2014/10/15

الاختصاص الحكمي في دعوى رفع المضرة حسب فقه قضاء محكمة التعقيب

الاختصاص الحكمي في دعوى رفع المضرة

حسب فقه قضاء محكمة التعقيب 

محمود داوود يعقوب

محام واستاذ جامعي

إن دعوى رفع المضرة هي من الدعاوى الشخصية كما ورد تعريفها بالفصل 20 م.م.م.ت الذي ينصّ على أنه "توصف بدعاوى شخصية الدعاوى المبينة على التزام شخصي مصدره القانون أو العقد أو شبه العقد أو الجنحة أو شبه الجنحة ". ذلك أنها  تستند إلى احكام الفصل 99 م.ا.ع المتعلق بمضار الجوار أو يقع تبرير دعوى رفع المضرّة بالرجوع كذلك إلى المبادئ العامّة للمسؤولية التقصيرية المؤسسة على الفصلين 82 و83 م.إ.ع[1]، كلّما توفر في جانب المطلوب خطأ تقصيري يتمثل في إخلاله بالتزام قانوني كعدم احترام المسافات القانونية المنصوص عليها بالفصل 174 م.ح.ع أو عدم احترام موجبات الفصل 21 م.ح.ع من أنه : يراعي (المالك) في استعمال حقه ما تقتضيه النصوص التشريعية المتعلقة بالمصلحة العامّة أو بالمصلحة الخاصة. فالفصول 82 و83 و99 وردت ضمن الباب الثالث من مجلّة الالتزامات والعقود تحت عنوان: "في الالتزامات الناشئة مع الجنح وما ينزل منزلتها" أي المسؤولية التقصيرية. من هذا المنطلق اعتبرت محكمة التعقيب أنّ "... حجب النور والشمس هو من قبيل الضرر والأذى الذي يدخل تحت طائلة أحكام الفصل 99 م ا ع..."[2] فإذا كان الغير يمارس حقه الملكي دون اعتداء على حق جاره فإنّه ينبغي القيام من أجل رفع مضرة[3]. فهذه الدعوى تهدف إلى حماية راحة وصحّة الأشخاص من الأضرار، أي أنّها تحمي الأشخاص. إذ أنه يكفي أن يكون الضرر غير مألوف للقيام بدعوى رفع المضرّة لإزالة الضرر الذي يقع دائما دون وجود نية ترمي إلى الاستيلاء على الحوز.

واعتمادا على ما سبق فقد رأت محكمة التعقيب أن " حجب النور والتهوية والرؤية أمور غير قابلة للتقدير وبذلك فهي من اختصاص المحكمة الابتدائية"[4] ورأت في قرار آخر أن الدعوى " في رفع مضرة......غير قابلة للتقدير ما دامت المضرة تتمثل في الكشف على ملك الجار مما يجعل الدعوى راجعة بالنظر حكميا الى المحكمة الابتدائية عملا بأحكام الفصلين 21 و22 م م م ت وقد ببرت فيه المحكمة موقفها بأن المبلغ المقدر لرفع المضرة هنا له صبغة " تغريمية لإزالة أسباب المضرة " وليست تعويضية " وهو " أثر من آثار الدعوى وليس بفرع منها مستقل بذاته مما يجعله يتبع الدعوى الأصلية من حيث الاختصاص الحكمي."[5]

إن موقف فقه القضاء المذكور قد تأيد بقرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب التي جاء في قرار أول لها أن " الدعوى المقامة على أساس المسؤولية الناجمة من الاخلال بالتزامات الجوار التي مصدرها القانون من قبيل الدعاوى الشخصية وطبيعة التعويض المطالب به بما ينطوي عليه من الزام بإتيان عمل مادي يتمثل في إزالة سبب الكشف يصير موضوع الدعوى غير قابل للتقدير وبالتــــالي راجعا بالنـــظر حكـــميا للمحكمة الابتــــدائية طـــبق أحـــكام الفـــصل 22 م م م ت"[6]

وما يلفت الانتباه في هذا القرار هو ملحوظات السيد المدعي العام[7] الذي عاب على محكمة الاحالة استنادها على تقدير الاختبار للخسائر المتأتية من رفع المضرة لتأكيد اختصاص حاكم الناحية في النظر في مثل هذه الدعاوي إذ اعتبر ذلك مخالفا " لروح النص إذ لو وقع تطبيقه لاختصت محاكم النواحي في غلق مصانع بمجرد إزالة خيط كهربائي لا يكلف شيئا عند قطعه"[8] ورأى من ناحية أخرى أن المضرة المتعلقة بإحداث مطلات بأرض الغير والكشف عن عقار الجار مضرة " معنوية " لتعلقها بالحق في نور الشمس والضوء والهواء وحقوق كل من الجارين وان الدعوى التي تكون " غير قابلة للتقدير كالدعاوى بمزايا أو منافع تحول طبيعتها دون تقدير قيمة نقدية لها كالطلبات المتعلقة بتنفيذ التزام بامتناع عن عمل مثل سدم نافذة "[9] والتي لها جانب " اعتباري " " غير محسوس شأنها في ذلك شأن الحق من جهة كونه شعورا مستقرا في النفس لا يرقى الى مستوى التجسيم حتى يكون قابلا للتعبير تقديرا كنحو الحقوق الشخصية والملكية وغيرهما"[10]. وقد ختم ملحوظاته بضرورة التمييز بين المضرة كأساس أصلي للدعوى وبين طلب رفعها من جهة أخرى والذي يقبل التقدير ولكنه لا يعدو أن يكون فرعا من فروعها وأضاف أنه طالما أن العبرة في تحديد مرجع النظر بأصل الطلب لا فيما اتصل به وتولد عنه من فروع فإن قابلية الفرع المتعلق برفع المضرة للتقدير لا يمكن أن ينسحب على " دعوى المضرة " التي لا يمكن الاستجابة لطلب رفعها إلا عقب التحقق من وجودها وثبوتها بصورة يقينية. من ذلك فإنه يمكن أن نلاحظ أن اعتبار دعوى رفع المضرة دعوى قابلة للتقدير يرجع أساسا إلى خلط بين الطلب الأصلي المتمثل في رفع المضرة وبين كيفية رفعها والذي يعد من قبيل الآثار المترتبة عن الدعوى والتي لا يتحقق منه القاضي إلا بعد أن يتعهد بالموضوع ( وهو أمر يخل بمبادئ الاجراءات والاختصاص الحكمي ومن شأنه أن يساهم في بطء اجراءات التقاضي وتعقيدها).

وبذلك فإن الاختصاص بالنسبة لدعاوى رفع المضرة يرجع إلى المحكمة الابتدائية وهو ما أكدته محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة في قرار آخر لها[11]. وعموما يمكن القول أن فقه قضاء محكمة التعقيب مستقر على هذا التوجه من ذلك مثلا:

-         إن الدعوى في رفع مضرة هي من اختصاص المحكمة الابتدائية وحدها باعتبارها دعوى غير مقدرة عملا بالفصل 22 من م.م.م.ت و المطالبة بإزالة ذلك الضرر و لو وقع تقديره من قبل خبير امام محكمة الناحية لا يستقيم قانونا لكون هذا المطلب لا يندرج ضمن الدعاوى الحوزية على معنى الفصل 54 من م.م.م.ت لان القائم بها لم يطلب استرجاع الحوز أو استبقائه.[12]

-         إن طلب رفع المضرة الحاصلة لهما من جراء إقامتهما لباب الممر المدعي عليه من قبيل الدعاوي غيرالمقدرة القيمة وأن النظر فيها يكون من طرف المحكمة الابتدائية وحدها تطبيقا لأحكام الفصل 23 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية[13].

-         1) إذا كانت الدعوى تهدف إلى طلب رفع مضرة فهي من قبيل الدعاوي غير المعينة القيمة والتي لا يمكن تعيينها وتكون بذلك المحكمة المختصة بالنظر في المحكمة الابتدائية وحدها وفقا لأحكام الفصل 22 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية. 2) مرجع النظر الحكمي يهم النظام العام ويجب على المحكمة التمسك به تلقائيا دون التوقف على إثارته من أحد الخصوم حسبما يستفاد من أحكام الفصلين الثالث والسابع عشر من نفس المجلة[14].



[1] Slaheddine Mellouli : Les troubles anormaux du voisinage entre la loi et la jurisprudence,  RTD 1984, p 192.

[2]  قرار تعقيبي مدني عدد 61438.2011 مؤرخ في 17 ماي 2012 (غير منشور)

[3] قرار تعقيبي مدني عدد 11177 مؤرّخ في 30 أفريل 1985 نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني  1986 جزء I ص147.

[4]  قرار تعقيبي عدد 62673 مؤرخ في 19 جانفي 1998 نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني  ج II 1998 ص 354.

[5]  قرار تعقيبي عدد 99. 76802 مؤرخ في 29/5/2000 غير منشور.

[6]  قرار تعقيبي مدني ( دوائر مجتمعة ) عدد 59177 مؤرخ في 21 أكتوبر 1999 : قرار الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 1998-1999 ص9.

[7]  قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 1998-1999 ص 18 وما بعدها.

[8]  ملحوظات السيد المدعي العام ص 19 المرجع سابق الذكر.

[9]  ملحوظات السيد المدعي العام ص 24 المرجع سابق الذكر.

[10]  ملحوظات السيد المدعي العام ص 25 المرجع سابق الذكر.

[11]  انظر قرار تعقيبي عدد 59178 مؤرخ في 21 أكتوبر 1999 ( دوائر مجتمعة ) : قرارات الدوائر المجتمعة لمحـــكمة التعقيب 1998 – 1999 ص 29 وما بعدها.

[12]  تعقيبي مدني  عدد 56940 مؤرخ فى  05/03/1997. نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني عدد 1 ، 1997.

[13]  تعقيبي مدني  عدد 42495 مؤرخ فى  26/10/1996. نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني عدد 1 ، 1996.

[14]  تعقيبي مدني  عدد 40195 مؤرخ فى  18/04/1996. نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني عدد 1 ، 1996.

ليست هناك تعليقات: