المساواة في الإرث
بين وَهَج الفكرة وهُمود تَّجسيدها
الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
في خطاب ألقاه بقصر قرطاج يوم 13 أوت 2017 بمناسبة العيد
الوطني للمرأة، قال رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي انّ المساواة بين الرجل
والمرأة التي أقرّها الدستور التونسي يجب أن تشمل جميع المجالات بما فيها المساواة
في الإرث[1]. وقال ''اذا فكرنا في
التناصف فلأن الدستور يفرض ذلك، ولذلك يجب أن نذهب في هذا الإتجاه''، متابعا :
''ولكن لا أريد أن يعتقد البعض أنه حين نتجّه نحو التناصف فإنّنا نخالف الدين وهذا
غير صحيح''. وشدّد على ضرورة مراعاة دستور الدولة المدني والدين الإسلامي
للتونسيين وعدم القيام بإصلاحات تصدم مشاعر الشعب التونسي. وقال ''ولكن يجب أن
نقول انّ هناك اتجاه للمساواة بينهم في جميع الميادين''، معتبرا أنّ المسألة كلّها
تتمحور حول المساواة في الإرث''. واعتبر أنّ الإرث ليس مسألة دينية وإنما تتعلق
بالبشر وأنّ الله ورسوله تركا المسألة للبشر للتصرف فيها. وأعلن عن تكوين لجنة
لدراسة مسألة الحقوق الفردية ومزيد تفعيلها والنظر في المساواة بين الرجل والمرأة
في جميع المجالات. وقد نتج عن هذا الإعلان ردة فعل معارضة[2]،
وأخرى مناصرة[3]
.
وبالتزامن
مع هذا الإعلان شكل رئيس الجمهورية لجنة الحريات الفردية والمساواة[4] التي قدمت بتاريخ يوم 8/6/2018 تقريرها له
ونشرته للعموم يوم 12/6/2018 والذي تطرقت اللجنة فيه إلى الإصلاحات الكبرى
المرتبطة بالحريات الفردية والمساواة استنادا إلى مقتضيات دستور 27 جانفي 2014،
والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والتوجهات المعاصرة في مجال الحريات والمساواة.
وتضمن
التقرير الذي جاء في 230 صفحة مقدمة عامة تحتوي على مقاربة اجتماعية ودينية وجزء
أول خصص للحقوق والحريات الفردية تطرقت فيه اللجنة إلى الأحكام المخلة بالحقوق
والحريات الفردية والنصوص المرجعية والحجج والمقترحات مع مقترح مشروع مجلة الحقوق
والحريات الفردية.
إضافة إلى
جزء ثاني حول المساواة تناول الأحكام المخلة بالمساواة من خلال النصوص المرجعية
والحجج والمقترحات لمشاريع قوانين منها مقترح مشروع قانون أساسي لإلغاء التمييز في
المواريث، والمساواة على قاعدة أنه لا فرق بين الذكر والانثي. هذا إلى جانب إقرار
حماية حق السكنى للقرين الباقي على قيد الحياة. فضلا عن مشروع لإلغاء التمييز في
القانون الجبائي من خلال إلغاء رئاسة العائلة بالمفهوم الجبائي وتحقيق المساواة
بين الأب والأم. مع ضرورة تعديل قانون النفقة وجعل استحقاق الزوجة للنفقة رهين
الدخول بها و عدم وجود دخل لها، وإن وجد لدخول للزوجة فهي ملزمة بالإنفاق على
العائلة، وكذلك مشروع لإلغاء التمييز بين الأطفال من خلال منع التمييز في إثبات
النسب بين الأطفال إن كانوا مولودين في إطار زواج أو خارج إطار الزواج، إلغاء
مفهوم ابن الزنا، والمساواة في الحقوق والواجبات بين الأبناء الشرعيين
والطبيعيين. مع اعتبار قاعدة المساواة في
الميراث مبدأ للفروع أم البقية فهو أمر معلق على اختيار المورث.
وبهذا المضمون فقد أحيا تقرير لجنة الحريات
والمساواة من جديد الجدل حول المطالبة بتنقيح مجلة الأحوال الشخصية عموما وقانون
المواريث بصفة خاصة، وانقسم المنادون بالتنقيح إلى اتجاهين متنافرين كليا، الأول
ينادي بالتبني التام لمقتضيات الشريعة وحذف كل ما يخالفها، وذلك بتخليص المجلة مما
يراه خروجا عن الشريعة وإجماع الأمة[5].
اعتماد على أن الفقه الإسلامي هو آليّة يمكن للقاضي اعتمادها في صورة غياب النصّ[6]
فمجلة الأحوال الشخصية من صميم الإسلام، ولا تعارض بينهما، فقد وضع الإسلام
الكليات، وفصلت القوانين الوضعية الجزئيات[7].
وهو ما يتأكد من تقديم وزير العدل للمجلة سنة
1956[8]
الذي أشار صراحة إلى أنه :"أهملنا ذكر الفروع والجزئيات، وتركناها لاجتهاد
القاضي يأخذها من المراجع والأمهات عند الاقتضاء... " وفي ذلك إحالة صريحة
إلى المصدر المكمل ليأخذ القاضي من المراجع والأمهات" وجاء فيه "إن
تشريعنا الذي يستمد روحه من التشريع الإسلامي سوف يقيم الدليل الواضح على أنه لا
يشكل فقط مادة صالحة إلا للجدال النظري، بل يقيم الدليل على أنه مادة قانونية حية،
تنسجم مبادئها مع تطور المجتمع"[9].
فأمر التشريع بعد الاستقلال أصبح موكولا للمشرع الوضعي بدون أن يقطع هذا المشرع مع
مرجعية التشريع الإسلامي[10].
فكتب الشريعة هي العمدة في تحرير نصوص المجلة ولا مانع من محاولة فهم تلك النصوص
وتأويلها على ضوء الأصول المقررة في الشريعة ما دامت هذه النصوص مجملة في البعض
وغامضة ومشوشة في البعض الأخر[11].
ومحكمة التعقيب لم تتحرج في بعض الحالات من الإشارة إلى النظام العام في مقوماته
الدينية[12].
وأنصار هذا الشق يعتبرون أي دعوة للمساواة هي مجرد خضوع للاملاءات الخارجية وللتدليل على صحة كلامهم
يستشهدون بما جاء في قرار الاتّحاد الأوروبي المؤرّخ في 14 سبتمبر 2016، وتحديدا
في النّقطة 14: "يدعو البرلمان الأوروبي لتشجيع التّوازن "رجل –
امرأة" [...] خاصّة بتغيير مجلّة الأحوال الشّخصيّة لإلغاء القوانين
التّمييزيّة ضدّ المرأة مثل تلك المنظّمة للإرث والزّواج[13].
وأما التيار الثاني فهو على النقيض تماما ويطالب
بتعميق الطابع المدني/ المواطني للقانون وفصله تماما عن أية مرجعية دينية، وتنقيح
قانون الأحوال الشخصية عموما، والباب المتعلق بالمواريث خاصة وفق رؤية وضعية
باعتماد مبدأ المساواة بين الجنسين كقاعدة عامة، وذلك انطلاقا من فكرة أن المشرع
التونسي اتخذ أحيانا قواعد مخالفة تماما للفقه الإسلامي مثل مؤسسة التبني[14]. كما
أن المشرّع التونسي لم يتبع التشريع الإسلامي في كل فصول مجلة الأحوال الشخصية
التي قيل أنها جاءت أصلا نتيجة إملاءات خارجية[15].
والقول بأن كل أحكام المجلة متطابقة مع التشريع الإسلامي هو قول غير ثابت ذلك إنها
لم تكن مطابقة للتشريع الإسلامي عند صدورها في 1956[16]".
لذلك وجب التفريق بين المرجع التأويلي والمرجع
التشريعي، فقد تكون القاعدة المدونة في الفصل مأخوذة من التشريع الإسلامي كمرجع
تشريعي ولكن يجب التثبت هل كان فعلا من الواجب الرجوع إليه كمرجع تأويلي. فالمشرّع
أراد إيجاد حلول لمشاكل خاصة دون ربطها بالقانون الإسلامي الكلاسيكي[17]. وأي
تأويل يجب أن يتماشى وسياسة المشرع التي تهدف إلى توحيد القوانين وتوحيد القضاء
واستبعاد الاعتداد بالدين. فكيف يناقض المشرع نفسه ويعود إلى الأخذ باختلاف الدين
بين المواطنين؟. والمنطق القانوني يقتضي أنه مادام القاضي يبحث عند ضرورة الاجتهاد
عن حقيقة نية المشرع، فلابد له أن يتبع نفس منهجية التشريع، أي عليه أن ينهل من
نفس ينابيعه، وأن يضع نفسه في نفس اتجاهه[18].
وعلى هذا الأساس لا يجب البناء على اختيارات خارجة عن القانون. ويدعمون موقفهم بما
تمت المصادقة عليه من اتفاقيات دولية[19]
وما صدر من قوانين تتعارض مع الشريعة مثل تلك المتعلقة بتجارة الخمور[20]
والفوائد[21].
فالخلاف حول الطابع
الديني أو اللائيكي[22]
لمجلة الأحوال الشخصية بدأ منذ الإعلان عنها، ولم ينته حتى الآن، وما المبادرة
التشريعية المعلنة عنها بداية شهر ماي 2016 المتعلقة بالمساواة في الإرث[23]، وما تبعها من إعداد
مشروع قانون في الغرض وقع اهماله لاحقا، وما نتج عنها من ردود فعل معارضة[24]،
أو مناصرة[25]
إلا خير دليل على ذلك.
واليوم ها نحن أمام مبادرة
تشريعية لمشروع قانون قدمه رئيس الجمهورية وهو معروض على مجلس النواب لمناقشته
والمصادقة عليه أو رفضه.
فقد صادق مجلس وزاري
انعقد برئاسة رئيس الجمهورية يوم 23 نوفمبر 2018 على مشروع قانون أساسي يتعلق
بإتمام مجلة الأحوال الشخصية من خلال مبادرة تشريعية رئاسية، ويتضمن هذا
المشروع أحكاما تتعلق بالتساوي في الميراث.
إذ ينص في القسم
المتعلق بالمساواة في الميراث، على أن ''البنت انفردت او تعددت
ترث جميع المال او ما بقي عن أصحاب الفروض عند وجودهم. ولا يرث معها الأب والجد إلا
السدس دون ان ينتظرا شيئا آخر. ولا يرث معها الإخوة والأخوات مهما كانوا ولا الأعمام
مهما كانوا ولا صندوق الدولة». كما ينص على ان "البنت مع الابن
يرثان بالتساوي جميع المال او ما بقي عن أصحاب الفروض عند وجودهم" وعلى ان "الأحفاد
إناثا او ذكورا مهما كانت طبقتهم يرثون مثل ما كان سيرجع لأصلهم المباشر كما لو
كان حيا في تاريخ وفاة سلفه. ويوزع نصيب الأحفاد بينهم بالتساوي".
إضافة إلى ان «الأم والأب
إذا اجتمعا وانعدم الفرع الوارث يرثان بالتساوي جميع المال او ما بقي بعد فرض
القرين عند وجوده". و "للقرين النصف عند انعدام الفرع الوارث والربع عند
وجوده. ويتمتع الأرمل والأرملة قانونا بحق سكنى مدى الحياة بمحل الزوجية الراجع
للزوج المتوفى بشرط: أولا إن لا يكون المحل غير قابل للقسمة.. ثانيا اذا كان له او
لها منه او منها ولد حتى بعد بلوغه سن الرشد او إذا استمرت علاقتهما الزوجية اربع
سنوات على الأقل..ويسقط هذا الحق في حال الزواج من جديد او كان للأرملة مسكن خاص
بهما". وقد نص المشروع كذلك على كون الأحكام الجديد ستضاف لمجلة الأحوال
الشخصية وتحديدا إلى الكتاب التاسع منها بإضافة باب سابع مكرر تحت عنوان
"أحكام تتعلق بالتساوي في الميراث" يتضمن الفصول من 46 مكرر إلى 146
سابعا. مع تأجيل دخول القانون حيز النفاذ بالتنصيص على أنه: "تنطبق أحكام هذا القانون على التركات التي يستحق فيها
الإرث، على معنى الفصل 85 من مجلة الأحوال الشخصية، بعد انقضاء أجل 6 أشهر من
تاريخ نشره بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية". وهي فترة انتقالية يقع إقرارها
عادة في القوانين التي تتضمن تغييرا جوهريا أو التي تتطلب نصوصا تطبيقية تمهد لحسن
تنفيذها وتطبيقها.
وبمجرد أن خرج مضمون مشروع القانون للعلن حتى بدأ
الانتقاد والتأييد ولكن هذه المرة نزلنا من مناقشة المبادئ إلى مناقشة التفاصيل. وانحسر
النقاش من الخوض في تقرير لجنة الحقوق والحريات برمته إلى مناقشة ما نتج عنه من مقترح
مشروع قانون معروض على مجلس نواب الشعب للنظر فيه. وبدأت أسئلة من نوع جديد تطرح،
هل جاءت الصياغة محققة فعلا للفكرة؟ وهل هذا أفضل ما يمكن؟ أليس بالإمكان خير مما
هو مقترح؟ أليس ما جاء في المشروع هو تأكيد لوهن الفكرة من أصلها؟ ألم ينتهي
المشروع إلى تنقيص مناب من جاء لتعزيز نصيبهن؟ هل سنستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ والحقيقة أن جل هذه الأسئلة طرحت
في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مع بعض ندوات علمية عقدت في الجامعات
وألقيت فيها محاضرات لم ينشر جلها بعد، وفي عدد سابق من هذه المجلة نشر مقال
للقاضي الفاضل السيد منير الفرشيشي تحت عنوان:"المساواة في الإرث بين جرأة
المقترح وضعف المشروع" تضمن مناقشة مستفيضة للمشروع عموما ولفصوله فصلا فصلا،
ويمكن القول أنه أول دراسة منشورة تناقش المشروع برمته، ومن المؤكد أنني لن أناقش
ما كتب من قبل فلست مؤهلا لذلك، بل سأحاول أن أضيف نقاشا للمشروع من زاوية أخرى منطلقا
من نصوصه ومستأنسا بتلك الآراء التي قد اتفق معها أو قد أخالفها ومواصلا لما سبق
لي أن كتبته في هذا السياق.
فالنقاش بالنسبة لي لن ينطلق من
ردة الفعل بل هو مواصلة لجهد سابق ضمنته في ثلاث دراسات منشورة كانت الأولى سنة
2008 حول "اختلاف الدين في الميراث: دلو في بئر الجدل"، والثانية سنة
2013 حملت عنوان "من أجل تجديد قانون الميراث" ، وثالثة سنة 2017
عنوانها "تطوير قانون المواريث"، وقد تضمنت جميعها مواقف ومقترحات حلول
لما يثيره قانون الميراث من إشكالات شكلية وجوهرية، وهي مناقشات غلب عليها
الاحتشام وقلة الإقدام ليس خوفا بل رغبة في التدرج وتجنبا للتسرع. وبالتالي فإن
هذا المقال يختلف عن سابقيه بأنه لا يتعلق بناقش نظري، فكري بل هو مناقشة لمشروع قانون
موجود من خلال دراسته كفكرة وكمضمون، انطلاقا من التساؤل التالي: هل نجح مقترحو
المشروع في تبرير وتجسيد فكرة المساواة في الميراث؟
إن البحث في المبررات هو مناقشة
لشرح الأسباب أو جواب عن سؤال: المساواة لماذا؟ (الجزء الأول) بينما تتعلق دراسة
المضمون ببيان مدى قدرة النص المقترح على تجسيد تلك الفكرة من خلال الإجابة عن
سؤال: المساواة: كيف؟ (الجزء الثاني).
الجزء الأول- المساواة: لماذا؟
عند قراءة شرح الأسباب المرفق بمشروع القانون سنجد أنفسنا مضطرين للوقوف
على أمرين هما: مرجعية المشروع (أ) وغاياته (ب).
1. المرجعية
هي نقطة الخلاف الأول والجوهري، فهل نعتمد مرجعية
دينية بالرجوع إلى الشريعة، أم نعتمد مرجعية وضعية بترك الشريعة؟ وهل يوجد في
الشريعة ما يفتح بابا للتساوي أو على الأقل للحد من التمييز أم هو أمر محسوم لا
جدال ولا نقاش فيه؟
اختارت لجنة المساواة والحريات الفردية في
تقريرها منهجا مزدوجا. فقد انطلقت اللجنة في مقدمة تقريرها من فكرة تطوير الأحكام
الشرعية (أولا)، لتكتفي عند وضع شرح الاسباب لمقترح مشروع قانون المساواة في الإرث
ببيان الحجج القانونية دون سواها (ثانيا)، وهو نفس ما تم تضمينه في شرح أسباب
مشروع القانون عند المصادقة عليه في مجلس الوزراء وإحالته لمجلس النواب.
فهل فعلا يمكن التجديد من داخل الشريعة؟ أم لا بد
أن يكون التجديد وضعيا؟
أولا- تطوير الأحكام الشرعية:
يتمسك معارضوا التجديد بأن أحكام المواريث من
الأمور المضبوطة والمحددة باعتبارها فريضة من الله، إذ ختم الله تعالى آيات
المواريث بقوله : ( تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ
حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ)[26].
وبالتالي فإن أحكام المواريث بعيدة عن مجالات الاجتهاد والتجديد.
إلا أن هذا غير صحيح، فمن المعلوم أن
أحكام المواريث في الإسلام جاءت ضمن القرآن والسنة في شكل أحكام كلية، وتركت
التفاصيل للاجتهاد الذي تنوع وتعدد وبلغ أحيانا حد التضارب، وقد تركت الشريعة باب الاجتهاد
مفتوحا في عديد المسائل ويمكن هنا أن نشير مثلا إلى قواعد العول والرد وميراث
الجدة والجد ومناب الأم مع الأب وكثرة المسائل الخاصة المبنية على الاجتهاد الصرف
غير المتفق عليه بين المذاهب. وعليه فإن فقه المواريث يتميز بالتنوع والثراء بين
مختلف المذاهب وهو ما يفتح آفاق ومجالات تجديد قانون المواريث الوضعي، خاصة
وان المشرع التونسي لم يأخذ من الفقه الإسلامي عموما والمالكي خصوصا أحسنه ولا أكثره
عدلا ومساواة، بل اعتمد من الفقه المالكي الآراء المتشددة نوعا ما، ولم يسع في
تخفيف حدة هذا التشدد إلا سنة 1959 عند إدراج أحكام الوصية والرد في الميراث، فقانون
1959 هو أول تجديد لقانون المواريث من خلال توظيف فقه المواريث. لكن هذه الخطوة لم
تتبعها أخرى، وبقيت أحكام قانون المواريث جامدة لا جديد فيها ولا تجديد رغم أن
المطالبة بالتجديد لم تتوقف إطلاقا.
وبالرجوع إلى تقرير لجنة الحريات والمساواة يتبين
وأن اللجنة اعتبرت عملها مواصلة لمسيرة
إصلاح لم تنقطع وإن اختلفت و تيرته من وقت لأخر بدأت بعهد الأمان 1857 ودستوري
1861 و1959 لتصل إلى دستور 2014 مع بقاء مجلة الاحوال الشخصية 1956 وتنقيحاتها
المحطة الأهم في هذه المسيرة بما يجعلها تستحق لقب "دستور تونس
الاجتماعي" فقد ساهمت في بنية المجتمع وهيكلته وأرست نموذج العائلة الضيقة
النووية مما ساهم في انهيار البنى التقليدية وصعود مكانة الفرد وتدعيم حقوقه
بالتزامن مع ترسيخ المساواة دون ان يواكب ذلك اهتمام تشريعي شامل.
إنطلق التقرير من مقدمة عامة تتعلق بمقاربة
اجتماعية ودينية مؤسسة على فكرة: "يولد الإنسان حرا، هذه الحقيقة أكدها
الإسلام بوضوح عندما رسخ حرية المعتقد "من شاء فليؤمن ومن شاء فل يكفر"،
وذلك بعد أن منع التدخل في معتقدات الناس
ومحاولة توجيههم بالقوة نحو تبني دين دون آخر "لا اكراه في الدين".
وتعتبر هذه الآية بمثابة المدخل الأساسي لبناء علاقة سليمة وصحية مع الإيمان
والاعتقاد. وهذه المساواة تستند ألى عدم التمييز بين البشر "كلكم لآدم وآدم
من تراب"، وفي ذلك رفض لمختلف الوسائل التي يتم الاستناد إليها مثل المال
والجاه والسلطة والدين لتبرير الهيمنة على الآخرين والتحكم فيهم وإخضاعهم لقوة
قاهرة. ليتم المرور لاحقا إلى مسألة المساواة ووجود مدرسة داخل الفضاء الزيتوني
تميزت ببعدها المقاصدي بداية من عدم اعتراض مشائخ الزيتونة على إلغاء الرق سنة
1846 وتأكيدهم على ضرورة التجديد والاجتهاد في الشريعة بما يتلاءم مع ظروف العصر
وأحوال المسلمين وغايات الشريعة. ثم قام محررو التقرير بتنزيل خطاب رئيس الجمهورية
يوم 13/8/2017 في هذا السياق مستشهدين بقوله:" أن "العقل الإيماني
الإصلاحي القانوني التونسي سيجد الصيغ الملائمة التي لا تتعارض لا مع الدين
ومقاصده ولا مع الدستور ومبادئه".
وعليه فإنه من الواجب أخذ مقاصد الإسلام بعين
الاعتبار وأن مسألة الميراث هي من المسائل التي شوهت طبيعتها فنقلت من مسألة اجتماعية
خالصة تهم توزيع الثروة داخل الاسرة حسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية لكل زمان
لتتحول إلى مسألة عقائدية.
وبناء على هذه الفكرة (ارتباط الميراث بالعاملين
الاجتماعي والاقتصادي) بنت اللجنة تصورها لفكرة المساواة في الإرث. فالمرأة اليوم
دارسة، عاملة، ذات دخل ومنفقة وبالتالي فإن وضعها الجديد يقتضي الاجتهاد في تأويل
النص ما دام الحكم الأصولي يقضي بأن "الحكم يدور مع علته وجودا وعدما"
وبما أن علة التمييز هي واجب الانفاق فإن زوال العلة تقتضي زوال الحكم وطالما لم
يعد الأخ ينفق على أخته فلماذا يرث ضعفها؟ كما أن آلية التعصيب كانت تقوم على
معطيات قبلية زالت وبالتالي وجب التخلص منها واعتماد قراءة تجديدية تأصيلية قدمت
لها اللجنة عدة براهين هي:
- أن قيمة المساواة بين الجنسين هي من صميم
الدين.
- معايير توزيع التركة لا تقوم على أساس الجنس بل
على درجة القرابة وموقع الجيل الوارث وعلى تحمل المسؤوليات.
- وجود اختلافات في قراءة آيات المواريث وتضارب
في التأويلات وخاصة حول نسخ الوصية وتغافل آية العطية للفقراء والمساكين.
- ان الاجتهاد من صميم الاسلام والدليل هو سابقات
سيدنا عمر في المؤلفة قلوبهم وحد السرقة.
-إن مسائل الإرث اجتهادية بامتياز لثبوت وجود
اجتهادات فقهية فيها وبالتالي فهي لا تعتبر من العقائد والعبادات والاختلاف بين
المذاهب والفرق حول توزيع التركة وأن آيات المواريث الثلاث جاءت عامة وبالتالي فإن
إحكام المواريث هي بناء بشري واجتهاد فكري فميراث الأجداد لا نص فيه والاجتهاد في
ميراث الأم بين منحها ثلث المال أو ثلث الباقي وأحكام الرد والعول والوصية الواجبة
للأحفاد.
لتمر اللجنة إلى التساؤل هل نقف
عند ما جاء
به الإسلام، أم
نتطلع إلى ما
جاء من أجله؟ وتجيب مستشهدة بكلام الطاهر الحداد:
"إن الأحكام التي وضعت لها إقرارا لها وتعديلا فهي باقية ما بقيت هي، فإن
ذهبت ذهبت أحكامها معها. وليس في ذهابها ما يضير الإسلام".
فهل أصابت اللجنة أم جانبت الصواب في منهجها؟ أم
ما كان عليها أن تدخل أصلا في هذا النقاش وتبتعد عنه؟
من المؤكد أننا سنجد سيلا من الحجج لتأييد اللجنة
أو نقدها.
ففي حجج التأييد سنقول أن الدعوة الصريحة إلى
المساواة بين المرأة والرجل ليست بدعة ولا هي طرح جديد فقد بدأت في تونس منذ صدور
كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" للطاهر الحدّاد إذ رأى أنّ الإسلام
في جوهره لا يمانع في تقرير المساواة بين الرجل والمرأة من جميع وجوهها متى انتهت
أسباب التفوّق وتوفّرت الأسباب الموجبة بتطوّر الزمن، مادام يرمي في جوهره إلى
العدالة التامّة وروح الحقّ الأعلى[27].
كما أن مبدأ العدل هو قوام الميراث الإسلامي[28]، وبالنسبة
لمن ينفي حق مناقشة النص القرآني الثابت الدلالة في «وللذكر مثل حظ الأنثيين»،
يمكن القول : كيف يمكننا أن نفسر أن العديد من الثوابت خارج موضوع الميراث سبق
نقاشها وطرحها؟. فأين ذهب حكم «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا»؟
فكيف لا نقطع اليوم أيدي السارق والسارقة والنص ثابت الدلالة؟ أليس الميراث مثل
هذا النص من القطعيات، تلك التي قيل أنه لا مجال للإجتهاد فيها؟
فالإسلام دين ودنيا، والاجتهاد فيه واجب في أمور
الدنيا؛ والميراث منها. وقد اجتهد السلف في العديد من أمور الميراث ولم يلتزموا
بحرفية النص بل اعتمدوا على مقاصد الشريعة، فهلا فعلنا مثلهم؟. إن قضية المساواة في الميراث هي قضية اجتماعية
واقتصادية تتنزل في علاقات الإنتاج والمنظومة الاقتصادية بشكل واسع، (علاقات
الإنتاج القائمة ودور المرأة في داخلها) فنظام الوقف مثلا وضع في الإسلام
للاستدراك على ما في أحكام الإرث من جمود يقتضي الزمان الخروج عنه، فالمسلمون
يوقفون أموالهم على من يريدون إعطائهم أموالهم فوق ما تعطيهم آيات الميراث[29].
وعليه فإنّ منح الأنثى نصف حظّ الرجل مع تحوّل وضعيّة المرأة إلى شريك اقتصاديّ في
النفقات يعتبر إخلالاً بشرط العدل، والميراث يتعلّق في النهاية بملك شخصيّ
والقوانين التي تديرها الدّولة الحديثة يجب أن تكون محايدة وتمنح المعنيين بالأمر
حقّ الاختيار. فلا يشتكي ولا يحتجّ أحد[30].
وبالتالي فإن من يرفض الاجتهاد اليوم، وهو لب
لباب الدين، يعجل في غربة الإسلام، الذي
هو اجتهاد أولا وقبل كل شيء ولا بد له من التطور في مجال المعاملات، حيث لا قطعيات
في مسائل الدنيا، بل هي في العقيدة فحسب، وموضوع الإرث ليس من العقيدة، بل هو من
أمور البشر التي تركها الله ورسوله لعباده يرون فيها برأيهم حسب اجتهادهم؛ لذلك
وجب الحديث في المساواة بين الرجل والمرأة بل وإقرارها بدون تأخير إذ مشروعية
المساواة ثابتة دينيا ودستوريا. والادعاء أن إقرار المساواة في الإرث تمس بنص
قرآني، بل وتنتهكه، خاطئة وغير مشروعة، بل ليس في هذه المقولة أي شيء من الصحة، إذ
المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة هي حقيقة مطابقة لمقتضيات الإسلام ومقاصد
الشريعة. والمقصود بالشريعة ليس تفاصيل الكتب الفقهية وما فيها من فتاوى ذات طابع
نسبي زمانيا ومكانيا ولا الخلافات المذهبية وإنما الأحكام الكلية مع مراعاة مبدأ
المصلحة في سن الأحكام المناسبة لخصوصية الزمان والمكان.[31] دون الاقتصار على
التقليد الأعمى لما قاله السلف، حيث ينحصر العمل الفقهي المعاصر غالبا في ترديد ما
سبق، ودراسة ألفاظ بعينها وحفظها[32].
مع تجاهل القاعدة الشرعية:" لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان"[33].
ومن جهة أخرى فإن ما انتهت إليه اللجنة في
تقريرها من أن الميراث مرتبط بالنفقة هو أمر لا يمكن انكاره، فالميراث والنفقة جزء
من النظام المالي العائلي الذي يشمل أيضا المهر، وهذا النظام قوامه العدل
فالاستحقاق على قدر الانفاق، فمن هو ملزم بالانفاق أكثر يجب أن يعطى مالا أكثر،
ومن لا يحمل واجب الانفاق يعطى مالا أقل.
وبما أن الرجل هو الملزم بالإنفاق ودفع المهر
والمرأة مستحقة للنفقة ومالكة للمهر وغير ملزمة بالإنفاق
وان كان لها مال
فإن التمييز في الميراث سلبا يبرره التمييز في الإنفاق
إيجابا
وبالطرح والجمع يتساوى الفريقان
وبما أن
أحد لم يعترض على تنقيح قانون النفقة سنة 1993 وجعل الزوجة ملزمة بالإنفاق إن كان
لها مال فلماذا سيعترض اليوم على تتمة هذا التوجه بتنقيح قانون الميراث؟.
وإن كان
المجتمع قد سكت وقبل أفكارا تتعارض مع نصوص صريحة من قبيل أن البنت لا ترث الأرض
وحرمان الاناث في عديد الجهات من الميراث أصلا فلماذا سيعارض اليوم توجها معاكسا
لضمان حقوقهن؟ وأين هي الفتاوى والدراسات التي تناقش حرمان المرأة من ميراثها ومدى
شرعية الحبس على الأولاد الذكور وأولادهم الذكور من بعدهم؟
طبعا
سيأتينا الجواب القاطع لكل نقاش الآية واضحة وقطعية ولا نقاش فيها!!! فهي إذن قطعية لمنع الزيادة في نصيب الإناث وضمان استحقاقهن له
وغير قطعية في جواز حرمانهن من إرثهن واقعيا وبموجب نظام الأحباس وغيرها من الحيل
الشرعية والعقود الصورية؟!
وما هو الحل عندما نعدل واجب
الانفاق خلافا لما يقتضيه الشرع وعندما نهمش المهر؟ طبعا الحل هو ان نزيد في
الموارد لنحقق التوازن أو الأصح لنعيد التوازن.
يتبين مما سبق أننا لن نعدم الحجة
في تأييد موقف اللجنة ومساندته، ولكننا في ذات الوقت لن نكون مقنعين وحاسمين فلكل
حجة رد ولكل رد جواب ولكل جواب تفرعات وأسباب وسنبقى من الناحية الشرعية نخوض في
جدل عقيم لا نهاية له ولا حسم ولا قطع فيه وكان من الأفضل تجنبه والسير مباشرة
باتجاه نقاش وضعي قانوني ينطلق من واقع عادات المجتمع ويستند إلى المنظومة
القانونية للدولة بعيدا عن جدل ديني لم يحسم طيلة 14 قرنا وتفرقنا فيه فرقا وشيعا
ومذاهب.
وربما لهذا السبب فقد تجنب صاحب
المبادرة التشريعية هذا النقاش الفقهي عند عرضه لشرح الأسباب واكتفى ببيان الحجج
القانونية دون سواها.
ثانيا- الاعتماد على المنظومة القانونية:
بالعودة إلى شرح الاسباب المرفق
بالقانون سنجد أنه اكتفى بجزء من الحجج التي ضمنتها لجنة الحقوق والحريات في
تقريرها وهو الأسانيد الاجتماعية والقانونية.
فقد انطلق من أن مسيرة الإصلاح في تونس الحديثة متواصلة لم تنقطع منذ انطلاق الإصلاح السياسي في 10 سبتمر
1857 بإعلان عهد الأمان مرورا بدستور 26 أفريل 1861 ثم دستور الاستقلال الصادر في غرة جوان 1959 وصولا إلى دستور 27 جانفي 2014. مع الإشارة إلى إلغاء العبودية
وصدور مجلة الأحوال الشخصية وإلغاء ما عرف بمنشور 73 المتعلق بمنع زواج التونسية
المسلمة بغير مسلم. ومستندا إلى الأرقام والإحصائيات الخاصة بتمدرس وعمل الإناث
وإقرار التناصف الانتخابي ووصل النساء إلى مناصب مهم وطنيا ومحليا وما تبرزه عديد المؤشرات على حصول تحول عميق في دور النساء خاصة من حيث الإضافة إلى العائلة في كسب وتطوير الثروة . ليرتب
عن كل هذا نتيجة مفادها أن الدولة صارت ملزمة على القيام بمجهود تشريعي لملائمة التشريعات الجاري بها العمل وفق ما نص عليه الدستور في هذا المضمار بوضوح. ويكون من الضروري القيام بمراجعات في القوانين التي لم تعد
تتلاءم لا مع الدستور ولا مع الواقع المعاش للنساء المتميز بانخراط كلي في تحمل الأعباء يفوق في أحيان كثيرة مساهمة الرجال داخل نفس العائلة، في الريف كما في المدينة، وفي الشرائح الفقيرة الحال كما في الشرائح الغنية من المجتمع.
ومن هذا المنطلق ينتهي شرح الإسباب
إلى أنه لا بد من تطوير مجلة الأحوال الشخصية.
ولكي يكون مشروع القانون مستندا
على مرجعية قانونية ثابتة فقد تضمن شرح الاسباب عرضا مفصلا للمواثيق والاتفاقيات
الدولية بدأ من ميثاق الأمم المتحدة وصولا إلى اتفاقية سيداو واتفاقية حقوق الطفل
مرورا بالعهدين الدوليين والميثاق الافريقي لحقوق الانسان وما قدمته تونس من
احترازات ثم وقع رفعها وصولا إلى أحكام دستور 2014 وخاصة التوطئة وأحكام الفصول 21
و46 و49 طبعا دون إهمال مناقشة الفصلين الأول والثاني منه ببيان أن الأول لا يتعارض
مع تكريس المساواة بينما يفرض الثاني تكريسها.
ليقع المرور بعد ذلك إلى مناقشة النظام
القانوني للمواريث ومدى انسجامه مع مبدأ المساواة، وهنا يقع الانطلاق من مسلمة أن "قواعد
المواريث قواعد وضعية، وضعها المشرع عند اصدار مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت
1956، فهي بالتالي قواعد مدنية قابلة للتطور بطبيعتها، مثلها مثل بقية القواعد
الوضعية الأخرى التي تدخل في المنظومة التشريعية الداخلية و الحجة التي يعارض بها
تطوير قواعد الميراث لا يمكن أن تؤسس على أسباب خارج النظام المدني الوضعي".
أي أن شرح الاسباب يعلن التخلي التام عن مجهود لجنة المساواة والحريات الفردية
التي حاولت في مقدمة تقريرها أن تجد تأصيلا شرعيا لمقترحها، قبل أن تمر إلى البحث
عن تأصيل قانوني. وهذا في اعتقادي أمر صواب وفيه تجاوز لخطأ وقعت فيه اللجنة التي
سعت للتأكيد على أن قانون الدولة قوامه المرجعية المدنية والمواطنية وليس أحكام
الشريعة ولكنها مع هذا تبحث عن مرجعية
شرعية وهذا تناقض من شأمه ان يهدم البناء القانوني لجملة تقريرها وخاصة الجزء
الخاص بالميراث.
فإما ان نعترف بقيمة المرجعية
الشرعية أي نبقي المصدر المادي مسيطرا على المصدر الشكلي، بما يتبع ذلك من مرجعية
تأويلية. وإما أن نعتبر أن المصدر الشكلي يملك استقلالية ذاتية مبنية على هرمية
تسلسلية تبدأ من الدستور مرورا بالاتفاقيات المصادق عليها والقوانين الأساسي وصولا
إلى القانون العادي وما يليه من تراتيب إدارية بما ينجر عن هذا من حصر التأويل في
النصوص الوضعية وتطبيقاتها القضائية.
ولكن هل يسمح لنا الفصل الأول من
الدستور بهذا؟ أي هل يسمح بفصل المنظومة الوضعية عن أي مرجعية فوق دستورية وهو فصل ينص على أن "
تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الاسلام دينها"؟ يجيب شرح الأسباب بأن من
أهم معاني استقلال الدولة والسيادة "قدرة الدولة وسلطتها في سن قوانينها بكل
حرية، وتطويرها بحسب ما تراه صالحا
لمواطنيها. بذلك فان القول بأنه توجد قوانين تخرج عن سلطة الدولة وارادتها هو
انكار لسيادتها. لكن هذا لا يعني مطلقا أن بلادنا هي دولة دينية خاضعة في ارادتها،
التي تعبر عنها بقوانينها، لتعاليم الدين. فسلطة التشريع، حسب الفصلين 3 و 50 من
الدستور، بيد الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات، يمارسها بواسطة ممثليه المنتخبين
أو عبر الاستفتاء، و لا توجد هيئة أو سلطة عليا دينية تعلو السلطة التشريعية
وتراقبها فيها تسنه من قوانين".
وهذا الكلام فيه نفي لأي مرجعية فوق دستورية، وهو ما من
شأنه أن يمنع أي حديث عن قواعد قانون طبيعي تعلو الدستور مكانة مهما كان مصدرها.
فأنصار
العمل بالمرجعية الشرعية الاسلامي استنتجوا من أحكام هذا الفصل[34]
مبدأ عاما مفاده أن أي قاعدة تتعارض مع التشريع الإسلامي هي قاعدة غير دستورية،
وأن تأويل النصوص يجب ان يراعى فيه دين الدولة أي الإسلام.
ولكن هل
يملك الجزء المتعلق بأن "تونس دولة... الإسلام دينها " من الفصل
الأول من الدستور مثل هذه القيمة في تأويل النصوص رفعا للغموض أو سدا للفراغ
التشريعي؟
يجيب أحد
أعضاء المجلس القومي التأسيسي عن هذا السؤال بما يلي:"الفرق بين دين
الدولة الإسلام وبين كونها دولة إسلامية، أن هذه الأخيرة تستلزم أن تكون
القوانين كلها في المنهج الإسلامي بحيث يعرض كل قانون على المبادئ الإسلامية فما
هو مطابق لها أقر وما لم يطابقها ألغي، بخلاف دينها الإسلام فإنه لا يضفي عليها
هذا المعنى"[35].
أما
المجلس الدستوري التونسي السابق فلم يسبق له منذ نشأته أن أعطى لذلك الجزء من
الفصل الأول أي دور عند مراقبة مدى مطابقة أو ملائمة القوانين
للدستور.[36]
وهو ما نعلمه كذلك من موقف الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين والتي ربما
سيكون مشروع هذا القانون ان كتب له ان يعرض عليها فرصة لبيان موقفها. ومن باب الاستئناس
يمكن الإشارة إلى موقف المحكمة الدستورية المصرية القائل بأن حكم الدستور موجه
للمشرع ولا يجوز للقاضي العمل به من تلقاء نفسه، وهو موقف اتخذته المحكمة رغم
ان نص المادة الثانية من الدستور المصري يقر صراحة ان التشريع الإسلامي مصدر أساسي
للقوانين، فما بالك ونص الدستور التونسي لم يبلغ هذا الحد من الوضوح والمباشرة[37].
ويمكن
القول أن هذا الفهم لمقتضيات الفصل الأول من الدستور وقع تعزيزه بما تضمنه دستور
2014 في الفصل الثاني منه من
تنصيص على مدنية الدولة، وهو ما اعتبره شرح الاسباب تأكيدا صريحا، على علوية قيم
المواطنة وارادة الشعب، والقانون. وبالتالي "فكل قول بوجود قواعد خارجة عن
ارادة الدولة وسلطتها لا يمكن الا يضعنا في موقف التنافس مع الدستور. بذلك فان
قواعد المواريث، كما وردت بمجلة الأحوال الشخصية، جزء من المنظومة المدنية للدولة
التونسية" ويعزز صاحب المبادرة موقفه بالاستنجاد بالفصل 46 في فقرته الأولى
أن الدولة " تلتزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتدعم مكاسبها و تعمل على
تطويرها... ولا يمكن للفصل 46 أن يكتسب معنى إذا وقع تأجيل تنفيذه إلى أجل غير
مسمى، فدعم مكاسب المرأة واجب يجب الشروع في تنفيذه حالا بكل ما يلزم من الجدية
والعناية، ولا يمكن تأجيل تحقيق نتيجة في ذلك إلا إذا وجدت حقا عوامل موضوعية تحول
دون الوصول إليها، وهو ما يمكن تصوره بالنسبة الى التمكين الاقتصادي للمرأة الذي قد
يستوجب في حالات توفير موارد خاصة لانجاز مشاريع في الغرض، فيتعين حينها السعي الى
توفير ما أمكن من الموارد اللازمة في إطار التوازنات المالية العامة للدولة.
أما المسائل القانونية، وخاصة منها ضمان المساواة في الحقوق، فلا يوجد أي مبرر
منطيقي لتأجيل تحقيقها، باعتبار أن الإصلاح التشريعي لا يتوقف الا على توفر
الارادة".
ويستنتج مما سبق أن شرح الأسباب سعى لإعطاء مشروع
القانون سندا دستوريا لا يجيزه فقط بل ويحصنه من التأثيرات الخارجية المرتبطة
بالمصادر المادية للنصوص الوضعية.
ولكن المستغرب هنا أن لا تقرير اللجنة ولا شرح الاسباب
اعتمدا فقه القضاء المؤيد لنفس هذا التوجه ومنه القرار التعقيبي المدني عدد 26950
صادر في 30/6/2009 الذي تناولت محكمة التعقيب فيه مسألة التوارث بين ملتين و أخذت
باختلاف الدين كمانع من موانع الإرث و من حيثياته: "و حيث لئن نص الفصل 88 م
اش " القتل العمد من موانع الارث فلا يرث القاتل سواء كان فاعلا اصليا ام
شريكا أو كان شاهد زور ادت شهادته إلى الحكم بالإعدام و تنفيذه " فقد اقتضى
الفصل 532 م اع ان " نص القانون لا يحتمل إلا المعنى الذي تقتضيه عبارته بحسب
وضع اللغة وعرف الاستعمال و مراد واضع القانون. و حيث اعتبارا لوضع اللغة التي نص
عليه الفصل 532 م ا ع فان عبارة " من " انما هي " من "
التبعيضية اي أنها أداة بعض من كل و جزء من مجموع ولم ترد مثلما نحاه المعقبون
للعطف الاستطرادي على الموانع الاخرى الواردة بالفصول 85 و 86 و 152 م ا ش ذلك انه
لا يمكن أن يتصور لغة أن يكون المعطوف سابقا للمعطوف عليه اي أن الفصل 88 جاء عطفا
على الفصل 152 م اش الذي تحدث عن الزنا كمانع للإرث هذا من جهة و من اخرى فان ورود
عبارة " من " بعد عبارة " القتل العمد " تؤكد أنها اداة يراد
بها التبعيض وليس التبيين و التأكيد اذ أن ذلك تضمنه التفسير والثبيت الذي جاء
بهما بقية سرد الفصل ذاته " فلا يرث القاتل سواء كان فاعلا... و حيث و ترتيبا
على ذلك و سواء قرئ الفصل 88 ضمن مجموع المجلة ام بصفة مفردة فان القول بان المشرع
اتي بموانع أربعة للإرث مسقطا بقية الموانع التي جاء بها الفقه الاسلامي إنما هو
قول مردود ضرورة أن احكام مجلة الاحوال الشخصية مستمدة أساسا من الفقه الإسلامي و
تقوم احكام المواريث خير دليل على ذلك بل و من التنقيحات التي وردت بها و التي
تتجلى في ظاهرها حديثة إنما تجد تأسيسا لها و مرجعا لقيامها في المذاهب الفقهية
وعليه فان الفصل الأول من الدستور الذي نص على أن دين الدولة هو الاسلام إنما هو
نبراس في هرم القوانين حسم به المشرع بان الاسلام احد اهم دعائم هذا المجتمع و أن
مجلة الاحوال الشخصية كانت مستمدة برمتها يوم صدروها من قواعد الفقه الاسلامي و
ذلك عبر لائحة الشيخ جعيط بحيث لا تتعارض مع القران أو تتناقض مع السنة قولا أو
عملا أو تقريرا و لا تنكر للاجتهاد موقعه فيها طالما كان مؤسسا فقهيا ويجد له
تفسيرا وتأويلا بالرجوع إلى مصادر الفقه. و حيث يتجلى ذلك واضحا من خلال البيان
الصادر عن وزارة العدل في 3 اوت 1956 و الذي جاء فيه " اهملنا ذكر الفروع والجزئيات
وتركناها لاجتهاد القاضي يأخذها من المراجع والامهات عند الاقتضاء" وهو ايحاء
بعدم القطع مع الفقه الاسلامي و أن الظرف الزمني اي سنوات الخمسينات يبرر هذا
التلميح من حيث مرجعية القانون و عدم ذكر اختلاف الدين كمانع من موانع الارث
بالنظر إلى أن المجتمع كان بصدد تأسيس دولة فتية لازالت تلملم حالة ما تحت
الاستعمار المختلف في ملته عن ملة مجتمعنا و الذي يناى بالدخول في مواجهة جديدة مع
المستعمر تفسر بانه قطع معه جذريا كل ذلك في اطار دولة لم تقطع مع هويتها
الاسلامية و هو ما يتضح جليا من تقديم السيد وزير العدل للمجلة سنة 1956 والذي
اوضح فيه " أن تشريعنا الذي يستمد روحه من التشريع الاسلامي سوف يقيم الدليل
الواضح... وحيث يتحصحص والحالة تلك وان المشرع وان لم يذكر صراحة اختلاف الملة
كمانع من موانع الارث فلئن تشريعه صدر في ظرف زمني معين و شمله بأداة تبعيضية في
السرد تجعل القاضي يرجع إلى امهات التشريع ثم أن المشرع يحمل على الفطنة و الذكاء
و ليس على الغفلة والغباء عندما ذكر تصريحا اربعة موانع من سبعة و التي تختصر
بعبارة " عش لك رزق " اذ اورد عدم الاستهلال والشك فيمن مات اولا و
الزنا والقتل ملمحا إلى الموانع الاخرى و المتمثلة في اللعان و الكفر والرق من
خلال عبارة " من " التي وردت بالفصل 88 م ا ش اذ لو طرحت اشكالية اللعان
من جديد أو مسالة الرق مجددا لوجد القاضي مرجعه في الفصل المذكور الذي يحيله إلى
الفقه الاسلامي كما في دعوى الحال و بالتالي فان عدم ذكر تلك الموانع صراحة لا يدل
على عدم وجودها من حيث الطرح النظري أو اسقاطها أو اقصاءها من طرف المشرع اذ لو
انصرفت ارادة المشرع إلى ما ذهب إليه المعقبون لعدد المشرع الموانع الاربعة حصرا
وكفى النقاش برهانه. و حيث من جهة اخرى فان ما ذهب إليه المعقبون من كون "
الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه و سلم " لا يرث المسلم الكافر و لا
الكافر المسلم " غير متفق عليه في كامل مصادر الحديث و أن هناك خلاف بين
الفقهاء في مدلول الكافر الذي لا يرث و لا يورث و من الفقهاء من يرى أن المقصود
بالكافر هو المجوسي المشرك اما اهل الكتاب من اليهودية والنصرانية فانهم غير
معنيين بهذا المنع لانهم لا ينكرون وجود الله ' إنما هو قول مردود فقها و شرعا
ولغة واصطلاحا ضرورة أن كل مصادر الحديث دون استثناء اجمعت على صحة هذا الحديث و
منهم بالخصوص البخاري ومسلم و ابن ماجة و ابو داود و الدارقطني والبيهقي اذ أن
جميعهم اتفقوا على صحته ومن ثمة قامت القاعدة الفقهية " لا توارث بين ملتين
" هذا من جهة و من اخرى فان القول بان هناك خلاف في مدلول الكافر إنما هو قول
مجانب للصواب اذ أن مدلول الكافر لا ينصرف إلى الكتابي الذي ظل متمسكا بدينه
الصحيح قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فان ذلك لا يعد كافرا اما الكتابي الذي
ادرك بعثة النبي صلى الله عليه و سلم فانه لا يقبل منه غير الاسلام فان لم يصدق
بالنبي صلى الله عليه و سلم فانه يعتبر كافرا . قال الله تعالي " و من يبتغ
غير الاسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الاخرة من الخاسرين" ( ال عمران .85 )
.و قال " قل يا اهل الكتاب لم تكفرون بايات الله والله شهيد على ما تعملون
"( ال عمران 98 ) . و قال " لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين
منفكين حتى تأتيهم البينة" ( البينة 1). و حيث و من جهة اخرى فان القول بانه
من غير العدل حرمان التوارث بين الزوجين أو بين الزوجين والابناء مع تكاثر زواج
المسلمين بالكتابيات من اليهودية والنصرانية وهو جائز شرعا بصريح القران إنما هو
قول يخلط بين مؤسستين مختلفتين اذ لا يمكن الربط بين الزواج والتوارث ذاك أن
الشارع اراد من زواج المسلم من الكتابية الترغيب في الاسلام و الانضمام إليه بمبرر
أن الزوج المسلم لا محالة مؤثر في العلاقة الزوجية و هو قوام على اسرته و بالتالي
فان من المحتمل غالبا أن تتبع زوجته الكتابية ملته في حين أن التوارث إنما يتأسس
على الولاية و النصرة وان ذلك لا يتحقق مع اختلاف العقيدة .و هو ما ينسحب ردا على
ما اثارته النيابة العمومية ضمن طلباتها من كون ذلك " يتعارض مع المبادئ
العامة للحريات الاساسية والمساواة التي كرستها المعاهدات الدولية التي تنادي بنبذ
التمييز المبني على أساس العرق واللون و الجنس والدين " اذ ليس في الاخذ
بقاعدة " لا توراث بين ملتين " اي تعارض مع مبدا المساواة سيما وان
الحديث الشريف جاء ناصا على أن "لا يرث المسلم الكافر و لا الكافر المسلم
" بمعنى أن الحرمان انصرف للملتين وليس لواحدة فقط حتى يقال أن هناك تمييز
بين مسلم وكافر اذ فيما حرم الكافر من تركة المسلم فانه حرم المسلم ايضا من تركة
الكافر مستندا إلى مبدا المعاملة بالمثل من حيث الاساس اولا والتصرف ثانيا و عليه
فلا مجال للقول بان هناك تمييز اساسه الدين اذ أن التمييز يفترض الفوقية والدونية
في حين أن هذه القاعدة تملي بالمساواة و التوازي هذا فضلا على أن قول كهذا يجعله
مؤدي إلى انفساخ الهوية الاسلامية التي ارادها المشرع من خلال مصادره و قوانينه اذ
يصبح النظر إلى قواعد المواريث الذي اتت بها مجلة الاحوال الشخصية من فرض و حجب و
تعصيب و قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين كلها مخالفة لمبدا المساواة في الجنس و يصبح
مبدا المحافظة على السيادة في منع الأجنبي من التملك بالبلاد التونسية إلا برخصة
مخالفة لمبدا المساواة في العرق ...و غيرها من الحالات عديد.و حيث تعين والحالة
تلك رد هذين المأخذين لعدم وجاهتهما"
وبالنسبة لاختلاف الدين بين الزوجين نجد الحكم الابتدائي
المدني عدد 26855 الصادر بتاريخ 29/6/1999 عن المحكمة الابتدائية بتونس: "وحيث و في خصوص بطلان
زواج المسلمة بغير مسلم فإنه لا شيء بملف القضية يفيد بأن الزوج غير مسلم. وحيث
فضلا عن ذلك إذا جارينا المدعى عليها فيما تمسكت به فقد اقتضى الفصل 5 من م ا ش
بأنه يجب أن يكون كل من الزوجين خلو من الموانع الشرعية و عرف الفصل 14 م ا ش الموانع الشرعية بأنها مؤبدة و مؤقتة و لا وجود
لتزوج المسلمة بغير مسلم ضمن موانع الزواج. وحيث بالرجوع إلى الاتفاقية الدولية
الموقع عليها في نيويورك في 10/12/1962 و المصادق عليها من طرف الدولة التونسية
يتبين بأنه لكل مواطن ذكرا كان أو أنثى حرية اختيار قرينه. وحيث أن الاتفاقية
الدولية أسمى درجة في سلم القوانين. وحيث والحالة ما ذكر فإن التمسك ببطلان الزواج
في غير طريقه واتجه لذلك رده"[38]
فها هو فقه القضاء يعتمد الاتفاقيات الدولية ليبتعد
بالنص عن مرجعيته الشرعية ويخلصه مما فيه من تمييز ديني، ولكن اجتهادات القضاء على
كثرتها لم تقع الاشارة إليها مطلقا في تقرير اللجنة أو حتى في شرح الاسباب المستمد
من ذلك التقرير حرفيا وإن لم يكن كليا.
ولا جدال أن قمة هرم القواعد القانونية
يحتلها الدستور بما فيه من قواعد و مبادئ تنص صراحة في توطئته على أنه: "تعبيرا عن تمسك شعبنا بتعاليم الإسلام ومقاصده المتّسمة
بالتفتّح والاعتدال، وبالقيم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان الكونية السامية، واستلهاما
من رصيدنا الحضاري على تعاقب أحقاب تاريخنا، ومن حركاتنا الإصلاحية المستنيرة المستندة
إلى مقوّمات هويتنا العربية الإسلامية وإلى الكسب الحضاري الإنساني، وتمسّكا بما حقّقه
شعبنا من المكاسب الوطنية، وتأسيسا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنية
السيادة فيها للشعب". "فالدّولة
راعية للدّين، كافلة لحريّة المعتقد والضّمير وممارسة الشّعائر الدّينيّة، ضامنة
لحياد المساجد و دور العبادة عن التّوظيف الحزبي. كما تلتزم الدّولة بنشر قيم
الاعتدال و التّسامح و بحماية المقدّسات و منع النّيل منها، وبمنع دعوات التّكفير
و التّحريض على الكراهية و العنف و بالتّصدّي لها."، كما أن "كل المواطنين متساوون في
الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون
من غير تمييز."(الفصل
21 دستور)، و"يحدّد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا
الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة
تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام،
أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين
هذه الضوابط وموجباتها. وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي
انتهاك. لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في
هذا الدستور." (الفصل 49 دستور) وعملا
بهذه القواعد الدستورية فإنه لا مجال للتمييز في الميراث بين المواطنين مختلفي الجنس فالتفرقة بين مواطن وآخر في الحقوق السياسية أو في غيرها هي تفرقة
تخالف المبادئ الدستورية العامة، التي تنص علي أن المواطنين
مهما اختلفت عقائدهم وانتماءاتهم أمام القانون سواء، ولا تفرقة بينهم.
وعلاوة عما سبق فإن فتح باب الرجوع إلى أحكام الفقه الإسلامي
مطلقا ودون تقييده بمستجدات العصر خطير وربما يكون كارثيا فهل سنقبل اليوم تأويلا
يجيز الرق مثلا؟[39] وهل كان قانون مكافحة الاتجار
بالأشخاص[40] سيمر لو أن هيئة رقابة
دستورية مشاريع القوانين اعتمدت بعض الآيات القرآنية أو المواقف الفقهية لرفضه؟
بناء على
ما سبق عرضه فإن ما جاء في شرح الأسباب من اكتفاء بالمرجعية القانونية وتجاوز ما
وضعته اللجنة في مقدمة تقريرها من مرجعية شرعية برؤية حداثية هو التوجه الأنسب
الذي يسمح لمشروع القانون بأن يبلغ غاياته طبق متطلبات المواطنة والمدنية.
-يتبع-
[1] ) سبق الإعلان مبادرة
تشريعية أعلن عنها بداية شهر ماي 2016 تتعلق بالمساواة في الإرث بين المرأة والرجل
تحت عنوان ” مقترح قانون أساسي متعلق بتحديد نظام المنابات في الميراث ”تقدم بها
27 نائبا ينتمون إلى كتل مختلفة ما عدا حركة النهضة وتم يوم 4 ماي 2017 إيداع
مشروع قانون أساسي عدد 2016/022 يتعلق بتحديد نظام المنابات في الميراث لدى مكتب الضبط
بمجلس نواب الشعب، وهو يتكون من ثلاثة فصول: / الفصل الأول : في غياب أي اتفاق
صريح ومكتوب مخالف بين الورثة ، تقسم التركة باعتماد التساوي في المنابات بين
المرأة والرجل عند التساوي في الوضعيات. /الفصل الثاني : في أجل لا يتجاوز السنتين
من إصدار هذا القانون يسن مجلس نواب الشعب التشاريع الضرورية لملائمة النصوص
القانونية السارية مع مقتضياته . /الفصل الثالث: ينشر هذا القانون بالرائد الرسمي
للجمهورية التونسية و ينفذ كقانون من قوانين الدولة.
وطالب عدد من علماء ومشايخ وأساتذة الزيتونة
بسحب المبادرة التشريعية المتعلقة بتغيير أحكام المواريث وبعدم الاستمرار في طرحها
أو الجدل فيها. ودعوا خلال ندوة صحفية وعلمية تحت شعار المواريث بين الحكم الشرعي
ودعوات التغيير عقدوها يوم 18/5/2016 إلى إعداد مدونة سلوك قانونية تبين لعدد من
نواب مجلس الشعب حدود تدخلهم في نطاق المبادرات التشريعية التي يتقدمون بها.
وقالوا إن الأحكام الشرعية القطعية التي نزلت بالقران والسنة والتي تعتبر مصدرا
أساسيا للتشريع لا يجوز المساس بها من منطلق دستوري وشرعي مشيرين الى أن كل الفصول
التي تضمنها دستور تونس الجديد تحرم وتحجر النيل والمساس ومراجعة هذه الأحكام
باعتبارها نصوصا قطعية حسب رأيهم (جريدة الشروق اليومي بتاريخ 18/5/2016). كما
أوضح مفتي الجمهورية، في تدخله، خلال جلسة استماع انعقدت، يوم 28/06/2016، بلجنة
الصحة والشؤون الاجتماعية بمجلس نواب الشعب أنه لا يجوز الاجتهاد في هذه المسالة
لان النص القرآني صريح في ذلك، وحسم فيها بحكم الآية الواردة في سورة النساء
"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"، موضحا أن هذا النص هو
نص شرعي محكم وتبنته مجلة الأحوال الشخصية" لكن موقفه تغير لاحقا عندما جاءت
نفس الدعوة من رئيس الجمهورية لاحقا. وأمام نفس اللجنة أكدت وزيرة المرأة والأسرة
والطفولة، أن الحكومة تساند مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في كل الميادين
الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ولكنها اعتبرت في المقابل أن هذا الموضوع
"دقيق يحتاج إلى استشارة كل الفئات، ولا يمكن إسقاطه على المجتمع، كما أن
مشروع القانون المقترح غير واضح في بعض جوانبه"، بحسب تقديرها. وقالت العضو بجمعية النساء الديمقراطيات درة محفوظ
في مداخلتها أمام اللجنة المذكورة يوم 3/11/2016 ما يلي: “رغم أن المرأة تساهم
بنصيب كبير في خلق الثروة الا أن عائق تحقيق المساواة في الميراث يبقى معطلا
لدورها في المجتمع والدورة الاقتصادية”. وأوضحت، أن آخر الدراسات الرسمية لوزارة
المرأة بينت منذ سنة 2011، أن مساهمة المرأة في النفقات الأسرية تبلغ 45 بالمائة
و42 بالمائة في المصاريف الأسرية الموسمية الى جانب مساهمتها بنسبة لا تقل عن 33
بالمائة في المصاريف العائلية المخصصة للترفيه. وأكدت بالتوازي أن دراسة أخرى
للمجموعة المغربية للمساواة، أظهرت أن مساهمة المرأة غير معترف بها بالنظر الى أن
النساء يحرمن من حقهن في الميراث في حين أن المرأة من شريحة الأمهات تورث في تونس
40 بالمائة من الرجال، مقابل توريث للآباء من الرجال لا يتعدى نسبة الـ20 بالمائة.
وأوضحت، في دفاعها عن مشروع القانون المتعلق بتحديد نظام المنابات أن القانون يمثل
مرحلة نحو القطع مع الاخلالات المتعلقة بالميراث، مشيرة الى أنه سيمكن من تحقيق
المساواة في الميراث بشكل مرحلي ومتدرج الى غاية بلوغ هدف المساواة التامة بين الرجل
والمرأة. واعتبرت مشروع القانون خطوة في الاتجاه الصحيح نحو إرساء المساواة التامة
بما يقضي على مظاهر وأخطار الإقصاء الاقتصادي المسلط على المرأة.
[2]) أصدر مجلس جامعة الزيتونة يوم 18/08/2017 بيان
انتهى إلى ضرورة استشارة ذوي التخصص الشرعي في مسائل الشأن الديني بتفعيل دور
المؤسسات الدينية والعلمية بالبلاد على غرار جامعة الزيتونة والمجلس الإسلامي
الأعلى ووزارة الشؤون الدينية ودار الإفتاء حول ما ورد في خطاب رئيس الجمهورية
بمناسبة عيد المرأة حول مسألتي المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث وزواج
المسلمة بغير المسلم. وطالب مجلس الجامعة في بيان لها منه مفتي الجمهورية ان يبين
الحكم الشرعي في هاتين المسألتين. ولفتت جامعة الزيتونة إلى أن مبادرة رئيس
الجمهورية تتعارض مع أحكام الدستور ومبادئه في توطئته وفصله الأول والسادس كما ان
أصول أحكام المواريث من المحكمات الثابتة بالأدلة الصريحة كتابا وسنة وإجماعا وما
كان كذلك فلا مجال فيه للنظر والتأويل والاجتهاد حسب تقديرها. وأضافت ان قانون
الإرث في مجلة الأحوال الشخصية التونسية مبني على الفقه الإسلامي وتغيير بعض
أحكامه يحدث اضطرابا يؤدي الى هدم المنظومة القانونية بما فيها منظومة الأسرة
والأحوال الشخصية مشددة على ان المساواة المعتبرة في التشريع الإسلامي هي التي
تؤدي الى تحقيق العدل بين الناس بناء على تلازم الحقوق والواجبات. وأكدت من جهة
أخرى إن زواج المسلمة من غير المسلم مما انعقد الإجماع العام على تحريمه هو حكم
استقرت عليه الفتاوى في البلاد قديما وحديثا.
[3]) أصدر ديوان
الإفتاء الذي يرأسه مفتي الجمھورية عثمان بطیخ بلاغا حول إعلان رئيس الجمهورية
مقترح المساواة في الإرث یوم 14 اوت 2017 وجاء فیه ما يلي: "ھنیئا للمرأة
التونسیة في عیدھا الوطني إن الأستاذ الباجي قايد السبسي رئیس الجمھورية التونسیة
أستاذ بحق لكل التونسیین وغیر التونسیین وھو الأب لنا جمیعا بما أوتي من تجربة
سیاسیة كبیرة وذكاء وبعد نظر . وفي كل مناسبة وطنیة أو خطاب إلا ويشد الانتباه
لأنه معروف عنه أنه يخاطب الشعب من القلب والعقل ولذلك يصل كلامه الى قلوبنا جمیعا
وعقولنا . وفي خطابه الأخیر يوم أمس الأحد 13 أوت 2017 بمناسبة العید الوطني
للمرأة التونسیة كان كالعادة رائعا في أسلوبه المتین وكانت مقترحاته التي أعلن
عنھا تدعیما لمكانة المرأة وضمانا وتفعیلا لمبدأ المساواة بین الرجل والمرأة في
الحقوق والواجبات التي نادى بھا ديننا الحنیف في قوله تعالى " ولھن مثل الذي
علیھن بالمعروف " فضلا عن المواثیق الدولیة التي صادقت علیھا الدولة التونسیة
والتي تعمل على إزالة الفوارق في الحقوق بین الجنسین . فكانت بلادنا رائدة في مجال
التقدم والحداثة ومواكبة العصر،...". وهو ما يشكل انقلابا على موقفه السابق من
مشروع القانون الأساسي عدد 2016/022 المتعلق بتحديد نظام المنابات في الميراث
(أنظر الهامش الموالي).
[4] - أُحدثت لجنة الحريات
الفردية والمساواة بموجب أمر رئاسي عدد 111 لسنة 2017 مؤرخ في 13 أوت 2017 لدى
رئيس الجمهورية تتولى إعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية
والمساواة استنادا إلى مقتضيات دستور 27 جانفي 2014 والمعايير الدولية لحقوق
الإنسان والتوجهات المعاصرة في مجال الحريات والمساواة. وهي تتمتع بطبيعة
استشارية.
[5] رأت جامعة الزيتونة في تقرير لجنة الحريات
الفردية والمساواة التفافا مشينا على قيم الإسلام، باب نات، 29 جوان 2018. وأيضا
جامعة الزيتونة أكدت أنها لا نتحمّل مسؤولية ما جاء في تقرير لجنة الحريات،
موزاييك أف أم، 29 جوان 2018. وندد حزب التحرير بما ورد في تقرير لجنة الحريات
الفردية والمساواة، الفجر، 27 جوان 2018.
واعتبرت التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة:
تقرير لجنة الحريات «فتنة» وانقلاب على نمط المتجمع، الصباح نيوز، 22 جوان 2018.
[6] - Ezzeddine
Arfaoui : les règles écrite de l’interprétation de la loi, Thèse de
Doctorat, la faculté de Droit et de Sciences politiques,Tunis 1994.P 302
[7] - منجية السوايحي،المرأة
العربية من فكرة التحرر إلى فكرة الشراكة.
[8] - مقال حول ندوة
الإصلاح العدلي : جريدة الصباح : تونس 4 أوت 1956. مذكور لدى محمد بوزغيبة، هل
مجلة الأحوال الشخصية التونسية شرعية أو علمانية لائكيه، شفــــاف الشــــرق
الأوســــط 9 اكتوبر 2004. كما أن البيان الصادر عن الوزارة في 3/8/1956
[9] - الهادي كرو :
زواج المسلمة بغير المسلم ومصادقة الدولة على اتفاقية نيويورك المؤرخة في 10 – 12
– 1962 : مجلة القضاء والتشريع : ع 2 : فيفري 1971 : ص 149
[10] - رضا خماخم،
الإصلاح القضائي : شركة أوربيس للطباعة والنشر تونس 1993. ص23
[11] - علي حسين الفطناسي، دراسات في النسب، التعاضدية العمالية،
صفاقس.1985.ص36.
[12] - أنظر في هذا المعنى ساسي بن حليمة، التباين في فقه قضاء محكمة
التعقيب، ملتقى التعقيب. كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. 1989. ص137-138
[13] - Résolution du Parlement européen du 14 septembre 2016 sur les relations
de l'Union avec la Tunisie dans le contexte régional actuel 2015/2273INI. Le Parlement européen 14. ''invite à favoriser l'équilibre
hommes-femmes dans le contexte de l'action publique, notamment en réformant le
Code du statut personnel afin d'abolir les lois discriminatoires à l'égard des
femmes telles que celles qui régissent les successions et le mariage, ainsi
qu'à renforcer la participation des femmes dans la vie publique et le secteur
privé, conformément à l'article 46 de la constitution tunisienne;
encourage en outre la création de programmes d'accompagnement pour les femmes
qui pourraient être les dirigeantes de demain dans l'optique de favoriser leur
accès à des postes à responsabilités; recommande que la Tunisie abroge sa
déclaration générale concernant la convention sur l'élimination de toutes les
formes de discrimination à l'égard des femmes'';
انظر موقع البرلمان الأوروبي:
http://www.europarl.europa.eu/sides/getDoc.do?type=TA&reference=P8-TA-2016-0345&language=FR
في الواقع لو ثبتنا في الدعوة الأوروبية
فسنحد أنها مجرد دعوة لتفعيل الدستور التونسي وتحديدا الفصل 46 منه، وهذا لا يرتقي
لمستوى التدخل بقصد فرض قانون معين إلا إذا اعتبرنا ان وضع الدستور ذاته كان
بإملاءات خارجية.)..
[14] ) أنظر الفصل 15من القانون عدد 27 لسنة 1958 مؤرخ
فى 4 مارس 1958 (12 شعبان 1377) المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني:"
للمتبنى نفس الحقوق التي للابن الشرعي وعليه ما عليه من الوجبات وللمتبنى إزاء
المتبنى نفس الحقوق التي يقرها القانون للأبوين الشرعيين وعليه ما يفرضه من
الواجبات عليهما".
[15] - سبق وأن صدرت
فتاوى لعدد من علماء الزيتونة عند صدور المجلة
أكدت مخالفة مجلة الأحوال الشخصية للشريعة الإسلامية فقد نشرت جريدة
الاستقلال (ع46 بتاريخ 30 محرّم 1376هـ/7 سبتمبر 1956م) سؤالا موجها إلى علماء
الزيتونة "وبقية المدرسين من أصحاب الغيرة الدينية وممن يكونون أهلا للقانون
والإصداع بالحقّ بأن يبدوا آراءهم ويبيّنوا للناس حكم الله فيما جاء بالمجلة
الشخصية هل هو مطابق لنصوص أحكام القرآن والسنة والإجماع أم هو مباين لكل
ذلك"؟ وإليك جواب العلماء (نقلنا الفتاوى بتصرف عن كتاب فتاوى الشيخ محمد
المهيري الصفاقسي، ص321-327): فتوى الشيخ محمد العزيز جعيّط شيخ الإسلام المالكي:
"إنّي أطمئن هؤلاء المتمسكين بدينهم العاضين عليه بالنواجذ أني قمت بالواجب
ووجهت لوزارة العدل مكتوبا في 13 محرم وفي 20 أوت 1376-1956 بيّنت فيه ما يلزم من تحويره
وتغييره أو حذفه من الفصول التي لا تتماشى مع الحكم الشرعي في نظري –وفيما أعلم-
إذا بقيت على حالها وبيّنت كيفية التدارك، وهي الفصول 14-18-19-21-30-35-88".
علما، أنّ وزارة العدل - وكان على رأسها آنذاك أحمد المستيري - كاتبت الشيخ محمد
العزيز جعيّط بصفته شيخ الإسلام المالكي طالبة رأيه في بعض المسائل المتعلقة بمجلة
الأحوال الشخصية، ومنها: - مسألة الوصية الواجبة أخذا برأي ابن حزم، وقد رفض الشيخ
هذا الرأي. - والعمل بالرد في توريث البنت، وقد رفض الشيخ هذا الرأي قائلا:
"هذا لا يصح أن يكون مستندا؛ لأن ما قامت الأدلة على بطلانه لا يصحّ تقليده،
والأدلة هنا متضافرة على بطلانه...". فتوى أعضاء المحكمتين الشرعيتين
العليتين: "إنّ فيما نشرت هذه المجلة فصولا منكرة شرعا لا تتفق مع الكتاب
والسنة والإجماع منها: منع تعدد الزوجات، وترتيب غرامة مالية على من يعدّد...
ومنها عدم الاعتداد بالطلاق الواقع من الزوج إلا إذا كان على يد الحاكم وهو مصادم
للآيات الكثيرة الصريحة والأحاديث الصحيحة في أنّ الطلاق لا يتوقف مضيه على حكم
الحاكم. ومنها ما اقتضته من تأبيد تحريم المطلقة ثلاثا على مطلّقها مع أن الحرمة
مغيأة بما صرح به القرآن... ومنها ما اقتضته تزوج المسلمة بغير المسلم حيث لم تذكر
في موانع الزواج تزوج المسلمة بغير المسلم... ومنها ما اقتضته من التوارث مع
اختلاف الدين حيث اقتصرت في موانع الإرث على القتل مع أن الإجماع والحديث على خلاف
ذلك. والسلام، وحرر في 5 صفر الخير وفي 11 سبتمبر سنة 1376-1956 محمد عباس شيخ
الإسلام الحنفي – محمد البشير النيفر – إبراهيم النيفر – محمد الهادي ابن القاضي -
علي بن مراد – أحمد بن ميلاد عبد الوهاب الكرارطي - عبد العزيز بن جعفر – أحمد
المهدي النيفر – محمد المنستيري – علي بالخوجة – الطيّب سيالة – محمد الحطاب
بوشناق". وهناك أيضا فتوى الشيخ محمد الشاذلي ابن القاضي: نشرت جريدة
الاستقلال (ع49 بتاريخ 21 صفر 1376هـ/1956م) فتوى مطوّلة للشيخ محمد الشاذلي ابن
القاضي بيّن فيها بالأدلة مخالفة بعض فصول مجلة الأحوال الشخصية للشريعة
الإسلامية، ومما جاء في الفتوى قوله: "ومما سنبيّنه يتضح مخالفة بعض فصول
المجلة للتشريع الإسلامي، فالفصل 31 وما بعده يقتضي أنّ الطلاق يتوقف نفاذه على
حكم الحاكم به ولا يحكم به إلا بعد أن يبذل وسعه في البحث عن أسباب الإصلاح بينهما
وذلك مخالف للتشريع الإسلامي من وجوه...". كما بيّن رحمه مخالفة المجلة للتشريع
الإسلامي في مسألة: المطلقة ثلاثا، وتعدّد الزوجات، والزواج مع اختلاف الدين، وفي
صحة العقد، والعدّة، والإرث مع اختلاف الدين. رأي الشيخ محمد الصالح النيفر في
مجلة الأحوال الشخصية قال الشيخ العالم الزيتوني محمد الصالح النيفر رحمه الله
تعالى (ت1993م): - "وكنت قد حضرت قانون مجلة الأحوال الشخصية، وقد استدعاني
أحمد المستيري الذي كان وزيرا آنذاك، وكان يدير المحاورة عبد العزيز العروي. وقد
قلت آنذاك إن هذا ظلم.. والمجلة (مجلة الأحوال الشخصية) قد جهّزت في الخارج وجيء
بها للتوقيع في بلادنا". - "لقد خالفني راشد الغنوشي وقال إنّ مجلة
الأحوال الشخصية للشيخ جعيط.. ولكنها في الواقع ليست له.. وليست من اجتهاد مجموعة
من فقهاء المسلمين وإنما صنعت في الخارج، ووقعت الموافقة عليها في الداخل".
(هذا ما قاله الشيخ في حوار مع عبد العزيز التميمي لمجلة حقائق ،
بتاريخ20-26/10/1989م، عدد218). وقال رحمه الله: - "هذه المجلة – فيما أرى-
نسجت خيوطها الأصلية خارج البلاد التونسية من مستشاري الرئيس السابق [الحبيب
بورقيبة] في الخارج. وإنما دعي لها بعض الناس في داخل البلاد للتفاوض فيها، وكأنه
لتلوينها بلون ييسّر قبولها والاغترار بها... والمبرّر لاشتباهي في منبتها ما جال
بعدها من أحداث وما سبقها من مثل كتاب الحدّاد "امرأتنا في الشريعة
والمجتمع" الذي دعا إلى نسخ نصوص القرآن الحكيم في الزواج والميراث، بعدما
أكثر من الثناء على الإسلام وتشريعه وقدسيته، وادّعى أن الزمان تطوّر والاجتهاد
كفيل بتجديد ما تطوّر منه ومن أحكامه...".
[16] ) محمد
الحبيب الشريف ، النظام العام العائلي، التشكلات، مركز النشر الجامعي، تونس،
2006. وهو ما دفع بالحقوقي المصري محمد عبد الجواد محمد إلى أن يصدر حكما قاسيا
وفيه الكثير من التجني على مجلة الأحوال الشخصية، يقول فيه: " نشك كثيرا
ونرجو أن يخيب الله ظننا في أنه يمكن توحيد قانون الأحوال الشخصية في البلاد
العربية لأن قانون إحداها –وهي تونس– قد
خالف الأحكام الشرعية القرآنية القطعية نقلا عن القوانين الغربية. محمد عبد
الجواد محمد : تقنين الشريعة الإسلامية. منشأة المعارف بالإسكندرية، ص29. وقد
سبقه إلى نفس الحكم القائم على السمع لا على الاطلاع الفقيه المرحوم محمد أبو
زهرة، في كتابه محاضرات في عقد الزواج وآثاره، إذ جاء في المقدمة ما
يلي:"لم نعن في بيان أحكام الزواج في الإسلام ببيان القانون التونسي لأن هذا
القانون عد تعد الزوجات جريمة ... وقرر منع الطلاق... فهو ليس إسلاميا وأقرب إلى
أن يكون كنسيا". ولو أن الشيخ رحمه الله اطلع بنفسه على نصوص م ا ش لما كان
اصدر هذا الحكم الجائر والمبالغ فيه فالمجلة تبيح الطلاق (أنظر الفصول 29 حتى 32
منها). وأما منع تعدد الزوجات فهو موضوع يطول فيه النقاش ولا يتسع له المقام.).
[17]
Ali Mezghani, Réflexion sur les
relatins du code du statut personnel avec le droit musulman classique, RTD
1975, p.70.
[18] ) محمد الحبيب الشريف، ...بين الأصالة
والحداثة، مرجع سابق. ص33.
[19] ) لعل
أبرزها (بعد اتفاقيتي سيداو وحقوق الطفل طبعا )الاتفاقية الدولية الخاصة بالقضاء
على جميع صور الميز العنصري صادق عليها المشرع بموجب القانون عدد 70 لسنة 1966مؤرخ
في 28 نوفمبر 1966 دون تحفظ: "* المادة 1-1 من الاتفاقية، تشير إلى أنه يقصد
بتعبير "التمييز العنصري" أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم
علي أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني ويستهدف أو يستتبع
تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو
ممارستها، علي قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو
الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة". فالإباحة وردت صريحة
لا لبس فيها و لا غموض ضمن مواد الاتفاقية و تحديدا في المادة الخامسة منها، التي
جاء فيها: " إيفاء للالتزامات الأساسية المقررة في المادة 2 من هذه
الاتفاقية، تتعهد الدول الأطراف بحظر التمييز العنصري والقضاء عليه بكافة أشكاله،
وبضمان حق كل إنسان، دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي أو الإثني، في
المساواة أمام القانون، لا سيما بصدد التمتع بالحقوق التالية: (أ) الحق في معاملة
على قدم المساواة أمام المحاكم وجميع الهيئات الأخرى التي تتولى إقامة العدل، ...
(د) الحقوق المدنية الأخرى، ولاسيما:..."4" حق التزوج واختيار
الزوج،..."6" حق الميراث ..." أما المادة الثانية المشار إليها فهي
تنص صراحة في الفقرة (ج) منها ما يلي:" تتخذ كل دولة طرف تدابير فعالة لإعادة
النظر في السياسات الحكومية القومية والمحلية، ولتعديل أو إلغاء أو إبطال أية قوانين
أو أنظمة تكون مؤدية إلى إقامة التمييز العنصري أو إلى إدامته حيثما يكون
قائماً". وتضيف المادة 6 من تلك الاتفاقية ما يلي:"تكفل الدول الأطراف
لكل إنسان داخل في ولايتها حق الرجوع إلى المحاكم الوطنية وغيرها من مؤسسات الدولة
المختصة لحمايته ورفع الحيف عنه على نحو فعال بصدد أي عمل من أعمال التمييز
العنصري يكون انتهاكاً لما له من حقوق الإنسان والحريات الأساسية ويتنافى مع هذه
الاتفاقية، وكذلك حق الرجوع إلى المحاكم المذكورة التماساً لتعويض عادل مناسب أو
ترضية عادلة مناسبة عن أي ضرر لحقه كنتيجة لهذا التمييز". والمصادقة على تلك
الاتفاقية كانت دون أي تحفظ أو إعلان يحد من إلزامية أي مادة أو بند فيها.
ومداولات المصادقة على هذه الاتفاقية منشورة في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية:
مداولات مجلس النواب لسنة1966 السنة 8، العدد 4، ص 43 و ما بعدها. كامل أحكام هذه
الاتفاقية منشورة في الرائد الرسمي عدد 16 لسنة 1967 المؤرخ في 4-7 أفريل 1967، ص
522 و ما بعدها. وقد وقع اقرارها مؤخرا على مستوى التشريع الوطني بصدور القانـون
الأساسي عدد 50 لسنة 2018 مؤرخ في 23 أكتوبر 2018 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال
التمييز العنصري. الذي جاء في الفصل الأول
منه مايلي:"يهدف هذا القانون إلى القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري
ومظاهره حماية لكرامة الذات البشرية وتحقيقا للمساواة بين الأفراد في التمتع
بالحقوق وأداء الواجبات وفقا لأحكام الدستور والمعاهدات الدولية المصادق عليها من
قبل الجمهورية التونسية...".
[20] - القانون عدد 14 لسنة
1998 المؤرخ في 18 فيفري 1998, المتعلق بتعاطي تجارة المشروبات الكحولية المعدة
للحمل المنقح بالقانون عدد 76 لسنة 2004 المؤرخ في 2 أوت2004. القرار المشترك من وزير الداخلية والتنمية
المحلية ووزير التجارة والصناعات التقليدية بتاريخ 14 ديسمبر 2006 يتعلق بضبط شروط
إسناد وسحب رخصة تعاطي تجارة المشروبات الكحولية المعدة للحمل.
[21] - مثل القانون عدد 64
لسنة 1999 المؤرخ في 15 جويلية 1999 المتعلق بنسبة الفائدة المشطة وتنقيحاته،
والأمر عدد 462 لسنة 2000 المؤرخ في 21 فيفري 2000 المتعلق بكيفية احتساب نسبة
الفائدة الفعلية الجملية ومعدل نسبة الفائدة الفعلية وبكيفية نشرهما،
[22] ) محمد بوزغيبة، هل مجلة الأحوال الشخصية التونسية شرعية أو
علمانية لائكيه، مقال منشور على موقع شفـاف الشـرق الأوسـط،
بتاريخ 9 اكتوبر 2004.
[23] ) أنظر الهامش عدد
1أعلاه.
[24]) أنظر الهامش عدد 2 اعلاه.
[25]) أنظر
الهامش عدد 3 اعلاه.
[26]
) سورة النساء آية
13 : 14.
[27]
امرأتنا
في الشريعة والمجتمع، ط1، (تقديم حافظ قويعة) تونس/ لبنان، دار محمد علي الحامّي/
دار الانتشار العربي، (دت)، ص 43
[28] ( Le droit relatif aux successions a été réglé avec
une grande équité par le Coran. Le lecteur pourra en juger par les passages que
je vais reproduire […] Les rapprochements que j'ai faits avec les codes
français et anglais montrent que les femmes mariées, qu'on dit si maltraitées
par les mahométans, sont beaucoup plus favorisées par leur loi que par la
nôtre, au point de vue des successions. Gustave Le Bon (1884), La civilisation
des Arabes, Livre IV, Chapitre 3, n° 2, p. 74.
[29]
رشيد رضا، القاهرة: المنار، ج 31 ع 1 يناير 1931، ص 59.
[30] عمار بنحمودة: ميراث المرأة في الشريعة
والمجتمع: https://www.mominoun.com/articles
[31] ) المحكمة الدستورية
العليا المصرية أشارت إلى ضرورة اعتماد أحد الأدلة الشرعية العقلية وهي
القياس والمصالح المرسلة والاستحسان ، وتحديدا المصالح المرسلة التي تعرف بأنها:
المعاني التي يحصل من ربط الحكم بها وبنائه عليها جلب مصلحة أو دفع مفسدة عن الخلق
، ولم يقم دليل معين على اعتبارها أو إلغائها. وقد أخذ المالكية بالمصلحة في
المعاملات واعتبروها أصلا شرعيا مستقلا من غير استناد إلى ما عداه من الأدلة، حتى
إذا عارضت المصلحة نصوصا ظنية فقد يرجح الأخذ بها ويخصص النص أو يضعف سنده إن كان
عاما. أنظر في ذلك: يوسف الكتاني، المصالح المرسلة في المذهب المالكي وبقية
المذاهب الأخرى،مجلة دعوة الحق، العدد 248 ماي 1984. بل إن هناك من ذهب في اعتبار
المصلحة إلى ما هو أكثر من ذلك . فالفقيه القرافي (توفي سنة 716هـ)وهو
حنبلي المذهب يعتبر أن :"التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات،"
أما في المعاملات وباقي الأحكام فعلى
"اعتبار المصلحة"..." فحقوق المكلفين سياسية شرعية وضعت
لمصالحهم" وكانت هي المعتبرة وعلى تخصيصها المعول... ..."، شرح حديث لا
ضرر ولا ضرار ، منشور في مجلة المنار، المجلد9. ومذكور لدى: محمد أبو زهرة،
الإمام مالك. ص 331 و332.كما جاء في تفسير المنار أن:"مصلحة سياسة المكلفين
في حقوقهم معلومة لهم بحكم العادة والعقل ..." تفسير المنار، ج7.ص194.
[32]) حمزة احمد حداد، الشريعة الإسلامية كمصدر
لقانون المعاملات المدنية، مقال منشور على الموقع الالكتروني:
http://www.lac.com.jo/resear38.htm
[33]) وقع
تقنين هذه القاعدة في المادة 39 من مجلـة الأحكـام العدليـة العثمانية،"لا
ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان".
[34] ) الفصل الأول تونس دولة حرة ، مستقلة ، ذات سيادة ، الإسلام دينها ، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها
[35] )
الشاذلي النيفر، مسألة الإسلام واللغة أمام المجلس القومي التأسيسي، منشور
في أعمال ملتقى حول المجلس القومي التأسيسي انعقد في كلية الحقوق بتونس أيام
29-30-31 ماي 1984. منشورات كلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس 1986. ص 183. وقد
جاء ذلك في سياق عرضه النقاش الذي رافق وضع وصياغة أحكام الفصل الأول من الدستور.
[36] ) زهير مظفر، المجلس الدستوري، المطبعة
الرسمية- تونس.1993. فعلى الرغم من تعرض المؤلف إلى حالات عدم مراعاة الباب الأول
من الدستور فإنه لا توجد أي إشارة الى ذلك الجزء من الفصل الأول. كما أنه ومنذ أن
أصبحت آراء المجلس تنشر في الرائد الرسمي فإنه لم يقع التطرق لتلك الأحكام. وتجدر
الإشارة هنا الى ان هذا الوضع السلبي قد يكون مرده عدم ورود أي نص على المجلس فيه
تعارض مع أحكام الشريعة، مما يعني ان البت في ذلك يستوجب مراجعة جملة القوانين
التي نظر فيها المجلس منذ إحداثه سنة 1988.
[37] ) مذكور لدى: محمد نور فرحات، الدين والدستور
في مصر، مقال منشور على الموقع الالكتروني:
www.pidegypt.org/activities/constitution/farahat.doc
فمع وضوح
وصراحة تلك المادة من الدستور المصري فإن المحكمة الدستورية العليا المصرية تمكنت
في العديد من أقضيتها من إقرار مبادئ حالت بين أن يؤدى النص في الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي
المصدر الرئيسي للتشريع إلى أن تتحول الدولة إلى دولة دينية. وأهم هذه المبادئ
التي قررتها هو: أن خطاب هذه المادة موجه إلى المشرع وليس موجها إلى القاضي،
وبالتالي لا يجوز للقاضي أن يتجاهل القانون الوضعي وأن يذهب إلى تطبيق الشريعة
مباشرة حتى ولو تراءى له أن نص القانون الوضعي مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية،
وأن المقصود بالشريعة التي هي مصدر التشريع الأحكام الكلية العامة التي اتفقت
عليها مختلف المذاهب الفقهية دون الدخول في تفصيلات اختلافات المذاهب، وخاصة تلك
المرتبطة بثقافات نسبية تجاوزها العصر، وأن القوانين الصادرة قبل دستور 1971 لا
يسرى عليها نص المادة الثانية من الدستور من اعتبار الشريعة مصدر التشريع، وأن
المقصود بصفة عامة من كون الشريعة مصدرا رئيسيا لتشريع هو ألا تكون التشريعات
متعارضة مع الأحكام الكلية للشريعة دون أن يعنى ذلك اشتراط أن تكون التشريعات
مستمدة مباشرة من أقوال الفقه القديم، ففي مبدأ المصلحة مجال فسيح لسلطة المشرع في
الدولة الحديثة.
ويستخلص من
هذا القرار أن خطاب الدستور موجه للمشرع لا للقاضي الذي لا يمكنه بحجة تطبيق
الشريعة تجاوز أحكام القانون الوضعية، كما ان المقصود بالشريعة ليس تفاصيل الكتب
الفقهية وما فيها من فتاوى ذات طابع نسبي زمانيا و مكانيا و لا الخلافات المذهبية
و إنما الأحكام الكلية مع مراعاة مبدأ المصلحة في سن الأحكام المناسبة لخصوصية
الزمان و المكانأي أن المحكمة الدستورية العليا المصرية أشارت إلى
ضرورة اعتماد أحد الأدلة الشرعية العقلية و هي القياس و المصالح المرسلة
والاستحسان ، وتحديدا المصالح المرسلة التي تعرف بأنها: المعاني التي يحصل من ربط
الحكم بها و بنائه عليها جلب مصلحة أو دفع مفسدة عن الخلق ، ولم يقم دليل معين على
اعتبارها أو إلغائها. وقد أخذ المالكية بالمصلحة في المعاملات و اعتبروها أصلا
شرعيا مستقلا من غير استناد إلى ما عداه من الأدلة، حتى إذا عارضت المصلحة نصوصا
ظنية فقد يرجح الأخذ بها ويخصص النص أو يضعف سنده إن كان عاما. أنظر في ذلك: يوسف
الكتاني، المصالح المرسلة في المذهب المالكي و بقية المذاهب الأخرى،مجلة دعوة
الحق، العدد 248 ماي 1984. بل إن هناك من ذهب في اعتبار المصلحة إلى ما هو أكثر من
ذلك . فالفقيه القرافي (توفي سنة 716هـ)وهو حنبلي المذهب يعتبر أن :"التعويل
على النصوص والإجماع في العبادات و المقدرات،" أما في المعاملات و باقي
الأحكام فعلى "اعتبار
المصلحة"..." فحقوق المكلفين سياسية شرعية وضعت لمصالحهم" وكانت هي
المعتبرة وعلى تخصيصها المعول... ..."، شرح حديث لا ضرر ولا ضرار ، منشور في
مجلة المنار، المجلد9. ومذكور لدى: محمد أبو زهرة، الإمام مالك. ص 331 و332.كما
جاء في تفسير المنار أن:"مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم معلومة لهم بحكم
العادة و العقل ..." تفسير المنار، ج7.ص194.
[38] - منشور في: م. ق. ت. عدد ديسمبر، 2002.ص.113
. Souhyama Ben Achour, note sur arrêt tribunal de
1er instance de Tunis, le 29 juin 1999, affaire n° 26-855,
R.T.D. 2000, p.414. )
[39] - قد يقول قائل
بأن الرق ألغي منذ دولة حمودة باشا سنة 1841 وبالتالي فلا مجال للحديث عنه، ولكن
هذا ولئن كان صحيحا فإن فيه تجاوزا لما ورد في لائحة الشيخ الجعيط المصدر المادي
المباشر للمجلة والتي تضمنت صراحة مانع الرق مع ضبطه وتفصيله، وهي لائحة أعدت بعد
قرابة مائة سنة تقريبا من إلغاء العبودية إذ تم الفراغ منها سنة 1948، و هو ما قد
يوحي بأن واضعيها لهم موقف أخر من الرق. (أنظر الفصل 789 من اللائحة). حالهم في
ذلك و للآسف الشديد حال العديد من الفقهاء و الشراح المعاصرين اللذين لا تزال
مؤلفاتهم تخصص حيزا لمانع الرق، ويكفي الرجوع إلى أي مؤلف يتعلق بالمواريث في
الشريعة للتأكد من ذلك. أنظر مثلا: محمد علي الصابوني، مرجع سابق. ص38-39. و دعيج المطيري،أحكام
الميراث، مجلس النشر العلمي. جامعة الكويت.طبعة 2002.ص21-22. و شوقي عبده الساهي، موسوعة
أحكام المواريث، دار الحكمة. دمشق، الطبعة الأولى 1988. ص 122-123. و هناك من تعرض
لهذا المانع من باب القيمة التاريخية: حسين بن سليمة، أحكام
المواريث في الشريعة والقانون، أوربيس للطباعة، تونس.1998. ص14.
[40] -
قانون أساسي عدد 61 لسنة 2016 مؤرخ في 3 أوت 2016
يتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق