الحرية في مجلة الإجراءات الجزائية
الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
يفترض تفعيل حق الدولة في التصدي للجريمة
وتنزيل العقاب على مرتكبيها القيام بمجموعة متتابعة من الأعمال الإجرائية بهدف
الوصول إلى الحقيقة[1]. وكلما تطورت حقوق الإنسان وتوسّع ميدانها، ازدادت الحاجة لإعطاء
المتهمين ضمانات إضافية للدفاع عن أنفسهم أمام العدالة. كما أن نجاح أي نظام
قانوني يقاس بمدى قدرته على التوفيق بين مصلحة المجتمع في عقاب الجناة ومصلحة
الفرد في الحفاظ على كرامته وإثبات براءته في محاكمة عادية تكفل له فيها الضمانات
الضرورية للدفاع عن نفسه. إذ تعرّف الإجراءات الجزائية بأنها "طريقة تنظيم رد
فعل المجموعة ضدّ فعل أو تصرّف يمثّل جريمة"[2]
كما تعرّف بأنها فرع من القانون هدفه تنظيم اختصاص سلطة الاتّهام وتنظيم سير
الدعوى الجزائية[3]
فهو ينظّم سلطة الاتهام والمحدّد للقواعد والشكليات الواجب احترامها عند البحث
والمعاينة وتتبّع الجرائم للوصول إلى الإثبات الجزائي بتنظيم المحاكمة الجزائية
وصدور الحكم فيها وتنفيذه[4] أي
كل الإجراءات الرابطة بين ارتكاب الجريمة وثبوت الإدانة[5]،
والتي وقع جمعها في مجلّة الإجراءات الجزائية التي تنقسم أحكامها بين القواعد
الهادفة إلى توفير الضمانات الأساسية للمتّهم وحماية حقوق الإنسان وبين تلك
الرامية إلى توفير النّجاعة في عملية البحث والتّقصي عن الجريمة وجمع أدلتها والكشف
عن مرتكبيها، مع ترجيح كفة النجاعة في كثير من فصول مجلة الإجراءات الجزائية
لفائدة التوقي من الجريمة على حساب الضّمانات الأساسية الواجب توفيرها للمظنون فيه[6]. فقد
تم رفع القيود الشكلية والإجرائية من أمام الباحث أثناء قيامه بأعمال البحث
والتحري قصد جمع الأدلة الموصلة إلى إثبات الجريمة في حق مرتكبها باعتبار ذلك
يلبّي حاجة المجتمع لمكافحة الجريمة. لكن خطورة الأخذ بهذا التوجه استوجب فرض قيود
عليه إحتراما لمبدأي الشرعية والحرية وهو ما وقع تجسّيده من خلال التنقيحات
المتتالية التي أدخلت على مجلة الإجراءات الجزائية منذ تاريخ صدورها وحتى اليوم،
إلى جانب ما تضمنته النصوص الخاصة من أحكام إجرائية غير مسبوقة ترمي إلى إعادة
تنظيم قواعد الإثبات وتعزيز ضمانات حقوق الأشخاص محل إجراء جزائي. فكلما تمكن
قانون الإجراءات الجزائية من الموازنة بين حريتي الإثبات والأشخاص كلما كان قانونا
ناجعا.
وعلى الرّغم من أنّ الحرّية هي
في الأصل فكرة غير منظورة أي جوّانية فإنّ الوسائل التي تستخدمها هي على العكس
خارجيّة والإنسان يكون حرّاً بقدر ما يستطيع التّحرّك على طرقٍ أكثر[7]. ويعود أصل مصطلح الحرّية إلى الكلمة اللّاتينيّة Liber وتعني القدرة على القيام بعمل والتّحرك بالحدّ الأدنى من القيود وفي
لسان العرب تعني كلمة الحرّية لغوّيا نقيض العبوديّة : الحُرّ بالضمّ نقيض العبد،
والحرّة نقيض الأمة، والجمع حرائر ويقال حرّ العبد يحرّ حرارة أي صار حُرّا[8]
فالحرّية هي المقابل المناقض للعبوديّة، والحرُّ ضدّ العبد والرقيق، وتحرير الرقبة
عتقها من الرقّ أو الترك المعبّر عن إرادته، التي هي شوق الفعل أو الترك، في أي
ميدان من ميادين الفعل، وبأي لون من ألوان التعبير الحرّ[9]. وبالعودة إلى جذر الكلمة في العربيّة حرر نجد سائر
تصاريف الكلمة تدلّ على معان فاضلة ترجع إلى الخلوص والخيار من كلّ شيء، والفعل
الحسن واستقلال الإرادة، ومنها تحرير الحرير أي تخليصه من الشّوائب [10]. فالحرّية بحسب معناها
الاشتقاقي هي عبارة عن انعدام القسر الخارجي، والانسان الحرّ بهذا المعنى هو من لم
يكن عبدا أو أسيرا.
والتعريف الفلسفي لمفهوم الحرية في حد ذاته
يقتضي أنها ظرف ابتدائي يحققه غياب الإجبار والقسر، فالإنسان الحر هو الذي لا يمنع
من الاختيار[11]. ولهذا يمكن أن نعرّف الحرّية في
مفهومها العام بأنّها الحالة التي يستطيع فيها الأفراد أن يختاروا ويقرّروا
ويفعلوا بوحي من إرادتهم دونما أيّة ضغوط من أيّ نوع عليهم[12]، وهي تلك الملكة الخاصّة التي تميّز الكائن النّاطق من حيث هو موجود عاقل
يصدر في أفعاله عن إرادته هو، لا عن أيّة إرادة أخرى غريبة عنه. فالحرّية هي
اختيار الفعل عن رويّة مع استطاعة عدم اختياره أو استطاعة اختيار ضدّه، وحسب
المعاجم الفلسفيّة فإنّ كلمة الحرّية تحتمل من المعاني ما لا حصر له[13]. فهناك من يعرفها بأنها حرّية
الاختيار القائمة على الإرادة المطلقة أو حرّية استواء الطّرفين، فالحرّ هو من
يقرّر حين تُعطى كلّ الشّروط الواجب توافرها للفعل، أن يفعل أو لا يفعل، أو أن
يفعل الشّيء أو ينقضه[14].
لأنّ الحرية هي معرّفة بالعقل والإرادة، مشروطةٌ بهما[15].
وحتّى لا تتغوّل الدولة على
حساب حرّية المواطن، فهناك حاجة إلى الحرّية لمنع الدولة من استغلال سلطتها،
وبحاجة إلى الدولة لمنع الافراد من استغلال الحرّية[16].
فالحرّية دون عدالة ولا حرّية دون قوانين ولا حرّية عندما يكون الأشخاص فوق
القانون[17].
فحرية الإنسان هي الأصل. وهذا هو المعنى الذي ما فتئ العلماء والمفكرون
ينصون عليه ويعبرون عنه، كل بطريقته وعبارته. وقد عبر عنه الفاروق عمر بن الخطاب
رضي الله عنه بقولته الشهيرة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟"
ثم جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948 عن الجمعية العامة للأمم
المتحدة، ليكرر ويقرر هذا المعنى في مادته الأولى التي تقول: "يولد جميع
الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق."
ولعل خير من تناول هذه المسألة
من علماء الإسلام هو العلامة الشيخ محمد طاهر بن عاشور في كتابيه أصول النظام
الاجتماعي في الإسلام، ومقاصد الشريعة.
ففي الكتاب الأول اعتبر الحرية
هي إحدى المصالح الأساسية والضرورية التي يقوم عليها المجتمع ويجب على ولاة الأمور
تحقيقها وصيانتها، إذ قال: "إن الحرية خاطر غريزي في النفوس البشرية، فيها
(أي الحرية) نماء القوى الإنسانية من تفكير وقول وعمل، وبها تنطلق المواهب العقلية
متسابقة في ميادين الابتكار والتدقيق. فلا يحق أن تسام بقيد إلا قيداً يدفع به عن
صاحبها ضر ثابت أو يجلب به نفع." ثم استعرض مفهوم الحرية الذي يتضمن معنيين
هما: حرية الرقبة، وحرية التصرف، معتبرا أن الحرية بكلا المعنيين
وصف فطري نشأ عليه البشر، وبه تصرفوا في أول وجودهم على الأرض حتى حدثت بينهم
المزاحمة فحدث التحجير. وهذا التقييد -أو التحجير- للحرية لا ينبغي اللجوء إليه
إلا عند الضرورة ومن أجل دوافع ومصالح راجحة[18].
وفي هذا دليل على أن الحرية والكرامة الإنسانية ليستا شيئين ينموان بنمو الإنسان، ولكنهما
شيئان ولدا معه وأحس بهما وكافح من أجلهما وأراق دمه في سبيلهما؛ قد يتطور
مدلولهما ويتقدم ويتسع، وقد يتخذ أشكالاً متعددة، ولكنهما من حيث الجوهر باقيان
خالدان[19] فتحديد الموقف
من الحرية صعب وحرج ودقيق على المشرع غير المعصوم، فواجب ولاة الأمور التريث وعدم
التعجل، لأن ما زاد على ما يقتضيه درء المفاسد وجلب المصالح الحاجية من تحديد
الحرية يعد ظلماً[20]. وقال في موضع آخر:
"واعلم أن الاعتداء على الحرية نوع من أنواع الظلم."[21]
فالحرية هي شعور بالضَرورات الاجتماعية[22]
وقدرة الأشخاص على اختيار سلوكهم في حياتهم العامة والخاصة وفي علاقاتهم مع
السَلطة وهي قدرة يعترف بها القانون الوضعي في معناه الشَامل[23].
وقد جاء
في الرأي عدد 45 ـ 2008 للمجلس الدستوري بخصوص مشروع قانون يتعلق بتدعيم ضمانات
المتهم وتطوير وضعية الموقوفين وتيسير شروط الإدماج أنه: "حيث يتعلق موضوع
مشروع القانون محل النظر بتنقيح أحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 85 من مجلة
الإجراءات الجزائية، … وحيث تتضمن
التنقيحات والإضافات المذكورة خاصة أحكاما جديدة تتعلق بـ...، التنصيص على أن
المدة القصوى للإيقاف التحفظي تشمل مرحلة التحقيق وتعهد دائرة الاتهام،… وحيث
يستمد من مجمل أحكام الفقرة الأولى من الفصل 12 من الدستور أنها تحجر الإيقاف
التعسفي، وحيث أن تحديد آجال قصوى ومعقولة بالقانون للإيقاف التحفظي تشمل كامل
المرحلة التحضيرية للمحاكمة، يشكل آلية من الآليات الموصلة إلى ذلك الغرض فضلا عن
أن ذلك من شأنه أن يساعد على تحقيق قضاء ناجع، ... في إطار توفير مزيد من الضمانات
المتصلة بالحرية الفردية، كما توفر الأحكام المتعلقة بتفكيك الملف والواردة ضمن
الفصل 104 مكرر المذكور ضمانات إضافية لها علاقة بالإجراءات المتصلة بالمحاكمة
العادلة...".
إن الغرض من إقرار الضمانات في الإجراءات
الجزائية، ليس شل سلطة الدولة أو تعطيلها عند تعقب المجرمين ومحاكمتهم وإنزال
العقاب عليهم. وإنما الهدف منها هو كفالة التزام السلطات الإجرائية باحترام مبدأ
الشرعية فيما تتخذه من إجراءات في سبيل البحث عن أدلة الواقعة الإجرامية. بالتالي لا تعد الضمانات وسيلة تساعد المظنون
فيه على الإفلات من وجه العدالة، وإنما هي وسيلة تعين المظنون فيه على الدفاع عن
نفسه لتبديد الشكوك ونفي الاتهامات التي أحاطت به و ذلك في ظل مناخ يسوده احترام
الحرية الشخصية و ضمان قرينة البراءة من جهة، وتعين سلطات التتبع والتحقيق
والمحاكمة على كشف الحقيقة.
فكيف تعامل المشرع مع قيمة الحرية ضمن م ا ح؟
لقد خلق الحرص على
الموازنة بين مصلحة المتهم الشرعية ومصلحة المجتمع نوعان من الحرية ضمن مجلة
الإجراءات الجزائية: الأول أقر لمصلحة المتهم وهو حرية الأشخاص (ج1) والثاني أقر
لضمان مصلحة المجتمع وهو حرية الاثبات (ج2).
الجزء الأول - حرية الأشخاص
يعتبر حق الأمن من
أهم عناصر الحريات الفردية، بل أنه يشكل الحرية الأساسية التي تتضمن وتكفل الحريات
الأخرى، وبانعدامه تنعدم باقي مظاهر الحرية الفردية. وهو يعني حق الفرد في التمتع
بحريته ، فلا يقبض عليه و لا يحبس أو يعتقل الا في الحالات و الحدود التي ينص عليها
القانون، و بناء على إذن من القضاء و تحت اشرافه. وهو ما كرسه الفصل 29 من
الدستور.
قد يكون الحديث عن
الحرية من جهة فقدانها أيسر لفهم معناها وأقرب إلى إدراك حقيقتها
الفقرة الأولى: التكريس الضمني لأصل الحرية في م ا ج
الحرية أصل في
الإنسان[24].
وقد كرسها الدستور باعتبارها ركنا من أركان الجمهورية الأربعة مقترنة بالكرامة
والنظام والعدالة[25].
ونص الفصل 29 من الدستور على مايلي: " لا يمكن إيقاف شخص
أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أو بقرار قضائي، ويعلم فورا بحقوقه وبالتهمة
المنسوبة إليه، وله أن ينيب محاميا. وتحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ بقانون".
كما نص الفصل 24 على حرية التنقل.
وجاء في مداولات
مجلس الأمة عند النظر في إصدار مجلة الاجراءات الجزائية ما يلي: "أولت
اللائحة عناية هامة بالحرية الشخصية فهي تذكر أن الإيقاف التحفظي وسيلة استثنائية،
والإيقاف التحفظي وأن كان وسيلة استثنائية إلا أنه إجراء ضروري يوجد بكل
التشاريع..."(ص 387). فقد استهلت مجلة الإجراءات الجزائية أحكام الإيقاف التحفظي بالفصل 84م ا ج على أن:
"الإيقاف التحفظي وسيلة استثنائية"
أي أنها كرس ضمنيا قاعدة "السراح هو الأصل والإيقاف هو الاستثناء"[26].
فواضع المجلة نفسه
يقر ضمنيا أن الحرية هي الأصل الذي لا يجوز الخروج عنه إلا بصفة استثنائية، ولكن
هذا الإقرار الذي لم يكن صريحا، لم ينعكس بصفة صريحة في فصول المجلة بل على العكس
تماما فقد ذهب واضعوا مجلة 1967 إلى وصف الافراج الحاصل بعد الايقاف بكونه
"مؤقت" والحال أن الرجوع إلى الأصل لا يمكن أن يكون مؤقتا، كما أن
المجلة حين صدورها لم تتضمن أي تحديد لمدة الايقاف التحفظي ولم تنظم الاحتفاظ
مطلقا بل تركته لتقدير الإدارة التي نظمته بمناشير لوزير الداخلية، ولم تشترط أن
يكون قرار الايقاف التحفظي معللا. لكن منذ سنة 1987 تغيير الحال وتتالت التنقيحات
التي خصصت لإعادة تنظيم الاحتفاظ والايقاف التحفظي باتجاه تكريس فعلي لطابعهما
الاستثنائي وفرض وجوبية التعليل سواء عند اتخاذ القرار أو عند تمديده، وهي تنقيحات
أقل ما يقل عنها أنها جوهرية وضعت أرضية صلبة لإعادة النظر في مسألة الايقاف
التحفظي. ولتعيد للحرية اعتبارها كأصل وللحد من تقييدها وجعل ذلك استثنائيا وغير
تعسفي.[27]
ولكن تلك
التنقيحات لم تحمل معه رؤية متكاملة بل كانت ظرفية وجزئية خلفت صعوبات تأويلية
مختلفة منها مثلا الغموض الذي يعتري فصول المجلة بين مفهومي الإيقاف التحفظي
وبطاقة الإيداع.
وقبل
الخوض في ذلك لا بد من إثارة ملاحظة أولية تتعلق بالايقاف التحفظي المنظم بالفصل
84 وما بعده م ا ج من جهة وببطاقة الإيداع من جهة أخرى. ففي حين كان واضحا بالنسبة
لقاضي التحقيق أن بطاقة الإيداع هي وسيلة لتنفيذ قرار الإيقاف التحفظي غاب هذا
الوضوح تماما بالنسبة لبقية الجهات التي منح لها المشرع سلطة إصدار بطاقة إيداع.
فبالرجوع
إلى مختلف فصول مجلة الإجراءات الجزائية يمكن ملاحظة أن السّلط القضائية المختصة
بإصدار بطاقات الإيداع[28]
هي ثلاثة يمكن تصنيفها إلى أصلية وثانوية واستثنائية.
فالسلطة
القضائية الأصلية المخول لها إصدار بطاقات الإيداع هو قاضي التحقيق بالنظر
إلى أنّ الإيقاف التحفظي وقع تنظيمه فقط في باب التحقيق، فالبطاقات القضائية وردت
في القسم الرّابع من الباب الثّاني من م إ ج المخصّص للتّحقيق وتحديدا في الفصل 80
وما بعده، وهي فصول تعطي الاختصاص الأصلي في إصدار هذه البطاقة باعتبارها وسيلة
استثنائية لقاضي التحقيق[29].
أما
السلطات القضائية المخوّل لها إصدار بطاقات الإيداع بصفة ثانوية فهي إما دائرة
الاتهام أو المحكمة.
فقد خوّل الفصل 117م إ ج لدائرة الاتهام
عند تعهدها بالملف كمحكمة تحقيق عليا أي إثر ختم البحث إصدار بطاقة إيداع
"دائما" ضدّ المظنون فيه، وهذا الاختصاص الثانوي لدائرة الاتهام مرتبط
بالحق الذي خوله لها المشرع في الفصل 116 م إ ج والمتمثل في إمكانية قيامها بالإذن
بإجراء تتبّع جديد أو بحث تكميلي وهو ما قد يتطلّب أحيانا إصدار بطاقة إيداع ضدّ
من سيوجه إليه الاتهام. والملفت للاهتمام هنا أن المشرع استخدم في الفصل 117
المذكور عبارة "دائما" وهي عبارة فضفاضة لا تتماشى ومقتضيات مبدأ
الشرعية في صياغة النصوص الجزائية، وعمليا فقد أدت هذه العبارة في الآونة الأخيرة
إلى الإفراط في إصدار بطاقات الإيداع من طرف دوائر الاتهام.
أما المحكمة
فيمكنها إصدار بطاقة إيداع في الصور الحصرية التالية:
1-
حالة
الفصل 88 م ا ج ونصه: "القرار القاضي بالإفراج المؤقت عن المظنون فيه لا يمنع
حاكم التحقيق أو المحكمة المنشورة لديها القضية من إصدار بطاقة إيداع جديدة ضده إن
دعت الحاجة إلى ذلك بسبب عدم حضوره بعد استدعائه كما يجب أو بسبب ظهور
ظروف جديدة وخطيرة".
وهي حالة
إعادة الإيداع بعد سبق الافراج وتعتبر هذه الحالة هي الأشد استثناء لأنه مقيد إما
بتخلف المتهم عن الحضور رغم استدعائه (حالة الفرار) أو عند ظهور معطيات جديدة
وخطيرة لم تكن موجودة أو معلومة عند إتخاذ قرار الإفراج.
2-
حالة
الفصل 142م ا ج وذلك في صورة فرار المتهم[30].
3-
حالة
الفصل 169 م ا ج: في صورة التخلي لمحكمة أخرى[31].
4-
حالة
الفصل 202 م ا ج التي تمكن قاضي الناحية في مادة المخالفات:" أن يبقي المظنون
فيه تحت طلبه بمقتضى بطاقة إيداع إن كان بحالة سكر أو عجز عن التعريف بنفسه أو كان لا مقر له معين أو كان يخشى
وقوع التشويش من سراحه.
ولا يمكن
بحال إبقاء المظنون فيه موقوفا أكثر من ثمانية أيام".
5-
أما
بالنسبة لمحكمة الاستئناف ينص الفصل 214 م ا ج على أنه: "يوقف تنفيذ الحكم
خلال أجل الاستئناف وأثناء نشر القضية الاستئنافية غير أن بطاقة الإيداع في السجن
تظل عاملة إلى انقضاء أمد العقاب المحكوم به ابتدائيا وفي صورة ما إذا كان
الاستئناف بطلب من ممثل النيابة العمومية إلى أن يصدر الحكم من محكمة
الاستئناف". وهذا النص يجب ربطه طبعا مع النصوص السابقة المتعلقة بالحالات
الاستثنائية التي يجوز فيها لمحكمة البداية إصدار بطاقة إيداع.
والسؤال
المطروح هنا في غير هاته الصور بناء على أي نص قانوني تصدر المحاكم بطاقات إيداع
ضد أشخاص ليسوا في حالة فرار أو أي من الحالات السالف بيانها؟ وبلغة أدق هل يحق
للمحكمة ان تصدر بطاقة إيداع في حق متهم حضر لديها تلقائيا دون وجود مستجدات خطيرة
في الملف؟ الجواب قانونا هو لا طالما لا يوجد نص يجيز ذلك، وبالتالي لا يمكنها
إصدار بطاقة إيداع. لكن الجواب واقع مخالف تماما، إذ بمقتضى جريان العمل (العرف
القضائي) يقع إصدار بطاقة إيداع دون تعليل أو تفصيل مع سكوت وعدم معارضة من قبل
الدفاع وكأن الأمر قانوني لا غبار عليه. حال أننا في مادة إجرائية تخضع لمبدأ
الشرعية المقرر بصريح الفصل 29 من الدستور، والمدعم بنص الفصل 84 من م ا ج الذي
يعطي للايقاف التحفظي طابعا إستثنائيا، وبالتالي لا مجال لعرف مخالف للقانون ولو
كان قضائيا.
وعلاوة
عما سبق منح المشرع أيضا لوكيل الجمهورية سلطة إستثنائية جدا لإصدار بطاقة إيداع
وذلك في صورة الإحالة توا حسب الفصل 206 م ا ج[32]. ومن الواضح أن هذه الحالة
مرتبطة بوجود تلبس بجناية أو جنحة، إذ أنّ الفصل 34م إ ج يمنح وكيل الجمهورية في
جميع صور الجنايات أو الجنح المتلبس بها مع ماله من سلطة تتبع جميع ما لحاكم
التحقيق من سلط، ومن المعلوم أنّ حالة التلبس تتضمن توجيه اتهام مباشر للمتلبس[33]..
لكن في
التطبيق وقع التوسع فيها بشكل مفرط أحيانا من خلال التوسع غير المبرر في مفهوم
التلبس الذي نظمه المشرع بنص صريح لا يقبل التوسع. وبالتالي فكل بطاقة إيداع
يصدرها وكيل الجمهورية في غياب حالة التلبس هي احتجاز خارج القانون، وكذلك تكون كل
بطاقة إيداع صادرة في حالة التلبس إذا لم تتم إحالة المتهم لأول جلسة تلي قرار
الإيداع ولو كانت في ذات اليوم.
و يتضح من
خلال حصر مبدأ إصدار بطاقات الإيداع بالسلط القضائية وفي حالات حصرية مضبوطة مدى
خطورة هذه البطاقات لأنها تنال من الحرية الذاتيّة للأشخاص وإن كانوا متهمين إلاّ
أنّهم لا زالوا في نظر القانون يتمتعون بقرينة البراءة ما لم يصدر حكم بات
بالإدانة.
لكن يجب
هنا طرح سؤال يبدو لي هاما وهو هل يوجد فرق بين الإيقاف التحفظي وبطاقة الإيداع؟
بمعنى هل تنطبق أحكام الإيقاف التحفظي المقررة على مستوى التحقيق على بقية السلط
القضائية سواء من حيث الشروط أو المدة؟
في
الحقيقة هذا السؤال يراودني منذ مدة طويلة وكنت دائما أتجنب الإجابة عليه في
دراساتي السابق خشية من أن تكون الإجابة سندا لمزيد التوسع في إصدار بطاقات
الإيداع دون التقيد بضوابط الإيقاف التحفظي.
فهل تتقيد
المحكمة بنفس مدة الإيقاف المقررة لدى التحقيق أم أن بطاقات الإيداع تخضع لمدد
أخرى؟
بالرجوع
إلى مختلف النصوص التي تنظم بطاقات الإيداع الصادرة عن غير قاضي التحقيق نجد ما
يلي:
1-
المشرع
نظم بطاقة الإيداع في باب التحقيق وتحديدا في الفصول 80-81-82-83 من م ا ج دون
أدنى إشارة إلى أن تلك الاحكام تنطبق على سائر المحاكم بل إن هناك من يريد حتى
الفصل بين هذه الاحكام وما وضعه المشرع لاحقا من تنظيم للايقاف التحفظي في ذات باب
التحقيق من خلال القول أنه يمكن لقاضي التحقيق إصدار عدة بطاقات إيداع في ذات
القضية وهذا قول لا يستحق الرد أصلا لما فيه من خرق صريح للفصل 85 م ا ج. أو القول
أنه يمكن لقاضي التحقيق أن يصدر بطاقة إيداع دون حاجة لكاتبه وهذا مستغرب والخوض
فيه ربما يبعدنا عن جوهر الموضوع المرتبط بالحرية والإجابة عنه واضحة وصريحة في
الفصل 53 م ا ج.
2-
في بعض الفصول لم يحدد المشرع مدة بطاقة
الإيداع بأجل محدد مسبقا بل جعلها مرتبطة بعمل قضائي معين وذلك في الحالات
التالية:
·
حالة الفصل 106 (نقح بمقتضى القانون عدد
114 لسنة 1993 المؤرخ في 22 نوفمبر 1993) الفقرتين
الأخيرة وقبل الأخيرة: "وإذا رأى أن الأفعال تشكل جنحة تستوجب عقابا
بالسجن فإنه يحيل المظنون فيه على قاضي الناحية أو المحكمة الجناحية بحسب الأحوال.
والقرار القاضي بالإحالة ينهي مفعول وسيلة
الإيقاف التحفظي أو قرار التدبير.
لكن لقاضي التحقيق بمقتضى قرار مستقل ومعلل
أن يبقي المظنون فيه تحت مفعول بطاقة الإيداع أو قرار التدبير إلى تاريخ مثوله
أمام المحكمة ما لم تر خلاف ذلك"
فهنا مدة بطاقة الإيداع مفتوحة إلى حين
صدور حكم ابتدائي في القضية[34].
·
الفصل 107 (نقح بمقتضى القانون عدد 114 لسنة 1993
المؤرخ في 22 نوفمبر 1993): "إذا رأى قاضي التحقيق أن الأفعال تشكل
جناية فإنه يقرر إحالة المظنون فيه على دائرة الاتهام مع بيان وقائع القضية وقائمة
في المحجوزات.
ويستمر مفعول بطاقة الإيداع أو قرار
التدبير إلى أن تبت دائرة الاتهام في القضية[35] ما لم ير قاضي التحقيق
خلاف ذلك".
ويفترض هنا أن
تنتهي مدة الإيقاف بمجرد صدور قرار الدائرة ومهما كان ذلك القرار ويكون عنده الشخص
في حالة إفراج قانوني مالم تصدر دائرة الاتهام بطاقة إيداع في حقه طبق الفصل 117 م
ا ج. ولكن في التطبيق يبقى الشخص موقوفا ولو سكتت دائرة الاتهام عن إصدار بطاقة
إيداع في حقه. وهنا يجب أن يكون قرارها صريحا ولا يمكن الاكتفاء بإحالة المتهم على
الحالة التي هو عليها واعتبار ذلك من قبيل الإذن بالايداع طالما أن النص يشير
صراحة إلى انتهاء حالة الإيداع قانونا بمجرد صدور قرار الدائرة. فالحالة التي
عليها المتهم هي حالة سراح قانوني.
·
الفصل 117 – "يجوز دائما لدائرة الاتهام أن
تصدر بطاقة إيداع ضد المظنون فيه كما يجوز لها أن تأذن بالإفراج عن المظنون فيه
الموقوف بعد سماع ممثل النيابة العمومية".
أثار هذا الفصل
جدلا عميقا عند تطبيقه، وهل أنه يمنح لدائرة الاتهام حقا مطلقا في الإيداع دون تعليل
ولا مدة. أم أنها مقيدة بما يجب على قاضي التحقيق.
ففيما يتعلق بالتعليل جاء في القرار التعقيبي
الجزائي عدد 576 بتاريخ 5 أفريل 2013[36]
أين تمسك الدفاع عند الطعن في قرار دائرة الاتهام برمته بأن بطاقات الايداع التي
أصدرتها الدائرة لم تكن معللة واقعا وقانونا فكان رد محكمة التعقيب كما
يلي:"وحيث أنه من الثابت أن لدائرة الاتهام مطلق الحرية في ذلك بشرط التعليل
المستساغ وبما له أصل ثابت في الملف حتى يتسنى لهذه المحكمة مراقبة استخلاص
النتائج التي انتهى إليها القرار باعتبارها محكمة قانون تسهر بالأساس على حسن تطبيقه
وتأويله عملا بأحكام الفصل 258 م ا ج. وحيث وبخصوص الدفع بعدم قانونية بطاقات
الإيداع الصادرة ضد المعقبين المذكورين وعدم تعليلها ومخالفة القرار المتعلق بها
أحكام الفصل 85 م.إ.ج وخلافا لما ورد بمستندات الطعن فقد إقتضى الفصل 117م.إ.ج.
أنه" يجوز دائما لدائرة الإتهام أن تصدر بطاقة إيداع ضد المظنون فيه..."
بدون معقب عليها إذ أن ذلك يرجع فيه
لتقدير الوقائع وظروف القضية وخطورتها ومصلحة سير العدالة وهي أمور أوكلها القانون
لإجتهادها المطلق باعتبارها دائرة إحالة ثانية وأنه وعملا بأحكام الفصل 258 م.إج.
فإن هذه المحكمة بوصفها محكمة قانون لا تنظر
في القرارات الوقتية التي لا تهم الأصل طالما كانت مطابقة للنص القانوني
ولم تمس بمصلحة المتهم الشرعية فضلا عن أن ما يترتب على ذلك من آثار قانونية من
مشمولات جهة التنفيذ وإتجه الإلتفات عن هذا الدفع"[37].
ومن الواضح هنا أن
محكمة التعقيب انطلقت من الفصل 258 م ا ج لتنتهي إلى رفض الدفع المتعلق بمناقشة
بطاقة الايداع وخلوها من التعليل مكتفية بإشارة عابرة للفصل 117 م ا ج (المثير
للجدل) ولسان حالها يقول بأن هذا الفصل لم يشترط وجوبية التعليل، وبالتالي فإن
دائرة الاتهام حرة ولا معقب عليها، والقانون منحها سلطة اجتهاد مطلقة!!، فالقرار مقدس ومحصن من الطعون ولا يجوز مناقشته، وهذا لعمري
تعليل خطير وتخل مرعب من محكمة القانون عن ممارسة دورها الرقابي.
أما بخصوص المدة،
تنص الفقرة قبل الأخيرة من الفصل 85 م ا ج على أنه: "ولا يمكن أن يترتب عن
قرار دائرة الاتهام بإحالة الملف إلى قاضي التحقيق لمواصلة بعض الأعمال التي
تقتضيها تهيئة القضية للفصل تجاوز المدّة القصوى للإيقاف التحفظي للمتهم الذي يتحتم
في هذه الحالة على قاضي التحقيق أو دائرة الاتهام حسب الأحوال الإذن بالإفراج عنه
مؤقتا دون أن يمنع ذلك من اتخاذ التدابير اللازمة بضمان حضوره".
إذا أكّد المشرّع
بهذا التنقيح أن قرار دائرة الاتهام بإجراء البحث لا يمكن أن يترتّب عنه تجاوز
المدّة القصوى للإيقاف التحفظي وأوجب على قاضي التحقيق أو دائرة الاتهام حسب
الأحوال الإذن بالإفراج مؤقتا عن المتهم بانقضاء هذه المدّة. ويفترض من باب أولى
أنه طالما ليس بإمكان جهات التحقيق بدرجتيه تجاوز المدة القصوى للإيقاف عندما
يتطلب الأمر مواصلة القيام ببعض الأعمال التي تقتضيها تهيئة القضية للفصل أن لا
يكون بإمكانهما تجاوز هذه المدة في الحالات التي لا تقتضي فيها القضية مزيدا من
الأبحاث فقد حان الوقت لأن يقع التعامل مع مدة الإيقاف على أنها مدة قصوى للتحقيق
بكل درجاته وللمحاكمة أيضا خاصة وأن نية المشرع في تنقيح 2008 سالف الذكر واضحة في
هذا الاتجاه إذ جاء في مداولات مجلس النواب عند النظر في مشروع القانون عدد 75
لسنة 2008 المؤرخ في 11 ديسمبر 2008 المتعلق بتدعيم ضمانات المتهم وتطوير وضعية
الموقوفين وتيسير شروط الإدماج أنه: "من أهمّ الآثار القانونية لهذا المبدأ
حماية الحرية الذاتية للمتهم واعتبار أن التدابير الاحترازية المخولة للضابطة
العدلية في إطار إجراءات الاحتفاظ وتلك المقررة أيضا لقاضي التحقيق في إطار
الإيقاف التحفظي تكتسي صبغة استثنائية تطبيقا لأحكام الفصول 13 مكرر و57 مكرر و84
من مجلة الإجراءات الجزائية... نحن في وزارة العدل وحقوق الإنسان أعددنا منظومة
ويمكن أن نعلن عنها وتتمثّل فيما يلي: الإدارة العامّة للسّجون والإصلاح تعلم
التّفقدية العامّة بوزارة العدل وحقوق الإنسان بكلّ إيقاف تحفّظي، وهذه الإدارة
كلّما وصل نصف الأجل المسموح به قانونا أي 6 أشهر بالنسبة للجنحة، بعد 3 أشهر،
لابدّ من أن تخطر التفقدية، والتّفقدية تبحث وتسأل لماذا لم يقع البتّ في القضية؟
وهذا الإخطار نسمّيه الإخطار الأصفر. وهناك الإخطار الأحمر إذا وصل إلى نهاية
الأجل، ويتمّ التّباحث مع قاضي التّحقيق حول الأسباب والتمعّن فيها حتى نقضي على
هذه الظاهرة تماما وحتى نستفيد أيضا من الإجراء الرئاسي الهامّ المتمثّل في إلحاق
الإدارة العامّة للسّجون والإصلاح بوزارة العدل ويتمّ التّنسيق بين المصالح
السّجنية والمصالح العدلية لما فيه الحفاظ على حقوق المواطن... الفصل 85 سيدي الوزير، الفقرة قبل الأخيرة
جاءت انطلاقا من تطبيق للفقرة الثالثة من الفصل 116 في الواقع الذي هو
"وللدائرة الحق أيضا عند الاقتضاء في الإذن بإجراء بحث تكميلي بواسطة أحد
مستشاريها أو بواسطة حاكم التحقيق" يعني إذا رأت الدّائرة شيئا من هذا القبيل
وأحالت الملف على السيد قاضي التحقيق، النّص هنا واضح، ولكن ماذا لو أنها قرّرت أن
تحيله على أحد مستشاريها وليس على السيد قاضي التّحقيق، كيف يكون الحال وانقضت
المدّة الواجبة للإيقاف التحفّظي للمتّهم؟ شكرا سيدي الرئيس... أجيبك بصفة عمليّة.
مهما كانت الإحالة، سواء إلى قاضي مقرّر بدائرة الاتّهام أو إلى قاضي التّحقيق،
فإنّه إذا وصلنا إلى الحدّ الأقصى، وجب الإفراج. أكون واضحا أي أنّه من حيث الأجل
نعتبر قاضي التّحقيق ودائرة الاتّهام معنيّان معا بنفس الأجل. لماذا هذا؟ لأنّ أحيانا
يعتبر قاضي التّحقيق أنّه عندما يحال إليه الملفّ من دائرة الاتهام يفتح الأجل من
جديد، فالأجل يتعلّق بالتّحقيق بدرجتيه، درجة قاضي التّحقيق ودرجة دائرة الاتّهام.
حتى أكون عمليّا أكثر، نفرض أنه لجريمة وصلنا إلى أجل 14 شهرا إلا يومين، وتمّ
تعهّد دائرة الاتّهام في اليوم السابق لهذا الأجل، فإنّ دائرة الاتّهام عليها إذا
تواصل نظرها أكثر من يوم أن تفرج."
(المداولات. السنة 51 عدد 7 بتاريخ 26/11/2008 الصفحة 302 وما بعدها وخاصة 309
و311)
وعلاوة عما سبق
فقد جاء في الرأي عدد 45 ـ 2008 للمجلس الدستوري
بخصوص مشروع القانون سالف الذكر أنه:" وحيث أن
تحديد آجال قصوى ومعقولة بالقانون للإيقاف التحفظي تشمل كامل المرحلة التحضيرية
للمحاكمة، يشكل آلية من الآليات الموصلة إلى ذلك الغرض فضلا عن أن ذلك من شأنه
أن يساعد على تحقيق قضاء ناجع،... من حق الموقوف بتهم جزائية في أن
يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه،...".
وبما أن النص
الغامض يفسر حسب إرادة المشرع فإنه لا مجال بعد تنقيح 2008 للقول بأن دائرة
الاتهام على الأقل لا تخضع لآجل الأربعة عشر شهرا كمدة قصوى للإيقاف، خاصة وأن
محكمة القانون غير مستقرة في هذا الاتجاه[38].
3-
حالة الفصل 142 (نقح بمقتضى القانون عدد 70 لسنة 1987
المؤرخ في 26 نوفمبر 1987) الفقرتين الأولى وقبل
الأخيرة: – إذا فر المتهم تفصيا من
التتبع المجرى ضده فللمحكمة أن تصدر في شأنه بطاقة جلب أو بطاقة إيداع وأن تأذن
زيادة على ذلك بوضع مكاسبه تحت الائتمان بناء على طلبات النيابة العمومية ويعلن عن
هذه الوسيلة بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية ويحرر فيها إعلان يعلق بمركز
الولاية التي بها محل إقامة المتهم...
وعلى المحكمة في صورة إحضار المتهم بمقتضى
بطاقة جلب أن تستنطقه حالا أو بواسطة أحد أعضائها وإن تعذر ذلك ففي أجل أقصاه
ثلاثة أيام من تاريخ إيداعه السجن وبانقضاء هذا الأجل يقدم مدير السجن وجوبا
المتهم إلى وكيل الجمهورية الذي يطلب من المحكمة اتخاذ قرار في شأنه وإن لم تفعل
يأذن بالإفراج عنه حالا...".
ومن الملاحظ هنا
أيضا أنه لا وجود لتحديد للمدة بالنسبة لبطاقة الإيداع التي يفترض قانونا أنه
سيتواصل مفعولها حسب الفصل 214 م ا ج لحين البت من طرف محكمة الاستئناف، وقد
يتراءى للمحكمة أن تطبق مقتضيات الفصل 173 م ا ج وتحكم بالنفاذ الوقتي.
أما بطاقة الجلب
فهي محددة قانونا بأجل أقصاه ثلاثة أيام لا غير وهو ذات الحكم المقرر بالفصل 79 م
ا ج[39].
الفصل 169 – إذا ظهر أن الجريمة من خصائص محكمة أخرى
تصدر المحكمة حكما بخروج القضية عن أنظارها وتنهي أوراقها إلى ممثل النيابة
العمومية.
ولها أن تصدر عند الاقتضاء بطاقة إيداع ضد
المظنون فيه أو تأذن بالإفراج عنه مؤقتا بضمان أو بدونه.
1-
الفصل 202 – للحاكم أن يبقي المظنون فيه تحت طلبه
بمقتضى بطاقة إيداع إن كان بحالة سكر أو عجز عن التعريف بنفسه أو كان لا مقر له
معين أو كان يخشى وقوع التشويش من سراحه.
ولا يمكن بحال إبقاء المظنون فيه موقوفا
أكثر من ثمانية أيام.
2-
الفصل 206 – تتعهد المحكمة الابتدائية :... ثالثا
: بمقتضى إحالة المظنون فيه توا على المحكمة من طرف وكيل الجمهورية بعد استنطاق
بسيط في صورة الجريمة المتلبس بها وإذا لم يكن في ذلك اليوم جلسة فلوكيل الجمهورية
أن يأذن بوضع المظنون فيه بمحل الإيقاف بمقتضى بطاقة إيداع ويلزمه في هذه الصورة
إحضاره بأقرب جلسة ممكنة.
وإذا كانت القضية غير مهيأة للحكم فالمحكمة
تؤخرها لزيادة التحري لأقرب جلسة مقبلة وتؤيد بطاقة الإيداع أو إن اقتضى الحال
تفرج عن المظنون فيه بضمان أو بدونه ويكون لها الحق أيضا في التخلي عن القضية
ولوكيل الجمهورية في هذه الصورة أن يجري ما يراه في شأنها".
فبطاقة الإيداع هنا محددة بتاريخ أقرب جلسة
ممكنة والتي يجب فيها على المحكمة أن تتخذ قرار إما بتأييد بطاقة الإيداع أو تأذن
بإنهاء مفعوله والافراج عن المتهم. ويفترض أن يعتبر سكوت المحكمة إفراجا قانونيا
لانتهاء المدة القصوى المقررة بالنص لكن جريان العمل خلاف ذلك إذ يعتبر سكوت
المحكمة تأييدا وهذا لا يستقيم قانونا.
3-
حالة الفصل 214 : "يوقف تنفيذ الحكم خلال أجل
الاستئناف وأثناء نشر القضية الاستئنافية غير أن بطاقة الإيداع في السجن تظل عاملة
إلى انقضاء أمد العقاب المحكوم به ابتدائيا وفي صورة ما إذا كان الاستئناف بطلب من
ممثّل النيابة العمومية إلى أن يصدر الحكم من محكمة الاستئناف"
ينظم هذا الفصل المفعول التعليقي للاستئناف
ويستثنى المشرع منه تعليق تنفيذ بطاقة الإيداع طيلة المدة المحكوم بها إبتدائيا
وهذا تعسف تشريعي غير مبرر فالمحكمة لو رأت موجبا لتواصل الإيقاف لكانت أصدرت حكما
بالنفاذ الوقتي طبق الفصل 173 م ا ج وهي إن لم تفعل فهذا دليل انتفاء الموجب
لتواصل الإيقاف. ويزداد التعسف التشريعي ببقاء مفعول بطاقة الإيداع نافذا لحين
صدور حكم استئنافي إذا كانت النيابة العمومية هي المستأنفة. مما يعني عمليا أن
الشخص سيبقى رهين إرادة النيابة علاوة على أن هذا الاجراء سيؤدي عمليا إلى استحالة
استفادة المحكوم عليه من مقتضيات الفصل 377 م ا ج[40] طالما أنه سيبقى موقوفا وسيتواصل تنفيذ
الحكم عليه.
4-
حالة الفصول 318-319-320 م ا ج:
الفصل 318 – إذا رأى كاتب الدولة للعدل من المتجه قبول
مطلب التسليم فإنه يحيل إلى الوكيل العام للجمهورية بطاقة الجلب أو نسخة القرار أو
الحكم مع أوصاف الشخص والوثائق التي وجهها إليه كاتب للشؤون الخارجية.
ويتخذ الوكيل العام للجمهورية حالا الوسائل
اللازمة لإيقاف المطلوب تسليمه.
الفصل 319 – يقدم الأجنبي حالا بعد إيقافه إلى وكيل
الجمهورية المنتصب بالمكان الذي تمّ فيه الإيقاف.
ويستنطق وكيل الجمهورية فورا الموقوف
للتثبتّ من هويته ويعلمه بالوثيقة التي بمقتضاها تم إيقافه، ثم يحرر محضرا في كل
ذلك.
الفصل 320 – ينقل الأجنبي في أقرب أجل إلى تونس
العاصمة ويودع بالسجن المدني.
ومن الواضح أن هذه الفصول تتعلق بحالة خاصة جدا تهم تسليم المجرمين
الأجانب وهي للآسف غير مقيدة بمدة محددة ولكن دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف
بتونس أصدرت قرارا يتيما ولكنه هام جدا ومبدئي في مادة تسليم المجرمين الاجانب
باعتباره قرار يتصدى لفراغ خطير في مجلة الاجراءات الجزائية يمكن أن يؤدي لبقاء
شخص موقوفا إلى آجل غير معلوم وتتجسد أهمية القرار في أنه مؤسس على الدور الدستوري
للقاضي كحام للحقوق والحريات وضامن لها وعلى فكرة الآجل المعقول[41]..
ومن خلال
جملة ما سبق يتبين ان المشرع ولئن نص في الفصل 84 م ا ج على أن الايقاف التحفظي هو
إجراء استثنائي مقيد بشروط إلا أنه هو نفسه لم يفعل هذا التكريس بصفة صريحة في
كافة فصول المجلة التي نظمت حالات إصدار بطاقة الإيداع. فالاستثناء يجب أن يكون
محددا صورة ومدة أي يجب التضييق فيه قدر الإمكان.
الفقرة الثانية: التضييق الصريح في حالات تقييد الحرية
إن سلب
الحرية يعتبر من أخطر الإجراءات السابقة على صدور الحكم القضائي البات، فهو يؤدي
إلى إيذاء الفرد ماديا ومعنويا، فيعرض سمعة المتهم للتشويه، كما يعرضه وعائلته
لمعاناة على جميع المستويات، (المالية والمهنية والاجتماعية). كما أنه يتنافى مع
قرينة البراءة التي ينبغي أن يستفيد منها المتهم طالما لم يصدر في حقه حكم قضائي
بات بالإدانة. فإيداع إنسان بالسجن قبل ثبوت الإدانة عمل خطير يقوى الشكوك ويضعف
قرينة البراءة ويسلب الإنسان أهم حقوقه وهو الحرية. لكن للآسف فإن بعض التشريعات
تعتبر أن الإيداع في السجن هو الحل الوحيد لمنع فرار المتهم أو لمنع قيامه بطمس
أدلة الجريمة وإعدامها لذلك ركزت اهتممها على ما يحقق عقاب الجاني دون الالتفات
إلى حقوقه كإنسان. وفي محاولة للموازنة بين الأمرين (أي الحرية وضمان عدم الإفلات
من العقاب) سعت التشريعات نحو حصر الحالات التي يجوز فيها سلب حرية متهم، وهو ما
نجده في التشريع التونسي إذ كرس المشرع (كما سبق بيانه) حالتين يجوز فيهما اعتقال
إنسان دون حكم نافذ، وهما: الاحتفاظ والإيقاف التحفظي.
وحسب المفوضية
السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين[42]
فإن "التعسفية" يجب تفسيرها على أنها لا تشمل فقط عدم الشرعية، بل أيضاً
عناصر عدم الملاءمة والعدالة وقابلية التوقع. ولكي لا يكون تعسفياً، يجب أن يكون
الاحتجاز في الحالة الفردية ضروريا ومنطقياً في جميع الظروف ومتناسباً مع هدف
شرعي. أما الاحتجاز لأجل غير مسمى فهو تعسفي، وبالتالي يجب وضع حد أقصى للاحتجاز
في القانون. كما أن عدم اللجوء إلى وسائل بديلة أقل قسرية أو تطفلية لتحقيق الهدف
يجعل أيضاً من الاحتجاز تعسفياً بالإضافة إلى ذلك فإن الفريق العامل يعتمد عند
تقييمه لما إذا كان وضع معين يُعتبر حرمانا تعسفياً من الحرية على معايير خاصة تقع
ضمن فئات خمس هي:
الفئة الأولى: إذا
كان واضحا أن من المستحيل التذرع بأي أساس قانوني لتبرير الحرمان من الحرية كأن
يبقى قيد الاحتجاز بعد انتهاء مدة العقوبة المحكوم عليه بها أو على الرغم من صدور
قانون عفو ينطبق عليه.
الفئة الثانية:
إذا كان الحرمان من الحرية ناجما عن ممارسة الحقوق أو الحريات التي تضمنها المواد
7 و13 و14 و18 و19 و20 و21 من الإعلان العالمي لحقوق ً الإنسان والمواد 12 و18 و19
و21 و22 و25 و26 و27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
الفئة الثالثة:
إذا كان عدم الاحترام التام أو الجزئي للقواعد الدولية المتصلة بالحق في محاكمة
عادلة، المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي الصكوك الدولية ذات
الصلة التي قبلتها الدول المعنية، من الخطورة بحيث يضفي على الحرمان من الحرية
طابعا تعسفياً.
الفئة الرابعة:
إذا تعرض طالبو اللجوء أو اللاجئون أو المهاجرون للاحتجاز الإداري لمدة طويلة دون
إمكانية المراجعة أو التظلم إداريا أو قضائياً.
الفئة الخامسة:
إذا شكل سلب الحرية انتهاكا للقانون الدولي بسبب التمييز على أساس المولد؛ أو
الأصل القومي أو الاثني أو الاجتماعي، أو اللغة، أو الدين، أو الوضع الاقتصادي، أو
الرأي السياسي أو غيره، أو نوع الجنس، أو الميل الجنسي، أو الإعاقة أو أي وضع آخر،
على نحو يهدف إلى تجاهل المساواة في حقوق الإنسان أو قد يؤدي إلى ذلك.
وتقر
الصكوك الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، والفقه القضائي لمحكمة العدل الدولية
والآليات الدولية لحقوق الإنسان، إقراراً واسعاً بحق كل شخص يُسلب حريته في إقامة
دعوى أمام محكمة لكي تفصل، من دون تأخير، في شرعية احتجازه، وحقه في الحصول على
سُبُل انتصاف مناسبة إذا قدَّم طعناً. وحق الطعن في شرعية الاحتجاز أمام محكمة حق
من حقوق الإنسان قائم بذاته، ويشكل غيابه انتهاكاً لحقوق الإنسان. وهو سبيل انتصاف قضائي يرمي إلى حماية
الحرية الشخصية أو السلامة البدنية من عمليات التوقيف والاحتجاز التعسفية. وسبيل
الانتصاف القضائي هذا ضروري لصون الشرعية في المجتمعات الديمقراطية. ويجب على كل
دولة أن تكفل ممارسة هذا الضمان الأساسي للحرية الشخصية ممارسة فعالة في جميع
حالات سلب الحرية، دون تأخير ودون استثناء، بما في ذلك الحق في الإفراج عقب نجاح
الطعن[43].
ومن المفترض أن
تراعي التشريعات الوطني هذه المعايير عند تنظيمها للاحتجاز[44] قبل صدور حكم قضائي بالإدانة والعقاب. فقرار إحتجاز شخص وإيداعه في مركز
احتفاظ أو في السجن أو في أي مكان احتجاز أخر هو قرار خطير لذلك فمن واجب المشرع أن يضع شروطا محددة ومقيدة لذلك
الاجراء تؤكد طابعه الاستثنائي. وهو ما فعله المشرع فعلا بالنسبة للإيقاف التحفظي
والاحتفاظ.
فبالنسبة للإيقاف
التحفظي وضع الشروط التالية:
•
أن يوجد
نص يجيز إصدار بطاقة ايداع[45].
•
سبق الاستنطاق
(الفصل 80 فقرة أولى).
•
أن تكون
الفعلة تستوجب عقابا
بالسجن أو بالإعدام
(الفصل 80 فقرة أولى م ا ج).
•
أخذ رأي
وكيل الجمهورية (الفصل 80 فقرة أولى م ا ج).
•
أن يقع
تعريف المتهم بالأفعال
المنسوبة إليه والنصوص
القانونية المنطبقة عليها
(حسب
الفصل 69م ا ج).
1-
توفر مبررات
واقعية وقانونية للإيقاف وللتمديد فيه، فقد أوجب الفصل 85
من م ا ج بعد تنقيحه في مارس 2008[46] أن " يكون
قرار الإيقاف التحفظي معللا يتضمن الأسانيد الواقعية والقانونية التي تبرره "
وكذلك بالنسبة للتمديد فيه. ففرض وجوبية تعليل قرار الإيقاف يندرج في
إطار تعزيز ضمانات و حقوق المتهم، إذ كان من المفترض أن يضمن هذا الإجراء: من جهة
أن لا يكون هناك مجال لأي قرارات إيقاف تحفظي ذات صبغة تعسفية أي دون وجود معطيات
و أسباب واضحة تبررها. ومن جهة أخرى ستؤكد وجوبية التعليل بصفة لا لبس فيها أن حجز
حرية أي شخص و لو كان محل اشتباه أو متهم هو إجراء استثنائي لا يجب الإفراط في
اعتماده بل يجب الاقتصار على الحالات التي يوجد ما يبررها واقعا و قانونا فقد كان
إتخاذ القرار الأولي في الإيقاف التحفظي يخضع للسلطة التقديرية الواسعة لقاضي
التحقيق، ويكفيه للإذن بإيقاف المتهم وإصدار بطاقة إيداع بشأنه أن يقوم باستنطاقه،
وتجنبا لأي تعسف من قبل قضاة التحقيق، وكي لا يقع إيقاف سوى من تتوافر في شأنهم
دلائل تفترض ارتكابهم للجريمة، أو الشروع في ارتكابها، كان لا بد من فرض وجوبية
التعليل حتى يبرز القرار وجه الضرورة في إيقاف إنسان لازال يتمتع بقرينة دستورية
على أنه بريء، و يضمن تعليل القرار أن لا يقع الإيقاف التحفظي لمجرد الاشتباه فقط،
بل لا بد من توفر قرائن وأدلة قوية، تشير إلى اتهام شخص ما بارتكاب جريمة معينة، و
خلاصة القول أن تقنية التعليل تبرز بوضوح الطابع الاستثنائي للإيقاف التحفظي. وهو
ما يعتبر تكريسا للشرعية الإجرائية وتدعيما لقرينة البراءة الأصلية التي يتمتع بها
كل إنسان وجد نفسه موضع اتهام.
وللآسف
الشديد فإن هذه الشروط الأولية وخاصة سبق الاستنطاق لا تحترم أحيانا إذ
يقوم قضاة تحقيق بإصدار بطاقات إيداع ضد أشخاص لم يقع استنطاقهم وإنما بمجرد
حضورهم لديهم وإعلامهم بالتهم المنسوبة إليهم والنصوص المنطبقة عليها. وهذا يحدث
غالبا في المحاكمات ذات الطابع السياسي أو الشعبوي وقد شهدنا عدة حالات منها بعد
الثورة.
·
كما أن
مبررات الإيقاف سرعان ما اتخذت شكل النموذج الجاهز مسبقا الذي يكتفي القضاة بإضافة
اسم المتهم ونوع التهمة اليه بما أفقد تنقيح 2008 كل جدوى. وقد سايرت محكمة
التعقيب هذا التوجه في قرارها عدد 366 بتاريخ 12/6/2013 (غير منشور) إذ اعتبرت أن
بطاقة الإيداع الصادرة عن دائرة الاتهام معللة بالنظر إلى أن الدائرة " عللت
رأيها بضمان سلامة إجراءات التتبع وضمانا لتنفيذ العقوبة وهذه المعطيات منصوص
عليها بأحكام الفصل 85 م ا ج وبالتالي فإن قرارها كان معللا وفق ما يقتضيه
القانون". ومن الواضح أن محكمة التعقيب بقرارها هذا جانبت الصواب، وخلطت بين
شروط الإيقاف وتعليل قرار الإيقاف، فالتعليل لا يمكن أن يكون بإعادة ذكر الشروط،
وإنما لا بد من ربط تلك الشروط بالمعطيات الواقعية والقانونية للقضية، كالقول
مثلا: "ونظرا لأن المتهم سبق له وأن تحصن بالفرار فإن ضمان تنفيذ العقوبة يستوجب
إيقافه" أو "بالنظر إلى سوابق المتهم وشخصيته الخطرة التي تنبئ بإمكانية
ارتكابه جرائم جديدة" أو "وحيث لازال المتهم يتمتع بنفوذ وله ارتباطات
من شأنها أن تؤثر على سلامة سير البحث خاصة وانه سبق له أن حاول الضغط على أحد
الشهود أو طمس أدلة"... فهذه نماذج لما يمكن اعتباره تعليلا واقعيا مستمدا من
معطيات الملف وشخصية المتهم، أما ما يعتمده قضاء التحقيق بدرجتيه فهو مجرد ذكر
للشروط الجوهرية للإيقاف. فالمشرّع حين اشترط بالنسبة للإيقاف التحفظي أن يتخذ
بموجب قرار معلّل يتضمن الأسانيد الواقعية والقانونية، فإن ذلك كان بغاية تأكيد
الصبغة الاستثنائية للإيقاف التحفظي. كما أن التعليل الكتابي للأسانيد الواقعية
والقانونية التي أنبنى عليها قرار الإيقاف التحفظي يخول للمحكمة الأعلى عند الطعن
في قرار الإيقاف إمكانية مراقبة مدى وجاهة هذا التعليل والتمعن في مبرراته توصلا
إلى اتخاذ الإجراءات الملائمة في شأنه بما في ذلك مراقبة مدى التقيد بحالات السراح
الوجوبي وذلك إنفاذا لقاعدة أن الحرية هي الأصل والإيقاف هو الاستثناء. وقد سبق
لمحكمة التعقيب ان أكدت أنه من المتوجب الاذن بإجراء الاختبارات الفنية والحسابية
اللازمة قبل إصدار البطاقات القضائية وذلك لضمان حسن سير المرفق القضائي وضمان
حرية الأفراد توصلا الى إقرار محاكمة عادلة وناجزة (قرار تعقيبي جزائي عدد 2354
مؤرخ في 23/5/2012 غير منشور).
فالتعليل
يسمح بضمان المصلحة الشرعية للمتهم إذ أن تنقيح مارس 2008 كان هدفه توفير الضمانات
لكلّ شخص فقد حريته بوضع ضوابط قانونية لعدم النيل منها ويؤكد الالتزام بالطابع
الاستثنائي للإيقاف التحفظي حماية لكرامة الإنسان والموازنة بين حماية حقوق المتهم
من جهة وبين إحقاق الحق وإقامة العدل من جهة أخرى ، فتعزيز منظومة حقوق الإنسان في
تونس الثورة إنما هو هدف أساسي من أهداف الثورة التي ترمي لضمان أكبر قدر من
العدالة. فمن المعروف أن تقنية تعليل الأحكام والقرارات القضائية هي من الضمانات
الأساسية فالتسبيب أو التعليل هو إيراد الحجج القانونية والواقعية التي ينبني
عليها الحكم أو القرار حتى يعتبر مستوفيا لشروطه الفنية و مستكملا لجوانبه
القانونية، و هو حسب الفصل 168 إجراء وجوبي في كل الأحكام أما القرارات فلا يكون
تعليلها وجوبيا إلا إذا نص القانون على ذلك صراحة كما هو حال بطاقة الإيداع. فمن
وظائف التعليل الإقناع بأن الحكم أو القرار صدر طبق القانون وهو ملائم للمسائل
التي فصل فيها من خلال إجابات واضحة و سليمة تعلن الحقيقة وتصون الحرية، فهو يعمل
على حماية حقوق الدفاع و يفرض على القاضي موقف الحياد فمتى التزم بتعليل حكمه أو
قراره فإنه سوف ينأ به عن أي مأخذ و من هنا كان التعليل دائما ضمانة للشفافية
والموضوعية و اليقين في الحكم أو القرار إذ أنه يبرز الهدف الأوحد للقضاء وهو كشف
الحقيقة والإعلان عنها. ولقائل أن يقول أنني أطلت وأسهبت وكررت عند التعرض إلى
وجوبية تعليل بطاقة الإيداع واقعا وقانونا وما ذلك إلا لما شهدته شخصيا من إهدار
لهذه الضمانة الجوهرية وما انجر عنها من خرق لمبدأ المساواة بين المتهمين، فغياب
التعليل يسمح بالارتجال والارتجال ضرب من الخطأ والخطأ يمكن أن يفسر أحيانا بكونه
محاباة.
وجاء في
شرح أسباب القانون عــدد21 لسنة 2008 المؤرخ في 04 مارس 2008 متعلق
بوجوب تعليل قرار
التمديد في الاحتفاظ
وقرار الإيقاف التحفظي ما يلي: "التنصيص صراحة
على ضرورة التعليل
الكتابي للأسانيد الواقعية
والقانونية التي أنبنى
عليها قرار الإيقاف
التحفظي وهو الأمر
الذي يخول لدائرة الاتهام
عند الطعن في
قرارات هذا الأخير
إمكانية مراقبة مدى
وجاهة هذا التعليل
والتمعن في مبرراته
توصلا إلى اتخاذ
الإجراءات الملائمة في
شأنه بما في
ذلك مراقبة مدى
التقيد بحالات السراح
الوجوبي وذلك إنفاذا
لقاعدة أن الحرية
هي القاعدة والإيقاف
هو الاستثناء. ويسمح
التعليل هكذا بضمان
المصلحة الشرعية للمظنون
فيه لكن دون
المساس بالنجاعة المطلوبة
من الإيقاف حفاظا
على النظام والأمن
العامين. ومن شأن
هذا التنقيح أن
يطور المنظومة الجزائية
في سبيل مزيد
توفير الضمانات لكلّ
شخص فقد حريته
بوضع ضوابط قانونية
لعدم النيل منها
ويؤكد الطابع الاستثنائي
للإيقاف التحفظي الذي
أقره الدستور".
ويرى الاستاذ محمد
الهادي الاخوة أن: "مراقبة هذه الأسانيد تكون بدون شك راجعة لمحكمة التعقيب
بعد رقابة أولى من طرف دائرة الاتهام وإن تخلت محكمة القانون عن هذه المراقبة
لأسباب غير مقنعة فقد تخلت عن أوكد واجباتها في مراقبة حماية الحريات بصفة عامة
وحق التنقل بصفة خاصة وكانت في تناقض مع ما تم إقراره على الصعيد الدولي بمقتضى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المصادق
عليه من طرف البلاد التونسية والذي منع في فصله التاسع كل الإيقافات التعسفية وهو
ما أكدته الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان لسنة 1966 التي جاءت في نفس الإطار لحفظ
الحريات العامة وإقرار حق المتهم في محاكمة عادلة"[47].
ولا بد
أن نأخذ بعين
الاعتبار أحكام الفصلين 29 و49 من
دستور2014 اللذان ينصان على ما يلي:
·
الفصل 29: "لا
يمكن إيقاف شخص
أو الاحتفاظ به
إلا في حالة
التلبس أو بقرار
قضائي، ويعلم فورا
بحقوقه وبالتهمة المنسوبة
إليه، وله أن
ينيب محاميا. وتحدد
مدة الإيقاف والاحتفاظ
بقانون".
·
الفصل 49: "يحدّد
القانون الضوابط المتعلقة
بالحقوق والحريات المضمونة
بهذا الدستور وممارستها
بما لا ينال
من جوهرها. ولا
توضع هذه الضوابط
إلا لضرورة تقتضيها
دولة مدنية ديمقراطية
وبهدف حماية حقوق
الغير، أو لمقتضيات
الأمن العام، أو
الدفاع الوطني، أو
الصحة العامة، أو
الآداب العامة، وذلك
مع احترام التناسب
بين هذه الضوابط
وموجباتها. وتتكفل الهيئات
القضائية[48] بحماية
الحقوق والحريات من
أي انتهاك".
فهذين
الفصلين يجب ربطهما بمقتضيات الفقرة
الثانية من الفصل 80 م ا
ج التي تنص على أنه:" ويكون البت
في كل نزاع
يتعلق بموضوع البطاقة
أو بمدى مساسها
بالحرية الفردية من
اختصاص القضاء العدلي
وحده".
فانطلاقا من
المهمة الدستورية الجسيمة المحمولة على كاهل القضاء بموجب دستور 2014 من كونه الحامي للحقوق والحريات سواء في نهاية
الفصل 49 المتعلق بضوابط ممارسة الحقوق والحريات، أو في الفصل 102 بالتوازي مع
اعتبار القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة
القانون. يفترض بالسادة القضاة أن يعطوا
لحرية الأشخاص مكانتها الحقيقية كأصل طبيعي كرستها الديانات السماوية وفرضته
المواثيق الدستورية والمبادئ الدستورية.
أما بالنسبة لشروط
وحالات اللجوء إلى الاحتفاظ فإنها لم تكن منظمة كما ذكرنا سابقا لكن منذ سنة 1987
نظمها المشرع وضبطها لكن بعبارات أكثر عمومية ومرونة مما جاء بالنسبة للايقاف
التحفظي.
ففي حين كان الفصل 13 مكرر قديم يحصر حالات
الاحتفاظ بقيدين، يتعلق الأول بالجرائم التي يجوز فيها الاحتفاظ، فيما يتعلق
الثاني بضابط اللجوء للاحتفاظ.
ففيما يتعلق بالجرائم التي يجوز فيها
الاحتفاظ، كانت
محصورة في الجنايات والجنح فقط، بينما توسع القانون الجديد ليشمل حتى إمكانية
الاحتفاظ في المخالفات المتلبس بها، وهو أمر يشكل تراجعا غير مبرر، وخطير.
فهو غير مبرر لأنه سمح بالاحتفاظ في
المخالفات المتلبس بها مطلقا، دون تمييز بين المخالفات التي تستوجب عقوبة سجنية
وتلك التي لا تستوجب إلا عقوبة مالية فقط. حال أن المشرع يشترط بالنسبة للايقاف
التحفظي أن تكون الجريمة معاقب عليها بالسجن على الأقل.
وكان من المفترض ألا تدرج المخالفات ضمن
حالات الاحتفاظ ولو أقتصر الأمر على تلك المتلبس بها، نظرا لعدم خطورتها على الأمن
العام. كما كان من المفترض واحتراما لقاعدتي الضرورة والتناسب المكرستين بالفصل 49
من الدستور أن يقع استثناء الجنح التي لا تستوجب عقوبة بدنية، فالاحتفاظ اجراء
احتياطي ذو طابع بدني فيه مساس بالحرية الذاتية ولا يمكن ان يعتمد إلا في الجرائم
التي تستوجب عقوبة سجنية، ويمكن القول أن الصيغة الحالية للفصل 13 مكرر تتعارض مع
مقتضيات الفصل 15 من المجلة الجزائية[49]
والفصل 49 من الدستور، فإذا كان من غير الممكن أن تقضي المحكمة بعقوبة السجن، فكيف
يمكن الاحتفاظ؟، وكيف ستحتسب مدة الاحتفاظ هذه؟ وتحت أي باب ستصنف؟ وأليست عقوبة
بأكثر مما يقتضيه النص؟ وبالتالي فهي خرق لمبدأ الشرعية.
أما فيما يتعلق بضابط اللجوء إلى الاحتفاظ،
فمن الثابت أن اتخاذ قرار الاحتفاظ ليس إجراءا آليّا واجبا في كلّ الحالات، بل هو
مقيد حسب الفصل 13 مكرّر بضابط "ضرورة البحث". وهو معيار فضفاض، عام، غير مرتبط بالضرورة
بالشخص المراد الاحتفاظ به، ولا يتناسب وخطورة هذا الإجراء الاستثنائي، ممّا يمكن
معه أن يفتح الباب على مصراعيه لاتخاذ قرار الاحتفاظ بتعلّة "ضرورة
البحث". ويبدو أنه كان من الواجب أن يقع التنظير بين الاحتفاظ والإيقاف
التحفّظي من خلال اعتماد نفس المعايير الواردة بالفصل 85 م.إ.ج كاشتراط حالة التلبّس
أو وجود قرائن قوية تستلزم الاحتفاظ باعتباره وسيلة أمن يتلافى بها اقتراف جرائم
جديدة، أو لتجنب عرقلة الأبحاث، خاصّة وأنّ الفصل 29 من الدستور ساوى بين الاحتفاظ
والايقاف التحفظي من حيث المبدأ.
وأمام هذا التردد
التشريعي بين تكريس الطابع الاستثنائي لاحتجاز الحرية وتنظيم ذلك بقواعد واضحة
ومضبوطة لا لبس فيها، سعت محكمة التعقيب في فقه قضاء غير مستقر لها إلى اعادة
الأمور إلى نصابها سواء قبل صدور دستور 2014 أو بعده إذ أن محكمة التعقيب أعتبرت في
بعض قرارتها بصفة لا لبس فيها أن حرية الأشخاص قاعدة كونية أساسية تهم النظام
العام ولا يجوز المساس بها إلا بصفة استثنائية، والاستثناء لا يجوز التوسع فيه،
وكأن لسان حالها يقول إن ما أبيخ لضرورة يقدر بقدرها، أي أن الشيء الذي يجوز بناؤه
على الضرورة يجوز إجراؤه بالقدر الكافي؛ لإزالة تلك الضرورة فقط، ولا يجوز
استباحته أكثر مما تزول به تلك الضرورة. من ذلك القرار تعقيبي جزائي عدد 77913
بتاريخ 14/09/2018[50]
الذي أكدت فيه على مايلي: "حيث أن الحرية هي الأصل وتقييدها وسلبها إنما هو
استثناء مقيد بضوابط قانونية كرسها المشرع صلب الفصل 29 من الدستور وصلب أحكام
فصول الإجراءات الجزائية التي حتمت الإفراج الوجوبي عند تجاوز مدة الإيقاف التحفظي
دون أن يمنع ذلك من اتخاذ التدابير اللازمة لضمان حضور المتهم. وحيث طالما كان
تقييد الحرية استثناء فإنه لا يجوز التوسع فيه وإيجاد مبررات لتطبيقه رغم فوات
الآجال القانونية كما ذهبت إلى ذلك محكمة القرار المنتقد والتي تتناقض مع مبادئ
الحرية ومع أحكام الإجراءات الأساسية وتضرب في الصميم مصلحة المتهم الشرعية".
واعتمدت نفس
الموقف في القرار التعقيبي الجزائي عــدد2019.86454ــدد الصادر بتاريخ 11/06/2019
(غير منشور) حين قررت أن: "حيث يؤخذ من الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية
أن المدة القصوى للإيقاف التحفظي هي 14 شهرا وأنه بانتهاء هذه المدة يصبح المتهم
بحالة سراح وجوبي ولا يجوز أن يستمر بعد انتهاء هذه المدة بحالة إيقاف ذلك أن هذا
الإجراء لا سند قانوني له ولا يخوله القانون بأي وجه من الوجوه طالما أن القضية لا
تزال في مرحلة البحث مثل قضية الحال وأن بطاقة الإيداع الصادرة ضد المتهم انتهى مفعولها بانقضاء المدة المذكورة وتصبح
لاغية ولا يمكن لها أن تنشأ أي أثر وبالتالي فإن بقاء المتهم بالسجن رغم تجاوز مدة
الإيقاف التحفظي فيه مخالفة لفصل 85 المذكور ومخالفة لقاعدة من أوكد القواعد
الكونية الأساسية وهي الحرية ولذلك فإن بطاقة الإيداع المذكورة لم تعد تصلح كسند
لإبقاء المتهم بحالة إيقاف لوجوده في حالة من حالات السراح الوجوبي وتعين لذلك
النقض في هذا الخصوص".
فمحكمة التعقيب
كررت التأكيد على أن الحرية هي الأصل وذلك باعتبارها قاعدة كونية من جهة وتفعيلا
لمقتضيات الفصل 29 من الدستور من جهة أخرى وهو ما يجعلها فعلا حامية للحقوق
والحريات لو استقر رأيها على تكريس هذا التوجه ولكنها للآسف بقيت مترددة متضاربة
بين فقه دوائرها التي حان الوقت لتجميعها توحيدا للمواقف.
كما كرس قرار
الدوائر المجتمعة عدد 80956 بتاريخ 11/04/2019[51]
بصفة لا لبس فيها الدور الدستوري الممنوح للقضاء إذ اعتبرت أنه: "وحيث طالما
قضت المحكمة ببطلان قرار دائرة الإتهام وما أنبنى عليه من أعمال بما في ذلك
البطاقات القضائية، فعليها الإذن بالإفراج على المتهمين الموقوفين من سجن إيقافهم
تطبيقا لأحكام الفصل 92 من م إج الذي خول الإفراج " في كل طور من أطوار
القضية من المحكمة المتعهدة بها. وحيث جاءت عبارة "المحكمة المتعهدة"
مطلقة وعليه تأخذ على إطلاقها بما يجيز طلب الإفراج حتى أمام محكمة التعقيب عندما
تكون متعهدة بالملف، وفي ذلك تطبيق سليم لا للقانون فقط، بل للدستور الذي أوكل
بالفصل 102 منه للسلطة القضائية ضمان علويته، ولإقامة العدل، وسيادة القانون ،
وحماية الحقوق والحريات".
وبالنسبة للاحتفاظ
جاء في الحكم
عدد18613/17 الصادر بتاريخ 2017-10-25 عن الدائرة
الجناحية 2 بالمحكمة الابتدائية بصفاقس: "حيث ان العمل القضائي له أصول
وثوابت عريقة أساسها لإقامة العدل بين الناس تطبيقا للقانون واستنادا إلى الحجة
والدليل في إطار حقوق المتقاضين سواء أكانو متضررين أو متهمين وهي ثوابت لا يمكن
الحياد عنها تحت أي ضغط أو ظرف ولا يكون القضاء قضاء إذا لم يتمعن في حجج الخصوم
ويدرسها ويستخلص النتائج التي يرتبها القانون عنها فيرد ما يرده القانون ويقبل ما
يحيطه القانون بحجية مقنعة استنادا إليه وإلى منطق الواقع.
وحيث أن قواعد الإجراءات الجزائية هي وضع مجموعة من الضوابط تقيد السلطة العامة في
ممارسة دورها في التصدي للظاهرة الإجرامية لكي لا تفتح الأبواب على مصراعيها أمام
التعسف وانتهاك حريات الأفراد والدوس على حقوقهم الأساسية .وحيث ذهبت محكمة التعقيب بقرارها عدد 3784 المؤرخ
في 11 مارس 1980 إلى القول أن:"أن الغاية من تشريع القواعد الإجرائية إنما
قصد به أولاً وقبل كل شيء تأمين السبل الكفيلة بإعلاء الحق وتمكين صاحبه، منه أما
إذا تعارضت القاعدة الإجرائية مع ذلك الحق وأصبحت في بعض الصور حائلاً دون تأمينه
بل وسبباً في هدره وضياعه فإنه يصبح من أوكد واجبات القضاء وهو الحارس الأمين على
حقوق المتقاضين ألا تصده الإجراءات الشكلية عن تغليب المبدأ القاضي بأن « الحق
يعلو ولا يعلى عليه وأن ما بعد الحق إلا الضلال".. وحيث أنه وأمام هذه الغايات يحتم على
القاضي إقامة توازن بين مصلحة المجموعة في زجر الجرائم وبين حق الفرد في الحرية
فينتهي إلى تغليب كفة الضمانات الإجرائية في صورة ما إذا شابها خرق صارخ وجوهري. وحيث أوردت أحكام الفصل
13 مكرر جديد م.إ.ج. (تنقيح عدد 5/2016) جملة من الاجراءات والشكليات الأساسية عند
تحرير محاضر الابحاث والاحتفاظ بذي الشبهة أهمها ضرورة أن يحتوي المحضر الذي يحرره
مأمور الضابطة العدلية هوية المحتفظ به وصفته ومهنته حسب بطاقة تعريفه أو وثيقة
رسمية أخرى وفي صورة التعذر حسب تصريحه. وحيث يتبين أن محضر طلب
الإذن بالاحتفاظ ومحضر نهايته تضمنا هوية مخالفة تماما لهوية المتهم وهو ما يشكل
معه خرقا صارخا وجوهريا للموجبات الشكلية كيفما اقتضاها الفصل 13 مكرر المذكور. وحيث اقتضى الفصل 13 مكرر م.إ.ج.
:"أنه تبطل كل الأعمال المخالفة للاجراءات المشار إليها بهذا الفصل". وحيث تبعا لما سبق بسطه أتجه القضاء ببطلان
إجراءات التتبع وترك السبيل".
فالاحتفاظ
ينظمه الفصول 13 مكرر حتى 13 سابعا من مجلة الإجراءات الجزائية وهو من اختصاص بعض
مأموري الضابطة العدلية (الشرطة والحرس وأعوان الديوانة) ويقضى بالأماكن التابعة
لمراكز البحث ومدته محددة بالساعات[52] وبشرط تعليل الإذن وقرار
التمديد إن حصل[53].
أما الإيقاف التحفظي فإنه من اختصاص السلطة القضائية ويقضى بالسجن بمقتضى بطاقة
إيداع ومدته القصوى قد تصل 9 أشهر في الجنحة و14 شهرا في الجناية[54].
ولقد سعى
المشرع إلى التضييق من مجال اعتماد الاحتجاز بصورتيه وذلك على النحو التالي:
أ – ضبط أحكام الإيقاف التحفظي
ضبط
المشرع الإيقاف التحفظي بموجب شرط عام، ألا وهو وجود نص يمنح لجهة ما سلطة الإيقاف
تحفظيا، وفق شروط محددة.
فبالرجوع
إلى الاحكام الخاصة بالإيقاف التحفظي نجد شروط خاصة تنظم هذا القرار وهي التي سيلي
بيانها في الفقرة الموالية، كما نجد تحديدا للحالات التي يجوز فيها الإيقاف وهي:
الحالة
الأولى: أن تكون الجريمة المرتكبة من نوع الجناية أو الجنحة المتلبّس بها
وهنا يكفي توفر شرط حالة التلبس. التي نظمها المشرع في الفصلين 34 و35 م ا
ج.
الحالة
الثانية: توفر قرائن قوية وهذا الشرط يجب أن يقترن بتوفر أحد المعطيات
التالية وهي أن يكون الإيقاف هو:
ـ وسيلة أمن يتلافى بها اقتراف جرائم جديدة.
ـ أو ضمانا لتنفيذ العقوبة.
ـ أو طريقة توفر سلامة سير البحث.
لعل الأمر
الملفت للانتباه عموما هو أن المشرع جعل من الايقاف التحفظي ضمانا لتنفيذ العقوبة،
فما هو المقصود من هذا؟ هل يعقل أن يبدأ القاضي بالتفكير في العقوبة وهو لم يثبت
لديه بعد أن من تحوم حوله الشبهات هو من ارتكب الجريمة فعلا؟ يبدو أن هذا المعطى
في غير طريقه وهو يتضمن الانتقال فورا من مرحلة الاشتباه الى مرحلة الادانة.
وقد بينت
محكمة التعقيب في قرارها الجزائي عدد 90917 بتاريخ 25/04/2012 أنه لا مجال لتأسيس
قرار الإيقاف على أي معطى لم يرد في النص:"وحيث تمسك لسان الدفاع بخرق أحكام
الفصلين 84 و85 م ا ج قولا بأن القرار المنتقد أورد كلمة خطيرة لتبرير رفض مطلب
الافراج وبالتالي اعتمد على خطورة الافعال المرتكبة من المتهم... وحيث اقتضت احكام
الفصل 84 ان الإيقاف التحفظي وسيلة استثنائية يجب عند اتخاذها مراعاة القواعد
التالية. وحيث كان على دائرة القرار المنتقد التقيد بالنص".
وفي
قرارها التعقيبي الجزائي عدد 2354 مؤرخ في 23/5/2012 (غير منشور) اعتبرت المحكمة
أن "التعلل بأن الأفراج سوف يعد خطرا على الأمن الاقتصادي فهذا المصطلح يعد
فضفاضا ولا يستند الى معطيات واقعية وعلمية صحيحة".
فهل يجب
تطبيق تلك الحالات على بقية المحاكم؟ مبدئيا سيكون الجواب بالنفي لأن حالات إصدار
بطاقات إيداع من طرف المحكمة هي حالات مقيدة بطبيعتها بشرط خاص كما سبق بيانه
وتتأرجح بين حالتي التلبس وضمان حضور المتهم وبالتالي لا يمكن للمحكمة أن تتوسع
لتعتمد بقية حالة الفصل 85 م ا ج الخاصة بقاضي التحقيق.
لكن
القرار لا يمكن
أخذه إلا في حدود الشروط التي حددها الفصل 85 م. ا. ج. وهو قرار مرتهن بشرط
التعليل مما يجعله خاضعا لرقابة محكمة القانون لبيان مدى احترامه لقواعد الإجراءات
الأساسية والنصوص القانونية المنظمة للإيقاف. فالجدل العقيم الذي يخوض فيه البعض
حول إمكانية الطعن بالتعقيب في قرار الإيقاف التحفظي من عدمه، حسمته محكمة التعقيب
منذ ستينيات القرن الماضي بقرار الدوائر المجتمعة عدد 5088 الصادر
في 3 ديسمبر 1966 والذي جاء فيه: (إن القرارات الصادرة من قلم
التحقيق أو دائرة الاتهام في مطالب الإفراج عن الموقوفين هي قرارات قضائية
خاضعة لقواعد قانونية {الفصل 58 وما بعده من قانون المرافعات الجنائية الذي عوضته
سنة 1969 مجلة الإجراءات الجزائية} يجب احترامها لصحة القرار.
وتأسيسا على ذلك فان القرارات الصادرة في هذا الشأن عن دائرة الاتهام قابلة للطعن
بطريق التعقيب فتنظر محكمة التعقيب فيها لمراقبة صحّة تطبيق تلك القواعد القانونية
وصحة تطبيق النصّ القانوني على الجريمة المنسوبة للمتهم. أما اتجاه مطلب
الإفراج من عدمه فلا شأن لها فيه إذ أن ذلك يرجع فيه لتقدير الوقائع وظروف القضية
وخطورتها ومصلحة سير العدالة وهي أمور أوكلها القانون لاجتهاد قاضي الموضوع وحسن
تبصّره.) كما أكّد ذلك قرار تعقيبي لاحق (التعقيب الجزائي عدد 6912 المؤرخ في 04
جوان 1969: (إن الطعن بالتعقيب في قرار دائرة الاتهام المتعلقة
بالإيقاف والإفراج المؤقت لا يقبل إلا إذا كان الطعن مؤسسا على خرق النصوص
القانونية التي طبقت قواعد الإيقاف والإفراج المؤقت حسبما ذهب إليه
اجتهاد محكمة التعقيب بقرارها الصادر عن دوائرها المجتمعة في 03 ديسمبر 1966 تحت
عدد 5088. ولا جدال في وجاهة الإيقاف من عدمه لأنه جدال موضوعي لا شأن لمحكمة
التعقيب به[55]".
ولكن كثيرة هي القرارات التي تسير في اتجاه رفض الطعن بالتعقيب الموجه ضد قرارات
دائرة الاتهام المتعلقة بإصدار بطاقة إيداع أو رفض مطلب الافراج. وسنكتفي هنا
بمثال واحد وهو ما جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 576 بتاريخ 5 أفريل 2013[56]
أين تمسك الدفاع عند الطعن في قرار دائرة الاتهام برمته بأن بطاقات الايداع التي
أصدرتها الدائرة لم تكن معللة واقعا وقانونا فكان رد محكمة التعقيب كما
يلي:"وحيث أنه من الثابت أن لدائرة الاتهام مطلق الحرية في ذلك بشرط التعليل
المستساغ وبما له أصل ثابت في الملف حتى يتسنى لهذه المحكمة مراقبة استخلاص
النتائج التي انتهى إليها القرار باعتبارها محكمة قانون تسهر بالأساس على حسن
تطبيقه وتأويله عملا بأحكام الفصل 258 م ا ج. وحيث وبخصوص الدفع بعدم قانونية
بطاقات الإيداع الصادرة ضد المعقبين المذكورين وعدم تعليلها ومخالفة القرار
المتعلق بها أحكام الفصل 85 م.إ.ج وخلافا لما ورد بمستندات الطعن فقد إقتضى الفصل
117م.إ.ج. أنه" يجوز دائما لدائرة الإتهام أن تصدر بطاقة إيداع ضد المظنون
فيه..." بدون معقب عليها إذ أن ذلك
يرجع فيه لتقدير الوقائع وظروف القضية وخطورتها ومصلحة سير العدالة وهي أمور
أوكلها القانون لإجتهادها المطلق باعتبارها دائرة إحالة ثانية وأنه وعملا بأحكام
الفصل 258 م.إج. فإن هذه المحكمة بوصفها محكمة قانون لا تنظر في القرارات الوقتية التي لا تهم الأصل طالما
كانت مطابقة للنص القانوني ولم تمس بمصلحة المتهم الشرعية فضلا عن أن ما يترتب على
ذلك من آثار قانونية من مشمولات جهة التنفيذ وإتجه الإلتفات عن هذا الدفع"[57].
ومن الواضح هنا أن
محكمة التعقيب انطلقت من الفصل 258 م ا ج لتنتهي إلى رفض الدفع المتعلق بمناقشة
بطاقة الايداع وخلوها من التعليل مكتفية بإشارة عابرة للفصل 117 م ا ج (المثير
للجدل) ولسان حالها يقول بأن هذا الفصل لم يشترط وجوبية التعليل، وبالتالي فإن
دائرة الاتهام حرة ولا معقب عليها، والقانون منحها سلطة اجتهاد مطلقة!!، فالقرار مقدس ومحصن من الطعون ولا يجوز مناقشته، وهذا لعمري
تعليل خطير وتخل مرعب من محكمة القانون عن ممارسة دورها الرقابي، وهو تخل زادت
عللته بكون الأمر يتعلق بقرار "وقتي لا يهم الأصل" وهي الجملة التي
ستتكرر في جميع القرارات التي رفضت الطعن المباشر بقرارات الايداع ورفض الافراج.
بل ويمكن القول اليوم أن هذا التوجه هو الغالب في فقه قضاء محكمة التعقيب من ذلك
القرار تعقيبي جزائي عدد 28993 مؤرخ في 03/01/1989[58]
والقرار عدد 33670 بتاريخ 10/07/2015[59]:والقرار
عدد 37344 مؤرخ في 18/12/2015[60]
والقرار عدد 46818 بتاريخ 01/07/2016[61]
والقرار عدد 58441 بتاريخ 16/06/2017[62]
والقرار عدد 58441 بتاريخ 16/04/2017[63]
وغيرها من القرارات التي يتبين من جملتها أن محكمة التعقيب تأسست موقفها على
اعتماد عبارات الفصل 258 م ا ج "نهائيا، الأصل، والمحكوم عليه" وبالتالي
فلا يمكن تعقيب القرارات الوقتية غير النهائية ومنها ما تعلق بالإيقاف التحفظي
فعبارة "الأصل" لا تنطبق سوى على قراري الادانة أو الحفظ، إلى جانب أن
المظنون فيه في مرحلة التحقيق لا يعتبر محكوما عليه.وعلى أن المشرع سكت في الفصل
258 م ا ج وما يليه عن تعقيب القرارات المتعلقة بالتدابير. وأن قرار الايقاف
التحفظي يتعلق بضمان سير البحث وينزل منزلة الاعمال الاستقرائية.
ب- ضبط شروط الاحتفاظ:
الاحتفاظ هو إجراء استثنائي[64]،
يمكن بمقتضاه لمأموري الضابطة العدلية من محافظي الشرطة وضباطها ورؤساء مراكزها
وضباط الحرس وضباط صفه ورؤساء مراكزه وأعوان الضابطة العدلية من الديوانة في
الحالات التي تقتضيها ضرورة البحث احتجاز ذي الشبهة لعدد من الساعات تحت أشراف
ورقابة وكيل الجمهورية وبموجب إذن كتابي مسبق منه، للتثبت من شبهة
اقترافه لجريمة ما[65].
ورغم خطورة الاحتفاظ، لما يشكّله من
اعتداءً على الحريّة الذاتيّةّ فإنّه بقي دون إطار قانوني ينظّمه إلى موفى سنة
1987، إين
أين صدر قانون 26
نوفمبر 1987 الذي أضاف الفصل 13 مكرّر لمجلة الإجراءات الجزائية وحدد مدة الاحتفاظ
القصوى (10 أيام الجنايات و6 أيام الجنح).
ثم جاءت سلسلة تنقيحات أدخلت على مجلة
الإجراءات الجزائية على التوالي سنة 1987 وسنة 1999 وسنة 2007 و2008 ثم تنقيحين دستوريين. وأخيرا
التنقيح الأهم بموجب القانون عدد 5 لسنة 2016 المؤرخ في 16 فيفري 2016[66]
الذي دخل حيز النفاذ بدفياية من غرة جوان 2016،.
- فالقانون عدد 90 لسنة 1999 المؤرخ في 2 أوت
1999[67]،
وقع بموجبه الحط من مدة الاحتفاظ وتحديده بثلاثة أيام مع إمكانية التمديد فيه مرة
واحدة بنفس المدة، كما عزز القانون الضمانات المحيطة بالاحتفاظ، وتحديد التنصيصات
التي يجب أن تتضمنها سجلات الإيقاف في ضوء تلك الضمانات.
- ووقع الارتقاء بالضمانات القضائية للاحتفاظ
إلى مستوى دستور 1959 لأول مرة سنة 2002، (الفقرة الأولى من الفصل 12)[68].
- ولضمان الحق في محاكمة عادلة منذ المراحل الأولى
للبحث تم إصدار القانون عدد 17 لسنة 2007 مؤرخ في 22 مارس 2007 يتعلق بإتمام بعض
أحكام مجلة الإجراءات الجزائية[69].
الذي جعل نيابة المحامي اختيارية لدى الباحث المناب... ويعتبر هذا أول
قانون خول للمحامي الدخول إلى مراكز الاحتفاظ وان كان بصفة جزئية ومحددة.
- ثم
صدر قانون 4 مارس 2008 المتعلق بضرورة التعليل الواقعي والقانوني لقرار التمديد في فترة الاحتفاظ[70].
- وفي سنة 2011 صدر المرسوم عدد 79 لسنة
2011 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة[71]
ونص في فصله الثاني لأول مرة على حق الدفاع أمام الضابطة العدلية، فقد جاء فيه
مايلي: " يختص المحامي دون سواه
بنيابة الأطراف... والدفاع
عنهم... أمام الضابطة العدلية كل ذلك وفق ما تقتضيه الأحكام التشريعية المتعلقة بالإجراءات المدنية
والتجارية والجبائية والجزائية". ومن الواضح أن المرسوم
قيد حق الدفاع أمام الضابطة العدلية بما " تقتضيه الأحكام التشريعية"، وهو ما حال دون حضور
المحامي لدى باحث البداية إلا في ثلاث حالات نص عليها القانون هي:
-
حالة الإنابة العدلية طبق الفصل 57 م ا ج.
-
وحالة الفقرة الثانية من الفصل 77 من مجلة
حماية الطفل " وإذا كانت الأفعال المنسوبة إلى الطفل ذات خطورة بالغة يجب على
وكيل الجمهورية تسخير محام إذا لم يسبق للطفل أن انتدب محاميا
للدفاع عنه."
-
وحالة الفصل 39 من
القانون عــــــدد 17 لسنة 1994 المؤرخ في 14/11/1994 المتعلق بإعادة تنظيم السوق
المالية على إمكانية الاستعانة بمحام.
ثم صدر دستور 27/1/2014[72]
الذي تضمن الفصول 27 و29 و105 و108 المتعلقة بحق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة[73].
ويمكن القول ان القانون عدد 5 بتاريخ 16
فيفري 2016 الذي جاء بعد مخاض طويل، تضمن جملة من أهم الضمانات التي تم إقرارها
لأول مرة على مستوى البحث الأولي، وهو قانون ثوري بكل المقاييس، ويندرج في إطار
ضمان الحق في محاكمة عادلة في أجل معقول طبق أحكام الفصل 108 من الدستور، وذلك رغم
تضمنه بعض الهنات والنقائص، ورغم ما سيترتب عنه من إشكالات وصعوبات تطبيقية.ثم جاء
مشروع القانون الذي اعد في عهد حكومة الترويكا سنة 2012 والذي كان في صيغته الأولى
يتعلق بالاحتفاظ والايقاف التحفظي وتعميم الدوائر الجنائية الابتدائية في كل المحاكم
الابتدائية وسحب سلطة وكيل الجمهورية في تعهيد قضاة التحقيق بالبحث واعطائها لرئيس
المحكمة الابتدائية ونقل الاشراف على السجل العدلي والضابطة العدلية إلى وزارة
العدل. لكن هذا المشروع تعرض قبل احالته على المجلس الوطني التأسيسي الى تعديل تم
بموجبه استبعاد الاحكام الخاصة بالإيقاف التحفظي ودور النيابة ليقتصر الامر على ما
تضمنه مشروع القانون عدد 13/2013، والذي يشمل فقط مدة الاحتفاظ وحضور المحامي لدى
باحث البداية وأحداث دوائر جنائية في كل المحاكم الابتدائية ونقل الاشراف على
السجل العدلي والضابطة العدلية إلى وزارة العدل. وهو مشروع تمت مناقشته على مستوى
لجنة التشريع العام في المجلس الوطني التأسيسي ولكنه لم يعرض على الجلسة العامة
وبقي حبيس الرفوف.
إذ اعاد المشرع بموجب القانون الجديد تنظيم
الاحتفاظ برمته، إذ وقع إلغاء الفصل 13 مكرر وتعويضه بنص جديد، مع اضافة مجموعة فصول
أخرى هي 13 ثالثا حتى 13 سابعا، ليصير مجموع الفصول الخاصة بفترة البحث الأولي
ثمانية فصول (13 حتى 13 سابعا)، يضاف إليها ما ورد بالفصول 57 و78 و142 فيما يتعلق
بحالات خاصة للاحتفاظ.
يستروح من مقتضيات الفصل 13 مكرّر م.إ.ج
أنّ اتّخاذ قرار الاحتفاظ لم يعد مخوّلا لمأموري الضابطة العدليّة المنصوص عليهم
بالفقرتين 3 و 4 من الفصل 10 م.إ.ج، ولأعوان الديوانة، وإنما أصبح حكرا على
النيابة العمومية ولو في حالة التلبس. ذلك رغم أن الفصل 29 من
الدستور يسمح بمنح أعوان الضابطة العدلية سلطة الاحتفاظ بذي الشبهة دون إذن قضائي
في حالة التلبس، مما يعني أن القانون الجديد منح لذي الشبهة ضمانة أفضل من
الدستور. وهو أمر وإن كان غير مطابق لنص الدستور ولكنه يتلاءم مع مقتضياته التي
تجعل من القضاء وحده الضامن لحماية الحقوق والحريات (الفصلين 49 و102 من الدستور)
مما يحول دون إمكانية الطعن في دستوريته.
لكن شرط الإذن القضائي المسبق لا يشمل ما
وقع استثناؤه بنص خاص، بصريح مطلع الفقرة الأولى من الفصل 13 مكرر جديد. ومن أبرز
الاستثناءات الخاصة ما تضمنه الفصـل 39 من القانون أساسي عدد 26 لسنة 2015 مؤرخ في
7 أوت 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال الذي ينص على أنه: "
على مأموري الضابطة العدلية إعلام وكيل الجمهورية الراجعين إليه بالنظر فورا
بالجرائم الإرهابية التي بلغهم العلم بها. ولا يمكنهم الاحتفاظ بذي الشبهة لمدة
تتجاوز خمسة أيام".
كما أن المشرع حافظ بموجب القانون الجديد
على أمكانية حصول الاحتفاظ "المكرر"، وهو يتعلق بالحالة التي يقع فيها
الاحتفاظ بشخص ثم تحيله النيابة العامة على أنظار قاضي تحقيق، فيقوم هذا الأخير
تطبيقا لمقتضيات الفصل 57 م ا ج بمنح انابة عدلية لأعوان الضابطة العدلية، مع
ابقاء المظنون فيه في حالة سراح. في هذه الحالة تجيز الفقرة الثالثة من الفصل 57
المذكور بصيغتيه القديمة والجديدة لأعوان الضابطة إمكانية الاحتفاظ لمرة ثانية
بالمظنون فيه، إذ نصت صراحة على أنه: " و إذا اقتضى تنفيذ الإنابة سماع
المظنون فيه بحالة سراح تنطبق أحكام الفصول 13 مكرر و13ثالثا و 13 خامسا و 13
سادسا". ويمكن القول أن اجازة الاحتفاظ المكرر أمر لا يستقيم قانونا لسببين
على الأقل:
السبب الأول: أن الاحتفاظ يتعلق بمرحلة
الاشتباه، وهو مقرر لمقتضيات البحث، التي حددها المشرع بأجل مضبوط لا يمكن تجاوزه،
وبالتالي فإن اعادة الاحتفاظ بموجب الانابة العدلية هو شكل من اشكال التحيل على
القانون.
السبب الثاني: أن منح الانابة العدلية لا
يجوز إلا بعد ان يقوم قاضي التحقيق باستنطاق المظنون فيه " ولا يمكنه ان ينيب
أحد مأموري الضابطة العدلية إلا بعد استنطاقه للمظنون فيه"، وهو ما يعني أن
قاضي التحقيق بعد استنطاق المظنون فيه لم ير موجبا لإيقافه تحفظيا، وابقاه في حالة
سراح، فهل من المعقول أن يتخذ الباحث المناب قرارا لم ير من منحه الانابة فائدة في
اتخاذه؟.
ورغم تأخره إلا أن المشرّع استجاب وأدخل
تنقيحا على م.إ.ج مضيفا إليها الفصل13 مكرّر، وذلك بموجب القانون عدد 70 المؤرّخ
في 26 نوفمبر 1987، والذي نظّم قواعد الاحتفاظ وحصر مدّته بأربعة أيّام قابلة
للتمديد مرّة أولى لنفس المدّة وعند الضرورة القصوى مرّة ثانية لمدّة يومين اثنين
فقط.
وبما أن مدة عشرة أيام التي تعتبر ثورة عما
سبقها من اطلاقية تعتبر في حد ذاتها مدة طويلة نسبيا قياسا أولا إلى ما أقرته
القوانين المقارنة التي لا تتعدّى في غالبيتها مدّة الاحتفاظ القصوى الخمسة أيّام
الشيء وثانيا الى طبيعة المهام التي يقوم بها اعوان الضابطة العدلية في فترة
الاحتفاظ لذلك وقعت المناداة بالحدّ من مدّة الاحتفاظ إلى أدنى مدة ممكنة (48
ساعة) على إثرها يقع تقديم ذي الشبهة لوكيل الجمهوريّة صحبة محضر الأبحاث ليتّخذ
القرار الملائم على ضوء نتائج تلك الأبحاث.
وتبعا لكلّ هذه الاعتبارات، ارتأى المشّرع
أن يخفّض مدّة الاحتفاظ سعيا منه لتدعيم حقوق الأفراد الخاضعين لهذا الإجراء مما
يتماشى مع الاتجاهات الحديثة للسياسة الجنائيّة التونسيّة القائمة على تعزيز حقوق
الانسان وحمايتها، وتم بموجب القانون عدد 89 لسنة 1999 المؤرّخ في 2 أوت 1999،
تخفيض مدة الاحتفاظ وأصبحت المدّة الأصليّة ثلاثة أيّام يمكن تمديدها مرّة واحدة
لنفس المدّة من طرف السّلطة القضائيّة المختصّة سواء عن طريق وكيل الجمهوريّة في
الحالات العادية أو حاكم التحقيق في صورة الإنابة العدّليّة. وقد اشترط المشرّع أن
يكون التمديد كتابيّا في الحالتين.
ومع هذا بقيت مدة الاحتفاظ الحالية طويلة
نسبيا ذلك أنها يمكن أن تمتد إلى ستّة أيام كاملة والحال ان المعايير الدولية
الجديدة توصي باختصار المدة المذكورة ما أمكن وانجاز الأبحاث اللازمة منعا
للتجاوزات في حق الموقوفين. وبذلك فإن مدّة الاحتفاظ الاولى ليس من المفيد أن
تتجاوز 48 ساعة ويمكن طلب تمديدها إلى 24 ساعة. مع الاشارة إلى أن هذه المدة
المعقولة تحقق في ذات الوقت مصلحة هامة تتمثل في الحيلولة دون حصول اكتظاظ داخل
محلات الاحتفاظ.
لهذا تدخل المشّرع مجددا ليخفّض بموجب
أحكام القانون عدد 5 لسنة 2016 مدّة الاحتفاظ سعيا منه لتدعيم حقوق الأفراد
الخاضعين لهذا الإجراء .ويعتبر هذا القانون ثالث قانون يضبط مدة
الاحتفاظ ويخفض فيها[74]. وهو توجه يتماشى مبدئيا
مع الاتجاهات الحديثة للسياسة الجزائيّة القائمة على تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها،
فالاحتفاظ وسيلة استثنائية، لا بد من أن تضبط مدته في الحد الأدنى اللازم، لهذا
فإن أي تمديد في مدته يستوجب التعليل حفاظا على حقوق الأفراد وحريّاتهم، وقد سبق
للفقه أن اعتبر مدة الاحتفاظ الحالية طويلة نسبيا ذلك أنها يمكن أن تمتد إلى ستّة
أيام كاملة والحال ان المعايير الدولية توصي باختصار المدة المذكورة ما أمكن
والاقتصار على الأبحاث اللازمة منعا للتجاوزات في حق المحتفظ بهم.
وهذه المدّة هي قاعدة عامة بغض النظر عن
خطورة الجريمة أو خطورة ذي الشبهة، ما لم يقع إقرار مدة أخرى بموجب نص خاص، وهو ما
أشار إليه مطلع الفصل 13 مكرر جديد " وفي ماعدا ما وقع استثناؤه بنص
خاص،" ويمكن القول أن الاستثناء الوحيد الموجود حاليا يتعلق بالجرائم
الإرهابية، إذ أجاز الفصل 39 من القانون الأساسي عدد26/2015 الاحتفاظ بذي الشبهة
لمدة خمسة أيام[75]،
فيما أجازت الفقرة الثالثة من الفصل 41 من ذات القانون لوكيل الجمهورية بالمحكمة
الابتدائية بتونس أن يمدد في أجل الاحتفاظ مرتين لنفس المدة[76]،
لتكون المدة القصوى الجملية للاحتفاظ في الجرائم الإرهابية خمسة عشر يوما. ومن
الملاحظ أن النص الجديد أقام تفرقة في تحديد المدة القصوى للاحتفاظ بين الجنايات
والجنح والمخالفات المتلبس بها.
فبالنسبة للجنايات والجنح، فإن مدّة
الاحتفاظ الأولى لا يمكن أن تتجاوز 48 ساعة. مع الإشارة إلى أن هذه المدة معقولة
وتحقق في ذات الوقت مصلحة هامة تتمثل في الحيلولة دون حصول اكتظاظ داخل محلات
الاحتفاظ. ويمكن طلب تمديدها إلى
مدة مماثلة بالنسبة للجنايات وإلى مدة 24 ساعة في الجنح. وهو ما يعني أن المدة
القصوى للاحتفاظ هي 72 ساعة في الجنح و96 ساعة في الجنايات.
أما بالنسبة للمخالفات المتلبس بها فإنه لا
يجوز الاحتفاظ بذي الشبهة إلا المدّة اللازمة لأخذ أقواله على ألا تتجاوز مدة
الاحتفاظ أربعة وعشرين ساعة، وهو ما يعني أن مدة الاحتفاظ في المخالفات المتلبس
بها قد تكون لساعة أو بضع ساعات فقط وفي كل الأحوال لا يمكن ان تتجاوز أربعا
وعشرين ساعة وهي مدة قصوى لا تقبل التمديد مطلقا.
وتستوجب هذه المدّد بعض الملاحظات:
·
من الواضح ان المشرع تخلى في القانون
الجديد عن الحساب بالأيام وعوضه بالساعات، وهو تغيير وان لم تكن له قيمة ظاهرية
كبيرة نظرا لأن اليوم في القانون هو أربع وعشرون ساعة، فإنه يعكس حرصا على إبراز
الطابع الاستثنائي للاحتفاظ وسيقطع الطريق أمام أي نقاش يتعلق بكيفية احتساب بداية
اليوم ونهايته.
·
ان الآجل الجديد لا يغلق الباب أمام
إمكانية ضبط آجال خاصة بجرائم معينة كما هو الحال في الجرائم الإرهابية التي سبقت
الإشارة إليها أعلاه.
·
من هي الجهة التي ستتولى تكييف الأفعال
واعتبارها جناية أو جنحة أو مخالفة؟ خاصة وأننا نعلم أن الوصف قابل للتغيير بناء
على ظهور أسباب تشديد من عدمه، فهناك عدة جرائم تحتمل وصفين حسب ملابسات
ارتكابها؟.
مبدئيا، التكييف عمل قضائي ولا يمكن ان
يقوم به مأمور الضابطة العدلية، الذي يقتصر دوره على عرض موضوع الجريمة على وكيل
الجمهورية الذي سيتولى تكييفها تكيفا مبدئيا، وبصفة عامة هذه المشكلة غير مطروحة
بجدية فيما بين الجناية والجنحة إذ أن كليهما يخضع بداية لآجل موحد، وفي صورة
التمديد فإن وكيل الجمهورية هو من سيتولى مراجعة تكييف الفعل وبناء على هذه
المراجعة ستتحدد مدة التمديد. وبالتالي يبقى الإشكال قائما فقط بين الجنح
والمخالفات المتلبس بها وهو في اعتقادي إشكال محدود وليس له نطاق واسع ويمكن
للمحامي مناقشته وان اقتضى الأمر ان يرفع الأمر لوكيل الجمهورية.
·
ان المدد المخفضة للاحتفاظ بموجب القانون
الجديد لا تتناسب مع توقيت العمل الإداري في المحاكم، فكما هو معلوم أن المحاكم لا
تعمل كامل يومي السبت والأحد، فما هو الحل عندما يقع الاحتفاظ بشخص يوم الجمعة بعد
السادسة مساء والأمر يتعلق بمخالفة متلبس بها أو جناية أو جنح لم ير وكيل
الجمهورية فائدة من تمديد فترة الاحتفاظ فيها؟ هل سيكون بالإمكان إحالة المحتفظ به
توا على القضاء المختص؟ فنحن نعلم أن حصص الاستمرار تتعلق فقط بالنيابة العامة
وليس بالقضاء الجالس. لهذا نكرر القول أن إقرار إمكانية الاحتفاظ في المخالفات ولو
كانت متلبس بها لم يكن في طريقه مطلقا، أما تقليص مدة الاحتفاظ القصوى في الجنح
والجنايات سيفتح الباب على مصرعيه للتمديد كلما توافق انتهاء الآجل الأقصى مع يوم
الأحد، وسيفتح الباب أمام إصدار بطاقة إيداع في السجن كلما توافق انتهاء الآجل
الأقصى مع يوم السبت، وبهذا يكون المشرع قد أخرج المحتجز من غرفة الاحتفاظ ليدخله
غرفة السجن !!! وهنا يمكن القول أن الحل الوحيد الممكن هو أن تدّرج وزارة العدل
في قائمة الوزارات التي تعمل يوم السبت أو أن يقع التفكير من هنا والى حين دخول
القانون حيز النفاذ في غرة جوان 2016 بإحداث حصص استمرار في محاكم الناحية وقضاء
التحقيق والدائرة الجناحية، وربما يقتضي الامر ان تحدث حصص استمرار للدائرة
الجنائية أيضا. فهل هذا ممكن !؟.
·
ان تعميم نفس
المدة القصوى على كل الجنايات يبدو غير منطقي وكان من المتجه أن يقع اعتماد نفس
المدة الأولية مع إقرار إمكانية التمديد لمرتين أو ثلاثة في الجنايات الخطيرة
والمعقدة كالقتل والاغتصاب والجرائم المنظمة، فمثل هذه الجرائم تتطلب أبحاثا معقدة
ومتشعبة واختبارات يستحيل انجازها في مدة
96 ساعة.
·
علاوة عما سبق فإن القانون الجديد سيطرح
إشكالية حول بداية احتساب مدة الاحتفاظ، فهل تبدأ من ساعة احتجاز الشخص[77]؟
أم من ساعة الحصول على الأذن الكتابي من وكيل الجمهورية؟ فالمدة قصير وتحسب
بالساعات وكل ساعة لها قيمتها في صحة وبطلان الإجراءات. في اعتقادي النص واضح إلى
درجة التناقض.
فهو واضح لأنه ينص على ما يلي: " لا
يجوز لمأموري الضابطة العدلية المبينين بالعددين 3 و4 من الفصل 10 ولو في حالة
التلبس بالجناية أو بالجنحة ولا لمأموري الضابطة العدلية من أعوان الديوانة في
نطاق ما تخوله لهم مجلة الديوانة الاحتفاظ بذي الشبهة، إلا بعد أن يأذن لهم
وكيل الجمهورية بذلك ولمدة لا تتجاوز ثمانية وأربعين ساعة، ويتمّ الإذن
بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا. أما في المخالفات المتلبس
بها فلا يجوز الاحتفاظ بذي الشبهة إلا المدّة اللازمة لأخذ أقواله على ألا تتجاوز
مدة الاحتفاظ أربعة وعشرين ساعة، وبعد أن يأذن لهم وكيل الجمهورية بذلك بأي وسيلة
تترك أثرا كتابيا". وهو ما يفهم منه أن بداية الاحتفاظ هي لحظة
الحصول على الإذن الكتابي.
وهو متناقض، على الأقل بالنسبة للجنايات
والجنح غير المتلبس بها، لأن مأموري الضابطة العدلية لن يلجئوا إلى الاحتفاظ إلا
عند وجود "ضرورة بحث" وهذه الضرورة لن تظهر لباحث البداية إلا بعد سماع
المشتبه به وبقية الأطراف، فما هو حكم هذه المدة التي تسبق طلب الحصول على إذن
الاحتفاظ؟ طبعا لا جواب في النص، وهنا يظهر التناقض، فالاحتفاظ غير ممكن إلا بإذن،
وطلب الاحتفاظ غير ممكن إلا عند وجود ضرورة يتوجب بيانها لوكيل الجمهورية حتى يمنح
الإذن !!!.
وهذا التناقض ربما سيؤدي في الواقع إلى حصول تجاوزات في بداية تسجيل مدة الاحتفاظ،
أو سيدفع بوكيل الجمهورية إلى التساهل في منح الإذن وعندها يفقد النص كل جدوى.
وكان من المتجه أن
يقع التمييز بين الجرائم المتلبس بها والتي يبدأ فيها الاحتفاظ بموجب إذن كتابي من
ساعة الاحتجاز، أما الجنايات والجنح غير المتلبس بها فيمنح أعوان الضابطة العدلية
سلطة لاحتجاز الأشخاص بضع ساعات (ما بين ثلاث وست ساعات على أقصى تقدير)، فإن تبين
لهم ما يستوجب الاحتفاظ فعندها يطلبون الإذن الكتابي على ان تحتسب بداية مدة
الاحتفاظ من ساعة الاحتجاز، مع ضرورة ان يدرج اسم المحتجز في سجل الاحتفاظ منذ
بداية احتجازه. فمدة الاحتفاظ لا يجب التهاون في احتسابها خاصة وان المشرع نص
صراحة على جزاء البطلان.
كان الفصل 13 مكرر قديم يحصر حالات
الاحتفاظ بقيدين، يتعلق الأول بالجرائم التي يجوز فيها الاحتفاظ، فيما يتعلق
الثاني بضابط اللجوء للاحتفاظ.
ففيما يتعلق بالجرائم التي يجوز فيها
الاحتفاظ، كانت محصورة في الجنايات والجنح فقط، بينما توسع القانون الجديد
ليشمل حتى إمكانية الاحتفاظ في المخالفات المتلبس بها، وهو أمر يشكل تراجعا غير
مبرر، وخطير.
فهو غير مبرر لأنه يسمح بالاحتفاظ في
المخالفات المتلبس بها مطلقا، دون تمييز بين المخالفات التي تستوجب عقوبة سجنية
وتلك التي لا تستوجب إلا عقوبة مالية فقط.
وهو خطير لأنه كان من المفترض ألا تدرج
المخالفات ضمن حالات الاحتفاظ ولو أقتصر الأمر على تلك المتلبس بها، نظرا لعدم
خطورتها على الأمن العام. كما كان من المفترض احتراما لقاعدتي الضرورة والتناسب
المكرستين بالفصل 49 من الدستور أن يقع استثناء المخالفات والجنح التي لا تستوجب
عقوبة سجنية، فالاحتفاظ إجراء احتياطي ذو طابع بدني فيه مساس بالحرية الذاتية ولا
يمكن ان يعتمد إلا في الجرائم التي تستوجب عقوبة سجنية، ويمكن القول أن الصيغة
الحالية للفصل 13 مكرر تتعارض مع مقتضيات الفصل 15 من المجلة الجزائية[78]
والفصل 49 من الدستور، فإذا كان من غير الممكن أن تقضي المحكمة بعقوبة السجن، فكيف
يمكن لسلطة البحث أن تقوم بالاحتفاظ؟، وكيف ستحتسب مدة الاحتفاظ هذه؟ وتحت أي باب
ستصنف؟ أليست عقوبة بأكثر مما يقتضيه النص؟ وبالتالي فهي خرق لمبدأ الشرعية.
أما فيما يتعلق بضابط اللجوء إلى الاحتفاظ، فمن الثابت أن المشرع لم يغير شيئا في
القانون الجديد، إذ أن اتخاذ قرار الاحتفاظ ليس إجراءا آليّا واجبا في كلّ
الحالات، بل هو مقيد حسب الفصل13 مكرّر بضابط "ضرورة البحث". وهو معيار فضفاض، عام،
غير مرتبط بالضرورة بالشخص المراد الاحتفاظ به، وإنما يمكن أن يستند إلى معطيات
أخرى، وهو معيار لا يتناسب وخطورة هذا الإجراء الاستثنائي، ممّا يمكن معه أن يفتح
الباب على مصراعيه لاتخاذ قرار الاحتفاظ بتعلّة "ضرورة البحث" كما هو
حاصل في الكثير من الحالات حاليا. ويبدو أنه كان من الواجب أن يقع التنظير بين
الاحتفاظ والإيقاف التحفّظي من خلال اعتماد نفس المعايير الواردة بالفصل 85 م.إ.ج،
وذلك باشتراط أن يكون الاحتفاظ رهين وجود حالة التلبّس أو وجود قرائن قوية تستلزم
الاحتفاظ باعتباره وسيلة أمن يتلافى بها اقتراف جرائم جديدة، أو لتجنب عرقلة
الأبحاث، خاصّة وأنّ الفصل 29 من الدستور ساوى بين الاحتفاظ والإيقاف التحفظي من
حيث المبدأ.
1-
الأشخاص المستهدفون بقرار
الاحتفاظ
استعمل المشرّع بالفصل 13مكرّر و ما بعده
من م.إ.ج، وفي الفصل 78 فقرة 3 جديدة وفي الفصل 142 فقرة 5 جديدة مصطلح "ذي
الشبهة"، بينما استخدم في الفصل 57
مصطلح "المظنون فيه" لكن لم يبيّن ما المقصود بهما. ويمكن القول
إنّ "ذا الشبهة" هو الشخص الذي حامت حوله شكوك يحتمل معها
ولو بدرجة ضئيلة فرضيّة ارتكابه للجريمة موضوع البحث.
أما المظنون فيه فهو الشخص الذي توجد قرائن تدل على فرضيّة ارتكابه
للجريمة موضوع البحث.
وتعتبر الإضافة الحاصلة بالفصلين 78 و142 م
ا ج من الإضافات الهامة التي تضمنها القانون الجديد لأنها نظمت لأول مرة حالتي
الاحتفاظ تنفيذا لبطاقة جلب صادرة عن قاضي تحقيق أو عن المحكمة. فالقانون أوكل
إصدار بطاقات الجلب حسب الحالات إما إلى قاضى التحقيق أو إلى المحكمة المتعهدة
بالقضية ولم تكن أحكام مجلة الإجراءات الجزائية تضبط لمأمور الضابطة العدلية آجلا
لتقديم المعنى بالأمر موضوع بطاقة جلب إلى الجهة القضائية التي صدرت عنها هذه
البطاقة. كما أن القانون لم يكن يستوجب من جهة أخرى إعلام السلطة الصادر عنها هذه
البطاقة ولم يسحب أحكام الفصل 13 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية المتعلق بضمانات
إعلام العائلة والفحص الطبي على المفتش عنهم موضوع بطاقات جلب. وتأتي مقتضيات القانون
الجديد لتسد فراغا تشريعيا فيما يتعلق بتحديد المدة القصوى للاحتفاظ بالنسبة الى
الشخص المفتش عنه بمقتضى بطاقة جلب ويضبط أجل تقديمه للجهة القضائية المعنية مع
إقرار الضمانات الكافية للمحتفظ به بسحب أحكام الفصل 13 مكرر عليه، على غرار إعلام
العائلة والعرض على الفحص الطبي واختيار محام مع منع مأموري الضابطة العدلية في
هذه الحالة من القيام بأي عمل من أعمال البحث الأولي عدا تحرير محضر في إدراج هوية
من صدرت في حقه بطاقة الجلب، أي تحرير محضر إثبات هوية مفتش عنه، وليس محضر
سماع.
وتبعا لما سبق، فإنّ قرار الاحتفاظ حسب
صريح النصّ لا يشمل إلاّ ذا الشبهة أو المظنون فيه ولا يمكن أنّ يتعدّاه إلى
الشاهد ولو صدرت في حقه بطاقة جلب طبق أحكام الفصل 61 م ا ج، فالمشرع سمح فقط
بتسليط خطية على الشاهد دون إمكانية الاحتفاظ به.
من الواضح حسب
مقتضيات الفصل 13 مكرر جديد أن هناك توجه نحو بسط رقابة القضاء على كافة مراحل
الاحتفاظ منذ بدايته والى حين تمديده وعند طلب العرض على الفحص الطبي. ولكن كل هذه
الاحكام من الممكن أن تبقى حبرا على ورق لو لم يقع التنصيص صراحة ضمن القانون نفسه
على جزاء البطلان في صورة الإخلال بأي منها وعدم التعويل على تطبيق الفصل 199 م ا
ج أو غيره لأن الممارسة اثبتت عدم جدوى نظام البطلان الجوهري (الفصل 199 الذي
يتضمن معايير عامة) وضرورة استبدالها بنظام البطلان القانوني (كل حالة بحالتها)
وهو ما فعله المشرع. على أن الطريقة التي تم فيها أقرار البطلان قد تثير بعض
الإشكالات التطبيقية.
فلقد تراءى للمشرع
ان ينص على جزاء البطلان في الفصل 13 مكرر جديد، كضمان لاحتلرام أحكامه وهو بطلان
يمكن أن يضاف لما هو مقرر في الفصل 155 من استبعاد للمحاضر التي تضمنت اعترافات أو
تصريحات انتزعت تحت التعذيب أو الاكراه من ضمن وسائل الاثبات بما يشكل قيدا شرعيا
على حرية الاثبات.
الجزء الثاني- حرية الإثبات
بالرجوع إلى القسم
الثاني من الباب الثالث من مجلة الإجراءات الجزائية المخصص لطرق الاثبات، وبربطه
بمجمل النصوص الجزائية الخاصة المتضمنة لطرق اثبات خاصة يمكن القول أن المشرع ولئن
كرس في مجلة الإجراءات الجزائية بصفة صريحة مبدأ حرية الاثبات (الفقرة الأولى) إلا
أنه ضيق من مجالها (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: التكريس
الصريح لحرية الاثبات
الإثبات هو إقامة الدليل على وجود فعل
إجرامي وعلى نسبة هذا الفعل إلى شخص معيّن واتجاه إرادة هذا الشخص إلى ارتكابه[79]
أي هو إقامة الدليل على وجود فعل أو تصرّف بوسائل يضعها ويشترطها القانون مسبقا[80]
فهو ينصب على فعل سعى منفذوه إلى إخفائه عن الجميع وجمع وإعادة تكوين الأدلّة التي
تولى الجناة محاولة محوها"[81].
إن استعمال الوسائل التي حدّدها القانون في
عملية الإثبات بما يقصي كل إمكانيّة لاعتماد أساليب مخالفة لمبدأي الشرعيّة
والنّزاهة. فالإثبات ماهو إلاّ "إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها
القانون على وجود واقعة قانونية ترتبت عليها آثارها"[82].
ويتولى القاضي الجزائي القيام بجميع الأعمال الاستقرائية الموصلة إلى الحقيقة
والتي تمكّنه من تكوين قناعته وفقا لوجدانه الخالص ذلك أن عليه "التحرّي بنفسه
عن الحقيقة الواقعية والعمل على كشف أخصّ دقائق ملابسات الفعل الإجرامي وظروف
ارتكابه ثمّ عليه بعد ذلك الإحاطة بأحوال مرتكب الجريمة وحالته النفسية
والاجتماعية حتى يحدد بناء على أي وصف يقضي وبأي قدر من العقوبة ينطق ومن هنا كان
الدور الإيجابي للقاضي الجزائي"[83].
وقد ألقت المراوحة بين إطلاق حرية الإثبات
وتقييدها بجملة من الضمانات لفائدة المظنون فيه بظلالها على مجلة الإجراءات
الجزائية التي بتصفّح أحكامها يتضح أنّ المشرع التونسي سعى لإيجاد نوع من التوازن
بين الباحث والمتهم وذلك من خلا تكريس مبدأ حرية القاضي
الجزائي في الاقتناع و تقدير الأدلة هو أوسع المبادئ القانونية انتشاراً في قوانين
و دساتير العالم المتحضر و هو أهم مبدأ من مبادئ نظام الإثبات الحر . وقد أخذ به
المشرع في الفصل 150
من م ا ج ونصه: "يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات ما لم ينص
القانون على خلاف ذلك، ويقضي الحاكم حسب وجدانه الخالص.
وإذا لم تقم الحجة، فإنه يحكم بترك سبيل
المتهم".
فالمشرع ترك لوجدان القاضي الخالص الحكم
على وسائل الاثبات المقدمة أمامه بصفة علنية وبحضور كافة الخصوم.
ويعرّف الوجدان الخالص على أنه طريق القاضي
إلى الحقيقة عبر تقييم ما تمّ تقديمه من أدلّة بما يعطيه صلاحية جمع وسائل الإثبات
الموصلة إلى الحقيقة مهما كان نوعها ودون تقييده بأيّة حدود[84] وهو
أيضا ذلك المجهود الذي يبذله في البحث عن إثبات الجريمة بنفسه ومزج ما توصّل إليه
بما قدّمته الأطراف حتى يكوّن قناعته ويجعلها لصيقة بالحقيقة[85] فهو حرية القاضي في أن يقتنع بنسبة أو عدم نسبة
الفعل المجرّم إلى المظنون فيه[86]
بعيدا عن الاعتباطية وبالتصاق مباشر بوسائل الإثبات المظروفة بملف القضية[87]
بما يجعل من حكمه صوت العقل فيه[88].
وتعتبر أحكام مجلّة الإجراءات الجزائية مبنيّة
على الأخذ بمبدأ حرية الإثبات[89] وهذا
أمر منطقي طالما أن الجريمة هي واقعة قانونية والوقائع لا تخضع مبدئيا لوسائل
اثبات محددة.
وبالتالي فإن المبدأ المذكور يجد مبرّراته
في خاصيّة الإثبات الذي يتسلّط على فعل مادي انطوى زمنيا بمرور لحظة ارتكابه بما
يصعب معه افتراضيا إعادة تكوينه إلاّ عبر إطلاق يد الباحث في القيام بأعمال البحث
والتقصّي للوصول إلى الحقيقة. خصوصية العمل الإجرامي الذي يتجسّد في أفعال ماديّة
يصعب التنبّؤ بها وبالتالي تحديد وسائل إثباتها مسبقا لاستحالة أن يوجد تطابق بين
جريمتين حتّى وإن اتّحدتا في التفاصيل وفي الكثير من الجزئيات.بما يجعل من
المستحيل تحديد الوسيلة التي يتمّ بها إثباتها[90] ففأغلب المجرمين يقترفون جرائمهم عن سابق تصور
وتصميم ثم يحاولون طمس المعالم والآثار الجرمية حتى ينجو من العقاب ولا يكتشف أمره
ولذلك عمد المشرع لفتح الباب أمام القاضي الجزائي وترك له حرية الاقتناع في سبيل
الوصول إلى الحقيقة والعدالة وعلى أساس مبدأ القناعة الوجدانية وذلك رغبة منه(المشرع)في
أن لا يفلت أمثال هؤلاء المجرمين بجرائمهم مما جعل مبدأ حرية القاضي الجزائي في
الاقتناع وتقدير الأدلة ركنا أساسيا من أركان العدالة الجزائية المعاصرة
فغاية المشرع من
أعطاء القاضي الجزائي هذه الحرية الواسعة لتشكيل قناعته و تقدير الأدلة المطروحة
أمامه هو تمكينه من معرفة الحقيقة وكشف غوامض كل واقعة جرمية لتأمين العدالة و
ضمان حرية الأفراد و صون كرامتهم و المشرع لم يعتمد نظام الإثبات الحر و يعطي
القاضي الجزائي هذه الحرية إلا بعد تجارب عديدة أثبتت جميعها أنه لا يمكن لأي
تشريع مهما كان متطوراً و علميا أن يحدد بشكل مسبق أدلة إثبات قاطعة و جازمة لا
يرقى الشك إليها لذا أسند المشرع لوجدان القاضي الجزائي مسألة الترجيح بين الأدلة
و حرية الاقتناع بها و اعتبره أفضل ضمانة لتطبيق القانون و بسط العدالة فمبدأ حرية
القاضي الجزائي في الاقتناع و تقدير الأدلة هو من أهم المبادئ التي تعتمد عليها
نظرية الإثبات في المواد الجزائية وقد تطور هذا المبدأ مع تطور نظريات الإثبات
فمضمون حرية القاضي الجزائي هو أنه حر في أن
يستمد قناعته من أي دليل مطروح في الدعوى وأنه غير ملتزم بإصدار حكمه بالإدانة أو
البراءة لتوفر دليل معين طالما انه لم يقتنع بذلك فجميع الأدلة في الدعوى خاضعة
لتمحيصه و تقديره وله الحرية في استخلاص قناعته من أي دليل مطروح في الدعوى و الأدلة
مهما تضافرت لا تلزمه بالسير في حكمه باتجاه معين إذا لم يكن مقتنعاً بهذا الاتجاه
، فشهادة الشهود و اعتراف المتهم و نتائج الخبرة و الأدلة الكتابية لا تلزمه
بالإدانة (( و بالعكس لأنها جميعها تخضع لتقديره وحسن استدلاله )) و للقاضي
الجزائي تجزئة الدليل فبأخذ جزءاً منه و يهمل الجزء الذي لا يطمئن إليه و لا رقابة
عليه في ذلك إلا رقابة الوجدان و الضمير و للقاضي الجزائي أن يناقش الأدلة الواردة
في محاضر البحث الأولى ، أو التحقيق الابتدائي أو المحاكمة و الأخذ بها أو طرحها
وله أن بأخذ بالدليل الوارد في محضر التحقيق الابتدائي دون ذلك الوارد في ضبط
جلسات المحاكمة أو بالعكس ما دام قد اطمأن لإحداهما ، لأن القناعة الوجدانية
للقاضي الجزائي يمكن أن تتولد عن شذرات متفرقة من الظروف أو الحوادث تشكل مجموعها
سلسلة من القرائن وهذه الحرية الواسعة لأن القانون أمد القاضي في المسائل الجزائية
بسلطة واسعة وكاملة في سبيل تقصي ثبوت الجرائم أو عدم ثبوتها و الوقوف على حقيقة
علاقة المتهمين بها ففتح له باب الإثبات على مصراعيه ، يختار من كل طرقه ما يراه
موصلاً إلى الكشف عن الحقيقة ، و يزن قوة الإثبات المستمدة من كل عنصر بمحض وجدانه
فيأخذ بما تطمئن أليه عقديته و يطرح ما لا ترتاح أليه ولا رقيب عليه في ذلك إلا
ضميره وحده. فهذه الحرية تبدأ من بدء إجراءات المحاكمة حتى انتهائها حيث تتوالد
القناعة الوجدانية بين هذين الحدين ومن مصدرين هما أدلة الدعوى وما تحدثه في ضمير
القاضي و وجدانه من انطباعات و تصورات عن الجريمة و المجرم و العلاقة بينهما و
خبرة القاضي المسبقة و قدراته الذهنية والعقلية على تقدير كل دليل في الدعوى و
خصوصية هذا الدليل بالنسبة لهذه الدعوى و أطرافها ، والقدرة على استخلاص النتائج
السليمة و المنسجمة مع مبادئ المنطق و العقل السليم ومن تفاعل هذين المصدرين لدى
القاضي الجزائي ينتج ما يسمى القناعة الوجدانية أو حرية الاقتناع و تقدير الأدلة.
أن أغلب الدساتير و القوانين المتمدنة تبنت مبدأ
حرية القاضي الجزائي في القناعة و تقدير الأدلة -رغم انتقادات سنذكرها في فقرة
لاحقة- و ذلك للأسباب التالية : أ - إذا حددنا الأدلة المطلوبة لإثبات كل
جريمة بشكل مسبق نكون قد ألحقنا ضررا بقرينة البراءة ( المتهم برئ حتى تثبت إدانته
) لأنه متى توافرت الأدلة يتوجب على القاضي أن يدين المتهم ولو كان القاضي غير
مقتنع بإدانته من خلال اتصاله بالدعوى حيث يقف القاضي مكتوف الأيدي لا يستطيع
إعلان براءة المتهم على الرغم من اقتناعه بها ب – بالنسبة للإثبات فان مصلحة كافة
أطراف الدعوى و القاضي الجزائي أن يكون الإثبات حراً ، لأن المجرم يحاول أن يخفي
علائم الجريمة التي ارتكبها وصلته بها وهذا بدوره يتطلب أن يكون الإثبات حرا و
اقتناع القاضي حرا ليستطيع القاضي أن يغلق الأبواب التي يفتحها المجرم للآفلات من
العقاب جـ - الأمور الجنائية من الصعب حصرها في أطار محدد بصورة مسبقة لأنها غير
قابلة للتوقع مع تطور الحياة الاجتماعية إذ أن هذه الأمور تنصب على وقائع مادية و
نفسية يكون من الصعب إثباتها ما لم تترك لحرية القاضي تقدير كافة الظروف والأدلة
المطروحة أمامه وعدم إلزامه بدليل معين بشكل مسبق.
لكن حرية القاضي الجزائي في تكوين وجدانه وجهت لها انتقادات
عديدة ومن أهم هذه الانتقادات:
أ – أن قرينة البراءة نفسها التي تعتبر من أهم
ضمانات الحرية الفردية التي نص عليها الدستور تصبح عرضة للانتهاك بسهولة من قبل
القاضي الجزائي الذي يتسلح بحرية الاقتناع وتقدير الأدلة وتعطل القاعدة التي تقول
بان الشك يفسر لمصلحة المتهم لان القاضي هو الذي يقدر الشك أو اليقين أي هو الذي
يحدد قيمة الأدلة التي توصله إلى حد اليقين
ب – إن الأخذ بالمبدأ على إطلاقه يؤدي إلى صعوبة
في إثبات الجرائم بالنسبة للنيابة العامة التي تتولى مسألة الادعاء عن جهة الحق العام،
حيث لا تعرف النيابة العامة مدى قوة الأدلة التي تقدمها لإثبات دعواها فهل هذه
الأدلة تقنع القاضي أم لا كما أن هذه الحرية تجعل جهة الدفاع تجهل ما تلقاه كافة
البينات التي تقدمها من ثقة وقوة لإثبات البراءة ومدى تأثير دفوعها على مجرى الدعوى،
وهكذا يبقى مصير المتهم معلقاً في دنيا المجهول ويصبح نظام الإثبات وقوة البينات
تختلف من محكمة لأخرى ومن دعوى إلى أخرى.
جـ - رغم أن القضاة نخبة من رجال الأمة أشربت
نفوسهم بحب القانون وحب توزيع العدل بين الناس كما أنهم من ذوي النفوس الراقية
السامية و الضمائر الشريفة اليقظة ألا أن القاضي بشر لا يخلو تكوينه البشري من ميل
أو محاباة ضعف وآخرين ضعفاء أمام السلطة وذوي النفوذ أن تلك الأمور يمكن أن تجعل
القاضي الجزائي يستغل هذه الحرية الواسعة و السلطة التي بين يديه لإصدار أحكام
ليست في مصلحة العدالة وتكون تنفيذاً لرغبات معينة أو إرضاء لجهات معينة و استنادا
لذلك فقد يبرأ مجرم ويدان برئ .
د – المؤثرات الداخلية والخارجية على إدراك
القاضي وتأثير ذلك على حرية القاضي ومنها عامل الذاكرة وعامل التوقع والتخمين
وكذلك الحالة النفسية والجسمية التي يكون عليها القاضي عندما يدرس الدعوى ويصدر
حكمه ولا يسعنا هنا إلا أن نسأل سؤالا هل قرار القاضي الجزائي عندما يكون سعيدا هو
نفسه عندما يكون منزعجا بنفس الدعوى؟ وكذلك اعتقادات القاضي المسبقة وثقافته تؤثر
فيما يدركه القاضي من أدلة تشكل العالم الخارجي الذي يتصل إدراك القاضي الجزائي به
وتأويل القاضي للعالم الخارجي الذي يتصل به من شأنه أن يؤثر سلباً أو إيجابا على
اقتناع القاضي الجزائي
لقد خرج المشرع عن مبدأ حرية الإثبات وعدم تقيد القاضي أو الخصوم بأدلة معينة
في بعض الأحوال وأخذ بنظام الإثبات المقيد استثناءاً من المبدأ العام فقد نص الفصل
153 م ا ج على أنه:
" إذا كان
وجود الجريمة يتوقف على وجود حق شخصي، فإن الحاكم يعتمد وسائل الإثبات الخاصة بذلك
الحق." فإثبات المسائل غير
الجزائية التي تتعلق بها الجريمة يجب أن
يكون بإتباع قواعد الإثبات الخاصة بها و يستبعد الإثبات الحر وهذا يعني انه يتطلب
من القاضي عندما تثار أمامه مسألة غير جزائية . مدنية أو تجارية أو أحوال شخصية
بصورة تابعة للدعوى الجزائية و كانت هذه المسألة تحتاج إلى إثبات أن يتبع طرق
الإثبات الخاصة التي تطبق على هذه المسائل فيما لو كان النزاع غير منظور أمام
المحكمة الجزائية و ذلك لان طرق الإثبات ترتبط بطبيعة الوقائع
التي ينصب عليها وليس بنوع القضاء الذي ينظر فيها وذلك طبعا مع احترام مقتضيات
الفصل 132 م ا ج المتعلق بالمسائل الأولية.
كما أن القرائن تعتبر وسيلة إثبات غير
مباشرة يستمد القاضي الجزائي قناعته منها بعد إخضاعها لمحاكمته العقلية عن طريق
استنتاج وقائع مجهولة يراد إثباتها عن وقائع أخرى معلومة توجد بينها و بين الجريمة
صلة سببية منطقية أن القرينة الناتجة عن استنتاج سليم و منطقي تعتبر من الوسائل
المهمة لربط عناصر الإثبات للوصول للحقيقة الساطعة وقد وضحت ذلك محكمة النقض في
العديد من قراراتها عندما قالت أن القناعة الوجدانية في القضايا الجزائية يمكن أن
تتولد عن شذرات متفرقة من الظروف أو الحوادث التي تشكل بمجموعها سلسلة من القرائن
الموجبة لقناعة قضاة الموضوع وان وجود قرينة واحدة في إثبات الجرم لا يكفي بل لا
بد للقاضي لكي يحكم بالإدانة من الاستناد لعدة قرائن متضافرة على ارتكاب الجرم أو
العكس لذلك فان القرائن تخضع لتقدير القاضي وتأويله وله مطلق الحرية بالأخذ بها أو
تركها جانباً .
وتخرج القرائن القانونية عن نطاق هذه
السلطة التقديرية للقاضي الجزائي في تجزئة وسائل الإثبات واعتمادها. وتجعله مطالبا
فقط, باعتماد ما تضمّنته واحتوته القرينة التي تعتبر فترة تجربة تشريعية طويلة
مبنية على الملاحظة ضدّ ذوي السوابق, وفق ما اعتبره الفصل 276 م.ج من قيام التجريم
في حقهم, بمجرّد عقابهم في السابق من أجل الاعتداء على الأملاك, والأشخاص, ووجد
لديهم نقودا أو رقاعا مالية أو أمتعة لا تناسب وضعهم الاجتماعي, ولم يتمكنوا من
إثبات مصدره إذ أنّه بتوفّر جملة هذه الشروط, اعتبر ذلك قرينة على ارتكاب المظنون
فيه لجريمة مسك أشياء مجهولة المصدر[91].
أما الاثبات في حالة التلبس فهو يمتاز بخصوصية
إذ يبنى التلبّس على
الاستعجال الذي يعطي لوكيل الجمهورية صلاحيّات واسعة تمكّنه من ممارسة أعمال
الإثبات بكلّ حرية ودون التقيّد بالضوابط التي تمليها أعمال البحث في الحالات
العاديّة بما يجعل من تعدّد صوره تجسيدا لمبدإ حرية الإثبات عبر تفعيله وتوسيع
مبناه[92].
يعرّف التلبّس على أنّه "حالة
واقعية تتشكل من مجموعة من المظاهر الخارجية تدل على أن هناك جريمة تقع أو لم يمر
زمن طويل على اقترافها"[93]
وهو تعريف
يستوعب أحكام الفصل 33 م.إ.ج[94] الإثبات في حالة التلبّس
يبنى التلبّس على الاستعجال الذي يعطي
لوكيل الجمهورية صلاحيّات واسعة تمكّنه من ممارسة أعمال الإثبات بكلّ حرية ودون
التقيّد بالضوابط التي تمليها أعمال البحث في الحالات العاديّة بما يجعل من تعدّد
صوره تجسيدا لمبدإ حرية الإثبات عبر تفعيله وتوسيع مبناه[95].
يعرّف التلبّس على أنّه "حالة
واقعية تتشكل من مجموعة من المظاهر الخارجية تدل على أن هناك جريمة تقع أو لم يمر
زمن طويل على اقترافها"[96]
وهو تعريف يستوعب أحكام الفصل 33 م.إ.ج[97]
ويتنافى منح الباحث الحرية المطلقة للقيام
بعملية البحث والتقصّي وخاصيات دولة القانون التي مثلما يعطى فيها للمجموعة حق
التصدي للجريمة يمنح فيها للأفراد الضمانات الأساسية التي توفر لهم محاكمة عادلة ومن
هذا المنطلق ظهرت ثنائية المبدأ القائل بأنه إذا كانت القاعدة هي حرية الإثبات
فإنّ هذه الحريّة يجب أن تكون مستجيبة للمقتضيات القانونية ولا تخالفها[98]. ويتنافى منح الباحث
الحرية المطلقة للقيام بعملية البحث والتقصّي وخاصيات دولة القانون التي مثلما
يعطى فيها للمجموعة حق التصدي للجريمة يمنح فيها للأفراد الضمانات الأساسية التي
توفر لهم محاكمة عادلة ومن هذا المنطلق ظهرت ثنائية المبدأ القائل بأنه إذا كانت
القاعدة هي حرية الإثبات فإنّ هذه الحريّة يجب أن تكون مستجيبة للمقتضيات
القانونية ولا تخالفها[99].
الفقرة الثانية- تضييق مجال حرية الاثبات
إستبعد المشرع نم دائرة اقتناع القاضي الجزائي
بعض الأدلة وحرم عليه الاستناد إليها و تشكيل قناعته بناءً عليها فالحرية
دائما ما تحمل ضوابط تتعلق بكيفية البحث عن الدليل الجزائي. فأهمية الدليل توازيها
أهمية أخرى بنفس القدر وهي مشروعية عملية البحث عن هذا الدليل ومن ثمة مشروعية
الدليل في حد ذاته. وقد تضمن دستور
2014 ضمانات عدة من ذلك تكريسها لحقوق الانسان والحريات العامة في باب كامل متعلق
بها[100].
خاصة الفصول 27 [101]
و28 [102]
و29 [103]
المكرسة لمقاربة تونسية لمفهوم حقوق الإنسان واحترام الذات البشرية للفرد وكرامته،
كما أن هذه الفصول تؤسس للشرعية الاجرائية[104]
التي تشمل كل أطوار القضية الجزائية
فقد ربط المشرع مثلا صلب الفصل 65 من قانون مكافحة الإرهاب استعمال
وسائل الإثبات التي وقع جمعها بمناسبة عملیة اختراق أو اعتراض أو مراقبة سمعیة
وبصریة في حدود إثبات الجرائم المعنیة بالبحث أو غیرها من الجرائم الإرهابیة، أما
بالنسبة لبقیة الوسائل التي لیست لها علاقة بالبحث فیجب أن یتم إعدامها بمجرد صدور
حكم بات سواء قضى بالإدانة أو البراءة وفرض المشرع إعدام كل الوسائل، سواء التي
لها علاقة بالبحث أو التي لیست لها علاقة به، في صورة صدور حكم بات بالبراءة أو في
صورة انقضاء الدعوى العمومیة بمرور الزمن أو في حالة صدور قرار بات بالحفظ. أما في
حالة صدور حكم بات بالإدانة، فیتم حفظ الوسائل التي لها علاقة بالبحث بخزینة
المحكمة طیلة المدة القانونیة اللازمة. وفي جمیع الأحوال یجب تحریر محضر في الغرض
ونظرا لارتباط المسألة بالحياة الخاصة للافراد فقد جزم القانون اقتناء
المعلومات المتعلقة بعملية اقتراض الاتصالات وغيرها من طرق التحري الخاصة[105] معتبرا ان اقتناء هذه المعطيات عمدا يستوجب السجن لمدة عشر سنوات كما جرم
القانون التهديد باقتناء المعلومات المتحصل عليها من عملية اعتراض الاتصالات او
غيرها من آليات التحري الخاصة بالجرائم الإرهابية أو جرائم الاتجار بالأشخاص بغرض
ابتزاز شخص وأوجب لذلك عقبة السجن لمدة خمس سنوات مع خطية قدرها خمسة آلاف دينار[106].
وتنسحب هذه العقوبات على المخالفين للأحكام المتعلقة بالمراقبة السمعية البصرية.
كما رتب عقوبات مشددة لكلّ من يستعمل ما وقع جمعه بمناسبة المراقبة السمعية
البصرية في ابتزاز أشخاص أو التشهير بهم والمحاولة موجبة للعقاب[107] تكون الترتيبات التقنية
الموضوعة للأغراض المراقبة الإلكترونية موجهة حصريا لتجميع وتسجيل معطيات ذات صلة
بالحالات الواردة على سبيل الحصر أعلاه على غرار الأفعال الإرهابية أي الجرائم
الأكثر خطورة.[108]
فالمشرع يتدخل أحيانا لوضع حد يفرض بموجبه
بمقتضى نص قانوني صريح على القاضي اعتماد
وسيلة معينة في الإثبات[109]
كفرض اعتماد المحاضر المحرّرة كما يجب طالما لم يثبت ما يخالفها[110]
كاعتماد "المواد التي تكون موضوع تقارير ما لم يقع الطعن فيها بالزور[111]
"وهو ما يقيّد سلطته في التقدير انطلاقا من القوّة الثبوتية التي أعطاها
القانون لوسائل إثبات معينة".
ضوابط حرية القاضي الجزائي في الاقتناع وتقدير
الأدلة أن حرية القاضي الجزائي في الاقتناع وتقدير الأدلة ليست حرية تحكمية و
عشوائية و غير منضبطة بل حرية لها ضوابط محددة يجب مراعاتها و إتباعها من أجل
الوصول إلى أحكام صحيحة تصون الحق و تحافظ على حسن سير العدالة ومن هذه
الضوابط :
أولاً : يجب أن يكون الاقتناع بناءً على وجود دليل :
"إن كان وجدان القاضي الجزائي هو
المرجع في اقتناعه بالأدلة التي تطرح عليه فإن ذلك مقيد بشروط ضمانا لحريات
الأفراد منها أن تكون الأدلة قائمة في الدعوى وليست وهمية لا تؤدي إلى النتيجة
التي توصلت إليها المحكمة"[112]. فالقاضي الجزائي عندما يكون قناعته لا يكونها من فراغ إنما بناءً على أدلة
موجودة بالدعوى، ، إذ تتّجه جهود من لهم الحق في الإثبات إلى جمع الأدلة التي تؤكّد صلابة الاتهام
الموجّه على المظنون فيه أو على غيره[113]
والتي تثبت قيام الأركان القانونية للاتهام[114] والمشرع لم يحدد أدلة معينة في الإثبات الجزائي
أنما فرض على القاضي الجزائي أن يبني قناعته استناداً إلى دليل موجود وهذا الدليل
يجب أن يكون كاملاً و قد أدى الاستناد عليه إلى هذه النتيجة التي استخلصها القاضي فعلى
محكمة الموضوع أن تبين من أين استمدت قناعتها. وذلك ليتسنى لمحكمة التعقيب مراقبة
حسن تقدير واستدلال القاضي لان هناك بعض الوقائع او المواقف لا ترقى إلى مرتبة
الدليل و بالتالي لا يصح الركون إليها وحدها في تشكيل القناعة للمحكمة.
ومن هذا القبيل أن صمت المتهم لا يعد إقراراً
منه على ما نسب أليه لأنه لا ينسب إلى ساكت قول ، كما لا يجوز للمحكمة أن تتخذ من
غياب المدعى عليه أثناء المحاكمة قرينة كافية للحكم عليه دون وجود دليل . كما أن شهادة
متهم على أخر ليس بدليل كاف على نسبة الجرم إلى المتهم الآخر أنما يبقى قولا يحتاج
إلى دليل أو أدلة تسانده وبالتالي لا يجوز الاعتماد عليه في الإدانة. فعلى القاضي الاعتماد على ما تجمع لديه من أدلة دون
سواها, وأن تبقى عواطفه أبعد من أن تؤثر عليه عند تولّيه القيام بالموازنة
والترجيح بين سائر الأدلة، فهي الحد الفاصل في نظر القاضي بين الفعل الإجرامي
ومرتكبه.
وفق ما أكّدته محكمة التعقيب حين اعتبرت
أنّ "استنتاج الحكم توافر ركن الإضمار من اعتراف المتهم المفصل لدى الباحث
المنتدب وإعداده السلاح المناسب لاقترافه الجريمة منذ مدة عن وقوعها وإخفائه لآلة
الجريمة بدكان عمله عدة أيام انتظارا للفرصة السانحة ثم التسلّح به وإخفائه تحت
معطفه والتنقل به من مدينة تونس إلى ضاحية حمام الأنف يوم أن قرر إنجاز ما عقد
عليه العزم وبحثه عن مكان مظلم بعيدا عن الأنظار وهجومه عليها بدون موجب وإصابتها
بضربات متتالية من الساطور في رأسها مما جعل المتضررة تستعمل يدها لتلقيها كاف
لقيام محاولة القتل مع سابقية القصد"[115].
ثانياً :
بجب أن يكون الدليل الذي استخدمه القاضي في قناعته قضائياً :
له أصل في أوراق الدعوى وطرح في الجلسات
للمناقشة العلنية وخضع لحرية المناقشة من قبل أطراف الدعوى بعد تلاوته أمام الجميع
من قبل المحكمة وفائدة ذلك حتى يعرف أطراف الدعوى الأدلة التي ضدهم و الأدلة التي
من مصلحتهم ولكي يكون القاضي قناعته استناداً إلى تحقيق أجراه بنفسه من جهة أخرى و
الاجتهاد مستقر على أنه لا يجوز للمحكمة أن تعتمد إلا البينات التي طرحت أمامها
وتناقش فيها الخصوم ويجب أن يكون هذا الدليل مدونا في ضبط الجلسات وأوراق الدعوى
لا مكان القول بأن القاضي قد رجع إليها وقام بدراستها قبل إصدار حكمه
ثالثاً :
الاقتناع بناءً على الإلمام بجميع الأدلة :
يجب على القاضي لتكون قناعته صحيحة وقبل أن يصدر
حكمه أن يطلع على جميع الأدلة الموجودة من الدعوى وان يمحص كل تلك الأدلة أدلة
إثبات كانت أو أدلة نفي[116] مبدأ تكامل الأدلة يعد من أهم المبادئ
التي تحكم الإجراءات الجزائية[117]
ذلك أن الأدلة المتضافرة تدعم النتيجة التي خلصت إليها المحكمة وبنت عليها عقيدتها
دون لزوم أن يقطع كل دليل مع جميع جزئيات الدعوى[118].
أكدت محكمة التعقيب على مبدأ العقلانية
الذي يفرض البحث عن عناصر البراءة والإدانة والموازنة بينهما بما يؤدي إلى الوصول
إلى الحقيقة الواقعية إذ اعتبرت أنّ "دور المحكمة البحث عن عناصر البراءة والإدانة
على حد السواء ثم الموازنة بين مختلف تلك العناصر وترجيح ما يقنع وجدانها لتلاءم
القانون على الواقعة المادية بحسب ما نستخلصه من مظروفات الملف[119]".
وهو ما استقر عليه فقه قضاء محكمة التعقيب في العديد من القرارات[120].
ويتوصّل القاضي الجزائي عبر التعمق في جملة وسائل الإثبات المظروفة بملف القضية
وموازنتها للترجيح بين وسائل الإدانة والبراءة، ليكون على يقين من الاتجاه الذي
تكوّن وفق وجدانه الخالص[121].
وهو ما أكّدته محكمة التعقيب حين اعتبرت أن
"إهمال المحكمة لعناصر واقعية وأدلة تعتبر قرائن للإدانة دون تناولها بالدرس
والتمحيص وإبداء الرأي فيها مثل وجود ملفات قضايا في كيس بمنزل المتهم الأصلي
وإجراء الموازنة بينها وبين أدلة البراءة التي اعتمدتها يورث حكمها ضعفا في
التعليل يستوجب النقض"[122].
رابعا:
الاقتناع بناء على أدلة مشروعة وصحيحة :
على القاضي أن يكون قناعته الوجدانية من خلال
أدلة مشروعة وصحيحة ويطرح الأدلة التي جاءته عن طريق إجراءات غير مشروعة أو غير
قانونية جانباً لأن ما بني على باطل فهو باطل وغاية المشرع من ذلك تأمين حق الدفاع
المقدس للأفراد وبالتالي يكون الدليل المستحصل عليه بالضغط والإكراه والخديعة
والاحتيال دليلا معيبا يتوجب على القاضي استبعاده من بين الأدلة المطروحة عليه
وذلك استنادا للدستور[123]
خامسا :
يجب أن يكون الاقتناع يقينيا:
اعتمادا على قاعدة( الشك يفسر لمصلحة المتهم ) فإن
الأحكام يجب أن تبنى على الاقتناع اليقيني القاطع و الجازم بارتكاب المتهم للجرم
فالقاضي الجزائي يجب أن لا يحكم إلا بعد أن تكون قد تمثلت في ذهنه كافة احتمالات
الواقعة الجرمية ، وكانت كافة هذه الاحتمالات تؤدي إلى أدانه المتهم فلو وجد
احتمال بسيط لمصلحة المتهم يبرئ ساحته فان هذا الاحتمال يعتبر شكاً و الشك يفسر
لمصلحة المتهم، إذا يجب أن تبنى الأحكام على الجزم و اليقين و ليس الظن و الاحتمال[124]
وفي هذا الضابط يجب التفرقة بين مرحلتين ، مرحلة
التحقيق و مرحلة المحاكمة ففي مرحلة التحقيق لا يشترط أن تصل قناعة القاضي إلى حد
اليقين الكامل بإدانة المدعى عليه بل يكفي مجرد ترجيح الإدانة على البراءة . أما
في مرحلة المحاكمة و الحكم فإن الحكم بالإدانة يجب إن يبنى على اليقين الكامل
لاستبعاد قرينة البراءة فقاضي الإحالة لا يتحرى عن اليقين المطلق وإنما عن كفاية
الأدلة للاتهام.
أكّدت محكمة التعقيب على شرط اليقينية كشرط
ضروري لوجدان القاضي الجزائي حين اعتبرت أنّه "من الثابت فقها وقانونا أنّ
الأدلة التي تلزم القاضي على الأخذ بها إنما هي الأدلة التي يطمئن إليها يقينه دون
سواها"[125]
وهو ما استقرّ عليه فقه قضائها[126]. إذ تؤكّد محكمة التعقيب، على ضرورة أن يتولى
القاضي الجزائي تحليل جميع الأدلة وإبداء رأيه فيها للوصول إلى بيان أسباب
اعتمادها أو عدم اعتمادها ذلك أنّ تحليل الأدلة يتطلب توضيح كل عناصر الجريمة
بالتدقيق في جميع ما تمّ جمعه من وسائل إثبات[127]
بما يفضي إلى تصديه للقيام بجمع الأدلة إذا ما تبين له عدم كفاية ما تمّ عرضه عليه
من وسائل لتكوين قناعته بالإدانة أو بالبراءة[128].
فحتى الاعتراف هو دليل يخضع لتقدير القاضي
الجزائي و قناعته به فإذا اقتنع به أخذ بمضمونه و حكم بالاستناد إليه أما إذا لم
يقتنع به فيستبعده شأنه شأن أي دليل يقدم للقاضي . وعندما يريد القاضي أن يأخذ
بالاعتراف و يستند إليه فيتوجب عليه أن يبحث في أسباب الاعتراف و دوافعه و يبحث عن
السبب الحقيقي للاعتراف و ما يخفي المعترف وراء اعترافه لذا يتوجب على القاضي أن
يتأكد من أن الاعتراف ينسجم مع بقية الأدلة وأن يتأكد أيضاً أنه صحيح و صادق و
مطابق للحقيقة كما يستطيع القاضي بموجب حريته في تكوين قناعته أن يجزئ الاعتراف في
الدعوى الجزائية فهو يستطيع أن يأخذ بجزء من الاعتراف اطمأن إليه و اقتنع به كما
يمكن أن يستبعد جزءا منه لم يطمئن إليه و يقتنع به و يتوجب عليه تبيان أسباب
التجزئة وبالنسبة لعدول المتهم عن اعترافه فانه للقاضي أن يأخذ بالاعتراف رغم
العدول عنه إذا كان القاضي مقتنعاً بالاعتراف وقامت أدلة أخرى تؤيد الاعتراف الذي
تم العدول عنه فإذا لم يأخذ القاضي بالعدول فعليه أن يبين في حكمه السبب الذي دفعه
للأخذ بالاعتراف و استبعاد العدول من ذلك نرى أن أثر الاعتراف أمام القاضي الجزائي
على قناعته يبقى مثله مثل باقي الأدلة الموجودة في الدعوى و يبقى خاضعاً لتقديره.
محكمة التعقيب التأكيد على مبدأ التكافؤ
بين الأدلة حين اعتبرت أنّ "الاعتراف المحرر بصفة قانونية هو من الحجج التي
يسوغ للقاضي الاستناد إليها كما يسوغ له رده لأسباب قانونية يبيّنها بحكمه وله
أيضا أن يبحث عن براهين أخرى إذ رأى ذلك الاعتراف مجملا كل ذلك راجع لاجتهاده
المطلق دون معقب عليه ولا رقيب ما دام حكمه معللا لا يشوبه قصور أو تناقض"[129].
أكدته محكمة التعقيب حيث اعتبرت أن
"الإقرار الذي أدخل عليه عند تلقيه تشويشا جعله غير واضح في مدلوله ومؤداه لا
تثبت به الإدانة"[130]
وهو ما أكّدته محكمة التعقيب حين اعتبرت
أنّه "إذا كان اعتراف رفاق المتهم في كامل أطوار البحث صريحا مفصّلا ومؤيّدا
في الخارج بالماديّات فإنّ إنكار المتهم لا يلتفت إليه وكذلك تراجع رفاقه"[131].
أكّدت محكمة التعقيب على الحجيّة النسبية
لما ورد بالاعتراف في حق غير من صدر عنه حين أخضعته إلى مطلق اجتهاد قضاة الأصل
طالما لم توجد أدلّة تؤيّده أو تدعّمه معتبرة أنّ الأخذ بالإقرار يجب أن يكون وفقا
لمدى انسجامه مع ما تمّ جمعه من حجج ومؤيّدات[132].
تؤدي الحجية النسبية لإقرار المظنون فيه
بالفعل الإجرامي أو نفيه له إلى عدم تقييد الباحث ولا القاضي الجزائي[133]
اللذين يتوجّب عليهما البحث والتحري قصد جمع الأدلة التي من شأنها أن تؤدي إلى
إثبات الاتهام.
وكذلك الشهادة و وزنها هي مسالة موضوعية لا
رقابة فيها لمحكمة النقض إلا إذا كان تقدير القاضي للشهادة لا يأتلف مع المنطق
السليم و لا يسلم فيه العقل فإذا كانت واضحة لا تحتمل تأويلا فيجب أن لا يحرف
القاضي هذه الشهادة عن مضمونها الحقيقي مع أن للمحكمة أن تجزئ الشهادة فتأخذ من
شهادة الشاهد واقعة دون أخرى ، طالما أن وجدان المحكمة قد اطمأن إلى صحة هذه
الواقعة دون بقية الشهادة ولا اثر لعدول الشاهد عن شهادته فللقاضي الأخذ بها إذا
اطمأن لصحتها إلا أن العدول يثير الشك من الناحية العملية مما يؤدي إلى تضاؤل
أهميتها و للقاضي أيضاً بناءً على مبدأ حرية الاقتناع أن يفضل شهادة الشهود الذين
سمعهم على سبيل الاستدلال و المعلومات على شهادة الشهود الذين حلفوا اليمين بشرط
أن تساند هذه الشهادة أدلة تدعمها وان يكون تقدير المحكمة للشهادة المسموعة على
سبيل الاستدلال يأتلف مع العقل و المنطق السليم
وفق ما أكّدته محكمة التعقيب حين اعتبرت
أنه "يحقّ للمحكمة أن تجزئ أقوال الشاهد فتأخذ ببعضها دون الآخر ولا معقب عليها في ذلك طالما المرجع
منه إلى اطمئنانها إذ الإثبات في المادة الجزائية يقوم على حرية القاضي في تكوين
عقيدته من كل دليل لم يحجّره القانون[134]".وفق
ما أكدته محكمة التعقيب حين اعتبرت أن "تقدير وسائل الإثبات ومنها شهادات
الشهود ومدى تأثيرها على وجدان الحاكم الجزائي أمر موضوعي موكول تقديره لمحض اجتهاد
محكمة الموضوع[135]"
والتي تمارس عليها سلطتها التقديرية عندما تتناقض الشهادة بين شاهد وآخر بما
يمكنها إمّا بالأخذ ببعضها دون البعض الآخر أو تركها واعتماد غيرها من وسائل
الإثبات إن وجدت وذلك بالاعتماد على مدى قوة الشهادة بغض النظر عن مسألة تعدّدها[136].
سادساً : تعليل و تسبيب الأحكام :
أن من ضوابط حرية القاضي الجزائي في الاقتناع
بأي دليل ، أن يسبب حكمه أي يذكر الأسباب و العلل التي قادته و جعلته يحكم
بالإدانة أو البراءة ، ويسند القاضي الجزائي عقيدته بالأدلة التي تؤكدها بالتعرّض إليها عبر
دراستها وإظهار قوتها وتماسكها ومنطقيتها وأن يتفادى بسوء تقديره للدليل الحياد عن
معناه بما يؤدي إلى تأثير الاستدلال على صحة النتيجة التي توصل إليها المحكمة وهو
ما يجعله حكما قاصر الاستدلال[137].
و إلا كان القرار عرضة للنقض فمن أهم أولويات القاضي الجزائي أن يعتمد
عند تعليل حكمه على بيان الارتباط الوثيق بين الدليل والعمل الإجرامي وفق ما حدث
إذا اعتبرت أنّه يكون "قابلا للنقض لقصور عن البيان والتعليل الحكم الجزائي
الذي قضى بالعقاب من أجل القتل على وجه الخطأ مكتفيا بالتصريح بأن الفعل لا يخلو
من كونه عملا نشأ عن عدم تبصر ودراية دون أن يشخص الجريمة تشخيصا واضحا ليتسنى
لمحكمة التعقيب القيام بوظيفتها في الإشراف على حسن تطبيق القانون"[138].
محكمة التعقيب أهمية بيان ارتباط أدلة
الإثبات بالنص القانوني حين اعتبرت أن "انتهاء محكمة الحكم المنتقد إلى ثبوت
إدانة المتهم من أجل المشاركة في السرقة بناء على القرائن المضمنة بمستندات حكمها
والحال أنه لا يوجد أي دليل قاطع يفيد ذلك ودون أن تتولى إبراز الأركان القانونية
للأفعال المنسوبة للمتهم يجعل قضاءها مشوبا بالقصور في التعليل وبخرق القانون
الأمر الذي يتجه معه نقض الحكم المطعون فيه"[139].
تعليل حكمه, الذي يعدّ بمثابة المرور من
مرحلتي الإثبات سلبا أو إيجابا, وتكوين القناعة الذاتية الداخلية المرتبطة بذلك
الإثبات إلى مرحلة البيان الخارجي له باعتبار أنّ ذلك يمثل الضمانة لحقوق الإنسان
بالحفاظ على حقوق الأفراد[140]
عبر تعريفهم بمبررات الحكم الذي صدر لفائدة أحد الأطراف أو بيان قصور تلك الأدلة عن إثبات الفعل الإجرامي
في حقه[141].
وفق ما أكّدته محكمة التعقيب حين اعتبرت
أنّه "ولئن كان لمحكمة الموضوع الحرية المطلقة في تقدير قوة الأدلة واستخلاص النتائج
القانونية منها فإنها ملزمة بتعليل حكمها تعليلا متماشيا مع أوراق القضية وشاملا
للرد على أدلة الاتهام بردود تتماشى مع المنطق والمعقول"[142].
ما أكدته محكمة التعقيب حين اعتبرت
""أن محكمة الموضوع بترجيحها للاختبار الذي داخلها الشك فيه أولا على
بقية الاختبارات التي أجريت بطلب منها والمغايرة للأول وبالرغم من كون التحرير
عليه لم يكشف عن عناصر جديدة تقطع بصحته وتزيح ما خامر وجدانها من شك في سداده
تكون قد بنت حكمها على دليل يعتريه الشك مما يتنافى مع القواعد المسلم بها فقها
وقضاء مما يجعله مستهدفا للنقض"[143].
وقد سبق لمحكمة
التعقيب أن بينت في قرار ممتاز قيمة وأهمية التعليل كضمانة عامة لحسن وسلامة تطبيق
القانون إذ قررت مايلي: "حيث أن العمل القاضي له أصول وثوابت عريقة أساسها
إقامة العدل بين الناس تطبيقا للقانون واستنادا إلى الحجة والدليل في إطار احترام
حقوق المتقاضين سواء كانوا متضررين أو متهمين أو طالبين أو مطلوبين وهي ثوابت لا
يمكن الحياد عنها تحت أي ضغط أو ظرف. ولا يكون القضاء قضاء إذا لم يتناول بالنقاش
دفوعات الطرفين ويجيب عليها ويرد ما يرد ويقبل استنادا إلى القانون ومنطق الواقع.
وحيث أن الجدية في تحييث الأحكام وفي عرض المحكمة لرأيها بخصوص المسائل القانونية
المعروضة وعليها وتجنب السفسطة والسطحية أمر بديهي وهو فوق ذلك واجب يفرضه القانون
ويفرضه حسن سير القضاء ويفرضه إحترام المحكمة لمهمتها الرامية إلى رد المظالم
وصيانة الحقوق ويفرضه إحترامها لمهمة الدفاع الرامية إلى مساعدة المتقاضين على
التوصل بحقوقهم ويفرضه احترامها للمتقاضين الذين يعتبرونها الملجأ الأخير الذي
يلوذون به لكف ما تسلط عليهم من أذى وضرر أو لإنصافهم من الإدعاءات الباطلة
والكيدية والمغرضة. وحيث بقطع النظر عن ثبوت الإدانة من عدمها فأنه سبق لدفاع
المتهم أن تمسك أمام محكمة القرار المنتقد
بالمطاعن المعروضة الآن على محكمة التعقيب وهي مطاعن جدية تستحق الرد كما أدلى
بجملة من المؤيدات التي تستوجب الدرس واستخلاص النتائج القانونية منها إلا أن
الهيئة الحاكمة اكتفت بتصريحات المتضرر والشاهد وابتدعت قرينة جديدة تتمثل في تصريحات
الباحث، ليصبح الباحث هو الذي يدلي بالتصريحات عوضا عن تلقيها، دون أن تبين رأيها
فيما عرض عليها حتى تتمكن هذه المحكمة من مراقبة تطبيق القانون ودون أن تبرز أركان
الجريمة ولا أن تتعرض لما تمسك به دفاع المتهم سواء بتضمينه أو بالرد عليه وهو ما
يجعل حكمها هزيلا على مستوى القانون والواقع وتعليلها فاقدا للجدية والموضوعية
واتجه تبعا لما تقدم نقض ما صرحت به الهيئة الحاكمة مع الإحالة"[144].
ويستخلص من جملة
ما سبق أن المشرع جين فرض تقنية التعليل فقد أراد ترشيد العمل القضائي وإخضاعه
لرقابة لاحقة تسمحبالحكم عليها بالصحة أو بالبطلان وهي رقابة تتم بناء على طعن
الدفاع في سلامة الاجراءات حماية لحريات الناس[145].
وفي هذا الاتجاه
اعتبرت محكمة التعقيب أن عدم تعليل قرار رفض الافراج يعتبر خرقا لإجراءات أساسية: "وحيث
تبين بمراجعة القرار المطعون فيه أن الدائرة قررت رفض مطلب الإفراج بدون أي تعليل
واقعي أو قانوني وهو مطعن كاف بنقضه هذا فضلا على أنه هضم حقوق الدفاع إذ أنه لم
يجب عن الدفوعات المتعلقة أساسا بتوفر شروط الإفراج بخصوص المدة وتعبير المعقبة
بالأمر على استعدادها لدفع ضمان مالي وترتيبا على ذلك فإنه يتعين نقضه لضعف
التعليل وخرقه الإجراءات الأساسية المتمثلة أساسا في الرد على الدفوعات الشكلية
والجوهرية ولمعارضته لمصلحة المتهم الشرعية وإرجاع الملف إلى محكمة الإستئناف
بتونس لإعادة النظر فيه مجددا بهيأة أخرى صلب قرار يحترم الموجبات القانونية"[146].
سابعاً :
الاقتناع الذي يأتلف مع المنطق والعقل السليم :
يجب أن يكون ما يعتمده القاضي من أدلة يؤدي بشكل
طبيعي إلى النتيجة التي وصل إليها فاستقلال القاضي في تقدير الأدلة مقيد بسلامة
التقدير والاستدلال فإذا كانا غير سليمين أو كانا قائمين على أسس ضعيفة وركائز
واهية فان الحكم الصادر يكون خاضعا لرقابة محكمة التعقيب و عرضة للنقض و ذلك من
اجل صيانة الحق و حسن تطبيق القانون يعدّ مبدأ
حريّة الإثبات الإطار الأمثل الذي تمارس فيه أعمال البحث والتقصّي لجمع كلّ
الأدلّة الموصلة إلى الحقيقة[147] والذي
عليه بُنيت منظومة الإثبات الجزائي القائمة على اعتماد كلّ الوسائل الموصلة إلى
كشف الحقيقة لهذا فقد فعّل المشرّع التونسي مبدأ حرية الإثبات من حيث الوسائل دون
التقييد بوسائل معيّنة[148]
غايته في ذلك تحقيق حماية المجتمع من الجريمة.
[2]-
Guinchard
Serge et Buisson Jacques, Manuel
de procédure pénale 5ème édition Lexis Nexis Litec ouvrage couronné par
l’académie des sciences morales et politiques
Prix Henori Texier 2000 pour la défense de la liberté individuelle..
P 01.
[3]- Lobe- Fouda
Madeleine, Procédure pénale
Panorama du droit collection dirigée par Guillaume Bernard, imprimerie
France Quercy 2007 Licence- Master. P 13.
[4]-
Gaston Stefani, Georges Levasseur, Bernard Bouloc , Procédure pénale, 22ème édition Dalloz 2010 P 02.
[5]-
Corinne Renault- Brahinsky, procédure pénale, 2
ème édition Carlet Imprimeur 2008, P 18.
[6] -
محمد الحبيب بودن, تأثير المعطيات السياسية على الإجراءات الجزائية م.ق.ت نوفمبر
1997., ص 53 .
[7]
الموسوعة العربيّة العالميّة، 9/298، ط.1 - الرياض 1996. محمد بهاوي، الحرّية،
نصوص فلسفية مختارة ومترجمة، دار إفريقيا الشرق للنشر، ط.1 الدار البيضاء 2014 -
ص.75. عزمي بشارة، مقالة في الحرّية، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات،
الطبعة الأولى، جوان 2016 - ص.27.
[8]
ابن منظور، محمد ابن مكرم، لسان العرب، الجزء 4، ط.1 بيروت دار صادر ص.181.
[9]
محمد عمارة، إزالة الشبهات عن معاني المصطلحات، دار السلام، ط.1 - 2010،
ص354. عبدالله العروي، مفهوم الحرّية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط.5
- 1993، ص13.
[10]
الطاهر أحمد الزاوي، ترتيب القاموس المحيط،1/616، ط. دار الكتب العلميّة-
بيروت 1979.
[11]- الجمعية الفلسفية المصرية، فلسفة الحرية، ص
76.
[12]
مجموعة مؤلفين، الموسوعة العربيّة العالميّة، 9/298، ط.1 -
الرياض 1996.
[13]
زكريا ابراهيم، مشكلة الحرّية، مكتبة مصر ، دار الطباعة الحديثة، ط.2 -
ص.16.
[14] بدوي عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة ج1، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،
بيروت، 1984، ص460
[15] جون جاك روسو ، العقد الاجتماعي - دار الحرف القنيطرة المغرب 2007.
مونتيسكيو، روح القوانين، ترجمة عادل زعيتر دار المعارف بمصر القاهرة 1953 ، ص 227.
[16]
كارل بوبر، في الترجمة والفلسفة السياسية والأخلاقيّة، ترجمة عزالدين
الخطابي، منشورات عالم التربية، ط.1، 2004، ص.94.
[17] باروخ سبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي، دار الطليعة،
بيروت، ط.4، 1997، ص. 446-447.
[18] محمد الطاهر بن عاشور، أصول النظام الإجتماعي في
الإسلام. الطبعة الثانية. الشركة التونسية للتوزيع. المؤسسة الوطنية للكتاب.
الجزائر. 1985. ص 159 وما بعدها.وهو ما تم تكريسه في الفصل 49 من الدستور التونسي لسنة
2014.
[19] محمد زكي عبد القادر، الحرية والكرامة
الإنسانية: مجموعة أقوال جمعها وأشرف على ترجمتها محمد زكي عبد القادر. القاهرة:
مؤسسة الخانجي؛ دمشق : دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر ؛ نيو يورك :
مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر، 1959 .
[20] محمد الطاهر بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في
الإسلام. نفس المرجع السابق.
[21] محمد الطاهر بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في
الإسلام. نفس المرجع السابق.
[22] عبد الله الأحمدي ، حقوق
الإنسان والحريات في القانون التونسي ، أوريس للطباعة والنشر، 1993 ص23
[23] عبد الله الأحمدي ، مرجع سابق. ص.24
[24] - قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا".
وجاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مايلي: المادة 1. "يولد جميع الناس
أحراراً،" المادة 3. "لكلِّ فرد الحقُّ في الحياة والحرِّية".
فالحرّيّة كانت ولا تزال من أكثر المفاهيم المثيرة للجدل بوصفها قيمة إنسانيّة
سامية، ومفهوم كلّيّ ينطوي على مزيج من العناصر الأخلاقيّة،
[25]
- الفقرة الثالثة من الفصل 4 من دستور جانفي 2014: " شعار الجمهورية التونسية
هو "حرية، كرامة، عدالة، نظام"".
[26] - رغم أن المشرع يشير في مجلة الاجراءات الجزائية للإفراج الحاصل بعد
الايقاف التحفظي بكونه "مؤقت" حال أنه رجوع للأصل إي الحرية التي لا
يمكن وصفها بالمؤقتة وقد تجاوز مشروع مجلة الاجراءات الجزائية هذا الخطأ الجسيم
واعتبر أن الايقاف "مؤقت" ولم يقرن الإفراج بأي وصف على اعتبار أنه يشكل
رجوعا للأصل أي للحرية.
[27] - محمود داوود يعقوب: ثورة الإيقاف التحفظي.
مجلة الأخبار القانونية العدد 160-161 جويلية أوت 2013.
[28] ) إن وسيلة
الإيقاف التحفظي هي بطاقة الإيداع وهي إحدى البطاقتين القضائيتين اللتين تعرّضت
لهما مجلّة الإجراءات الجزائية وهما بطاقة الجلب وبطاقة الإيداع. أنظر: محمد
الهادي كرو، معضلة الإيقاف التحفظي. مجلة حوليات العلوم القانونية الصادر عن كلية
العلوم القانونية والاقتصادية والتصرف بجندوبة. عدد سنة 2010.
[29] - مع الإشارة لحالة غريبة
يجوز فيها لقاضي التحقيق إصدار بطاقة إيداع خارج أحكام الإيقاف التحفظي وهي حالة الفصل 77 م ا ج: "إذا اعترى ذا الشبهة عته بعد
ارتكاب الجريمة يؤخر عرضه للمحاكمة أو يؤخر الحكم عليه. ويمكن إبقاء أو وضع ذي الشبهة تحت الإيداع في السجن". وهذا إجراء غريب إذ يفترض أن تطبق أحكام
الايواء الوجوبي طبق قانون عدد 83 لسنة 1992 مؤرخ في 3 أوت 1992 يتعلق بالصحة
العقلية وبشروط الايواء في المستشفى بسبب اضطرابات عقلية، وليس إصدار بطاقة إيداع
من شأنها تعكير صحة ذي الشبهة الذي قد يكون خطرا على بقية المساجين وعبء على إدارة
السجن.
[30] - الفصل 142 – نقح بمقتضى القانون عدد 70 لسنة 1987 المؤرخ في 26 نوفمبر 1987 – إذا فر المتهم تفصيا من التتبع المجرى ضده فللمحكمة أن تصدر في شأنه
بطاقة جلب أو بطاقة إيداع وأن تأذن زيادة على ذلك بوضع مكاسبه تحت الائتمان بناء
على طلبات النيابة العمومية ويعلن عن هذه الوسيلة بالرائد الرسمي للجمهورية
التونسية ويحرر فيها إعلان يعلق بمركز الولاية التي بها محل إقامة المتهم.
وما يتممه من التصرفات في مكاسبه بعد الإعلان عن وضعها تحت الائتمان
بالرائد الرسمي وبالتعليق بمركز الولاية يكون باطلا قانونا.
ويرفع الائتمان بحكم من المحكمة التي أذنت به وفي هذه الحالة يعلن عن
رفعه بنفس الطريقة المشار إليها بالفقرة الأولى.
وعلى المحكمة في صورة إحضار المتهم بمقتضى بطاقة جلب أن تستنطقه حالا
أو بواسطة أحد أعضائها وإن تعذر ذلك ففي أجل أقصاه ثلاثة أيام من تاريخ إيداعه
السجن وبانقضاء هذا الأجل يقدم مدير السجن وجوبا المتهم إلى وكيل الجمهورية الذي
يطلب من المحكمة اتخاذ قرار في شأنه وإن لم تفعل يأذن بالإفراج عنه حالا.
وفي صورة عدم تنفيذ البطاقة الصادرة بحسب الأحوال يحكم على المتهم
غيابيا.
[31] -
"
إذا ظهر أن الجريمة من خصائص محكمة أخرى تصدر المحكمة حكما بخروج القضية عن
أنظارها وتنهي أوراقها إلى ممثل النيابة العمومية. ولها أن تصدر عند الاقتضاء
بطاقة إيداع ضد المظنون فيه أو تأذن بالإفراج عنه مؤقتا بضمان أو بدونه".
[32] -
ونصه:
"تتعهد المحكمة الابتدائية:... ثالثا : بمقتضى إحالة المظنون فيه توا على
المحكمة من طرف وكيل الجمهورية بعد استنطاق بسيط في صورة الجريمة المتلبس بها وإذا
لم يكن في ذلك اليوم جلسة فلوكيل الجمهورية أن يأذن بوضع المظنون فيه بمحل الإيقاف
بمقتضى بطاقة إيداع ويلزمه في هذه الصورة إحضاره بأقرب جلسة ممكنة. وإذا كانت
القضية غير مهيأة للحكم فالمحكمة تؤخرها لزيادة التحري لأقرب جلسة مقبلة وتؤيد
بطاقة الإيداع أو إن اقتضى الحال تفرج عن المظنون فيه بضمان أو بدونه ويكون لها
الحق أيضا في التخلي عن القضية ولوكيل الجمهورية في هذه الصورة أن يجري ما يراه في
شأنها".
[33] ) وهناك حالة
أخرى تتعلق بميدان تسليم المجرمين الأجانب حسب الفصل 325 م ا ج.
[34] -
مع ضرورة الربط مع مقتضيات الفصل 214 من ذات المجلة مما يعني تواصل الإيقاف لحين
البت من طرف محكمة الاستئناف. وكذلك مقتضيات الفصل 173 الذي يجيز للمحكمة الحكم
بالنفاذ العاجل: "إذا كان المظنون فيه بحالة سراح وحكم عليه بالسجن أو بالسجن
والخطية جاز للمحكمة أن تأذن فيما يتعلق بعقوبة السجن بالتنفيذ الوقتي بدون مراعاة
للاعتراض أو الاستئناف".
[35] -
مع ضرورة الربط أيضا مع مقتضيات الفصل 214 من ذات المجلة مما يعني تواصل الإيقاف
لحين البت من طرف محكمة الاستئناف.
[36] - منشور في مجلة بحوث ودراسات
قانونية العدد 12 لسنة 2016 عدد خاص
بالقانون الجزائي، جمعية الحقوقيين بصفاقس. ص358.
[37] - لكن المحكمة وفي ذات
القرار ستقبل دفعا أخر يتعلق بمدة الايقاف التحفظي، انظر موقفها المناقض في ذات
القرار في الفقرة المخصصة لاحقا لقبول الدفع عند الطعن في قرار دائرة الاتهام
برمته.
[38] - يرجى مراجعة مقالنا حول ثورة الإيقاف التحفظي. سبق ذكره.
[39] -
الفصل 79 م ا ج: "على حاكم التحقيق في صورة إحضار ذي الشبهة بمقتضى بطاقة
جلب أن يستنطقه في أجل لا يتجاوز ثلاثة أيام من تاريخ إيداعه بالسجن.
وبانقضاء هذا الأجل يقدم كبير حراس السجن ذا الشبهة إلى وكيل
الجمهورية الذي يطلب من حاكم التحقيق مباشرة استنطاقه حالا.
وفي صورة ما إذا امتنـع حاكم التحقيق عن
مباشرة الاستنطاق أو تعذر عليه ذلك يتولى الاستنطاق رئيس المحكمة أو الحاكم الذي
يعينه وإذا لم يقع هذا الاستنطاق يأمر وكيل الجمهورية بالإفراج حالا عن ذي
الشبهة".
[40] - ينص الفصل 337 م ا ج
على أنه: "يسوغ للوكيل العام للجمهورية في الأحوال الخطيرة والاستثنائية
أن يمنح المحكوم عليه غير الموقوف تأجيل تنفيذ العقاب. ويعلم كاتب الدولة للعدل
فورا بذلك".
[41] -
القرار عدد 86599 صادر بتاريخ 15/7/2015. غير منشور.
[42] - المفوضية السامية للأمم
المتحدة لشؤون اللاجئين، المبادئ التوجيهية للمعايير والقواعد المطبقة الخاصة
باحتجاز طالبي اللجوء وبدائله، 2012، الفقرة 18، متوفر على:
https://www.refworld.org/cgi-bin/texis/vtx/rwmain/opendocpdf.pdf?reldoc=y&docid=5253ac574
6
والمداولة رقم 5
المراجعة بشأن حرمان المهاجرين من الحرية، النسخة المنقحة الفريق العامل المعني
بالاحتجاز التعسفي 7 فيفري 2018 ،متوفر على
https://www.ohchr.org/Documents/Issues/Detention/RevisedDeliberation_AdvanceEditedVersion.pdf
[43] - مجلس حقوق الإنسان، الدورة الثلاثون،
تعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية، بما في ذلك الحق في التنمية. تقرير الفريق العامل المعني بالاحتجاز
التعسفي، مبادئ الأمم المتحدة الأساسية ومبادئها التوجيهية بشأن سبل الانتصاف
والإجراءات المتعلقة بحق كل شخص يُسلب حريته في إقامة دعوى أمام محكمة. (الوثيقة A/HRC/30/37)
بتاريخ 6-7-2015. ص 2.
[44]-اعتمد المشرع مصطلح الاحتجار للتعبير عن كل
أوجه الحرمان من الحرية بمقتضى القانون أساسي عدد 43 لسنة 2013 مؤرخ في 21 أكتوبر 2013
المتعلق بالهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب. إذ عرف الفصل الثاني منه حرمان من الحرية
بأنه: كل شكل من أشكال احتجاز شخص أو إيقافه أو سجنه أو إيداعه بأمر من سلطة
قضائية أو إدارية أو غيرها من السلط أو بإيعاز منها أو بموافقتها أو بسكوتها.
[45] - راجع مقالنا حول ثورة الايقاف التحفظي. سبق ذكره.
[46] القانون عــدد21 لسنة 2008 المؤرخ في 04 مارس 2008 متعلق بوجوب تعليل قرار التمديد في الاحتفاظ وقرار الإيقاف التحفظي: الفصل الأول ـ أضيفت إلى آخر الفقرة الثانية من الفصل 13 مكرر وإلى آخر الفقرة الرابعة من الفصل 57 من مجلة الإجراءات الجزائية العبارة التالية "ويكون ذلك بمقتضى قرار معلّل يتضمّن الأسانيد الواقعية والقانونية التي تبرّره الفصل 2 ـ أضيفت إلى آخر الفقرة الثانية من الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية العبارة التالية : "ويكون قرار الإيقاف التحفّظي معلّلا يتضمن الأسانيد الواقعية والقانونية التي تبرّره".
[47] - محمد الهادي الأخوة، تخلي محكمة التعقيب عن
واجبها في مراقبة شرعية الإيقاف التحفظي وبطاقة الايداع الناتجة عنه.مجلة الاخبار
القانونية عدد 206-207 أكتوبر 2015. ص6.
[48]
- وتتكفل "الهيئات
القضائية" ولم يقل محاكم الأصل وحسب الفصل 115 من الدستور: "يتكون
القضاء العدلي من محكمة تعقيب، ومحاكم درجة ثانية، ومحاكم درجة أولى".
[49] - الفصل 15 : "يبتدئ احتساب تنفيذ
عقوبة السجن من
تاريخ إيداع المحكوم عليه بموجب حكم بات لكن إذا سبق الاحتفاظ به أو إيقافه
تحفيظا فان المدة المقضاة بتمامها تطرح عليه من المدة المحكوم بها إلا إذا نص الحكم
على عدم طرحها كلا أو بعضا".
[50] - غير منشور
[51] - منشور على موقع محكمة
التعقيب: http://www.cassation.tn/fileadmin/user_upload/80956.pdf
[52] -
باستثناء الاحتفاظ المقرر في قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال لسنة 2015
الذي ضبط المدة بالأيام وحددها بخمسة أيام قابلة للتجديد لنفس المدة مرتين بالنسبة
للإرهاب ومرة واحدة بالنسبة لغسل الأموال.
[53] ) يوجد حاليا
مشروع قانون معروض على المجلس التأسيسي لتعديل أحكام الاحتفاظ والتنقيص من مدته.
[55] - محمود داوود يعقوب، ثورة الإيقاف التحفظي.
مجلة الاخبار القانونية العدد 160-161
جويلية أوت 2013. ص 18.
[56] - منشور في مجلة بحوث ودراسات
قانونية العدد 12 لسنة 2016 عدد خاص
بالقانون الجزائي، جمعية الحقوقيين بصفاقس. ص358.
[57] - لكن المحكمة وفي ذات القرار ستقبل دفعا
أخر يتعلق بمدة الايقاف التحفظي، انظر موقفها المناقض في ذات القرار في الفقرة
المخصصة لاحقا لقبول الدفع عند الطعن في قرار دائرة الاتهام برمته.
[58] - مذكور في م ا ج المعلق
عليها من الاستاذ نزار الكرمي. ص165
[59] _ مذكور في مقال الاستاذ محمد الهادي
الأخوة.
[60] - مذكور في م ا ج المعلق
عليها من الاستاذ نزار الكرمي. ص72
[61] - مذكور في م ا ج المعلق
عليها من الاستاذ نزار الكرمي. ص167
[62] - مذكور في م ا ج المعلق
عليها من الاستاذ نزار الكرمي. ص168
[63] - مذكور في م ا ج المعلق
عليها من الاستاذ نزار الكرمي. ص72
[64] -
فالأصل هو الحرية، التي لا يمكن المساس منها إلا في حالات الضرورة القصوى.
[65]- سعيدة القاسمي، الضمانات الإجرائية في
مرحلة ما قبل المحاكمة في المادة الجزائي ، ة، مذكرة لنيل شهادة الماجستير، علوم
جنائية ، 2002-2003، ص.1.- فاطمة بن علي حقوق المتهم في القانون الجزائي
الإقتصادي، مذكرة للإحرازعلى شهادة الدراسات المعمقة علوم جنائية ، كلية الحقوق
والعلوم السياسية بتونس، 1999-2000،ص.40. ـ أبولبابة العثماني، الاحتفاظ ، مذكرة
للإحراز على شهادة الدراسات المعمقة علوم جنائية ، كلية الحقوق والعلوم السياسية
بتونس، ديسمبر1998، ص 99.
[66] - قانون عدد 5 لسنة 2016 مؤرخ في 16 فيفري 2016 يتعلق بتنقيح
وإتمام بعض أحكام مجلة الإجراءات الجزائية.
(سنة الرائد : 2016 | عدد الرائد : 015 | تاريخ الرائد :
19/02/2016) تجدر الإشارة إلى أن التنقيح أتخذ شكل
قانون عادي، رغم أن الأمر يتعلق بتنظيم مسائل وردت ضمن الباب الثاني من الدستور
المتعلق بالحقوق والحريات، كما أنه يتعلق بتنظيم الحق في المحاكمة العادلة وحق
الدفاع وهما من الحقوق الأساسية، ويفترض حسب الفصل 65 فقرة ثالثة من الدستور أن
تتخذ القوانين المتعلقة بتنظيم العدالة والحريات وحقوق الإنسان شكل قانون أساسي،
وهذا الخلل من شأنه أن يفتح باب الطعن في عدم دستوري هذا القانون أمام المحكمة
الدستورية لاحقا.
[67] -
القانون 90 عدد
المؤرخ في1999/08/02
يتعلّق بتنقيح وإتمام بعض أحكام من مجلة الإجراءات الجزائية. (سنة الرائد : 1999 | عدد الرائد : 063 | تاريخ الرائد :
1999/08/06).
[68] -
القانون عدد51 المؤرخ في
2002/06/01 يتعلق بتنقيح بعض أحكام من الدستور. (سنة الرائد : 2002 | عدد الرائد : 045 | تاريخ الرائد :
2002/06/03).
الفصل 12 (من دستور 1959) كما وقع تنقيحه
سنة 2002: "يخضع الاحتفاظ للرقابة القضائية ولا يتمّ الإيقاف التحفظي إلا
بإذن قضائي ويحجر تعريض أي شخص كان لاحتفاظ أو إيقاف تعسفي".
[69] -
قانون عدد 26 لسنة 2007 مؤرخ في 7 ماي 2007 يتعلق بتنقيح
وإتمام بعض أحكام مجلة الإجراءات الجزائية. (سنة الرائد : 2007 | عدد الرائد : 038 | تاريخ الرائد :
2007/05/11)
[70] -
قانون عدد 21 لسنة 2008 مؤرخ في 4 مارس 2008 يتعلق بوجوب
تعليل قرار التمديد في الاحتفاظ وقرار الإيقاف التحفظي (سنة الرائد : 2008 | عدد الرائد : 021 | تاريخ الرائد :
2008/03/11).
[71] -
مرسوم عدد 79 لسنة 2011 مؤرخ في 20 أوت 2011 يتعلق بتنظيم
مهنة المحاماة. (سنة الرائد : 2011 | عدد الرائد : 063 | تاريخ الرائد :
2011/08/23).
[72] -
الرائد الرسمي عدد 157 لسنة 2014 المؤرخ في 10 فيفري 2014 عدد خاص.
[73] -
هذه الفصول تكرّس ما نصّت عليه المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي
حرّمت اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسّفا، كما يستجيب للمبادئ التي وضعتها
الأمم المتحدة سنة 1979 لحماية الأشخاص الذين يتعرضون تعسّفا للاحتجاز والاعتقال والسجن.
وهذا نصها:
الفصل 27 – "المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة
عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة". الفصل 29 – "لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ
به إلا في حالة التلبس أو بقرار قضائي، ويعلم فورا بحقوقه وبالتهمة
المنسوبة إليه، وله أن ينيب محاميا. وتحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ
بقانون".
الفصل 105 –" المحاماة مهنة حرة مستقلة تشارك في إقامة العدل والدفاع عن
الحقوق والحريات. يتمتع المحامي بالضمانات القانونية التي تكفل حمايته وتمكنه من تأدية
مهامه".
الفصل 108 –(فقرة 1 و2) "لكل شخص الحق
في محاكمة عادلة في أجل معقول، والمتقاضون متساوون أمام القضاء.
حق التقاضي وحق الدفاع مضمونان، وييسر القانون اللجوء
إلى القضاء ويكفل لغير القادرين ماليا الإعانة العدلية".
[74] - تم بموجب القانون عدد 70
المؤرّخ في 26 نوفمبر 1987، الذي نظّم قواعد الاحتفاظ حصر مدّته بأربعة أيّام
قابلة للتمديد مرّة أولى لنفس المدّة وعند الضرورة القصوى مرّة ثانية لمدّة يومين
اثنين فقط. ثم جاء القانون عدد 89 لسنة 1999 المؤرّخ في
2 أوت 1999، وخفض مدة الاحتفاظ وأصبحت المدّة الأصليّة ثلاثة أيّام يمكن تمديدها
مرّة واحدة لنفس المدّة من طرف السّلطة القضائيّة المختصّة سواء عن طريق وكيل
الجمهوريّة في الحالات العادية أو حاكم التحقيق في صورة الإنابة العدّليّة.
[75] -
الفصـل 39 من القانون الأساسي عدد 26/2015: " على مأموري الضابطة العدلية
إعلام وكيل الجمهورية الراجعين إليه بالنظر فورا بالجرائم الإرهابية التي بلغهم
العلم بها. ولا يمكنهم الاحتفاظ بذي الشبهة لمدة تتجاوز خمسة أيام.
كما يتعين عليهم إعلام السلط المعنية فورا
إذا كان ذو الشبهة من أعوان القوات المسلحة أو من أعوان قوات الأمن الداخلي أو من
أعوان الديوانة.
ويجب على وكلاء الجمهورية لدى المحاكم
الابتدائية إنهاء الإعلامات المشار إليها فورا إلى وكيل الجمهورية لدى المحكمة
الابتدائية بتونس لتقرير مآلها".
[76] -
تنص الفقرة الثالثة من الفصل 41 على ما يلي: " لوكيل الجمهورية لدى
المحكمة الابتدائية بتونس وحده التمديد كتابيا في أجل الاحتفاظ مرتين ولنفس المدة
المنصوص عليها بالفصل 39 من هذا القانون، ويكون ذلك بمقتضى قرار معلل يتضمن
الأسانيد الواقعية والقانونية التي تبرره".
[77] -
أثرت استخدام كلمة احتجاز للتعبير عن
الفترة التي تسبق الاحتفاظ اعتماد على ما اعتماد المشرع نفس المصطلح للتعبير عن كل
أوجه الحرمان من الحرية في بمقتضى القانون أساسي عدد 43 لسنة 2013 مؤرخ في 21 أكتوبر 2013
المتعلق بالهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب. إذ عرف الفصل الثاني منه حرمان من الحرية
بأنه: كل شكل من أشكال احتجاز شخص أو إيقافه أو سجنه أو إيداعه بأمر من سلطة
قضائية أو إدارية أو غيرها من السلط أو بإيعاز منها أو بموافقتها أو بسكوتها.
كما عرف أماكن الاحتجاز بأنه: يقصد بها كلّ الأماكن التي تخضع أو يمكن أن تخضع
لولاية الدولة التونسية وسيطرتها أو التي أقيمت بموافقتها والتي يمكن أن يوجد فيها
أشخاص محرومون من حريتهم بموجب أمر صادر عن سلطة عمومية أو بإيعاز منها أو
بموافقتها أو سكوتها.
وتعتبر أماكن احتجاز بالخصوص :
1 - السجون المدنية ، 2
- مراكز إصلاح الأطفال الجانحين، 3- مراكز إيواء أو ملاحظة الأطفال،4 - مراكز الاحتفاظ،5
- مؤسسات العلاج النفسي، 6 - مراكز إيواء اللاجئين وطالبي اللجوء،7 - مراكز المهاجرين،8
- مراكز الحجز الصحي،9
- مناطق العبور في المطارات والموانئ، 10 - مراكز التأديب، 11-
الوسائل المستخدمة لنقل الأشخاص المحرومين
من حريتهم.
[78] - الفصل 15 : "يبتدئ احتساب تنفيذ
عقوبة السجن من
تاريخ إيداع المحكوم عليه بموجب حكم بات لكن إذا سبق الاحتفاظ به أو إيقافه
تحفيظا فان المدة المقضاة بتمامها تطرح عليه من المدة المحكوم بها إلا إذا نص الحكم
على عدم طرحها كلا أو بعضا".
[79]-
Serge Guinchard et Jacques Buisson , Manuel de procédure
pénale, 5 ème édition Lexis Nexis Litec , ouvrage
couronné , par l’académie des sciences morales et politiques Prix Henori Texier 2000 pour
la défense de la liberté individuelle P 431.
Emanuel Molina, La liberté de la preuve des infractions en droit
français contemporain, Presses universitaires D’aix -Marseille- PUam, Faculté
de droit et des sciences politiques 2001, P 15.
[80]-
Madeleine Lobe -Fouda , Procédure pénale, Panorama du droit collection dirigée par Guillaume
Bernard, imprimerie France Quercy 2007
Licence- Master P 188.
[81]- Faustin Hélie, Traité de
l’instruction criminelle, Tome I. 2ème éd. N°1763, 1926 P 330.
محمد زكي أبو عامر, الإجراءات الجنائية,
دار المطبوعات الجامعية الإسكندرية 1984 ص 932-933.
[82]-
عبد الرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, الطبعة الثانية, القاهرة دار النهضة
العربية 1982 الجزء الثاني ص 14.
[83]-
حسن العياري, الأدلة المادية في الإثبات الجزائي, مذكرة للإحراز على شهادة
الدراسات المعمقة في العلوم الجنائية كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1998 –
1999 ص 5. عبد الله الأحمدي, دور القاضي في تحقيق الدعوى المدنية, أطروحة دكتوراه
دولة في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1988. سليم بوقديدة ,
الشرعية والنزاهة في البحث عن الأدلة في المادة الجزائية, مذكرة لإحراز شهادة
الماجستير في علوم الإجرام، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 2004– 2005 ص 11.
أحمد فتحي بهنسي, نظرية الإثبات في الفقه الجنائي الإسلامي, دار الشروق الطبعة
الخامسة 1989 ص 195.
Mohamed Hedi Lakhoua, La loyauté
dans la recherche des preuves en matière pénale, Thèse pour le Doctorat d’Etat,
Université de Droit, d’Economie et des sciences sociales de Paris, 1973, P 21.
[84]- Jean-Marie Fayol- Noireterre, L’intime
conviction, fondement de l’acte de juge, Revue d’information sociales, 2005/7
n° 127, P 47.
[85] -
Pierre Bolze, Le droit à la preuve contraire en procédure pénale, thèse en
vue de l’obtention du garde de Docteur en droit (doctorat nouveau régime, droit
privé- droit pénal), Université Nancy 2, Faculté de Droit, Sciences économiques
et Gestion, 2010, P 258.
[86]- Karim Jouaïhia, L’intime
convection en matière pénal, mémoire pour l’obtention du diplôme d’études
approfondies en sciences criminelles, université de Tunis Ш 1998/1999, P 07.
[87]- Stefan Trechsel, L'établissement des preuves devant la commission
européenne des droits de l'homme, Troisième colloque du département
des droits de l'homme, Etablissement, Emile Bruylant
1977, P141.
[88] - Saint Thomas
d’Aquin , La somme théologique, la question 79, traduction Française
par e-spicq, Paris, Dexlée et cie, 1947.
[89]- Mohamed Hedi
Lakhoua, La loyauté dans la
recherche des preuves en matière pénale, Thèse pour le Doctorat d’Etat,
Université de Droit, d’Economie et des sciences sociales de Paris, 1973,. P 09.
[90]- ترتبط صعوبة تكييف الجريمة عند تحديد وسائل
الإثبات بصفة مسبقة, في كونه في جرائم القتل وعند وجود جثة الضحية فإنّه لا يمكن
معرفة سبب الوفاة إلاّ بإجراء التشريح الطبي الذي يمكن أن يرجع إلى إصابة بطلق
ناري أو طعنة قاتلة أو تسمّم بما يحتّم ضرورة أن تكون وسيلة الإثبات المعتمدة هي
إمّا حجز السلاح الناري, أو السلاح الأبيض, أو العثور على السمّ القاتل ومن هذا
المنطلق فإنّه إذا ما تمّ تحديد وسيلة الإثبات بصفة مسبقة فإنّ ذلك يؤدّي في ظلّ
استحالة حصر طرق ارتكاب الجرائم إلى خروج العديد من الأفعال الإجرامية عن نطاق
التجريم لعدم إمكانية إثباتها.
[91] -
جاء بالفصل 276 م.ج أنّه "يعاقب بالسجن ستة أشهر الإنسان الذي كان وقع عقابه
سابقا بعقوبة بدنية لأجل الاعتداء على ملك ووجد عنده نقود أو رقاع مالية أو أمتعة
وكلها غير مناسب لحالته ولم يمكنه إثبات موردها الحقيقي والإنسان الذي وجد عنده
آلات معدّة بطبيعتها لفتح أو خلع أقفال ولم يمكنه بيان ما أعدّت له حقيقة يعاقب
بالسجن مدّة عام ويحكم بحجز المال وما له قيمة والأشياء أو الآلات.
[92]- Frédéric
Debove, L’urgence en droit pénal, Mélanges A. Decocq. Ed. Litec, 2004 P
175.
[93]-
صفاء حوال، التلبس، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في الحقوق، كلية الحقوق والعلوم
السياسية بتونسIII, ص 3.
[94]-
جاء بالفصل 33 م.إ.ج أنه " تكون الجناية أو الجنحة متلبّسا بها:
أوّلا: إذا كانت مباشرة الفعل في الحال أو قريبة من الحال.
ثانيا: إذا طارد الجمهور ذا الشبهة صائحا وراءه أو وجد هذا الأخير
حاملا لأمتعة أو وجدت به آثار أو علامات تدلّ على احتمال إدانته, بشرط وقوع ذلك في
زمن وقوع الفعلة.
ويشبه الجناية أو الجنحة
المتلبّس بها كل جناية أو جنحة اقترفت بمحلّ سكنى استنجد صاحبه بأحد مأموري
الضابطة العدلية لمعاينتها ولو لم يحصل ارتكابها في الظروف المبيّنة بالفقرة
السابقة".
[95]- Frédéric
Debove, L’urgence en droit pénal, Mélanges A. Decocq. Ed. Litec, 2004 P
175.
[96]-
صفاء حوال, التلبس, مذكرة لنيل شهادة الماجستير في الحقوق, كلية الحقوق والعلوم
السياسية بتونسIII, ص 3.
[97]-
جاء بالفصل 33 م.إ.ج أنه " تكون الجناية أو الجنحة متلبّسا بها:
أوّلا: إذا كانت مباشرة الفعل في الحال أو قريبة من الحال.
ثانيا: إذا طارد الجمهور ذا الشبهة صائحا وراءه أو وجد هذا الأخير
حاملا لأمتعة أو وجدت به آثار أو علامات تدلّ على احتمال إدانته, بشرط وقوع ذلك في
زمن وقوع الفعلة.
ويشبه الجناية أو الجنحة
المتلبّس بها كل جناية أو جنحة اقترفت بمحلّ سكنى استنجد صاحبه بأحد مأموري
الضابطة العدلية لمعاينتها ولو لم يحصل ارتكابها في الظروف المبيّنة بالفقرة
السابقة".
[98]- Mohamed Hedi Lakhoua, op.cit. P 10.
[99]- Mohamed Hedi Lakhoua, op.cit. P 10.
[100]
الباب الثاني من الدستور الجديد لسنة 2014 تحت عنوان " الحقوق والحريات
".
[101]
الفصل 27 من الدستور : " المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة
تكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة."
[102]
الفصل 28 من الدستور : " العقوبة شخصية ولا تكون إلا بمقتضى نص قانوني سابق
الوضع عدا حالة النص الأرفق بالمتهم."
[103]
الفصل 29 من الدستور : " لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة
التلبس أو بقرار قضائي ويعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه وله أن ينيب
محاميا وتحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ بقانون."
[104] محمد حمودة ، التقرير الافتتاحي ، أعمال
الملتقى الدولي " مائوية المجلة الجزائية الماضي والحاضر والمستقبل " ،
منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص ، 2016 ، ص 18.
[105] الفصل 62 من القانون الاساسي عدد26 لسنة 2015
[106] الفصل 63 من القانون الاساسي عدد26 لسنة 2015
[107]
وينص الفصل
42 من قانون الاتجار بالأشخاص – " يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها
خمسة آلاف دينار كل من يتعمد اعتراض الاتصالات والمراسلات أو المراقبة السمعية
البصرية في غير الأحوال المسموح بها قانونا ودون احترام الموجبات القانونية.
والمحاولة موجبة للعقاب".
[108] -
وفي ذات التوجه نصت المادة 181 قانون أصول المحاكمات الجزائية
السوري على انه (( لا يجوز إثبات واقعة أو جريمة بالرسائل المتبادلة بين المدعي
عليه و محاميه )) وذلك بسبب ما يؤدي إليه من إخلال بموقف الدفاع وكذلك اليمين
الحاسمة حيث لا يجوز توجيهها إلى المدعى عليه في الدعوى الجزائية لإثبات جرائم
معينة
[109] - نص الفصل 150 م.إ.ج أنه "يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل
الإثبات ما لم ينص القانون على خلاف ذلك..."
[110] - الفصل 145 م.إ.ج
[111] - الفصل 156 م.إ.ج
[112] -
قرار تعقيبي جزائي عدد 11099 بتاريخ غرة فيفري 2005 نشرية محكمة التعقيب لسنة 2005
الجزء الجزائي ص 141 .
[114] - جهاد الكسواني, قرينة البراءة, أطروحة دكتوراه في القانون الخاص وعلوم
الإجرام، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 2005/2006, ص 160.
[115] - قرار تعقيبي جزائي عدد 1711 بتاريخ 20/04 /1977, نشرية محكمة التعقيب
لسنة 1977, ص 201.
[116] - سليم علي مسلم الرجوب, التعارض والترجيح في طرق الإثبات، دكتوراه في
القضاء الشرعي، كلية الدراسات العليا
الجامعة الأردنية، 2006, ص 42
[117] -
محمد أيمن بن ساسي, تعليل الأحكام الجزائية, رسالة للإحراز على شهادة الماجستير في
العلوم الجنائية بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 2006/2007, ص 39 .
[118] -
محمد مأمون سلامة, قانون الإجراءات الجنائية معلقا عليها بالفقه وأحكام النقض, دار
الفكر العربي, القاهرة 1977, ص 929.
231- قرار تعقيبي جزائي عدد 13321 بتاريخ 30 أكتوبر
2001 نشرية محكمة التعقيب لسنة 2001 ص 151.
-
قرار تعقيبي جزائي عدد 28664 بتاريخ 13 ديسمبر 1989 نشرية محكمة التعقيب لسنة 1989
ص 99.
-
قرار تعقيبي جزائي عدد 1280 بتاريخ 10 ديسمبر 1977 نشرية محكمة التعقيب لسنة 1977
الجزء 02 ص 173.
[121] -Raymond Screvens, La
preuve pénale en droit Belge, Troisième colloque du département des droits de l'homme, Etablissement Emile Bruylant 1977, P 62.
[122] -
قرار تعقيبي جزائي عدد 787 بتاريخ 30 أفريل 2004 نشرية محكمة التعقيب لسنة 2004
الجزء الجزائي ص 58.
[123] حسن يوسف مصطفى, الشرعية في الإجراءات الجزائية,
دار الثقافة للنشر والتوزيع عمان 2003, ص 189.
[124] رؤوف عبيد, ضوابط تسبيب الأحكام الجنائية وأوامر
التصرف في التحقيق, دار الجليل للطباعة, القاهرة ,1986, ص 163 .
[125]- قرار تعقيبي جزائي عدد 18719 بتاريخ 18
جوان 1987 م.ق.ت نوفمبر 1989 ص76 .
[126] -
قرار تعقيبي جزائي عدد 37162 بتاريخ 141 ماي 1993 نشرية محكمة التعقيب لسنة 1993 ص
207.
[127] -
منيرة عرعوري, القاضي الجزائي بين الدليل والشك، مذكرة لإحراز شهادة الماجستير في
علوم الإجرام كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 2005- 2006, ص 61.
[128]- Serge Guinchard, Jacques Buisson, op.cit. P
452.
[129] -
قرار تعقيبي جزائي عدد 520 بتاريخ 09 جوان 1976, نشرية محكمة التعقيب لسنة 1976
الجزء الثاني, ص 185.
[130] -
قرار تعقيبي جزائي عدد 7412, مؤرخ في 25 أفريل 1984, نشرية محكمة التعقيب لسنة
1984, ص 85.
[131]- قرار تعقيبي جزائي عدد 1613 بتاريخ 20
أفريل 1977, نشرية محكمة التعقيب لسنة 1977, الجزء الأوّل, ص 199.
[132] - اعتبرت
محكمة التعقيب أنّه "من المسلّم به فقها وقضاء أنّ القضاء الجزائي يقوم على
حرية القاضي في تقدير الوقائع ووسائل إثباتها وذلك بدون رقابة عليه طالما كان
قضاؤه متماشيا مع المنطق والقانون ومستمدّ ممّا له أصل ثابت بالأوراق وترتيبا على
ذلك فلا تثريب على المحكمة إن هي اعتمدت ليقينها وفي حدود سلطتها وفي مجال ما لم
يحظره القانون أقوال متهم ضدّ متهم آخر وألقت ما لا يطمئن إليه من شهادات أخرى
خاصّة عندما تكون تلك الأقوال مؤيّدة بحجج أخرى ثابتة ضرورة أن القانون لم يحجّر
عليها الأخذ بما تراه يتماشى وهذه الحجج وترك ما عداه سواء كان ذلك إثباتا أو نفيا
للتهمة كما أنها غير ملزمة بالردّ على كافة الدفوعات متى كان حكمها قائما على أساس
من القانون." قرار تعقيبي جزائي عدد 37162 بتاريخ 11 ماي 1993, نشرية محكمة
التعقيب لسنة 1993, ص 207.
[133] - قرار تعقيبي جزائي عدد 831 بتاريخ 11
أفريل 1977, نشرية محكمة التعقيب لسنة 1977, ص 160. والقرار التعقيبي الجزائي عدد
9661 بتاريخ 24 أفريل 1985, نشرية محكمة التعقيب لسنة 1985, ص 84.
[134] -
قرار تعقيبي جزائي عدد 8975 مؤرخ في 10 أفريل 1974, نشرية محكمة التعقيب لسنة
1974, الجزء الأول, ص 146. ولقد جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 2165 بتاريخ
19 أكتوبر 1977 أنه "لا تثريب على محكمة الأصل فيما اعتمدته من الأخذ ببعض
جوانب الشهادات الدالة على الإدانة وإلغاء الباقي منها إذا ما عللت ذلك بتعليل
مستوف من الناحية الواقعية والقانونية"، نشرية محكمة التعقيب لسنة 1977,
الجزء 2, ص 90.
[135] -
قرار تعقيبي جزائي عدد 737 بتاريخ 06/06/1977, م.ق.ت لسنة 1978, عدد 07 ص, 79.
[136] - Graphe F., L'appréciation des preuves en justice, (essai
d’une méthode technique), Libr. du Recueil Sirey 1947, P 349
[137] -
محمود محمود مصطفى, شرح قانون الإجراءات الجنائية, مطبعة جامعة القاهرة والكتاب
الجامعي, القاهرة 1988, ص 432.
[138] -
قرار تعقيبي جزائي عدد 123 بتاريخ 26 سبتمبر 1960, نشرية محكمة التعقيب لسنة 1965,
ص 165. القسم الجزائي
[139] -
قرار تعقيبي جزائي عدد 31636 بتاريخ 12 مارس 2003, نشرية محكمة التعقيب لسنة 2003,
القسم الجزائي, ص 173.
[140]- Paul Maffei, La motivation des décisions
judiciaires en matière répressive et son contrôle par la cour de cassation de
Belgique, Revue de droit pénal et de criminologie, Septembre- Octobre 2009, P
889.
[141] - Pierre-Jérôme Delage, La dangerosité comme
éclipse de l’imputabilité et de la dignité, Revue de science criminelle et de
droit pénal comparé, Octobre/ Décembre 2007 N° 4, P 800.
[142] -
قرار تعقيبي جزائي عدد 13160 بتاريخ 03 أكتوبر 2001, نشرية محكمة التعقيب, الجزء
الجزائي, ص 42.
[143] -
قرار تعقيبي جزائي عدد 10682 بتاريخ 15 جانفي ,1975 نشرية محكمة التعقيب لسنة
1975, الجزء الأول, ص 37.
[144] - قرار تعقيبي جزائي قرار
عدد 27215 بتاريخ 27/10/2016 (غير
منشور).
[145] - فقد منح الدستور في الفصل 105 منه
للمحاماة صفة المدافع عن الحقوق والحريات إلى جانب منحه للقضاء صفة الحامي لتلك
الحقوق والحريات (الفصلان 49 و102).
[146] - قرار تعقيبي جزائي عدد
7794 بتاريخ 25 ديسمبر 2013. منشور
في مجلة بحوث ودراسات
قانونية العدد 12 لسنة 2016 عدد خاص
بالقانون الجزائي، جمعية الحقوقيين بصفاقس. ص444.
[147]- Hermann Bekaert, La manifestation de la
vérité dans le procès pénal, Etablissement Emile Bruylant, 1972, P 11.
[148] Georges
Levasseur, Le régime de la preuve
en droit répressif français, 3 ème colloque du département des droits de
l’homme, Bruxelles, Etablissement Emile
Bruylant 1977. P 29 et suiv.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق