2013/04/05

مدة الإيقاف التحفظي:... مسألة قانون وليست وجهة نظر


الأستاذ: محمود داوود يعقوب
المستشار القانوني لجمعية الفصل العاشر
تداولت بعض وسائل الإعلام منذ أيام خبرا مفاده أن السيد وزير العدل أستاذي الفاضل نذير بن عمو، أعطى تعليماته خلال أول اجتماع له بإطارات قضائية للوكلاء العاميين لمحاكم الاستئناف بكامل تراب الجمهورية بضرورة الاضطلاع بصلاحياتهم المكفولة لهم قانونا و ذلك باتخاذ الإجراءات اللازمة لإخلاء سبيل كل موقوف تجاوز الأربعة عشر شهرا. وقد استبشر كثير من الحقوقيين والمواطنين بهذا الخبر، خاصة وأن وزارة العدل سبق لها أن أعلنت في عدة مناسبات أن أقصى مدة الإيقاف هي أربعة عشر شهرا، وأي تمادي في الإيقاف بعد ذلك هو جريمة،إلا أن نفس الوزارة اختارت ان تنفي الخبر على صفحتها في الفيس بوك وليس على موقعها الرسمي أو ببلاغ في الصحف، فنشرت التوضيح التالي:" تبعـا لما يروج من أخبار حول اتخاذ وزير العدل قرارا يتم بمقتضاه مراجعة تجاوز مدة الإيقاف التحفظي لبعض السجناء يهم وزارة العدل أن توضّح أنّ هذا الخبر ليس له أيّ أساس من الصحّة وتؤكّد أنّ وزير العدل الأستاذ نذير بن عمّو لم يتطرق خلال اجتماعه بمختلف المسؤولين عن المصالح الراجعة بالنظر إلى الوزارة إلى هذه المسألة. وتوضح الوزارة أنّ هذا الأمر من اختصاص القضاة المتعهّدين بالملفات دون غيرهم." والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا هذا النفي والتوضيح؟ هل هو رد متأخر على ما نشرته بعض المواقع الإخبارية الإلكترونية؟ أم أنه رد عاجل على مطالب إخلاء السبيل التي قدمت إلى الوكلاء العامين؟ العلم عند الله، ثم عند وزارة العدل. لنترك التخمين ونمر إلى اليقين: هل كانت هناك حاجة لنفي خبر يقول إن السيد الوزير حثٌ الوكلاء العامين على تطبيق القانون؟ أي هل كانت هناك حاجة لنفي خبر هو من طبيعة الأشياء؟ 
مما لاشك فيه أن سلب الحرية يعتبر من أخطر الإجراءات السابقة على صدور الحكم القضائي البات، فهو يؤدي إلى إيذاء الفرد في سمعته ومصالحه وأسرته، فيعرض سمعة المتهم للتشويه، ولمعاناة مادية ومعنوية على جميع المستويات، (العائلية والمهنية والاجتماعية). كما أنه يتنافى مع قرينة براءة المتهم التي ينبغي أن يستفيد منها طالما لم يصدر في حقه حكم قضائي بات بالإدانة. فإيداع إنسان بالسجن قبل ثبوت الإدانة عمل خطير يقوى الشكوك ويضعف قرينة البراءة ويسلب الإنسان أهم حقوقه وهو الحرية. لكن للآسف فإن بعض التشريعات تعتبر أن الإيداع في السجن هو الحل الوحيد لمنع فرار المتهم أو قيامه بطمس أدلة الجريمة وإعدامها لذلك ركزت اهتممها على ما يحقق عقاب الجاني دون الالتفات إلى حقوقه كإنسان. وفي محاولة للموازنة بين الأمرين (أي الحرية وضمان عدم الإفلات من العقاب) سعت التشريعات نحو حصر الحالات التي يجوز فيها سلب حرية متهم، وضبط مدة قصوى لذلك هي ستة أيام في حالة الاحتفاظ، أما في حالة الإيقاف التحفظي فالمدة القصوى هي 9 أشهر في الجنحة و14 شهرا في الجناية. والقول بأنها مدة قصوى يجد مبررا مبدئيا فيما استهلت مجلة الإجراءات الجزائية به أحكام الإيقاف التحفظي وهو المبدأ الذي نصّ عليه الفصل 84 منها: " الإيقاف التحفظي وسيلة استثنائية" وهذا يفيد أن السراح هو الأصل بالنسبة للمتهم والإيقاف هو الاستثناء. فقرار إيقاف المتهم تحفظيا وإيداعه بالسجن قرار خطير لأنه يسمح بإيداع شخص يفترض أنه بريء (وتبقى البراءة مفترضة فيه إلى حين صدور حكم بات) في السجن لذلك أوجب المشرع إلى جانب الشروط (التي سنتركها لوقت لاحق) مدة قصوى قانونية لا بد من احترامها.

فما هي هذه مدة القصوى القانونية للإيقاف التحفظي؟

لم يكن إيقاف المتهم تحفظيا محدد المدة قبل صدور القانون عدد 70 المؤرخ في 26 نوفمبر 1987 الذي ضبط لأول مرة مدة الإيقاف التحفظي بستة أشهر مع إمكانية التمديد فيها مرة واحدة بالنسبة للجنحة ومرتين بالنسبة للجناية على أن لا يتجاوز كل تمديد ستة أشهر. ثم وبمقتضى القانون عدد 114 المؤرخ في 22 نوفمبر 1993 تم التخفيض في مدة الإيقاف التحفظي عند التمديد فيه وذلك بجعل تمديد فترة الإيقاف بالنسبة للجنحة مرة واحدة بثلاثة أشهر وبجعل التمديد في فترة الإيقاف بالنسبة للجناية مرتين لا تزيد كل واحدة عن أربعة أشهر.
وأنا هنا أميل إلى الرأي القائل بأن المشرع لم يغفل قبل سنة 1987 عن تحديد مدّة الإيقاف عن سهو بل إنه ما كان له أن يحدّدها طالما أنه ضبط شروطا للإيقاف المتهم وإيداعه بالسجن فإنه يعتبر أن مدة الإيقاف يمكن أن تمتدّ حتى آخر المحاكمة ما لم يتّخذ القضاة قرارا في الإفراج المؤقت من تلقاء أنفسهم أو بطلب من المتهم أو من محاميه فالمتهم الذي توفرت فيه شروط الإيقاف والإيداع في السجن يستحق البقاء بحالة إيقاف طيلة المدة اللازمة لإصدار الحكم ولكن المشرع عندما ضبط أقصى مدة الإيقاف فإنه تخلى عن هذا التوجه وأحل محله أقصى مدة الإيقاف وهي 9 أشهر في الجنح و14 شهرا في الجنايات لتنطبق على كامل مرحلة التحقيق بكل درجاته وكذلك مرحلة المحاكمة والقول بغير ذلك سيجعل تحديد المدة من قبيل اللغو فما أراد المشرع الوصول إليه سيذهب أدراج الرياح إذا قلنا ان أقصى مدة الإيقاف يهم قاضي التحقيق دون دائرة الاتهام والمحكمة. وهذا ما ذهب اليه الفقه، وأكدته الأعمال التحضيرية لقانون ديسمبر 2008، وانتهت اليه محكمة التعقيب.

     I.            موقف الفقه:

إن اعتبار مدة الإيقاف شاملة لكل مراحل التحقيق والمحاكمة (طالما لم يصدر حكم نافذ بالسجن) هو موقف أكده قضاة أفاضل من خيرة ما أنجبت تونس عند تعريفهم للإيقاف التحفظي، فهم أجمعوا على أن الإيقاف التحفظي يشمل مدّة التحقيق كاملة ونشر القضية أمام المحكمة إلى صدور حكم نافذ فيها.
فالإيقاف التحفظي حسب السيد الذهبي العباسي هو: " أمر يصدر بإلقاء القبض على المتهم ووضعه في السجن احتياطيا إلى أن يصدر حكم المحكمة بالتهمة أو يقع الإفراج عنه قبل ذلك " (1)
كما أكد السيد محمد الحبيب بودن: " أن الإيقاف التحفظي في التشريع التونسي يطلق على حرمان المظنون فيه من حريته في فترة البحث بداية من زمن توجيه التهمة عليه إلى تاريخ الحكم مهما كانت صفة البحث". (2)
بينما يرى السيد الطاهر المنتصر أن البطاقة الأشدّ خطرا وأقوى تأثيرا فهي بطاقة الإيداع التي يصدرها المحقّق إثر استنطاق المظنون فيه بوضعه في السجن احتياطيا إلى أن يصدر حكم المحكمة أو يفرج عنه من طرفه قبل ذلك عند توفر عناصر جديدة لديه" (3)
أما الإيقاف التحفظي حسب السيد الهادي سعيّد فهو: "الإقامة بالسجن بمقتضى بطاقة إيداع قضائية وبعبارة أخرى هو حبس المتهم بمحل إيقاف طيلة المدّة التي تمتدّ من بداية البحث الأولى إلى صدور الحكم أو خلال جزء منها"(4).
ويستخلص مما سبق أن هناك إجماع بين من تناول مسألة الإيقاف التحفظي بالدراسة على شمولية مدة الإيقاف لكامل أطوار التحقيق والمحاكمة، لكن إهمال الالتزام بأقصى مدة الإيقاف التحفظي من قبل دائرة الاتهام ثم المحكمة هو بمثابة جريان العمل الثابت على الرغم من أنه مخالف للنظام العام وقواعد الإجراءات الأساسية ومصلحة المتهم الشرعية ويتعين تجاوزه وهجره واعتبار مدة الإيقاف القصوى ملزمة لكل الجهات القضائية مالم يصدر حكم بالسجن مع التنفيذ الوقتي. فوجود قواعد الإيقاف التحفظي في الباب المخصص للتحقيق من مجلة الإجراءات الجزائية لا يفيد بحال أن التحقيق وحده هو المعني بهذه القواعد، إذ يمكن هنا إعطاء خمس مبررات على الأقل للقول بأن مدة الإيقاف القصوى تشمل كامل أعمال التحقيق والمحاكمة:
1)   المبرر الأول مستمد من الحالات التي يجوز فيها الإيقاف أصلا وهما حالتي التلبس أو توفر قرائن قوية، فكلا الحالتين لا تستوجب عادة أعمال تحقيق ومحاكمة تستغرق زمنا كبيرا، فالإيقاف التحفظي لا يكون إلا في حالة جريمة شبه ثابتة إما بالتلبس أو بالقرائن وهنا لا يعقل ان تطول الأبحاث والمحاكمة لأكثر من 9 اشهر في الجنحة و14 شهرا في الجناية. وللتوضيح فإن الحديث عن المحاكمة يتعلق بالطور الابتدائي فقط إذ بإمكان محكمة البداية ان تحكم بالسجن مع التنفيذ الوقتي (الفصل 173 من م ا ج).
2)   أما المبرر الثاني مستمد من الطابع الاستثنائي لأحكام الإيقاف ويفترض أن الاستثناء يؤول تأويلا ضيقا ولا يجوز التوسع فيه.
3)   المبرر الثالث فهو أن أحكام الفقرتين الأولى والثانية من الفصل 85 م ا ج لا يوجد فيهما ما يفيد أنهما خاصين بقاضي التحقيق فعباراتهما وردت عامة وتشمل كل الجهات المخول لها إصدار قرار إيقاف تحفظي، بينما جاءت الفقرة الثالثة المتعلقة بالتمديد خاصة بقاضي التحقيق والقراءة السليمة للنصوص تعني أمرا واحدا وهو أن قاضي التحقيق دون سواه هو من له الحق في تمديد قرار الإيقاف بينما بقية الجهات حدها الأقصى هو ستة أشهر، وهذا ما يفسر أحكام الفقرة الثانية من الفصل 107 مجلة إجراءات جزائية التي أبقت قاضي التحقيق صاحب نظر في مآل بطاقة الإيداع حتى بعد إحالة الملف لدائرة الاتهام.
4)   أما المبرر الرابع فهو مستمد من حق كل متهم في المحاكمة خلال مدة معقولة، وهو بمثابة المبدأ العام المكرس في عدة مواثيق دولية وإقليمية واعتقد ان مدة 9 اشهر في الجنحة و14 شهرا في الجناية هي مدة تتجاوز بطبيعتها المدة المعقولة وبحاجة أصلا لتخفيض وبالتالي لا يجوز تجاوزها إطلاقا، فالعدالة البطيئة ظلم للمتهم وللضحية. إذ انه كلما طالت مدة الإيقاف كلما تأكلت قرينة البراءة، وحتى يمكن القول انه يتعذر على القضاء (وهو أمر ثابت في الواقع) ان يصدر حكما بالبراءة على شخص أوقف مدة تتجاوز السنة أو سنتين أو ربما أكثر.
5)   والمبرر الخامس مستمد من أحكام الفقرة الجديدة قبل الفقرة الأخيرة المضافة إلى الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية بالقانون 75/2008 وهي الفقرة محل الاختلاف في الاجتهاد رغم ان الأعمال التحضيرية التي هي المرجع الوحيد عند غموض النص أو الاختلاف في تأويله، تضمنت نية المشرع الواضحة التي لا لبس فيها.

 II.            نية المشرع:

تنص الفقرة قبل الأخيرة من الفصل 85 م ا ج على أنه: "ولا يمكن أن يترتب عن قرار دائرة الاتهام بإحالة الملف إلى قاضي التحقيق لمواصلة بعض الأعمال التي تقتضيها تهيئة القضية للفصل تجاوز المدّة القصوى للإيقاف التحفظي للمتهم الذي يتحتم في هذه الحالة على قاضي التحقيق أو دائرة الاتهام حسب الأحوال الإذن بالإفراج عنه مؤقتا دون أن يمنع ذلك من اتخاذ التدابير اللازمة بضمان حضوره".
إذا أكّد المشرّع بهذا التنقيح أن قرار دائرة الاتهام بإجراء البحث لا يمكن أن يترتّب عنه تجاوز المدّة القصوى للإيقاف التحفظي وأوجب على قاضي التحقيق أو دائرة الاتهام حسب الأحوال الإذن بالإفراج مؤقتا عن المتهم بانقضاء هذه المدّة. ويفترض من باب أولى أنه طالما ليس بإمكان جهات التحقيق بدرجتيه تجاوز المدة القصوى للإيقاف عندما يتطلب الأمر مواصلة القيام ببعض الأعمال التي تقتضيها تهيئة القضية للفصل أن لا يكون بإمكانهما تجاوز هذه المدة في الحالات التي لا تقتضي فيها القضية مزيدا من الأبحاث فقد حان الوقت لأن يقع التعامل مع مدة الإيقاف على أنها مدة قصوى للتحقيق بكل درجاته وللمحاكمة أيضا خاصة وأن نية المشرع في تنقيح 2008 سالف الذكر واضحة في هذا الاتجاه إذ جاء في مداولات مجلس النواب عند النظر في مشروع القانون عدد 75 لسنة 2008 المؤرخ في 11 ديسمبر 2008 المتعلق بتدعيم ضمانات المتهم وتطوير وضعية الموقوفين وتيسير شروط الإدماج أنه: "من أهمّ الآثار القانونية لهذا المبدأ حماية الحرية الذاتية للمتهم واعتبار أن التدابير الاحترازية المخولة للضابطة العدلية في إطار إجراءات الاحتفاظ وتلك المقررة أيضا لقاضي التحقيق في إطار الإيقاف التحفظي تكتسي صبغة استثنائية تطبيقا لأحكام الفصول 13 مكرر و57 مكرر و84 من مجلة الإجراءات الجزائية... نحن في وزارة العدل وحقوق الإنسان أعددنا منظومة ويمكن أن نعلن عنها وتتمثّل فيما يلي: الإدارة العامّة للسّجون والإصلاح تعلم التّفقدية العامّة بوزارة العدل وحقوق الإنسان بكلّ إيقاف تحفّظي، وهذه الإدارة كلّما وصل نصف الأجل المسموح به قانونا أي 6 أشهر بالنسبة للجنحة، بعد 3 أشهر، لابدّ من أن تخطر التفقدية، والتّفقدية تبحث وتسأل لماذا لم يقع البتّ في القضية؟ وهذا الإخطار نسمّيه الإخطار الأصفر. وهناك الإخطار الأحمر إذا وصل إلى نهاية الأجل، ويتمّ التّباحث مع قاضي التّحقيق حول الأسباب والتمعّن فيها حتى نقضي على هذه الظاهرة تماما وحتى نستفيد أيضا من الإجراء الرئاسي الهامّ المتمثّل في إلحاق الإدارة العامّة للسّجون والإصلاح بوزارة العدل ويتمّ التّنسيق بين المصالح السّجنية والمصالح العدلية لما فيه الحفاظ على حقوق المواطن... الفصل 85 سيدي الوزير، الفقرة قبل الأخيرة جاءت انطلاقا من تطبيق للفقرة الثالثة من الفصل 116 في الواقع الذي هو "وللدائرة الحق أيضا عند الاقتضاء في الإذن بإجراء بحث تكميلي بواسطة أحد مستشاريها أو بواسطة حاكم التحقيق" يعني إذا رأت الدّائرة شيئا من هذا القبيل وأحالت الملف على السيد قاضي التحقيق، النّص هنا واضح، ولكن ماذا لو أنها قرّرت أن تحيله على أحد مستشاريها وليس على السيد قاضي التّحقيق، كيف يكون الحال وانقضت المدّة الواجبة للإيقاف التحفّظي للمتّهم؟ شكرا سيدي الرئيس... أجيبك بصفة عمليّة. مهما كانت الإحالة، سواء إلى قاضي مقرّر بدائرة الاتّهام أو إلى قاضي التّحقيق، فإنّه إذا وصلنا إلى الحدّ الأقصى، وجب الإفراج. أكون واضحا أي أنّه من حيث الأجل نعتبر قاضي التّحقيق ودائرة الاتّهام معنيّان معا بنفس الأجل. لماذا هذا؟ لأنّ أحيانا يعتبر قاضي التّحقيق أنّه عندما يحال إليه الملفّ من دائرة الاتهام يفتح الأجل من جديد، فالأجل يتعلّق بالتّحقيق بدرجتيه، درجة قاضي التّحقيق ودرجة دائرة الاتّهام. حتى أكون عمليّا أكثر، نفرض أنه لجريمة وصلنا إلى أجل 14 شهرا إلا يومين، وتمّ تعهّد دائرة الاتّهام في اليوم السابق لهذا الأجل، فإنّ دائرة الاتّهام عليها إذا تواصل نظرها أكثر من يوم أن تفرج." (المداولات. السنة 51 عدد 7 بتاريخ 26/11/2008 الصفحة 302 وما بعدها وخاصة 309 و311)
وعلاوة عما سبق فقد جاء في الرأي عدد 45 ـ 2008 للمجلس الدستوري بخصوص مشروع القانون سالف الذكر أنه:" وحيث أن تحديد آجال قصوى ومعقولة بالقانون للإيقاف التحفظي تشمل كامل المرحلة التحضيرية للمحاكمة، يشكل آلية من الآليات الموصلة إلى ذلك الغرض فضلا عن أن ذلك من شأنه أن يساعد على تحقيق قضاء ناجع،... من حق الموقوف بتهم جزائية في أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه،...".
وبما أن النص الغامض يفسر حسب إرادة المشرع فإنه لا مجال بعد تنقيح 2008 للقول بأن دائرة الاتهام على الأقل لا تخضع لآجل الأربعة عشر شهرا كمدة قصوى للإيقاف، خاصة وأن محكمة القانون سارت في هذا الاتجاه.

III.             موقف محكمة التعقيب

بالرجوع الى دور محكمة التعقيب فمن الثابت أن قرار الإيقاف التحفظي أو قرار رفض مطلب الإفراج هو قرار قضائي خاضع للقواعد القانونية حسبما أقرته الدوائر المجتمعة بمحكمة التعقيب (القرار الجزائي عدد 5088 الصادر في 3 ديسمبر 1963): "إن القرارات الصادرة من قلم التحقيق أو دائرة الاتهام في مطالب الإفراج عن الموقوفين هي قرارات قضائية خاضعة لقواعد قانونية (الفصل 58 وما بعده من قانون المرافعات الجنائية الذي عوضته سنة 1969 مجلة الإجراءات الجزائية) يجب احترامها لصحة القرار. وتأسيسا على ذلك فان القرارات الصادرة في هذا الشأن عن دائرة الاتهام قابلة للطعن بطريق التعقيب فتنظر محكمة التعقيب فيها لمراقبة صحّة تطبيق تلك القواعد القانونية وصحة تطبيق النصّ القانوني على الجريمة المنسوبة للمتهم". كما أكّدت ذلك قرار تعقيبي لاحق القرار (التعقيبي الجزائي عدد 6912 المؤرخ في 04 جوان 1969): " إن الطعن بالتعقيب في قرار دائرة الاتهام المتعلقة بالإيقاف والإفراج المؤقت لا يقبل إلا إذا كان الطعن مؤسسا على خرق النصوص القانونية التي طبقت قواعد الإيقاف والإفراج المؤقت". وبناء على ما سبق فإن الجدل العقيم الذي يخوض فيه البعض حول إمكانية الطعن بالتعقيب في قرار الإيقاف التحفظي (وهي مسألة سنرجع اليه بمزيد من التفصيل ومع قرارت تعقيبية حديثة في وقت لاحق أيضا)، لقد حسمت محكمة التعقيب الجدل حول قبول الطعن في القرارات المتصلة بالإيقاف التحفظي من عدمه خاصة عندما يتعلق الامر بالطعن في قرار دائرة الاتهام برمته بما في ذلك فرعه المتعلق بالإيقاف، وعند نظرها في هذه الطعون أقرت محكمة التعقيب أن مدة الإيقاف التحفظي المسموح بها قانون حددها الفصل 85 م ا ج الذي ضبط المدة القصوى للإيقاف وهي مسألة لها علاقة بالنظام العام ومصلحة المتهم الشرعية. ومن ذلك مثلا ما ذهبت اليه في قرارها عدد 7212-2012 المؤرخ في 28/11/2012 (غير منشور)
وفي الختام يمكن القول إن انتهاء مفعول بطاقة الإيداع لتجاوزها المدة القصوى المقررة قانونا يتطلب من الجهة القضائية المتعهدة بالملف، اتخاذ قرار فوري بإخلاء سبيل المتهم، وهذا واجب حتى من قبل محكمة التعقيب بصريح إحكام الفصل 92 م ا ج ونص الفقرة الأولى منه: " الإفراج المؤقت يمكن طلبه في كل طور من أطوار القضية من المحكمة المتعهدة بها". والا يصبح اعتقال المتهم احتجازا غير شرعي وخارج نطاق القانون وهذه جريمة على معنى الفصل 103 من المجلة الجزائية، وطالما أن تجاوز المدة القانونية يشكل جريمة، وطالما أن الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف مكلفين بالسهر على تطبيق القانون الجنائي كل في حدود منطقته (الفصل 22 م ا ج)، مما يعني أن الخبر الذي وقع نفيه هو واجب قانوني محمول على الوكلاء العامين لا يحتاج للفت انتباه من وزير العدل ولا إلى تعليمات منه، فالأصل أن لا يوجد الخبر لا أن يقع نفيه. وعلاوة عما سبق فقد وصف المشرع الإفراج عن المتهم الذي تجاوزت مدة إيقافه 14 شهرا بكونه إفراجا حتميا بصريح الفقرة الأخيرة من الفصل 85 م ا ج. ووصف هذه الحالة من حالات الإفراج بكونها حتمية يعني بالضرورة انها تهم النظام العام وملزمة لكل السلط الساهرة على حسن وسلامة تطبيق القانون. وعندما يتعلق الأمر بإخلاء سبيل شخص معتقل خارج القانون فإنه من صميم اختصاص النيابة العامة ممثلة في الوكلاء العامين. وللعلم فإن الأمر يهم عدد هاما ومعتبرا من الموقوفين لا شخصين أو ثلاثة فقط. والسلام.
================================================

مقال نشر في جريدة الشروق التونسية بتاريخ 2013/4/1



(1) الذهبي العباسي الإيقاف التحفظي وانعكاساته على الحريات العامة. القضاء والتشريع عدد 6 جوان 1977 صحيفة 09 وهو عند كتابة المقال يشغل خطة وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس
(2) محمد الحبيب بودن: القضاء والتشريع جويلية 1971 صحيفة 11 ـ وهو عند كتابة المقال يشغل خطة حاكم الناحية بمنزل تميم
(3) الطاهر المنتصر في التحقيق القضاء والتشريع العدد 6 السنة 24 وهو عند كتابة المقال يشغل خطة المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس
(4) الهادي سعيّد: الشريعة والعقاب وما يضمنه القانون التونسي للمتهم في مستوى التتبع. القضاء والتشريع عدد 06 جوان 1982 صحيفة 17 وهو عند كتابة المقال يشغل خطة وكيل الدولة العام ومدير المصالح العدلية بوزارة العدل ورئيس الإتحاد الدولي للقضاة

ليست هناك تعليقات: