الطعن في حكم الطلاق
بين المُبَاح والمُتاح
الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
خصص المشرع الكتاب
الثانى من مجلة الأحوال
الشخصية للطلاق[1].
ونص في الفصل 29 على أن "الطلاق هو حل عقدة الزواج". فيما نص الفصل 30 على
الطابع القضائي للطلاق، إذ "لا يقع الطلاق إلا لدى المحكمة".
ملغيا بذلك أي إمكانية للطلاق الشفوي أو العرفي، تكريسا لتوازي الشكليات،
فطالما أن الزواج لا ينعقد إلا بحجة رسمية يحررها مأموري عمومي (ضابط حالة مدنية
أو عدلي إشهاد) فمن الطبيعي ألا تحله سوى حجة رسمية أي الحكم القضائي، الذي
يمكن أن يصدر في ثلاث صور طبق مقتضيات الفصل 31 من مجلة الأحوال الشخصية، وهي: الطلاق
بتراضي الزوجين. أو بناء على طلب أحد الزوجين بسبب ما حصل له من ضرر. أو بناء على
رغبة الزوج إنشاء الطلاق أو مطالبة الزوجة به[2].
ونظرا لخصوصية قضايا
الطلاق فقد وجد المشرع نفسه مضطرا لضبط بعض الإجراءات الخاصة به[3]
في الفصل 32 م أ ش[4].
ثم أضاف أحكام إجرائية خاصة تهم ترسيم حكم الطلاق في دفاتر الحالة المدنية وآثار
الطعن فيه بالفصلين 39 و40 من قانون الحالة المدنية[5].
لكن تلك الإجراءات
الخاصة بقيت قاصرة عن استيعاب كل خصوصيات قضايا الطلاق، وما أفرزه الواقع
العملي من صعوبات خلفت عديد نقاط الغموض المثير للجدل في التطبيق.
فالمشرع ولئن خص الطلاق
بإجراءات خاصة فإنه لم ينظمه بصفة كلية وتامة وهو ما فرض حتمية الرجوع إلى النص
العام أي مجلة المرافعات المدنية والتجارية باعتبارها القانون العام للإجراءات[6]،
لكن هذا الرجوع لا يمكن أن يتم دون مراعاة خصوصية مادة الأحوال الشخصية". وفي
هذا السياق فإن القاضي المرحوم محمد الصالح العياري بعد أن طرح مشكل استئناف مبدأ
الطلاق، لا بصورة عامة بل بالنسبة لصورة خاصة تتعلق بمآل قضية الطلاق إذا توفي أحد
الزوجين قبل الحكم، ذكرّ بنص الفصلين 241 و 243 من مجلة المرافعات المدنية
والتجارية المتعلقتين بما يجب القيام به عند وفاة أحد الخصوم بالنسبة لإيداع الملف
بكتابة المحكمة، إلا إذا كانت الدعوى قد تهيأت للحكم فيمكن للمحكمة أن تقضي فيها،
وفي صورة إيداعها بكتابة المحكمة فإنه من الممكن أن تستأنف القضية سيرها باستدعاء
يقع من الطرف إلى من يقوم مقام الخصم. ليستخلص من هذين النصين أنهما لا يعول
عليهما في قضايا الطلاق في صورة وفاة أحد الزوجين قبل البت في موضوع الطلاق لأنه
لا يمكن لأحد أن يقوم مقام الزوج المتوفي لمتابعة سير القضية، والورثة ليسوا
امتدادا لأسلافهم في هذه القضايا[7]
حيث "يتعلق الأمر بمجموعة مشاعر وعواطف وأحاسيس تحتضنها أماكن خفية في أعماق
النفوس"[8].
ونظرا لأن المشرع لم يضع
نصا خاصا يمنع بموجبه الطعن في نوع معين من أحكام الطلاق، أو يحدد إمكانية أو عدم
إمكانية الطعن في مبدأ الطلاق حسب نوع الطلاق، وبما أن عبارة القانون جاءت مطلقة
فهي ستأخذ على إطلاقها. وهو ما يعني أنه يمكن الطعن في الحكم مهما كان نوع الطلاق،
حتى ولو كان بالتراضي أو إنشاء من الزوج أو برغبة من الزوجة. أي أن الطعن في حكم
الطلاق يبقى ممكن مبدئيا ولو صدر الطعن عمن رغب فيه بداية ثم ثاب إلى رشده وقرر إستئناف
الحياة الزوجية، وهي صورة محتملة الوقوع ولكنها نادرة، وستثير إشكالا حول توفر شرط
المصلحة في الطعن من عدمه. بينما تبقى الصورة الأقرب للمنطق هي صدور الطعن عن
الطرف الأخر المتمسك بمواصلة الحياة الزوجية. وهو ما أثار جدلا على صعيد الفقه
وفقه القضاء حول معرفة إن كان هذا الطعن ممكنا أصلا ومقبولا شكلا وأصلا؟.
إذ استقر العمل على أن
الأحكام القاضية بالطلاق بالتراضي أو إنشاء باتة ولا تقبل الطعن بأي وسيلة من
وسائل الطعن وبالتالي يكون أصل الدعوى المتعلق بالطلاق إنشاء قد حسم نهائيا وبصفة
باتة منذ الحكم الابتدائي. فالمحكمة ولو كانت أعلى درجة لا يمكنها رفض طلب ايقاع
الطلاق المبني على إرادة منفردة من أحد الزوجين أو بالتقاء إرادتيهما ثم تراجع
أحدهما[9]. ولو
أن الجلسة الصلحية ممكنة في الطور الاستئنافي.
وفي هذا الاتجاه جاء القرار التعقيبي المدني عدد 43656 المؤرخ فى 11/07/1995: "يؤخذ من
الفقرتين الأخيرتين من الفصل 41 من قانون الحالة المدنية أن آجال الطعن تجري في
الأحكام والقرارات الصادرة في مادة الطلاق أو بطلان الزواج في ظرف شهر من تاريخ
صدور الحكم أو القرار وذلك بالنسبة إلى جميع ما إشتمل عليه بما فيه الغرامة.
وترتيبا على ذلك فإن المشرع قد نص على إجراءات خاصة للطعن في أحكام الطلاق دون
إستثناء أي فرع من فروعها لورود عبارته في صيغة العموم فوجب أخذها على إطلاقها[10].فيما بقي شق أخر متمسك بموقفه الرافض لقبول مثل هذا
الطعن شكلا.
والحقيقة أن هذا
الاختلاف الجوهري، في المواقف فقها وقضاء، له نتائج خطيرة، فإذا اعتبر الحكم
الإبتدائي الصادر بإيقاع الطلاق انشاء أو بالتراضي غير قابل للإستئناف فإن ذلك
يعني أن الزوجين يعتبران أجنبيين عن بعضهما البعض منذ تاريخ صدوره (ولو أن القانون
لا ينص على ذلك)، وإذا كان العكس فمن تاريخ صيرورة الحكم باتا وقابلا للتنفيذ.
ولهذا الأمر نتائج معتبرة وهامة، فإذا اعتبرت الزوجة مطلقة فإنها ستستحق غرامة
وإذا لم تعتبر مطلقة فإنها ستستحق إرثا، وهل ستعتد المرأة عدة مطلقة أم عدة أرملة؟
وما هو تاريخ بداية احتساب أقصى مدة الحمل؟ وما الذي سيقع إدراجه في مضمون ولادة
الباقي على قيد الحياة؟
إن تقديم حلول عملية
ومنطقية لجملة هذه الإشكالات القانونية يتطلب في الحقيقة القيام بمسح واسع (وإن لم
يكن شاملا لاستحالة ذلك واقعيا) لمواقف محكمة التعقيب وشراح القانون التي تختلف
بين صور الطلاق.
وسينطلق هذا البحث من
التساؤل هل أن الاحكام المنظم للطلاق في القانون التونسي تسمح باستثناء بعض صور
الطلاق من مجال الطعن؟ أم أن جريان العمل القضائي هو مجرد اجتهاد لا سند له من
القانون؟
إن الإجابة عن هذا
التساؤل تفرض التمييز بين صورتي الطلاق إنشاء (الجزء الأول) والطلاق بالتراضي
(الجزء الثاني) على اعتبار وأن الطعن في احكام الطلاق للضرر لم تثر إشكالات
إجرائية تذكر على مستوى قبول الطعن فيه شكلا والبت فيها أصلا.
الجزء الأول: الحفاظ على الرابطة الزوجية من مقتضيات النظام العام العائلي:
إن جوهر النظام
العام عموما هو التعبير عن حماية قانونية يوفرها النظام القانوني ككل لمصلحة عامة
أو قيمة عليا كامنة في روح ذلك النظام القانوني وتسري في أحكامه التفصيلية وترتقي
بسبب أهميتها إلى مستوى القيمة الاجتماعية أو الاقتصادية أو التوجيهية أو
التعديلية. ونظرا لأهمية الحفاظ على العائلة فقد وضع المشرع قواعد آمرة تعتبر من
النظام العام هدفها الحفاظ على الرابطة الزوجية وهو ما يستوجب بيان تجلياتها
التشريعية (الفقرة الأولى) قبل المرور إلى تكريسها قضائيا (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: التجليات التشريعية
يقع الاتصال
بين القاضي ومفهوم النّظام العام، إمّا بمناسبة نص تشريعي يستعمل ذلك المفهوم، أو
حتى دون أن يكون الأمر متعلّقا بنص صريح في استعمال هذا المفهوم. وفي الحالتين
يكون القاضي مطالبا بالتعامل مع مفهوم النّظام العام، بتقرير انضواء المسألة
المطروحة عليه تحت غطاء النّظام العام أو عدم انضوائها تحته. لكن ذلك لم يمنع
تواتر عملها على حلول مستقرّة، دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى التعريف. وما يمكن
ملاحظته هو أن عملية تعرّف محكمة التّعقيب، في كل حالة على حدة[11]، ومثال ذلك تأكيدها في أحد قراراتها أنّ "الفصل
فالمشرع تعامل مع قضايا
الطلاق على أنها قضايا من نوع خاص يلعب فيها القضاء دورا يهدف إلى الحفاظ على
الرابطة الزوجية كلما استطاع إلى ذلك سبيلا ولا أدل على ذلك من حرص المشرع على أن
تجرى وجوبا المحاولة الصلحية بين الزوجين فضلا عن أحكام الفصل 25 من مجلة الأحوال
الشخصية المتعلق بالحكمين، واحداث مؤسسة المصالح العائلي[15].
إذ نستنتج سواء من الروح العامة المهيمنة على التشريع في مادة الحالة الشخصية
أن التصالح بين الزوجين ممكن في أي طور من أطوار القضية ومهما كان أساس الحكم
بالطلاق.
وأوجب الفصل 32
م.أ.ش. إجراء ثلاث جلسات صلحية متباعدة عند وجود قاصر "حرصا من المشرع على
الكيان الأسري والروابط العائلية لضمان استمرارها تحقيقا لمصلحة الأطفال الفضلى
وحمايتهم من التشتت والضياع بتثبيتهم في محيطهم العائلي...وهو إجراء وجوبي تثيره
المحكمة من تلقاء نفسها لتعلق مقتضيات قانون الأحوال الشخصية بالنظام العام
العائلي"[16].
وقد بين المرحوم القاضي دحيدح
أن الفقهاء يعتبرون أن الطلاق الذي يقع من الحاكم هو طلاق بائن لا محالة. وبقطع
النظر عن هذا الجدل حول الحكم الفقهي للطلاق الذي يصدر بواسطة المحكمة فإنه يعتبر
أن " مجلة الأحوال الشخصية الواجبة التطبيق بتونس جعلت الطلاق في جميع الصور
لا يحصل إلا بحكم ورتبت على حصوله انتهاء مفعول العلاقة الزوجية بصورة لا يمكن معا
للمتفارقين الرجوع لحياتهما السابقة إلا بعقد جديد تام الشكليات...."
ويشاطر أستاذي ومعلمي
المرحوم بن حليمة هذا الرأي مؤكدا أن إجراءات الطلاق منظمة بصورة محكمة بمقتضى
مجلة الأحوال الشخصية وأحكام القانون الوضعي التونسي، فإما أن المحكمة قضت بالطلاق
وأصبح حكمها نهائيا وينتج الطلاق عندئذ كل آثاره فلا وجود لمشكل وفاة في أجل العدة
ولا لمراجعة ولا لطلاق رجعي، وإما أن المحكمة لم تحكم بالطلاق أو حكمت به ومازال
مبدؤه موضوع نظر من لندن محكمة أعلى درجة، وفي هذه الصورة لا وجود لطلاق بالمرة
مهما كان نوعه. ويضيف استاذي أن إذا ما اغتر بعض المواطنين بالنظيرة القائلة بأن
الطلاق الرجعي لازال موجودا صلب القانون الوضعي وبأن الزوج من الممكن له أن يراجع
زوجته خلال أجل العدة دون أن يبرم عقدا جديدا فإن تلك المراجعة لاتعدو أن تكون إلا
من قبيل التزوج خلافا للصيغ القانونية وهي جريمة على معنى الفصل 36 من قانون
الحالة المدنية بالإضافة إلى كون مثل ذلك التزوج يعتبر باطلا ولا ينتج إلا آثارا
محدودة عملا بالفصل 36 مكرر من قانون الحالة المدنية.
وبتعهد محكمة الإستئناف بسوسة بالملف مجددا بتركيبة أخرى أصدرت قرارا معللا
بصورة مطولة ومخالفة للوقف القانوني الذي اتخذته محكمة التعقيب واعتبرت أنه لا
يمكن رفض استئناف الزوجة المطلقة ابتدائيا على أساس الفقرة الثالثة بعلة أنه عديمة
المصلحة في رفع ذلك الإستئناف، وبينت تلك المحكمة ماهي المصلحة التي من الممكن لها
أن تتمسك بها كأن تكون متمثلة في التحصيل على نفقة أو الوصول إلى إقناع القرين
باستئناف الحياة الزوجية أو الحيلولة دون تمكينه من التزوج بسرعة وكان من الممكن
إضافة أمل أن يموت في الأثناء فتصبح وارثة.
الفقرة الثانية: التكريس القضائي
اتخذت المحاكم في الكثير
من الحالات موقفا واضحا بالنسبة لإقرار الحلول التي من شأنها أن تؤدي إلى الحفاظ
على الرابطة الزوجية، إذ تقبل محكمة الاستئناف إجراء محاولة صلحية كلما بدا لها أن
هناك أملا في الوصول إلى الصلح سواء كان الاستئناف مسلطا على مبدأ الطلاق أو حتى
على فروعه فقط، بل إن الأمر تجاوز إمكانية الصلح لدى محكمة الاستئناف واعتبرت
محكمة التعقيب أنه يمكن للزوجين أن يتصالحا حتى إذا كانت القضية منشورة لديها وحتى
إذا كان التعقيب غير مسلط على مبدأ الطلاق.
مدني عدد 15744
مؤرخ فى 13/12/2007 إن غاية المشرّع من وراء سنه قوانين خاصة في ميدان الأحوال
الشخصية منها عقد الجلسات الصلحية التي يستخدم فيها القاضي خبرته والإستعانة
بمكانته بين الطرفين للتغلب على نزوات الغضب والفرقة العابرة والتوصل إلى إصلاح
ذات البين بينهما وجعله الطعن في أحكام الطلاق بالإستئناف أو التعقيب يوقف تنفيذها
هي المحافظة على الروابط الأسرية.
لا شيء يمنع
قانونا من الإستجابة لطلب رجوع الطاعن بالتعقيب في دعواه في طلب الطلاق إنشاء ولا
يشكّل ذلك خرقا لأحكام الفصل 175 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية نظرا
للطبيعة التي تمتاز بها دعاوى الطلاق وخضوعها لإجراءات خاصة.
ولقد سبق لمحكمة التعقيب
أن بينت حرصها كذلك على الحفاظ على العصمة الزوجية إذ أنها نقضت قرار صادرا عن
محكمة الاستئناف بسوسة حال أن وقائع القضية أثبت أن الزوجة كانت ناشزا وتواصل
نشوزها مدة زمنية طويلة رغما عن محاولة صلحية أجريت لدى محكمة البداية ثم لدى
محكمة الاستئناف وأعربت الزوجة في آخر مرحلة من مراحل التداعي عن استعدادها للرجوع
إلى محل الزوجية، ولقد قضت محكمة الاستئناف بأن ذلك الاستعداد جاء متأخرا عن ميعاده
وبأن الضرر ثابت وبأنه كاف للحكم بالطلاق للضرر، لكن محكمة التعقيب رأت خلافه
معتبرة أن محكمة الاستئناف كان عليها أن تأخذ موقف الزوجة بعين الاعتبار وأن لا
تقضي بتقرير الحكم الابتدائي القاضي بالطلاق للضرر إذ أنها مطالبة بالحفاظ على
الرابطة الزوجية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا[17].
بل إن محكمة التعقيب ذهبت في القرار عدد 29554 مؤرخ في
18 ديسمبر 2008 بعيدا وتجاوزت عدة مبادئ قانونية سعيا منها لتغليب "مصلحة
العائلة" و"الاستقرار الأسري" عملا بما أسمته " بمبدأ الحق
في العدالة التصالحية". إذ اعتبرت : "انه من مبادئ الإجراءات
الأساسية للخصومة المدنية أن النزاع ملك للخصوم وان القاضي لا يعهّد نفسه وتبعا
لذلك يبقى للأطراف مطلق الحق في إنهاء النزاع وقطع الخصومة وبالتالي رفع يد القاضي
عنه بإرادتهم كأن يتم ذلك برجوع المدعي في دعواه أو سحب مطالبته أو بالصلح بين المتخاصمين
والصلح من الوسائل غير التنازعية الوفاقية لقطع النزاعات وإنهائها وهو يقدّم عن
الحل النـزاعي والتخاصمي عملا بمبدأ الحق في العدالة التصالحية ومبدأ الصلح في
القضاء. وإن ولاية محكمة التعقيب ثم محكمة الإحالة على مسألة فك الرابطة الزوجية
بالطلاق قائمة أصلا من خلال رابطة النـزاع باعتبار أن انعقاد الخصومة يفترض قيام
النـزاع واستمراره بتواصل الخصومة في كل مراحل التقاضي فلا يمكن تصور بقاء النـزاع
قائما حول غرامة الضرر الناجم عن الطلاق أو أي اثر من آثار الطلاق دون ولاية
المحكمة على عنصر الطلاق نفسه باعتباره ركن المسؤولية الأساسي المتمثل في الفعل
الضار سبب طلب التعويض مما يجعل ولاية المحكمة بالضرورة ممتدة عليه. فمن وظائف الطعن إلى جانب مراجعة أو إصلاح أو مراقبة
القضاء أو العمل القضائي المطعون فيه إنهاء النزاع وقطع الخصومة لذا اقر المشرع
مبدأ شمولية الطعن من جهة مناطه الذاتي (الأطراف) والموضوعي (محل النـزاع) وكذلك
من جهة أثره recours voie d'achèvement du
procès إذا كان
موضوع النزاع أو الحكم غير قابل للتجزئة أو كان من شأن قبوله في فرع من فروعه أن
يجعل كامل الحكم فاقدا للأسباب وهو مقتضى الفصل 154 من م.م.م.ت. في خصوص الطعن
بالاستئناف والفصلين 179 و197 من م.م.م.ت. في خصوص الطعن بالتعقيب وهو ما جعل
المشرع يقر الأثر التعليقي للطعن بالتعقيب في مادة الطلاق وبطلان الزواج معتبرا أن
الحالة المدنية لا تستقر بصفة نهائية وبوجه يعارض به الكافة إلا بعد استيفاء كل
مراحل التقاضي في شان كامل عناصر الحكم".
وقد ذهبت في نفس السياق التصالحي في قرارها
عدد 27445/2015 المؤرخ في 27/01/2016 اعتبرت محكمة التعقيب: "و حيث أن الحكم
المطعون فيه تأسس على طلب إيقاع الطلاق بين الطرفين بموجب الإنشاء من الزوج.و حيث
طلب الزوجان نقض الحكم المذكور لوقوع الصلح بينهما ورجوع المعقب ضده في دعواه
ومعاشرة الطرفين لبعضهما حسب كتب الصلح المعرف فيه بالإمضاء بتاريخ 30 نوفمبر
2015.و حيث أن الصلح في قضايا الطلاق يعد من أفضل الوسائل التي تتلاءم مع طبيعة
النزاعات الأسرية وهو يقدم الحل التنازعي حفاظا على الرابطة الزوجية ومؤسسة الأسرة
التي يجب فيها تغليب نزعة الصلح لتعلق الأمر بالنظام العام العائلي والذي يجب على
المحكمة بمختلف درجاتها الإصغاء إليه والعمل على تحقيقه.و حيث طالما استقرت رغبة
الطرفين أثناء هذه الدرجة من التقاضي على استئناف الحياة الزوجية لوقوع الصلح
بينهما فإنه لا شيء يمنع قانونا من الاستجابة للطلب خاصة وأن ذلك لا يشكل خرقا
للقانون وتعين تبعا لذلك نقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية على محكمة الحكم
المطعون فيه للقيام بالإجراءات اللازمة قصد إتاحة الفرصة للطرفين في استئناف
الحياة الزوجية".
ولكن موقف محكمة التعقيب في القرار سالف الذكر لسنة 2008
الذي غلبت فيه الصلح على حساب عدة مبادئ قانونية يبقى قابلا للجدل والنقاش. ولكنه
مع ذلك يطرح المعادلة الصعبة بين مـا يحتمه القانون
وبين مـا فرضته الممارسة وكرسه فقه القضاء من حلول تمس من سلامة الإجراءات.
فهل يجب العمل على تغليب ما أسمته محكمة التعقيب "مبدأ شمولية الطعن" أم يجب جعل الاجراءات سيدة الموقف واعتبار أن
الطعن بالاستئناف أو بالتعقيب في الحكم القاضي بالطلاق انشاء بخصوص مبدأ الطلاق
خاص بصاحبه أي بالمدعي(ـة) في الدعوى دون سواه، وبالتالي لا صفة لخصمه (المدعى
عليه(ـا)) الذي يحكم له بجملة من فروع دعوى الطلاق سوى أن يحصر طعنه في تلك الفروع
(كلها أو بعضها) فقط لتفادي كل عمل يهدف الى غاية لا تتماشى ومصلحة الأسرة
والأبناء[18]. لكن شقا من القضاء تخلى
خلال السنوات الأخيرة عن هذا التوجه في تأويل أحكام مجلة الأحوال الشخصية، واعتبر
أنه طالما لم يمنع المشرع الطعن في أحكام الطلاق إنشاء فإنها تبقى قابلة للطعن
شأنها شأن بقية الأحكام خاصة أن المشرع أقر مبدأ تعليق تنفيذ الأحكام القاضية
بالطلاق عند الطعن بالتعقيب مع أن الأصل أن الطعن بالتعقيب لا يوقف تنفيذ الأحكام
فضلا عن أنه لا شيء يمنع الزوج أو الزوجة الطالبة للطلاق من الرجوع في دعواه طالما
كانت القضية منشورة ولم يصدر حكم بات في شأنها[19]. وهو موقف مخالف لما سبق لها اعتماده في قرارها عدد
12832 مؤرخ فى 12/11/1985: " تصبح المحاولة الصلحية غير ذات موضوع على فرض
طلبها إن كان الاستئناف في الحكم بالطلاق محصورا في الغرامات والعارفة"
فقد أكدت محكمة
التعقيب مثلا في قرارها عدد 2017.48779 المؤرخ في 18/10/2017 مايلي: "حيث
أن الطور الصلحي يعتبر من الأطوار الضرورية والوجوبية في دعاوى الطلاق ونظرا
لأهميته فقد أولاه المشرع بعناية خاصة تجسمت بالفصل 32 من م أ ش الذي تناول الآجال
التي يمكن رصدها للمحاولات الصلحية وإلزامية تكرارها ثلاث مرات كلما كان هناك أبن
أو أبناء قصر مع تكريسه لاستثناء مشروط بالفقرة التاسعة من الفصل 32 م أ ش يخول
للقاضي اختصار هذه الإجراءات في حالات الطلاق بالتراضي ما لم يؤثر ذلك على مصلحة
الابناء . وحيث تبين بالإطلاع على الحكم المطعون فيه أن الطاعنة كانت تمسكت ومنذ
الطور الإبتدائي وبأول جلسة حكمية أنها تراجعت لأن ابنها متعلق بوالده وجددت نفس
الموقف أمام محكمة الدرجة الثانية مؤكدة على أن ابنها أبدى تعلقا شديدا بوالده إلا
أن محكمة الحكم المطعون فيه استندت على عدم جواز الرجوع في الإتفاق على الطلاق من
جانب واحد والحال أن ما عبرت عنه الطاعنة من تراجع كان يقتضي من المحكمة مراجعة
موقفها بخصوص اختصار الإجراءات وأعادة تكرار الجلسات الصلحية عند الإقتضاء طالما
أن الأمر متصلا بمصلحة القاصر وهو ما لم تتناوله المحكمة بالدرس والنقاش وما أورث
حكمها خرقا لأحكام الفصل 32 من م ا ش والفصل 123 من م م م ت وهضما لحق الدفاع يوجب
النقض...وحيث انتهت محكمة الحكم المطعون فيه إلى أعمال قاعدة الفصل 242 من م ا ع
للقول بعدم جواز الرجوع في الإتفاق الحاصل أمام قاضي الأسرة حول الطلاق من طرف
واحد وهي قاعدة تنسحب على العقود التعاملية بخلاف الطلاق بالإتفاق الذي لم يحدد له
المشرع شكلا معينا بالفصل 31 من م غ ش لذلك فإن الأمر يقضي مراعاة بعض خصوصيات النزاع
والقواعد الموضوعية المنظمة له. وحيث لا خلاف من أن المشرع خول للزوجين بالفصل 31
من م ا ش إذ يتفقا على إيقاع الطلاق وجرى العمل على أن يقع توقيع هذا الإتفاق وما
تبعه من آثار وقرارا فورية عند الإقتضاء لدى قاضي الأسرة بمناسبة إجرائه للمحاولة
الصلحية إلا أن هذا الإتفاق لا ينهي العلاقة الزوجية وإنما يتحتم قانونا أن يقع
تضمينه بحكم قضائي وفي هذه الحالة يظل الإتفاق قبل صدور الحكم مجرد اتفاق مبدئي
ولايمكن أن ينتج آثاره في حل الرابطة الزوجية وفق أحكام الفصل 30 من م ا ش إلا إذا
تمادى الزوجان على العمل بما اتفقا عليه خلال كل أطوار الدعوى لكي يتسنى للمحكمة
إثر ذلك إصدار حكمها بالطلاق وترتب آثاره وفق ما حدده الأطراف وأصر عليه ولذلك
وحتى أعمالا لقاعدة الفصل 242 مدني مثلما اتجهت إلى ذلك محكمة الحكم المطعون فيه
فإن ما سجل على الزوجين بالجلسة الصلحية يعد من قبيل الاتفاق المبدئي الذي لا يمكن
توقيعه إلا بصدور حكم وهو ما يقتضي تمادي الزوجين على العمل به في كامل أطوار
التقاضي وعليه يكون ما انتهت إليه المحكمة في هذا الصدد قد انطوى على سوء تطبيق
لأحكام الفصل 242 من م ا ع وتعين نقضه".
كما أكدت محكمة
التعقيب في قرارها عدد 6190 مؤرخ فى 12/01/1982 أن: "اتفاق الزوجين على
الطلاق و رفع الدعوى من أجله و اصرارهما عليه بجلسة المصالحة و جلسة الحكم فوقع
القضاء به ابتدائيا عملا باتفاقهما فان ما اظهرته الزوجة بعد ذلك من الندم و
استئناف الحكم مدعية الاكراه شهادة البينة التى سمعتها محكمة الدرجة الثانية و لم
تقدر شهادتا واقرت الحكم الابتدائى فان ذلك الحكم يكون في طريقه و لا مطعن فيه".
فيما ذهبت في القرار عدد 51728 المؤرخ فى 03/12/1996 إلى أنه: "لا
شىء يمنع قانونا المدعي من طلب الرجوع في دعواه أو طرحها أثناء نشرها لدى محكمة
الموضوع بدرجتيها وبالأحرى في دعوى الطلاق إذ أن الزواج وإن كان عقدا يبرم بين رجل
وإمرأة طبق شروط معينة ملزما لهما ومنتجا لآثار تعاقدية وقانونية إلا أنه يعد كذلك
مؤسسة يجب المحافظة عليها وعدم التساهل في إنقراضها لمجرد إتفاق بإنهائها وقع
الرجوع فيه وحينئذ تعين على المحكمة المطعون في حكمها الإستجابة لطلب إعادة الجلسة
الصلحية إصلاحا لذات البين بين الزوجين وإقرار للوفاق والتعايش بينهما وإستقرارا
للعائلة خاصة وأن لهما إبنا قاصرا ولما لم تفعل ولم توضح الأسباب الواقعة لرفض
الطلب وأن تعللها بما هو قانوني يكون حكمها قاصر التعليل مخلا بالقانون وحق الدفاع".
لتواصل في قرارها عدد 55674 مؤرخ فى 15/04/1997
القول: "إن عدم إستجابة محكمة الحكم المطعون فيه لإعادة المحاولة الصلحية
بناء على رغبة الطاعنة لا تعد هضما لحق الدفاع أو خرقا لقاعدة التقاضي على درجتين
لأن إمتناع المحكمة أولا داخل في نطاق سلطتها التقديرية وقد عللت حكمها وبررت سبب
إمتناعها وثانيا فقد ثبت من تصفح أوراق الملف أن الزوج أصر في كامل أطوار نشر
الدعوى على طلب الطلاق إنشاء منه فإستجابت المحكمة لطلبه". ولكنها في القرار عدد
55674 مؤرخ فى 15/04/1997 الذي جاء فيه: "إن عدم إستجابة محكمة الحكم المطعون
فيه لإعادة المحاولة الصلحية بناء على رغبة الطاعنة لا تعد هضما لحق الدفاع أو
خرقا لقاعدة التقاضي على درجتين لأن إمتناع المحكمة أولا داخل في نطاق سلطتها
التقديرية وقد عللت حكمها وبررت سبب إمتناعها وثانيا فقد ثبت من تصفح أوراق الملف
أن الزوج أصر في كامل أطوار نشر الدعوى على طلب الطلاق إنشاء منه فإستجابت المحكمة
لطلبه".
كما جاء في القرار التعقيبي المدني عدد 42213
مؤرخ في 20/09/1994: "تكرار المحاولة الصلحية بين الزوجين سواء في الطور
الإبتدائي أو في الطور الإستئنافي ليست وجوبية وإنما يكفي قبل إيقاع الطلاق أن
تجري محاولة صلحية ولو مرة واحدة، أما إعادتها فتبقى إمكانية إختيارية موكولة
لإجتهاد القاضي قررها في كل طور من الطورين المذكورين بحسب ما يتراءى له فيها من
الجدوى ويستشفها من ظروف وملابسات القضية، وذلك تطبيقا لأحكام الفصل 32 من مجلة
الأحوال الشخصية والمنقح بالقانون عدد 7 والمؤرخ في 18 فيفري 1981 والصادر في ظله
حكم الطلاق الحالي".
وجاء كذلك في القرار التعقيبي المدني عدد 67388
مؤرخ في 05/02/1999: "طالما ثبت ان الزوجين قد اتفقا على مواصلة الحياة
الزوجية وحررا كتب صلح بينهما وبما ان الاحكام الصادرة في مادة الطلاق تنشأ وضعيات
قانونية جديدة ولا يكون ذلك الا بعد استنفاذ كل الطعون او انقضاء اجالها وبما ان
الامر يتعلق بالطلاق فانه يحق للطرف الذي رفع الدعوى ان يتراجع في ذلك لدى التعقيب
وقبل صدور قرار في ذلك".
ولقد انتقد القاضي
المرحوم عبد السلام التريكي[20] موقف
محكمة التعقيب الرافض لقبول مبدأ الطعن، وكانت من بين الحجج التي تقدم بها أن
المدعي عليه في قضية الطلاق إنشاء " قد لا يهمه التعويض المالي بقدر ما يهمه
بقاء العلاقة الزوجية قائمة، وخصوصا إذا كان للزوجين ذرية وعمرت علاقتهما سنين
طويلة وساهما معا في إنماء كسب واحد لهما، ونراه لذلك يحرص كل الحرص على حمل الطرف
المقابل على الرجوع في الطلب ويسلك جميع السبل لغاية الوصول إلى ذلك. وأضاف:
"أن المشرع رغبة منه في الإبقاء على العلاقة الزوجية قائمة بين الأزواج، لم
يجعل دور المصالحة التي تقوم به المحكمة مقصورا على الطور الإبتدائي لإطلاق عبارة
النص في ذلك ، ويمكن وصوله حتى لدى محكمة الدرجة الثانية بوصفها محكمة الموضوع
أيضا، وبالخصوص في القضايا التي تعذر فيها الحضور على المطلوب أو المطلوبة بالجلسة
الصلحية في الطور الإبتدائي بسبب المرض أو السفر أو بسبب عدم بلوغ الإستدعاء إليه
مباشرة ومفاجأته بالحكم بالطلاق في قضية لم يحضر جلستها."
وبالتالي فإن استئناف
المدعي عليه لا يخلو من المصلحة وأنه لا يمكن حصر مفهومها في الطور الاستئنافي في
إمكانية الحكم لفائدة القائم بالإستنئاف حتى يقال إن الطرف الواقع عليه الطلاق
إنشاء ليست له مصلحة من الإستئناف، بل إن لكل قائم بدعوى أو باستئناف له مصلحة
مادية أو معنوية "يبتغي تحقيقها ولا يسأل عنها وعن إمكانية الحصول عليها من
عدمه عند قيامه بالطلب، وهي يختلف مفهومها باختلاف أنواع القضايا ومشاكل الناس
وأغراضهم ، ونتيجة لذلك فإنها لا تأخذ مفهوما واحدا لجميع المتقاضين ولا يمكن
حصرها بالنسبة لطلب الإستئناف في أحكام الطلاق إنشاء فيما أشار له القرار
المذكور..." و يضرب المرحوم التريكي مثالا لتلك المصلحة التي يعتبرها موجودة
وشرعية وهي:
1- رغبة الزوجة
المطلقة إنشاء في الحيلولة دون تكمن مطلقها من التزوج بغيرها في أقرب وقت ممكن،
مبينا أن الحكم الصادر ولو إنشاء يصدر إبتدائيا مما يخول استئنافه إذ أن حق
الإستئناف حق مشروع ومستمد من القانون.
2- إمكانية أن يرجع
طالب الطلاق إنشاء في طلبه فتعود الحياة الزوجية بين الطرفين مثلما حصل ذلك في بعض
الصور أثناء نشر القضية الإستئنافية.
3- قد تكون المصلحة
مادية بالنسبة للزوجة وهي استمرار الإنفاق عليها طيلة نشر القضية استئنتافيا، أو أخذ
مناب من الميراث عند موت الطرف الآخر، وذلك لرجوع الطرفين بموجب الإستئناف إلى
الحالة التي كانا علها قبل صدور الحكم الإبتدائي عملا بأحكام الفصل 144 من مجلة
الإجراءات المدنية والتجارية.
أما القاضي المرحوم محمد
الهاشمي دحيدح فيعتبر أن الإتجاه القائل بأنه لا توجد للطاعن بالإستئناف مصلحة
" لا يمكن اعتماده في كل الصور إذ من الممكن أن توجد للطاعن مصالح قانونية
تخوله الطعن في هذا الحكم الصادر عليه". ويبين القاضي المرحوم دحيدح أن
المصالح من المطعن قد تكون قائمة وحالة كما إذا وقع القيام على الطاعن من طرف شخص
عديم الصفة أو فاقد الأهلية أو صدر الحكم بالطلاق بدون إجراء المحاولة الصلحية
الواجب حصولها قبل الحكم بالطلاق أو كانت المحكمة الصادر عنها الحكم عديمة
الإختصاص ترابيا أو حكميا أو حصل في الإجراءات مبطل أو مسقط لم يقع أخذه بعين
الإعتبار من طرف محكمة البداية . ولربما أمكن القول هنا بأن الإستناف في مثل هذه
الصور غير متعلق بالطلاق في حد ذاته وإنما هو متعلق بالأسباب المبينة أعلاه من عدم
أهلية أو عدم إختصاص ترابي إلى غير ذلك فالطعن بها عند الإقتضاء يكون مقبولا لا
محالة لأن نتيجة النظر فيها يتوقف عليها البت في دعوى الطلاق صحة أو فسادا.
ويرى أستاذي ومعلمي المرحوم
ساسي بن حليمة أنه " يمكن التفريق بين مختلف مصالح الطاعن، فالبعض منها له
مساس بالإجراءات وبالنظام العام كعدم إجراء محاولة صلحية لدى الطور الإبتدائي.
والبعض الآخر خاص بذاته دون أن تكون له صبغة عامة وهو ما يشير إليه الرئيس محمد
الهاشمي دحيدح في مقاله ومن بين ذلك النوع من المصالح رغبة الزوجة المستأنفة في
التحصيل على نفقة بمواصلة التداعي أو أملها في تحقيق صلح مع زوجها أو حرصها على
إبقاء الرابطة الزوجية قائمة كي لا تعتبر مطلقة في صورة وفاة زوجها، وعلى هذا
الصعيد يلتقي مع الأستاذ عبد السلام التريكي".
ويستخلص من جملة ما سلف
أن الخلاف في وجهات النظر فقها وقضاء يمكن إرجاعه إلى وجود خلط بين إمكانية الطعن
في حد ذاته وبين قبول ذلك الطعن.
الجزء الثاني:الخلط بين إمكانية الطعن وقبول الطعن:
يثير الطعن بالاستئناف أو بالتعقيب في حكم الطلاق
إنشاء إشكالا إجرائيا قبل أن يكون أصليا.
فمن المعلوم أن القيام أو الطعن يتطلب توفر شرط
المصلحة طبق مقتضيات الفصل 19 م م م ت. فمبدأ الطلاق انشاء المقضي به لا يمكن
الطعن فيه مبدئيا إلا من قبل من طلبه وذلك قصد الرجوع عنه، ولكن هل يمكن لقرينه
الطعن فيه؟ أم أنه لا يمكن له الطعن في مبدأ الطلاق لأنه من متعلقات القائم
بالدعوى؟.
وقد جرى عمل كتابة المحاكم على تسجيل طعن المدعى
عليه في دعوى الطلاق انشاء بمبدأ الطلاق، وهذا يتسبب في عدة آثار منها عدم الاسراع
بالطلاق الذي يبقى معلفا على البت في الاستئناف أو بالتعقيب وهو ما يجعل الفرصة قائمة
طيلة أطوار النزاع الذي قد يدوم سنتين أو ثلاث للرجوع في الطلاق والعدول عنه. مع
ما في ذلك من مخاطر التعسف وتطويل النزاع أحيانا بدون موجب وتتحول الاجراءات وسيلة
تنكيل وتكثر المشاكل وتتعدد القضايا من عنف بين الأزواج وإهمال العيال وعدم دفع
منحة السكن وعدم احضار محضون. ولعل هذه الآثار السلبية غالبا (ولو أن الزوجة مثلا
قد تراها من وجهة نظرها إيجابية) علاوة على مسألة مدى توفر شرط المصلحة في الطعن
هي التي أدت إلى وجود إنقسام بين مؤيد لحق الطعن أو معارض له سواء تعلق الأمر
بالطلاق إنشاء (أ) أو بالتراضي(ب).
الفقرة الأولى:
الخلط بين جواز الطعن في حكم الطلاق انشاء وقبول ذلك الطعن
من الثابت كذلك أن
الزوج، حتى على فرض أنه قام بقضية الطلاق ثم توفي هو أو قرينه أثناء النشر، فإنه
يصبح غير ممكن الحكم بالطلاق، وهذا هو الحل المعمول به في القانون المقارن وخاصة
في القانون الفرنسي.
أما في تونس فقد بدأ
الجدل حول مسألة قابلية حكم الطلاق إنشاء للطعن بالاستئناف من طرف المدعى عليه منذ
صدور قرار محكمة الاستئناف بسوسة التي قضت في قرارها عدد 10197 بتاريخ 26 ماي
1983، أن الاستئناف ينقل الدعوى لدى محكمة الدرجة الثانية على الحالة التي كان
عليها قبل صدور الحكم المستأنف حسب صريح الفصلين 144- 146 م م م ت وأن وفاة الزوج
المستأنف قبل صدور حكم بات بالطلاق تتولد عن ذلك الآثار القانونية للزوجة المتوفى
عنها زوجها وتصبح دعوى الطلاق غير ذات موضوع وتبعا لها جميع ما ترتب عن دعوى لطلاق
من دعاوى فرعية ومعارضة[21]
لكن قرارها نقض من طرف محكمة التعقيب دون إحالة. ومن الواضح أن الحل التعقيبي
بالرغم عما قد يوجه إليه من انتقادات من شأنه أن يضع حدا للتداعي في خصوص مبدأ
الطلاق بمجرد صدور الحكم الابتدائي.
وتعتبر القضية سالفة
الذكر المعروفة باسم "قضية خياط" التي اقترن نظر محكمة التعقيب فيها
بصدور مذكرة عن الرئيس الأول الشرفي لمحكمة الإستئناف بتونس الأستاذ محمد الصالح
العياري[22]. أول
مناسبة يثار فيها النقاش حول جواز استئناف مبدأ الطلاق إنشاء من عدمه.
فبالنسبة للمذكرة
الصادرة بتاريخ 7 أكتوبر 1982[23]
تضمنت تحليلا لمساوئ استئناف حكم الطلاق برمته على الأوضاع الاجتماعية بالنسبة
للزوجين المفارقين والمتمثلة خاصة في مطالبة الزوج بالإنفاق إلى أن تحسم القضية
استئنافيا وتعقيبيا وإلى أن ينقضي أمد العدة بعد مدة طويلة من الزمن لا تقل عن
أربع أو خمس سنوات في أفضل الحالات، كما أن الأوضاع الإجتماعية تبقى مجمدة بالنسبة
للزوجين إذ لا يستطيع أحد منهما أن ينشأ حياة زوجية جديدة ما دامت القضية مطروحة
للنظر استئنافيا وتعقيبيا، كما أن مصلحة هذا أو ذلك من الزوجين من الطعن بالإستئناف بالحكم الصادر بالطلاق طبق أحكام
الفقرة الثالثة غير واضحة، فأما المحكوم له فإنه من البديهي أنه ليس له مصلحة في
استئناف ذلك الحكم مع إصراره على الطلاق، وأما المحكوم ضده فمصلحته منعدمة إذ أن
محكمة الدرجة الثانية لا تمتلك صلاحية لتغيير هذا الحكم أو تعديله أو نقضه مذكرا
بأنه سابق له وأن أصدر بتاريخ 30 أكتوبر 1975 مذكرة طالب فيها المستأنف بأن يوضح
مرمى استئنافه وبيان إن كان مقصورا فقط على بعض فروع التداعي أم يشمل كذلك مبدأ
الطلاق[24].
فالإستئناف المسلط على الطلاق الصادر إنشاء يصدر عن المدعي عليه المتأثر
"ببواعث نفسانية غير مستحبة وغير مستحب الإفاضة بذكرها" ولذا فإن الحل
يتمثل في التصريح برفض الإستئناف شكلا نظرا لانتفاء المصلحة سواء بالنسبة للمدعي
أو بالنسبة للمدعي عليه ، مع الملاحظة بأن الرفض شكلا يكون متعلقا بمبدأ الطلاق لا
بالفروع. ويتطرق محرر المذكرة إلى ما يمكن أن يقال عن إتاحة الفرصة للزوجين للرجوع
للحياة الزوجية نتيجة إطالة مدة التقاضي معتبرا إياه عديم الأهمية نظرا للمضار
المزمنة وتأجيج نار العداء والحقد والإمعان في الكيد وإلحاق الأذى، وكثيرا ما كان
الأولاد وقود الخلاف المستمر والعداء المستعر بين الزوجين. فلو لم يكن هناك خلاف
عميق بين الزوجين فلا حاجة لهما بإطالة أمد التقاضي للرجوع إلى المعاشرة والحياة
الزوجية. ففي صورة وفاة أحد الزوجين لا فرق في ذلك بين أن تكون القضية لدى محكمة
الدرجة الأولى أو لدى محكمة الإستئناف، لكنه يستطرد قائلا إذا كان الشأن يتعلق
باستئناف حكم صدر بالطلاق طبق الفقرة الثالثة
من االفصل 31، تقتصر المحكمة على رفض الإستئناف شكلا حسب ما سبق أن اقترحه
بمذكرته المؤرخة في 7 أكتوبر 1982 المشار إليها أعلاه، وبذلك حسب قوله تكون محكمة
الإستئناف في غنى عن تطرق الموضوع والبت فيه بأية صيغة. ثم انتقل إلى نقاش موضوع
آخر يتعلق بمآل دعوى التعويض باختلاف حالات طروء وفاة أحد الزوجين، ويرى أن تلكم
للحالات من الممكن أن تقسم كما يلي:
·
استئناف الحكم برمته أي
بما شمله من طلاق وتعويض وحصول الوفاة قبل صدور الحكم الإستئنافي ، ويعتبر أن
الأمر هو نفسه أثناء النشر لدى البداية وذلك عملا بالأثر الإنتقالي الذي يحدثه
الإستئناف طبقا لأحكام الفصل 144 من مجلة الإجراءات المدنية والتجارية القائلك
الإستئناف ينقل الدعوى بحالتها التي كانت عليها قبل صدور الحكم المستأنف وذلك
خصوصا ما تسلط عليه الإستئناف".ويستنتج من ذلك أنه لا محل لحكم بالطلاق ولا
تعويض عن ضرر لم يحصل إذ أن آثار الزوجية باقية بما ترتبه من حقوق.
·
وأما الحالة الثانية فهي تتمثل في أن حكم الطلاق يحرز قوة
اتصال القضاء لاقتصار من يهمه الأمر على الطعن بالإستئناف فيما تعلق من الحكم بالناحية
المالية فقط ويزيد قائلا: " لو يكون استئناف حكم الطلاق قد رفض شكلا لانبناء
الحكم الإبتدائي على الفقرة الثالثة من الفصل 31 من مجلة الأحوال الشخصية حسب ما
ألمحنا بذكره فيا تقدم."
ثم انطلق في التفريق بين
الطلاق البائن بينونة صغرى أو كبرى والطلاق الرجعي. فأما بالنسبة للنوع الأول فإنه
يعتبر أنه يضع حدا للرابطة الزوجية وأن التداعي لا يمكن أن يتواصل بين الزوجة
والورثة في خصوص ما تطالب به الزوجة من غرامة سواءا حصلت الوفاة أثناء مدة العدة
بالنسبة للزوجة أو بعد انصرامها لأن الطلاق البائن لا يبقى معه من آثار تستحقها
للإرث وامتناع التزوج عليها بأخرى طالما لم تنقص عدتها..."
وبعد صدور تلك المذكرة
صدر القرار التعقيبي الأول في قضية "خياط" تحت عدد 7065 بتاريخ 7 ديسمبر
1982[25]،وتتلخص
وقائع القضية في أن شيخا يهودي الديانة أصيل مدينة سوسة تزوج مرة ثانية بعد أن
توفيت زوجته، ولكنه لم ينسجم معها لسوء اخلاقها فأراد أن يضع حدا للحياة الزوجية،
وقدم قضية في الطلاق إنشاء على أساس الفقرة الثالثة من الفصل 31 من مجلة الأحوال
الشخصية، وقامت الزوجة بدعوى معارضة طالبة الحكم لها بغرامة وبقيمة عارفتها فقضت
المحكمة الإبتدائية بسوسة بالطلاق إنشاء طبق رغبة الزوج وبحفظ الحق بالنسبة
للغرامة وللعارفة، فاستأنفت الزوجة حكم الطلاق برمته أي مبدأه وفرعيه وعينت القضية
للجلسة الأولى لدى محكمة الإستئناف بسوسة ولكن الزوج توفي في اليوم الذي كانت
القضية منشورة بتلك الجلسة، وقدمت مستندات الإستئناف في حق الزوجة وانحصرت طلبات
الزوجة في الحكم لها مجددا بغرامتها وعارفتها.
وكان المشكل القانوني
المطروح على محكمة الإستئناف من جراء وفاة الزوج يتمثل في معرفة إن كان من المتجه
مواصلة النظر في القضية أو إيداعها بكتابة المحكمة ريثما يحل الورثة محل مورثهم في
مواصلة التداعي أو اعتبار أن وفاة الزوج قد وضعت حدا لنظر محكمة الاستئناف التي
أضحى من المفروض عليها أن تنقض الحكم الإبتدائي وأن تحكم مجددا إما بعدم سماع
الدعوى كما يرى البعض أو بانقراض الدعوى كما يرى البعض الآخر، ولقد اعتبرت محكمة
الإستئناف بسوسة أن وفاة الزوج أثناء نشر القضية لدى الطور الثاني من شأنه أن يحول
دون تقرير الحكم الإبتدائي الصادر بالطلاق واعتبرت أن الرابطة الزوجية قد انفصمت
لا بالطلاق وإنما بالموت. لكن محكمة التعقيب بعد التذكيربأحكام الفصل 31 في فقرته
الثالثة تقول ما يلي: "وحيث أن الصورة الأخيرة للطلاق إنشاء من الزوج أو
مطالبة من الزوجة إنما هي ناشئة عن إرادة منفردة صادرة عن أحد الزوجين ونافذة
الأثر وجوبا بحكم القانون، وبناء على ذلك فإن الطرف المقابل لا يملك أي حق في
التصدي لها، كما أن محكمة الموضوع، وتستوي في ذلك محكمة البداية ومحكمة الدرجة
الثانية، لا تملك هي الأخرى أي سلطة في تقدير وجاهة المطلب من عدمها، وإنما يقتصر
دور الأولى على مجرد السعي إلى التوفيق بين الطرفين وإصلاح ذات البين بينهما ثم
الحكم وجوبا بعد فشل المصالحة بالطلاق استجابة لطالبه. وحيث أنه يخلص من الحق
المخول قانونا للراغب في الطلاق إنشاء ومطالبته في ممارسة هذا الحق حسب محض إرادته
أن لطرف الواقع عليه الطلاق لا فائدة ينتظر حصولها من استئناف الحكم الصادر به ما
دام أن محكمة الدرجة الثانية لا تملك أن تغير من الأمر شيئا".
ثم إنتقلت محكمة التعقيب
إلى أحكام الفصل 19 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية لتبين أن المصلحة هي شرط
أساسي لسماع الدعوى وهي من المسائل القانونية التي تهم النظام العام وأن محكمة
التعقيب لها أن تثيرها تلقائيا وتعتبر أن مصلحة المدعي عليه في قضية الطلاق إنشاء
بخصوص استئناف مبدأ الطلاق غير مشروعة ولا متوفرة قانونا لاستحالة حصول فائدة له
ما دام الطلاق واقعا لا محالة، وعلى ذلك الأساس قضت بنقض القرار الصادر عن محكمة
الإستئناف بسوسة مع الإحالة لنفس المحكمة للنظر فيها مجددا بهيئة أخرى.
ورغم تكرار الطعن لذات
السبب فإن الرئيس الأول لمحكمة التعقيب لم يأذن بعرض القضية على الدوائر المجتمعة.
وتعهدت بالملف دائرة تعقيبية. وكان المطعن الأول الذي قدمه لها الورثة في قضية
"خياط" يتمثل في "خرق الفصول 130 و 136 و 148 من مجلة المرافعات
المدنية والتجارية . وذلك بعلة أنهم تمسكوا لدى محكمة القرار المنتقد أن عريضة
الاستئناف المرفوعة في القضية من المعقب ضدها كانت خلوا من كل إشارة إلى طلب نقض
الحكم الإبتدائي في الطلاق وقد تأكد ذلك بصورة جلية من مستنداتها التي كانت خاصة
في فروع الطلاق من الغرامة والنفقة والعارفة ولم تناقش إطلاقا مبدأ الطلاق الذي
كانت مسلمة به وكان على محكمة القرار أن تقضي بسقوط الاستئناف بالنسبة للطلاق لعدم
تقديم مستندات فيه طبق أحكام الفصلين 130 و 136 المذكورين، لكنها لم تفعل وقبلت من
المعقب ضدها تغيير موضوع الطلب المقدم فيه المستندات وهو فروع الطلاق بناء على
وفاة المستأنف ضده أثناء نشر القضية لدى محكمة القرار وفي ذلك خرق لأحكام الفصل
188 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية".
ولقد اعتمدت محكمة
التعقيب هذا المطعن واعتبرته وجيها وقالت في شأنه ما يلي: "وحيث أن القرار
المطعون فيه لم يقض بسقوط الإستئناف في الطلاق مع وجود الموجب وقبل تغيير ماهية
الطلب من المعقب ضدها المرفوع إليه منها ورتب قضاءه على ذلك برفض الطلب أصلا يكون
قد جانب الصواب خارقا بذلك أحكام الفصول 130 و 148 من مجلة الإجراءات المدنية والتجارية
بصورة تعرضه للنقض مما يتعين معه قبول الطعن".
وبصفة عامة يبدو أن
النقاش والحجج المقدمة فيه لم يؤثر على توجه محكمة التعقيب التي قررت في قضية
لاحقة[26]
مثل ما قررته في قضية "خياط".
إذ جاء في القرار
التعقيبي المدني عدد 49277 مؤرخ في 14 ماي 1996[27]
مايلي: "تفيد إجراءات القضية قيام مورث المعقبين بقضية لدى المحكمة
الابتدائية طالبا إيقاع الطلاق بينه وبين المعقب ضدها إنشاء منه. وقضت محكمة
البداية لصالح الدعوى مع تغريم الزوج لمفارقته كتعويض عن الضرر المعنوي وجراية
عمرية كتعويض عن الضرر المادي فاستأنف الزوج هذا الحكم طالبا إقرار الحكم
الابتدائي في خصوص الطلاق ونقضه فيما زاد على ذلك والحط من غرامة الضرر المعنوي
والجراية العمرية المحكوم بهما. وأثناء نشر القضية توفي المستأنف فقضت محكمة
الدرجة الثانية بانقراض الدعوى بوفاة الزوج قبل حسم النزاع بوجه بات، فتعقبه الطاعنون
ناسبين له: خرق أحكام الفصل 145 م م م ت باعتبار أن محكمة الاستئناف نظرت في
الطلاق والحال أنه لم يقع الاستئناف في شأنه. وخرق الفضلين 40 و 41 من قانون
الحالة المدنية والفصلين 480 و 481 من المجلة المدنية باعتبار أن محكمة الاستئناف
اعتبرت أن دعوى الطلاق قد انقرضت بوفاة المستأنف في حين أن الطلاق أصبح باتا لعدم
الطعن فيه في الأجل القانوني. وعن هذين المطعنين أجابت محكمة التعقيب أن الاستئناف
لم يسلط على فرع الطلاق ولأن الطلاق لم يطعن فيه في الآجال القانونية فإنه بذلك
يكون قد اتصل به القضاء . إلا أنه وعلى فرض وفاة الزوج المدعي أثناء نشر دعوى
الطلاق الواقع إنشاء منه لدى الاستئناف فإن ذلك لا يمثل سببا لانقراض الدعوى لأنه
عملا بمقتضيات الفصل 31 م إ ش في فقرته الأولى طالما عبر الزوج عن إرادته في وضع
حد للحياة الزوجية إنشاء منه، فإن هذه الإرادة تبقى نافذة الأثر وجوبا حتى بعد
وفاته أثناء نشر القضية.
ويرى أستاذي ومعلمي
المرحوم ساسي بن حليمة أنه كان لمحكمة التعقيب أن تقتصر على أن وفاة الزوج أثناء
نشر القضية لدى الاستئناف لا تأثير لها على مبدأ الطلاق ما دام الاستئناف لم
يشمله. وبتوسعها في المشكل فإنها تكون قد آلت على نفسها إلا أن تعطي رأيها لتنير
السبيل حتى بالنسبة للمشكل غير المطروح عليها مؤكدة أن الاستئناف حتى وإن كان
شاملا لمبدأ الطلاق فإنه لا يمكن من انقراض دعوى الطلاق وتكون بذلك قد واصلت فقه
قضاءها خاصة قرارها الصادر في 7 ديسمبر 1982[28]
وهو ذات التوجه الذي انتهت إليه سنة 2019 ففي القرار عـ65005.2018ـدد
المؤرخ في 02/01/2019 اعتبرت محكمة التعقيب أنه: "حيث
من المسلم به قانونا وفقه قضاء وان طلب الطلاق برغبة خاصة من احد الزوجين لا يخول للطرف المقابل معارضته
ويسلب المحكمة كل سلطة تقديرية متعلقة به ولما كان بينا من اوراق ملف قضية الحال
حسبما اورده القرار المنتقد وان مورث المعقبين المدعي في الاصل تمسك بطلب ايقاع
الطلاق انشاء منه وصدر الحكم الابتدائي مجيبا لطلبه فطعن الزوجة فيه استنافيا من
حيث مبدأ الطلاق لا تحول لمحكمة الدرجة الثانية اعادة النظر في ذلك الطلب ما لم
تتغير ارادة الزوج في ايقاع الطلاق انشاء منه بما يجعل طلب الزوجة الرامي الى
القضاء برفض الدعوى المضمن بمستندات استئنافها غير منتج ووفاة زوجها اثناء نشر
القضية لدى محكمة القرار المنتقد لا يرتب اثرا قانونيا فيما يتعلق بالحكم ابتدائيا
بالطلاق انشاء من الزوج طالما ظلت ارادته في ذلك قائمة الى حين وفاته ولا يجوز
بذلك للمحكمة التصدي لتلك الارادة ووفاة الزوج خلافا لما خلصت اليه محكمة القرار
المنتقد لا يترتب عنه سقوطا للخصومة بالمعنى المقصود بالفصل 243 من م م م ت
المستند اليه من قبلها اعتبارا لطبيعة هذا التداعي الشخصي المبني على ارادة شخصية
غير قابلة للمعارضة".
ومع هذا فإن فقه القضاء محكمة التعقيب لازال مضطربا
بشأن جواز الطعن في حكم الطلاق انشاء من عدمه:
فلئن قبلت محكمة التعقيب في قرارها عدد 10321 مؤرخ فى 25/11/1975 مبدأ الطعن معتبرة
أنه: "اذا تعقبت الزوجة حكم طلاق بطلقة أولى صادرا بينها وبين زوجها انشاء
منه وتم الصلح بين الزوجين اثناء تعقيب الحكم وتراكنا على المراجعة زال موضوع حكم
الطلاق ووجب القضاء في التعقيب بالنقض بدون إحالة".
وتأيد ذلك بموجب القرار عدد 55108 مؤرخ في 01/04/1997الذي جاء فيه: "إن الحياة الزوجية تعتبر
قائمة بين الطرفين إلى حين التصريح بالطلاق من المحكمة تأسيسا على أحكام الفصل 30
من مجلة الاحوال الشخصية ومقررات الفصلين 40 و41 من قانون الحالة المدنية والتي
بمقتضاها لا يكون حكم الطلاق نافذ المفعول وقابلا للترسيم بدفاتر الحالة المدنية
إلا بعد إستنفاذ طرق الطعن.
كما جاء في
قرارها عدد 31867/32204 المؤرخ في 04/01/2017 أنه: "حيث استقرت رغبة الطاعن
(المدعي في الأصل) صلب مطلب التعقيب عدد 31867 على رفع طلبه إنشاء الطلاق لعدم
رغبته في إيقاعه، وهو الأمر الذي اتجهت المعقبة أيضا إلى تحقيقه بمناسبة مطلب
تعقيبها عدد 31204 وذلك لما نعت على محكمة الحكم المطعون فيه خرق الفصل 32 م ا ش
لعدم استجابتها لإعادة المحاولة الصلحية للحفاظ على أواصر الأسرة، وعليه وبقطع
النظر عن مدى حصول خرق لأحكام الفصل المذكور، وطالما استقرت رغبة الطرفين على
استئناف الحياة الزوجية، فإنه لا مانع من الاستجابة لرغبة المعقبين خاصة وأن الصلح
في دعاوى الطلاق والنزاعات الأسرية يقدم على الحل النزاع، فضلا عن أنه من مبادئ
الإجراءات الأساسية للخصومة المدنية أن النزاع ملك للخصوم وأن القاضي لا يعهد نفسه
وتبعا لذلك يبقى للأطراف مطلق الحق في إنهاء النزاع وقطع الخصومة وبالتالي رفع يد
القاضي عنه بإرادتهم كان يكون ذلك برجوع المدعي في دعواه أو سحب مطالبته أو بالصلح
بين المتقاضين. وحيث يتعين تبعا لذلك نقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة على محكمة
الاستئناف بصفاقس للقيام بالإجراءات القانونية قصد إتاحة الفرصة للطرفين في
استئناف الحياة الزوجية عند الاقتضاء".
إلا أن محكمة التعقيب عادت وفي مجموعة غالبة من
القرارات لرفض ذلك نذكر منها:
ý
قرار عدد 6977 مؤرخ في 11/01/1983 :"اذا كان
طلب الطلاق انشاء فان محكمة الموضوع غير ملزمة بالبحث عن جدية أسبابه ووجاهة
المطلب من عدمها و انما يقتصر دور محكمة الدرجة الاولى على المصالحة بين الطرفين و
عند التعذر فلا يسعها الا الحكم بالطلاق مع تقدير الغرامة المستحقة للطرف المقابل".
ý قرار عدد 11897 مؤرخ فى 30/10/1984 ":الطلاق انشاء من الزوج أو
مطالبة الزوجة به هو ناشىء عن ارادة منفردة صادرة عن أحد الزوجين ونافذة الاثر
وجوبا بحكم القانون وبناء على ذلك فان الطرف المقابل لا يملك أي حق للتصدي كما ان
محكمة الموضوع ومحكمة الدرجة الثانية لا يملكان أي سلطة في تقدير وجاهة المطلب من
عدمه".
ý
قرار عدد 39806 مؤرخ في 17/05/1994 :"إذا
كان موضوع الطلاق إنشاء قد إتصل به القضاء بموجب حكم إبتدائي فليس لمحكمة الدرجة
الثانية النظر فيه ثانية. وبذلك فإن قضاءها بالنقض ورفض الدعوى يعد تجاوز في حدود
إختصاصها ومباشرة الحكم فيها إذ تملك حق النظر فيه خارقة بذلك أحكام الفصلين 144
و145 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية".
ý
قرار عدد 55674 مؤرخ فى 15/04/1997 : "طلب الطلاق إنشاء من
الزوج أو المطالبة به من طرف الزوجة إستنادا إلى أحكام الفقرة الثالثة من الفصل 31
من مجلة الأحوال الشخصية ناشئة عن إرادة منفردة صادرة عن طالبها نافذة الأثر وجوبا
بحكم القانون ولذلك فلا حق للطرف المقابل في التصدي لها أو معارضتها وعليه ليس
أمام المحكمة المعروض أمامها الدعوى سوى الإستجابة لطلب الطلاق والمؤسس على أحكام
الفقرة المذكورة".
ý
قرار عدد 27948 مؤرخ فى 26/12/2003 :" ان عدم شمول استئناف
المدعي في الاصل في الطلاق يجعل من مبدأ الحكم بالطلاق نافذا و حائزا قوة اتصال
القضاء حال ان استئناف الزوجة المدعى عليها غير مجدي لأنها ليست من انشأ الطلاق".
ý
قرار عدد 6074 مؤرخ في 15/01/2006 :"إن دعوى الطلاق إنشاء هي حق مطلق خوله
المشرع لكلا الزوجين ولا يمكن للطرف المقابل سوى المطالبة بغرم الضرر الناشئ عن
الطلاق المسلط عليه قهرا بحيث أن مناط الدعوى المعارضة في مواجهة الطلاق إنشاء. •
إن رفض محكمة الموضوع الرجوع في الطلاق إنشاء بتعلّة سبق قبول الدعوى المعارضة
يعدّ إجبار المدعي على إيقاع الطلاق إنشاء رغم إرادته".
ý قرار عدد 24946/2015 المؤرخ في 09/12/2015 ا: أن حكم الطلاق إنشاء من
الزوج أو الزوجة مبناه إرادة منفردة صادرة عن أحد الزوجين ونافذة الأثر وجوبا بحكم
القانون ولا يملك الطرف المقابل أي حق في التصدي لها ولا كذلك من المحكمة في أن
تغير من الأمر شيئا وتأسيسيا على ذلك فإن حصول المعقب ضده على إعلام بالطلاق لا
ينطوي على أي خرق لأحكام الفصل 194 م م م ت طالما أن ولاية المحكمة تبقى قائمة
بشأن فروع الطلاق". أي أن
محكمة التعقيب أقرت إمكانية ادراج حكم الطلاق في دفاتر الحالة المدنية رغم وجود
طعن في مبدأ الطلاق وهو توجه خطير من شأنه أن يفتح الباب أمام اعتماد حكم طلاق غير
بات لتغيير رسم الحالة المدني، فيصبح بإمكان الشخص التزوج ثانية حال أن لديه قضية
طلاق جارية لم تفصل بعد.
ý قرارعدد 31877/2015
المؤرخ في 13/04/2016 اعتبرت محكمة التعقيب: " حيث وخلافا لما جاء في هذا
المطعن فإنه لا جدال في أن المشرع أعطى للزوجين بالسواء حق طلب الطلاق إنشاء أي حق
وضع حد للعلاقة الزوجية بإرادة منفردة من أحد الزوجين حتى ولو كان الطرف الآخر
قائما على الوجه الأكمل بواجباته الزوجية. وحيث أن ميزة الطلاق إنشاء أن الشخص
الذي يطلبه غير مطالب بتعليل مطلبه أي بالأسباب الموضوعية التي دفعته إلى طلب
الطلاق وبذلك يكون دور القرين المدعى عليه ودور القاضي محدود فهي صورة ناشئة عن
إرادة منفردة ونافذة الأثر وجوبا بحكم القانون فالقرين لا يملك أي سلطة للتصدي
لهذه الإرادة ومعارضة رغبة قرينه وأقصى ما يملكه هو رفع دعوى معارضة لطلب التعويض
عن الضرر الناجم عن التعسف في استعمال الحق وكذلك فإن المحكمة لا تملك أي سلطة في
تقدير وجاهة الطلب من عدمه ويقتصر دورها على معاينة إرادة إنشاء الطلاق والاستجابة
للطلب والتصريح به كل ذلك بعد أن يسجل قاضي الأسرة فشل مساعيه الصلحية وهو ما
تضمنه محضر الجلسة الصلحية المجرى بمناسبة هذه القضية".
ورغم غلبة
الاتجاه الرافض لقبول الطعن فإن هذا التوجه غير سليم وفي غير طريقه كما سيلي بيانه:
لقد أشارت محكمة التعقيب
في عدة قرارات للفصل 243 م م م ت وهو لا علاقة له بالموضوع، وربما كان من الأنسب
الاعتماد على مقتضيات الفصل 241 التي ينص على أنه: " يعطل النظر في القضية قانونا وتودع مؤقتا بكتابة المحكمة
بوفاة أحد الخصوم أو فقده أهلية الخصومة أو موت نائبه القانوني أو زوال صفة
النيابة عنه إلا إذا كانت الدعوى قد تهيأت للحكم في موضوعها فيمكن للمحكمة أن تقضي
فيها.
وتعتبر الدعوى متهيئة للحكم في موضوعها إذا كان الخصوم
قد أبدوا طلباتهم وعينت القضية لجلسة المرافعة.".
باعتبار وان الزوج كان قد عبر بصفة نهائية عن ارادته في
إيقاع الطلاق انشاء منه وبالتالي فإن القضية مهيئة للفصل فيها ولكن يبقى شرط ان
تكون قد عينت لجلسة المرافعة. وهذا النص ينطبق نظريا لا فقط على الطور الاستئنافي
كما هو الحال في وقائع القضية محل القرار المعلق عليه بل يشمل حتى الطور الابتدائي
إذ يمكن للمحكمة أن تقضي بايقاع الطلاق رغم وفاة أحد الزوجين. وقلت نظريا لأن هذا
مستحيل عمليا إذ نص الفصل 29 م ا ش على أن "الطلاق هو حل عقدة الزواج"
فكيف للمحكمة أن تحل رابطة سبق للموت أن حلها؟ فبوفاة أحد الزوجين ولو أثناء فترة
التأمل أو عند حجز القضية للتصريح بالحكم تكون الرابطة الزوجية قد انحلت وليس
للمحكمة ان تحل ما حله الموت وسيكون حكمها غير ذي موضوع أصلا ولا يمكن ادراجه في
مضمون ولادة المتوفى الذي تجمد بوفاته ليحل محله مضمون الوفاة
إذ ينص الفصل 40 من قانون الحالة المدنية (نقح بالقانون
عدد 71 لسنة 1958 المؤرخ في 4 جويلية 1958). على أنه: "يجب أن ترسم الأحكام
الصادرة بالطلاق أو ببطلان الزواج والتى اتصل بها القضاء بدفاتر الحالة المدنية
بالمكان الذى رسم فيه عقد الزواج ويكون الترسيم بطرة عقد الزواج ورسم ولادة كل
من الزوجين".
وحسب الفصل 41 (نقح بالمرسوم عدد 20 لسنة 1962 المؤرخ في
30 أوت 1962 المصادق عليه بالقانون عدد 40 لسنة 1962 المؤرخ في 22 أكتوبر 1962).
يتم الترسيم المشار إليه بالفصل السابق يسعى من كاتب المحكمة التى أصدرت
الحكم الأخير في النزاع بعد استنفاذ طرق الطعن ولهذا الغرض يوجه كاتب
المحكمة نص الحكم أو القرار إلى ضابط الحالة المدنية المعنى بالأمر في ظرف عشرة
أيام من تاريخ اتصال القضاء بهما وإلا يعاقب الكاتب بخطية قدرها عشرة دنانير ويبعث
له ضابط الحالة المدنية وصلاً في ذلك. وتجرى أجال الطعن في الأحكام والقرارات
الصادرة في مادة الطلاق أو بطلان الزواج في ظرف شهر من تاريخ الحكم أو القرار وذلك
بالنسبة إلى جميع ما تشتمل عليه بما فيه الغرامة. ويقدم طلب الطعن إلى كتابة
المحكمة التى أصدرت الحكم أو القرار".
فكيف سيقع ترسيم حكم طلاق ميت في مضمون ولادته؟
ثم علاوة عما سبق فإن رسم الوفاة الذي يجب اقامته مبدئيا
في ظرف ثلاثة أيام سيقع التنصيص فيه على أسم الزوج (ة) ولقبه (ـا) إذا كان الهالك متزوجاً أو أرملا أو مطلقاً فهل
سيقع انتظار صدور الحكم لتحريره أم سيضمن فيه الحال القائم ساعة الوفاة ألا وهو
الحال المضمن برسم الولادة؟
فقد
جاء في الفصل 47 من ذات القانون أنه:" وينص برسم الوفاة على اليوم والساعة
والمكان الواقعة فيها الوفاة وعلى اسم المتوفى ولقبه وتاريخ ومكان ولادته وحرفته
ومقره وجنسيته وعلى اسمى أبويه ولقبهما ومقرهما وجنسيتهما وعلى اسم الزوج ولقبه
إذا كان الهالك متزوجاً أو أرملا أو مطلقاً وعلى اسم القائم بالتصريح ولقبه وسنة
وحرفته ومقره ودرجة قرابته للمتوفى إن أمكن وكل ذلك بقدر ما يستفاد من المعلومات
وينص على وفاة الهالك بطرة رسم ولادته".
وهذا
الكتب هو حجة رسمية لا يمكن رميها سوى بالزور على معنى الفصل 444 م ا ع. ولكن
لقائل أن يقول ان حكم الطلاق أيضا له صبغة الحجة الرسمية وبالتالي فإن حجة رسمية
لا حقة نقضت ما جاء في حجة رسمية سابقة وتكون الغلبة للاحق. ولكن هذا لا يستقيم
فالحجة السابقة هي الأقوى لتعلقها بواقعة ثابتة لا نقاش فيها بينما الحجة اللاحقة
تعلقت بانهاء رابطة سبق وان انتهت فعلا بموجب الوفاة قبل صيرورة حكم الطلاق باتا.
ثم
ماذا عن مقتضيات الفصل 85 م ا ش الذي ينص على أنه :"
يستحق الإرث بموت المورّث ولو حكما وبتحقق حياة الوارث من بعده". فالقرين الذي لم يصدر بعد حكم بوفاته اكتسب صفة
الوارث لحظة وفاة قرينه وصار المال داخلا في ذمته فهل سيحرم من صفته تلك بموجب حكم
لاحق عن استحقاق الإرث؟
وتاريخ الوفاة هو التاريخ الذي يعتد به في مواجهة الغير
استنادا إلى أحكام الفصل 450 من م ا ع الذي يعتبر تاريخ الوفاة تاريخا ثابتا في
مواجهة الغير .والأمر لا يحتاج إلى أي إجراء من إجراءات الإشهار
باعتبار أن الوفاة تدرج "بالضرورة" بدفاتر الحالة المدنية وبدفتر
الملكية العقارية .
وجملة هذه الاحترازات يمكن توجيهها أيضا في صورة الطعن
في حكم طلاق بالتراضي.
الفقرة الثانية:
الخلط بين جواز الطعن في حكم الطلاق بالتراضي وقبول ذلك الطعن
قد يبدو غريبا مبدئيا
الرجوع في اتفاق على الطلاق بالتراضي الذي يصدر عن الزوجين وطبق رغبتهما المشتركة
والتقاء إرادتهما على وضع حد للحياة الزوجية[29]. لكن من الممكن بعد تلقي السيد قاضي الأسرة
موافقة الطرفين على الطلاق في اطار جلسة صلحية وقبل التصريح بالحكم أن يتمسك أحد
الطرفين في احدى الجلسات الحكمية بالرجوع في موافقته وتسجيل معارضته للطلاق وأمـام
هذه الحالة فان القضاء لـم يستقر على ذات الموقف فهنالك من اعتبر وأن مـا ضمن
بمحضر الجلسة الصلحية من موافقة يقوم مقام القانون ولا يمكن الرجوع فيه طبق أحكام
الفصل 242 من مجلة الالتزامات والعقود.
هنالك من المحاكم من اعتبر وأنه طالما لم يتم
الحكم فانه بإمكان كل طرف تحوير طلباته طبق الفصل 84 من م.م.م.ت الذي تضمن ما
يلي:"يمكن للمدعي تغيير جزء من الدعوى أو الزيادة فيها او تحريرها في الأجل
المبين بالفصل قبله" فالعبرة بالطلبات الأخيرة ويجب الأخذ بالرجوع في
الموافقة المذكورة. ومع ذلك فإن باب الطعن بالاستئناف يبقى مفتوحا قانونا لغياب نص
يمنع من ذلك طالما أن الحكم الذي يصدر هو حكم ابتدائي الدرجة وغالبا مـا يكون السبب
هو التراجع لسبب أو لأخر عن الموافقة على الطلاق فيقع استئناف الحكم قصد طلب
الرجوع في مبدأ الطلاق رغم وجود اتفاق مكتوب أو إقرار حكمي بذلك. وهنا نكون أمام
حالتين:
الحالة الأولى: حصول صلح بين الزوجين واتفاقهما
مجددا على استئناف الحياة الزوجية، وهنا ليس لمحكمة الاستئناف سوى قبول الاستئناف
شكلا وأصلا والحكم بنقض الحكم الابتدائي القاضي بايقاع الطلاق.
يرى الأستاذ بن حليمة
أنه رغما عما في استئناف الحكم الصادر بالطلاق بالاتفاق من غرابة مبدئية فإنه من
الممكن تصوره ولو نظريا، فربما كان الدافع للقيام باستئناف ذلك النوع من الأحكام
رغبة الزوجين في استئناف الحياة الزوجية عقب تصالح تم بينهما إثر صدور الحكم
بالطلاق، خاصة إذا كان الطلاق قد صدر بينهما للمرة الثالثة، وهو ما من شأنه أن
يحول مبدئيا دون إبرام عقد زواج آخر عملا بظاهر أحكام الفصل 19 من مجلة الأحوال
الشخصية القائل : " يحجر على الرجل أن يتزوج مطلقته ثلاثا"، فلتجنب
الالتجاء إلى ضرورة تحرير كتب آخر للزواج من الممكن أن يفكر الزوجان اللذان سبق
لهما أن طلقا مرات ثلاث أن يستأنفا حكم الطلاق بالتراضي للوصول إلى نقض الحكم
الابتدائي الصادر بالطلاق.
الحالة الثانية: تراجع أحد الزوجين في الموافقة
على الطلاق بإرادته المنفردة فهل يمكن قبول طعنه شكلا وأصلا؟ أم أن ذلك الاتفاق
يقوم مقام القانون باعتباره عقدا لا تحله إرادة منفردة؟
إن فقه القضاء في هذه
الحالة قليل جدا ولا وجود لنص خاص ينظمه كما أن التمسك بعيوب الرضا يبدو صعبا، لأن
الرضا تم في كتب خطي وقعت المصادقة عليه بمحضر القاضي الصلحي الذي سجله في محضر
ممضى منه ومن الطرفين، واستمر التعبير عنه بصفة مستمرة لحين النطق بالحكم
الابتدائي فكيف من الممكن إذن إقناع محكمة الاستئناف بأن ذلك الرضا كان معيبا؟ إن القضاء
بعد أن كان مستقرا على اعتبار أن تراجع المدعي عليه في موافقته على الرضا الذي
أعرب عنه في الطور الإبتدائي لدى القاضي الصلحي لا يمكن أن يأخذ لدى محكمة
الإستئناف بعين الإعتبار[30]
عاد إلى التردد.
من الواضح هنا وقبل استعراض موقف فقه القضاء من
حيث الأصل أن هذا الطعن يتم قبوله شكلا في كلتا الحالتين أي أن هناك إقرار ضمني
بتوفر الشروط الشكلية وخاصة شرط المصلحة.
فالمستأنف الذي سيجابه
بأنه لا مصلحة له في الطعن ما دام الحكم الابتدائي صدر طبق رغبته، قد يتمسك في أن
له مصلحة وهي الحفاظ على الرابطة الزوجية دون حاجة إلى إبرام عقد آخر، أو لبيان أن
الرضا الصادر عنه كان معيبا وأنه تنازل عن الحقوق المنجرة له عن الطلاق من غرامة
وحضانة ونفقة أبناء ومسكن نتيجة عيب في الرضا ناتج عن تغرير من القرين[31]
أو غلط فيما له من حقوق[32].
وبالتالي فإن رفض الاستئناف شكلا بعلة انتفاء المصلحة لا يستقيم. فقد أظهر مصلحة تسمح للمحكمة بقبول طعنه شكلا
والمرور للنظر فيه أصلا.
أما من حيث الأصل فإن القضاء ولئن كان متفق على
جواز الحكم بالنقض أصلا في الحالة الأولى فهو منقسم حول جواز ذلك في الحالة
الثانية على اعتبار أن موافقة الطرفين على الطلاق نهائية ولا رجوع فيها إلا
بتراضيهما استنادا إلى الفصل 242 من مجلة الالتزامات والعقود[33]
ويبقى الحل البديهي لاستئناف الحياة الزوجية هو ابرام عقد صداق جديد.
لكن محكمة التعقيب أقرت خلاف ذلك في
قرارها عدد 48779/2017 المؤرخ في 18/10/2017 إذ اعتبرت أنه: "حيث انتهت محكمة
الحكم المطعون فيه إلى إعمال قاعدة الفصل 242 من م ا ع للقول بعدم جواز الرجوع في
الاتفاق الحاصل أمام قاضي الأسرة حول الطلاق من طرف واحد وهي قاعدة تنسحب على
العقود التعاملية بخلاف الطلاق بالاتفاق الذي لم يحدد له المشرع شكلا معينا بالفصل
31 من م ا ش لذلك فإن الأمر يقتضي مراعاة بعض خصوصيات النزاع والقواعد الموضوعية
المنظمة له. وحيث لا خلاف من أن المشرع خول للزوجين بالفصل 31 من م.ا.ش إذ يتفقا
على إيقاع الطلاق وجرى العمل على أن يقع توقيع هذا الاتفاق وما تبعه من آثار
وقرارات فورية عند الاقتضاء لدى قاضي الأسرة بمناسبة إجرائه للمحاولة الصلحية إلا
أن هذا الاتفاق لا ينهي العلاقة الزوجية وإنما يتحتم قانونا أن يقع تضمينه بحكم
قضائي وفي هذه الحالة يظل الاتفاق قبل صدور الحكم مجرد اتفاق مبدئي ولا يمكن أن
ينتج آثاره في حل الرابطة الزوجية وفق أحكام الفصل 30 من م ا ش إلا إذا تمادى
الزوجان على العمل بما اتفقا عليه خلال كل أطوار الدعوى لكي يتسنى للمحكمة إثر ذلك
إصدار حكمها بالطلاق وترتب آثاره وفق ما حدده الأطراف وأصرا عليه ولذلك وحتى
إعمالا لقاعدة الفصل 242 مدني مثلما اتجهت إلى ذلك محكمة الحكم المطعون فيه فإن ما
سجل على الزوجين بالجلسة الصلحية يعد من قبيل الاتفاق المبدئي الذي لا يمكن توقيعه
إلا بصدور حكم وهو ما يقتضي تمادي الزوجين على العمل به في كامل أطوار التقاضي
وعليه يكون ما انتهت إليه المحكمة في هذا الصدد قد انطوى على سوء تطبيق لأحكام
الفصل 242 من م ا ع وتعين نقضه".
وهو
نفس التوجه الذي اعتمدته في قرارها عدد 57985/2017 المؤرخ في 25/04/2017 اعتبرت
محكمة التعقيب: " حيث خول الفصل 31 من م ا ش للزوجين أن يتفقا على إيقاع
الطلاق إلا انه لم يشترط فيه المشرع شكلا معينا لذلك لا بد له أن يكون موقعا بحكم
قضائي وجرى عمل المحاكم على أن يقع توقيع هذا الاتفاق وما يتبعه من آثار وقرارات
فورية عند الاقتضاء لدى القاضي الصلحي عند إجرائه للمحاولة الصلحية إلا أن هذا
الاتفاق لا يمكن أن ينهي العلاقة الزوجية إنما يتحتم قانونا أن يقع تضمينه بحكم
قضائي حتى يكون الطلاق نافذا وفي هذه الحالة يضل الاتفاق قبل صدور الحكم مجرد
اتفاق مبدئي ولا يمكن أن ينتج آثاره في حل الرابطة الزوجية وفق أحكام الفصل 30 من
م ا ش إلا إذا تمادى الزوجان على العمل بما اتفقا عليه خلال كل أطوار الدعوى
الصلحي والحكمي لكي يتسنى للمحكمة إثر ذلك إصدار حكمها بالطلاق وترتيب آثاره وفقا
لما حدده الأطراف وأصر عليه وهو ما لم تسع محكمة الحكم المطعون فيه إلى التحقق منه
مقتصرة في ذلك على ما صرحت به الطاعنة أمام القاضي الصلحي من أنها اتفقت مع المعقب
ضده على فك رابطة الزواج رضائيا دون الالتفات إلى عدولها عن ذلك في الجلسات
اللاحقة وما قدمته من مبررات بشأن ذلك والحال أن الاتفاق بالجلسة الصلحية لا ينهي
العلاقة الزوجية وهو ما يستوجب التصريح بذلك الاتفاق بخصوص الطلاق في كامل مراحل
التقاضي وحتى صدور الحكم وفق أحكام الفصل 30 من م ا ش وما يتعين معه تمادي الطرفين
على العمل بما اتفقا عليه خلال طوري الدعوى الصلحي والحكمي حتى يتسنى للمحكمة
إصدار حكمها وفقا لما أصر عليه الطرفان. وحيث أن محكمة الحكم المطعون فيه بتجاوزها
للموقف النهائي للمعقبة قد أورثت حكمها هضما لحق الدفاع وخرقا للقانون الذي اخضع
الطلاق لرقابة المحكمة وجعلته لذلك مستوجبا للنقض.".
لكنها في القرار عدد 2018.65162
الصادر بتاريخ 16 جانفي 2019 (في اطار
قضية طلاق بالتراضي) إذ اصدرت محكمة البداية حكمها عدد 10388 بتاريخ
21/10/2016 القاضي ابتدائيا بإيقاع الطلاق بين الطرفين الزوجين المتداعيين للمرة
الأولى بعد البناء بموجب الإتفاق والإذن لضابط الحالة المدنية بالتنصيص على ذلك
بطرة رسم صداقهما وبدفاتر حالتهما المدنية وبإلزام المدعي بأن يؤدي للمدعي عليها
مبلغا قدره مائة وخمسون دينارا ( 000. 150د) لقاء جراية عمرية تصرف لها مشاهرة
بداية من تاريخ انتهاء آمد عدتها إلى انتفاء الموجب القانوني و حمل المصاريف
القانونية مناصفة بينهما.فاستأنفته الزوجة في الأصل متمسكة بأنها لم تكن موافقة
على الطلاق وقد تعرضت للترويع و التهديد حتى توافق على الطلاق وترضى بجراية زهيدة
وهي مريضة طالبة لذلك نقض الحكم الإبتدائي والقضاء من جديد بعدم سماع الدعوى
واحتياطيا فالتحرير عليها مكتبيا، فيما سجل المستأنف ضده استنافا عرضيا للمطالبة
بكلفة الدفاع. اعتبرت محكمة التعقيب أن: "المشرع خول بالفصل 31 من م إ
ش للزوجين الإتفاق على إيقاع الطلاق، ويقع توقيع هذا الإتفاق وما يتبعه من آثار
وقرارات فورية عند الإقتضاء لدى قاضي الأسرة بمناسبة إجرائه للمحاولة الصلحية الذي
فضلا عن دوره في محاولة إصلاح ذات البين بين الطرفين فهو يضمن بمحضر الجلسة
الصلحية تصريحاتهما وما قد يتم الإتفاق عليه وينتج ذلك الإتفاق آثاره في حل
الرابطة الزوجية وفقا لأحكام الفصل 30 من م ا ش كلما تمادى الزوجان على العمل بما
اتفقا عليه خلال كامل أطوار الدعوى وهو الامر المتوفر في قضية الحال إذ ثبت
بالإطلاع على أوراق الملف أن مصادقة الطاعنة على إيقاع الطلاق بموجب الإتفاق كان
استنادا على ما تحرر عليها بالجلسة الصلحية وعدم منازعتها في ذلك أثناء الجلسة
الحكمية التي تجاوزتها بعدم حضورها بمعنى أن إرادة الطرفين كانت واضحة وصريحة في
إيقاع الطلاق خلال كامل أطوار القضية الصلحية والحكمية وعليه فإن النعي على محكمة
القرار المنتقد هضم حقوق الدفاع لعد الإستجابة لطلب الطاعنة في التحرير على
الطرفين لا يستقيم، إذ انتهت المحكمة عن صواب إلى أن ما تمسكت به هذه الأخيرة
بخصوص تسليط الإكراه عليها بقي مجردا ولا يمكن لها الرجوع في اتفاقها على إيقاع
الطلاق من جانب واحد بعد صدور الحكم الإبتدائي الذي يقضي بذلك. وحيث لا جدال
في أن نكول الطاعنة لدى الطور الإستئنافي لا يمكن أن يرتب أي أثر طالما ليس لأحد
الطرفين النكول في الإتفاق دون موافقة الطرف الآخر، إذ مثلما انصرفت إرادة الطرفين
المشتركة إلى طلب الطلاق لدى الطورين الصلحي والحكمي فلا يمكن التراجع عنه إلا
بإرادة مشتركة أيضا بين الطرفين الأمر الغير متوفر في قضية الحال.وحيث تأسيسا على
ذلك فإن ما انتهت إليه محكمة القرار المنتقد من تأييد لحكم البداية القاضي بالطلاق
بالتراضي لا يشوبه أي ضعف في التعليل أو هضم لحق الدفاع بل انطوى على تطبيق سليم
للقانون وتعين لذلك رد الطعن لعدم سداده".
وهو ذات الموقف الذي سبق
لمحكمة التعقيب أن اتخذته في القرار عدد 6299 المؤرخ فى 09/02/1982 والذي قررت فيه
مايلي: "اتفاق الزوجين امام القاضى الصلحى في جلسة المصالحة على الطلاق
بينهما بالتراضى فذلك الاقرار الحكمى لا يمكن لاحدهم الرجوع فيه بدون موافقة الآخر
بجلسة الحكم و بذلك فان الحكم بالطلاق بالانفاق يكون في طريقه و لا مطعن فيه".
*****
وفي الختام يمكن القول:
1- إذا كان المشرع
شاعرا بأن استئناف مبدأ الطلاق الصادر على إنشاء أو بالتراضي أمر غير مرغوب فيه أن
يتخذ حلا جذريا يتمثل في تحجير مثل ذلك الإستئناف بسن نص قانوني يقول مثلا
"إذا كان الطلاق صادرا على أساس الفقرتين الثانية أو الثالثة من الفصل 31 من
مجلة الأحوال الشخصية فإن الإستئناف لا
يمكن أن يسلط على مبدأ الطلاق ويمكن تسليطه على فروعه فقط"، وهو حل اتخذه
المشرع الجزائري بالنسبة للطلاق بصورة عامة. ولكن قد يقال إن مثل هذا الحل يحرم
المتقاضين من درجة من درجات التقاضي، ولربما كان هذا الدفع وجيها لو كانت محكمة
الإستئناف تملك حق النقض بالنسبة لمبدأ الطلاق، لكن بما أنها لا تملك ذلك الحق فإن
تحجير استنئاف مبدأ الطلاق لا يمكن أن ينجر عنه ضرر كبير بالنسبة للزوج المطلق. وقد
يثير مثل ذلك إشكالا في بعض الصور الإستئنائية إذا كانت المحكمة الإبتدائية قد
ارتكبت خرقا لبعض القواعد الإجرائية التي تهم النظام العام، إذ قد يتبادر إلى
الذهن أن عدم إمكانية تسليط الإستئناف على مبدأ الطلاق من شأنه أن يجعل الحكم
بالطلاق باتا حال أن المحكمة لم تراع مثلا القواعد المتعلقة بالأهلية أو بالإختصاص
الترابي أو بضرورة إجراء الجلسة الصلحية.
ولربما كان الحل إذن أن
يستثني المشرع صلب النص إمكانية الإستئناف المؤسس خرق قاعدة إجرائية، لكن هذا الحل
قد يؤدي بدوره إلى مشكل، فالزوج المطلق على أساس الفقرتين الثانية أو الثالثة
والراغب في تطويل نشر القضية في خصوص مبدأ الطلاق يمكنه بفضل هذه الإمكانية أن يصل
إلى مبتغاه بأن يستأنف مبدأ الطلاق زاعما أن محكمة البداية خرقت قاعدة إجرائية. وهو
دفع لا يمكن البت فيه إلا عندما تنظر محكمة الإستئناف في القضية لتحدد هل أن زعم
المستأنف جدي من عدمه في حين أن الطاعن حقق الهدف الذي كان يسعى إليه وهو تعليق
مبدأ الطلاق مدة نشر القضية لدى الإستئناف.
ولذا فإنه قد يكون من
الأحسن غلق باب استئناف مبدأ الطلاق إذا كان صادرا على أساس الفقرتين الثانية والثالثة
نهائيا.
2- لتجنب أي خرق
لمبدأ التقاضي على درجتين ولضمان سرعة الفصل في قضايا الطلاق يمكن اقتراح النظام التالي
للحكم بالطلاق إنشاء أو بالتراضي:
·
بالنسبة للطلاق
بالتراضي: يقع التخلي عن صبغته القضائية وجعل تحرير كتب الاتفاق من اختصاص
المحامين وعدول الاشهاد مع اخضاع ذلك الاتفاق لرقابة قاضي الأسرة الذي يصادق عليه
بمحضر الطرفين وبعد التثبت من احترام حقوقهما ورضاهما التام به (تبقى إمكانية
التراجع متاحة لكل منهما إلى حين المصادقة أمام القاضي) ومصلحة الأطفال بقرار لا
يقبل الطعن بأية وسيلة. فطالما أن الطلاق اتفاقي فهو لا يخضع لقاعدة التقاضي على
درجتين أصلا.
·
بالنسبة للطلاق إنشاء
يتولى قاضي الاسرة بمناسبة النظر في الجلسة الصلحية وبعد استنفاذ المحاولات
الصلحية البت في مبدأ الطلاق مع إحالة البت في الفروع لدائرة الأحوال الشخصية التي
يبقى للأطراف الحق في طلب مراجعة مبدأ الطلاق أمامها إلى حين صدور حكمها الذي يكون
نهائيا بالنسبة لمبدأ الطلاق ولا يمكن الطعن فيه بأي وسيلة كانت وابتدائيا بالنسبة
للفروع. إن هذا الحل المقترح يضمن احترام مبدأ التقاضي على درجتين ويقلل من طول
نشر القضية وما يرافقه عادة من مشاكل كما يمنح للطرفين فرصة للتراجع طيلة مدة نشر
القضية فيما يتعلق بفروع الطلاق. فقد أثبتت التجربة أنه كلما طال نشر قضايا الطلاق
كلما زادت المشاكل بين الطرفين وأنعكست سلبا على الأطفال وربما حتى على العائلتين
المتصاهرتين.
[1] -
الفصول من 29 حتى 32 مكرر.
[2] وهناك من يضيف صورتين وهما: الطلاق لإعسار الزوج
عن الإنفاق على زوجته على معنى الفصل 39 من م ا ش. -الطلاق لغيبة الزوج على معنى
الفصل 40 من م ا ش. ولكن المتمعن في هاتين الصورتين يرى أنهما مجرد تقنين خاص
لحالة الضرر الناتج عن عدم الانفاق وهو أمر يمكن تفسيره من خلال الصيغة القديمة
للفصل 31 إذ كان في صياغته الأولى حسبما جاء بها أمر13 أوت
1956 محرّرا كما يلي: "يحكم بالطلاق:
1 -بناء على طلب من الزوج
أو الزوجة للأسباب المبينة بفصول هاته المجلة...".
أي أن المشرع ترك بيان صور الضرر لبقية فصول المجلة ومنها الفصلين سالفي الذكر.
فالفصل 39 يشترط أن يكون الاعسار طارئا بعد الزواج والفصل 40 م.أ.ش. ينص على أنه
" إذا غاب الزوج عن زوجته ولم يكن له مال ولم يترك لها نفقة ولم يقم أحد
بالإنفاق عليها حال غيابه ضرب له الحاكم أجلا مدة شهر عسى أن يظهر ثم طلق عليه بعد
ثبوت ما سلف وحلف المرأة على ذلك». والقراءة العكسية لهذا النص تسمح بالقول أنه:
"إذا غاب الزوج وترك مال أو ترك نفقة لزوجته أو ترك من ينفق عليها فإنه لا
يمكن طلب الطلاق لغيبة الزوج" وهو ما يستنتج منه أن سبب الطلاق ليس الغيبة
بحد ذاتها بل الضرر الناتج عنها والمتمثل في عدم الانفاق.
كما سبق لمحكمة
التعقيب وأن رفضت الخلع في قرارها عدد 32561 المؤرخ في 21/05/2009 الذي جاء فيه:
"ان طلاق الخلع يناقض بشكل جوهري
الاختيارات الاساسية للنظام القانوني التونسي القائمة على الضمان كرامة المراة و
تكريس المساواة بين الجنسين وصون حرمة الحياة الخاصة واحترام حرية الزواج حتى بعد
الطلاق مبادئ اساسية مكفولة خاصة بالفصول 5 و 6و 9 من الدستور بالفقرة 1-ا و ب من
الفصل 16 من اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المراة المؤرخ في 18 ديسمبر
1979طالما ان طلب الزوجة الطلاق في بلد اقامة المطلوب لا يضمن لها الحق في فك
الرابطة الزوجية بموجب حكم قابل للااعتراف به في النظام القانوني التونسي فان
المحاكم التونسية تكون مختصة بالنظر في النزاع".
[3]
- جاء في القرار التعقيبي المدني عدد 6252 المؤرخ فى 09/02/1982: "الطعن في
احكام الطلاق له اجراءاته الخاصة الواردة بالفصل 41 من قانون الحالة
المدنية".
[4]
(نقح بالقانون عدد 74 لسنة 1993 المؤرخ فى 12 جويلية 1993). وكان الفصل 32 من
م.أ.ش في صياغته الأولى ينصّ على أنّه "لا يحكم بالطلاق إلاّ بعد أن يبذل
الحاكم وسعه في البحث عن أسباب الشقاق عند الزوجين والعجز عن الإصلاح
بينهما. وللحاكم أن يتّخذ جميع الوسائل المتأكّدة فيما يخصّ سكنى الزوجين والنفقة
ورعاية الأطفال".
والتنقيح الأوّل
المدخل على هذا الفصل تم بمقتضى المرسوم عدد 21 المؤرّخ في 30 أوت 1962
المصادق عليه بالقانون عدد 41 المؤرّخ في 22 أكتوبر 1962 ينصّ على أنّه "لا
يحكم بالطلاق إلا بعد أن يجري رئيس المحكمة أو من ينوبه محاولة صلح بين الزوجين
ويعجز عن الإصلاح بينهما.
وعلى الرئيس عند
عدم الوصول إلى الصّلح أن يتّخذ ولو بدون طلب جميع الوسائل المتأكّدة الخاصّة
بسكنى الزوجين والنفقة والحضانة وزيارة المحضون، إلاّ إذا اتفق الطرفان صراحة على
تركها كلاّ أو بعضا.
ويقدّر
الرئيس النفقة بناء على ما يجمع لديه من عناصر عند محاولة الصلح.
ويصدر في جميع
الوسائل المتأكّدة قرارا ينفّذ على المسودّة ويكون هذا القرار غير قابل للاستئناف
أو التعقيب لكنّه قابل للمراجعة ما لم يصدر الحكم في الأصل".
ثمّ عوضت الفقرتان
الأخيرتان من هذا الفصل بمقتضى القانون عدد 7 لسنة 1981 المؤرّخ في
18 فيفري 1981، لتكون صياغة الفصل كما يلي:
"لا يحكم بالطلاق
إلا بعد أن يجري رئيس المحكمة أو من ينوبه محاولة صلح بين الزوجين ويعجز عن
الإصلاح بينهما. وعلى الرئيس عند عدم الوصول إلى الصلح أن يتخذ ولو بدون طلب جميع
الوسائل المتأكدة الخاصة بسكنى الزوجين والنفقة والحضانة وزيارة المحضون إلا إذا
اتفق الطرفان صراحة على تركها كلاّ أو بعضا.
ويقدّر
الرئيس النفقة بناء على ما يجمع لديه من عناصر عند محاولة الصلح. ويصدر
في جميع الوسائل المتأكدة قرارا ينفذ على المسودة ويكون هذا القرار غير قابل
للاستئناف أو التعقيب لكنه قابل للمراجعة ما لم يصدر الحكم في الأصل.
وتحكم المحكمة
ابتدائيا في الطلاق وجميع ما يتعلق به وتحدد بالحكم مبلغ الجراية التي
تستحقها المفارقة بعد انقضاء العدة عند الاقتضاء وتبت في الوسائل المتأكدة التي
كانت موضوع القرار الصادر عن القاضي الصلحي. وتنفذ رغما عن الاستئناف أو
التعقيب أجزاء الحكم المتعلقة بالحضانة والنفقة والجراية والسكنى وحق الزيارة".
[5] -
قانون عدد 3 لسنة 1957 مؤرخ في 4 محرم 1377 (غرة أوت 1957) يتعلق بتنظيم الحالة
المدنية.
الباب الرابع في ترسيم
الأحكام التى تصدر بالطلاق أو تعلن بطلان الزواج
الفصل 40 (نقح بالقانون
عدد 71 لسنة 1958 المؤرخ في 4 جويلية 1958). يجب أن ترسم الأحكام الصادرة بالطلاق
أو ببطلان الزواج والتى اتصل بها القضاء بدفاتر الحالة المدنية بالمكان الذى رسم
فيه عقد الزواج ويكون الترسيم بطرة عقد الزواج ورسم ولادة كل من الزوجين.
الفصل 41 (نقح بالمرسوم
عدد 20 لسنة 1962 المؤرخ في 30 أوت 1962 المصادق عليه بالقانون عدد 40 لسنة 1962
المؤرخ في 22 أكتوبر 1962). يتم الترسيم المشار إليه بالفصل السابق يسعى من كاتب
المحكمة التى أصدرت الحكم الأخير في النزاع بعد استنفاذ طرق الطعن ولهذا الغرض
يوجه كاتب المحكمة نص الحكم أو القرار إلى ضابط الحالة المدنية المعنى بالأمر في
ظرف عشرة أيام من تاريخ اتصال القضاء بهما وإلا يعاقب الكاتب بخطية قدرها عشرة
دنانير ويبعث له ضابط الحالة المدنية وصلاً في ذلك. وتجرى أجال الطعن في الأحكام
والقرارات الصادرة في مادة الطلاق أو بطلان الزواج في ظرف شهر من تاريخ الحكم أو
القرار وذلك بالنسبة إلى جميع ما تشتمل عليه بما فيه الغرامة. ويقدم طلب الطعن إلى
كتابة المحكمة التى أصدرت الحكم أو القرار.
الفصل 42 إذا صدر الحكم
بالطلاق خارج البلاد التونسية يقع ترسيمه بسعى ممن يهمهم الأمر بدفاتر الحالة
المدنية للمكان الذى وقع فيه ترسيم الزواج.
[6] -
اقرت الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب منذ قرارها عدد 13 المؤرخ في 13 ماي 1988 أن
مجلة المرافعات المدنية والتجارية تشكل قانون الحق العام في مادة الإجراءات.
[7] وهو ما ذهبت إليه محكمة التعقيب في قرارها عدد
44316/2016 المؤرخ في 19/04/2017 إذ اعتبرت: " حيث أن الصفة شرط أساسي للقيام
بالدعوى أو اطعن في الحكم ولما كان طلب الطلاق والحكم به متعلقا بحق شخصي غير قابل
للانتقال فإن توجيه هذا الطعن بالتعقيب من المستأنفة المدعى عليها في الأصل ضد
ورثة المدعي في الأصل طالب الطلاق يظل غير مقبول لتوجيهه ضد ممن لا صفة له في
النزاع الحالي فيما يتعلق بفرع الطلاق. وحيث أن وفاة المدعي في الأصل طالب الطلاق
إنشاءا منه وذلك أثناء نشر القضية لدى محكمة الدرجة الثانية لا تأثير له على فرع
القرار المنتقد المتعلق بحضانة الابنين القصر طالما أن تلك الحضانة تظل قائمة بقوة
القانون ويكون من غير المنتج الطعن في ذلك القرار في هذا الفرع كذلك لانتفاء
المصلحة. وحيث ترتيبا لما وقع بيانه وتطبيقا لأحكام الفصل 19 من م م م ت يكون هذا
الطعن فاقدا لشرطي الصفة والمصلحة بما يحتم رفضه شكلا".
[8] محمد صالح العياري، في
ثلاث مناسبات: 1- مذكرة عدد 11-82 بتاريخ 7 أكتوبر 1982. 2-"الورثة ليسوا
خلفاء لمورثهم في قضايا الطلاق". نشر في جريدة الصباح ثم في مجلة القضاء
والتشريع لسنة 1983، العدد الرابع، صفحة 51. 3- "ردا على تعقيب السيد محمد
الهاشمي دحيدح، الورثة ليسوا خلفاء لأسلافهم في متابعة قضايا الطلاق". مجلة
القضاء والتشريع، العدد الرابع 1983.
[9] فقه القضاء لم يستقر أمام هذه الحالة فهنالك من اعتبر وأن ما
ضمّن بمحضر الجلسة الصلحية من موافقة يقوم مقام القانون ولا يمكن الرجوع فيه طبق
أحكام الفصل 242 من مجلة الالتزامات والعقود وهنالك من المحاكم من اعتبر وأنه
طالما لم يتم الحكم فانه بإمكان كل طرف تحوير طلباته طبق الفصل 84 من م.م.م.ت الذي
تضمن ما يلي:"يمكن للمدعي تغيير جزء من الدعوى أو الزيادة فيها او تحريرها في
الأجل المبين بالفصل قبله".
[10] - عملا بمقتضيات الفصل 533
من مجلة الإلتزامات والعقود.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن قضايا الأحوال
الشخصية (نفقة أو حضانة أو تعويض عن الضرر الناتج عن الطلاق أو الترفيع في النفقة
أو منحة السكن والنسب الأبوة... إلخ) المستقلة عن قضية الطلاق تبقى خاضعة للقواعد
العامة من حيث إحتساب آجال الطعن وضرورة الاعلام بالحكم.
[11] - قرار تعقيبي
مدني عدد 59252، 21 جانفي 1998، نشريّة 1998، ج. II، 204. – قرار تعقيبي مدني عدد 14684، 08 ماي
1986، نشريّة 1986، ج. II، 305.
قاعدة
التنازع من القواعد التي تهم النّظام العام طبقا للفصل 28 من مجلّة القانون الدولي
الخاص. جاء بهذا الفصل أنّ "قاعدة التنازع من قواعد النّظام العام إذا كان
موضوعها صنفا يتضمّن حقوقا ليست فيها للأطراف حرّية التصرّف. وفي الحالات الأخرى
تكون القاعدة ملزمة للقاضي إلاّ إذا عبّر الأطراف بصورة جلية عن إرادتهم في عدم
تطبيقها". - قرار تعقيبي مدني عدد 1875، 21 سبتمبر 2004، نشريّة 2004، ج. II، 159.
هذا التعريف لا
فائدة منه لأن الفائدة من اعتبار القاعدة تهم النّظام العام هي منع إرادة الأطراف
من مخالفتها، أمّا وأنّنا علمنا بأنّ القاعدة لا يمكن للإرادة مخالفتها، أصبح
وصفها وتصنيفها ضمن القواعد التي تهم النّظام العام بدون فائدة. ثمّ إنّه باعتماد
هذا المعيار في اعتبار القاعدة تهم النّظام العام إقرار بعدم التمييز بين القاعدة
الآمرة والقاعدة التي تهم النّظام العام.
منقولة عن: منير العياري، مفهوم النّظام العام في قرارات محكمة التّعقيب. خمسون عاما من فقه القضاء المدني : 1959 – 2009 .
الفقرتين 4 و5.
[12] - قرار تعقيبي مدني
عدد 7013، 07 جوان 2001، نشريّة 2001، ج. I، 340.
[13]
- قرار تعقيبي مدني عدد 319، 17 جانفي 1961، نشريّة 1961، 10.
[14] -
منير العياري، المرجع السابق. فقرة 27.
[15] قانون عدد 50 لسنة 2010 مؤرخ في 1 نوفمبر
2010 يتعلق بإقرار مؤسسة المصالح العائلي في نزاعات الحالة الشخصية.
وهو نص بقي مهجورا مثله مثل الفصل 25 من م ا ش.
[16]
قرار تعقيبي مدني عدد 7013 مؤرخ في 07 جوان 2001، النشرية 2001، ص.340.
[17] تعقيب مدني عدد 9410
مؤرخ في 10 جويلية 1973، نشرية محكمة التعقيب 1973، القسم المدني، ج1، ص134.
[18] الأستاذ حسن الذيب. "وسائل الطعن في مادة
الطلاق في ظل القانون و الممارسة".
[19] -
محكمة التعقيب في القرار عدد 36247 مؤرخ في 1 اكتوبر 2009
[20] انظر مقاله حول القرار
التعقيبي المدني عدد 7065 المؤرخ في 7 ديسمبر 1982، مجلة القضاء والتشريع لسنة
1983، عدد 1 صفحة 81.
[21] - م القضاء والتشريع عدد
6 -1984 ، ص134.
[22] مذكرة الأستاذ فوزي
بلكناني ، "الطلاق والضرر ".
[23] منشورة بمجلة القضاء
والتشريع لسنة 1983، صفحة 127.
[24] يرى الأستاذ بن حليمة أن هذه الإشارة لمذكرته
الصادرة سنة 1975، هو تأكيد ناصع وصارخ على أنه سنة 1975 لم يكن يعتبر استئناف
مبدأ الطلاق مرفوض شكلا إذا كان الطلاق صادرا على أساس الفقرة الثالثة، إذ لو كان
يعتبر كذلك لما كان ليصدر تلك المذكرة على ذلك النحو ولما كان ليفتح باب الإستئناف
لمبدأ الطلاق، وذلك بمطالبة المستأنف بأن يبين صلب استئنافه أنه مستأنف بمبدأ أو
لفروعه.
[25] نشرية محكمة التعقيب
1982، ج 4 ص 2015.
[26] قرار تعقيبي عدد 11671
بتاريخ 19/02/1985 مجلة القضاء والتشريع ماي سنة 1986 صفحة 63. - الطلاق الإنشائي
صادر عن ارادة منفردة بموجب القانون و لا يمكن للطرف المقابل أى حق لصدها و
تعطيلها و لا للمحكمة نفسها التي لا تستطيع الا السعي و التوفيق للاصلاح بين
الزوجين.
[27] نشرية محكمة التعقيب
لعام 1996، ج2 ص276.
[28] عدد 7065 مؤرخ في 7
ديسمبر 1982. ن م ت لسنة 1982 ج 4 ص215
انظر حول هذا
المشكل: محمد صالح العياري. "الورثة ليسوا خلفا لأسلافهم في متابعة قضايا
الطلاق". ق.ت عدد 4 ، 1983. محمد الهاشمي دحيدح ،" تعليق على مقال
الورثة ليسوا خلفا لأسلافهم في قضايا الطلاق ". ق ت عدد 4، 1983. محمد صالح
العياري، "الرد على تعليق السيد محمد الهاشمي دحيدح حول مقال الورثة "،
ق ت عدد 4 1983. فاطمة السماوي، "حول مقال الورثة ليسوا خلفا لأسلافهم في
متابعة قضايا الطلاق"، ق ت عدد 7، 1983. محمد صالح العياري، تعقيب على مقال
السيدة فاطمة السماوي، م ق ت عدد 7 -1983، ساسي بن حليمة، "الإستئناف في مادة
الطلاق". مجموعة أعمال الملتقى حول الإستئناف الذي نظمته كلية الحقوق بتونس
1989
[29] تجدر الإشارة إلى أن النيابة العمومية بالقيروان اعترضت على حكم طلاق
بالتراضي لمساسه بالنظام العام العائلي. حيث اعترضت النيابة العمومية على حكم شخصي
تبدو وقائعه غريبة وخطيرة تعلق موضوعها بالنظام العام العائلي. حيث تفيد وقائع
القضية رفع الزوج قضية لدى المحكمة الابتدائية بالقيروان في ضرب الحجر على زوجته
وتسمية مقدم لها. فأصدرت المحكمة بجلسة 17/1/2013 حكما قضى بضرب الحجر على الزوجة
وتسمية.ابنها مقدما لها. إثر ذلك رفع الزوج قضية في إيقاع الطلاق بالتراضي بينه
وبين زوجته وتم استدعاء الابن بوصفه مدعى عليه ومقدما على والدته. فحضر الابن
ووافق على إيقاع الطلاق بين والدته ووالده. فصدر الحكم بإيقاع الطلاق بالتراضي دون
تمكين المدعى عليها من أي حق يذكر. وحيث شاب الحكم خروقات قانونية كبيرة مست النظام
العام بشكل عام والنظام العام العائلي بشكل خاص. إذ لم يتم عرض الملف على النيابة
العمومية طبق الفصل 251 من م م م ت إضافة الى ذلك فان تسمية المقدم ليس من اختصاص
المحكمة التي ضربت الحجر بل من اختصاص حاكم التقاديم طبق الفصل 11 من الأمر المؤرخ
في 18/7/1957 والمتعلق بترتيب تسمية المقدمين ومراقبة تصرفاتهم وحساباتهم. كما
تجاوز الحكم القانون والأخلاق باعتبارها مصدرا من مصادر القانون فلا يمكن للابن
الذي أرضعته أمه حولين كاملين ان يكون طرفا في قضية موضوعها إيقاع الطلاق بينها
وبين والده فنحن نعلم ان المحكمة تتحاشى التحرير على الأبناء بوصفهم شهودا قي
قضايا الطلاق للضرر وفي قضايا العنف المسلط على الزوجة أو الزوج لما في ذلك من
حساسية للأمر. وحيث يتضح وان اعتراض النيابة العمومية كان في طريقه شكلا تطبيقا
للفصل 251 من م م م ت وأصلا حماية للنظام العام العائلي.
حكم ابتدائي شخصي اعتراضي عدد 96234 مؤرخ في 12/07/2019 صادر عن المحكمة الابتدائية
بالقيروان.
[30] قرار تعقيبي مدني عدد 6190 مؤرخ في 12/1/1982 ،
نشرية محكمة التعقيب ، 1982 الجزء الأول، صفحة 106، مجلة القضاء والتشريع عدد 5
لعام 1983 صفحة 78.
[31] - الفصل 45 م ا ع: "الغلط
في نفس الشيء يكون موجبا للفسخ لغلط في ذات المعقود عليه أو في نوعه أو في وصفه
الموجب للتعاقد".
[32] - الفصل 44 م ا ع: "العقد
المبني على جهل عاقده لما له من الحق يجوز فيه الفسخ في حالتين :أولا : إذا كان هو
السبب الوحيد أو السبب الأصلي في التعاقد.ثانيا : إذا كان مما يعذر فيه بالجهل".
[33] - الفصل 242: "ما انعقد على الوجه
الصحيح يقوم مقام القانون فيما بين المتعاقدين ولا ينقض إلا برضائهما أو في الصور
المقررة في القانون".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق