2014/10/26

القرار التعقيبي عدد 26950 المؤرخ في 30/6/2009 حول التوارث بين ملتين و اخذ بالمنع فيه


القرار التعقيبي عدد 26950 المؤرخ في 30/6/2009 و الذي تناول التوارث بين ملتين و اخذ بالموانع فيه و من حيثياته : '

و حيث لئن نص الفصل 88 م اش " القتل العمد من موانع الارث فلا يرث القاتل سواء كان فاعلا اصليا ام شريكا أو كان شاهد زور ادت شهادته إلى الحكم بالاعدام و تنفيذه " فقد اقتضى الفصل 532 م اع ان " نص القانون لا يحتمل إلا المعنى الذي تقتضيه عبارته بحسب وضع اللغة وعرف الاستعمال و مراد واضع القانون ".

و حيث اعتبارا لوضع اللغة التي نص عليه الفصل 532 م ا ع فان عبارة " من " انما هي " من " التبعيضية اي أنها اداة بعض من كل و جزء من مجموع ولم ترد مثلما نحاه المعقبون للعطف الاستطرادي على الموانع الاخرى الواردة بالفصول 85 و 86 و 152 م ا ش ذلك انه لا يمكن أن يتصور لغة أن يكون المعطوف سابقا للمعطوف عليه اي أن الفصل 88 جاء عطفا على الفصل 152 م اش الذي تحدث عن الزنا كمانع للارث هذا من جهة و من اخرى فان ورود عبارة " من " بعد عبارة " القتل العمد " تؤكد أنها اداة يراد بها التبعيض وليس التبيين و التاكيد اذ أن ذلك تضمنه التفسير والثبيت الذي جاء بهما بقية سرد الفصل ذاته " فلا يرث القاتل سواء كان فاعلا...."

و حيث و ترتيبا على ذلك و سواء قرئ الفصل 88 ضمن مجموع المجلة ام بصفة مفردة فان القول بان المشرع اتي بموانع اربعة للارث مسقطا بقية الموانع التي جاء بها الفقه الاسلامي إنما هو قول مردود ضرورة أن احكام مجلة الاحوال الشخصية مستمدة اساسا من الفقة الاسلامي و تقوم احكام المواريث خير دليل على ذلك بل و من التنقيحات التي وردت بها و التي تتجلى في ظاهرها حديثة إنما تجد تأسيسا لها و مرجعا لقيامها في المذاهب الفقهية وعليه فان الفصل الأول من الدستور الذي نص على أن دين الدولة هو الاسلام إنما هو نبراس في هرم القوانين حسم به المشرع بان الاسلام احد اهم دعائم هذا المجتمع و أن مجلة الاحوال الشخصية كانت مستمدة برمتها يوم صدروها من قواعد الفقه الاسلامي و ذلك عبر لائحة الشيخ جعيط بحيث لا تتعارض مع القران أو تتناقض مع السنة قولا أو عملا أو تقريرا و لا تنكر للاجتهاد موقعه فيها طالما كان مؤسسا فقهيا ويجد له تفسيرا وتاويلا بالرجوع إلى مصادر الفقه.

و حيث يتجلى ذلك واضحا من خلال البيان الصادر عن وزارة العدل في 3 اوت 1956 و الذي جاء فيه " اهملنا ذكر الفروع و الجزئيات وتركناها لاجتهاد القاضي ياخذها من المراجع والامهات عند الاقتضاء " وهو ايحاء بعدم القطع مع الفقه الاسلامي و أن الظرف الزمني اي سنوات الخمسينات يبرر هذا التلميح من حيث مرجعية القانون و عدم ذكر اختلاف الدين كمانع من موانع الارث بالنظر إلى أن المجتمع كان بصدد تأسيس دولة فتية لازالت تلملم حالة ما تحت الاستعمار المختلف في ملته عن ملة مجتمعنا و الذي يناى بالدخول في مواجهة جديدة مع المستعمر تفسر بانه قطع معه جذريا كل ذلك في اطار دولة لم تقطع مع هويتها الاسلامية و هو ما يتضح جليا من تقديم السيد وزير العدل للمجلة سنة 1956 والذي اوضح فيه " أن تشريعنا الذي يستمد روحه من التشريع الاسلامي سوف يقيم الدليل الواضح... ".

وحيث يتحصحص والحالة تلك وان المشرع وان لم يذكر صراحة اختلاف الملة كمانع من موانع الارث فلئن تشريعه صدر في ظرف زمني معين و شمله باداة تبعيضية في السرد تجعل القاضي يرجع إلى امهات التشريع ثم أن المشرع يحمل على الفطنة و الذكاء و ليس على الغفلة والغباء عندما ذكر تصريحا اربعة موانع من سبعة و التي تختصر بعبارة " عش لك رزق " اذ اورد عدم الاستهلال والشك فيمن مات اولا و الزنا والقتل ملمحا إلى الموانع الاخرى و المتمثلة في اللعان و الكفر والرق من خلال عبارة " من " التي وردت بالفصل 88 م ا ش اذ لو طرحت اشكالية اللعان من جديد أو مسالة الرق مجددا لوجد القاضي مرجعه في الفصل المذكور الذي يحيله إلى الفقه الاسلامي كما في دعوى الحال و بالتالي فان عدم ذكر تلك الموانع صراحة لا يدل على عدم وجودها من حيث الطرح النظري أو اسقاطها أو اقصاءها من طرف المشرع اذ لو انصرفت ارادة المشرع إلى ما ذهب إليه المعقبون لعدد المشرع الموانع الاربعة حصرا وكفى النقاش برهانه.

و حيث من جهة اخرى فان ما ذهب إليه المعقبون من كون " الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه و سلم " لا يرث المسلم الكافر و لا الكافر المسلم " غير متفق عليه في كامل مصادر الحديث و أن هناك خلاف بين الفقهاء في مدلول الكافر الذي لا يرث و لا يورث و من الفقهاء من يرى أن المقصود بالكافر هو المجوسي المشرك اما اهل الكتاب من اليهودية والنصرانية فانهم غير معنيين بهذا المنع لانهم لا ينكرون وجود الله ' إنما هو قول مردود فقها و شرعا ولغة واصطلاحا ضرورة أن كل مصادر الحديث دون استثناء اجمعت على صحة هذا الحديث و منهم بالخصوص البخاري ومسلم و ابن ماجة و ابو داود و الدارقطني والبيهقي اذ أن جميعهم اتفقوا على صحته ومن ثمة قامت القاعدة الفقهية " لا توارث بين ملتين " هذا من جهة و من اخرى فان القول بان هناك خلاف في مدلول الكافر إنما هو قول مجانب للصواب اذ أن مدلول الكافر لا ينصرف إلى الكتابي الذي ظل متمسكا بدينه الصحيح قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فان ذلك لا يعد كافرا اما الكتابي الذي ادرك بعثة النبي صلى الله عليه و سلم فانه لا يقبل منه غير الاسلام فان لم يصدق بالنبي صلى الله عليه و سلم فانه يعتبر كافرا . قال الله تعالي " و من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الاخرة من الخاسرين" ( ال عمران .85 ) .و قال " قل يا اهل الكتاب لم تكفرون بايات الله والله شهيد على ما تعملون "( ال عمران 98 ) . و قال " لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تاتيهم البينة" ( البينة 1 ) .

و حيث و من جهة اخرى فان القول بانه من غير العدل حرمان التوارث بين الزوجين أو بين الزوجين والابناء مع تكاثر زواج المسلمين بالكتابيات من اليهودية والنصرانية وهوجائز شرعا بصريح القران إنما هو قول يخلط بين مؤسستين مختلفتين اذ لا يمكن الربط بين الزواج والتوارث ذاك أن الشارع اراد من زواج المسلم من الكتابية الترغيب في الاسلام و الانضمام إليه بمبرر أن الزوج المسلم لا محالة مؤثر في العلاقة الزوجية و هو قوام على اسرته و بالتالي فان من المحتمل غالبا أن تتبع زوجته الكتابية ملته في حين أن التوارث إنما يتاسس على الولاية و النصرة وان ذلك لا يتحقق مع اختلاف العقيدة .و هو ما ينسحب ردا على ما اثارته النيابة العمومية ضمن طلباتها من كون ذلك " يتعارض مع المبادئ العامة للحريات الاساسية والمساواة التي كرستها المعاهدات الدولية التي تنادي بنبذ التمييز المبني على أساس العرق واللون و الجنس والدين " اذ ليس في الاخذ بقاعدة " لا توراث بين ملتين " اي تعارض مع مبدا المساواة سيما وان الحديث الشريف جاء ناصا على أن "لا يرث المسلم الكافر و لا الكافر المسلم " بمعنى أن الحرمان انصرف للملتين وليس لواحدة فقط حتى يقال أن هناك تمييز بين مسلم وكافر اذ فيما حرم الكافر من تركة المسلم فانه حرم المسلم ايضا من تركة الكافر مستندا إلى مبدا المعاملة بالمثل من حيث الاساس اولا والتصرف ثانيا و عليه فلا مجال للقول بان هناك تمييز اساسه الدين اذ أن التمييز يفترض الفوقية والدونية في حين أن هذه القاعدة تملي بالمساواة و التوازي هذا فضلا على أن قول كهذا يجعله مؤدي إلى انفساخ الهوية الاسلامية التي ارادها المشرع من خلال مصادره و قوانينه اذ يصبح النظر إلى قواعد المواريث الذي اتت بها مجلة الاحوال الشخصية من فرض و حجب و تعصيب و قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين كلها مخالفة لمبدا المساواة في الجنس و يصبح مبدا المحافظة على السيادة في منع الاحنبي من التملك بالبلاد التونسية إلا برخصة مخالفة لمبدا المساواة في العرق ...و غيرها من الحالات عديد.

و حيث تعين والحالة تلك رد هذين المأخذين لعدم وجاهتهما.

ليست هناك تعليقات: