عقوبة الخطية: بين الشرعية والتناسب
محمود داوود يعقوبمحام لدى التعقيب، وعضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية، وعضو وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. جامعة تونس المنار.
يُعد تفريد العقوبة (Individualisation de la peine) من الركائز
الأساسية للسياسة الجزائية الحديثة في تونس، حيث يهدف إلى الانتقال من التطبيق
الآلي والمجرد للنصوص القانونية إلى تحقيق عدالة "حالة بحالة". ويرتبط
هذا المبدأ ارتباطاً عضوياً بمبدأ التناسب، إذ يمثل التناسب الغاية والحد، بينما
يمثل التفريد الوسيلة العملية التي يمارس من خلالها القاضي سلطته لضمان ملائمة
الجزاء لخطورة الفعل وشخصية الفاعل. وتكرّبس مبدأ التناسب كقيمة دستورية عليا عبر
الفصل 49 من دستور 2014 والفصل 55 من دستور 2022، حوّل تفريد العقوبة من مجرد سلطة
تقديرية إلى التزام دستوري لضمان عدم المساس بالحقوق والحريات بشكل غير متناسب.
فمبدأ التناسب في القانون هو مبدأ أساسي يهدف إلى تحقيق العدالة
والتوازن في تطبيق القانون. فهو قيد أساسي على ممارسة السلطة في مختلف جوانب
القانون، ويهدف إلى ضمان أن تكون الإجراءات والقرارات القانونية عادلة ومتوازنة
ومنطقية. ويمكن فهمه على النحو التالي:
-
التناسب بين الفعل ورد الفعل: يجب أن
يكون رد الفعل القانوني (سواء كان إجراءً إداريًا، عقوبة جنائية، أو تعويضًا
مدنيًا) متناسبًا مع الفعل أو المخالفة التي استوجبته.
-
التناسب بين الوسيلة والغاية: عند
اتخاذ إجراء لتحقيق هدف قانوني مشروع، يجب أن تكون الوسائل المستخدمة ضرورية
ومعقولة لتحقيق هذا الهدف، وألا تتعدى ما هو لازم لتحقيقه.
وتلتقي الفلسفة الجنائية الحديثة عند نقطة ارتكاز جوهرية تجمع
بين مبدأ الشرعية (Nullum crimen, nulla poena sine lege) كضمانة شكلية
وإجرائية، ومبدأ التناسب (Proportionality) كضمانة موضوعية وجوهرية. إذ لم يعد يكفي
لتبرير العقوبة أن تكون "قانونية" (أي مستوفية لشروط مبدأ الشرعية)، بل
يجب أن تكون "مشروعة" و"عادلة" (أي مستوفية لشروط التناسب).
هذا التكامل يحمي الفرد من "قانونية الظلم"، فالعقوبة المغلظة جداً لفعل
تافه هي عقوبة شرعية نصاً، لكنها باطلة ومستبدة تناسباً. فمبدأ الشرعية يمنح
الدولة السلطة القانونية لإنشاء الجرائم وتحديد العقوبات عبر نصوص تشريعية سابقة
الوضع. هنا ينتهي الدور الشكلي للشرعية ويبدأ دور التناسب، حيث يتدخل لضمان ألا
تخرج هذه السلطة الممنوحة للمشرع عن غاياتها الاجتماعية، وألا تتحول العقوبة إلى
أداة بطش تتجاوز فداحة الجرم.
بموجب هذه العلاقة الدستورية، أصبح مبدأ الشرعية يخضع لرقابة
التناسب[1] عبر ثلاثة مستويات:
1. الملائمة
بين الجرم والجزاء (الكم والكيف)
2. شرعية
الوسيلة لتحقيق الغاية: يجب أن تكون العقوبة المقررة تشريعياً هي الوسيلة الأقل
إيلاماً والأكثر فاعلية لتحقيق الردع العام والخاص.
3. حظر
الإسراف العقابي: يُلزم التناسب المشرع، ألا يجمع بين عقوبات تتطابق في غاياتها وأثرها
الإيلامي بشكل يؤدي إلى سحق الحقوق الأساسية للمحكوم عليه.
ويتخذ تطبيق مبدأ التناسب في مادة عقوبة الخطية، أبعاداً أكثر تعقيداً
مقارنة بالعقوبات السالبة للحرية. فبينما يمثل السجن وحدة قياس زمنية متساوية
مجردة (اليوم هو اليوم بالنسبة للجميع)، فإن الخطية المالية ذات طبيعة مطاطية؛ إذ
إن تأثيرها يختلف بين محكوم عليه وآخر بناءً على وضعهما الاقتصادي. ويواجه المشرع عند
صياغة النص العقابي (التزاماً بمبدأ الشرعية) خيارين لضمان التناسب الهيكلي
للخطية:
● الخطية
الثابتة:
وهي الصورة الكلاسيكية التي تحترم الشرعية عبر تحديد نطاق مالي يتحرك فيه القاضي
(مثلاً: خطية من 100 دينار إلى 1000 دينار). التناسب هنا تشريعي عام، يترك هامشاً
للتناسب القضائي الخاص.
● الخطية
النسبية (L'amende proportionnelle): وتظهر بقوة في القانون الجنائي للأعمال،
والقانون الجبائي، والجمركي، والبيئي. هنا، يعجز المشرع عن وضع رقم ثابت يحقق
التناسب مسبقاً، فيلجأ إلى تقييد الشرعية بـ معادلة رياضية عوضاً عن القيمة
النقدية الثابتة.
وتُمثّل مرحلة النطق بالحكم اللحظة الحاسمة التي تتحول فيها
"الشرعية والتناسب" من نصوص تشريعية مجردة إلى واقع قضائي ملموس
يمس حرية المحكوم عليه أو ذمته المالية. فعند النطق بالحكم، لا تقتصر المواجهة بين
المبدأين على تحديد عدد السنوات أو قيمة الخطية، بل تمتد إلى استخدام "أدوات
التفريد القانونية". هذه الأدوات خلقتها الشرعية النصية أصلاً لتمكين التناسب
من العمل. ويعتبر تسبيب مقدار العقوبة هو شرط جوهري لصحة الحكم. وهنا يلتقي
المبدآن.
فتسبيب
الشرعية: يوجب على القاضي نصاً ذكر الفصول القانونية التي استند إليها في حكمه
تجريما ومعاقبة، وبإغفالها يسقط الحكم لعدم الشرعية (الفصل 168 م ا ج). أما تسبيب
التناسب: فيوجب على القاضي أن يشرح في أسباب حكمه لماذا اختار هذا
المقدار من العقوبة بالذات، بالإشارة إلى ظروف الفعل، وظروف الفاعل.
وقد تتعقد الأمور في صورة ارتكاب مجموعة أشخاص لجريمة واحدة،
فهل يجوز الحكم على كل منهم بكامل مبلغ الخطية المقرر للجريمة؟ أو لنقل هل يُعدّ
الحكم على كل واحد من مجموعة أشخاص ارتكبوا جريمة واحدة بكامل مبلغ الخطية المقررة
لها شرعيا ومتناسبا؟ ومصدر التساؤل هو التطبيق قضائي شائع إذ من العادي جدا أن
تقضي المحكمة عند ادانة مجموعة من الاشخاص من أجل ذات الجريمة بعقوبة خطية مستقلة
لكل منهم، ويكون السؤال أكثر إلحاحا عندما يكون تقدير الخطية مرتبط بمقدار الضرر
الحاصل من الجريمة.
إن الاجابة عن هذا السؤال ترتبط بثلاثة مبادئ أساسية في القانون
الجزائي، وهي:
●
مبدأ الشرعية
●
مبدأ شخصية العقوبة
●
مبدأ التناسب
وهل أن الإجابة عنه، تستوجب التمييز بين أنواع الخطايا:
1.
الخطية الثابتة
2.
الخطية النسبية
3.
الخطية ذات الاحتساب المزدوج (جزء ثابت
وجزء نسبي)
فعقوبة الخطية تعد من أهم العقوبات بالنسبة للجرائم الاقتصادية
والمالية، ومرجع ذلك هو أن غالبية هذه الجرائم إنما ترتكب بدافع من الطمع والرغبة
في الحصول على الربح أو الكسب غير المشروع، ومن ثم فقد أصبح من المناسب أن تكون
الغلبة للعقوبات المالية، إذ هي وحدها التي تصيب الجاني في ذمته المالية [2].
إن هذه الاهمية التي تمتاز بها الخطية
عن باقي العقوبات في القانون الجزائي عموما والاقتصادي خصوصا جعلتها محل اعتماد
كبير وخاصة في المدة الأخيرة أين أصبحنا نسمع بخطايا تكاد تكون خيالية.
ولقد اختلف الفقهاء حول طبيعة الخطية فهل هي دين للدولة؟
وبالتالي يجوز إقرار أحكام استثنائية لتحصيلها. أما أنها عقوبة؟ وبالتالي تخضع
لجميع المبادئ العامة التي تحكم العقوبات الأخرى[3].
يرى عدة فقهاء[4] أن الحكم بالخطية
يصبح دينا مدنيا لصالح الدولة على عاتق ذمة المحكوم عليه المالية حالما
يكتسب هذا الحكم الدرجة القطعية[5].
أما الأستاذ Garraud ولو أنه يصف الدولة بدائنة في حالة الحكم بخطية إلا أنه يعطي صفة العقاب
الحقيقي بصراحة لهذه العقوبة وينتقد تطبيق نصوص من النظام المدني لأنها لا تنسجم
مع الطبيعة الحقيقية للعقاب الذي يعبر عن رد فعل المجتمع ضد المذنب وليس ضد شخص
ثالث أجنبي عن الجريمة[6].
ويذهب رأي ثالث إلى أن الخطية لها طبيعة مزدوجة فهي
تعويض للدولة عما يصيبها من ضرر ولكن في الوقت نفسه لا تخلو من معنى العقوبة.
وذهبت محكمة التعقيب الفرنسية إلى أن الطابع المدني يطغى على الطابع العقابي[7] وذلك فيما يتعلق
بالخطية الديوانية.
إنطلاقا من الفصل الخامس من المجلة الجزائية، تعتبر
الخطية عقوبة أصلية إلا أن بعض النصوص تنص على أنه تستخلص مبالغ الخطايا ..
باعتبارها ديوناً للدولة [8] فهل يعني هذا أن
الخطية في التشريع التونسي تخرج عن القواعد التقليدية وتعد كتعويض لخزينة الدولة
لا كعقوبة؟[9]
إن اعطاء إجابة عامة عن هذا السؤال أمر صعب، إذ لا تحتوي جميع
النصوص الجزائية على القاعدة نفسها. إلا أنه يمكن القول أن المشرّع أعطى للخطية طبيعة
مزدوجة فهي عقوبة تسلط على الجاني من جهة ومن جهة أخرى فهي تعويض يدفع لخزنية
الدولة ويدعم هذا القول ما ذهب إليه المشرّع من قبول تحصيل الخطايا من الورثة
وإقرار قاعدتي التضامن والضمان في دفع الخطايا[10].
و على هدى المبادئ المذكور يتوجب حتما التمييز بين الخطية
الثابتة[11] (أي المحددة مباشرة
بالنص) والخطية النسبية (أي التي يترك للقاضي تحديدها على ضوء المبلغ محل
الجريمة). يضاف إليهما الخطية ذات الاحتساب المزدوج.
مبدئيا، الحكم على كل واحد من المساهمين في جريمة واحدة بنفس
مبلغ الخطية المحدد تشريعيا لا يُعتبر في حد ذاته خرقًا لمبدأ الشرعية، ذلك
لأن الجريمة وعقوبتها منصوصًا عليهما مسبقًا. فإذا كان النص يقرر أن عقوبة الجريمة
هي خطية بمبلغ معين، فإنه يُطبَّق على كل من تثبت مسؤوليته في ارتكاب الجريمة،
سواء كان فاعلًا أصليًا أو شريكًا (إذا ساوى القانون بينهما). وفي حالة تعدد
الجناة (سواء كفاعلين أصليين أو كشركاء[12]): القانون يعتبر أن
كل واحد منهم ارتكب الجريمة أو ساهم في ارتكابها، وبالتالي يُعاقَب كل واحد منهم بعقوبة الجريمة كاملة،
وليس بجزء منها. والقاضي هنا لا يخلق عقوبة جديدة. بل يطبق العقوبة المنصوص عليها
على كل متهم على حدة. وله طبعا سلطة تفريد العقاب (التخفيف أو التشديد حسب
دور كل منهم).
وفي كل الحالات ستكون الخطية وجوبا تضامنية بينهم طبق
مقتضيات الفصل 21 م ج الذي نص على ذلك صراحة.
ويقصد بالتضامن في الخطايا أنه إذا قضي على عدة أشخاص في جريمة
واحدة بالخطية فإنه يمكن للدولة أن تستوفي هذه الخطايا من واحد من هؤلاء الأشخاص
المحكوم عليهم[13]. فبمقتضى نظرية
التضامن يمكن أن يلاحق المحكوم عليه الموسر عن الغرامات المفروضة على شركائه، أو
على الفاعلين الأصليين معه، ولو كانت عقوبة هؤلاء قد ازدادت بتأثير الظروف المشددة[14].
ويرى أنصار هذا التضامن، أنه كان على الميسورين من المساهمين في
الجريمة أن يتوقعوا إعسار شركائهم حين اتفقوا معهم على ارتكابها لذلك فإن
مسؤوليتهم ناجمة عن رضاهم الضمني المسبق بتحمل نتائج الجريمة ما عدا الجانب الذي
لا يمكن أن يتحملوه كالسجن عن الآخرين [15] بينما يعتبر البعض[16] التضامن عقوبة
تبعية تضاف بحكم القانون إلى الخطية لضمان تنفيذها خاصة وأنه أجدى بكثير من طريقة
الجبر بالسجن [17].
ولقد أقر المشرّع التونسي التضامن في دفع الخطايا كقاعدة
عامة وذلك في الفصل 21 مجلة جزائية وأكد عليها مرة ثانية في بعض النصوص
(كالفصلين 277 و278 م.د)[18]. لكن تطبيق التضامن
فيه خرق لمبدأ الشرعية (فالخطية ستتجاوز حدها القانوني الأقصى عند التنفيذ). ويمثل
كذلك خرقاً لمبدأ شخصية العقاب[19] سيلغي كل أثر للردع
فالمجرم المعسر لن يتأثر من الغرامة التي دفعها المجرم الموسر[20]، كما أنه سيفقد
قاعدة تفريد العقاب جدواها عمليا[21]. إلا أن الطبيعة
المزدوجة للخطية تعد المبرر الوحيد للخروج عن مبادئ القانون الجزائي[22]. وهو ما أشارت إليه
محكمة التعقيب بصفة ضمنية حين اعتبرت أن الفصل (21) م.ج ما هو إلا تتمة
للفصلين (108 و 109) مجلة مدنية إذ جاء في هذا القرار: "الأشخاص المحكوم
عليهم بحكم واحد بموجب أفعال شملتها محاكمة واحدة متضامنون حتماً في دفع الخطية
والتعويض وقيمة الضرر والمصاريف (صريح الفصل 21 م.ج) وهو تتمة للفصلين (108 و109)
من الالتزامات والعقود القاضيين بتضامن الأشخاص المحدثين للضرر معاً بدون فرق بين
المباشر منهم للفعل والمتواطىء والمغري وبتضامن أولئك الأشخاص عند تعذر تعيين
الفاعل أو قدر ما ينسب لكل منهم في إحداث الضرر"[23]. وفي قرار لاحق
ذهبت نحو تبني جميع حجج المدافعين عن التضامن في دفع الخطايا تقريباً حين أكدت على
مايلي: "حيث اقتصت الفصول 285-267-220 من قانون القمارق أن كل من يرتكب جريمة
تهريب أو توريد أو تصدير بدون رخصة لمنتوجات خاضعة لقاعدة اثبات المصدر يكون هدفاً
للعقوبات المضبوطة بالنص. وإن الأحكام الصادرة ضد عدة أشخاص من أجل تلك الجريمة
تكون فيها العقوبات المالية قائمة على أساس التضامن وأنه يمكن إجراء صلح مع
الإدارة ممن وقع تتبعه قبل صدور الحكم أو بعده. وحيث يؤخذ من تلك النصوص أن
المتهمين في مثل هاته الجرائم يعد كل واحد منهم مسؤولاً شخصياً عن فعله إذ
قد ساهم من جانبه في ارتكاب الحريمة وإن ما فرضه قانون القمارق من وجوب الحكم
بالتضامن في الخطايا لا يعد خروجاً عن مبدأ المسؤولية الشخصية المذكورة ولا يدل
مطلقاً على أن كل واحد منهم تحمل وزر غيره ولا أن ترك التتبع عن أحدهم بموجب صلح
يمحو في حق غيره آثار الجريمة إذ لا خلاف أن كل متهم بارتكابه مثل هاته الجرائم
يحمل على العلم بأنه هدف لتسليط كامل العقوبة المالية عليه على قاعدة
التضامن مع جميع من شمله التتبع معه[24]". ولكن في قرارها التعقيبي
الجزائي المؤرخ في 24 نوفمبر 2007 ذهبت إلى ضرورة تفعيل التفريد عند تطبيق
قاعدة التضامن فقد تمسك الطاعن بخرق الفصل 21 م ج على اعتبار أن المحكمة لما أغفلت
مبدأ التضامن تكون بذلك قد خرقت الفصل المذكور، فكان السؤال المطروح على المحكمة
حول : العلاقة بين الفصلين 109 م ا ع و 21 م ج ، وما إذا كان الفصل 21 هو الفصل
الذي يجب اعتماده تجاوزاً لأحكام الفصل 109 م ا ع لاسيما وأنه ورد صلب المجلة
الجزائية فأجابت محكمة التعقيب بالنفي مقررة ما يلي: " حيث لا جدال في
أن أحكام التضامن تختلف باختلاف المسؤولية، فهي مفروضة افتراضاً في المسؤولية
التقصيرية ومحددة اتفاقاً في المسؤولية التعاقدية. وحيث لا خلاف أن المشرع التونسي
اعتمد الأفكار العامة في التضامن وجاءت مضامينها منسجّمة بين المجلة الجزائية بالفصل
21 والمجلة المدنية بالفصل 108، فقط أن المشرع التونسي انحاز بالفصل 109 من م .إ.ع
إلى نوع من التضييق في تطبيق مبدأ الافتراض في التضامن فجعله لا يصلح إلا في صورة
تعذر تعيين الفاعل لذلك أو قدر ما ينسب لكل منهم في أحداث الضرر. معنى ذلك أن لا
وجود لتعارض بين أحكام الفصلين 108 من م.إ.ع و 21 من م.ج فإذا أمكن للمحكمة تحديد
نسبة المسؤولية فلا تضامن، وإذا تعذر التحديد قام التضامن ولو لم ينص الحكم على
ذلك. وحيث لما أمكن للمحكمة تعيين نسبة المسؤولية كان عليها أن تتجنب ذكر التضامن،
وتعين رد هذا المطعن والحالة تلك"[25].
أما الضمان في دفع الخطايا[26]، فهو إلزام شخص غير
مرتكب الجريمة، بدفع الخطية عنه وهذا الإلزام لا يكون إلا بموجب نص قانوني خاص
صريح[27].
إن قاعدتي التضامن والضمان
بلا شك منسجمين مع المفهوم القديم للخطية أين كانت لهذه العقوبة صفة أخرى هي تعويض
الدولة .. أما في عصرنا هذا حيث تعتبر الخطية عقوبة كسائر العقوبات الأخرى فيجب أن
تكون شخصية وفردية ولا تصيب إلا الشخص الذي يستحقها[28].
وبالتالي فإن تسليط نفس الخطية على كل فاعل مع تكريس التضامن
بينهم لا يتعلق بالشرعية الشكلية (لوجود نص صريح) بل بمدى احترام التناسب و
كذلك تفريد العقوبة، ويمكن اعتبار هذا الوضع فيه نوع من "الازدواج
العقابي" وفيه مساس بمبدأ العدالة والإنصاف؟
فالحكم على كل متهم بخطية كاملة، ثم تقرير التضامن بينه وبين من
ساهم معه في ارتكابها، سيؤدي عمليا إلى إلزام أحدهم بدفع مجموع الخطايا (وليس فقط
خطيته الشخصية). وهذا توسيع للعقوبة خارج ما ضبطه النص وتوقعه الشخص، وتحميله عبءً
يفوق ما قرره القانون له فرديًا. ومع ذلك، فإن المعايير الدولية والتشريعات
الوطنية تقبل هذا الوضع فقط إذا كان التضامن منصوصًا عليه بوضوح، وكان متوقعًا
قانونًا. فالشرعية قد تقبل الازدواج العقابي إذا كان "مكتوباً"، لكن
العدالة ترفضه دائماً لأنه "غير منصف". والعدالة (أو الإنصاف Équité) هي مفهوم جوهري
وموضوعي يرتبط بالغايات الأخلاقية والاجتماعية للعقاب. وهنا يظهر الانتهاك
الذي يوجهه الازدواج العقابي الناتج عن التضامن للعدالة من عدة نواح:
●
انتهاك مبدأ التناسب: جوهر العدالة يقوم على
قاعدة: "جرم واحد يعادله جزاء واحد". وإنزال عقوبتين (أو أكثر) من أجل
سلوك مادي واحد يكسر هذا التناسب الفطري والموضوعي، ويجعل الدولة تبدو وكأنها تثأر
من الجاني بدلاً من إصلاحه أو ردعه بالقدر المستحق.
●
تفريد العقوبة: أي ملاءمة الجزاء الجنائي
مع شخصية الجاني وظروفه الخاصة، بدلاً من تطبيق عقوبة موحّدة جامدة على كل من
ارتكب الجريمة ذاتها. وهو يُعدّ تطوراً جوهرياً في الفكر العقابي الحديث الذي
انتقل من مبدأ "تفريد الجريمة" إلى مبدأ "تفريد العقوبة".
●
إهدار وظيفة العقاب: العدالة تنظر إلى الأثر
الإنساني والاجتماعي للعقوبة. فإذا أدى الجزاء الأول إلى تحقيق الردع والزجر، فإن
إضافة الجزاء الثاني فوقه يمثل فائضاً من الإيلام لا تبرره حاجة العدالة
الإجتماعية، بل يتحول إلى قهر مؤسسي.
●
مساس بمبدأ النفعية: تفترض العدالة أن الجاني
يدفع "ديناً" للمجتمع بفعلته. فإذا استوفى المجتمع دينه عبر مسار عقابي
معين، فإن إعادة فتح الدفاتر لاستيفاء الدين نفسه تحت مسمى قانوني آخر يمثل
إلتواءً على فكرة "الوفاء بالجزاء" وإبراء ذمة المحكوم عليه بعد العقوبة[29].
وهنا يمكن طرح التساؤلين التاليين: هل تحوّلت العقوبة من "شخصية"
إلى "جماعية"؟ وهل تم تحميل الشخص أكثر مما قرره النص له؟
الاجابة: إذا كان التضامن منصوصًا عليه صراحة فلا يوجد خرق لمبدأ الشرعية
(بمفهومه الشكلي)، لأن القاضي يطبق النص كما هو، والمتهم كان يمكنه توقع هذه
النتيجة. ولكن نعود هنا لنؤكد أن الإشكال الحقيقي هنا ليس "الشرعية
الشكلية"، بل مبدأ شخصية العقوبة، ومبدأ التناسب.
●
فمن زاوية مبدأ شخصية العقوبة،
لا يُعاقَب شخص إلا على فعله هو. وفي صورة
تكرار الخطية حسب عدد الفاعلين ثم التضامن بينهم فإن كل فاعل أصلي حُكم
عليه بخطية خاصة به أي وقع احترام المبدأ شكليا. ثم في مرحلة التنفيذ
يقع انتهاكه ضمانا للتنفيذ.
●
أما من زاوية مبدأ التناسب،
الذي يقتضي أن تكون العقوبة ملائمة لخطورة الفعل ودور الفاعل فإن العبء المالي
الفعلي سيقع كاملا على أحد الفاعلين وسيلزم هو بدفع مجموع الخطايا، ويصبح
الحكم فعليا أكبر بكثير من العقوبة الأصلية المقررة له.
فرغم عدم وجود خرقً مباشر للنص، فإن النتيجة غير متناسبة عمليًا. فلا
يمكن الحديث عن خرق تلقائي لمبدأي: الشخصية، والتناسب. لكن هناك انتهاك لهما بصورة
غير مباشرة أو تطبيقية إذا:
●
لم يُراعِ القاضي دور كل فاعل (تفريد
العقاب)،
●
أو أدى التضامن إلى تحميل أحدهم عبئًا
مفرطًا دون مبرر.
ويظهر الإخلال بالتناسب في حالتين أساسيتين:
في حالة اختلاف الأدوار: إذا كان أحد الفاعلين دوره ثانويًا أو
أقل خطورة، ومع ذلك عوقب بنفس الخطية. هنا يمكن القول بانتهاك مبدأ التناسب
في حالة التضامن (وهذا الأهم): إذا أدّى التضامن إلى: تحميل أحدهم
فعليًا دفع مجموع الخطايا هنا لا يكون الخرق في "الحكم" ذاته، بل
في نتائجه أي في الأثر المالي النهائي، وعندها يمكن القول بوجود مساس عملي
بمبدأ التناسب
وبالتالي ليس صحيحًا أن مجرد الحكم بنفس الخطية المحددة بالنص
على كل متهم هو خرق للتناسب، وإنما خرق التناسب يُقيَّم بناءً على دور كل فاعل
والنتيجة الفعلية للعقوبة عند تنفيذها.
وبالتالي لا يشكّل الحكم بنفس مقدار الخطية الثابتة المحددة
بالنص على جميع الفاعلين الأصليين خرقًا لمبدأ التناسب في حد ذاته، وإنما يُثار
الإخلال بهذا المبدأ إذا لم يُراعِ اختلاف أدوارهم أو إذا أدّى التضامن إلى تحميل
أحدهم عبئًا ماليًا يفوق مساهمته في الجريمة.
وبما أن التضامن في القانون التونسي مفروض وجوبا بموجب الفصل 21
م ج فإن الاخلال بالتناسب قائم حتما عند التنفيذ.
فالتقييم القانوني من حيث
المبدأ يفضي إلى القول أن الحكم على كل متهم بخطية = 100 دينار، في حد ذاته لا يُعدّ
خطأ، لأنه يندرج ضمن إسناد العقوبة بصفة شخصية لكل فاعل. وهذا لا يخالف مبدأ
الشرعية. لكن بمقتضى الفصل 21 م ج فإن جميع المحكوم عليهم متضامنون وجوبًا. واحترام
الشرعية والتناسب يستوجب القول أنه لا توجد 10 خطايا بل توجد خطية واحدة = 100
دينار. والدولة لا يمكنها استخلاص إلا 100 دينار فقط، مهما كان عدد
المحكوم عليهم.
وبالتالي يكون الحكم معيبًا إذا كان صيغ بطريقة تفيد ضمنًا وجود
10 خطايا مستقلة، أو طُبّق فعليًا على هذا الأساس.وهنا يصبح مخالفًا للفصل 21 م ج ذاته لأنه حوّل التضامن في
دفع الخطية إلى تعدد في الخطايا. ويكون كذلك مخلًا
بمبدأ التناسب لأن العقوبة = 100د. والمستخلص = 1000د. وهو
ما يشكّل خرقًا لمبدأ الشرعية (في التطبيق) لأنه تم تجاوز الحد
القانوني الأقصى للعقوبة، وهو ما ينطبق كذلك على الخطية النسبية.
هي الخطية التي: تُحتسب على أساس المبلغ محل الجريمة (مثلاً: نسبة من
المال المختلس أو المتهرب منه)، فهل يمكن أن تتعدد عند تعدد الفاعلين الأصليين؟
فإذا كان لدينا: المبلغ محل الجريمة = 1000د. والخطية النسبية =
1000د كاملة. و حُكم على كل فاعل أصلي بخطية نسبية تساوي كامل 1000د ومع وجود
تضامن بينهم فإن النتيجة ستكون أن كل واحد منهم مطالب بخطية = 1000د كاملة. ومع
التضامن سيُلزم أحدهم بدفع عدة مرات نفس الخطية المرتبطة بنفس المبلغ أي 1000د.
فوفق مبدأ التناسب يختلف الوضع هنا عن الخطية الثابتة.
لأن الخطية النسبية مرتبطة بـقيمة الضرر أو المال محل الجريمة، فإذا تم
احتسابها عدة مرات على نفس المبلغ ثم جُمعت فإننا أمام أمرين هما:
- تضخيم
للعقوبة المالية
- انفصال بين مقدار الضرر الحقيقي (1000د) ومجموع
ما سيُدفع ( يتجاوز 1000د بأضعاف حسب عدد المحكوم عليهم)
وهنا سيكون لدينا لا فقط انتهاك للتناسب بل انتهاك للشرعية كذلك
من خلال ازدواج (أو تعدد) احتساب نفس الأساس المالي. وهو ما سيؤدي إلى عقوبة
مفرطة تتجاوز ما هو مقرر بالنص. فالعقوبة حتى تكون شرعية يجب أن تكون متناسبة،
وغير مفرطة. وفي حالة تعدد الفاعلين وتحميل كل واحد منهم كامل الخطية النسبية فإن
نفس الضرر (1000د) وُلد عدة خطايا كاملة، وتفعيلا لمقتضيات الفصل 21 م ج يمكن أن
يتم تحميلها كلها متراكمة لأحدهم.
ففي حالة الخطية النسبية لم يعد الإشكال بسيطًا كما في الخطية
الثابتة. بل يمكن القول: إن الجمع بين تعدد الفاعلين، واحتساب خطية نسبية على كامل
المبلغ لكل واحد منهم، سيؤدي إلى خرق فعلي لمبدأي الشرعية والتناسب، لأنه يفضي إلى
تضخيم العقوبة المالية على أساس نفس الضرر. طالما أن كل محكوم عليه مُلزم بدفع
المبلغ 1000د كاملًا، ويقع استخلاصه مكررًا بعددهم مع قيام فرضية وجوبية التضامن
وبالتالي نكون أمام خرق مزدوج لمبدأ الشرعية ومبدأ التناسب معًا.
فهو يُعدّ خرقًا لمبدأ الشرعية لأن النص يقول: الخطية = قيمة المنفعة
أو الضرر (1000د) معنى ذلك المشرّع ربط العقوبة بـ أساس مالي واحد محدد. لكن ما الذي يحصل فعليًا؟ المحكمة قضت بـ 1000د على كل متهم. وتم
تنفيذ الحكم بحيث يُدفع نفس المبلغ عدة مرات (1000د × عدد المتهمين). مما
يعني أننا لم نعد نطبّق “خطية = 1000د”. بل أصبحنا أمام: خطية فعلية = 1000د
×عدد المحكوم عليهم. وهذا تجاوز للنص وخلق لعقوبة غير منصوص عليها.
وبالتالي خرق لمبدأ الشرعية (من حيث النتيجة الفعلية أي التنفيذ)
وهو كذلك خرق واضح لمبدأ التناسب، وهنا الإشكال أكثر وضوحا، لأن لدينا
الضرر الحقيقي = 1000د. ولدينا المبلغ المستخلص = 1000د ×عدد المحكوم عليهم. والنتيجة: تضخيم
غير مبرر للعقوبة. وانفصال كامل بين العقوبة، ومعيار تقديرها (الضرر أو المنفعة).
وهذا خرق صريح لمبدأ التناسب.
علاوة على أن فيه مساس بطبيعة الخطية النسبية، فهذه الخطية تُبنى على
فكرة: معادلة الضرر أو المنفعة.
لكن في صورة تعددها بتعدد الفاعلين لم نعد أمام “معادلة”، بل
أمام تكرار لنفس الأساس المالي. وهذا يشوّه طبيعة الخطية النسبية ويجعلها
كما لو كانت ثابتة.
وبالتالي إذا أدى الحكم أو تنفيذه إلى استخلاص مبلغ الخطية النسبية كاملًا من كل
محكوم عليه بشكل مستقل، بحيث يتكرر المبلغ بعددهم، فإن ذلك يُعدّ تجاوزًا للنص
القانوني الذي حدّد الخطية في حدود قيمة واحدة، ويشكل بالتالي خرقًا لمبدأ
الشرعية، فضلًا عن مساس واضح بمبدأ التناسب.
ولمزيد التوضيح في هذا السياق يمكن التساؤل على سبيل المثال عن
الطبيعة القانونية للخطية في الفصل 96 م ج (باعتباره الأكثر تطبيقا هذه المدة
وصدرت بشأنه أحكما بمبالغ خيالية مع التعدد والتضامن يضاف إليها الرد):
فهل هي عقوبة أم جبر ضرر؟
●
فإذا كانت "عقوبة" (Peine): يجب أن تخضع
لمبادئ العقوبة. في هذه الحالة، إذا تعدد الفاعلون، يجب على القاضي تفريد العقاب.
لكن النص يربطها بـ"قيمة المنفعة"، وهي قيمة واحدة لا تتكرر ولا تتجزأ
مادياً، مما يجعل القاضي أمام خيارين: إما تقسيم القيمة (وهو ما لا يوجد له سند
نصي صريح في الفصل 96) أو تكرارها على كل فاعل (وهو ما لا يوجد له سند نصي صريح في
النص ولكنه سيؤدي لتعدد العقاب عن فعل واحد).
●
إذا كانت "تعويضاً مقنّعاً"
(Réparation): هنا يتدخل الفصل
21 ليفرض التضامن. التضامن يعني أن الدولة تطلب "قيمة واحدة" من أي من
المحكوم عليهم. ولكن إذا كانت الخطية تضامنية، فهي تفقد صفتها كـ"زجر
شخصي" وتتحول إلى دين مدني، وهذا يتناقض مع وصفها "بالخطية" مع
المبادئ القانونية الكبرى في القانون الجزائي وهي:
- مبدأ
شرعية العقوبات.(عقاب بلا معيار واضح)
- مبدأ
شخصية العقوبة (Individualisation des peines): وهو المبدأ الذي يفرض أن كل متهم يُعاقب
على قدر فعله، وهو ما يصطدم بصريح الفصل 21 عند تطبيقه على الخطية المالية في
الفصل 96 م ج.
- مبدأ
عدم العقاب عن الفعل الواحد مرتين (Non bis in idem): بمفهومه الواسع الذي يمنع الدولة من
استخلاص "قيمة الضرر" عدة مرات من أطراف متعددة تحت مسمى
"الخطية".
إن غياب الجواب في النص حول "كيفية توزيع الخطية عند
التعدد" يترك العقوبة رهينة تأويل القاضي، وانتهاكا لليقين القانوني، فالمتهم
لا يعرف مسبقاً هل سيُطالب بجبر الضرر وحده أم سيتحمل عقوبة مالية مضاعفة لمجرد
وجود شركاء معه.
ويزداد الوضع تعقيدا مع التداخل الموجود بين الفصلين 98 و96 م
ج:
فالفصل 98 يتحدث عن "الرد" (وهو إعادة الحال إلى ما
كان عليه)، والفصل 96 يتحدث عن "خطية تساوي قيمة المنفعة المتحصل عليها أو
المضرة الحاصلة للإدارة". فعندما يُجبر القاضي على خلطهما مع فرض التضامن،
فإنه يخلق عقوبة "هجينة وتضامنية" لم ينص عليها المشرع
صراحة بصفة. وهو ما سيكريس "الإثراء غير المشروع" للدولة، ليتحول مفهوم
الخطية هنا من "سلب الربح غير المشروع" إلى "مضاعفة
الربح للدولة".
فالأصل هو أن الغرض من الخطية المساوية للمنفعة أو للمضرة هو
نزع الجدوى الاقتصادية من الجريمة (أي أن "الجريمة لا تفيد"). سواء كان
المعيار "ضرراً" لحق بالإدارة أو "منفعة" نالها الجاني، فإن
العلة القانونية واحدة، وهي أن المشرع التونسي استخدم معياراً كمياً (رقمياً) يصلح
لجبر الضرر المدني، وأقحمه في مادة جزائية. هذا "التهجين" بين المنطق
المدني (وجوبية التضامن، ومعيار قيمة المنفعة أو المضرة) والمنطق الجزائي (الزجر
وشخصية العقوبة) هو الذي خلق هذه الثغرة التي تجعل العقوبة تبدو وكأنها "ضريبة
إضافية" وليست جزاءً عادلاً.
ففي سياق الفصل 96، نحن أمام ازدواجية (إن لم نقل ثلاثية) غريبة
في التعامل مع "المال" الناتج عن الجريمة، مما يُعمق انتهاك مبدأ
الشرعية والتناسب. للأسباب التالية:
1. التراكم العقابي: (الرد + الخطية + التضامن في كليهما)،
فيجد الجاني نفسه أمام ثلاثية مالية:
● الرد
(Restitution): إرجاع أصل المبلغ
أو المنفعة .
● الخطية
(Amende): مبلغ مساوٍ
للقيمة.
● التضامن
في كليهما حسب الفصل 21 م ج.
2. التناقض الجوهري في "وظيفة" العقوبة
المنطق القانوني السليم يقتضي أن الرد والخطية النسبية
(المساوية للقيمة) هما وجهان لعملة واحدة: أي تجريد الجاني من ربحه. ولكن عندما
تحكم المحكمة برد قيمة المنفعة المتحصل عليها أو المضرة
الحاصلة للإدارة، وتضيف إليها خطية مساوية لنفس المنفعة، فإنها تعاقب الجاني مرتين على نفس
القيمة المادية.
فقاعدة عدم التراكم العقابي المادي (Non-cumul)، تفترض ألا تنصب
الخطية والرد معاً على نفس "الكتلة المالية" بصفة تراكمية تؤدي إلى
مضاعفة المبلغ بشكل اعتباطي. إذا تم در المال عيناً، سقطت الخطية النسبية التي
تعادله، أو أصبحت الخطية ثابتة يحددها القاضي كجزاء عقابي شخصي بحت (Amende forfaitaire) بناءً على خطورة
الفعل وشخصية الجاني، لا بناءً على معادلة حسابية جامدة.
كما أن السقف الجماعي (Le Plafond Global) يضع سقفا ماليا لا
يمكن للدولة تجاوزه مهما تعددت العقوبات (خطية، رد) ومهما تعدد الجناة. هذا السقف
يضمن حماية الذمة المالية للمحكوم عليه (حتى لو كان متهماً) من تغول الدولة
المالي، ويحافظ على الطبيعة "الزجرية" للعقوبة بدلاً من تحويلها إلى
أداة استثمارية لإثراء الخزينة.
ويستخلص مما سبق أن الخطية النسبية مرتبطة بـ: قيمة الضرر أو
المال محل الجريمة
فإذا تم احتسابها عدة مرات على نفس المبلغ، ثم جُمعت فعليًا عبر
التضامن. فإننا أمام، تضخيم للعقوبة المالية، مع انفصال بين مقدار الضرر الحقيقي
أو المنفعة المتحصل عليها، ومجموع ما قد يُدفع (يتجاوز الضرر أو المنفعة بكثير).
واستنادًا إلى الدستور والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية
والسياسية، فإن العقوبة يجب أن تكون: متناسبة، وغير مفرطة.
وفي حالة المثال الذي اتخذناه أي الفصل 96 م ج يمكن القول بأن:
العقوبة أصبحت غير متناسبة لأن نفس الضرر أو المنفعة وُلدا عدة
عقوبات كاملة، ثم بموجب التضامن تم تحميلها فعليًا لأحد الأشخاص. مما يسمح بالقول
أنه لا يكون من السليم تعديد نفس الخطية لكل فاعل دون قيد.
والأصح هو اعتماد أحد حلّين:
الحل 1: الحكم بخطية واحدة مرتبطة بقيمة
المنفعة المتحصل عليها أو المضرة الحاصلة للإدارة، مع التضامن بين المحكوم عليهم
الحل 2: توزيع الخطية بحسب دور كل فاعل (تفريد). فعندما يربط
المشرع مقدار الخطية بقيمة المنفعة المتحصل عليها أو الضرر الحاصل، فإنه يحدد
أساسًا ماليًا واحدًا للعقوبة، وبالتالي فإن تعديد هذه الخطية بتعدد الفاعلين يؤدي
إلى احتساب نفس القيمة عدة مرات، وهو ما يتنافى مع طبيعة الخطية النسبية، ويستوجب
إما اعتماد التضامن في خطية واحدة أو تفريدها بحسب دور كل فاعل.
وبالتالي فإن ما جرى عليه اليوم عمل المحاكم هو مجرد سوء تفسير
للنصوص الخاص بالخطية النسبية.
فالنص يقول: الخطية = قيمة
المنفعة المتحصل عليها أو المضرة الحاصلة للإدارة،
أي: هناك أساس مالي واحد
لكن المحكمة: كررت هذا الأساس عدة مرات من خلال الحكم على كل
متهم بكامل المبلغ موضوع المنفعة المتحصل عليها أو
المضرة الحاصلة للإدارة.
وهذا يتعارض مع الغرض الحقيقي من الخطية النسبية، وروح النص.
علاوة عما فيه من تناقض مع الفصل 21 م ج الذي يفترض أن الغرض
منه هو فرض التضامن لتفادي التعدد. بينما المحكمة قررت التعدد، ثم أضافت التضامن،
وهنا يمكن القول أنها لم تعد تطبق النص، بل خلقت عقوبة جديدة (مضاعفة)، وبالتالي
خرقت مبدأ الشرعية في تطبيقه السالف بيانه.
فطالما أن التضامن مفروض وجوبًا بموجب نص عام، فإن الخطية
النسبية لا يمكن قانونًا أن تتعدد، وأي حكم يفيد تعددها يُعدّ تطبيقًا خاطئًا
للقانون، يتمثل في:
◄
عدم فهم أثر التضامن الوجوبي
◄
وتحويل دين واحد إلى ديون متعددة
وإذا تم تنفيذ الحكم فعليًا على أساس استخلاص قيمة المضرة أو
المنفعة مرات متعددة بعدد الفاعلين. فهنا لم نعد أمام تطبيق النص، بل أمام عقوبة
غير منصوص عليها.
ولمزيد التوضيح نقول الخطية النسبية تقوم على معادلة الضرر أو
المنفعة الحاصلة، لكن عند تكرارها، تتحول إلى عقوبة مضاعفة وتفقد طبيعتها لأن
الخطايا النسبية، هي عقوبة مرتبطة بالمال لا بالشخص، ولذلك لا يمكن التعامل
معها بنفس منطق الخطية الثابتة.
فالمبدأ هو: لا عقوبة إلا بنص، وفي حدود ما يسمح به النص ولا
يمكن للقاضي إنشاء عقوبة بموجب طريقة حساب غير منصوص عليها. فلا يجوز مطلقا تحويل
نظام الخطية النسبية إلى “جمع حسابي حر". كما لا يجوز خلق نتيجة مالية غير
واردة في النص.
والقاضي ملزم بالبقاء داخل الحد القانوني ولا يمكنه تجاوزه بأي
طريقة حسابية.
ولا يجوز مطلقا تحويل الخطايا إلى “مجموع واحد متضخم خارج
النص”. مع ما سيتبع ذلك من تضامن وجوبي في الدفع بما سيؤدي لدفع المبالغ الإجمالية
بصفة متراكمة من طرف أكثر المحكوم عليهم ملاءة.
ولا يغير من هذا الخرق أن نقول بأن من دفع له حق الرجوع مدنيا
على بقية شركائه في الجريمة، إذ أنه لو كان لهم مال لتم التنفيذ عليهم أصالة.
يُعدّ نظام الخطية في المجلة الجزائية التونسية من أكثر الأنظمة
الجزائية التي تكشف عن تطوّر وظيفة العقوبة في القانون الجزائي الحديث، إذ لم تعد
الخطية مجرد جزاء مالي بسيط يضاف إلى العقوبات السالبة للحرية، بل أصبحت في عديد
الصور أداة ردع وتعديل وسيلةً لربط الجزاء بحجم الضرر أو المنفعة المتحصلة من
الجريمة. وتأسيسًا على ذلك، فإن الطبيعة القانونية للخطية في أصلها هي طبيعة
جزائية صرفة، لأنها تندرج ضمن العقوبات الأصلية المنصوص عليها بالفصل الخامس من
المجلة الجزائية، وتُسلَّط من قبل القاضي الجزائي عقب ثبوت الإدانة، وتؤول من حيث
المبدأ إلى خزينة الدولة لا إلى المتضرر، وهو ما يميزها عن التعويض المدني الذي
يُقضى به لفائدة من لحقه ضرر مباشر من الجريمة[30]. غير أنّ هذا
التكييف لا يمنع من ملاحظة أنّ الخطية قد تقترب أحيانًا من وظيفة التعويض، ولا
سيما في الجرائم المالية والاقتصادية، حيث يتداخل فيها البعد العقابي مع البعد
الجبري أو الإصلاحي، وهو ما يفسر توسع المشرع في اعتماد الخطية النسبية التي لا
تقوم على مبلغ ثابت، بل على معيار متحرك يربط مقدار الجزاء بقيمة الضرر أو المنفعة
أو المبلغ محل الجريمة[31]. وفي هذا الإطار،
تبرز الخطية النسبية بوصفها صورة خاصة من الخطية الجزائية، إذ يحدد القانون
مقدارها بحسب عنصر موضوعي خارجي، مثل قيمة ما حكم بترجيعه أو قيمة المنفعة
المتحصلة للجاني أو الضرر اللاحق بالإدارة، كما هو الشأن في الفصل 96 من المجلة
الجزائية، حيث تُربط الخطية مباشرة بالقيمة المالية محل الاعتداء. ويعني ذلك أن
القاضي في هذه الحالة لا يمارس سلطة تقديرية مطلقة في تعيين مقدار الخطية، بل
يلتزم بمعيار حسابي أو موضوعي يستمده من وقائع الدعوى، وقد يستعين عند الاقتضاء
بالخبرة لتقدير قيمة الضرر أو المنفعة، حتى تكون العقوبة متناسبة مع خطورة الفعل
وأثره المالي. وتؤكد الأستاذة البراهمي أن هذا الاتجاه التشريعي يكتسب أهمية خاصة
في الجرائم المرتبطة بالفساد المالي واستغلال الوظيفة والاعتداء على المال العام،
لأن الخطية النسبية تحقق قدرًا أعلى من الفعالية الردعية، وتمنع أن يتحول الجزاء
المالي إلى مبلغ رمزي لا يوازي جسامة الاعتداء[32]. ومع ذلك، فإن هذا
التطور لم يلغِ التمييز بين الخطية الجزائية والخطايا ذات الطبيعة الأخرى، إذ يوضح
المقال أن الخطايا الجبائية أو الديوانية قد تكتسي طابعًا تعويضيًا، بخلاف الخطية
الجزائية التي تظل في أصلها عقوبة أصلية، وإن كانت تتداخل عمليًا مع فكرة الجبر
المالي. كما أنّ الخطية النسبية تختلف عن الخطية الثابتة من حيث الأساس العملي،
فالثابتة ترتبط بمبلغ محدد سلفًا، أما النسبية فتتبدل تبعًا لمعيار الضرر أو
المنفعة، الأمر الذي يجعلها أكثر ملاءمة للجرائم الاقتصادية التي تتفاوت فيها
القيم المالية تفاوتًا كبيرًا. وعلى هذا الأساس، تعتبر الاستاذة البراهمي إن
الخطية في المجلة الجزائية التونسية لم تعد مجرد جزاء تقليدي، بل أصبحت تقنية
عقابية تجمع بين الردع والتناسب، بينما تمثل الخطية النسبية النموذج الأوضح لهذا
التطور، لأنها تجعل العقوبة المالية مرتبطة مباشرة بواقعة الجريمة ونتائجها، مع
احتفاظها في التكييف القانوني بطبيعتها الجزائية الأصلية[33] .
وانطلاقا مما سبق فإن الأصل في العقوبة أن تُفرد على الشخص،
بينما التضامن (وخاصة عندما يكون وجوبيا) في مرحلة التنفيذ، أي لا يوجد فرضية
“الإلغاء القضائي لمبدأ التضامن في دفع الخطايا بين عدة متهمين” (لم يعط المشرع
للمحكمة سلطة منع التضامن)، ولكن في ظل مبدأ الشرعية، وقاعدة احترام السقف
القانوني، يفترض أن تمتنع المحاكم عن أي طريقة حساب تؤدي إلى تجاوز الخطية النسبية
للمعيار الذي حدده المشرّع، سواء عبر التكرار أو الجمع أو أي تفسير يؤدي إلى تضخيم
غير منصوص عليه.
نحصحص فنقول أن جريان العمل فيه تحريف لطبيعة الخطية النسبية من
عقوبة مرتبطة بالضرر، إلى عقوبة حسابية متكررة. وهو جوهر خرق مبدأ الشرعية، لأن
النص ربط الخطية بـقيمة محددة وليس بتلك القيمة مضروبا بعدد المحكوم عليهم. علاوة
على انتهاك هذا الحكم لمبدأ التناسب، باعتبار أن العقوبة المقضي بها تساوي أضعاف
الضرر أو المنفعة، وهو ما يجعل التطبيق في حال انفصال كامل عن النص. ويمتد ذلك
بدرجة ما إلى الخطية ذات الاحتساب المزدوج.
ثالثا- الخطية
ذات الاحتساب المزدوج (نسبية بسقف أقصى):
علاوة عما سبق بيانه بخصوص الخطية الثابتة والخطية النسبية فإن بعض النصوص
تقر خطية من طبيعة مزدوجة فهي في الأصل نسبية ولكن بسقف أقصى ثابت، أو هي في حدها
الأدنى ثابتة مع مضاعفات نسبية.
ولعل أبرز مثال في التطبيق على ذلك هو الفصل 35
من مجلة الصرف الذي ينص على مايلي: "إن الجرائم أو محاولات ارتكاب الجرائم في
حق تراتيب الصرف يعاقب عليها بالسجن من شهر واحد إلى خمس سنوات وبخطية من
مائة وخمسين دينار إلى ثلاثمائة ألف دينار، على ألا تكون هذه الخطية أقل مما يساوي
خمس مرات المبلغ الذي قامت عليه الجريمة وفي صورة العود فان العقوبة
بالسجن يمكن الترفيع فيها إلى عشر سنوات ولا ينطبق الفصل 53 من المجلة
الجنائية."
يتبين من هذا النص أن المشرع حدد عقوبة الخطية بحد ثابت أقصى
وحيد وحدين أدنيين أحدهما ثابت وهو 150 دينار والأخر نسبي وهو خمسة أضعاف المبلغ
موضوع الجريمة.
فالحد الأقصى هو 300 ألف دينار ويفترض عدم تجاوزه احتراما لمبدأ
الشرعية.
أما الحد الأدنى فهو 150 دينار على ألا يقل عن خمس أضعاف المبلغ
موضوع الجريمة.
ويفترض ان القاضي ملتزم عند نطقه بعقوبة الخطية بالحد الأدنى
والحد الأقصى دون تجاوز النص، فليس للقاضي أن يقوم مقام القانون فيشرع أو ينشئ من
عنده عقوبة غير منصوص عليها أو بأكثر مما هو منصوص عليه. ولو بحجة أن مقتضيات
النص لم تعد تلائم الواقع.
فالقاضي ليس من دوره أن يجعل النص مواكبا للتضخم الحاصل وانخفاض
سعر الدينار، فهذا من شأن المشرع وحده دون غيره بصريح الفصلين 34 و75 من الدستور
والفصل 1 م ج.
فالتشريع وحده هو الذي يحدد الجرائم ويضبط العقوبات، ولا يمكن بحال أن يقع
تعديل النص بحجة مواكبة الواقع.
لكن جرت العادة في التطبيق أن يقع مضاعفة مبالغ الخطايا الصرفية
لتتجاوز 300 ألف دينار من جهة، ثم الاعتماد على النصوص الخاصة بالجرائم الديوانية
لإضافة "الديسم"[34] على كل خطية من جهة
أخرى، والحال أن مجلة الصرف لم تنص على ذلك.
وللتوضيح سنميز بين الخطايا الديوانية وملحقاتها، وبين الخطية
الصرفية ومضاعفاتها.
فبالنسبة للخطايا الديوانية وملحقاتها فإن االخطية غالبا نسبية
ومرتبطة بموضوع الجريمة مع إمكانية الإضافة باحتساب الديسم ومضاعفاته وهنا يجب
توضيح أن الديسم ليس عقوبة جزائية مستقلة، بل هو ملحق مالي أو زيادة
قانونية مرتبطة بنص خاص، ورد في النصوص التطبيقية لمجلة الديوانة القديمة والتي
بقيت سارية بصفة انتقالية لحين صدور نصوص تطبيقية لمجلة الديوانة 2008. فهل يجوز
تطبيق هذا في المجال الصرفي كما هو جار به العمل الآن؟
مؤكد لا، لا يمكن تطبيق “الديسم” لا في جرائم الصرف، ولا
في الجرائم الجزائية العادية، إلا إذا كان هناك نص صريح يقرّه، وهذا غير
موجود. ومع ذلك نجد أن المحاكم تقضي في الجرائم الصرفية وفق طلبات الإدارة وتتجاوز
الحد الأقصى المتمثل في 300 ألف دينار، كما تعتمد الديسم ومضاعفاته في الخطايا
الصرفية. وهذا خرق صارخ لمبدأ شرعية العقوبة، وللتطبيق السليم للقانون. ولكن للأسف
حتى الدفاع نادرا ما يتمسك بذلك الدفع وهو ما أدى إلى خلق جريان عمل غير شرعي
ومخالف للدستور وصريح القانون.
فإذا قامت محكمة بإضافة “ديسم” دون وجود نص صريح يجيز ذلك، فإن
ذلك يُعدّ خرقًا صريحًا لمبدأ الشرعية. لأن القاضي أضاف عنصرًا ماليًا غير منصوص
عليه. ولا يبرر ذلك كون المحكمة استندت إلى “العرف الديواني”. فالعرف لا يُنشئ
عقوبة جزائية.
ولكن لقائل أن يقول أن هذه الديسيمات مستمدة من أمر صادر في 17
جوان 1954 جاء في فصله الأول بما معناه أنه تُضاف لفائدة الخزينة ديسيمات (أعشار)
على مختلف المعاليم والخطايا والمبالغ الراجعة للدولة، وذلك طبقًا للنسب المحددة
بهذا الأمر. ليضيف الفصل الثاني منه أنه تُضبط نسبة هذه الديسيمات بعُشر (10%) من
أصل المبالغ المعنية، ويمكن الترفيع فيها أو تعديلها بنصوص لاحقة.
ولكن رغم أن النص يتحدث عن “المعاليم والخطايا” فإنه نص عام
قديم (1954 – قبل الاستقلال)، ولم يُدمج صراحة في: مجلة الصرف التونسية، أو المجلة
الجزائية التونسية. فحتى مع وجود هذا الأمر لا يمكن اعتماده تلقائيًا لإضافة
“ديسمين ونصف (25%)” على الخطايا الجزائية إلا إذا وُجد نص لاحق وصريح يُحيل عليه
أو يقرّه
كما لا يمكن الاستناد إلى قوانين المالية للقول بإقرار
الديسيمات على الخطايا الجزائية، إذ لم تتضمن هذه القوانين أي نص صريح في هذا
الاتجاه، مما يجعل إضافة نسبة 25% فاقدة للسند القانوني ومخالفة لمبدأ الشرعية.
وصحيح أن قانون المالية لسنة 2024 أشار إلى الديسيمات المنصوص عليها بالأمر المؤرخ
في 17 جوان 1954[35]، إلا أن هذه
الإحالة جاءت في إطار ضبط موارد مالية، ولم تتضمن أي إقرار صريح بإضافة نسبة محددة
على الخطايا الجزائية، مما يمنع التوسع في تطبيقها، خاصة في مادة تخضع لمبدأ
الشرعية والتفسير الضيق. فالإحالة في قانون المالية 2024 على الديسيمات لا تُنشئ
عقوبة، بل تؤكد أن هذه الديسيمات مورد مالي قائم بذاته، ولا يجوز توسيع نطاقه
جزائيًا دون نص صريح. الفصل 2 سالف الذكر لا يقول: “تُطبق الديسيمات على كل
الخطايا الجزائية”. كما لا يقول “تُضاف نسبة 25% تلقائيًا”. ولم ينص صراحة على
أنها “تشمل جرائم الصرف جزائيًا”
بل يقول فقط (منطوقًا ومضمونًا): تُحدث ديسيمات إضافية على بعض
المبالغ التي تؤول للدولة وفق شروطها الجبائية.
وبالتالي إذا قامت المحكمة بإضافة “ديسمين ونصف” (25%)، فهي قد
قامت عمليا بـمزج نظام جبائي (1954) مع نظام جزائي (الصرف) يؤدي إلى 3 خروقات
خطيرة وهي :
1) خرق مبدأ الشرعية: لأن الديسم غير منصوص عليه كعقوبة في الصرف
2) خلط بين نظامين مختلفين هما: نظام جبائي (1954)، ونظام زجري
(الصرف). وهذا غير جائز قانونًا.
3) غيرت طبيعة العقوبة: لتصبح الخطية ليست “محددة بالنص” بل “مضافة
بنسبة خارج النص.
وعليه فإن الخطأ الشائع في الفهم واعتبار الديسم “عقوبة جزائية
تُضاف على الخطية” تعوزه الدقة، بل هو غير صحيح، فالديسم هو: معلوم مالي إضافي
جبائي الأصل. ولا يمكن استيراد آلية جبائية (1954)، ووإضافتها إلى عقوبة جزائية،
إلا إذا كان هناك نص صريح يدمجها في النظام الزجري.
وعليه ليست المشكلة في وجود “الديسم” بل في محاولة تحويله من
آلية مالية إلى عقوبة جزائية.
أما بالنسبة للخطايا الصرفية ومضاعفاتها:
فإن الفصل 35 من مجلة الصرف في صياغته الحالية يثير إشكالا كبيرا على مستوى
التطبيق يتعلق بضبط الخطية إذ حدد المشرع المبلغ الأقصى للخطية بـ 300 ألف دينارا
ثم اشترط ألا يقل مبلغ الخطية عن خمسة أضعاف المبلغ الذي قامت عليه الجريمة. ويثار
الأشكال عندما يكون مجموع أضعاف المبلغ الذي قامت عليه الجريمة يتجاوز الحد الأقصى
للخطية وهو 300 ألف دينارا. كأن يكون المبلغ الذي قامت عليه الجريمة الصرفية يساوي
100 ألف دينارا مثلا فإذا احتسبت الخطية على أساس خمسة أضعاف ذلك المبلغ أي ما
قدره 500 ألف دينار فإن هذا المبلغ يتجاوز الحد الأقصى للخطية المشار إليه بصريح
النص.
فهل يقع اعتماد الحد الأقصى مهما كان مجموع أضعاف المبلغ الذي قامت عليه
الجريمة؟ أم هل يقع اعتماد المبلغ الذي يمثل مجموع أضعاف المبلغ الذي قامت عليه
الجريمة؟
في الحالة الأولى، وإذا كان النص يلزم بعدم تجاوز الحد الأقصى فإنه في
المقابل يشترط عدم النزول عن مجموع أضعاف المبلغ الذي قامت عليه الجريمة،
أما في الحالة الثانية، إذا اعتمد مجموع أضعاف المبلغ الذي قامت عليه
الجريمة فإنه سيقع تجاوز الحد الأقصى الذي وضعه النص للخطية.
وبالرجوع إلى النص نجد أن صيغته إلزامية بخصوص عدم تخطي الحد الأقصى وفرض
التقيد به.
فالقراءة السليمة للنص تقتضي أن تطبيق خمس أضعاف المبلغ يكون في
صورة الخطية أقل من 150د، أما إذا كان تطبيق خمس أضعاف المبلغ يتجاوز 300 ألف
دينار فلا يمكن تجاوز الحد الأقصى للخطية، وهذه القراءة يفرضها مبدأي الشرعية
والتناسب، كما يتأكد لغة وقانونا:
فلغويا، لا يُمكن لأحد الحدين ( الأقصى والأدنى) أن يُلغي الآخر، طالما أن المشرع
استعملهما معاً في جملة واحدة دون إعطاء أولوية صريحة لأحدهما.
وبالتالي،
فإن التفسير اللغوي يفرض الجمع بين الشرطين بطريقة لا تؤدي إلى تناقض منطقي أو
عبث لغوي، ومن هنا يجب التقيّد بالسقف الأقصى عندما تتجاوز الخمسة أضعاف
المبلغ موضوع الجريمة مبلغ 300 ألف دينار (لا بد من مراعاة ضخامة هذا المبلغ زمن
وضع النص سنة 1976 لا زمن تطبيقه اليوم)، وتطبيق الخمسة أضعاف فقط إذا لم يكن
المبلغ يتجاوز 300 ألف دينار.
كما إن الهدف من اشتراط خمسة أضعاف المبلغ كحد أدنى متغير هو ضمان
الردع المالي (مع التذكير دائما بزمن وضع النص سنة 1976) في حالات الجرائم الصرفية
البسيطة، في حين أن تحديد السقف الأقصى الثابت يهدف إلى منع الإفراط في الخطية في
الحالات ذات المبالغ الكبرى، احتراما لمبدأ التناسب.
وهذا الفهم يتأكد بالرجوع إلى السياق التاريخي الذي صدر فيه
الفصل 35 من مجلة الصرف والتجارة الخارجية في 21/01/1976، إذ يتبين أن تحديد
الخطية المالية بسقف أقصاه 300 ألف دينار كان يمثل آنذاك عقوبة رادعة وقاسية،
بالنظر إلى القيمة المالية المرتفعة للدينار التونسي وقتها قياسا على العملات
الصعبة في تلك الحقبة (وخاصة الدولار الذي كان يساوي أقل من نصف دينار) ومن هذا
المنطلق، فإن التفسير السليم للنص يقتضي احترام هذا الحد الأقصى الثابت باعتباره
يعكس إرادة المشرّع زمن التشريع في تحقيق الردع دون تجاوز معقولية العقوبة
وتناسبها، ولا يجوز اليوم تأويل النص على نحو يُحوّله إلى أداة عقابية مفتوحة ﻻ
سقف لها تتجاوز ما قصده واضع القانون.
كما أن قراءة الفصل 35 من مجلة الصرف يجب أن تكون منسجمة ومتناغمة مع
القواعد العامة التي تحكم المنظومة الزجرية، ذلك أن النصوص الجزائية تُفسّر دائماً
تفسيراً ضيقاً لا توسّع فيه، نظراً لطبيعتها الاستثنائية التي تخرج عن الأصل العام
المتمثل في اﻻباحة وحرية المعاملات[36]. فالقاضي ملزم
بالقراءة المفضية لتغليب مصلحة المتهم عند وجود تعارض أو غموض في النص القانوني.
وعليه، فإن التأويل الذي يفرض احترام السقف الأقصى للخطية متى تجاوزت خمسة أضعاف
المبلغ محل الجريمة، هو وحده الذي يُحافظ على اتساق النص مع القواعد العامة
للتأويل.
وحيث أن جملة الحجج
المذكورة تدعم القراءة السليمة للنص والتي بدورها تأكدت بالقرار التعقيبي الجزائي
عدد 33140 بتاريخ 3/11/2023 (غير منشور) الذي لم ترفض فيه محكمة التعقيب
هذا الدفع لعدم وجاهته وانما فقط بحجة أن الطاعن لم يبين ما كان يجب الحكم به من
خطية!!! إذ جاء في تعليل موقفها: "وحيث في خصوص المطعن المتعلق بخرق مبدأ
شرعية العقوبة فقد ورد هذا المطعن مجملاً ولم يبين أوجه خرق القانون المدعى به ولم
يبين مبلغ الخطية الواجب الحكم بها حسب ادعاءه مما يجعل دفعه مجرداً وموضوعي وتعين
رده".
ورغم عدم وجاهة هذا الرد. فالطاعن تمسك بضرورة الوقوف عند الحد
الأقصى المقرر بالنص، ولكنه تعليل يفهم منه اقتناع محكمة التعقيب بالقراءة المشار
إليها أعلاه، إلا أن رد المطعن مبناه عدم بيان مبلغ الخطية الواجب الحكم بها، وهو
ما يعتبر تهربا من تطبيق القانون ليس إلا.
وعليه يستخلص مما سبق أن احترام القانون يفرض في الجرائم
الصرفية أنه لا يمكن اعتماد الديسميات كما لا يمكن تجاوز مبلغ 300 ألف دينار كحد
أقصى ثابت استنادا إلى:
●
التفسير الضيق للنص الجزائي
●
مبدأ الشرعية
●
مبدأ التناسب
أما الرأي المقابل (جريان العمل الذي تتبناه المحاكم): تطبيق
"الديسميات"، والـ“خمسة أضعاف” هو الحد الأدنى الفعلي، والسقف التشريعي
(300 ألف) يصبح غير قابل للتطبيق في هذه الحالة، هو رأي لا سند ولا حجة له. فتجاوز
300 ألف هو حتما سوء تفسير للنص، وخرقًا للشرعية إذا يؤدي إلى عقوبة غير
مبررة نصًا.
ولمزيد التوضيح بخصوص هذه النقطة يمكن القول أن الفصل يضع 3
معايير لتقدير الخطية:
1) حد أدنى مطلق: 150 دينار
2) حد أقصى مطلق: 300.000 دينار
3) حد أدنى نسبي: 5 × قيمة المبلغ محل الجريمة
مما يعني أننا لسنا أمام عملية حسابية فقط، بل أمام نظام
قانوني، يفرض علينا ان نتساءل: ماذا نفعل إذا كان (5X) أكبر من 300.000؟. وهنا يظهر التعارض بين:
سقف تشريعي ثابت (ceiling)، وحد أدنى نسبي متغير (floor variable) وتكون لدينا حالتان هما:
* الحالة (1): إذا كان مبلغ 300 ألف دينار أقل من خمسة أضعاف
المبلغ. هنا الحل بسيط: الخطية = 5X. لكن بشرط: ألا تقل عن 150. وعندها نعتمد القيمة النسبية للخطية.
** الحالة (2): إذا كان مبلغ 300 ألف دينار أكثر من خمسة أضعاف المبلغ.
هنا المشكل الحقيقي، إذ لا يمكن قانونًا تجاوز سقف 300.000 دينار، لأن الحد الأقصى
هو حد مانع (plafond impératif). وعليه يجب إعمال السقف الأقصى الثابت مهما كان مقدار 5X.
فالقاعدة المستخلصة من النص هي أن الخطية = القيمة الأعلى بين:
150 دينار و5 أضعاف المبلغ محل الجريمة.
لكن في جميع الحالات لا يمكن أن تتجاوز 300.000 دينار
وبناء عليه يتأكد فهم الفصل بكونه يقر خطية تتراوح بين حد أدنى
مطلق (150 دينار)، وحد أقصى مطلق (300.000 دينار)، وحد أدنى نسبي (5 مرات المبلغ
محل الجريمة). وعند التعارض بين الحد النسبي والسقف الأقصى، يُقدَّم السقف الأقصى
باعتباره حدًا مانعًا، مما يجعل أقصى خطية ممكنة قانونًا هو 300.000 دينار فقط،
دون إمكانية تجاوزها بأي عملية حسابية.
لكن ما جرى به العمل القضائي والاداري من تحويل الحد الأقصى
(300.000) إلى “عنصر قابل للتجاوز” يعني عمليًا أن المحكمة ألغت السقف التشريعي،
وهذا ليس تفسيرًا للنص بل إعادة صياغة له، مبني على خلط بين “التقدير” و“التجميع”.
فالقانون يقول: الخطية = داخل سقف واحد لكل حكم، لكن المحكمة
تحولها إلى مجموع حسابي متراكم.
وهذا يؤدي إلى خلق عقوبة لم ينص عليها القانون. فإذا استُعمل
التجميع تحول الأمر إلى “مولّد خطايا”.
ويضاف لما سبق طبعا ما سيترتب عن تضخيم الناتج عبر التضامن في
دفع الخطايا طبق الفصل 21 م ج.
مع التذكير بأن المحاكم والادارة لا تتعاملان مع التضامن كوسيلة
لضمان استخلاص الخطية، بل كوسيلة لمضاعفة العقوبة.
وعليه فمن واجب القضاء أن يطبّق قاعدة: “السقف يمنع التضخيم”،
بحيث لا يمكن أن يؤدي إلى تجاوز الحد الأقصى للعقوبة، فالنص واضح ويتضمن “سقف
قانوني ثابت” هو 300 ألف دينار كحد أقصى للخطية، وهذا ليس تقديرًا، بل هو حد مانع
(plafond
impératif).
والحد الأقصى لا يُتجاوز، وأي تجاوز له هو خرق مباشر لمبدأ الشرعية. كما أن السقف
الأقصى هو قاعدة شرعية، لا يجوز تجاوزه بأي تأويل قضائي.
فما جرى عليه عمل المحاكم يُعدّ تأويلاً مخالفًا لمقتضيات النص الجزائي،
ويؤدي إلى تسليط عقوبة تتجاوز ما يسمح به التفسير السليم للنص، بما يمسّ بمبدأ
الشرعية.
أما بخصوص "الديسم" فهو معلوم إضافي ذو أصل ديواني يُحتسب بنسبة
مئوية على الخطايا أو المعاليم، ولا يمكن تطبيقه في المجال الصرفي إلا بنص صريح،
وبالتالي فإن إضافته في غير الحالات التي أقرّها المشرع تُعدّ خرقًا لمبدأ شرعية
الجرائم والعقوبات.
وتأسيساً
على ما تم بسطه في محاور هذا المقال، يتضح أن الجدلية بين عقوبة الخطية ومبدأي
الشرعية والتناسب ليست ترفاً فقهياً، بل هي الضابط الهيكلي والعملي الذي يقي
المنظومة الجزائية خطر الانزلاق نحو "قانونية الظلم". وتتجلى هذه
العلاقة العضوية مباشرة من خلال أن الاستناد المجرد إلى "الشرعية
الشكلية" قد يُشرعن معاقبة الفعل الواحد مرتين أو أكثر تحت غطاء عقوبة الخطية
النسبية المتعددة بتعدد المحكوم عليهم مع وجوبية الرد والتضامن. مما يستوجب تفعيل
التناسب ككابح دستوري وواجب محمول على القاضي لمنع الإسراف العقابي. فقد برهن
التحليل المعمق على أن النص الشرعي إذا طبق بصفى جامدة حسابياً، ستتحول الخطية إلى
أداة سحق اقتصادي لا مجرد وسيلة ردع وجبر ضرر؛ عبر تطبيقات ترمي إلى تعددها
وتراكمها مع اقرار التضامن في دفعها علاوة على رد موضوعها. وبناءً على ذلك، فإن
التناسب هو الروح الموضوعية التي تحمي جسد الشرعية الجامد. والسياسة الجنائية
الرشيدة لا تقف عند حدود صياغة نصوص قانونية مكتوبة ومتاحة، بل في قدرة هذه النصوص
على الحد من تعسف القضاء والإدارة في تطبيقها بأدوات جائرة.
[1]
استقر قضاء محكمة التعقيب الفرنسية (Crim., 1 févr. 2017 و8 févr. 2017) على وجوب تسبيب
العقوبة تسبيبًا خاصًا يكشف عن تناسبها مع خطورة الفعل وشخصية الجاني، ومنع
التعليل النمطي، كما كرّس المجلس الدستوري الفرنسي (Décisions n° 82-155 DC و2010-66 QPC) مبدأ التناسب كقاعدة
دستورية تُبطل كل عقوبة يشوبها عدم تناسب بيّن، فإن القرار المنتقد، وقد خلا من
بيان أسباب التشديد ولم يبرز عناصر شخصية الطالب، يكون قد خالف هذه المبادئ
المستقرة فقهيًا وقضائيًا، بما يوجب نقضه.
[2]) الهمشري،
مرجع سابق، ص346.
[3]) محمد
علي الدقاق، الغرامة الجنائية في القوانين الحديثة، رسالة دكتوراه، بغداد 1957،
ص71.
[4]) المرجع
نفسه ، ص72.
[5]Garraud.
R. Traité théorique et pratique du droit pénal français, 3ème éd, Paris )
1913-1924. T2. P.374 et 383 et ss.
[6]) السعيد
مصطفى السعيد، الأحكام العامة في قانون العقوبات، الطبعة الرابعة القاهرة، 1962
ص666. وسمير الجنزوري، الغرامة الجنائية. القاهرة 1967، ص172.
وانظر
كذلك : Bouzat.(P). traité théorique et
partique de droit pénal, Dalloz
1951, P.531.
ومن
فقه القضاء الفرنسي المقر للصبغة المزدوجة راجع :
Cass Crim. 30/04/1897. S. 1899, I.529.
Cass. Crim. 18/05/11933, D.H.1933.
P.382.
Cass. Crim. 11/06/1949, Bull. Crim. n°208.
[7]) انظر : Cass. Crim. 17/05/1945, Doc. Cont.
749.
[8]) راجع
الفصل 61 قانون المنافسة والاسعار لسنة 1991 وكذلك الفصل 48 قانون حماية المستهلك
لسنة 1992. والفصل 6 من قانون نسبة الفائدة المشطة عدد 64 لسنة 1999، والفصل 33 من
القانون عدد 39 لسنة 1998 المتعلق بالبيوعات بالتقسيط، والفصل 57 من القانون عدد
40 لسنة 1998 المتعلق بطرق البيع والاشهار التجاري.
[9]) انظر
الطبيعة القانونية للخطية في التشريع التونسي: آمال الجلاصي: الخطية الجزائية،
مذكرة دراسات معمقة – كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس – 1998.
[10]) محكمة
النقض السورية تؤكد أن للغرامة صبغة مزدوجة:"حيث أن الغرامات التي يحكم بها
القضاء بموجب قانون التأمينات الاجتماعية إنما هي عقوبة قانونية يمكن أن تستبدل
بالحبس حينما يمتنع المحكوم عليه عن أدائها وتتلاشى بها وتنفذ بمعرفة النيابة
العامة وتؤول بعد تحصيلها إلى مؤسسة التأمينات الاجتماعية ولذلك فإن هذه الغرامات
ذات صفة مزدوجة فهي معتبرة من أنواع العقوبة من جهة، وتسري عليها القواعد العامة
وتؤول من جهة ثانية إلى المؤسسة ولكن صفة العقوبة تبقى الصفة الأساسية كما استقر
على ذلك اجتهاد هذه المحكمة". ج1192 ق 1052 تاريخ 11-6-1979. الدركزلي: ج2-
القاعدة 2196. ص293. ووانظر في عكس هذا الموقف لمحكمة النقض السوري، المرجع نفسه –
القاعدة 2197 – ص294. وكذلك اعتبرت محكمة النقض المصرية في الميدان الجمركي"
أن الصفة المختلطة للجزاءات المقررة بالقوانين الآنفة الذكر (قانون الجمارك ـ
المادة 122 تهريب) يختلط فيها معنى الزجر والردع المستهدف من توقيع العقوبات، بما
في ذلك التشديد في حالة العود، بالتعويض المدني للخزانة جبراً للضر وهذه الصفة
المختلطة تجعل من المتعين أن يطبق في شأنها ـ باعتبارها عقوبة ـ القواعد القانونية
العامة في شأن العقوبات، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز الحكم بها إلا من المحكمة
الجنائية وحدها دون المحكمة المدنية، وأن المحكمة تحكم بها من تلقاء نفسها بغير
توقف على تدخل الخزانة العامة، ولا يقضى بها إلا على مرتكبي الجريمة فاعلين أصليين
أو شركاء دون سواهم فلا تمتد إلى ورثتهم ولا إلى المسؤولين على الحقوق المدنية،
وتلتزم المحكمة في تقديرها الحدود التي رسمها القانون، ولأنها لا تقوم إلا على
الدعوى الجنائية ـ فإن وفاة المتهم بارتكاب الجريمة يترتب عليه انقضاء الدعوى
عملاً بالمادة 14 من قانون الإجراءات الجنائية…"الطعن رقم 868 لسنة 54
قضائية، هيئة عامة ـ جلسة 29 ـ 1 ـ 1985. مجموعة المكتب الفني، السنة 36. ص. 5 ـ
11. لأما بالنسبة للغرامات الضريبية فقد أقرت المحكمة أنها "جزاء يغلب عليه
معنى العقوبة وإن خالطه التعويض" نقض 18 ـ 5 ـ 1948. طعن رقم 668. منشورات
المكتب الفني، السنة 18 قضائية، مذكور لدى عبد الفتاح مراد: شرح قانون ضريبة
الاستهلاك ـ دار الفكر الجامعي ـ الإسكندرية 1990. ص216.
[11] القانون عدد 109 الصادر بتاريخ 18
أكتوبر 1958 المتعلق بالتحوير النقدي قد جعل من الدينار هو الوحدة النقدية لتونس
وحيث أن عديد النصوص القانونية السابقة لقانون 18 أكتوبر 1958 قد غيرت في كيفية
احتساب الخطايا المالية المقررة للجرائم سواء منها الجرائم المنصوص عليها بالمجلة
الجزائية أو في النصوص الجزائية الخاصة كما هو الشأن بالنسبة لامر المؤرخ في 12
ديسمبر 1946 الذي ضاعف مقدار الخطية خمسة أضعاف والأمر المؤرخ في 12 ديسمبر 1946
الذي ضاعف معلوم الخطايا مرتين ونصف والأمر المؤرخ في 22 جانفي 1953 الذي ضاعف
مقدار الخطايا مرتين ونصف و كذلك الأمر المؤرخ في 17 جوان 1954 وحيث أن الخطايا
المالية المقدرة بالفرنك حسب النص الأصلي للمجلة الجزائية قد جرى تحيينها وإعادة
احتسابها بموجب القانون عدد 46 لسنة 2005 المؤرخ في 6 جوان 2005 المتعلق بالمصادقة
على إعادة تنظيم بعض أحكام المجلة الجزائية وصياغتها وينص الفصل الثاني من قانون عدد 46 لسنة 2005 مؤرخ في 6
جوان 2005 المتعلّق بالمصادقة على إعادة تنظيم بعـض أحكـام المجلة الجزائية
وصياغتها على أنه: " طبقا لأحكام القانون عدد 109 لسنة 1958 المؤرخ في 18
أكتوبر 1958 المتعلق بالتحوير النقدي، تقدّر الخطايا بالدينار وتحيّن وفقا لأحكام
الأمر المؤرّخ في أول جانفي 1942 المتعلّق بضبط مقدار الخطايا الجنائية والأوامر
المؤرّخـة فـي 12 ديسمبـر 1946 و4 نوفمبر 1948 و22 جانفي 1953 والفصل الأول من
الأمر المؤرخ في 17 جوان 1954 المتعلّقة جميعها بتغيير مقدار الخطايا
الجنائية".
[12] الفصل 33 م ج: "يعاقب المشاركون في جريمة في كل
الحالات التي لم ينص القانون على خلافها بالعقاب المقرّر لفاعليها ما لم تقتضي الأحوال
إسعافهم بتطبيق أحكام الفصل 53 من هذه المجلة".
[13]) الهمشري:
مرجع سابق ص 342. والجنزوري، مرجع سابق، ص330 ـ 331.
[14]) عمر
الدقاق: مرجع سابق. ص81.
[15]) عبد
الوهاب حومد: مرجع سابق ص213، وانظر كذلك :
Perret (H), Le rôle pénal de la
solidarité entre les condamnés à une peine d'amende. R.S.C.1944. P.77s.
[16]) انظر : Mazoyer,(R), La
salidarité des amendes, thèse, Paris 1911. P.199-200.
[17]) انظر : Perret.(H),
op.cit., P.86.s.
[18]) ونجد
التوجه نفسه أيضاً في المادة 344 من قانون الجمارك اللبناني التي أقرت
التضامن بين المخالفين والكفلاء والشركاء والوسطاء والبحارة وقائدي وسائل النقل
وجميع الناقلين وأصحاب البضائع والأشخاص المرسلة إليهم وأصحاب وسائل النقل، وأصحاب
المحلات التي أودعت فيها البضائع المهربة في الغرامات والمصادرات.
[19]) اعتبر المجلس الدستوري التونسي أن تكريس مبدأ التضامن في الخطايا دون المشاركة في الجريمة لا
يتطابق مع مبدأ شخصية العقوبة. انظر زهير المظفر: المجلس الدستوري، المطبعة
الرسمية، تونس 1993 – ص125. لكن محكمة التعقيب التونسية كان لها رأي مخالف كما
سنرى لاحقاً.
[20]) الدقاق:
مرجع سابق، ص87 و94.
[21]) الهمشري:
مرجع سابق، ص349.
[22]) راجع
الأساس المدني للتضامن وخرقه لمبدأ شخصية العقاب ومبدأ الشرعية: كمال البلطي:
الجبر بالسجن، الملتقى الدولي حول تنفيذ العقوبة ـ الجمعية التونسية للقانون
الجنائي ـ أيام 16ـ17ـ18ـ مارس (آذار) 1991 بتونس (مرقونة).
[23]) تعقيب
جنائي عدد 4126 – في 14-11-1957 – النشرية جزائي لسنة 1957 – ص80.
[24]) تعقيب
جنائي عدد 4330 – في 16-2-1966 – النشرية جزائي لسنة 1966 – ص66. انظر أيضاً قرار
تعقيبي جنائي – عدد 3374 – في 13-4-1966 – حيث اعتبرت المحكمة أنه "من المقرر
أن التشريع الجبائي يفرض التضامن على كل متهم في جريمة جبائية في العقوبات المالية
المحكوم بها مع جميع من شمله التتبع". النشرية جزائي لسنة 1966 – ص81.
بينماذهبت
محكمة النقض السورية إلى عكس ذلك تماما إذ اعتبرت أن "الغرامة عقوبة شخصية لا
يحكم بها بالاشتراك والتضامن" (ج597 ق885 تاريخ 23-5-1951 – الدركزلي ج2 –
قاعدة 2191. ص291.) وبينت في قرار آخر أن "الغرامة عقوبة قانونية.. والعقوبة
شخصية ولا تفرض إلا على الفاعل.."(ج942 ق829 تاريخ 15-11-1980 – المرجع
السابق – قاعدة 2192. ص291.). "وحيث أنه لا نيابة في العقوبات فلا يجوز الحكم
بالغرامة على عدة أشخاص بوجه التضامن" (ج287 ق44 تاريخ 31-1-1960 – المرجع
السابق – قاعدة 2198. ص294.). إذاً "فلا يجوز الحكم بالتكافل والتضامن على من
يحكم بالغرامة (في حال تعدد المحكومة عليهم) لأن الغرامة من العقوبات، ولا يصح
فيها التكافل والتضامن بين المحكوم عليهم ومخالفة هذه الناحية يستوجب
النقض"(ج703 ق679 تاريخ 6/4/1966 - المرجع السابق ق2197 – ص294).
أما المشرع المصري فلقد اتخذ موقفاً وسطاً، بين السوري
والتونسي، حيث أقر التضامن بموجب نص عام إلا أنه حصر في الغرامات النسبية فقط. حيث
جاء في المادة 44 ق ع مصري أنه "إذا حكم على عدة متهمين بحكم واحد لجريمة
واحدة، فاعلين كانوا أم شركاء، فإنهم يكونون متضامنين في الالتزام بالغرامات
النسبية ما لم ينص في الحكم على خلاف ذلك". ولقد بينت محكمة النقض المصرية
الغاية من هذا النص موضحة "أن المشرع عني بأن يضمن للحكومة أن تحصل من
المتهمين جميعاً مبلغاً بصفة غرامة يساوي المبلغ المختلس لا أكثر ولا أقل، وأن
تخطي هذه القاعدة وتعديد الغرامة بإيجابها كلها على كل واحد من المتهمين لا يتماشى
مع القصد الظاهر الذي يرمي إليه المشرع"(نقض مصري 9-11-1931 قضية رقم 293 –
سنة أولى قضائية مذكور لدى جندي عبد الملك: الموسوعة الجنائية – المجلد 5 – ص113.
وانظر التضامن في التشريع المصري: الهمشري: مرجع سابق، ص340، وما بعدها.).
[25] القرار التعقيبي الجزائي عدد 15690 المؤرخ في 24 نوفمبر 2007 .
[26]) وهناك
من يعبر عنه بالكفالة المدنية للغرامة La garontie civile de l’amende، انظر عبد
الوهاب حومد: دراسات معمقة… المسؤولية عن فعل الغير، طبعة 1987. ص372.
[27]) عبد
الوهاب حومد: مرجع سابق، ص214، ولقد رفض فقه القضاء الفرنسي الحكم بالضمان لعدم
وجود نص يقر ذلك
انظر: Cass.
Crim. 25/06/1903. D. P.1905.1-62.
Cass. Crim. 7/7/1854, B. Crim. 218.
[28]) الدقاق:
مرجع سابق، ص93.
[29]
نظراً لأن المساس بالعدالة كان صارخاً، لم تقف السياسة الجنائية الحديثة والقضاء
الدستوري مكتوفي الأيدي أمام "حرفية الشرعية". فقد جرى العمل على دسترة
وعولمة مبدأ حظر الازدواج العقابي (Non bis in idem) ليتجاوز البعد
الشكلي:
1.
الرقابة الدستورية على التناسب: بدأت المحاكم الدستورية العليا (مثل المجلس
الدستوري الفرنسي والمحاكم الدستورية العربية) في إدراج "مبدأ التناسب"
كأصل دستوري مشتق من العدالة الدستورية. بموجب ذلك، صار يُحظر على المشرّع نفسه
صياغة نصوص تؤدي إلى ازدواج عقابي مفرط، وبذلك تحولت العدالة الموضعية إلى قيد
يضبط مبدأ الشرعية ذاته.
2.
الدمج أو الخصم العقابي: في الأنظمة المقارنة، إذا كان الازدواج حتمياً لاختلاف
المصالح المحمية (مثل عقوبة تأديبية للمحامي وعقوبة جنائية لخيانة الأمانة)، فإن
العدالة تتدخل عبر آليات "الامتصاص" أو "الدمج" بحيث لا
يتجاوز مجموع العقوبتين الحد الأقصى للعقوبة الأشد المقررة قانوناً.
بناءً على هذا التحليل، فإن فالازدواج العقابي يمثل، في
أصله وفلسفته، أزمة عدالة وإنصاف قبل أن يكون أزمة نصوص وشرعية. الشرعية
أداة هندسية يمكن للمشرّع تكييفها لتمرير العقاب المزدوج، أما العدالة فهي الضمير
الموضوعي الذي يرى في معاقبة الإنسان مرتين عن خطيئة مادية واحدة هدمًا لفكرة
الجزاء الحق.
[30]
نجاة البراهمي، نظام الخطية في المجلّة الجزائية، تونس، 2014.
[31]
نجاة البراهمي، نظام الخطية في المجلّة الجزائية، تونس، 2014.
[32]
نجاة البراهمي، نظام الخطية في المجلّة الجزائية، تونس، 2014.
[33]
نجاة البراهمي، نظام الخطية في المجلّة الجزائية، تونس، 2014.
[34] الديسم (Décime) في التشريع الديواني التونسي هو معلوم إضافي يُحتسب
بنسبة مئوية (عادة 10% أو مضاعفاتها) يُضاف إلى الخطايا أو المعاليم الديوانية.و
لغويًا: كلمة “Décime”
أصلها فرنسي. وتعني: العُشر (1/10).
وقع إقرار العمل به بموجب الأمر المؤرخ في 31 ديسمبر
1920 و الأمرين المؤرخين في 23 ماي 1949 و 29 ديسمبر 1955 ومازالا ساريّ المفعول و
لم يقع المس بهما و تنقيحهما في أي مناسبة. وتتجه الإشارة إلى أن مجلة الديوانة
والنصوص المكملة أو المتممة لها لم تتعرض إلى الديسمات الإضافية وهو ما يعني أن
الاحالة الواردة في مجلة الصرف إلى باب النزاعات في مجلة الديوانة لا يشملها
وجوبا.
[35]
أحدث قانون المالية لسنة 2024 بموجب الفصل 13 منه "حساب دعم تطوير المنظومة
القضائية والعدلية"، والذي يُموّل أساساً عبر تخصيص مبالغ
"الديسيمات" (العشرية) الإضافية للخطايا والعقوبات المالية المنصوص
عليها في الأمر المؤرخ في 17 جوان 1954 والمستخلصة فعليا.
[36]
يُكرس الفصل الأول من مجلة
الصرف (المُنقّح بالقانون عدد 48 لسنة 1993) مبدأ حرية التحويلات المالية المتعلقة
بالدفوعات تجاه الخارج. إذ ينص صراحةً على حرية إنجاز التحويلات الخارجية في
الحالات التالية:
●
تسديد ثمن البضائع المورّدة.
●
مصاريف الخدمات المرتبطة بالعمليات التجارية (مثل النقل
والتأمين).
●
إرجاع رؤوس الأموال الأجنبية المُستثمرة ومداخيلها.
●
الدفوعات الجارية الأخرى التي تحدد قائمتها بأوامر
حكومية (مثل التحويلات الخاصة بالدراسة، العلاج، أو المنح العائلية).
لكن
منذ تنقيحه سنة 1993 لم يقع تفعيل مقتضياته وبقي مهجورا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق