المجالات لن تردم قبل 108 أعوام، فيما يحتاج مجال العمل إلى 202 عاما لإزالة جميع الفروق بين الجنسين. رغم أن الفجوة بين الجنسين تضيق إلى حد ما في مجال الفرص الاقتصادية، حيث انحسرت الفوارق في الأجور على مستوى العالم إلى 51 في المئة في عام 2018 .ولكن عدد النساء اللواتي يشاركن في القوى العاملة حاليا أقل نسبيا من الرجال، حسب ما يخلص إليه التقرير. وتتفاوت قدرة الدول على تجاوز الفوارق بين الجنسين، فعلى سبيل المثال تستطيع دول أوروبا الغربية سد الثغرات بين الجنسين في غضون 61 عاما، في حين ستستغرق الدول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 153 عاما لتحقيق ذلك.

ويخلص تقرير الأجور العالمية 2018-2019 إلى أن فجوة الأجور بين الجنسين في البلدان مرتفعة الدخل تكون أكبر في النهاية العليا لجدول الأجور، أما في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل فهي أكبر ما تكون في صفوف العمال الأقل أجراً.  وقال غاي رايدر المدير العام لمنظمة العمل الدولية: "تمثل فجوة الأجور بين الجنسين واحدة من أهم مظاهر الظلم الاجتماعي في يومنا هذا، وعلى جميع الدول أن تحاول فهم ما يكمن وراءها وأن تعجل بالتقدم نحو تحقيق المساواة بين الجنسين". وقالت روزاليا فازكيز-ألفاريز عالمة الاقتصاد الإحصائي وأخصائية الأجور في منظمة العمل الدولية وإحدى واضعي التقرير: "إن مستوى التحصيل العلمي للمرأة في بلدان كثيرة أعلى منه للرجل، بيد أنها تتقاضى أجوراً أدنى حتى عندما تعمل في الفئات المهنية نفسها. كما أن أجور الرجل والمرأة أقل في المؤسسات والمهن التي يغلب على قوتها العاملة الطابع النسائي. وللحد من الفجوات في الأجور بين الجنسين، يلزم بالتالي زيادة التركيز على ضمان المساواة في الأجر بين المرأة والرجل، وعلى التصدي لبخس قيمة عمل المرأة". من العوامل الأخرى التي توسع فجوة الأجور بين الجنسين هي الأمومة، إذ يبين التقرير أن أجور الأمهات تميل إلى أن تكون أدنى من أجور غير الأمهات. وقد يكون ذلك مرتبطاً بمجموعة عوامل، منها التوقف عن العمل، وانخفاض وقت العمل، والعمل في وظائف أكثر ملاءمة للأسرة وذات أجور متدنية، وقرارات الترقية النمطية في المؤسسات.[32]

لا شك في أن من أبرز مخلفات هذا التمييز في الأجور هو أن المجتمع لا يرى مساهمة المرأة في سوق العمل بنفس مستوى أو أهمية مساهمة الرجل، وهو ما ساعد منظمات المجتمع المدني والجمعيات المعنية بالمرأة بصفة خاصة تسعى إلى تكريس كل ما من شأنه أن يحمي المرأة في حقوقها المعاشية ومساواتها مع الرجل.

فتحت تأثير ضغط الحركة النسائية التونسية والتطبيق الجزئي للمواثيق الدولية , يلاحظ بعض التطور الملحوظ في التعديلات التي طالت التشريعات التي تنظم العمل، وهو ما جعل المشرع يحافظ على الطابع التجريمي للتمييز مما يحول دون القول بوجود تجديد .

 إلا أن التشديد في العقوبة هو مكمن هذا التجديد، حيث جاء بمنطوق الفصل 19 من القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 مؤرخ في 11 أوت 2017 والمتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة"يعاقب بخطية بألفي دينار مرتكب العنف أو التمييز الاقتصادي بسبب الجنس إذا ترتب عن فعله:

- حرمان المرأة من مواردها الاقتصادية أو التحكم فيها،

- التمييز في الأجر عن عمل متساوي القيمة،

-التمييز في المسار المهني بما في ذلك الترقية والتدرج في الوظائف

. وتضاعف العقوبة في صورة العود. والمحاولة موجبة للعقاب."

فقد توسع المشرع في التجريم وحدد الآثار التي تنتج عن هذا التمييز والتي تكون موجبة للعقوبة .

لكن يبقى هنا التساؤل الذي يطرح : ما مدى نجاعة هذه العقوبة والتشديد فيها ؟

تعتبر العقوبة وتنفيذها هي أخر طريقة ووسيلة يتم اللجوء إليها لردع الشخص من ارتكاب الفعل المحضور، والحال أنه كان من المفروض إعداد وسائل وقائية وتدابر لتفادي ارتكاب هذه الأفعال.

و إنه وأمام تردد العاملات ،خاصة منهن العاملات في المصانع، والتي تعملن دون التصريح لدى صناديق الضمان الإجتماعي، ولعل سبب هذا التردد هو الخوف من فقدان العمل، الذي يؤدي إلى قبولهن بكل العنف الذي يمكن أن يسلط عليهن، من ذلك عدم المساواة في الأجر، أو القبول بأجر يكون دون الأجر الأدنى المحدد رسميا من طرف الدولة. إضافة إلى تنازلهن على الحقوق التي يكرسها قانون الشغل والعمل لساعات زائدة دون الحصول على الأجر المتناسب مع ساعات العمل وعدم الحصول على المنح المفترضة.

وأمام هذا الصمت وعدم التشكي يمكن أن نعتبر أن هذه السياسة في تشديد العقوبة لن تكون ناجعة بالقدر المنتظر من هذا القانون.

و في هذا الإطار كان بإمكان المشرع أن يكرس منظومة أو وحدة مختصة أو هيئة تعمل على المراقبة الفجئية لمراقبة المؤسسات، من ذلك طريقة العمل ومراقبة طريقة الخلاص فيكون ذلك من خلال مراقبة التحويلات البنكية التي تقوم ها المؤسسة لأجيرها ومقارنة الأجر بين الجنسية اللذان يشغلان نفس الخطة.

كما كان بالإمكان كذلك منع خلاص الأجور مباشرة من المؤجر للأجير فيكون ذلك بواسطة إما تحويلات بنكية أو حتى حوّالات بريدية نضمن من خلالها إمكانية مراقبة الأجور .

2-                تجريم التمييز السياسي:

 إن خوض المرأة التجربة والحياة السياسية لم يكن أمرا مبدئيا بل كان يؤخذ دائما على أنه استثناء، وإن كان محمودا، إلا أنه استثناء، ولعل نضال النساء التونسيات المتواصل إلى حين سنة 2017 تاريخ صدور القانون المجرم للتمييز ضد المرأة في العمل السياسي هو خير دليل على هذه النظرة الإستثنائية مسبقا لنشاط المرأة ذلك أن النوع الاجتماعي هو من أحد المتغيرات المتعددة التي يمكن أن تحدد مكانة الفرد ومشاركته في الحياة العامة بجوانبها الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية في المجتمع، فيتمتع الرجل بسبب نظرة المجتمع بالفرص المتاحة له في لتمكن من المراكز السياسية والمراكز ذات المكانة الاجتماعية العالية بطريقة ابسط وأسهل من الطريقة التي تمكن منها المرأة وخاصة في الأماكن السياسية السيادية، ومقارنة بأغلب الدول العربية بصفة عامة فإن المرأة التونسية إحتلت مكانتها في العالم السياسي منذ الثمانينات[33] وذلك بتوليها منصب وزاري.

ولا يمكن في هذا الإطار أن نغفل على التغيير الذي شهدته تونس بعد ثورة 14جانفي في إحتلال المناصب السياسية بنسبة عالية كللها قانون 2017 بحماية قانونية وردعية لكل من يمارس فعل التمييز ضد المرأة.

و يمكن القول أن توجه المشرع اثر الثورة أسس لفكرة التناصف في الحياة السياسية وتشجيع المرأة على خوض الحياة السياسية بكل مراكزها وتمثيلياتها من مناصب سيادية أو الحياة السياسية للأحزاب أو البلديات ... ففي عديد المجالات اشترط المشرع أن تكون الهيئات النيابية ممثلة في شخوص المنتخبين مناصفة بين الرجل والمرأة[34]، فكان بذلك قانون مناهضة العنف ضد المرأة المؤرخ في 15 أوت 2017 هو ترجمة إضافية لإرادة المشرع ذلك بأن أكسى كل فعل يسلط على المرأة لتخويفها أو ترهيبها قصد حرمانها أو إعاقتها عن ممارسة أي نشاط سياسي أو حزبي أو جمعياتي أو أي حق أو حرية من الحقوق والحريات الأساسية ويكون قائما على أساس التمييز بين الجنسين.

وفي هذا السياق فقد جاء في قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 02/2015 ما يلي: "حيث ينعى الطاعنون على الفصل 26 من مشروع القانون الأساسي أنّه ولئن كان قد نص على التناصف في الترشح فإنّه قد أفرغه من كل جدوى لاعتماده الانتخاب على الأفراد الذي يخضع لحرية المترشح باعتبارها لا ترتبط بقائمة بعينها حتى يتم فرض التناصف في الترشح بين من ينتمي إلى نفس القائمة وإلى نفس البرنامج وأنّ الاستثناء الوارد بذات الفصل والمتعلق بإمكانية عدم ترشح العدد الكافي من النساء قد يعفي عن احترام مبدأ التناصف فيه انحراف بما ورد بالدستور وكان على المشرع أن يعتمد فيما يتعلق بالانتخابات على الأفراد مبدأ المحاصصة أو " الكوتا " والمتمثلة في تخصيص حصة أو نسبة معينة للنساء للفوز بها أو بتخصيص عدد معين من المقاعد للنساء. وحيث نص الفصل 34 من الدستور على " أن تعمل الدولة على ضمان تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة" .وحيث اقتضت أحكام الفصل 46 من الدستور أن تضمن الدولة تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات وتسعى إلى تحقيق التناصف بينهما في المجالس المنتخبة. وحيث يفهم من صريح عبارة النص الدستوري أنّ تحقيق التناصف في المجالس المنتخبة بين المرأة والرجل يبقى رهين توفر عناصر موضوعية ومنها التوازن العددي بين الجنسين أو العدد الزوجي للمقاعد، ومن هذا المنطلق لجأ الدستور إلى عبارة السعي ليبرز أنّ تحقيق التناصف يبقى بمثابة بذل عناية من الدولة وليس بالالتزام المحمول عليها لتحقيق نتيجة قد يصعب أو يتعذر الوصول إليها لغياب المعطيات الكفيلة بتحقيق هذه المعادلة. وحيث في ضوء ذلك فإن الفصل 26 المنتقد لا يخالف أحكام الدستور من هذه الناحية طالما أنّه جاء متناغما مع الغاية التي يرنو إليها الفصل 46 المذكور أعلاه واتجه لذلك رفض هذا المطعن".[35]

 

ويعتبر علماء الاجتماع والسياسة أن التنمية السياسية – المشاركة من أحد مظاهرها – كشرط ضروري للتنمية الشاملة وإذا كانت تعاني غالبية المجتمعات النامية من ضعف المشاركة السياسية لمواطنيها مقارنة مع المجتمعات المتقدمة، فإن مشاركة المرأة السياسية تكاد تكون أسوأ حالا مقارنة مع مشاركة الرجل.

فقد أقرت المادة الثانية من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أن " تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسي أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب"

كما أقرت المادة الثالثة بصيغة أدق أن " المادة 3 - تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة تساوي الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في هذا العهد."

 وثمة شبة اتفاق بين اغلب الدارسين في تعريف ظاهرة التمييز السياسي بصفة عامة أنه عنف يكتسي هذا الطابع السياسي عندما تكون أهدافه أو دوافعه سياسية رغم بعض الاختلاف بينهم في تحديد طبيعة هذه الأهداف ونوعيتها وطبيعة القوى المرتبطة بها،ومن هنا، عُرّف العنف السياسي بأنه"كل استخدام القوة أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين لتحقيق أهداف سياسية "[36]

أما في التمييز السياسي المسلط على المرأة بصفة خاصة وهذه الدوافع في استخدام القوة قصد الإضرار به لغاية الوصول للأهداف السياسية هو نتيجة تلازم النظرة الدونية للمرأة كإنسانة، ويتمثّل باعتبارها كائناً لا يستحق المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية ،

تشير الاحصائيات بأن المرأة تشغل جميع مستويات المناصب القيادية في الجمعيات النسائية إلا أن النسبة تقل في الاحزاب السياسية[37]، رغم أن دساتير الدول الديموقراطية جاءت لتعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين لجهة حقوقهم السياسية والاجتماعية، حيث تركت للمشرّع بما لديه من صلاحيات تشريعية تقنين هذه الحقوق من خلال قوانين وضعية تتلاءم مع القيم الاجتماعية والسياسية السائدة في المجتمع لتأمين المصلحة العامة، على أن يبقى الضامن الأساسي للتقيد بمبدأ المساواة هو القضاء الدستوري الذي يسهر على عدم التفريط بمبدأ المساواة الذي يعتبر جوهر الحقوق السياسية. ولهذا بقي مبدأ المساواة يشكل الهاجس الأساسي للفكر الديموقراطي الذي أراده مبدأ مطلقا لا يجوز المساس به من قبل السلطة التشريعية.، فالمرأة تكاد تغيب مطلقا من المجال السّياسي[38] وخاصة في الأعمال السّياسية التّي تترجم السّلطة والقوّة وأمام هذه الحقيقة الواقعّية التّي أبرزت التّمييز الفعلي في هذا المجال عمل المجتمع الدّولي على هدم هذا الإقصاء ومدّ يد المساعدة للمرأة لتستعيد من جديد حقوقها السّياسية كاملة مثل الرّجل ودون أدنى تمييز وباشتراك المرأة على المستويات كافة في مواقع اتحاذ القرار[39].

وفي هذا الاتجاه نص الدستور الجديد في الفقرتين الاولى والثانية من الفصل 46 على أنه:"– تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتدعم مكاسبها وتعمل على تطويرها.

- تضمن الدّولة تكافؤ الفرص بين الرّجل والمرأة في تحمّل مختلف المسؤوليّات وفي جميع المجالات."

ويندرج هذا النص في اطار ما أوجبه "إعلان القضاء على التّمييز ضدّ المرأة" المؤرخ في 17 نوفمبر 1967 الذي فرض على الدولة: " إتخاذ جميع التدابير المناسبة التّي تكفل للمرأة على قدم المساواة مع الرجل ودون تمييز حقّها في التّصويت والتّرشح وحقها في تقلّد المناصب العامّة ومباشرة جميع الوظائف وحقّها في التملك وإدارة الممتلكات بإعتبارها تتمتع بالآهلية القانونية[40]

ولمّا كان المجال السّياسي الاكثر حساسيّة مقصور غالبا على الرّجل فإنّ طرقه لصالح المرأة كان عبر اتفاقية حقوق المرأة السّياسية التّي نصّت بمادّتها الأوّلى "للنّساء حقّ التّصويت في جميع الانتخابات، بشروط تساوي بينهن وبين الرّجال دون أيّ تمييز "، واضافت بالمادّة الثّانية أنّ " للنّساء الأهليّة في أن ينتخبن لجميع الهيئات المنتخبة بالاقتراع العام المنشأة بمقتضى التشريع الوطني بشروط تساوي بينهن وبين الرّجال دون أيّ تمييز. فالمرأة لها الأهليّة الكاملة مثلها مثل الرّجل للدّخول للعمل السّياسي ويحق لها الاقتراع وشغل المناصب السّياسية .

وتضمّنت هذه الاتفاقية مبادئ أساسية تهمّ إلغاء كلّ تمييز ما بين الرّجل والمرأة على المستوى السّياسي. وإفراد هذا الحقّ باتفاقية خاصّة راجع إلى ما يعرف من هضم لهذا الحقّ بالذّات وتكريسا لهذا الحق فقد نصت الفقرة الأولى من الفصل 34 من الدستور على أن: "حقوق الانتخابات والاقتراع والترشح مضمونة طبق ما يضبطه القانون".

وتجسيدا للحق في الانتخاب بالتساوي بين الجنسين نص الفصل 5 من قانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 مؤرخ في 26 ماي 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء على ما يلي: "يعد ناخبا كل تونسيّة وتونسي مرسم في سجل الناخبين، بلغ ثماني عشرة سنة كاملة في اليوم السابق للاقتراع، ومتمتّع بحقوقه المدنيّة والسياسيّة وغير مشمول بأيّ صورة من صور الحرمان المنصوص عليها بهذا القانون".

فهذا الفصل يضمن الحق الانتخابي للمرأة بالمساواة مع الرجل، وهو ما يعتبر إلغاء لأي تمييز ضد المرأة في هذا المجال، وهو أمر لم يتحقق في مجالات أخرى لازالت تحتاج لمعالجة.

ولعل تقنين وتجريم كل تمييز يسلط على المرأة لحرمانها من هذه الحقوق الكونية فقط إعتبارا لجنسها يعد من أهم الإنجازات، والتي يبقى العمل على آليات تفعيلها من خلال التشكي عبر تكييف الأفعال ثم تسليط العقوبة هو من الأمور التي يتوجب العمل عليها،

و قد عرّف المشرع التونسي صلب الفصل 2 من القانون عدد 58 المؤرخ في 11 أوت 2017 والمتعلق بمناهضة العنف ضد المرأة بأنه " هو كل فعل أو ممارسة يهدف مرتكبه لحرمان المرأة أو إعاقتها عن ممارسة أي نشاط سياسي أو حزبي أو جمعياتي أو أي حق أو حرية من الحقوق والحريات الأساسية ويكون قائما على أساس التمييز بين الجنسين."

 لذلك فإن التمييز السياسي المسلط على المرأة هو كل ما يسلط ضد المرأة في الحياة السياسية والذي من شأنه أن يحد من فرصهنّ في الحياة السياسية حيث يمنعهن من ممارسة كامل حقوقهن السياسية، بما في ذلك حقوقهن كناخبات ومرشحات وأنصار أحزاب وموظفات عمومية.

و في هذا السياق فقد رتب المشرع صلب القانون عدد قانون أساسي عدد 58 لسنة 2017 مؤرخ في 11 أوت 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة في فصله 18 أنه "ـ يعاقب كلّ مرتكب للعنف السياسي بخطية قدرها ألف دينار.

وفي صورة العود ترفّع العقوبة إلى ستّة أشهر سجنا. "

بينما نص الفصل 159 من القانون أساسي عدد 16 لسنة 2014 مؤرخ في 26 ماي 2014 يتعلق بالانتخابات والاستفتاء[41] على أنه: " يعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى سنة كل مخالف لأحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 53 والفصل 56 من هذا القانون".

وينص الفصل 56 المذكور على أنه: " تحجّر كل دعاية انتخابية أو متعلقة بالاستفتاء تتضمن الدعوة إلى الكراهية والعنف والتعصب والتمييز".

ومن الواضح أن هناك توارد بين الجريمتين وسيقع تطبيق النص الأشد.

3-                تجريم التمييز الاجتماعي

لطالما كان الحديث عن التمييز الجنسي الذي تتعرض عليه المرأة لصيق في ذهن المجتمع بممارسة فعل جنسي كاملا بالغصب للقول بتمام العملية الجنسية وبالتالي حصول الضرر، والحال أن العنف الذي يمكن أن يسلط عليها دون إشتراط للمس جسدها أو ممارسة عملية جنسية كاملة له من الوقع الجسيم عليها وعلى نفسها وهو عنف يتراوح بين التحرش الجنسي والمضايقة.

فالعنف اللامادي كيفما أورده قانون عدد 58 لسنة 2017 مؤرخ في 11 أوت 2017 هو مفهوم قانوني جديد يدخل في إطار الجرائم الأخلاقية غير المباشرة أي تلك الجرائم التي لا تسلط على الجسد بطريقة مباشرة عن طريق اللمس أو ممارسة عنف مادي وإنما عنف غير مباشر، وهذا هو مكمن التجديد في قانون مناهضة العنف ضد المرأة .

إن العنف اللامادي ضد المرأة ليس إلا جزءا من الجرائم الجنسية بصفة عامة[42] وهذه الاخيرة بدورها تعد جزءا من الجرائم الأخلاقية التى يصعب تحديد مفهوم موحد لها[43]، رغم أن مكونات هذا التعريف تبقى واحدة فى مختلف التعريفات فالجرائم الأخلاقية هى "التى يكون موضوع الاعتداء فيها الأخلاق السائدة فى المجتمع ورأى المشرع زجرها سواء تم ارتكابها ضد الأشخاص او الهيئة الاجتماعية ككل فهى نوع من الخروج عن قواعد السلوك التى يصنعها المجتمع لأفراده "[44]. وإن التحرش الجنسي هو من أبرز هذه الممارسات التي تندرج في العنف اللامادي الممارس ضد المرأة .

و قد إعتبر المشرع في تعريفه للتحرش صلب قانون مناهضة العنف ضد المرأة أن التحرش الجنسي هو " كل اعتداء على الغير بالأفعال أو الإشارات أو الأقوال " ومقارنة بالنص الذي تم نسخه وهو الفصل 226 ثالثا والذي كان ينص على أنه "يعدّ تحرّشا جنسيا كل إمعان في مضايقة الغير بتكرار أفعال أو أقوال أو إشارات "،

فيكون التجديد الذي أقره المشرع حماية للمرأة هو في الوسائل المعتمدة لإتمام هذه الجريمة ألا وهو التكرار والإمعان، فقد ألغى المشرع هنا صيغة تكرار الفعل الذي يؤدي لقيام الجريمة، وأزال فكرة الإمعان أي إطالة النظر والإصرار على تكرار القول عديد المرات أو تكرار الفعل .

لطالما إستقر في الموروث الإجتماعي والإعتقاد السائد أن مجرد الكلمة أو النظرة التي تحمل ورائها خلفيات وإيحاءات[45] هي أمر يمكن تجاوزه وغض البصر عنه طالما كان لمرة واحدة وطالما لم يتكرر عديـد المرات بل يصل الأمر إلى إعتبار ان ذلك من الأمور الطبيعة الملتصقة بصفة الرجل وله القيام بها طالما بررتها العادات والعرف، فيصبح التحرش أو الأقوال التي يصرح بها الرجل ضد المرأة لنعتها أو الإشارات تعبر وتدل على أن رجولة الرجل بل حتى يمكن إذا ما عارضت المرأة ذلك او تشكت ينقلب الأمر ضدها بلومها عن ملبسها او مظهرها فتصبح الضحية مذنبة في نظر المجتمع على الأقل..

وقد إعتبر المشرع في قانون مناهضة العنف ضد المرأة أن الغاية من العنف المعنوي المسلط على المرأة بصفة عامة هو ": كل اعتداء لفظي كالقذف والشتم أو الإكراه أو التهديد أو ..... التي تنال من الكرامة الإنسانية للمرأة أو ترمي إلى إخافتها أو التحكم فيها."

و بصفة خاصة إعتبر المشرع أن الغاية النهائية من التحرش الجنسي المسلط على المرأة هو " حمله على الاستجابة لرغبات المعتدي أو رغبات غيره الجنسية أو بممارسة ضغط خطير عليه من شأنها إضعاف قدرته على التصدي لتلك الضغوط."

و بالتالي فإن الغاية من التحرش الجنسي هو إلحاق الشعور بالخوف لدى المرأة وإستضعافها قصد الاستجابة لرغبات المعتدي الذي يشعر بلذة وقتية، ليس فقط من لمس جسد أنثى أو مغازلتها بكلمات ذات إيحاءات جنسية، بل من فكرة التعدي والقمع والشعور بالتفوق عليها فكلما انزعجت الضحية وأظهرت امتعاضها وتأذيها من هذا الفعل شعر هو بمتعة أكبر. أما على الصعيد الآخر فالضحية تتلخص مشاعرها في الإحساس بالإهانة البالغة والدونية.

و لعل هذا التحرش الجنسي المتكون من مجموعة من الأفعال ومن الانتهاكات البسيطة إلى المضايقات الجادة التي من الممكن أن تتضمن التلفظ بتلميحات جنسية أو إباحية يؤدي إلى "مضايقة المرأة أو يعطيها إحساسا بعدم الأمان"[46] وذلك مثلما أقره المركز المصري لحقوق المرأة.

و في هذا الإطار جاءت الإستراتيجية العربية لمناهضة العنف ضد المرأة 2011- 2020 تحت عنوان أن "للنساء الحق بحياة خالية من العنف"[47]، وبالتالي يجب وأن تتحقق لهم العدالة والأمن بشكل لا لبس فيه، من خلال اعتبار أن العنف الجنسي أمر غير مقبول في جميع مظاهره، في السر والعلن، في المدرسة والمنزل.

و بالتالي فإن غاية المعتدي هو ممارسة تلك السلطة المعنوية ليحقق نتيجتين في نفس الحين تتعلق الأولى بشعوره هو بالتفوق في حين النتيجة التي تتعلق بالضحية تتمثل في شعورها بعجز وإحتقان وهنا قام المشرع بالترفيع في العقوبة من سنة حسبما ما كرسه الفصل 226 ثالثا سابقا إلى سنتين حسب ما نص عليه الفصل 226 ثالثا جديد، مع مضاعفة العقوبة في صور حددها المشرع .

كما نص المشرع في الفصل 17 من قانون مناهضة العنف ضد المرأة أنه "ـيعاقب بخطية من خمسمائة دينار إلى ألف دينار كل من يعمد إلى مضايقة امرأة في فضاء عمومي ،بكل فعل أوقول أوإشارة منشانه اأن تنال من كرامتها أواعتبارها أوتخدش حياءها."

وقد أفادت الدراسات اللسانية عن ظاهرة العنف اللفظي وتتمثل في قول الكلام البذيء والسب والشتم أنها تعد قاسما مشتركا بين كل اللغات الإنسانية.

وقد تمحور معظم الكلام غير المهذب في كل اللغات حول الإساءة بالألفاظ السيئة بما فيها من تحقير للآخر واستلاب لقدرته وإرجاعه لدرجة الحيوان أو حتى الجماد.

ويندرج تحت العنف المعنوي ما يسمى بالعنف الرمزي الذي لا يتسم بالقيام بأي فعل تنفيذي بل يقتصر على الاستهتار والتجاهل والتحقير والازدراء واستخدام وسائل يراد بها طمس شخصية الضحية أو إضعاف قدرتها الجسدية أو العقلية مما يحدث تأثيرا سلبيا على استمرارها في الحياة وقيامها بنشاطاتها الطبيعية.

وهو يحدث في إطار المجتمع العام ومن قبل أشخاص غرباء لا يمتون بصلة القربة للفتيات أو النساء اللواتي يتعرضن له ويشمل كافة أنواع العنف النفسي والجسدي والجنسي بدءا من المضايقات اللفظية الإهانات والاعتداءات[48].

فالفرق بين التحرش الجنسي والمضايقة حسب ما جاء بالفصل 17 المذكور أعلاه هو أن الغاية من التحرش الجنسي هو "حمل الضحية على الاستجابة لرغبات المعتدي أو رغبات غيره الجنسية" في حين أن المضايق لا يشترط أن يلمح بإيحاءات جنسية أو تكون هناك غاية جنسية فمرتكب هذه الجريمة يرتكبها لمجرد إزعاج الطرف الآخر دون رضاه بالكلام أو بالكتابة أو بإرسال رسالة أو باتصال عبر الهاتف أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو التحديق والنظر المتكرر إلى جسم الطرف الآخر أو بإشارات وحركات اليد.

فهذا النوع من العنف يبتعد عن أنواع العنف البدني (الجسدي) أو ( اللفظي) المباشر. حيث يهدف إلى استخدام طرق تعبيريه أو رمزيه تعبر في مضمونها عن محاولة التهديد أو نبذ واحتقار المرأة بسلوك ما . يشمل التعبير بطرق غير لفظية عن احتقار المرأة أو توجيه الإهانة لها. وإهمالها اجتماعيا أو عاطفيا أو نفسيا وجسديا والامتناع عن تناول ما تقدمه للآخرين أو النظر بطريقة ازدراء وتحقير[49].

 

ب – إشكاليات التوسع

الشرعية

لئن كان المشرع في النصوص والقواعد العامة يستطيع استعمال عبارات عامة أو إنشائية، فإن النص في النص الجزائي ليس للمشرع هذا الخيار أو هذه الإمكانية،  وبالتالي فإن النص القانوني الجزائي الذي يجب أن يكون دقيقا شامل بطريقة تشمل كل الحقوق والحريات الموجودة والمقرة دستوريا

يجدر هنا القول أنه كان من الضروري أن ينص الدستور الجديد على أنه "لا جريمة ولا عقوبة ولا تدبير إلا بمقتضى نص تشريعي واضح ودقيق وسابق الوضع، عدا حالة النص الأرفق".

لكن المشرع يلجأ أحيانا لتقنية التجريم المفتوح عن طريق استخدام العبارات الواسعة المرنة باعتبارها تقنية تؤمن حاجة الحاضر وتستوعب تطورات المستقبل[50] وهذا الأسلوب في صياغة النّصوص مستخدم من قبل المشرّع التونسي في المجلّة الجزائية مثل أحكام الفصل 201 م.ج "يعاقب بالقتل الإنسان الذي يرتكب عمدا مع سابقية القصد قتل نفس بأي وسيلة كانت" فعبارة "أي وسيلة كانت" تستوعب ما هو موجود وما يمكن أن يوجد من وسائل قتل[51].

لكن الأصل فـي النص القانوني الجزائي الـذي يحدد أركان الجريمة ويبين نوع العقوبة ومقدارهـا ان يصدر بصورة دقيقة، لا تحـتمل تضييقا ولا توسعا. لذلك فـإن على المشرع التفنن فـي حسن صياغة النص والاجتهاد فـي أن يكون دقيقا، حتـى لا يخرج القاضي فـي تفسيره عـن مدلول الكلام، الـذي يعبر عـن هـدف المشرع. غـيـر أن واضعي النصوص الجزائية أحيانا يستخدمون تعابير لا تتسم بالدقة، ذات مضامين واسعة، تحـتمل تفسيرا واسعا أيضا. ويحاول أنصار هـذه التعابير الفضفاضة، أن يبرروهـا بالضرورات العملية، وخصوصا فـي مجال "حماية الوطن والأمن العام". وعندهم أن النص الشديد الوضوح، والدقيق الصياغة، يلزم القاضي بالحكم بالبراءة كلـما اعتقد، أن هـذا النص يقصر عـن أن يطال وقائع قريبة مـن مفهوم النص، أو أنـه يوجد شكا فـي نفس القاضي فـي وقوعهـا تحـت طائلته. وحتـى لا يفلت مجرمون مـن عقاب يستحقونه بسبب ارتكابهم أفعالا يشك القاضي فـي وقوعهـا تحـت النص، قالوا بضرورة تبني هـذه الألفاظ الواسعة، تحـت وطأة ضرورة إحقاق العدالة. لكن خطورة هذه التعابير هي في أن يتوسع القاضي فـي فهمه للنص، فيعاقب عـلـى أفعال قـد تكون غـيـر معاقبة فـي الأصل.إلا أن المبالغة في التعميم يمثل خطرا لأنه يمكن أن يلغي القاعدة الأصلية وهي شرعية الجرائم فلا يعود المواطن يعرف على وجه الدقة، ما هو المحرم وما هو المباح.

ومن الأمثلة على اعتماد هذا الأسلوب ما ورد بالفصل 2 من قانون مكافحة العنف ضد المرأة الخاص بالتعريفات  ومنها مثلا تعريف العنف السياسي بأنه "كل فعل أو ممارسة يهدف مرتكبه لحرمان المرأة أو إعاقتها عن ممارسة أي نشاط سياسي أو حزبي أو جمعياتي أو أي حق أو حرية من الحقوق والحريات الأساسية ويكون قائما على أساس التمييز بين الجنسين"

يلاحظ أن التعريف جاء شاملا ومستوعبا في مضمونه لا فقط العنف المسلط بمناسبة العمل داخل جمعية أو حزب بل شمل كذلك كل حق أو حرية أساسية نص عليه القانون وإن الحديث عن أي حق أو حرية أساسية يمكن أن تشمل كل الحريات التي خولها الدستور، فهل إتجه مقصد المشرع إلى هذه الشمولية في التجريم ؟

وحيث يحدث الفصل 18 من قانون مناهضة العنف ضد المرأة وبالنظر إلى العقوبات المستوجبة جنحة وحيث يقتضي مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات كما توخي الدقة في ضبط الجنح والعقوبات المنطبقة عليها، في حين أن الصيغة التي ورد بها الفصل 18 من القانون هي صيغة عامّة تفتقد الدقة المطلوبة في ضبط الفعل المجرم وهي تغطي عديد الجرائم الأخرى التي ينص عليها القانون المذكور،، مما يجعل الفصل المذكور غير متلائم مع مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات .

فهذا الأسلوب وبالرغم مما يعطيه من مرونة ونجاعة في ضمان تطبيق القانون الجزائي فإنه ستترتب عنه نتائج خطيرة لا تحمد عقباها، وسيؤدي عدم الوضوح في نصوص التجريم إلى القضاء على أهم مبررات وجود مبدأ الشرعية وهو ضرورة التنبيه قبل الزجر، فالإنسان يكون مذنبا إذا اختار طريق الجريمة، ولكي يكون الوضع كذلك، فإن المشرّع يجب أن يعلن الجرائم وعقوباتها بوضوح ودقة، حتى يمكن التحقق من وجود الإذناب، فلا يسأل الإنسان جزائيا عن فعل أو امتناع عن فعل إلا إذا كان المشرّع قد أنذره بوضوح أن ذلك يعد جريمة[52]، ورغم ذلك اختار طريق الإجرام.

فالقانون لا يستطيع أن يفرض جريمة دون أن يكون تعريفها واضحاً لا لبس فيه. أما أن يجرم القانون أفعالا هائمة غير محددة بشكل واضح فهذا يمثّل اعتداء على حريات الأفراد، ويفتح الباب للمظالم والتحكم، ويصبح مخالفاً لروح الدستور إن لم يكن لنصوصه. فإذا كان الدستور يقضي بأنه لا جريمة إلا بنص، فالمقصود أن يكون تعريف الجريمة وموضوعها واضحاً ومحدداً، لا خلاف عليه بين العامة والخاصة.

وكذلك أكدت محكمة التعقيب الفرنسية على وجوبية توخي الدقة والوضوح عند وضع النّصوص الجزائية[53]، باستخدام مصطلحات واضحة ومضبوطة سواء تعلق الأمر بقانون أو ترتيب إداري[54]، وذلك لتمكين المشبوه فيه من معرفة طبيعية وأسباب الاتهام المنسوب إليه[55].

لهذا يجب على المشرّع أن يستعمل في نصوص التجريم عبارات يحقق بها التوازن بين مصلحة المجتمع وحقوق الأفراد، فلا تكون ضيقة بما يحول دون قدرة القاضي على تطبيقها على ما يجد من تطورات، ولا واسعة بما يؤدي إلى إهدار حقوق الأفراد حيث سيصعب عليهم تحديد المباح من الممنوع.

ويمكن القول بأن تحقيق هذا التوازن ممكن إذا كانت المرونة تتعلق بالوسائل الإجرامية المستخدمة لا بموضوع الجريمة نفسها، فالمشرّع حين استعمل في الفصل 201 م.ج عبارة "أي وسيلة كانت" فإن المرونة تعلقت بالوسيلة الإجرامية، لا بموضوع الجريمة وهو القتل.

لذلك أكد المجلس الدستوري التونسي في الرأي عدد 51 ـ 2007 بخصوص مشروع قانون يتعلق بتنقيح وإتمام بعض أحكام مجلّة الطرقات أنه:"  وحيث يقتضي مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات كما كرسه الفصل 34 من الدستور توخي الدقة في ضبط الجنح والعقوبات المنطبقة عليها، وحيث ان الصيغة التي ورد بها العدد 7 من الفصل 86 (جديد) هي صيغة عامّة تفتقد الدقة المطلوبة في ضبط الفعل المجرم وهي تغطي عديد الجرائم الأخرى التي تنص عليها مجلّة الطرقات كونها تشكل كذلك خطرا على العموم ومن شانها تعريض حياة بقية مستعملي الطريق وسلامتهم الجسدية للخطر، مما يجعل العدد 7 من الفصل المذكور غير متلائم مع الفصل 34 من الدستور،"  فقد رأى المجلس أن الصيغة العامّة تجعل النص قابلا للتطبيق على عدة جرائم غير محددة بدقة.

وفي الرأي عدد48 مؤرخ في 11 مارس 2008 للمجلس الدستوري يتعلق بتنقيح بعض أحكام مجلّة الأحوال الشخصية ،اعتبر المجلس أنه:" بخصوص مبدأ شرعية الجنح والعقوبات :حيث تنص الفقرة الثانية من الفصل 56 مكرر المزمع إضافته إلى مجلّة الأحوال الشخصية بمقتضى الفصل 2 من المشروع المعروض على أنه "يعاقب الأب بنفس العقوبات المقررة بالفقرة المتقدمة إذا تسبب لأي موجب كان في إخراج الحاضنة من المحل المحكوم بإسكانها ومحضونها به بما في ذلك تخلفه عن أداء معينات الكراء الحالة عليه أو إذا حكم عليه بمنحة سكن وقضى عمدا شهرا دون دفع ما حكم عليه بأدائه،وحيث كرس الفصل 34 من الدستور مبدأ شرعية الجنح والعقوبات،وحيث أن مبدأ شرعية الجنح والعقوبات يقتضي الدقة في ضبط الأفعال المجرمة والعقوبات المستوجبة لها، وحيث أن الفقرة المذكورة تتضمن عبارة تتسم بالعموم وهي عبارة "لأي موجب كان" كما أن الصيغة التي وردت بها تلك الفقرة باستعمالها لعبارة "بما في ذلك" تجعل هذه الأحكام تفتقد الدقة المطلوبة في التجريم مما يجعلها غير متلائمة مع الفصل 34 من الدستور،"[56].

و بالتالي يمكن القول إن النص المجرم للعنف السياسي يعتبر غير دقيق بما يضمن تطبيقا سليما لمبدأ الشرعية .

ثم ومن ناحية ثانية فإن هذا النص، وهو الذي يحدد عقوبة بألف دينار، يتعارض مع النص الذي لحقه وهو الفصل 21 من القانون والذي جاء به أن " يعاقب بالسجن من شهرإلى عامين وبخطية من ألف دينارإلى خمسة آلاف دينار أوبإحدى هاتين العقوبتين من تعمد ارتكاب التمييزعلى معنى هذاالقانون إذا ترتب عن فعله :

ـ حرمان أو تقييد تمتع الضحية بحقوقها أو الحصول على منفعة أو خدمة."

و السؤال الذي يطرح اي نص سوف يطبق؟ هل هو الفصل 19 او الفصل 21 ؟

تكون هنا الإجابة بان النص الذي يطبق هو النص الأشد في العقوبة أي الفصل 21 من قانون مناهضة العنف ضد المرأة وليس الفصل 19 الذي تعلق صراحة بالعنف السياسي، وبالتالي فإن هذا النص رغم المحاولة الجدية في حماية العنف ضد المرأة إلا أن صيغته جعلت منه قابلا للإندثار قبل إنطلاق العمل به .

الإثبات

لعل الإشكال الذي يطرح دائما هو مسألة إثبات التمييز أو بشكل أدق نية التمييز.

فالمشرع لا يعتبر السلوك تمييزا إلا إذا كان الغرض منه هو التمييز فعلا، فالاثبات هنا يتعلق بالنية لا بالمظهر الخارجي للسلوك ذاته.

 لكن تبقى هنا القاعدة العامة هي حرية الإثبات في المادة الجزائية، أما من ناحية الإجراءات فقد خصص المشرع ضحايا هذا التمييز المسلط عليهن باجراءات خاصة من وحدة البحث وانطلاق الأبحاث وسيرورتها[57].

فلا شك أن إثبات هكذا جرائم يعتبر أمرًا صعبًا ولكنه ممكن، فتقديم المجني عليها لشهادتها الشخصية أو شهادة أشخاص كانوا موجودين في موقع الجريمة أو تسجيلات الكاميرات الموجودة في الشوارع والحافلات يمكن أن تقيم حسب قوتها على أنها دلائل قطعية على ارتكاب الجريمة، حيث يعطي القانون للقاضي الحق في تقييم وأخذ هذه القرائن بعين الاعتبار من عدمها.

وطالما أن المشرع يشترط ثبوت نية التمييز فالأمر يتعلق بقصد جنائي خاص.

يتمثل القصد الجنائي الخاص في توقع الجاني للنتيجة الإجرامية لحظة القيام بالركن المادي للجريمة والقصد الخاص لا يقوم بصفة مستقلة، لأن جميع الجرائم تتطلب قصدا عاما في الأصل قائما بعنصريه العلم والإرادة ثم إتجاه علم الجاني وإرادته إلى واقعة أخرى وهي تحقيق النتيجة الإجرامية.

وجريمة التمييز لا يكفي لتوفر العنصر المعنوي فيها الإقتصار على القصد العام على عكس العديد من الجرائم التي يقوم الركن المعنوي فيها بتوفر القصد العام دون الخاص، بل تتطلب توفر قصد خاص لقيام الجريمة وهو قصد التمييز. وللمحكمة أن تستخلص نيّة التمييز من ظروف الواقعة وملابساتها، وغالبا ما ستستدل المحكمة على القصد الخاص للمتهم من خلال النتائج المترتبة عن السلوك.

وتجدر الإشارة أنه لا يعتد بالباعث لقيام الركن المعنوي للجريمة فالقصد الخاص يتوفر بإثبات الغاية من إتيان الفعل المادي المجرم، والغاية في جريمة التمييز تثبتها محكمة الموضوع من خلال الجزم أن نية المتهم وغايته هي المساس من حق أساسي للمرأة أو خرق مبدأ تكافؤ الفرص.

 

II – تجريم ناقص

أ – عدم تجريم أنواع من التمييز

بالرجوع إلى قانون مكافحة العنف ضد المرأة يلاجظ وان المشرع قام باستعراض مجالات التمييز المحظور ثم مر إلى التجريم والعقاب. لكن بالاطلاع على قائمة الجرائم يلاحظ وأنه منع أوجها من التمييز ثم تركها مباحة لا عقاب عليها ومن أبرزها مايلي:

التمييز الثقافي

هو تمييز هادئ لا مرئي ولا محسوس حتى بالنسبة لضحاياه، ويتمثل في أن تشترك الضحية وجلادها في التصورات نفسها عن العالم والمقولات التصنيفية نفسها، وأن يعتبرا معاً بنى الهيمنة من المسلمات والثوابت، فالتمييز الرمزي هو الذي يفرض المسلمات التي إذا انتبهنا إليها وفكرنا بها، بدت لنا غير مسلم بها، وهي مسلمات تجعلنا نعتبر الظواهر التاريخية الثقافية طبيعية سرمدية أو نظاماً عابراً للأزمنة وأشد أنواع التمييز الثقافي هو الرمزي».

ومن هنا يأتي التمييز الثقافي الممارس على المرأة المستند للموروث الثقافي التاريخي عبر المقولات والأمثال الشعبية التي تعزز الذكورية والتسلط على المرأة، وبذلك يمارس الرجل نوعاً من التمييز الرمزي ضد المرأة، والذي يتم تشغيله وكأنه تمييز طبيعي،

«وبالنظر إلى أن خطاب الأمثال (أي الأمثال الشعبية)، هو في جوهره خطاب ذكوري بامتياز - حتى وهو يتحدث عن المرأة أو بلسانها - خطاب موجه من الرجل إلى الرجل، من الرجل صاحب التجربة الطويلة في الحياة إلى المبتدئ فيها، يقدم له - من خلال الأمثال - صورة عن المرأة تحذره منها أو ترغبه فيها. فإن دراسة الأمثال الشعبية تتيح الكشف عن صورة المرأة في المجتمع، والذي ينتظم وفق مبدأ المركزية الذكورية androcentrique، هذه الصورة التي تنتقل من جيل إلى آخر، عبر فعل التنشئة الاجتماعية، والذي تشكل الأمثال الشعبية أحد روافده الأساسية. والمفارقة أن المرأة مسؤولة عن تكريس صورتها السلبية باعتبارها فاعلاً أساسياً في مجال التنشئة الاجتماعية. فالوضع الدوني للمرأة في الأسرة والمجتمع لا تعبر عنه الأمثال الشعبية (والثقافة الشعبية بشكل عام) فحسب، وإنما تعمل على تكريسه بفعل التنشئة الاجتماعية. والمرأة باعتبارها الكائن الناطق الأكثر خضوعاً للتقاليد والأعراف والعادات وبصفة عامة للموروث الثقافي... هي التي تستعمل الأمثال أكثر من غيرها، وتستبطن خطاب الأمثال الشعبية بكل حمولته القيمية وتعترف بشرعيته، وتعتقد بملاءمته للفطرة والطبيعة، وتدافع عنه وتنقله إلى أبنائها إناثاً وذكوراً بوصفها فاعلاً أساسياً في تنشئتهم. وبذلك تصبح المرأة ... بسبب استلابها عدواً لذاتها وشرطاً أساسياً لإعادة إنتاج دونيتها بالنسبة للرجل».

التمييز في المناظرات الوطنية

هو نوع خاص من التمييز الاقتصادي ولكنه لا يهدف إلى الحرمان من الموارد بل هو حائل دون الوصول إليها أصلا. وكان من واجب المشرع ان يجرمه خاصة في غياب نص عام يعاقب على خرق مبدأ تكافؤ الفرص في المناظرات الوطنية بصفة عامة[58].

التمييز الصحي

جاء في الفصل 8 من قانون مكافحة العنف ضد المرأة ما يلي: "على الوزارة المكلفة بالصحة وضع برامج متكاملة قصد مقاومة العنف ضد المرأة في التدريس الطبي وشبه الطبي والتكفل بتدريب العاملين في المجال الصحي في جميع المستويات لكشف وتقييم كل أشكال العنف ضد المرأة والوقاية منه والفحص والعلاج والمتابعة بغرض التعهد بالمرأة والأطفال المقيمين معها ضحايا العنف.

كما تتولّى توفير فضاءات خاصة باستقبال ضحايا العنف وتقديم الخدمات الصحية والنفسية لهم".

ولكن الغريب أن المشرع لم يضع أحكام جزائية لضمان هدم التمييز هذا، مما يجعل حصوله أمرا ممكن وغير معاقب عليه.

التمييز الصادر عن الذوات المعنوية

تستوجب الاتجاهات الحديثة في علم السياسة الجزائية[59] ألا يقف القانون الجزائي عند حد مساءلة الفاعل المباشر، بل أضحى من المتعين تتبع كل من ساهم بنشاط أو خطأ يعتبر بطريقة أو بأخرى من قبيل الأخطاء التي أسهمت بدور فعال في وقوع الجريمة، فلهذا أصبح يدخل في دائرة المسؤولية الجزائية كفاعلين أصليين أشخاص لم يساهموا ماديا في اقتراف الجريمة ولكنهم يعدون مع ذلك منخرطين فيها بواسطة الوسائل المادية التي وضعوها بين أيدي الآخرين أو بصفة أخص بسبب ما وفروه من إمكانيات.

إذ أصبحت الأشخاص المعنوية في الوقت الراهن ظاهرة ملموسة تلازم المجتمعات الحديثة بل هي من ابرز خصائص تلك المجتمعات،  وصار دورها في الحياة العامة واضحا جدا للعيان،[60] فللشخص المعنوي إمكانات وقدرات كبيرة وهامة [61]، يمكن استغلالها في ميدان الإجرام،

ومن الثابت أن أغلب جرائم التمييز تتعلق بأنشطة قد تباشرها ذوات معنوية بل في أغلب الحالات هي كذلك. وفي غياب نص تجريمي عام كان من واجب المشرع أن يضع نصا خاصا رغم غياب نص تجريمي عام حتى الآن.....

الفصل 10 –قانـون أساسي عدد 50 لسنة 2018 مؤرخ في 23 أكتوبر 2018 يتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري

- إذا كان مرتكب الأفعال المنصوص عليها بالفصل التاسع أعلاه شخصا معنويا، يكون العقاب بالخطية من خمسة آلاف إلى خمسة عشر ألف دينار.

لا يمنع تتبع الشخص المعنوي من تسليط العقوبات المنصوص عليها بهذا القانون على ممثليه أو مسيريه أو الشركاء فيه أو أعوانه إذا ثبتت مسؤوليتهم الشخصية عن هذه الأفعال.

قانون أساسي عدد 61 لسنة 2016 مؤرخ في 3 أوت 2016 يتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته

الفصل 20 –  يقع تتبع الذات المعنوية إذا تبين أن ارتكاب إحدى جرائم الاتجار بالأشخاص المنصوص عليها بهذا القانون يمثل الغرض الحقيقي من إنشائها أو تم لفائدتها أو إذا حصلت لها منه منافع أو مداخيل أو إذا تبين أنها توفر الدعم بأي شكل من الأشكال لأشخاص أو تنظيمات أو أنشطة لها علاقة بجرائم الاتجار بالأشخاص المنصوص عليها بهذا القانون.

تعاقب الذات المعنوية بخطية تساوي قيمة الأموال المتحصل عليها من جرائم الاتجار بالأشخاص على أن لا يقل مقدارها عن خمس مرات قيمة الخطية المستوجبة للأشخاص الطبيعيين.

كما يمكن للمحكمة أن تقضي بحرمان الذات المعنوية من مباشرة النشاط لمدة أقصاها خمسة أعوام أو أن تقضي بحلها.

ولا يمنع تتبع الذات المعنوية من توقيع العقوبات المنصوص عليها بهذا القانون على ممثليها أو مسيريها أو الشركاء فيها  أو أعوانها إذا ثبتت مسؤوليتهم الشخصية عن هذه الأفعال.

وفي ظل غياب نص خاص فقد ذهبت محكمة التعقيب بموجب قرارها عدد 7221 المؤرخ في 16/12/2004 [62] نحو اقرار مسؤولية الذات المعنوية اعتمادا على مايلي:"وحيث ركزت محكمة الحكم المطعون فيه أساسا على مبدأ شخصية العقوبة وعدم توفره في قضية الحال بما يحول دون إنزال العقوبات بأشخاص يديرون الذات المعنوية لبعدهم كل البعد عن الفعل المادي المجرم ولعدم إمكانية نسبة الإهمال وقلة الاحتياط لهم واستخلصت من كل هذا أن واقعة عدم الاحتياط و الإهمال بما أدى إلى جريمة القتل غير العمد لم يقع إثباتها في حق المتهم لعدم توليه الإشراف على المؤسسة التي تتبعها محطة توزيع الوقود إلا بتاريخ لاحق لتاريخ الواقعة كما استبعدت مؤاخذة الذات المعنوية واعتبرت أن المؤاخذة الجزائية لا يمكن أن تطال إلا الشخص المادي المتمتع بالوعي والإرادة والذي تعمد إتيان ما نهى عنه القانون أو ترك ما أوجب القانون فعله و استنتجت عدم إمكانية نسبة الخطأ الجزائي لذات معنوية فاقدة لكيان مستقل و لوجود حقيقي كفقدها للإرادة الفاعلة باعتبارها ذات افتراضية لا تكتسب وجودها إلا من خلال الاستنباط التشريعي. وحيث خلافا لما انتهت إليه محكمة الحكم المنتقد فإن مبدأ شخصية المؤاخذة اتسعت حلقاته و تطورت صوره فضم أشخاصا بعيدين كل البعد عن الفعل المادي المجرم بمجرد نسبة الإهمال و قلة الاحتياط و ربطهما بالنتيجة الإجرامية عبر الصلة السببية كما تغافلت محكمة الحكم المطعون فيه عن أن وراء الذات المعنوية أشخاص طبيعيون يعملون بوسائلها و تحت أسمها و أصبحت الذات المعنوية وسيلة نشاطهم إلى درجة أنه لا يمكن أن يكون لها أي نشاط واقعي و قانوني إلا من خلال إرادتهم. وحيث يتضح لكل هذه الاعتبارات أن موقف محكمة الحكم المنتقد باستبعادها مؤاخذة الذات المعنوية في شخص ممثلها القانوني[63] هو موقف سطحي لم ينفذ إلى عمق التطورات التشريعية في هذا الصدد"[64].

ب – إباحة التمييز الايجابي

أقر المشرع نوعين من التمييز:

الأول: تمييز ممنوع أو محظور، يمكن تسميته التمييز السلبي، وهو القائم على استهداف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة.

والثاني: تمييز مباح أو مقبول، يمكن تسميته بالتمييز الإيجابي، وهو القائم على اتخاذ تدابير خاصة يكون الغرض الوحيد منها تأمين التقدم الكافي لبعض الجماعات أو لبعض الأفراد المحتاجين إلى الحماية لتضمن لهم المساواة في التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو ممارستها، شرط عدم إدامة قيام حقوق منفصلة، وشرط عدم استمرارها بعد بلوغ الأهداف التي اتخذت من أجلها.

فعلى أساس قاعدة التمييز الإيجابي تبتكر سياسات وتوضع آليات بهدف سد الفجوة بين فئة اجتماعية وأخرى من حيث التمتع بالحرية والحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية، ذلك أن بعض الفئات الاجتماعية تضررت بسبب عادات وتقاليد وقيم موروثة وأسكنت منزلة دونية داخل المجتمع. هذا علما وأن الفئة المتضررة هي التي تكون أكثر عرضة من غيرها للفقر والأمية وعدم التكوين التربوي والمهني كما هي عرضة للاستغلال والاضطهاد وغياب الحقوق وتكون بالتالي غير قادرة على تحقيق الذات وتنمية القدرات. عرف التمييز ضد المرأة وميز بين التمييز الممنوع والتدابير الايجابية بقوله: "كل تفرقة أو استبعاد أو تقييد يكون من آثارها أو أغراضها النيل من الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات على أساس المساواة التامّة والفعلية في الميادين المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو إبطال الاعتراف للمرأة بهذه الحقوق أو تمتعها بها وممارستها بغض النظر عن اللون أو العرق أو الدين أو الفكر أو السن أو الجنسية أو الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو الحالة المدنية أو الصحية أو اللغة أو الإعاقة. ولا تعتبر تمييزا الإجراءات والتدابير الإيجابية الرامية إلى التعجيل بالمساواة بين الجنسين".[65]

وفي تونس فقد دخلت تقنية التمييز الإيجابي الى النظام القانوني من خلال الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس منذ ستينيات القرن الماضي، لكن استخدام عبارة "التمييز الإيجابي" في التشريع اقترنت بقانون المصادقة على الميثاق العربي لحقوق الإنسان لسنة 2004، وهو القانون الذي أعطى فرصة مباشرة للمجلس الدستوري كي يبين مدلول التمييز الإيجابي وأحكامه.

ففي الرأي عدد 13 - 2005 للمجلس الدستوري بخصوص مشروع قانون المصادقة على الميثاق العربي لحقوق الإنسان اعتبر المجلس أن: "تعهد الجمهورية التونسية ضمن الميثاق العربي المذكور لتأمين المساواة الفعلية بين المرأة والرجل في إطار التمييز الإيجابي لصالح المرأة، يتلاءم مع ما نصت عليه الفقرة الأولى من الفصل 5 من الدستور في نطاق ضمان شمولية لحقوق الإنسان وطالما أن هذا التمييز الإيجابي لا ينال من الحقوق الأساسية التي يضمنها الدستور وكان خاضعا لهدف وحيد وهو تحقيق تكافؤ الفرص ومتسما بالتناسب بين مضمون التشريعات المشار إليها والهدف المذكور". مما يعني أن المجلس كان قد قبل بالتمييز الإيجابي من خلال التوفيق بين أحكام الفصلين 5 و6 من دستور 1959 الملغى الذي لم يسمح بهذا النوع من التمييز صراحة.  فالحق في المساواة أصبح منظورا إليه من خلال مبادئ كونية وشمولية وترابط الحريات وحقوق الإنسان وقيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال، وهي مبادئ سمحت للمجلس بالاعتداد بالتمييز الإيجابي وقبوله.

وفي الرأي عدد 32 – 2005 بخصوص مشروع قانون توجيهي يتعلق بالنهوض بالأشخاص الحاملين لإعاقة وحمايتهم اعتبر المجلس الدستوري: "وحيث وان اقتضت أحكام الفصل 6 من الدستور المساواة في الحقوق والواجبات وأمام القانون، فإن في تضمن الفقرة الأولى من الفصل 5 من الدستور شمولية لحقوق الانسان ما لايمنع من التمييز الايجابي لفائدة بعض الفئات قصد تأمين المساواة الفعلية كالأشخاص الحاملين لإعاقة في صورة الحال، طالما أن هذا التمييز الايجابي لا ينال من الحقوق الأساسية التي يضمنها الدستور وكان خاضعا لهدف وحيد وهو تحقيق تكافؤ الفرص ومتسما بالتناسب بين الامتيازات والمنافع والتسهيلات والاعفاءات من جهة والهدف المنشود من جهة أخرى"

فمصطلح التمييز الإيجابي يشير إلى عدد من الأساليب الرامية إلى مواجهة آثار التمييز في الماضي وللمساعدة في إلغاء الصور النمطية. فهو عمل تقوم به الدولة أو مؤسسة خاصة لتعويض جماعة عن تمييز حصل في السابق على أسس اختلاف النوع، العرق، الأصول الاثنية، الدين أو العجز عن الدراسة، أو الوظيفة، أو المشاركة السياسية. لكن هناك من ينتقد التمييز اﻹيجابي، ويرى أنه:" ليس إﻻ كذبة كبيرة، بكافة مفرداته، فهو ينعكس سلبياً على قضية المرأة، التي تتمحور حول تجاوز الذكورية لصالح أنسنة المجتمع، أي الوصول إلى حالة من التكافؤ بين أفراده بغض النظر عن عامل الجنس، فهذا التمييز يُكرّس ما يُفترض تجاوزه، ويُذكّر بما يجب تناسيه، أي على عكس المطلوب تماماً.

وينطلق مفهوم التمييز الإيجابي من تحول مفهوم المساواة من المساواة في الفرص الى المساواة في النتيجة، وبما ان التمييز الإيجابي اتى لمعالجة الغبن في الحقوق الذي طال عدة فئات، فقد اعتمد كأسلوب للقضاء على كل أوجه التمييز. إنطلاقا من أن التمييز ضد التمييز هو عودة للأصل أي عدم التمييز وبالتالي تحقيق المساواة.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز الإيجابي فهو علاوة على كونه وسيلة تعويضية للفئات التي عانت تاريخيا من حرمان ناتج عن العادات والتقاليد غالبا لا بل وعن القانون أحيانا، فإنه آلية لتكريس قيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال.

فوظيفة التمييز الإيجابي اليوم اختلفت عنها زمن نشأته في الولايات المتحدة أواسط الستينيات، إذ أنه لم يعد وسيلة لإدماج وتعويض الأقليات العرقية فقط، وإنما صار أداة تعويضية تستخدم بصفة وقتية لتحقيق تكافؤ في الفرص بين مختلف فئات ومكونات المجتمع الواحد. فهو أداة تنموية، تعويضية، وإدماجيه تتماشي مع المواثيق الدولية واتفاقيات حماية الأقليات وفقه القانون الدولي الحديث وأخذت به الديمقراطيات العريقة والحديثة على السواء، لأن التعويل على أن التغيير المجتمعي سوف يؤدي إلى رفع الغبن عن الفئات المحرومة مع الزمن غير صحيح، فالتمييز الإيجابي لا يحدث عبر استفتاء شعبي وإنما عبر إرادة سياسية فوقية، وهذا ما حدث في أغلب المجتمعات التي أخذت به، فالمستأثر بميزة لن يتخلي عنها طوعا وإنما بقوة القانون وصرامة تطبيقه، فالتمييز الإيجابي هو تحالف بين العقلاء لصالح مجتمع ديمقراطي سليم يأخذ بآليات مؤقتة لرفع المظالم التاريخية عن الفئات المهمشة، فهو تحالف من أجل الوطن يقوده مناضلون من أجل الحرية.

وبالتالي فإن التمييز الإيجابي باعتباره نوع من التعويض عن تمييز سلبي حصل في السابق هو ضمان حقيقي للوصول إلى أكبر قدر من المساواة بين فئات ومكونات المجتمع، وهو ما يبرر مشروعية هذا النوع من التمييز، إذ يمكن القول أن كل المواثيق الدولية والقوانين الوطنية التي أقرت التمييز الإيجابي لم تأخذ بهذا الإجراء اعتباطا أو في المطلق، وهو ما يمكن استنتاجه من موقف المجلس الدستوري الذي قبل التمييز الإيجابي وفق التعليل التالي: "وحيث وان اقتضت أحكام الفصل 6 من الدستور المساواة في الحقوق والواجبات وأمام القانون، فإن في تضمن الفقرة الأولى من الفصل 5 من الدستور شمولية لحقوق الإنسان ما لا يمنع من التمييز الإيجابي لفائدة بعض الفئات قصد تأمين المساواة الفعلية كالأشخاص الحاملين لإعاقة في صورة الحال، طالما أن هذا التمييز الإيجابي لا ينال من الحقوق الأساسية التي يضمنها الدستور وكان خاضعا لهدف وحيد وهو تحقيق تكافؤ الفرص ومتسما بالتناسب بين الامتيازات والمنافع والتسهيلات والإعفاءات من جهة والهدف المنشود من جهة أخرى".

وفي الختام يمكن القول إن العلاج الوحيد لسنوات من الإقصاء والتهميش والحرمان هو التمييز الإيجابي لضمان مشاركة المرأة في الحياة العامة.

فمجرد إقرار مبدأ المساواة في الدستور لا يكفي لإعادة التوازن إلى الفئات التي عانت من سنوات التهميش. وأبسط دليل على ذلك أنه رغم مرور أكثر من ستين عاما على اعتماد «الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان»، والذي ينص في مادته الأولى على أنَّهُ «يولد جميع الناس أحرارا ومُتساوينَ في الكرامة والحقوق»؛ إلا أنَّ اتساع دائرة الانتهاكات وارتفاع وتيرتها في معظم أرجاءِ العالَم يجعل منها مُجرَد «حِبْر على ورق»، فالتمييز الإيجابي جاء كتقنية لتفعيل مبدأ المساواة لا للحد منها، وإن كانت عبارة "تمييز" توحي بخلاف ذلك، فمن المتفق عليه اليوم ان المساواة المطلقة ما هي إلا ظلم مطلق، لأن البشر بطبيعتهم مختلفون من حيث القدرات المادية والفكرية والبدنية، ولهذا فقد كانت فكرة المساواة حسب الأصناف مقبولة دائمة، كما قبل فقه القضاء الدستوري فكرة التمييز الهادف، أي التمييز الرامي لتحقيق هدف ضمنه أو نص عليه الدستور، فلماذا يستنكر البعض فكرة التمييز التعويضي، أي التمييز من أجل التعويض عن حرمان سابق ولتدارك حيف واقع على فئات لا للذنب وإنما لجنسها أو لونها أو إعاقتها أو سنها أو طبقتها الاجتماعية. لهذا فإن المستفيدين من التمييز الإيجابي اليوم هم نفسهم من كانوا ضحايا التمييز السلبي في الامس، لا امتيازا وانما تعويضا وتداركا.

والتمييز الإيجابي في جوهره ما هو الا وسيلة من وسائل المساواة الفعلية، هدفه التنمية وضمان مشاركة كافة مكونات المجتمع في ممارسة السلطة والاستفادة من خيرات الوطن. وباعتباره وسيلة لا غاية في حد ذاته فمن الطبيعي أن يكون مؤقتا في الزمان، ولكنه توقيت مرتبط بالنتيجة، فكلما بلغت الفئة المعنية الحد اللازم لتكون على قدم المساواة مع البقية كلما فقد التمييز الإيجابي مشروعيته.

في الختام يمكن القول أن ما جاء في الفصل 46 من الدستور كان خطوة هامة تلتها خطوة أخرى أهم تمثلت في مٌلاَئمة التشريع التونسي مع الدستور وتَنقيِتٌه من الفصول التمييزية تجسدت خاصة بالقانون عدد 58 لسنة 2017 الذي جاء بمثابة اتمام واجب دستوري لا بد منه.

ولكن تفعيل مقتضيات هذا القانون يتطلب وضع برنامج متكامل لجعل قضية مكافحة التمييز ضد المرأة قضية المجتمع، فهي قضية تنمية وتعبئة وحشد وتطوير لكل الموارد البشرية دون التميز بين الرجل والمرأة التي تشكل نصف موارد المجتمع. وان مكافحة العنف اللامادي خاصة يستدعي إنشاء آليات توعية ورقابة وتطوير وسائل الاثبات.

ورغم ان تونس قطعت اشواطا كبيرة في مناهضة العنف ضد المرأة الا ان ذلك غير كاف بشكل كامل لذا يجب ملاءمة كافة التشريعات الوطنية وفق المعايير الدولية، واستشراف آراء وتوجهات جديدة من شأنها تطوير العديد من الأحكام القانونية والإدارية والإجرائية ذات العلاقة بحماية النساء من العنف اللا مادي.

كما لابد من العمل على تحقيق الحلول والمقترحات الوقائية التي تمنع حدوث التمييز ومنها:

ü                 توعية الأبناء على تعلم رفض المفاهيم والأفكار التي تحرض على ممارسة العنف ضد المرأة.

ü                 العمل على تعزيز ثقافة الحوار واحترام الآخر داخل الأسرة من خلال إشاعة مفهوم الدور لكل من الذكر والأنثى في العائلة فان الاختلاف بينهما لا يقتصر على البعد البيولوجي بل له إبعاد اجتماعية وثقافية تحدد دور كل من الجنسيين كما يتصوره المجتمع بما في ذلك تقسيم العمل داخل إلاسرة والمشاركة الفاعلة بينهما للحفاظ على كيان الأسرة.

ü                 توفير الكثير من الخدمات المساعدة للمرأة من اجل تسهيل قيامها بالعبء المزدوج الذي تتحمله في إدارة شؤون المنزل والعمل خارجه وإدخال النساء في مجالات عمل أوسع في قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات تتجاوز الميادين التقليدية وان كانت هناك حاجة لزيادة وعي الرجل وتهيئته لرفع معدلات إسهام النساء وان يتقبلها بأنها نصف المجتمع ولها ماله وعليها ما عليه.



[1]  أما على المستوى الاقليمي والمحلي فإن أول ذكر للمساواة، كان من خلال إعلان الاستقلال الأمريكي (عام 1776) حيث أشير فيه إلى مبدأ المساواة بين الناس، بجانب ذكر بعض الحقوق كحق الحياة وحق الحرية، ثم صدر بعد ذلك إعلان الدستور الأمريكي (عام 1787)، وتعرض فيه لبعض الحقوق الإنسانية ومنها إيجاب المساواة. وأما المناداة بالمساواة كنظام وتشريع، فقد ظهرت مع الثورة الفرنسية ومناداة كتاب الثورة بذلك، أمثال: جان جاك روسو، ومونتسكيو وغيرهم، وصدرت (عام 1789م )وثيقة حقوق الإنسان والمواطن، وبدأت الوثيقة بعبارة (يولد الناس أحراراً ومتساوين في الحقوق )حيث تضمنت تقرير المساواة، وقد حرص الفرنسيون على هذا الإعلان ووضعوه في مقدمة الدستور الصادر عام 1791، ويتكون هذا الإعلان من (17) فصلا، حيث تضمن الفصل الأول حق الحرية والمساواة، كما أكد الفصل السابع منه على حق المساواة أمام القانون، والمساواة في الحصول على الوظائف.

[2] - وقـِّع ميثاق الأمم المتحدة في 26 جوان 1945 في سان فرانسيسكو في ختام مؤتمر الأمم المتحدة الخاص بنظام الهيئة الدولية وأصبح نافذاً في 24 تشرين الأول/اكتوبر 1945. وتنص المادة 2 منه على أنه:"تعمل الهيئة وأعضاؤها في سعيها وراء المقاصد المذكورة في المادة الأولى وفقاً ‏‏ للمبادئ الآتية: تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها."

[3]- عبد الله الأحمدي، حقوق الإنسان والحريات العامة في القانون التونسي، شركة أوروبيس للطباعة والنشر بقصر السعيد تونس، 1993، ص 11.

[4]- وهي (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبروتوكولان الاختياريان الملحقان بهما)، حيث تشكل هذه الصكوك معا الأساس الأخلاقي والقانوني لعمل الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان وتوفر الأساس الذي أقيم عليه النظام الدولي لحماية حقوق الإنسان وتعزيزه. وقد كان الإعلان وما يزال أهم إعلانات الأمم المتحدة وأبعدها أثرا وشكل مصدر الهام لجميع الجهود من اجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان ويتألف الإعلان من ديباجة و30 مادة تحدد حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي تحق للجميع في أي مكان في العالم دون أي تمييز وتقول المادة الأولى (يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق..) أما المادة 2 التي تنص على المبدأ الأساسي للمساواة وعدم التمييز فيما يتعلق بالتمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية فتحظر التمييز من أي نوع:( لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون أي تمييز كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة... دون أية تفرقة بين الرجال والنساء). فالإعلان كرس مبدأ المساواة في الحقوق لجميع الناس دون أي تمييز. أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 (قانون عدد 30 لسنة 1968 مؤرخ في 29 نوفمبر 1968 يتعلق بالترخيص في انخراط البلاد التونسية في الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية) فقد جاء ليؤكد على ضرورة احترام وتأمين الحقوق المقررة فيه لكافة الأفراد دون تمييز (المادة 2) وجاءت المادة 3 لتنص على: (تتعهد الدول الأطراف في العهد الحالي بضمان مساواة الرجال والنساء بجميع الحقوق المدنية والسياسية المدونة في هذه الاتفاقية). وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 تنص المادة 2 منه على عدم التمييز بين البشر بحيث تلزم الدول بضمان ممارسة الحقوق المدونة فيه دون تمييز لأي سبب نص المادة 3 (تتعهد الدول الأطراف في العهد الحالي بتأمين الحقوق المتساوية للرجال والنساء في التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المدونة في هذا العهد).

[5]  فقد توالت قرارات الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة لتحسين أوضاع المرأة حيث اعتمدت عام 1952 أول صك قانوني يعالج على سبيل الحصر حقوق المرأة وهو ( اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة ) وتنص هذه الاتفاقية على انه من حق المرأة ، أن تقوم بشروط مساوية للرجل ، بالتصويت في جميع الانتخابات ، وشغل المناصب العامة ، وممارسة جميع المهام العامة التي يحددها القانون الوطني. وفي عام 1957 اعتمدت الجمعية العامة ( اتفاقية جنسية المرأة المتزوجة ) والتي تنص على انه لا يمكن تغيير جنسية المرأة تلقائيا بإبرام عقد الزواج أو بإنهاء الزواج أو بتغيير جنسية الزوج أثناء الزواج. وفي عام 1960 كانت اتفاقية اليونسكو للقضاء على التمييز في التعليم واتفاقية تتعلق بمسائل العمل والتوظيف وبعدها أتت اتفاقية الرضا بالزواج والحد الأدنى لسن الزواج وتسجيل عقود الزواج لعام 1962 والتي كفلت حرية الاختيار بالزواج والقضاء على زواج الأطفال ونصت على ضرورة إنشاء سجل لتدوين حالات الزواج. و تبنت الجمعية العامة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( سيداو ) عام 1979 والتي جاءت ثمرة لجهود بذلت على مدار ثلاثين عاما وأعمال قام بها مركز المرأة الذي أنشئ عام 1946 حيث صدر خلال تلك الفترة العديد من الاتفاقيات والبيانات والإعلانات إلا أن أهمها على الإطلاق اتفاقية (سيداو) التي دخلت حيز التنفيذ عام 1981 وتقر ديباجة الاتفاقية بذلك حيث جاء فيها : "على انه بالرغم من الجهود المبذولة من أجل تقدم حقوق الإنسان ومساواة المرأة فإنه لا يزال هناك تمييز واسع النطاق ضدها ونعلن مجددا إن هذا التمييز يشكل انتهاكا لمبادئ المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان وعقبة أمام مشاركة النساء والرجال على قدم المساواة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لدولهن ويعيق نمو ورخاء المجتمع والأسرة".

وبعد هذه الاتفاقية جاءت اتفاقية حقوق الطفل CRC التي دخلت حيز التنفيذ عام 1990 والتي حظرت التمييز على أساس الجنس في مادتها الثانية حيث طالبت بحماية الطفلة من أي تمييز وأكدت على أهمية تعليم الإناث وعلى المساواة في المعاملة داخل العائلة. تبنت هيئة الأمم المتحدة عام 1993 الإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف صد المرأة وذلك لسد الثغرة الكبيرة في اتفاقية (سيداو ) التي لم تعالج قضية العنف ضد المرأة على الرغم من إنها من بين القضايا التي أقرتها مؤتمرات المرأة وحقوق الإنسان باعتبارها تشكل انتهاكا لحقوق الإنسان لذلك سارعت لجنة القضاء على التمييز المنبثقة عن الاتفاقية لاتخاذ خطوات هامة فيما يتعلق بالتمييز على أساس الجنس وجعلته يشمل العنف القائم على أساس الجنس وأكدت اللجنة إن العنف الممارس ضد المرأة يشكل انتهاكا لما لها من حقوق إنسان والمعترف بها دوليا.

وي 2017 يعتبر المساواة بين الجنسين هو الهدف الخامس من سبعة عشر هدف تنموي خاص بالأمم المتحدة. يتم قياس عدم المساواة بين الجنسين سنويًا بواسطة برنامج تقارير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (المساواة بين الجنسين، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة نسخة محفوظة 13 جويلية 2017 على موقع واي باك مشين Wayback Machine.)

[6] - جمعية فنلندا إلى الأمام بدون تمييزSEIS  ، قانون المساواة وسيلة متكاملة ضد، ماي 2004. موقع الإنترنت:

http://www.join.fi/seis .

[7]- جليلة السيد، التمييز ... رؤية قانونية، ورقة مقدمة لندوة "التمييز والامتيازات في البحرين.. القانون غير المكتوب"، مركز البحرين لحقوق الانسان.2009. ص.6.

[8] أشارت منظمة العمل الدولية إلى أن "المساواة بين الجنسين هي المساواة بين الرجل والمرأة وتضمن مفهوم أننا جميعًا بشر، فالرجال والنساء هم أحرار في تطوير قدراتهم الشخصية وليصنعوا القرارات بدون الحدود المرسومة بواسطة الأفكار النمطية. المساواة بين الجنسين تعني أن السلوكيات المختلفة والتطلعات واحتياجات المرأة والرجل يجب أن تؤخذ في الاعتبار ويتم تقييمها وتفضيلها بمنتهى المساواة. هذا لا يعني أن الرجل والمرأة يجب ان يكونوا متشابهين ولكن حقوقهم ومسؤولياتهم وفرصهم لا تعتمد على نوع جنسهم. المساواة بين الجنسين تعني الإنصاف في المعاملة بين الرجل والمرأة طبقًا لأحتياجتهم الخاصة" مقالة مبادئ حقوق النساء العاملات والمساواة بين الجنسين المنشورة عام 2000 الصفحة 48. محمود شريف بسيوني، محمد السعيد الدقاق ووزير عبد العظيم، حقوق الإنسان، المجلد الأول، الوثائق العالميـة والإقليميـة،  دار العلم للملايين بيروت، الطبعة الأولى،1988 ،ص332

[9] جمال فاسمية، منع التمييز في القانون الدولي لحقوق الإنسان وآثاره، الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2014 ،ص ص: 35 – 36

[10] أنظر تفصيل قضية مدارس الأقلية في ألبانيا في: جمال فاسمية، مرجع سابق، ص ص: 34 – 35 .حسام أحمد محمد هنداوي، القانون الدولي العام وحماية حقوق الأقليات، القاهرة: دار النهضة العربية، 1997 ،ص 52

[11] ) اعتمدتها الجمعية العامة وعرضتها للتوقيع والتصديق بقرارها 2106 أ (د. 20) المؤرخ في 21 ديسمبر 1965، تاريخ بدء نفاذها: 4 جانفي 1969، طبقاً للمادة 19 منها. وصادقت عليها تونس بموجب القانون عدد 70 لسنة 1966مؤرخ في 28 نوفمبر 1966 يتعلق بالمصادقة على الاتفاقية الدولية الخاصة بالقضاء على جميع صور الميز العنصري. منشور في الرائد الرسمي ع 51، لسنة 1966، ص 2159. وأنظر كامل أحكام هذه الاتفاقية المنشورة في الرائد الرسمي عدد 16 لسنة 1967 المؤرخ في 4-7 أفريل 1967، ص 522 وما بعدها.

[12] - كما عرفته عدة اتفاقيات خاصة أخرى على النحو الآتي:

- المادة 2 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (القانون عدد 4 لسنة 2008 المؤرخ في 11 فيفري 2008 المتعلق بالموافقة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وعلى البروتوكول الاختياري المتعلق بهذه الاتفاقية)."التمييز على أساس الإعاقة" يعني أي تمييز أو استبعاد أو تقييد على أساس الإعاقة يكون غرضه أو أثره إضعاف أو إحباط الاعتراف بكافة حقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة مع الآخرين، في الميادين السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو المدنية أو أي ميدان آخر. ويشمل جميع أشكال التمييز، بما في ذلك الحرمان من ترتيبات تيسيرية معقولة،

- المادة 1 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة اعتمدتها الجمعية العامة وعرضتها للتوقيع وللتصديق والانضمام بقرارها 24/180 المؤرخ في 18 ديسمبر 1979 تاريخ بدء النفاذ: 3 سبتمبر 1981:" لأغراض هذه الاتفاقية يعني مصطلح " التمييز ضد المرأة " أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه، توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر، أو توهين أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها، بصرف النظر عن حالتها الزوجية وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل".

- "اتفاقية التمييز في مجال الاستخدام والمهنة لعام 1958" التي اعتمدها المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية في 25 حزيران/ يونيه 1958 وبدأ نفاذها في 15 حزيران/ يونيه، 1960:" وعرفت مصطلح "تمييز" بأنه أي استثناء أو تفضيل يتم على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني أو المنشأ الاجتماعي، ويسفر عن إبطال أو انتقاص المساواة في الفرص أو في المعاملة على صعيد الاستخدام والمهنة".

- "الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم" التي اعتمدها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة في 14 ديسمبر، 1960 وبدأ نفاذها في 22 ماي 1962:" بالتمييز "أي تميز أو استبعاد أو قصر أو تفضيل على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسياً وغير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الحالة الاقتصادية أو المولد يقصد منه أو ينشأ عنه إلغاء المساواة في المعاملة في مجال التعليم أو الإخلال بها..."( قانون عدد 40 لسنة 1969 مؤرخ في 26 جويلية 1969 يتعلق بالمصادقة على الاتفاقية الدولية المتعلقة بمقاومة الميز في ميدان التعليم.).

لكن الاتفاقية استدركت واستثنت في المادة 1-4 من مفهوم التمييز أنه:" لا تعتبر من قبيل التمييز العنصري أية تدابير خاصة يكون الغرض الوحيد من اتخاذها تأمين التقدم الكافي لبعض الجماعات العرقية أو الإثنية المحتاجة أو لبعض الأفراد المحتاجين إلى الحماية التي قد تكون لازمة لتلك الجماعات وهؤلاء الأفراد لتضمن لها ولهم المساواة في التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو ممارستها، شرط عدم تأدية تلك التدابير، كنتيجة لذلك، إلى إدامة قيام حقوق منفصلة تختلف باختلاف الجماعات العرقية، وشرط عدم استمرارها بعد بلوغ الأهداف التي اتخذت من أجلها"

وهو استدراك تكرر حتى في الاتفاقيات الخاصة بمناهضة التمييز فعلى سبيل المثال نصت المادة 4- 1- من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأةعلى أنه:" لا يعتبر اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة تمييزا بالمعنى الذي تأخذ به هذه الاتفاقية، ولكنه يجب ألا يستتبع، على أي نحو، الإبقاء على معايير غير متكافئة أو منفصلة، كما يجب وقف العمل بهذه التدابير متى تحققت أهداف التكافؤ في الفرص والمعاملة".

- المادة 5 من اتفاقية التمييز في مجال الاستخدام والمهنة لعام 1958:"1. لا تعتبر من قبيل التمييز تدابير الحماية الخاصة أو المساعدة الخاصة المنصوص عليها في اتفاقيات أو توصيات أخرى اعتمدها مؤتمر العمل الدولي. 2. لكل عضو، بعد التشاور مع المنظمات التمثيلية لأصحاب العمل وللعمال، أن يعتبر أن أية تدابير خاصة أخري ليست تمييزية إذا كان هدفها مراعاة المتطلبات الخاصة بأشخاص يعتبرون عموما، بسبب جنسهم أو سنهم أو عجزهم أو مسؤولياتهم العائلية أو وضعهم الاجتماعي أو الثقافي أو ما ذلك، في حاجة إلي حماية أو مساعدة خاصة". الأمم المتحدة، حقوق الإنسان: مجموعة صكوك دولية، المجلد الأول، نيويورك، 1993، 1، ص 132.

[13] أثار استثناء الجنسية من الأسس التي يمنع التمييز بموجبها في اتفاقيات حقوق الإنـسان، ومنها الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان،جدلا حول صلاحية الدول في التمييز بين الأفراد استنادا إلى الجنسية .الفقيه McDougal يعارض تفسير عدم ذكر الجنسية ضمن أسس التمييز الممنوعـة، علـى أنه منح الحق للدول في التمييز بين الأفراد استناداً إلى جنسيتهم . ويشير إلى أن صياغة الأسس في مواثيق حقوق الإنسان تتضمن عبارة "مثل" قبل تعداد أسس التمييز الممنوعة، مما يفيد عدم حصرية . 9 هذه الأسس وإنها ذكرت على سبيل المثال . وأن عبارة "أي وضع آخر" يمكن أن تتضمن الجنسية.ولكن كقاعدة عامة، تسمح للدول بتقييد ممارسة . 13 بعض الحقوق استناداً إلى التمتع بالجنسية أو عدم التمتع به. وأكدت لجنة حقوق الإنسان في تفسيرها للمادة (26) من العهد الدولي للحقوق المدنيـة والـسياسية. (UN .Doc. EL / CN. 4/52, p. 5 . ) أن عبارتي "أي أساس آخر " و "أي وضع آخر " لا تشملان "الجنسية" إن منع التمييز على أساس الجنسية منصوص عليه صراحة في بعض المعاهدات الدولية مثل المـادة (7) من اتفاقية المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وميثاق منظمة العمل الدولية رقـم 103 ،وإعـلان . الأمم المتحدة لحقوق الإنسان للأفراد الذين يقيمون في دولة لا يحملون جنسيتها يضاف إلى الأسباب المذكورة أن معاهدات حقوق الإنسان، كقاعدة عامة، تسمح للدول بتقييد ممارسة بعض الحقوق استناداً إلى التمتع بالجنسية أو عدم التمتع به. جاء في المادة 2/3 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أنه : " 3 -للبلدان النامية أن تقرر، مع إيلاء المراعاة الواجبة لحقوق الإنسان ولاقتصادها القومي، إلى أي مدى ستضمن الحقوق الاقتصادية المعترف بها في هذا العدد لغير المواطنين ". وذهبت المادة 1/2 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري إلى أنه : "لا تسري هذه الاتفاقية على أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل بين المواطنين من جانب أية دولة طرف فيها" . أما المادة(16) من الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان فتنص على أنه : " لا يجوز تأويل أحكام المواد 10 ،11 ،14 ،على أنها تمنع الأطراف السامية المتعاقدة من فرض قيود عليا للنـشاط السياسي للأجانب " . محمود شريف بسيوني، المرجع السابق، ص 333

[14]  تعد معاهدة صلح ويستفاليا من المعاهدات الدولية الأولى التي منعت، صراحة، المعاملة المختلفـة بين الأفراد بسبب معتقداتهم الدينية . وما لبث أن تطور هذا المبدأ، بعد الحـرب العالميـة الأولـى، ليشمل حرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية الاعتقاد، ويمكن الإشارة إلى المعاهـدة الموقعـة بـين بولندا ودول التحالف عام 1932 ،المادة الثانية، التي ألزمت بولندا بتأمين حماية الحيـاة والحريـة للمقيمين في إقليمها دون تمييز على أساس الميلاد، الجنسية، العرق، اللغة، الدين . تكـررت هـذه الأسس الممنوعة للتمييز : الميلاد، اللغة، العرق، الدين، في الاتفاقيـات الدوليـة لحمايـة حقـوق الإنسان وتمت إضافة جديدة لمنع التمييز وهي : اللون، المنشأ الـوطني أو الاجتمـاعي، الثـروة، الميلاد، أو أي وضع آخر في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافيـة وفـي العهـد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

Vierdag, E.W.The Concept of Discrimination in International Law, Martinus Nijhoff، the Hague,1973, pp. 83-86.

[15]  الفصل 21 منه ونصه: "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز.

تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامّة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم".

[16]  كان من الأنسب لو جمعت جملة هذه القواعد في فصل واحد ينص على: "المواطنون والمواطنات لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، وتكفل الدولة تكافؤ الفرص بينهم جميعا في جميع المجالات، كما يجوز اتخاذ تدابير تشريعية أو غيرها لحماية أشخاص أو فئات معينة للنهوض بأوضاعهم. ويجرم التمييز ضد أي مواطن أو مواطنة بسبب الجنس أو النوع أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة أو لأي سبب آخر".

[17]  قـرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 1/2018 مؤرخ في 23 جانفي 2018 يتعلق بالطعن في دستورية مشروع القانون عدد 78/2017 المتعلق بمنح عطلة استثنائية للأعوان العموميين المترشحين للانتخابات الرئاسية والتشريعية والجهوية والبلدية.

الفصل 24 من القانون أساسي عدد 16 لسنة 2014 مؤرخ في 26 ماي 2014 يتعلق بالانتخابات والاستفتاءـ تقدّم الترشحات على أساس مبدأ التناصف بين النساء والرجال وقاعدة التناوب بينهم داخل القائمة ولا تقبل القائمة التي لا تحترم هذا المبدأ إلا في حدود ما يحتّمه العدد الفردي للمقاعد المخصصة لبعض الدوائر

[18] قانون أساسي عدد 58 لسنة 2017 مؤرخ في 11 أوت 2017 يتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة

[19] قانـون أساسي عدد 50 لسنة 2018 مؤرخ في 23 أكتوبر 2018 يتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

[20] عبدالوهاب المسيري، قضية المرأة بين التحرير .. والتمركز حول الأنثى.دار الشروق، مصر.1999. ص9.مرتضى المطهري؛ ترجمة حيدر آل حيدر، نظام حقوق المرأة في الإسلام.1991. ص52. بوعلي ياسين، حقوق المرأة في الكتابة العربية منذ عصر النهضة.1998. ص18. محمد رشيد رضا، حقوق النساء في الإسلام: نداء للجنس اللطيف.دار الشروق، مصر.1985. ص40.

[21]  قـرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 1/2018 مؤرخ في 23 جانفي 2018 يتعلق بالطعن في دستورية مشروع القانون عدد 78/2017 المتعلق بمنح عطلة استثنائية للأعوان العموميين المترشحين للانتخابات الرئاسية والتشريعية والجهوية والبلدية.

الفصل 24 من القانون أساسي عدد 16 لسنة 2014 مؤرخ في 26 ماي 2014 يتعلق بالانتخابات والاستفتاءـ تقدّم الترشحات على أساس مبدأ التناصف بين النساء والرجال وقاعدة التناوب بينهم داخل القائمة ولا تقبل القائمة التي لا تحترم هذا المبدأ إلا في حدود ما يحتّمه العدد الفردي للمقاعد المخصصة لبعض الدوائر

[22]- رضا خماخم، حقوق الإنسان في تونس مسيرة إصلاح وتحديث، مجلة القضاء والتشريع، نوفمبر 2007، ص. 47.

[23]- حول تلك التشريعات يرجى الاطلاع على التقرير الوطني للجمهورية التونسية بيجين +20، إعداد: وزارة الشبــــاب والريـاضة والمرأة والأسـرة، كتابة الدولة للمرأة والأسرة. تنفيـــذ إعلان وبرنـــامج عمـــل بيجيـــن 1995. جوان 2014.

[24]مكتب العمل الدولي: تكافؤ الفرص في المساواة في المعاملة بين الرجل والمرأة – المقدم إلى مؤتمر العمل الدولي، الدورة (71) 1995 .

[25]راجع في هذا : تقرير مكتب العمل الدولي، تكافؤ الفرص في المساواة في المعاملة بين الرجل والمرأة، المقدم إلى مؤتمر العمل الدولي، الدور (71) سنة 1985 ص108 " وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاقية الدولية الصادرة عن منظمة العمل الدولية هي التي يجري تصديق الدول الأعضاء عليها لتصبح جزءاً من تشريعاتها الداخلية حسب الإجراءات الدستورية المطبقة لديها، في حين أن التوصية الدولية هي غير ملزمة ومتروك تطبيقها للدول الأعضاء حسب رغبة كل دولة . وترجع العلة في وجود توصيات إلى جانب بعض الاتفاقيات التي تعالج أمراً معيناً، في أن المنظمة تسهل على الدول الأعضاء الالتزام بما جاء في التوصيات برغبتها دون أن تقوم بالتصديق على الاتفاقيات التي تعالج نفس الأحكام .

[26] تجدر الإشارة إلى أن منظمة الشغل الدولية قد سبق لها إرساء مبدأ تكافؤ الفرص في المعاملة بين الرجل والمرأة لأول مرة في إعلان فيلادلفيا الذي اعتمد سنة 1944 وأصبح جزءاً من دستور المنظمة.

محمود سلامة، الوسيط في عقد العمل الفردي. الجزء الأول. الطبعة الأولى المنامة 1999 ص585 وما بعدها، الأمم المتحدة وحقوق الإنسان. الذكرى الثلاثون، نيويورك 1978 – ص151، صلاح محمد دياب، شرح أحكام قانون العمل والتأمينات الاجتماعية. الطبعة الأولى. منشورات جامعة البحرين المنامة 2013 ص 128 .

[27]مكتب العمل الدولي: حماية الأمومة في العمل – التقرير الخامس – الطبعة الأولى – جنيف 1997 .

[28]- وقعت إضافته بالقانون عدد 66 لسنة 1993 مؤرخ في 5 جويلية 1993.

[29]رغم أن تونس وافقت على الانضمام إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة وذلك بمقتضى القانون عدد 35/2008 مؤرخ في 09 جوان 2008. وعلى اتفاقية المساواة في الأجور وجوب المساواة في الأجور بين العمال والعاملات في الآجر لدى تساوي قيمة العمل ونصّت المادة الأولى " تشمل كلمة أجر أو الرّاتب العادي الأساسي أو الآدنى وجميع التّعويضات الآخرى التي يدفعها صاحب العمل للعامل بصورة مباشرة أو غير مباشرة ،نقدا أو عينا لقاء استخدامه له وتشير عبارة مساواة العمال والعاملات في الأجر لدى تساوي قيمة العمل الى معدلات الآجور المحددة دون تمييز بسبب إختلاف الجنس" . ويستشف من هذا الفصل أنّ المساواة في الأجر تستند إلى قيمة العمل المنجز دون اعتبار للجنس الذي قدّم ذلك العمل. حسن حسيون: "مكاسب المرأة التونسية في عهد الإستقلال " ق.ت عدد9 لسنة 1974 ص 7.

[30]محمد كشو: " حقوق الفئات الضعيفة :تشريع العمل التونسي والدولي "1992ص 22.

[31] التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين لعام 2018. يظهر التقرير أن بلدان شمال أوروبا سيطرت مرة أخرى على قمة ترتيب الدول التي يتساوى فيها الرجال والنساء، فجاءت أيسلندا أولا تليها النرويج والسويد وفنلندا، فيما تذيلت دول عربية الترتيب باحتوائها على أكبر الفجوات بين الجنسين في البلدان التي شملها الاستطلاع. مع أن تونس احتلت المرتبة الأولى عربيا والمرتبة 119 عالميا.

 

[33] فتحيّة مزالي: سياسية ومعلمة تونسية وأحدى أول امرأتين توليتا منصب وزاري في تونس وكان ذلك عندما تولت وزارة العائلة والنهوض بالمرأة في حكومة محمد المزالي في عام 1983.

[34] الفصل 49 تاسعا من القانون الأساسي عدد 7 لسنة 2017 مؤرخ في 14 فيفري 2017 يتعلق بتنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء "تقدّم الترشحات لعضوية المجالس البلدية والجهوية على أساس مبدأ التناصف بين النساء والرجال وقاعدة التناوب بينهم داخل القائمة. ولاتقبل القائمات التي لاتحترم هذه القاعدة.

كما تقدّم الترشحات لعضوية المجالس البلدية والجهوية على أساس مبدأ التناصف بين النساء والرجال في رئاسة القائمات الحزبية والائتلافية التي تترشح في أكثر من دائرة انتخابية."

[35] قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 02/2015 بتاريخ 8 جوان 2015 يتعلق بمشروع القانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء

[36]- د. حسنين توفيق إبراهيم , ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية , مركز دراسات الوحدة العربية , بيروت , 1999 , ص 48 .

[37] رقية المصدق، المرأة والسياسة، التمثيل السياسي في المغرب، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء ـ المغرب، 1990.

[38]وقع إفتتاح هذه الإتفاقية للتّوقيع عليها بنيويورك في31 مارس 1953 وعرض للتّوقيع والتّصديق بقرار الجمعيّة العامّة 640/د – 7 المؤرّخ في 30 ديسمبر1952 وتاريخ بدء النّفاذ : 7جويلية1954 طبقا للمادّة 6 . كمال قرداح : "الحقوق السياسية للمرأة بين الشريعة والقانون" ق.ت عدد 7 لسنة 1975 ص43 .

[39] الهيئة المصرية العامة للكتاب، موسوعة المرأة عبر العصور،المجلد الرابع، )القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،2004 ،ص 30 .

[40]المادتين 4 و6 من الإعلان القضاء على التمييز ضد المراة .

[41]    كما وقع تنقيحه بمقتضى القانون الأساسي عدد 7 لسنة 2017 المؤرخ في 14 فيفري 2017 المتعلق بتنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء

[42]بلغ عدد المحكوم عليهم في الجرائم الجنسية ضد المرأة:394 شخصا، منهم 100 شخص من أجل جريمة الاغتصاب و14 شخص من أجل جريمة التحرش الجنسي ضد المرأة لدى المحاكم الابتدائية، و158 شخص من أجل جرائم التحرش الجنسي ضد المرأة لدى المحاكم النواحي. وعدد النساء ضحايا العنف في الجرائم الجنسية:415 ضحية. وعدد الفتيات ضحايا العنف في الجرائم الجنسية:186 ضحية. من كلمة وزير العدل وحقوق الانسان والعدالة الانتقالية السيد حافظ بن صالح في افتتاح أشغال المنتدى حول "مشروع القانون الشامل لمناهضة العنف المسلط على النساء والفتيات". منشورة على موقع بوابة العدل: http://www.e-justice.tn/index.php?id=1717

[43]عماد فرحات، حول مفهوم الركن المادي لجريمة المواقعة، تعليق سبق ذكره. ص 56.

[44]عبد الله الاحمدى، القانون الجنائى الخاص، مرجع سابق. ص 20.

[45]Regard vicieuxوQui est inspiré par le vice, en particulier en matière sexuelle

[46]استفحال ظاهرة التحرش الجنسي في مصر". اطلع عليه بتاريخ 5 يناير 2017.

[47] هيفاء أبو غزالة، الاستراتيجية العربية لمناهضة العنف ضد المرأة 2011- 2020: حق المرأة في حياة خالية من العنف. منظمة المرأة العربية. القاهرة، مصر. 2011.

[48] أميرة الأزهري سنبل، النساء والأسرة وقوانين الطلاق في التاريخ الإسلامي.1999.

[49] صلاح الدين سلطان، في التنوير الإسلامي نفقة المرأة وقضية المساواة. دار الشروق، مصر. 1999.

[50] ) حومد عبد الوهاب، شرح قانون الجزاء الكويتي، جامعة الكويت 1972، ص.64.

[51] ) انظر حول إمكانية تطبيق هذا الفعل على الاعتداء على حياة الغير بواسطة فيروس السيدا، عبد الله الأحمدي، القانون ومرض السيدا، مجلّة المحاماة.

[52] ) عبد الأحد جمال الدين، دراسة سابقة، ص.60.

[53] ) Cass. Crim. 1-2-1990. R.S.C. 1991. p.555.

[54] ) Cass. Crm. 11/12/1996 B. Crim. N°462.

[55] ) Cass. Crim. 30/11/1992 Cité par Geneviève Guidicelli, Dellage, Droit pénal des affaires. Dalloz, 2ème éd. 1994. p.27.

[56]-وفي الرأي عدد80 مؤرخ في 11 مارس 2008 للمجلس الدستوري يتعلق بالنظر مرة ثانية في تنقيح بعض أحكام مجلّة الأحوال الشخصية أكد المجلس أنه:" حيث سبق للمجلس أن تعهد بالمشروع المذكور...وأثار بمقتضاه إشكالا دستوريا بخصوص الفقرة الثانية من الفصل 56 مكرر المضمنة بالفصل الثاني من مشروع القانون المعروض في صيغته الأولى والتي لا تتلاءم مع الفصل 34 من الدستور الذي يستمد منه خاصة قاعدة الدقة في ضبط الأفعال المجرمة والعقوبات المستوجبة لها،وحيث أن الصيغة الجديدة للفقرة المذكورة أصبحت على النحو التالي : "ويعاقب الأب بنفس العقوبات المقررة بالفقرة المتقدمة إذا تسبب في إخراج الحاضنة من المحل المحكوم بإسكانها ومحضونها به وذلك إما بتعمده فسخ عقد الكراء بالتراضي مع المكري أو عدم أداء معيّنات الكراء الحالة عليه وفي صورة الحكم عليه بمنحة سكن، قضائه شهرا دون دفع ما حكم عليه بأدائه"،وحيث يتبيّن هكذا من الصيغة المعدلة للفقرة المعنية أنه تمت مراجعتها بتدقيق الأفعال وتحديد الصور المستوجبة للعقوبات المقررة لتلك الأفعال، بما يكفل مراعاة قاعدة الدقة في ضبط الأفعال المجرمة ويصيرها بالتالي متلائمة مع الدستور وخاصة مع الفصل 34 منه،".

[57]الفصلين 22 و 23 من القانون المتعلق بمناهضة العنف صد المرأة المؤرخ في 11 أوت 2017

[58] بينما جرم المشرع خرق مبدأ تكافؤ الفرص في الصفقات العمومية فقط. الفصل 87 مكرر من م ج. أضيف بالقانون عدد 33 لسنة 1998 المؤرخ في 23 ماي 1998 –  يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها خمسة آلاف دينار كل موظف عمومي أو شبهه يقبل لنفسه أو لغيره بدون حق سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة عطايا أو وعودا بالعطايا أو هدايا أو منافع كيفما كانت طبيعتها لمنح الغير امتيازا لا حق له فيه وذلك بمقتضى عمل مخالف للأحكام التشريعية والترتيبية الضامنة لحرية المشاركة ولتكافؤ الفرص في الصفقات التي تبرمها المؤسسات العمومية والمنشآت العمومية والدواوين والجماعات المحلية والشركات التي تساهم الدولة أو الجماعات المحلية في رأس مالها بصفة مباشرة أو غير مباشرة.

 

[59] ) عرف الفقيه Donnedieu de Vabres السياسة الجزائية بأنها:"فن يهدف إلى اكتشاف وسائل فعالة لمكافحة الجريمة". نقلا عن: لوفاسور، السياسة الجنائية تعريب عبد المطلب صالح، م. ق. ت. عدد جانفي 1980. ص 16 و21. فالسياسة الجزائية هي مجموعة من الوسائل الزجرية التي تستعملها الدولة لمواجهة الجريمة والوقاية منها،أي أنها إستراتيجية شاملة لإدراك وتحليل الظاهرة الإجرامية. ثريا الجروندي، السياسة الجنائية في المغرب، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، العدد 29 يناير 1993، ص.21.

[60] ) من أجل ذلك فهناك من يرى أن "فكرة" الشخص المعنوي من أهم العوامل التي ساعدت الإنسانية على التقدم حتى بلغت هذه الدرجة من المدنية، بل هو احد أهم الدعامات لهذه المدنية. أنظر في ذلك: عبد السلام بن محمد الشويعر، المسؤولية الجنائية في جرائم المؤسسات و الشخصيات المعنوية في الفقه الإسلامي، جامعة نايف للعلوم الأمنية، الرياض. ص3. سليمان مرقس، المدخل للعلوم القانونية، (د.ن/ د.ت). ص512.

([61] BELHAJ HAMOUDA Ajmi, Jusqu'où peut-onaller dans l'anthropo morphisme de la personne morale en droit pénal? in R.T.D. P.11.

[62] ) منشور في م. ق. ت. عدد فيفري 2005، ص. 281 وما بعدها. وفي نشرية محكمة التعقيب القسم الجزائي لسنة 2004. ص.269 وما بعدها.

[63] ) تجدر الإشارة إلى أن هذه العبارة ستتكرر في اغلب إن لم نقل جميع القرارات التي تكرس المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي و السبب في ذلك هو إجرائي بحت، فالمشرع لم ينظم إجراءات تتبع ومحاكمة الشخص المعنوي، وتمثيل الشخص المعنوي لنفسه في المحاكمة الجزائية استحالة مطلقة، وأن يترك دون تمثيل سيعد هضما لحقوق الدفاع، لهذا استقر فقه قضاء محكمة التعقيب أن "إحالة الأشخاص المعنوية أمام المحاكم الزجرية تكون في شخص وكليها" (قرار تعقيبي جنائي عدد 6555، مؤرخ في 23 جوان 1971، م.ق.ت، جويلية 1972، ص 49).فالأمر لا علاقة لها بتحميل المسؤولية الجزائية للمسير وإنما مجرد حضور بصفته ممثلا للمتهم وهو الشخص المعنوي. بصفة عامة راجع حول إجراءات تتبع ومحاكمة الشخص المعنوي والإشكاليات التي يثيرها هذا الموضوع: مطيع كنعان، مذكرة سبق ذكرها.ص102 ومابعدها.وأنظر كذلك:

Dauvergne)B( .et Herzig)J.B( ; Problèmes de procédure concernant La responsabilité pénale des personnes morales , R.S.C. 1962 , p.799.

Bufflan-Lanore )Y( ; La procédure applicable aux infractions commises par les personnes morales , Revue des Sociétés, 1993.p.315.

[64] ) و في هذا الصدد يمكن الإشارة إلى ما تمسك به الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بتونس في ذات القضية إذ جاء في مستندات طعنه مايلي:"إن الاعتبارات العملية لا تسمح للمؤسسات الاقتصادية والصناعية أن تخالف القوانين وتعرض أرواح الأشخاص ومصالحهم للخطر دون أن تمس بأي أذى بحجة عدم خضوعها للمسؤولية الجزائية لفقدها الكيان الطبيعي والحال أن وراء المؤسسة الاقتصادية أشخاص طبيعيون يعملون باسمها وبوسائلها وليس من المصلحة العامة في شيء أن يبقى هؤلاء بمنأى عن المسؤولية الجزائية لتسترهم بذات معنوية هم من بعثها إلى الوجود وهي وسيلة نشاطهم ومن ثم فلاشيء يحول دون حصول الخطأ بواسطة أشخاص يعملون باسم المؤسسة و بوسائلها و ليس من المنطقي في شيء التمسك بمقولة أن المؤسسة فاقدة للوعي و المعرفة ضرورة أنه طالما أن القوانين اعترفت لها بالكيان القانوني وبالمقدرة على الالتزام وعلى تحمل التتبعات فلا يصح حينئذ حصر هذه المواصفات في الميدان المدني دون الجزائي... والكيان القانوني للذات المعنوية لا يتعارض مع توفر الإرادة والمعرفة لديها... ".القرار التعقيبي عدد 7221 ، سبق ذكره، ص.271 و272.

[65] الفصل 3 من القانون عدد 58 لسنة 2017، المؤرخ في 11أوت 2017.

ليست هناك تعليقات: