هل أن حرية الأشخاص مسألة شكلية؟
ألم يحن أوان
"الثورة" الثانية في تطبيق أحكام الايقاف التحفظي؟
الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
"مطلب شكلي"،
عبارة كثيرا ما نسمعها في قاعات المحاكم عند النظر في قضايا الموقوفين، سواء أمام
الدوائر الجنائية أو الدوائر الجناحية، بل إنها مستخدمة كذلك على مستوى قلم
التحقيق بدرجتيه، ومألوفة لدى القضاة والمحامين وكتبة المحاكم، إذ توصف مطالب
الإفراج بكونها مطالب شكلية!!!، فهل أن حرية الانسان مسألة
شكلية؟ أليست الحرية أصل في الإنسان[1]؟
أليست ركنا من أركان الجمهورية الأربعة إلى جانب الكرامة والنظام والعدالة[2]؟
ألم يقم الشعب بثورة تحمل بصفة دستورية أسم ثورة "الحرية والكرامة"[3]. أليس
اعتبار مطالب الافراج مجرد مطالب شكلية خطأ بيّن مشترك يتحمل مسؤوليته جناحي
العدالة معا، وفيه إهدار لقيمة أساسية ونيل من جوهر الحقوق والحريات؟.
يبدو
أن واقع الحال يفرض جوابا سلبيا لأن القضاء لا يقبل الترافع في مطلب الافراج إلا
على مَضَضٍ وتحت قيد "عدم الخوض في الأصل"، مع تكرار المقاطعة والتذكير
بضرورة الاختصار وأنه لا يجوز مناقشة التهمة فالمطلب شكلي بحت!!!، وكأن الأمر يتعلق بمسألة هامشية يثقل النقاش فيها كاهل المحكمة
ويأخذ من وقتها دون طائل أو جدوى، والأغرب من ذلك أننا نجد دفاعا مستكين في الغالب
ومستسلم لجريان العمل ويكتفي بعبارة فارغة وباردة لا معنى لها مفادها: "لدينا
مطلب شكلي يتمثل في طلب الافراج عن المنوب من سجن إيقافه" هكذا دون مطلب
كتابي أو تعليل أو تفصيل، مما يجعله شريكا في انكار الحرية.
أكرر مجددا هل أن حرية
إنسان هي فعلا مسألة شكلية؟ جاء في مداولات مجلس الأمة عند النظر في إصدار مجلة
الاجراءات الجزائية ما يلي: "أولت اللائحة عناية هامة بالحرية الشخصية فهي
تذكر أن الإيقاف التحفظي وسيلة استثنائية، والإيقاف التحفظي وأن كان وسيلة
استثنائية إلا أنه إجراء ضروري يوجد بكل التشاريع..."(ص 387). إذن فواضع
القانون نفسه يرى أن الحرية هي الأصل الذي لا يجوز الخروج عنه إلا بصفة استثنائية،
ولكن للآسف الشديد فإن هذا التصور لم ينعكس في فصول المجلة بل على العكس تماما فقد
ذهب واضعوا مجلة 1967 إلى وصف الافراج الحاصل بعد الايقاف بكونه "مؤقت"
والحال أن الرجوع إلى الأصل لا يمكن أن يكون مؤقتا، كما أن المجلة حين صدورها لم
تتضمن أي تحديد لمدة الايقاف التحفظي (ولا حتى الاحتفاظ)، ولم تشترط أن يكون قرار
الايقاف التحفظي معللا، وهو ما خلق جريان عمل يوحي بأن الأمر مجرد شكلية لا تحتاج
تعليلا ولا تحديدا. لكن منذ سنة 1987 تغيير الحال وتتالت التنقيحات التي خصصت لإعادة
تنظيم الاحتفاظ والايقاف التحفظي باتجاه تكريس فعلي لطابعهما الاستثنائي وفرض
وجوبية التعليل سواء عند اتخاذ القرار أو عند تمديده، وهي تنقيحات أقل ما يقل عنها
أنها جوهرية ولكن كانت تتم لغايات سياسية وإشهارية غرضها تلميع صورة النظام القائم
أكثر من أن تكون رامية لحماية حرية الأشخاص، ومع هذا فقد وضعت تلك التنقيحات أرضية
صلبة لإعادة النظر في مسألة الايقاف التحفظي. وجاءت ثورة الحرية والكرامة لتبث الروح
في تلك النصوص وتعيد للحرية اعتبارها كأصل وللحد من طابعها الاستثنائي، وكنت قد
بينت ذلك في مقال يحمل عنوان "ثورة الايقاف التحفظي"[4]،
ولكن الصادم اليوم أنه بعد سبع سنوات من ذلك المقال الذي استبشرت فيه خيرا وبأن
الأمور ستعود لنصابها وستسترد الحرية مكانتها الأصلية خاصة بعد صدور الدستور
الجديد نفاجئ للآسف بتواصل خطيئة "الشكلية" ورجوع فقه قضاء محكمة
التعقيب للتضارب والتردد والاختلاف. إذ لا يوجد اليوم من يستطيع التنبؤ بتوجه
محكمة التعقيب في مسألة الايقاف التحفظي، وصار الجميع يتحدث عن "الحظ"
وليس عن "الحق"، فعندما تسأل أي محام هل يجوز الطعن بالتعقيب في قرار
الايقاف التحفظي؟ سيجيبك دون تحفظ أنت والدائرة المتعهدة!!! بمعنى إن هناك انقسام وتباين في الرؤى بين الدوائر التعقيبية يجعل
من الحسم المسبق في مسألة قبول الطعن شكلا من قبيل "قراءة الطالع والحظ"
وعمل من أعمال "التنجيم"، والحال أن لكل مواطن الحق في الأمن القانوني
ويجب أن يكون له تصور مسبق تقريبي عن الحكم الذي سيصدر عليه، وهو تصور يبنى على نص
القانون واستقرار التطبيق القضائي له.
تتباين الأجوبة وتتضارب
الحلول بين دوائر محكمة القانون. ويزداد الوضع تعقيدا عندما نرى أن دور الدوائر
المجتمعة في توحيد فقه القضاء مهجور. حتى عندما اتيح للرئيس الأول لمحكمة التعقيب
فرصة لعرض الأمر على الدوائر المجتمعة لم ير موجبا لذلك!!!. فقد جاء في القرار
التعقيبي الجزائي عدد 77913 الصادر بتاريخ 14/09/2018 مايلي: "عن المطعن
المستمد من خرق أحكام الفصل 85 من م إ ج. حيث تسلط الطعن على مخالفة دائرة القرار
المنتقد لأحكام الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية. وحيث كانت محكمة التعقيب
بقرارها عدد 72835 المؤرخ في 17 ماي 2018 قد نقضت قرار دائرة الإتهام عدد 881
بتاريخ 23/2/2018 لخرقه مقتضيات الفصل المشار إليه. وحيث طالما كان التعقيب الآن
لذات السبب فقد كانت هذه الدائرة أحالت على الرئيس الأول لمحكمة التعقيب ملف
القضية للنظر في إحالة الموضوع على الدوائر المجتمعة عملا بأحكام الفصل 273 من م
إج فقرة ثانية. وحيث أرجع السيد الرئيس الأول الملف إلى الدائرة وعينه بجلسة يوم
الطالع للنظر فيه في الأصل ولم ير وجها لتعهيد الدوائر المجتمعة به".
وبالتالي فإن الموروث
القائم على فكرة "المطلب الشكلي" لازال يقاوم كل مجهودات الاصلاح
التشريعي والاجتهاد القضائي السليم ليبقى المواطن رهين توجه ذاتي في تأويل القانون
وتطبيقه والحال أن عمل القاضي أساسه الموضوعية وقوامه الكفاءة والحياد، وغايته
حماية الحقوق والحريات. فمما لا شك فيه أن أهم ضمانة فرضها دستور 2014 هي التنصيص
صراحة على أن القضاء هو الحامي للحقوق والحريات وهو تنصيص ورد في فصول الدستور
مرتين. مرة في نهاية الفصل 49 المتعلق بضوابط ممارسة الحقوق والحريات، ومرة أخرى
في الفصل 102 بالتوازي مع اعتبار القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلوية
الدستور، وسيادة القانون.
انطلاقا من هذه المهمة
الدستورية الجسيمة المحمولة على كاهل القضاء يجوز التساؤل هل أن حرية الأشخاص التي
خصص لها الدستور مساحة معتبرة للتأكيد على أنها الأصل ونظم الصبغة الاستثنائية
للنيل منها وكرس وجوبية أن يكون ذلك بقرار قضائي محدود في الزمان هي فعلا مسألة
شكلية؟ وهل أن الطعن بالتعقيب في قرارات اصدار بطاقات الايداع أو رفض مطالب
الافراج هو طعن في غير طريقه ويتجه رفضه شكلا؟
إن المتابع لفقه قضاء
محكمة التعقيب سيجد صعوبة في الاجابة إذ أن القرارات التعقيبية متناقضة وغير
مستقرة على رأي (الجزء الأول)، مما يستوجب الترجيح بينها (الجزء الثاني).
الجزء الأول: تضارب مواقف
دوائر محكمة التعقيب:
"إن الجدل العقيم
الذي يخوض فيه البعض حول إمكانية الطعن بالتعقيب في قرار الإيقاف التحفظي من عدمه،
حسمته محكمة التعقيب منذ ستينيات القرن الماضي حسبما أقرته بقرار الدوائر المجتمعة عدد 5088 الصادر في 3
ديسمبر 1966 والذي جاء فيه: (إن القرارات الصادرة من قلم التحقيق أو
دائرة الاتهام في مطالب الإفراج عن الموقوفين هي قرارات قضائية خاضعة
لقواعد قانونية {الفصل 58 وما بعده من قانون المرافعات الجنائية الذي عوضته سنة
1969 مجلة الإجراءات الجزائية} يجب احترامها لصحة القرار. وتأسيسا على ذلك فان القرارات الصادرة في هذا الشأن عن دائرة الاتهام قابلة
للطعن بطريق التعقيب فتنظر محكمة التعقيب فيها لمراقبة صحّة تطبيق تلك القواعد
القانونية وصحة تطبيق النصّ القانوني على الجريمة المنسوبة للمتهم.
أما اتجاه مطلب
الإفراج من عدمه فلا شأن لها فيه إذ أن ذلك يرجع فيه لتقدير الوقائع وظروف القضية
وخطورتها ومصلحة سير العدالة وهي أمور أوكلها القانون لاجتهاد قاضي الموضوع وحسن
تبصّره.) كما أكّد ذلك قرار تعقيبي لاحق (التعقيب الجزائي عدد 6912 المؤرخ في 04
جوان 1969: (إن الطعن بالتعقيب في قرار دائرة الاتهام المتعلقة بالإيقاف
والإفراج المؤقت لا يقبل إلا إذا كان الطعن مؤسسا على خرق النصوص القانونية التي
طبقت قواعد الإيقاف والإفراج المؤقت حسبما ذهب إليه اجتهاد محكمة التعقيب بقرارها الصادر عن
دوائرها المجتمعة في 03 ديسمبر 1966 تحت عدد 5088. ولا جدال في وجاهة الإيقاف من
عدمه لأنه جدال موضوعي لا شأن لمحكمة التعقيب به).
ورد هذا الكلام في مقال
لي نشر بهذه المجلة تخت عنوان "ثورة الايقاف التحفظي" سنة 2013[5]
ولكن للآسف أجد نفسي مضطرا اليوم لتكراره وكأن شيئا لم يتغير بعد صدور دستور 2014
بل على العكس تعمقت الهوة بين مؤيد لتعقيب قرارات الايداع ورفض الافراج شكلا (فقرة
ثانية) وبين رافض لهذا التعقيب (فقرة أولى).
الفقرة الأولى- الاتجاه الرافض لقبول تعقيب قرار رفض الافراج أو قرار إصدار بطاقة إيداع الصادرين عن دائرة الاتهام شكلا:
كثيرة هي القرارات التي
تسير في اتجاه رفض الطعن بالتعقيب الموجه ضد قرارات دائرة الاتهام المتعلقة بإصدار
بطاقة إيداع أو رفض مطلب الافراج (ب)، بل إن الأمر يصل أحيانا حد رفضها رغم أنها
مجرد دفع من الدفوع في إطار طعن طال قرار دائرة الاتهام برمته (أ).
أ- الرفض شكلا ولو مع الطعن في الأصل:
وسنكتفي هنا بمثال واحد
وهو ما جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 576 بتاريخ 5 أفريل 2013[6] أين
تمسك الدفاع عند الطعن في قرار دائرة الاتهام برمته بأن بطاقات الايداع التي
أصدرتها الدائرة لم تكن معللة واقعا وقانونا فكان رد محكمة التعقيب كما يلي:"وحيث
أنه من الثابت أن لدائرة الاتهام مطلق الحرية في ذلك بشرط التعليل المستساغ وبما
له أصل ثابت في الملف حتى يتسنى لهذه المحكمة مراقبة استخلاص النتائج التي انتهى
إليها القرار باعتبارها محكمة قانون تسهر بالأساس على حسن تطبيقه وتأويله عملا بأحكام
الفصل 258 م ا ج. وحيث وبخصوص الدفع بعدم قانونية بطاقات الإيداع الصادرة ضد
المعقبين المذكورين وعدم تعليلها ومخالفة القرار المتعلق بها أحكام الفصل 85 م.إ.ج
وخلافا لما ورد بمستندات الطعن فقد إقتضى الفصل 117م.إ.ج. أنه" يجوز دائما
لدائرة الإتهام أن تصدر بطاقة إيداع ضد المظنون فيه..." بدون معقب عليها إذ أن ذلك يرجع فيه لتقدير الوقائع وظروف
القضية وخطورتها ومصلحة سير العدالة وهي أمور أوكلها القانون لإجتهادها المطلق
باعتبارها دائرة إحالة ثانية وأنه وعملا بأحكام الفصل 258 م.إج. فإن هذه المحكمة
بوصفها محكمة قانون لا تنظر في القرارات
الوقتية التي لا تهم الأصل طالما كانت مطابقة للنص القانوني ولم تمس بمصلحة المتهم
الشرعية فضلا عن أن ما يترتب على ذلك من آثار قانونية من مشمولات جهة التنفيذ
وإتجه الإلتفات عن هذا الدفع"[7].
ومن الواضح هنا أن محكمة
التعقيب انطلقت من الفصل 258 م ا ج لتنتهي إلى رفض الدفع المتعلق بمناقشة بطاقة
الايداع وخلوها من التعليل مكتفية بإشارة عابرة للفصل 117 م ا ج (المثير للجدل)
ولسان حالها يقول بأن هذا الفصل لم يشترط وجوبية التعليل، وبالتالي فإن دائرة
الاتهام حرة ولا معقب عليها، والقانون منحها سلطة اجتهاد مطلقة!!، فالقرار مقدس ومحصن من الطعون ولا يجوز
مناقشته، وهذا لعمري تعليل خطير وتخل مرعب من محكمة القانون عن ممارسة دورها
الرقابي، وهو تخل زادت عللته بكون الأمر يتعلق بقرار "وقتي لا يهم
الأصل" وهي الجملة التي ستتكرر في جميع القرارات التي رفضت الطعن المباشر
بقرارات الايداع ورفض الافراج.
ب- الرفض شكلا عند الطعن بصفة مباشرة:
يمكن القول أن هذا
التوجه هو الغالب في فقه قضاء محكمة التعقيب وقبل أن نعطي أمثلة عنه لا بد من
التعرض للقرار تعقيبي جزائي عدد 49170 في 7 أفريل 2017[8]
الذي بينت فيه محكمة التعقيب فهمها وتأويلها للفصل 258 من م ا ج إذ جاء فيه مايلي:
" حيث رفع طعن الحال في إطار أحكام الفصل 258 ومايليه من مجلة الإجراءات
الجزائية إذ لم تنص الأحكام القانونية الخاصة المنظمة للقيام على المسؤولية الخاصة
على جواز الطعن بالتعقيب فالفصل 38 من م إج لم يسمح بالطعن في قرار قاضي التحقيق
بقبول أو رفض القيام على معنى الفصل 36 إلا بوسيلة الإستئناف وعهد بالنظر في ذلك
الطعن لدائرة الإتهام ولم يتعرض للطعن بالتعقيب في قرار هذه الأخيرة. وحيث أنه لا
بأس من التذكير بأن ما تصدره دائرة الإتهام من قرارات متنوع ومختلف إذ خول لها
الفصلان 116-119 من مجلة الإجراءات الجزائية عند التعهد إصدار قرارات بالحفظ
للتهمة (أي بأن لا وجه للتتبع) أو بالإحالة عن المحاكم المختصة أو على الدوائر
الجنائية: كما لها أن تصدر قرارات وقتية غير منهية للتتبع بإجراء بحث تكميلي أو
بتوجيه تهم أخرى أو بالإذن بتدابير مؤقتة ولها النظر في مطالب تسليم الأجانب
المحكوم عليهم عملا بالفصل 321 إجراءات... كما تبت في الطعن بالإستئناف فيما يصدر
عن التحقيق من قرارات قبول أو رفض عند القيام لديه على المسؤولية الخاصة من كل
متظلم تطبيقا للفصل 38 من م إج. وحيث ينص الفصل 120 من ذات المجلة على أن الطعن
بالتعقيب في قرارات دائرة الإتهام يكون حسب الشروط المقررة بالفصل 258 وما يليه من
م إج هذا وينص الفصل 258 وأن الفصل 120 يحيل للفصل 258 من م إ وحيث يخلص من ذلك أن
الشرط الأساسي لجواز الطعن بوسيلة التعقيب في حكم أو قرار قضائي ( ولو كان قرارا
عن دائرة الإتهام) هو أن يكون القرار صادرا في الأصل ونهائيا... وحيث يعرف القرار
الصادر في الأصل بالقرار القضائي الذي بت وتصدى وناقش وخاض في أصل التهمة محل
التتبع ويوصف بقرار نهائي لكونه ينهي أعمال دائرة الإتهام في خصوص التتبع المعروض
عليها: فمن المستقر عليه فقها وقضاء أن الطعن بالتعقيب لا يقبل إلا ضد الأحكام
والقرارات المنهية للإجراءات وللتتبع والمتضمنة لخوض في تفاصيل الوقائع والباتة في
أصل التهمة والتتبع (أي التي لا تقتصر في فحص إجراءات القيام والطلب والتشكي بل
تتجاوز وذلك للخوض في الوقائع . وفي أركان الإتهام ومدى ثبوت الحجة... وحيث يخلص
مما ذكر أن القرار المطعون فيه الآن لم يتضمن أي بت أو نظر من الدائرة في أصل
التهمة وموضوعها ولم ينه التتبع... وهو بذلك ليس بقرار قضائي صادر في الأصل على
معنى الفصل 258 من م إ ج ولا يقبل الطعن فيه بوسيلة التعقيب بصريح النص...". ويمكن
القول أن هذا التعليل لمحكمة التعقيب سيتكرر فيما يتعلق بالإيقاف التحفظي كما سيقع
بيانه من خلال بعض القرار التعقيبية وهي:
قرار تعقيبي جزائي عدد
28993 مؤرخ في 03/01/1989[9] :
"يتضح من الفصل 258
من مجلة الإجراءات الجزائية أنه لم يخول للمظنون فيه القيام بطلب التعقيب ضرورة
أنه مازال متهما ولم يقع الحكم عليه ذلك أن دائرة الاتهام هي سلطة تتبع وتحقيق
التهم من درجة ثانية لا سلطة قضاء وإصدار الأحكام التي هي من خصائص المحاكم
الأخرى. (ن م ت)".
قرار تعقيبي جزائي عدد
33670 بتاريخ 10/07/2015[10]:
"حيث نص الفصل 258
م إ ج أنه يسوغ للأشخاص الآتي ذكرهم القيام بطلب تعقيب الأحكام والقرارات الصادرة
في الأصل نهائيا ولو تم تنفيذا وذلك بناء على عدم الاختصاص أو الإفراط في السلطة
أو خرق القانون أو الخطأ في تطبيقه: 1)المحكوم عليه... وحيث أن صراحة النص المذكور
تغني عن أي تأويل خاصة وقد تعلق الأمر بنص إجرائي يخضع لمبدأ قاعة التأويل الضيق
في المادة الجزائية وعدم جواز القياس أو التأويل فيها. وحيث أنه من الثابت أن قرار
الصادر بإصدار بطاقة إيداع في حق المتهمين الطاعنين هو قرار وقتي وغير صادر في
الأصل فضلا عن قابليته للمراجعة من قبل دائرة الاتهام إيجابا متى توفرت شروط
الاستجابة له للنظر لصبغته الوقتية وهو بذلك ليس قرارا نهائيا وصادرا في الأصل
لتعلقه بضمان حسن سير البحث يتنزل منزلة
أعمال البحث الاستقرائية التي يفرضها تقدم التحقيق. وحيث وخلافا لما تضمنته مستندات
طعن دفاع المتهمين فإنه يتضح أن القرار المطعون فيه والذي قضى بإصدار بطاقة
الإيداع الصادرة ضد الطاعنين هو قرار وقتي ولا صبغة نهائية له فضلا عن عدم بته في
أصل التهمة الموجهة على المتهمين المذكورين للإدانة أو الحفظ وهو المعنى المراد
حصرا من كلمة "الأصل " الواردة بالفصل 258 المشار إليه أعلاه. يضاف إليه
أن الطاعنين لم يتخذا صفة المحكوم عليه التي تخولهما طبقا لأحكام الفصل 258م إ ج
المشار إليه حق الطعن في قرار دائرة الإتهام باعتبارهما لا يزالان مظنونا فيهما
ولم يصدر في شأنهما حكم نهائي يجيزهما حق الطعن بالتعقيب. ومن ناحية أخرى فإن الاحتكام
إلى مقتضيات الفصل 259م إ ج غير جائزة للقول إلى إمكانية قبول الطعن بالتعقيب شكلا
في القرار المطعون فيه الآن ضرورة أن الفصل المذكور أقصى من حق الطعن بالتعقيب من
القرارات الصادرة بتجنيح الأفعال محل التتبع من قبل دائرة الإتهام واستثنى ضمنيا
غيرها من القرارات الصادرة في الأصل ولا مجال لاستعمال التأويل العكسي من منطوق
الفصل المشار إليه بالنظر من مبدأ التأويل الضيق في مادة الإجراءات الجزائية وتبعا
لذلك فإن طعن المعقبين لا يستجيب لشروط قبول الطعن بالتعقيب المستوجبة في القرارات
والأحكام طبق منطوق الفصل 258 م إ ج".
قرار تعقيبي جزائي عدد
37344 مؤرخ في 18/12/2015[11]:
"إن الطعن بالتعقيب
هو وسيلة طعن غير عادية ويكون في إطار قانوني إجرائي محكم ومحدد ولا يمكن بحال
لمحكمة التعقيب التعهد والنظر بأكثر مما منحه لها المشرع وهي الأحرص على احترام
قواعد الإجراءات الجزائية الصارمة وعليه فإن القول باستقالة المحكمة في واجب
ممارسة الرقابة هو قول انطباعي لا غير. إن القرارات المقصودة بالفصل 258 من مجلة
الإجراءات الجزائية لا يمكن أن تقصي منها قرارات دائرة الإتهام المشار إليها
بالفصل 120 من نفس المجلة، وحينئذ فإن الطعن يسلط على قرارات الإحالة الصادرة عن
دائرة الإتهام وكذلك على قرارات الحفظ لأنها قرارات نهائية في حدود أنها وضعت
نهاية للتتبع وأصلية باعتبارها شملت التهمة محل التتبع. لا يمكن بحال وصف قرارات
التمديد بالإيقاف التحفظي بكونها هو قرار وقتي طبيعته يمكن مراجعته والرجوع فيه في
كل الأوقات طالما أن القضية لازالت قيد البحث لدى قاضي التحقيق أو لدى دائرة
الإتهام .(م ق ت ).
قرار تعقيبي جزائي عدد
46818 بتاريخ 01/07/2016[12]:
"حيث يؤخذ من الفصل
258 م ا ج أن الطعن بالتعقيب يسلط على قرارات الإحالة الصادرة عن دائرة الإتهام وكذلك
قرارات الحفظ لأنها قرارات نهائية في حدود أنها وضعت نهاية للتتبع وأصلية
باعتبارها شملت التهمة أو التهم محل التتبع. وحيث لم يتناول المشرع بالفصول 258 م
ا ج وما بعده لا تلميحا و لا تصريحا القرارات المتعلقة بالتدابير الاحترازية
والوقتية. كما لم يضع المشرع شروطا أو أجالا لممارسة الطعون بالتعقيب مثل تلك
القرارات، وعليه فإنه لا يكون صحيحا من الناحية الشكلية إلا الطعن بالتعقيب في
القرارات النهائية التي تبت في الأصل على معنى الفصل 258 من م إ ج".
قرار تعقيبي جزائي عدد
58441 بتاريخ 16/06/2017[13] :
"حيث يتضح ما ذكر
انعدام الشرط الأساسي لقبول الطعن تعقيبيا في القرار محل النظر إلا وهو أن يكون
القرار الصادر في الأصل (ومن المستقر عليه فقها وقضاء أنه لا يسمح للطعن بالتعقيب
إلا في قرارات دائرة الإتهام المتعلقة بالأصل والمنهية للإجراءات) فالقرار محل
النظر الآن وقتي يخص سلامة تدبير تحفظي واحترازي متخذ وهو غير منهي للإجراءات
وقابل للرجوع فيه أو للتعديل وللمراجعة في كل حين فهو غير بات في الأصل ولم يضع
حدا لأصل التتبع وأن القرار الفرعية لا تقبل الطعن إلا مع أصلها . وحيث أنه طالما
اختلت وغابت عن القرار المطعون فيه إحدى الشروط الأساسية لقابليته لوسيلة الطعن
بالتعقيب وهي صفة القرار في أن يكون صادرا في الأصل ومنهيا لإجراءات التحقيق طبق
ما اشترطه الفصل 258 م إ ج فإن الطعن يكون مختلا في إجراءاته وتعين رفضه شكلا عملا
بالفصول 120 ، 258 ، 261 من
إ ج"[14].
قرار تعقيبي جزائي عدد
58441 بتاريخ 16/04/2017[15]
"حيث يتضح مما ذكر
انعدام الشرط الأساسي لقبول الطعن تعقيبا في القرار محل النظر إلا وهو أن يكون
القرار صادرا في الأصل (ومن المستقر عليه فقها وقضاء أنه لا يسمح بالطعن بالتعقيب
إلا في قرارات دائرة الاتهام المتعلقة بالأصل والمنهية للإجراءات) فالقرار محل
النظر الآن وقتي يخص سلامة تدبير تحفظي واحترازي متخذ وهو غير منهي للإجراءات
وقابل للرجوع فيه أو للتعديل وللمراجعة في كل حين فهو غير بات في الأصل ولم يضع
حدا لأصل التتبع وان القرارات الفرعية لا تقبل الطعن إلا مع أصلها. وحيث أنه طالما
اختلت وغابت عن القرار المطعون فيه إحدى الشروط الأساسية لقابليته لوسيلة الطعن
بالتعقيب وهي صفة القرار في أن يكون صادرا في الأصل ومنهيا لإجراءات التحقيق طبق
ما اشترطه الفصل 258 م ا ج فإن الطعن يكون مختلا في إجراءاته وتعين رفضه شكلا عملا
بالفصول 120 و258 و 261 من م ا ج".
ويتبين من جملة هذه القرارات أن محكمة التعقيب
أسست موقفها على الحجج التالية:
-
اعتماد عبارات الفصل 258
م ا ج "نهائيا، الأصل، والمحكوم عليه" وبالتالي فلا يمكن تعقيب القرارات
الوقتية غير النهائية ومنها ما تعلق بالإيقاف التحفظي فعبارة "الأصل" لا
تنطبق سوى على قراري الادانة أو الحفظ، إلى جانب أن المظنون فيه في مرحلة التحقيق
لا يعتبر محكوما عليه.
-
المشرع سكت في الفصل 258
م ا ج وما يليه عن تعقيب القرارات المتعلقة بالتدابير.
-
قرار الايقاف التحفظي
يتعلق بضمان سير البحث وينزل منزلة الاعمال الاستقرائية.
وهذه الحجة لم تكن كافية
لإقناع الشق الأخر الذي تمسك بخلافها.
الفقرة الثانية- الاتجاه المؤيد لقبول تعقيب قرار رفض الافراج أو قرار إصدار بطاقة إيداع الصادرين عن دائرة الاتهام شكلا:
وهذا الاتجاه فيه جزء
محافظ يقبل الطعن بالتعقيب في قرارات الايقاف التحفظي عند الطعن في قرار دائرة
الاتهام برمته، وفيه جزء ثوري يقبل الطعن بالتعقيب بصفة مستقلة في قرارات الايقاف
التحفظي.
1- القبول مع الطعن في قرار دائرة الاتهام برمته:
يمكن القول إن هذا
التوجه وإن كان في حد ذاته ليس سوى تأكيد للاتجاه الذي يميل نحو رفض الطعن المستقل
شكلا، لكنه مع هذا يحمل أوجها إيجابي سيقع بيانها بعد استعراض أمثلة من أهم
القرارات التعقيبية التي طبقته وهي:
قرار تعقيبي جزائي عدد
212 بتاريخ 28 نوفمبر 2012[16].
"حيث أنه بالإضافة
إلى أوجه النقض المبينة أعلاه فإنه تبين بمراجعة أوراق الملف أنه المعقب ع المذكور
قد تجاوز مدة الإيقاف التحفظي المسموح بها قانونا بالفصل 85م.إ.ج باعتبار أنه تم
إيقافه يوم 24 جوان 2011 وتاريخ صدور قرار
الإتهام كان في 24 أوت 2002 والمحكمة تجاوزت عن هذا الإخلال رغم أهميته وعلاقته
بالمدة القصوى للإيقاف التحفظي وكان بالتالي قرارها خارقا لقاعدة إجرائية أساسية
منصوص عليها بالفصل 85 المذكور ولها مساس بالنظام العام ومصلحة المتهم الشرعية
واستحق النقض من هذه الناحية كذلك. وحيث أنه دون الخوض في بقية المطاعن المثارة من
طرف نواب المعقبين فإن القرار المطعون الذي كان مخلا بالإجراءات الأساسية وبمصلحة
المتهم الشرعية وبحق الدفاع وبضمانات المحاكمة العادلة يتجه نقضه وإرجاع القضية
إلى محكمة الإستئناف بتونس لإعادة النظر فيها بهيأة أخرى".
القرار التعقيبي الجزائي
عدد 576 بتاريخ 5 أفريل 2013[17]:
"وحيث أنه من
الثابت أن لدائرة الاتهام مطلق الحرية في ذلك بشرط التعليل المستساغ وبما له أصل
ثابت في الملف حتى يتسنى لهذه المحكمة مراقبة استخلاص النتائج التي انتهى إليها
القرار باعتبارها محكمة قانون تسهر بالأساس على حسن تطبيقه وتأويله عملا بأحكام
الفصل 258 م ا ج. وحيث خلافا لما ذهبت إليه دائرة القرار المنتقد من أن التمسك
بالمدة القصوى للإيقاف التحفظي لا يصح إلا إذا كان ملف القضية تحت طائلة أبحاث
جارية لدى التحقيق بطلب م دائرة الإتهام لأنه إذا جارينا هذا التفسير فإنه يمكن
التمديد في مدة الإيقاف التحفظي إلى ما لانهاية له عند الطعن في قرار الدائرة في
مناسبات عديدة –مثل قضية الحال" وهو تفسير يمس من حرية الأشخاص ومخالف للصبغة
الإستثنائية لمؤسسة الإيقاف التحفظي كما ألمحنا إليه أعلاه ويتعارض مع مصلحة
المتهم الشرعية وحقه في التمسك بالمبدأ الفقهي الذي يؤكد على أن تفسير القواعد
القانونية الإجرائية يكون لفائدة المتهم. وحيث يكون القرار المنتقد عند اعتماده
بطاقة إيداع تجاوز الإيقاف التحفظي فيها أقصى ما يسمح به القانون طبق الفصل 85
المشار إليه يكون قد خالف قاعدة من أوكد القواعد الكونية الأساسية وهي الحرية كما
تهم مصلحة المتهم الشرعية وقد إقتضى الفصل 199 من م.إ.ج أنه يبطل كل عمل مناف
للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو للقواعد الإجرامية الأساسية ولمصلحة المتهم
الشرعية مما يجعل القرار المنتقد مشوبا بخرق في القانون وضعف في التعليل مما يتجه
معه نقضه في خصوص الطاعن ع ع".
قرار تعقيبي جزائي عدد
777 بتاريخ 5 جوان 2013[18]:
"حيث يتبين من
الفصل 85 المذكور أن المشرع حدد صلبه المدة القصوى للإيقاف التحفظي التي بانتهائها
يجب الإفراج عنه سواءا من طرف السيد المحقق أو دائرة الإتهام وبالتالي فإن المدة
القصوى للإيقاف التحفظي تسري عليهما فإذا انتهت المدة القصوى وهي أربعة عشر شهرا
والقضية لاتزال لدى السيد قاضي التحقيق المشرع حتم عليها الإفراج وإذا كانت القضية
عند انتهاء تلك المدة لدى دائرة الإتهام فالمشرع حتم عليها كذلك الإفراج".
قرار الدوائر المجتمعة
عدد 80956 بتاريخ 11/04/2019[19]
"وحيث طالما قضت
المحكمة ببطلان قرار دائرة الإتهام وما أنبنى عليه من أعمال بما في ذلك البطاقات
القضائية، فعليها الإذن بالإفراج على المتهمين الموقوفين من سجن إيقافهم تطبيقا
لأحكام الفصل 92 من م إج الذي خول الإفراج " في كل طور من أطوار القضية من
المحكمة المتعهدة بها. وحيث جاءت عبارة "المحكمة المتعهدة" مطلقة وعليه
تأخذ على إطلاقها بما يجيز طلب الإفراج حتى أمام محكمة التعقيب عندما تكون متعهدة
بالملف، وفي ذلك تطبيق سليم لا للقانون فقط، بل للدستور الذي أوكل بالفصل 102 منه
للسلطة القضائية ضمان علويته، ولإقامة العدل، وسيادة القانون ، وحماية الحقوق
والحريات".
ويستخلص من هذه الأمثلة
أن المحكمة أسست موقفها هذا على حجج أكثر معقولية من الاتجاه الرافض وهي:
-
تطبيق الفصل 102 من
الدستور الذي منح للقضاء صفة "الحامي للحقوق والحريات" وهو توجه حميد.
-
تفعيل مقتضيات الفصل 92
م ا ج على مستوى التعقيب واصدار قرار بالافراج عن المظنون فيه عند ثبوت مخالفة
القرار المتعلق بالايقاف التحفظي للقانون.
-
اعتبار المدة القصوى
للايقاف التحفظي (14 شهرا في الجنايات) شاملة للتحقيق بدرجتيه.
-
تطبيق قاعدة التأويل
لمصلحة المتهم.
وهي تقريبا نفس الحجج
التي سينطلق منها الاتجاه المؤيد للطعن المستقل مع الزيادة عليها.
2- القبول بصفة مستقلة عن الطعن في القرار برمته
يمكن القول أن هذا
التوجه هو الأقدم، كما أنه الوحيد الذي ساندته الدوائر المجتمعة التي لم تتخذ بعد موقفا
مخالفا له[20]
إذ أن محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة كانت في الاتجاه الصائب في القرار عدد 5088
الصادر بتاريخ 03/12/1963 عندما أكدت ان " القرارات الصادرة عن قلم التحقيق
أو دائرة الاتهام في مطلب الإفراج عن الموقوفين هي قرارات قضائية خاضعة لقواعد
قانونية ( الفصل 58 وما بعده من قانون المرافعات الجزائية ) يجب احترامها لصحة
القرار. وتأسيسا على ذلك فإن القرارات الصادرة في هذا الشأن عن دائرة الاتهام
قابلة للطعن بطريقة التعقيب فتنظر محكمة التعقيب فيها لمراقبة صحة تطبيق تلك
القواعد القانونية وصحة تطبيق النص القانوني على الجريمة المنسوبة للمتهم.
وقد أقرت محكمة التعقيب
نفس هذا التوجه لاحقا في قرارها عدد 6212 بتاريخ 04/06/1969 ( غيرمنشور) وقرارها
عدد 7794 بتاريخ 15 ديسمبر 2013 ( غير منشور ) وقرارها عدد 16352 بتاريخ 28 فيفري
2014 ( غير منشور ) واستقرت على ذات الرأي في جملة القرارات التالية:
القرار التعـقيبي
الجزائي عـدد 5499 الصادر بتاريخ 13/11/2012 [21]:
" ان القول بكون
الفصل 258 م.ا.ج. اشترط ان يكون القرار أو الحكم القابل للطعن بالتعقيب صادرا في
الأصل فان ذلك الحق هو مخوّل للمحكوم عليه سواء بالبراءة أو بالإدانة إلى جانب
بقية الأطراف ..... و بالتالي يفهم من هذا
الفصل ان الطرف الذي يصدر ضده حكم أو قرار نهائي لا يخضع لهذا القيد شانه في ذلك
شان المظنون فيه لدى طور الاتهام ذلك ان دائرة الاتهام لا تصدر إطلاقا قرارات
قاضية في الأصل و بالرغم من ذلك فان الأطراف المذكورة لم تفقد حقها في الطعن
بالتعقيب في حدود القيود التي ضبطها الفصلان 259 و 260 من م.ا.ج.، و حيث ترتيبا
على ما تقدم فان القرار القاضي برفض مطلب الإفراج أو إصدار بطاقة إيداع هو قابل
للطعن فيه بهاته الوسيلة خاصة ان هذا القرار لا يمكن أخذه إلا في حدود الشروط التي
حددها الفصل 85 م. ا. ج. وهو قرار مرتهن بشرط التعليل مما يجعله خاضعا لرقابة
محكمة القانون لبيان مدى احترامه لقواعد الإجراءات الأساسية والنصوص القانونية
المنظمة للإيقاف ، الأمر الذي لا يتيسّر إلا بوسيلة الطعن بالتعقيب ".
قرار تعقيبي جزائي عدد
7794 بتاريخ 25 ديسمبر 2013[22]:
"وحيث تبين بمراجعة
القرار المطعون فيه أن الدائرة قررت رفض مطلب الإفراج بدون أي تعليل واقعي أو
قانوني وهو مطعن كاف بنقضه هذا فضلا على أنه هضم حقوق الدفاع إذ أنه لم يجب عن
الدفوعات المتعلقة أساسا بتوفر شروط الإفراج بخصوص المدة وتعبير المعقبة بالأمر
على استعدادها لدفع ضمان مالي وترتيبا على ذلك فإنه يتعين نقضه لضعف التعليل وخرقه
الإجراءات الأساسية المتمثلة أساسا في الرد على الدفوعات الشكلية والجوهرية
ولمعارضته لمصلحة المتهم الشرعية وإرجاع الملف إلى محكمة الإستئناف بتونس لإعادة
النظر فيه مجددا بهيأة أخرى صلب قرار يحترم الموجبات القانونية".
قرار تعقيبي جزائي عدد
77913 بتاريخ 14/09/2018[23]:
"وحيث لاجدال في أن
وجاهة الإيقاف من عدمه مسألة موضوعية لا شأن لمحكمة التعقيب بها، غير أن خرق دائرة
الإتهام عند اتخاذها لقرارات بالإفراج أو الإيقاف للنصوص القانونية المتعلقة
بقواعد الإفراج أو الإيقاف هو من صميم نظر محكمة التعقيب عند تعهدها بالطعن
بالتعقيب للأسباب المذكورة لأن دورها في هذه الحالة يتمثل في مراقبة صحة تطبيق تلك
القواعد القانونية الماسة بمصلحة المتهم الشرعية والتي هي في خانة الأحكام
المتعلقة بالإجراءات الأساسية. وحيث نص الفصل 199 من مجلة الإجراءات الجزائية على
أنه تبطل كل الأعمال والأحكام المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو للقواعد
الإجرائية الأساسية أو لمصلحة المتهم الشرعية. وحيث أن الحرية هي الأصل وتقييدها
وسلبها إنما هو استثناء مقيد بضوابط قانونية كرسها المشرع صلب الفصل 29 من الدستور
وصلب أحكام فصول الإجراءات الجزائية التي حتمت الإفراج الوجوبي عند تجاوز مدة
الإيقاف التحفظي دون أن يمنع ذلك من اتخاذ التدابير اللازمة لضمان حضور المتهم.
وحيث طالما كان تقييد الحرية استثناء فإنه لا يجوز التوسع فيه وإيجاد مبررات
لتطبيقه رغم فوات الآجال القانونية كما ذهبت إلى ذلك محكمة القرار المنتقد والتي
تتناقض مع مبادئ الحرية ومع أحكام الإجراءات الأساسية وتضرب في الصميم مصلحة
المتهم الشرعية. وحيث أن اتخاذ دائرة القرار المطعون فيه لذلك الموقف الخارق يجعل
ما انتهت إليه باطلا لمساسه بقواعد الإجراءات الأساسية ومصلحة المتهم الشرعية
واتجه إعمالا لأحكام الفصل 199 من م إ ج التصريح ببطلانه قولا من وراء ذلك بنقض
القرار المطعون فيه للقانون مع الإحالة".
قرار تعقيبي جزائي عـــ2018.
81290ــدد القرار بتاريخ 26/02/2019. [24]
"وحيث وبخصوص
المتهم "ف. ج" فإن المشرع قد حدد المدة القصوى للإيقاف التحفظي بأربعة
عشرة شهرا طبق الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية وأنه بانتهاء هذه المدة يتعين
إطلاق سراح المتهم وأنه لا يجوز إصدار بطاقة إيداع جديدة في حقه تتعلق بنفس القضية
ذلك أن هذا الإجراء لا يخوله القانون وهو مخالف للإجراءات الأساسية التي تهم مصلحة
المتهم الشرعية وأن الفصل 117 من مجلة الإجراءات الجزائية[25]
الذي اعتمدته دائرة الإتهام لا مجال لتطبيقه في قضية الحال وأن الجهة الوحيدة
المخولة لإصدار بطاقة إيداع ضد المتهم هي المحكمة المختصة بالنظر في الأصل وبما أن
بطاقة الإيداع المذكورة هي جزء لا يتجزأ من القرار المطعون فيه ويحق لهذه المحكمة
بما لها من سلطة مراقبة حسن تطبيق القانون النظر في مدى احترام الإجراءات في
إصدارها الأمر المفقود وفق ما تم بيانه أعلاه وتعين لذلك النقض من هذه
الناحية".
قرار تعقيبي جزائي عدد
86626 بتاريخ 19/06/2019[26]:
"وحيث ثبت من جهة
أخرى وعلاوة على الخروقات المشار إليها فقد اتضح أن محكمة القرار المنتقد خالفت
أحكام الفصل 85 من م إج فيما تعلق بآجال الإيقاف التحفظي في خصوص المعقب المظنون
فيه "ح.س"" فقد تبين بمراجعة أوراق الملف أن المعقب المذكور قد
تجاوز مدة الإيقاف التحفظي المسموح بها قانونا طبق أحكام الفصل 85م إج ومحكمة
القرار المنتقد تجاوزت عن هذا الإخلال رغم أهميته وعلاقته بالمدة القصوى للإيقاف
التحفظي وعدم قيامها بإجراء التمديد في الأجل القانوني وأضحى قرارها خارقا لقاعدة
إجرائية أساسية منصوص عليها بالفصل 85 المشار إليه ولها مساس بالنظام العام ومصلحة
المتهم الشرعية م يجعل قرارها عرضة للنقض من هذه الناحية. وحيث لاجدال أن أحكام
الفصل 199 من مجلة الإجراءات الجزائية تجد صداها عاليا في هذا الصدد في تفعيل
قاعدة إبطال كل الأعمال والأحكام المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو
للقواعد الإجرائية الأساسية أو لمصلحة المتهم الشرعية واتجه اعتبار قرار إيقاف
"ح.س" باطلا وخالفا للقانون مع الإذن بالإفراج عنه فورا ما لم يكن وقوفا
على ذمة قضية أخرى".
قرار تعقيبي جزائي
عــدد2019.86454ــدد بتاريخ 11/06/2019[27]
"حيث في خصوص مطلب
الإفراج فإنه يتعين التذكير بأن فقه قضاء هذه المحكمة أجمع على أن القرارات
الصادرة عن قلم التحقيق أو دائرة الإتهام في الإيقاف أو الإفراج عن الموقوفين هي
قرارات قضائية خاضعة لقواعد قانونية يجب احترامها لصحة القرار تأسيسا على ذلك فهي
قابلة للطعن بطريق التعقيب فتنظر محكمة التعقيب فيها لمراقبة صحة تطبيق تلك
القواعد القانونية الإجرائية التي لها مساس بالنظام العام ومصلحة المتهم الشرعية.
وحيث يؤخذ من الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية أن المدة القصوى للإيقاف
التحفظي هي 14 شهرا وأنه بانتهاء هذه المدة يصبح المتهم بحالة سراح وجوبي ولا يجوز
أن يستمر بعد انتهاء هذه المدة بحالة إيقاف ذلك أن هذا الإجراء لا سند قانوني له
ولا يخوله القانون بأي وجه من الوجوه طالما أن القضية لا تزال في مرحلة البحث مثل قضية
الحال وأن بطاقة الإيداع الصادرة ضد المتهم شكري الشنيتي حيث انتهى مفعولها
بانقضاء المدة المذكورة وتصبح لاغية ولايمكن لها أن تنشأ أي أثر وبالتالي فإن بقاء
المتهم بالسجن رغم تجاوز مدة الإيقاف التحفظي فيه مخالفة لفصل 85 المذكور ومخالفة
لقاعدة من أوكد القواعد الكونية الأساسية وهي الحرية ولذلك فإن بطاقة الإيداع
المذكورة لم تعد تصلح كسند لإبقاء المتهم بحالة إيقاف لوجوده في حالة من حالات
السراح الوجوبي وتعين لذلك النقض في هذا الخصوص. وحيث اقتضى الفصل 269 من م إ ج
أنه يمكن لمحكمة التعقيب أن تقرر النقض بدون إحالة إذا كان حذف الجزء المنقوص يغني
عن إعادة النظر أو لم يترك النقض شيئا يستوجب الحكم. وحيث ان اعتبار بطاقة الإيداع
الصادرة ضد المتهم منتهية الصلوحية ولاغية لايترك لمحكمة الإحالة أي شيء يستوجب
النظر من جديد وبالتالي فإنه يتعين النقض في هذا الخصوص بدون إحالة".
قرار تعقيبي جزائي عدد
96778 بتاريخ 09/10/2019[28]
"حيث رجوعا لقرار
الإيقاف التحفظي الصادر في 23/8/2019 تحت عدد 481 عن محكمة الإستئناف بتونس الذي
كان السبب في تقديم مطلب الإفراج موضوع الطعن ونشأة النزاع الحالي يتبين أن
الدائرة التي أصدرته إنما تعهدت باستئناف لقرارين في تدبيرين إحترازيين تعلقا
بتجميد أموال وتحجير سفر كل ذلك وقاضي التحقيق لم يختم أبحاثه ولايزال متعهدا
بالبحث في القضية وولايته عليها غير منقوصة غير أنها والأمر ما ذكر خالفت أحكام
الفصل 110 م إج في فقرته الأخيرة بأن حادت عن موضوع الطعن وتجاوزت مناط نظرها
وتدخلت في صميم إختصاص قاضي التحقيق لأنها لم تكن متعهدة بالأصل حتى يجوز لها
تفعيل مقتضيات الفصل 117 كما أنها لم تكن في صورة الفصل 80 ليحق لها نقض قرار قاضي
التحقيق القاضي بإبقاء المظنون فيه بحالة سراح وتكون بإتخاذها من تلقاء نفسها وفي
غير موضع الطعن الذي تعهدت به قرارا في الإيقاف التحفظي قد أفرطت في السلطة ومست
بأحكام الإجراءات الأساسية التي تستوعب جميع القواعد المقررة لضمان مصلحة المتهم
الشرعية. وحيث كان قرار الإيقاف التحفظي المؤرخ في 23/8/2019 هو أساس في قيام
النزاع موضوع قضية الحال حول الجهة المختصة بالبت في مطلب الإفراج. وحيث أن صدور
القرار المذكور على الصورة المبينة آنفا
تجعله باطلا بطلانا مطلقا لمخالفته للقواعد الإجرائية الأساسية ولمساسه بمصلحة
المظنون فيه الشرعية وإفراط الجهة التي أصدرته في السلطة واتجه لذلك التصريح بإبطاله
إعمالا لأحكام الفصل 199 م إج الذي نص على أنه " تبطل كل الأعمال والأحكام
المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو للقواعد الإجرائية الأساسية أو لمصلحة
المتهم الشرعية والحكم الذي يصدر بالبطلان يعين نطاق مرماه ". وحيث طالما صرح
بإبطال القرار المذكور فإنه يتوجب بالأثر إلغاء كل مفعول له والإذن بالإفراج عن
المعقب من سجن إيقافه ما لم يكن موقوفا بأخرى وفق لما تخوله أحكام الفصل 92 م إ ج.
وحيث أن التصريح ببطلان قرار الإيقاف التحفظي وإنهاء مفعوله يغني عن مواصلة النظر
في بقية المطاعن والحسم في الجهة المخولة قانونا للنظر في الإفراج من عدمه. وحيث
يكون لزاما على هذه المحكمة والأمر على ما ذكر التصريح بالنقض بدون إحالة على
اعتبار أن النقص لم سترك شيئا يستوجب النظر فيه تطبيقا في هذا لأحكام الفقرة
الأخيرة من الفصل 269 م إ ج".
واعتمادا على هذه
النماذج من القرارات التعقيبية المؤيد للطعن بالتعقيب في قرارات الايقاف التحفظي
بصفة مستقلة يمكن القول أن محكمة التعقيب أسست موقفها على الحجج التالية:
-
التأكيد على أن الحرية
هي الأصل.
-
تفعيل الفصل 29 من
الدستور.
-
تفعيل الفصل 92 م ا ج.
-
التأكيد على المدة
القصوى للايقاف التحفظي.
-
اعتبار القواعد المتعلقة
بالايقاف التحفظي من النظام العام.
-
احكام الايقاف التحفظي
استثنائية لا يجوز التوسع فيها.
-
تحديد مجال تطبيق الفصل
117 من م ا ج.
ويمكن القول أن هذه
الحجج تكاد تكون الأكثر وجاهة بما يتجه معه تدعيمها وتفصيلها.
الجزء الثاني: الترجيح بين
مواقف محكمة التعقيب
ان الترجيح بين المواقف
السالف بيانه يتطلب بيان حجج الترجيح (الفقرة الأولى) والتبعات المترتبة عن ذلك
الترجيح (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى- حجج الترجيح:
سيقع التعرض لهذه الحجج
تباعا وهي:
الحجة الأولى- الخلط بين نطاق الطعن وشروطه:
ينص الفصل 120 م ا ج
على: " يقع الإعلام بقـرارات دائرة الاتهام طبق
أحكـام الفصـل 109.
ويمكن الطعن فيها بالتعقيب حسب الشروط المقررة
بالفصل 258 وما بعده من هذا القانون.".
وبالرجوع للفصل 258 وما
بعده م ا ج يلاحظ وانها نص على مايلي:" يسوغ للأشخاص الآتي ذكرهم القيام بطلب تعقيب
الأحكام والقرارات الصادرة في الأصل نهائيا ولو تم
تنفيذها وذلك بناء على عدم الاختصاص أو الإفراط
في السلطة أو خرق القانون أو الخطأ في تطبيقه.
1)
المحكوم عليه،...".
وقد اعتمدت محكمة
التعقيب في بعض القرارات الرافض لتعقيب قرارات دائرة الاتهام المتعلقة بالايقاف
التحفظي ورفض مطالب الافراج شكلا والمشار إليها سابقا على ما جاء بالفصل 258 من
اشارة للقرارات النهائية الصادرة في الأصل وعدم ذكر المظنون فيه ضمن قائمة
الطاعنين والاكتفاء بالمحكوم عليه لتبرير ذلك الرفض. وهي قراء لا تستقيم إطلاقا بل
إنها مخالفة لصريح القانون. إذ أن موقفها مبني على عدم التمييز مطلقا بين نطاق
التعقيب أي القرارات القابلة للطعن بهذه الوسيلة وشروط التعقيب أي ما يجب توفره من
شروط ليكون المطلب مقبولا
النطاق حدده المشرع في
فصلين متبوعين بجملة استثناءات:
الفصل 120 حدد نطاق
الطعن في قرارات دائرة الاتهام مكتفيا بالمبدأ وهو: يجوز تعقيب كل قرارات دائرة
الاتهام (إذا كانت عبارة القانون مطلقة جرت على اطلاقها)،
ثم جاء الاستثناء متأخرا
في الفصول 259 و260 و 323 و326
و 328 و342 مكرّر فق 9 م ا ج ففي جملة هذه
الفصول المذكورة كان المشرع كلما اراد ان يمنع الطعن بالتعقيب في قرار صادر عن
دائرة الاتهام الا ونص على ذلك صراحة.
فالفصل259[29] م
ا ج تعرض إلى بعض قرارات دائرة الاتهام غير قابلة للطعن بالتعقيب، ثم عاد فوضع
استثناءات لذلك الاستثناء بما يعني الرجوع للمبدأ أي جواز الطعن بالتعقيب[30].
وحيث
انه لا يجوز الطعن بالتعقيب في قرار احالة المتهم على الدائرة الجناحية او محكمة
الناحية الا اذا اقترن القرار المذكور
باحدى الصورتين المذكورتين.
وحيث
يستخلص ان الفصل 259 م ا ج لم يتعرض البتة
الى قرار رفض مطلب الإفراج الصادر عن دائرة الاتهام. أما الفصل 260 م ا ج فهو ينص
منع القائم بالحق الشخصي من طلب تعقيب القرارات الصادرة عن دائرة الاتهام إلا إذا
طلب تعقيبها ممثل النيابة العمومية ثم أورد المشرع استثناءات لهذا المتع يجوز معها
قبول مطلب تعقيب القائم بالحق الشخصي بانفراده، وهذا الفصل لا يعنيا مباشرة في هذه
الدراسة لعدم تطرقه للمتهم، ولا علاقة له بتعقيب قرارات الايقاف أو رفض مطلب
الافراج الصادرة عن دائرة الاتهام. وبقية الفصول (323 و326 و 328 و342 مكرّر فق 9 م ا ج) فقد نصت صراحة على أن
القرارات الواردة فيها لا يجوز الطعن فيها.
فما جاء من استثناءات لحق الطعن بالتعقيب في
الفصول المذكورة يدل دلالة واضحة على أن المبدأ هو أن جميع قرارات دائرة الاتهام
قابلة للطعن بالتعقيب مالم ينص القانون صراحة على خلافه. وهذا الاستنتاج مبرر
بالمبدأ القائل أن ما لم يمنعه المشرع فهو جائز قانونا وما لم يقيده المشرع يبقى
على إطلاقه. فما يستنتج من هذه الفصول أن كل قرارات دائرة الإتهام الخارجة عن نطاق المنع
الصريح تكون قابلة للطعن بالتعقيب وخاصة القرارات الماسة بالحريات.
وهو ما يتأكد بالرجوع الى الفصول 80 ومابعده
الخاصة بالايقاف التحفظي و112 ومابعده الخاصة بدائرة الاتهام التي يتبين منها ان
المشرع لم يتعرض البتة الى عدم جواز الطعن بالتعقيب في قرارات الدائرة المذكورة
الصادرة في مادة الافراج المؤقت او البطاقات القضائية مهما كان نوعها، لأن المشرع
عندما يريد أن يمنع الطعن بالتعقيب ينص على ذلك صراحة مثلما فعل في الفصول سالفة
الذكر.
وبالتالي فإن القراءة
السليمة للفصلين 120 و258 وما بعده لا يكون إلا على النحو التالي:" يمكن الطعن بالتعقيب في قـرارات دائرة الاتهام
وفي القرارات النهائية الصادرة في الأصل عدا ما استثناه القانون صراحة في الحالات
التالية...". وهي
الصياغة التي اعتمدها دون لبس أو غموض المشرع في الفصل 29 من م م ع ع[31]
ونصه:" تنظر محكمة التعقيب في القرارات الصّادرة عن دائرة
الاتهام والأحكام والقرارات النهائية الصادرة عن المحاكم العسكرية.... ". ثم عاد في الفصل
30 من ذات المجلة ليعتمد نفس ما وارد بالفصل 258 م ا ج إذ نص على مايلي:"
يمكن للأشخاص الآتي ذكرهم الطعن بالتعقيب في الأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم
العسكرية في الأصل نهائيا ولو تمّ تنفيذها وفق الإجراءات والآجال المنصوص عليها
بمجلة الإجراءات الجزائيّة: 1) المحكوم عليه....".
والسؤال هنا هل بقي شك
في كون قرارات دائرة الاتهام ولو اعتبرت غير نهائية وغير باتة في الأصل هي قرارات
قابلة للطعن بالتعقيب؟ الجواب واضح وقطعي في الفصل 29 سالف الذكر الذي لا يختلف عن
الفصلين 120 و258 م ا ج في وحدة النص فما ورد بهذين الفصلين مشتتا جاء في الفصل 29
مجمعا قاطعا لكل محاولة تأويل تعسفي لا سند له بصريح النص ومبادئ التأويل كما سبق
بيانها.
وبالتالي فإن مجال تطبيق
الفصل 258 من م ا ج ينحصر في الاحكام القضائية الصادرة في الادانة ثبوتا أو نفيا
وتقرير المسؤولية وتطبيق العقاب عندما يكون الحكم نهائيا وتتوفر فيه إحد حالات
الطعن بالتعقيب وهو ما نجده مكرسا في عدة قرارات تعقيبية منها:
قرار تعقيبي جزائي عدد
3707 مؤرخ في 06/05/1981[32] :
"أن الفصلين 258 و
262 من م إ ج صريحان في أن أحكام القابلة للطعن بالتعقيب هي الأحكام الصادرة في
الأصل وكانت نهائية وباتة في تاريخ المطلب بحيث يفهم من ذينك النصين أنه يجب
استيفاء جميع وسائل الطعن العادية التي منها الاعتراض قبل اللجوء إلى الطعن
بالتعقيب الذي لا يعتد به طالما أن أجل الاعتراض لم ينقض بعد .(ن م ت)".
قرار تعقيبي جزائي عدد
12505 مؤرخ في 29/12/1986[33]
نص الفصل 258 من مجلة
الإجراءات الجزائية على تعقيب الأحكام النهائية الصادرة عن محاكم النواحي فإذا صدر
الحكم في جنحة ابتدائيا فإنه ليس بإمكان الطاعن أن يعقبه قبل اللجوء إلى الاستئناف
لأن الطعن بالتعقيب طريق طعن غير اعتيادي.(ن م ت).
قرار تعقيبي جزائي عدد
45242 مؤرخ في 13/01/2004[34]
لا يجوز الطعن بالتعقيب
في القرار المتعلق بالمحجوز طالما أن محكمة الاستئناف تظل ذات نظر للإذن بالترجيع
ولو بعد البت نهائيا في الأصل .(م ق ت)
قرار تعقيبي جزائي عدد
4392 بتاريخ 30/09/2016[35]
حيث أن اختصاص محكمة
التعقيب يتوقف على وجود عيب في الاختصاص أو إفراط في السلطة أو خرق للقانون أو خطأ
في تطبيقه عملا بأحكام الفصل 258 م إ ج.
قرار تعقيبي جزائي عدد
59806 بتاريخ 28/09/2017[36]
إن اختصاص محكمة التعقيب
يتوقف على وجود عيب في الاختصاص أو إفراط في السلطة أو خرق للقانون أو خطأ في
تطبيقه عملا بأحكام الفصل 258 م إ ج
الحجة الثانية: الايقاف التحفظي إجراء استثنائي منظم بقواعد آمرة يجب مراقبة حسن تطبيقها:
استهلت مجلة الإجراءات الجزائية أحكام الإيقاف التحفظي بمبدأ نصّ عليه الفصل
84 وهو "الإيقاف التحفظي وسيلة استثنائية" أي أن السراح هو الأصل والإيقاف هو الاستثناء[37]. فقرار إيقاف شخص تحفظيا وإيداعه بالسجن هو قرار خطير لذلك أوجب المشرع شروطا للعمل به تؤكد طابعه
الاستثنائي، وهي:
•
أن يوجد نص يجيز إصدار
بطاقة ايداع[38].
•
أن
يقع
تعريف
المتهم
بالأفعال
المنسوبة
إليه
والنصوص
القانونية
المنطبقة
عليها
(حسب الفصل 69).
•
سبق
الاستنطاق
(الفصل 80 فقرة
أولى).
•
أن
تكون
الفعلة
تستوجب
عقابا
بالسجن
أو
بالإعدام
(الفصل 80 فقرة
أولى).
•
أخذ
رأي
وكيل
الجمهورية
(الفصل 80 فقرة
أولى).
•
توفر
مبررات
واقعية
وقانونية
للإيقاف.
فمنح دائرة الاتهام حق اصدار بطاقة إيداع "دائما" كما ينص على
ذلك الفصل 117 م ا ج يقتضي وجوبا فرض رقابة عليا عليها وإلا فإن ذلك يشكل خطرا على
حرية الأشخاص. خاصة وأن دائرة الاتهام قد تتعسف على النص وتصدر بطاقة إيداع قبل
تعهدها بموجب قرار ختم بحث (وهذا سبق وان حصل فعلا) أو بعد اتخاذها قرار في ارجاع
الملف لقاضي التحقيق كي يقوم بأبحاث تكميلية (وهذا حصل كثيرا) مما يعني أن اعمال
التحقيق ستتواصل لمدة قد تطول مع بقاء الشخص موقوفا وسيكون في وضعية قانونية معقدة
(وهذا ما حصل فعلا وصدر على ضوئه القرار التعقيبي عدد بتاريخ) فالموقوف سيجد نفسه
غير قادر على طلب الافراج من قاضي التحقيق (رغم غياب نص مانع) ولا يوجد لديه
تطبيقات قضائية قبلت الرجوع للدائرة مباشرة (رغم أن الفصل 117 م ا ج يجيز له ذلك)
فمن ذا الذي سيراقب مشروعية تلك البطاقة سوى محكمة التعقيب؟ وسيزداد الأمر تعقيدا
عندما نضيف لما سبق التوجه الذي يميل إليه بعض المحاكم والقاضي باعتماد نظرية
"المفعول التطهيري لقرار دائرة الاتهام" دون سند قانوني بل في مخالفة
صريحة لمقتضيات الفصل 218 م ا ج[39].
فعدم الطعن بالتعقيب في قرار دائرة الاتهام وفق ما يراه أنصار هذا التوجه يعني
اقرارا منهم بسلامته من كل العيوب، وهو ما قالته محكمة التعقيب صراحة في قرارها قرار
الجزائي عدد 75316 بتاريخ 30-01-2019[40].
وبالتالي فلا مجال للقول بأن ما يصدر عن دائرة الاتهام من قرارات تتعلق بالايقاف
التحفظي لا معقب عليها، بل يجب أن تكون محل تعقيب للتثبت من مدى احترام الشروط
القانونية للإيقاف التحفظي، قبل أن يكتسب القرار حصانة بموجب المفعول التطهيري.
الحجة الثالثة: تنقيح مارس 2008: وفرض وجوبية التعليل واقعا وقانونا
أوجب الفصل 85 من م ا ج
بعد تنقيحه في مارس 2008[41] أن " يكون قرار
الإيقاف التحفظي معللا يتضمن الأسانيد الواقعية والقانونية التي تبرره ".
وجاء في شرح
أسباب
القانون عــدد21 لسنة
2008 المؤرخ
في
04 مارس
2008 متعلق
بوجوب
تعليل
قرار
التمديد
في
الاحتفاظ
وقرار
الإيقاف
التحفظي
ما يلي: "التنصيص صراحة على
ضرورة
التعليل
الكتابي
للأسانيد
الواقعية
والقانونية
التي
أنبنى
عليها
قرار
الإيقاف
التحفظي
وهو
الأمر
الذي
يخول لدائرة الاتهام
عند
الطعن
في
قرارات
هذا
الأخير
إمكانية
مراقبة
مدى
وجاهة
هذا
التعليل
والتمعن
في
مبرراته
توصلا
إلى
اتخاذ
الإجراءات
الملائمة
في
شأنه
بما
في
ذلك
مراقبة
مدى
التقيد
بحالات
السراح
الوجوبي
وذلك
إنفاذا
لقاعدة
أن
الحرية
هي
القاعدة
والإيقاف
هو
الاستثناء.
ويسمح
التعليل
هكذا
بضمان
المصلحة
الشرعية
للمظنون
فيه
لكن
دون
المساس
بالنجاعة
المطلوبة
من
الإيقاف
حفاظا
على
النظام
والأمن
العامين.
ومن
شأن
هذا
التنقيح
أن
يطور
المنظومة
الجزائية
في
سبيل
مزيد
توفير
الضمانات
لكلّ
شخص
فقد
حريته
بوضع
ضوابط
قانونية
لعدم
النيل
منها
ويؤكد
الطابع
الاستثنائي
للإيقاف
التحفظي
الذي
أقره
الدستور".
فوجوبية التعليل فرضت لضمان رقابة عليا على قرار الايقاف التحفظي، إذ
يخول
للمحكمة
الأعلى
عند
الطعن
في
قرار
الإيقاف
إمكانية
مراقبة
مدى
وجاهة
هذا
التعليل
والتمعن
في
مبرراته
توصلا
إلى
اتخاذ
الإجراءات
الملائمة
في
شأنه
بما
في
ذلك
مراقبة
مدى
توفر شروط
الايقاف فعليا، وبالتالي فإن
موقف
بعض
رجال
القانون
ومحكمة
التعقيب
الذي
يمنع
مناقشة
وجاهة
القرار
صار
في
غير
طريقه
وأصبحت
وجاهة
القرار
او
وجاهة
التمديد
تخضع
لرقابة
محكمة
التي تكرر
دائما أن من صلاحيتها مراقبة حسن
التعليل
كما
تفعل
في
أمور
أخرى.
وهو
ماذهبت إليه فعلا في قرارها عدد
90917 بتاريخ
25/04/2012 إذ
قررت:
"وحيث
لا
جدال
في
أن
محكمة
التعقيب
تسهر
على
حسن
تطبيق
القانون
وتراقب
مدى
سلامته
تطبيقه
من
طرف
قضاة
الأصل
كما
أنه
لا
جدال
في
أن
المشرع
لما
أوجب
تعليل
قرار
الإيقاف
التحفظي
دون
سواه
من
القرارات
وأجاز
استئنافه
لدى
دائرة
الاتهام
إنما
كان
مقصده
وغايته
تمكين
دائرة
الاتهام
ومن
بعدها
محكمة
التعقيب
من
مراقبة
حسن
تطبيق
النصوص
القانونية
المنظمة
للإيقاف.
وحيث
إن
القول
بعدم
إمكانية
الطعن
بالتعقيب
يعني
الحيلولة
دون
تمكين
محكمة
التعقيب
من
ممارسة
دورها".
كما
بينت
في ذات
القرار المذكور أنه لا مجال
لتأسيس
قرار
الإيقاف
على
أي
معطى
لم
يرد
في
النص:"وحيث
تمسك
لسان
الدفاع
بخرق
أحكام
الفصلين
84 و85
م
ا
ج
قولا
بأن
القرار
المنتقد
أورد
كلمة
خطيرة
لتبرير
رفض
مطلب
الافراج
وبالتالي
اعتمد
على
خطورة
الافعال
المرتكبة
من
المتهم...
وحيث
اقتضت
احكام
الفصل
84 ان
الإيقاف
التحفظي
وسيلة
استثنائية
يجب
عند
اتخاذها
مراعاة
القواعد
التالية.
وحيث كان
على
دائرة
القرار
المنتقد
التقيد
بالنص". وفي
قرارها
التعقيبي
الجزائي
عدد
2354 مؤرخ
في(
23/5/2012 غير
منشور)
اعتبرت
المحكمة
أن
"التعلل
بأن
الأفراج
سوف
يعد
خطرا
على
الأمن
الاقتصادي
فهذا
المصطلح
يعد
فضفاضا
ولا
يستند
الى
معطيات
واقعية
وعلمية
صحيحة".
لتضيف في قرار أخر:
"حيث لا جدال في انه من خلال تسبيب وتعليل الأحكام تتمكن محكمة التعقيب من
بسط رقابتها على صحة تطبيق والتأكد من المنطبق القانوني الذي يتبعه قضاة الموضوع
في بناؤ أحكامهم ذلك أن الحكم المسبب هو الذي يقدم وحده مجموعة العناصر التي تسمح
باستخلاص وتوضيح الإستدلال القانوني ويوضح طبيعته بما تم الإجابة عنه بخصوص
الدفوعات المعروضة من الأطراف وفي غياب ذلك قاصرا في التسبيب"[42]
ويرى استاذي محمد الهادي
الاخوة أن: "مراقبة هذه الأسانيد تكون بدون شك راجعة لمحكمة التعقيب بعد
رقابة أولى من طرف دائرة الاتهام وإن تخلت محكمة القانون عن هذه المراقبة لأسباب
غير مقنعة فقد تخلت عن أوكد واجباتها في مراقبة حماية الحريات بصفة عامة وحق
التنقل بصفة خاصة وكانت في تناقض مع ما تم إقراره
على الصعيد الدولي بمقتضى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المصادق عليه من طرف
البلاد التونسية والذي منع في فصله التاسع كل الإيقافات التعسفية وهو ما أكدته
الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان لسنة 1966 التي جاءت في نفس الإطار لحفظ الحريات
العامة وإقرار حق المتهم في محاكمة عادلة"[43].
وقد سبق لمحكمة التعقيب
أن بينت في قرار ممتاز قيمة وأهمية التعليل كضمانة عامة لحسن وسلامة تطبيق القانون
إذ قررت مايلي: "حيث أن العمل القاضي له أصول وثوابت عريقة أساسها إقامة
العدل بين الناس تطبيقا للقانون واستنادا إلى الحجة والدليل في إطار احترام حقوق
المتقاضين سواء كانوا متضررين أو متهمين أو طالبين أو مطلوبين وهي ثوابت لا يمكن
الحياد عنها تحت أي ضغط أو ظرف. ولا يكون القضاء قضاء إذا لم يتناول بالنقاش
دفوعات الطرفين ويجيب عليها ويرد ما يرد ويقبل استنادا إلى القانون ومنطق الواقع. وحيث
أن الجدية في تحييث الأحكام وفي عرض المحكمة لرأيها بخصوص المسائل القانونية
المعروضة وعليها وتجنب السفسطة والسطحية أمر بديهي وهو فوق ذلك واجب يفرضه القانون
ويفرضه حسن سير القضاء ويفرضه إحترام المحكمة لمهمتها الرامية إلى رد المظالم
وصيانة الحقوق ويفرضه إحترامها لمهمة الدفاع الرامية إلى مساعدة المتقاضين على
التوصل بحقوقهم ويفرضه احترامها للمتقاضين الذين يعتبرونها الملجأ الأخير الذي
يلوذون به لكف ما تسلط عليهم من أذى وضرر أو لإنصافهم من الإدعاءات الباطلة
والكيدية والمغرضة. وحيث بقطع النظر عن ثبوت الإدانة من عدمها فأنه سبق لدفاع
المتهم أن تمسك أمام محكمة القرار المنتقد
بالمطاعن المعروضة الآن على محكمة التعقيب وهي مطاعن جدية تستحق الرد كما أدلى
بجملة من المؤيدات التي تستوجب الدرس واستخلاص النتائج القانونية منها إلا أن
الهيئة الحاكمة اكتفت بتصريحات المتضرر والشاهد وابتدعت قرينة جديدة تتمثل في
تصريحات الباحث، ليصبح الباحث هو الذي يدلي بالتصريحات عوضا عن تلقيها، دون أن
تبين رأيها فيما عرض عليها حتى تتمكن هذه المحكمة من مراقبة تطبيق القانون ودون أن
تبرز أركان الجريمة ولا أن تتعرض لما تمسك به دفاع المتهم سواء بتضمينه أو بالرد
عليه وهو ما يجعل حكمها هزيلا على مستوى القانون والواقع وتعليلها فاقدا للجدية
والموضوعية واتجه تبعا لما تقدم نقض ما صرحت به الهيئة الحاكمة مع الإحالة"[44].
ويستخلص من جملة ما سبق
أن المشرع جين فرض تقنية التعليل فقد فتح باب الرقابة التي يفترض ان تكون من درجة
أعلى بما يستوجب ضرورة وجود امكانية طعن. ولقائل أن يقول ها هو المشرع فرض وجوبية
تعليل قرار الاحتفاظ دون فتح باب الطعن فيه ولكن هذا القول يتجاهل أن للجهة
القضائية التي ستتعهد لاحقا بالملف الحق في مراقبة اعمال الاحتفاظ والحكم عليها
بالصحة أو بالبطلان وهي رقابة تتم بناء على طعن الدفاع في سلامة الاجراءات حماية
لحريات الناس[45].
الحجة الرابعة- الدور الدستوري والقانوني للقضاء كحام للحقوق والحريات
عند
مناقشة
إمكانية
الطعن
بالتعقيب
في
قرارات
الإيقاف
التحفظي
أو رفض الافراج لا بد
أن
نأخذ
بعين
الاعتبار
أحكام
الدستور
الجديد
الذي
ينص
على:
•
الفصل 29: "لا
يمكن
إيقاف
شخص
أو
الاحتفاظ
به
إلا
في
حالة
التلبس
أو
بقرار
قضائي،
ويعلم
فورا
بحقوقه
وبالتهمة
المنسوبة
إليه،
وله
أن
ينيب
محاميا.
وتحدد
مدة
الإيقاف
والاحتفاظ
بقانون".
•
الفصل 49: "يحدّد
القانون
الضوابط
المتعلقة
بالحقوق
والحريات
المضمونة
بهذا
الدستور
وممارستها
بما
لا
ينال
من
جوهرها.
ولا
توضع
هذه
الضوابط
إلا
لضرورة
تقتضيها
دولة
مدنية
ديمقراطية
وبهدف
حماية
حقوق
الغير،
أو
لمقتضيات
الأمن
العام،
أو
الدفاع
الوطني،
أو
الصحة
العامة،
أو
الآداب
العامة،
وذلك
مع
احترام
التناسب
بين
هذه
الضوابط
وموجباتها.
وتتكفل
الهيئات
القضائية[46]
بحماية
الحقوق
والحريات
من
أي
انتهاك".
•
الفصل
102 فقرة أولى: "القضاء
سلطة
مستقلة
تضمن
إقامة
العدل،
وعلوية
الدستور،
وسيادة
القانون،
وحماية
الحقوق
والحريات"....
•
الفصل 108 الفقرتين
الأولى والثالثة ونصهما: " لكل شخص الحق في
محاكمة عادلة في أجل معقول، والمتقاضون متساوون أمام القضاء... ويضمن القانون
التقاضي على درجتين".
فهذه الفصول يجب
ربطها
بمقتضيات الفقرة الثانية من
الفصل
80 م
ا
ج التي
تنص على أنه:" ويكون البت في
كل
نزاع
يتعلق
بموضوع
البطاقة
أو
بمدى
مساسها
بالحرية
الفردية
من
اختصاص
القضاء
العدلي
وحده". وبالتالي فإن القانون حين
أجاز لدائرة الاتهام ان تصدر بطاقة ايداع أو أن ترفض الافراج وهي محكمة درجة ثانية
لا رقيب فوقها سوى محكمة القانون فإنه من غير المعقول أن نقول بأنه لا يجوز الطعن
في تلك القرارات بالتعقيب، فمن ذا الذي سيراقب مدى المساس بالحرية الفردية؟ أجابت
محكمة التعقيب في عدة قرارات سبقت الاشارة إليها بأنه يمكن الرجوع لدائرة الاتهام
نفسها وهذا أمر سيكون دون جدوى في أغلب الحالات فمن أصدر قراره عن قناعة لن يكون
من السهل تغيير قناعته في وقت معقول وبالتالي قد تتالى المطالب شهريا دون نتيجة
تذكر وهو ما يفرض حتمية اللجوء لجهة قضائية أعلى.
وتقر الصكوك الدولية
والإقليمية لحقوق الإنسان، والفقه القضائي لمحكمة العدل الدولية والآليات الدولية
لحقوق الإنسان، إقراراً واسعاً بحق كل شخص يُسلب حريته في إقامة دعوى أمام محكمة
لكي تفصل، من دون تأخير، في شرعية احتجازه، وحقه في الحصول على سُبُل انتصاف
مناسبة إذا قدَّم طعناً. وحق الطعن في شرعية الاحتجاز أمام محكمة حق من حقوق
الإنسان قائم بذاته، ويشكل غيابه انتهاكاً لحقوق الإنسان. وهو سبيل انتصاف
قضائي يرمي إلى حماية الحرية الشخصية أو السلامة البدنية من عمليات التوقيف
والاحتجاز التعسفية. وسبيل الانتصاف القضائي هذا ضروري لصون الشرعية في المجتمعات
الديمقراطية. ويجب على كل دولة أن تكفل ممارسة هذا الضمان الأساسي للحرية الشخصية
ممارسة فعالة في جميع حالات سلب الحرية، دون تأخير ودون استثناء، بما في ذلك الحق
في الإفراج عقب نجاح الطعن. وقد عبّر العديد من الهيئات والصكوك الدولية
والإقليمية لحقوق الإنسان عن موقف صارم إزاء مبدأ عدم جواز تقييد الحق في إقامة
دعوى أمام محكمة تحت أية ظروف. أما من الناحية العملية فقد أدى غياب الأطر
القانونية الوطنية الشاملة والمتينة الهادفة إلى ضمان ممارسة الحق في إقامة دعوى
أمام محكمة ممارسة فعالة، إلى حدوث ثغرة في حماية الأشخاص المسلوبي الحرية[47].
وبالتالي فإن منح جهة
ما حق اصدار بطاقة ايداع دون فتح المجال أمام الشخص الصادرة ضده في التظلم يتعارض
مع مقتضيات الدستور والمواثيق الدولية ومخالف للفصل 83 من م ا ج المشار إليه اعلاه.
الحجة الخامسة- جواز التوسع في التأويل لمصلحة المتهم:
خلافا لما اعتمدته محكمة
التعقيب في بعض القرارات الرافض لتعقيب قرارات دائرة الاتهام المتعلقة بالايقاف
التحفظي ورفض مطالب الافراج شكلا فإن نطاق مبدأ التأويل الضيق يتحدد بنطاق المادة
التجريمية فيشمل التجريم والعقوبة أي أنه يتعلق بالقواعد الأصولية ولا بالإجراءات
وإن رأى بعض الفقهاء أنه ينطبق كذلك على هذه الأخيرة ولكن مع توفر الشروط لا يمكن
تجاوزها ويجوز تحديدها في المجالين على النحو التالي[48]:
·
إن تبني مبدأ التأويل
الضيق للنص الجزائي لا يجب أو يؤول إلى منع القاضي من تأويل القانون وتفسير النصوص
التشريعية التي قد تصاغ في بعض الأحيان بعبارات عامة يستحيل أن تضم كافة الحالات
الخاصة أو عندما تثير العبارة القانونية إلتباسا لغويا يجبر القاضي على تحديد هيكل
النص أو مضمونه الكلي.
·
طالما أن مبدأ الشرعية
المستنتج منه مبدأ التفسير الضيق يرمي إلى حماية المتهم فلا مجال لاستعماله
لانتهاك حقوقه لأن ذلك من قبيل الإنحراف بهدف المبدأ والوصول إلى نتائج معاكسة لما
يرمي إليه.
فإنكار الدور الخلاق للقاضي
الجزائي يقتصر على القواعد والنصوص المحدثة للجريمة والعقاب، فهذه النصوص لا يمكن
التوسع في تأويلها وتطبيقها على أفعال لا تندرج في نطاقها. في المقابل إذ تعلق
الأمر بقواعد غير تجريمية أي بقواعد لا تحدث لا الجريمة ولا العقاب وإنما هي قواعد
تأتي خدمة للمصالح الشرعية للمتهم كالقواعد المتعلقة بأسباب التبرير أو موانع
المسؤولية أو موانع العقاب أو موانع لعدم رفع الدعوى الجزائية وكذلك الأمر بخصوص
الأعذار القانونية والظروف المخففة، فهذه الحالات لا تتعلق بإنشاء جرائم أو توقيع
عقوبات بل هي عل العكس تأتي خدمة لمصلحة المتهم، ولذلك فإنها حسب الفقه التوسع في
نطاقها عند التطبيق جائز ويمكن تأويلها تأويلا واسعا حتى باعتماد القياس[49].
وقد بلغ هذا الاتجاه
ذروته عندما أقرت محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعية إمكانية الطعن على أساس الخطأ
البين في القرارات الجزائية قياسا على ماهو وارد بمجلة المرافعات المدنية
والتجارية في فصلها 192. فقد ذهبت محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة في هذا الاتجاه
في قرارها الجزائي عدد 13 بتاريخ 13/05/1988 وأكدت موقفها هذا بالقرار عدد 76
المؤرخ في 16/04/1998[50]
كما أعادت ذلك التأكيد بالقرار عدد 297 بتاريخ 29/12/2011[51].
كما أن محكمة التعقيب في
القرار الجزائي عدد 44332 بتاريخ 01/07/2016[52] أكدت
أنه: "حيث استقر مبدأ التأويل الضيق للقانون الإجرائي لا يتعارض بالمرة مع
مصلحة المتهم الشرعية للمظنون فيه طالما كان الأمر متعلقا بوجه من وجوه الطعن في
إحدى القرارات الماسة بحقوقه الشرعية التي تنبني عليها كامل المنظومة الجزائية
بمعنى أن سكوت المشرع في احد الأوجه لا يحول دون تأويلها على النحو الذي يتماشى مع
مصلحة المتهم ودون أن يتعارض مع المنطق السليم لتوجه المشرع. وحيث انه ولئن نص
الفصل 109 من م إ ج على حق النيابة العمومية ممثلة في شخص وكيل الجمهورية في
استئناف جميع قرارات قاضي التحقيق بعد اطلاعه عليها كحق القائم بالحق الشخصي في
الطعن في القرارات المجحفة بحقوقه المدنية، فإن سكوته عن مدى أحقية المتهم في
الطعن في تلك القراراتـ وتحديدا قرار التخلي موضوع التداعي الحالي، لا يعني
بالضرورة حرمانه من ممارسة حق الطعن فيها لثلاثة أسباب وجيهة ومنطقية أو لها أن
مبدأ هو الجواز وأن المنع هو الاستثناء ولا يجوز التحجير مطلق إذ لم ينص المشرع
على ذلك صراحة لأن الأمر يهم المتهم الشرعية والتي خولها إياها المشرع امتدادا لحق
المتهم في محاكمة عادلة وتطبيقا لحقه في محاكمة عادلة وتطبيقا لحقه في التقاضي على
درجتين مثلما جاء به الفصل 108 من الدستور سيد القوانين، ثانيها أن قرار التصدي
الصادر عن قلم التحقيق المتعهد بالبحث لا يمكن اعتباره. مثلما ذهبت إليه عن خطأ
دائرة القرار المطعون فيه، قرارا سلبيا ولم يتسلط على أصل الحقوق ولم يغير من
وضعية المتهم وعليه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون محل طعن من قبله.".
فمبدأ الشرعية وجد أصلا
لحماية الناس من تعسف السلطة ولا يمكن أبدا أن يصبح عائقا أما تدعيم الحماية
الممنوحة لهم بالقانون بحجة التمسك بالتأويل الضيق للنص.
الحجة السادسة- ارتباط قرار الايقاف التحفظي بالعقاب:
يجيز الفصل 85 م ا ج أن
يتخذ قرار الإيقاف التحفظي ضمانا لتنفيذ العقوبة، ورغم أن هذا المعيار يثير إشكالا،
وفيه مس من قرينة البراءة التي يتمتع بها المظنون فيه طالما لم يصدر حكم في شأنه
بات[53]،
فإن المشرع كرسه صراحة في الفصل 85 من م ا ج. ويمكن القول أن المشرع لما منح
للقاضي سلطة اتخذ قرار الايقاف ضمانا لتنفيذ العقاب والقضية لا تزال في المرحلة
الاستقرائية فقد اعطى لذلك القرار بعدا يطال الأصل طالما أنه يمكن أن يتأسس على
إدانة مسبقة. ثم إن الفصل 15 من المجلة الجزائية[54]
يشير صراحة إلى أن مدة الاحتفاظ والايقاف التحفظي تحتسب من مدة العقاب المحكوم به
مبدئيا وبالتالي فلا مجال للقول بأن قرار سيأخذ بعين الاعتبار عند الحكم البات هو
قرار شكلي لا يمس بالأصل. وهل يعقل أن يكون هذا القرار الشكلي غير الماس بالأصل
سندا لطلب التعويض[55]؟
.
واعتمادا على جملة الحجج السالف بيانها فإن الرأي الراجح بنظري هو الاتجاه المؤيد لقبول الطعن بالتعقيب شكلا في قرارات دائرة الاتهام المتعلقة بحرية الاشخاص ، وهو ترجيح ستترتب عنه نتائج معتبرة.
الفقرة الثانية- نتائج الترجيح:
اقتبست الدوائر المجتمعة من مجلة المرافعات
المدنیة والتجاریة الطعن من أجل الخطأ البیّن على معنى الفصل 192 من م م م ت
وفعّلته في المادة الجزائیة على أساس كونیة حقوق الإنسان[56]
قولا “ لا یختلف اثنان في كون إجراءات وقواعد تصحیح الخطأ البین إنما وردت أساسا
بالفصلین 192 و 193 من مجلة المرافعات المدنیة والتجاریة دون مجلة الاجراءات
الجزائیة رغم توقع حصول نفس الأخطاء (وهي الرفض شكلا بناء على غلط واضح واعتماد
القرار التعقیبـي على نص قانوني سبق نسخه ومشاركة أحد القضاة في قرار قضائي والحال
أنه قد سبق له النظر في الموضوع ) وذلك في المادة الجزائیة أي أنه رغم وحدة
الأخطاء في المادتین فإنه یباح الطعن بالخطأ البین في المادة المدنیة المرتبطة
بمصالح خاصة ویحرم في المادة الجزائیة رغم ارتباط الموضوع بمصالح عامة متعلقة
أساسا بالحریات وبالحقوق المدنیة وبالأمن وبحقوق الإنسان في مفهومها الكوني. إن
القول بخلاف ذلك ینال من حقوق المتقاضین في المادة الجزائیة ویهضم مصالح المتهمین
الشرعیة في المحاكمة الجزائیة. وعلى هذا الأساس یمكن الاستنجاد بمجلة المرافعات
المدنیة والتجاریة لمليء الفراغ بمجلة الإجراءات الجزائیة.“[57].
ويستخلص من هذا التعليل أن الدوائر
المجتمعة لمحكمة التعقيب فتحت باب الطعن بالخطأ البيّن انتصارا للحقوق المدنية
ولحقوق الانسان والحريات، وهو موقف اتخذته الدوائر المجتمعة قبل صدور دستور جانفي
2014 الذي منح للقضاء بصفة صريحة لا لبس فيها صفة "الحامي للحقوق
والحريات"[58].
ويبدو مبدئيا أن النتيجة التي انتهيت إليها
في الفقرة السابقة والمتمثلة في ترجيح جواز قبول الطعن بالتعقيب في
قرارات دائرة الاتهام المتعلقة بحرية الاشخاص شكلا، تسمح بالقول أن قرارات الرفض
شكلا الصادرة عن محكمة التعقيب هي قرارات خاطئة وقائمة على غلط واضح في قراءة
النصوص فهل يجيز ذلك الطعن فيها من أجل الخطأ البيّن؟
إن الطعن بالتعقيب للخطأ البيّن هو طعن
استثنائي مخالف لقاعدة "لا تعقيب على التعقيب" إذ يخول للدوائر المجتمعة
في حدود نطاق ضيق مراجعة قرار تعقيبي صادر عن احدى دوائر محكمة التعقيب متى توفرت
حالة من الحالات الثلاث المشار اليها بالفصل 192 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية[59].
فالمشرع لم يعرف الخطأ البين الذي يبرر الطعن بالتعقيب اثر بت احـدى الدوائـر المنفـردة في مطلب الطعن
بالتعقيب ورفضه و انما حصر الحالات التي يمكن أن تعد مبررة للطعن للسبب المذكور. و هي: 1ـ اذا بني قرار الرفض
شكلا على غلط واضح. 2ـ اذا اعتمد القرار نصا قانونيا سبق نسخه أو تنقيحه بما صيره
غير منطبق. 3ـ اذا شارك في القرار من سبق منه النظر في الموضوع".
وقد عرفت محكمة التعقيب
الخطأ البين بقرارها عدد 170 الصادر عن دوائرها المجتمعة بتاريخ 02/11/2002 الذي
جاء به : "لئن لم يعرف المشرع مفهوم الخطإ البين أو الغلط الواضح فقد استقر
فقه قضاء هذه المحكمة على اعتباره الخطأ الذي لا يختلف اثنان في ثبوته فيقتنع
بوجوده كل من تأمل القرار الذي شمله ذلك الغلط على أن يكون ناشئا عن مجرد السهو أو
الغفلة"[60].
و لقد أكدت محكمة التعقيب في
الكثير من قراراتها الصادرة عن دوائرها المجتمعة أن تفسير النصوص القانونية وفهمها
من دوائرها المنفردة لا يعد من قبيل الخطإ البين حتى وان كان مخالفا للقانون وتبرر
محكمة التعقيب موقفها ذلك بالقول ان المشرع التونسي نص حصرا على حالات الطعن
بالتعقيب امام الدوائر المجتمعة للخطإ البين، فقد ورد بقرار في ذلك المعنى: "إن الاجتهاد في تفسير القانون
واختلاف الآراء في فهمه وتطبيقه لا يعد من قبيل الغلط المادي وبالتالي فإنه لا
يدخل ضمن الخطإ البين ولا يستباح لذلك اعتماده سببا للطعن بهذه الوسيلة المحددة
مجالاتها حصرا بمقتضى الفصل 192 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية"[61]
وتؤكد محكمة التعقيب في عدة قرارات أن "المشرع
لم يعرف الغلط الواضح إلّا أن فقه قضاء محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة استقر على
اعتبار أن الغلط الواضح هو الغلط المادي الناتج عن السهو أو الغفلة والذي لا يختلف
إثنان في وجوده ويقتنع بقيامه بمجرد تأمل القرار المنسوب إليه الغلط لشدّة وضوحه
كما اعتبر فقه القضاء ان الغلط الواضح لا يشمل الآراء القانونية التي تعتمدها إحدى
دوائر هذه المحكمة ولو لم تكن صائبة في حدّ ذاتها )القرار عدد 226 الصادر بتاريخ
31/3/2005 والقرار عدد 258 الصادر بتاريخ 22/2/2007 والقرار عدد 258 الصادر بتاريخ
.)2009/2/26 بتاريخ الصادر 275 عدد والقرار 2007/2/22. وحيث أن عملية التقدير هي
بطبيعتها عملية إجتهادية تمّر حتما عبر تفسير الإجراء الوارد بنص الفصل 185 ّم م م
ت وتنزيل حكم القانون بشأنه على الأسباب الواقعية التي عرضت على المحكمة وهو ما
يجعل رأي المحكمة عند نظرها في كل ذلك وحتى إذا ما اعتبر هذا الرأي نظريا مخطأ
فإنه يبقى خارج دائرة الخطأ البين وفق المفهوم الذي استقر عليه فقه القضاء كما سلف
بيانه." [62]. فهو لا يشمل الآراء القانونية التي تعتمدها
إحدى دوائر هذه المحكمة ولو لم تكن صائبة في حد ذاتها.[63]
فالدوائر المجتمعة
لمحكمة التعقيب لا تعتبر أن الخطأ في تأويل النصوص ولو كانت واضحة من قبيل الخطأ
البيّن ولو وقع ذلك التأويل فعلا في خطأ واضح وذلك وفاء منها لقاعدة أن الاجتهاد
لا ينقض بمثله مما يعني أن تضارب التأويلات يغلق باب الطعن بالخطأ البيّن على معنى
الحالة الأولى. فهل يجوز اللجوء للحالة الثانية المتعلقة بتطبيق نص سبق تنقيحه بما
صيره غير منطبق؟
إن كل القرارات
التعقيبية التي رفضت قبول الطعن بالتعقيب في قرارات دائرة الاتهام المتعلقة بحرية
الاشخاص شكلا، لم تلتفت إلى التنقيح المدخل على الفصل 85 م ا ج في مارس 2008 كما
أنها تجاهلت تماما مقتضيات الدستور الجديد (بينما كانت القرارات المؤيد لهذا الطعن
مؤسسة عليهما) مما يسمح بالقول أن تلك القرارات طبقت نصوصا سبق تنقيحها بما صيرها
غير منطبقة وخاصة الفصل 85.
لكن هذا الكلام بحد ذاته
هو مجرد اجتهاد تأويلي مما يجعل فكرة اللجوء للطعن بالخطأ البيّن غي مغرية كثيرا
بل هي غير مغرية تماما إذا ما نظرنا إليه من زاوية المظنون فيه الذي سيتواصل
ايقافه لعدة أشهر بانتظار اجتماع الدوائر التعقيبية ونظرها في المطلب.
وبالتالي لا بد من
التفكير بحل أنسب تجيزه النصوص الحالية ويكون حاسما في الخلاف الدائر وهو أن يمارس
الرئيس الأول لمحكمة التعقيب حقه في عقد الدوائر المجتمعة طبق الفصل 275 من م ا ج
للنظر في توحيد الآراء القانونية بين مختلف الدوائر، ولتقول قولها الفصل في هذا
الخلاف الذي نتمنى أن يكون مطابقا لموقفها سنة 1966 ومنسجما مع الوظيفة الدستورية
للقضاء كحام للحقوق والحريات بما يسمح بحدوث ثورة ثانية في مجال أحكام الايقاف
التحفظي.
[1] - قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا". وجاء في الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان مايلي: المادة 1. "يولد جميع الناس أحراراً،"
المادة 3. "لكلِّ فرد الحقُّ في الحياة والحرِّية". فالحرّيّة كانت ولا
تزال من أكثر المفاهيم المثيرة للجدل بوصفها قيمة إنسانيّة سامية، ومفهوم كلّيّ
ينطوي على مزيج من العناصر الأخلاقيّة،
[2] - الفقرة الثالثة من
الفصل 4 من دستور جانفي 2014: " شعار الجمهورية التونسية هو "حرية،
كرامة، عدالة، نظام"".
[3] - أنظر توطئة دستور
2014: "... وتحقيقا لأهداف ثورة الحرية والكرامة،".
[4] - نشر على صفحات هذه
المجلة العدد 160-161 جويلية أوت 2013.
[5] - نشر على صفحات هذه
المجلة العدد 160-161 جويلية أوت 2013. ص
[6] - منشور في مجلة بحوث ودراسات قانونية العدد 12 لسنة
2016 عدد خاص بالقانون الجزائي، جمعية
الحقوقيين بصفاقس. ص358.
[7] - لكن المحكمة وفي
ذات القرار ستقبل دفعا أخر يتعلق بمدة الايقاف التحفظي، انظر موقفها المناقض في
ذات القرار في الفقرة المخصصة لاحقا لقبول الدفع عند الطعن في قرار دائرة الاتهام
برمته.
[8] - غير منشور
[9] - مذكور في م ا ج المعلق عليها من الاستاذ نزار
الكرمي. ص165
[10] _ مذكور في مقال
الاستاذ محمد الهادي الأخوة.
[11] - مذكور في م ا ج المعلق عليها من الاستاذ نزار
الكرمي. ص72
[12] - مذكور في م ا ج المعلق عليها من الاستاذ نزار
الكرمي. ص167
[13] - مذكور في م ا ج المعلق عليها من الاستاذ نزار
الكرمي. ص168
[14] وهو ذات التعليل
الذي اعتمدته محكمة التعقيب بالنسبة لرفض الطعن بالتعقيب في قرار رفض رفع تحجير
السفر إذ جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 45403 بتاريخ 11/11/2016 (مذكور في م ا ج
المعلق عليها من الاستاذ نزار الكرمي. ص168) مايلي: "حيث أن قرار رفع تحجير
السفر يعد من التدابير الاحترازية التي يمكن للدائرة إعادة النظر فيها في كل
الأوقات ولا يمكن بأية حال اعتباره قرار صادر في الأصل. وحيث أن القرار المطعون
فيه تعلق بقرار وقتي في رفض رفع تحجير السفر والحال أنه لا يجوز الطعن بالتعقيب
حسب مقتضيات الفصل 258 من م ا ج إلا في قرارات نهائية لكونها وضعت نهاية للتبع
وأصلية لأنها شملت التهمة موضوع التتبع. وحيث أن التعقيب لا يقوم صحيحا إلا
بالنسبة إلى القرارات النهائية التي بتت في الأصل على معنى الفصل 258 من م إ
ج".
[15] - مذكور في م ا ج المعلق عليها من الاستاذ نزار
الكرمي. ص72
[16] - منشور في مجلة بحوث ودراسات قانونية العدد 12 لسنة
2016 عدد خاص بالقانون الجزائي، جمعية
الحقوقيين بصفاقس. ص424.
[17] - منشور في مجلة بحوث ودراسات قانونية العدد 12 لسنة
2016 عدد خاص بالقانون الجزائي، جمعية
الحقوقيين بصفاقس. ص358.
[18] - منشور في مجلة بحوث ودراسات قانونية العدد 12 لسنة
2016 عدد خاص بالقانون الجزائي، جمعية
الحقوقيين بصفاقس. ص382.
[19] - منشور على موقع
محكمة التعقيب: http://www.cassation.tn/fileadmin/user_upload/80956.pdf
[20] - قرار الدوائر المجتمعة المؤرخ في 4 نوفمبر
2019 والسابق ذكره لم يكن خاصا بالافراج بل تعرض له بالتبعية لابطال قرار دائرة
الاتهام.
[21] - غير منشور
[22] - منشور في مجلة بحوث ودراسات قانونية العدد 12 لسنة
2016 عدد خاص بالقانون الجزائي، جمعية
الحقوقيين بصفاقس. ص444.
[23] - غير منشور
[24] - غير منشور
[25] - حيث كان الدفاع قد
تمسك بأن ايقاف منوبه واصدار بطاقة ايداع جديدة ضده بعد انتهاء فترة الايقاف
التحفظي القصوى المحددة بأربعة عشر شهرا فيه مخالفة للفصول 85 و88 و107 و117 من م
ا ج وبالتالي فهو قرار باطل طبق مقتضيات الفصل 199 م ا ج.
[26] - غير منشور
[27] - غير منشور. و مثله القرار عدد 86586
بتاريخ 09/08/2019 غير منشور أيضا جاء
فيه: "وحيث في
خصوص مطلب الإفراج فانه يتعين التذكير بان فقه قضاء هذه المحكمة اجمع على ان
القرارات الصادرة عن قلم التحقيق أو دائرة الاتهام في الإيقاف أو الإفراج عن
الموقوفين هي قرارات قضائية خاضعة لقواعد قانونية يجب احترامها لصحة القرار تأسيسا
على ذلك فهي قابلة للطعن بطريق التعقيب فتنظر محكمة التعقيب فيها لمراقبة صحة
تطبيق تلك القواعد القانونية الإجرائية التي لها مساس بالنظام العام ومصلحة المتهم
الشرعية ".
[28] - غير منشور
[29] ينص
الفصل 259 م ا ج على ان " القرار الصادر عن دائرة الاتهام والقاضي بإحالة
المتهم على المحكمة الجناحية أو على حاكم الناحية لا يمكن الطعن فيه لدى محكمة
التعقيب إلا إذا بتت الدائرة المذكورة من تلقاء نفسها أو بطلب من الخصوم في مسألة
تتعلق بمرجع النظر أو كان قرارها يتضمن مقتضيات نهائية ليس للمحكمة المحالة عليها
القضية حق تعديلها."
كما
ينص الفصل 260 على انه"لا يجوز للقائم بالحق الشخصي أن يطلب تعقيب القرارات
الصادرة عن دائرة الاتهام إلا إذا طلب تعقيبها ممثل النيابة العمومية."
[30] - وحيث ان ينحصر الاستثناء في منع الطعن بالتعقيب في قرار احالة المتهم على
الدائرة الجناحية او محكمة الناحية.
ثم
استثنى المشرع من ذلك الاستثناء الصورتين اللتين تخولان الطعن بالتعقيب في قرار
الاحالة على الدائرة الجناحية او محكمة الناحية وهما:
·
اذا
بتت الدائرة المذكورة من تلقاء نفسها أو بطلب من الخصوم في مسألة تتعلق بمرجع
النظر.
·
اذا
تضمن قرار دائرة الاتهام لمقتضيات نهائية ليس للمحكمة المحالة عليها القضية حق
تعديلها.
[31] - الفصل 29 (جديد) نقح بمقتضى المرسوم عدد 69 لسنة 2011 المؤرخ في
29 جويلية 2011
[32] - مذكور في م ا ج المعلق عليها من الاستاذ نزار
الكرمي. ص164
[33] - مذكور في م ا ج المعلق عليها من الاستاذ نزار
الكرمي. ص164
[34] - مذكور في م ا ج المعلق عليها من الاستاذ نزار
الكرمي. ص166
[35] - مذكور في م ا ج المعلق عليها من الاستاذ نزار
الكرمي. ص168
[36] - مذكور في م ا ج المعلق عليها من الاستاذ نزار
الكرمي. ص168
[37] - رغم أن المشرع يشير في مجلة الاجراءات
الجزائية للإفراج الحاصل بعد الايقاف التحفظي بكونه "مؤقت" حال أنه رجوع
للأصل إي الحرية التي لا يمكن وصفها بالمؤقتة وقد تجاوز مشروع مجلة الاجراءات
الجزائية هذا الخطأ الجسيم واعتبر أن الايقاف "مؤقت" ولم يقرن الإفراج بأي
وصف على اعتبار أنه يشكل رجوعا للأصل أي للحرية.
[38] - راجع مقالنا حول ثورة الايقاف التحفظي. سبق
ذكره.
[39] - ونصه: "إذا كان
الحكم المستأنف صادرا في الأصل ورأت محكمة الاستئناف أنّ هناك بطلانا في الإجراءات
فإنّها تصحح ذلك البطلان وتحكم في الأصل.
وإذا كان الحكم قابلا
للإبطال فإن محكمة الاستئناف تتعهد بالأصل وتبتّ فيه." فهل يمكن الحديث عن
مفعول تطهيري والمشرع يبيح لمحكمة الدرجة الثانية ان تراقب سلامة الاجراءات برمتها
دون تحديد أو تقييد؟ كما لا بد من الاشارة إلى أن هذا الفصل لم ينقح سابقا أي أنه
وضع حين كان التقاضي في المادة الجنائية على درجة واحدة وزمن كانت الدائرة
الجنائية بمحكمة الاستئناف تتعهد مباشرة بالملف بموجب إحالة من دائرة الاتهام وله
الحق في مراقبة سلامة الاجراءات
برمتها
أي مراقبة قرار دائرة الاتهام وما سبقه (فالعبارة مطلقة وتجري على اطلاقها).
[40] - منشور على موقع
محكمة التعقيب: http://www.cassation.tn/fileadmin/user_upload/75316-17.pdf
[41] القانون عــدد21 لسنة
2008 المؤرخ في 04 مارس 2008 متعلق بوجوب تعليل
قرار التمديد في
الاحتفاظ وقرار الإيقاف
التحفظي:
الفصل الأول ـ أضيفت
إلى آخر الفقرة
الثانية من الفصل
13 مكرر وإلى آخر
الفقرة الرابعة من
الفصل 57 من مجلة الإجراءات
الجزائية العبارة التالية
"ويكون ذلك بمقتضى
قرار معلّل يتضمّن
الأسانيد الواقعية والقانونية
التي تبرّره".
الفصل 2 ـ أضيفت
إلى آخر الفقرة
الثانية من الفصل
85 من مجلة الإجراءات
الجزائية العبارة التالية
: "ويكون قرار الإيقاف
التحفّظي معلّلا يتضمن
الأسانيد الواقعية والقانونية
التي تبرّره".
[42] - قرار تعقيبي جزائي
عدد 23143 و 23142 بتاريخ 04 جوان 2015 (غير منشور).
[43] - محمد الهادي
الأخوة، تخلي محكمة التعقيب عن واجبها في مراقبة شرعية الإيقاف التحفظي وبطاقة
الايداع الناتجة عنه.مجلة الاخبار القانونية عدد 206-207 أكتوبر 2015. ص6.
[44] - قرار تعقيبي جزائي قرار عدد 27215 بتاريخ
27/10/2016 (غير منشور).
[45] - فقد منح الدستور
في الفصل 105 منه للمحاماة صفة المدافع عن الحقوق والحريات إلى جانب منحه للقضاء
صفة الحامي لتلك الحقوق والحريات (الفصلان 49 و102).
[46] - وتتكفل "الهيئات
القضائية" ولم يقل محاكم الأصل وحسب الفصل 115 من الدستور: "يتكون
القضاء العدلي من محكمة تعقيب، ومحاكم درجة ثانية، ومحاكم درجة أولى".
[47] - مجلس حقوق
الإنسان، الدورة الثلاثون، تعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان، المدنية والسياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك الحق في التنمية. تقرير الفريق
العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، مبادئ الأمم المتحدة الأساسية ومبادئها
التوجيهية بشأن سبل الانتصاف والإجراءات المتعلقة بحق كل شخص يُسلب حريته في إقامة
دعوى أمام محكمة. (الوثيقة A/HRC/30/37) بتاريخ 6-7-2015. ص
2.
[48] - محمد الهادي
الأخوة، تخلي محكمة التعقيب... مقال سبق ذكره. ص7.
[49] - بديع بن عباس، الدور
الخلاق للقاضي في المادة الجزائية. مجلة بحوث ودراسات قانونية العدد 12 لسنة
2016 عدد خاص بالقانون الجزائي، جمعية
الحقوقيين بصفاقس. ص282
[50] - على كحلون، الخطأ البين المادة الجزائية.
مجلة الأخبار القانونية لسنة 2012 عدد 128/129 صفحة 24 وما بعدها
[51] - محمد الهادي الأخوة " بين روائح
الياسمين البنفسجي والياسمين الفلي" مجلة الأخبار القانونية لسنة 2012 عدد
136 /137 صفحة 14 وما بعدها وخاصة صفحة 27 وجملة المراجع التي ذكرها في مقاله حول
نطاق تطبيق التأويل الضيق.
[52] - مذكور في م ا ج المعلق عليها من الاستاذ نزار
الكرمي. ص65
[53] - محمد بن حميدة، القرارات القضائية الصادرة عن
قاضي التحقيق. مجلة بحوث ودراسات قانونية العدد 12 لسنة 2016 عدد خاص بالقانون الجزائي، جمعية الحقوقيين
بصفاقس. ص236
[54] - الفصل 15 (جديد) نقح بالقانون عدد 46 لسنة 2005 المؤرخ في
6 جوان 2005 – يبتدئ احتساب تنفيذ عقوبة السجن من تاريخ إيداع المحكوم عليه بموجب
حكم بات لكن إذا سبق الاحتفاظ به أو إيقافه تحفظيا فـإن الـمدة المقضاة بتمامها
تطرح عليه من المدة المحكوم بها إلا إذا نص الحكم على عدم طرحها كلا أو بعضا.
[55] - قانون عدد 94 لسنة 2002 مؤرخ في 29
أكتوبر 2002 يتعلق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم
[56] -
المنصف كشو، القوة القاهرة في الافعات
المدنية والتجارية في زمن الكورونا“كوفيد 19 /. الاتحاد العربي للقضاة:
http://arabunionjudges.org/?p=6281
[57] - قرار تعقیبي جزائي صادر عن الدوائر المجتمعة بعدد 297/2011 مؤرخ في
2011/12/29 .
[58] -
الفصل 49 :" تتكفل الهيئات
القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك".
الفصل 102: "القضاء سلطة مستقلة تضمن
إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات".
[59] - اقرت الدوائر
المجتمعة لمحكمة التعقيب في قرارها عدد 13 المؤرخ في 13 ماي 1988 امكانية الطعن
أمامها للخطأ البين في المادة الجزائية وذلك قياسا على تلك الامكانية في مادة
المرافعات المدنية والتجارية فقد ورد بالقرار المشار اليه: عملا بوحدة القضاء
المدني والجزائي بات من الضروري أن يستنجد بمجلة المرافعات المدنية والتجارية
و ذلك لسد الفراغ الذي حصل بمجلة
الإجراءات الجزائية. و تشكل مجلة المرافعات المدنية والتجارية قانون الحق العام في
مادة الإجراءات لذا يتعين تطبيقها عند معالجة موضوع يهم الدوائر المجتمعة للنظر
فيها. كما جاء بذلك القرار أيضا: أن التنصيص على معنى وإجراءات تصحيح الخطإ البين
ورد بالفصلين 192 و 193 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية دون مجلة الإجراءات
الجزائية التي لم تتعرض لجميع المسائل الممكن اثارتها بمناسبة النظر في القضايا
الجزائية. و لقد انتهت محكمة التعقيب في قرارها المذكور إلى قبول مطلب الخطأ البين
في المادة الجزائية شكلا لكنها رفضته موضوعا غير انها سرعان ما تراجعت عن هذا
القرار لتصدر قرارا آخر مغايرا لهذا تماما في قرار تعقيبي جزائي صادر عن دوائرها المجتمعة
تحت عدد 70 بتاريــخ 26 ديسمبر 1996 : ان الطعن بالخطأ البين طريقة قصرها المشرع
على المادة المدنية اذ خصّها بثلاث حالات أوردها على سبيل الحصر بمجلة المرافعات
المدنية والتجارية وذلك دون المادة الجزائية فلم يورد صلب مجلة الإجراءات الجزائية
نظيرا لتلك الحالات ولا لغيرها بما ينتفي معه سند الطعن بالخطأ البين في القرارات
الصادرة في المادة الجزائية. و لقد انتهت محكمة التعقيب هنا إلى رفض مطلب التعقيب
شكلا بناء على عدم وجود نص بمجلة الإجراءات الجزائية يخول الطعن بالتعقيب امام
الدوائر المجتمعة للخطأ البين ولان الطعن المرفوع من المحامي المعقب في حق منوبه
لا يندرج ضمن الحالات الواردة حصرا بالفصل 192 من مجلة المرافعات المدنية
والتجارية. كما ذهبت محكمة التعقيب الى المنحى نفسه في قرارها عدد 89 الصادر
بتاريخ 01 جوان 2000 الذي جاء به: - ان الطعن بالخطأ البين الوارد بالفصلين 192 و
193 من م م م ت هو اجراء يهم اختصاص محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة و ليس قاعدة
عامة اجرائية و تحجر استعارته و الاخذ به في مادة الاجراءات الجزائية طالما انتفت
" الاحالة الصريحة" و " الصبغة العامة " لهذا الاجراء
[60] - قرار منشور بقرارات الدوائر
المجتمعة لمحكمة التعقيب، سنتي 2001-2002، مركز الدراسات القانونية والقضائية،
تونس 2003، ص 45.
[61] - قرار تعقيبي مدني عدد 71 مؤرخ في 26/12/1996 صادر عن
الدوائر المجتمعة : مجموعة قرارات محكمة التعقيب ـ الدوائر المجتمعـة 1996-1997 ص
59. ومثله القراران عدد 72 و77 بنفس التاريخ. وبينت في قرار أخر أن: "
"صور الخطإ التي بينها المشرع على سبيل الحصر
بالفصل 192 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية وجعل من بينها الغلط الواضح
المتمثل في الاخطاء المادية الناتجة عن السهو أو الغفلة، وعليه فإن الاجتهاد في
فهم وتطبيق نص قانوني معين وان كان منشؤه رأيا انفراديا فإنه لا يعني الغلط الواضح
بالمفهوم الذي يجيز الطعن بالخطإ البين. ان عدم الادلاء بعلامة البلوغ خلال الأجل
القانوني المحدد بالفصل 185 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية يجعل اجراءات
التبليغ مشوبة بالاخلال لعدم حصول النتيجة المرجوة منها بحسب أحكام الفصل 9 من
مجلة المرافعات المدنية والتجارية" قرار تعقيبي مدني عدد 80 صادر بتاريخ 15
ماي 1997: مجموعة قرارات ، 1996-1997 ص 76.
[62] - قرار تعقيبي عــ305ـــدد 2012/12/27 : غير
منشور
[63] - القرار التعقيبي عــ334ـــدد تــاريخـه 2015/01/08 غير منشور
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق