2020/04/07

الشيك بدون رصيد: قرض حسن غير مستحسن

 

الشيك بدون رصيد: قرض حسن غير مستحسن

الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية


تحتل الشيكات مكانة هامة من بين بقية الأوراق التجارية في المعاملات المالية، مما جعل المشرع يخصها دون سواها من الأوراق التجارية بالحماية الجزائية، ولكن هذه الحماية صارت عبء على العدالة، إذا كشف المرصد التونسي للخدمات المالية في سبتمبر 2021 عن وجود قرابة مليونين و400 منشورة لدى المحاكم، يتعلق قرابة نصفها بشيكات دون رصيد، من المستحيل فضها ببنية تحتية مهترئة وعدد قضاة لا يفي بالحاجة. و أكد السيد عبد الرزاق حواص المتحدث باسم الجمعية الوطنية لأصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تصريحات إعلامية سابقة وجود نحو 8  آلاف صاحب شركة موقوف على ذمة هذه القضايا. كما تساهم قضية الشيكات في تعميق أزمة الاكتظاظ داخل السجون التونسية التي تعاني بطبيعتها من اكتظاظ كبير، إذ قدّر تقرير سابق للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان نسبة الاكتظاظ داخل السجون بـ150 بالمئة، وقد تصل في بعض الأحيان إلى نسبة 200 بالمئة.

فمن الثابت أن اعتبار الشيك أداة وفاء مثل النقود دفع بعض الأفراد إلى إساءة استعماله بغية التوصل بواسطته إلى خلق موارد مالية وهمية من خلال الاستيلاء على أموال الغير بصفة ظرفية أو نهائية، وهو ما سيمنح لساحب الشيك فرصة لإنشاء ثروة من خلال الاثراء على حساب الغير باعتبار أن آجال التسوية قد تصل إلى مائة يوم من جهة ومن جهة أخرى فإن العديد من المحاكم تقضي ببطلان الإجراءات لمجرد الادلاء بما يفيد خلاص أصل الصك ومصاريف العدل المنفذ. وهو ما يعني عمليا أن ساحب الشيك تمتع بقرض دون فائض مكنه من المتاجرة بمال الغير لتحقيق أرباح ثم الاكتفاء بخلاص أصل الدين والاستئثار بالارباح لخاصة نفسه. وعلاوة عما سبق فإن قوانين العفو العام في جرائم الشيك والتي كان أخرها المرسوم عدد 10 لسنة 2022 والتي غالبا ما يكون العفو فيها مشروطا طبقا لمقتضيات الفصل 377 م ا ج بشرط خلاص الأصل والمصاريف، تشكل فرصة أخرى تمنح للساحب حتى يتجنب العقاب البدني والمالي بمجرد تأمين قيمة الشيك ومصاريف التنفيذ. ولعل الساحب يفوز بجائزة أكبر عندما يكون العفو العام غير مشروط كما حصل بموجب المرسوم عدد 30  لسنة 2011 المؤرخ في 26 أفريل 2011 الذي فض مشاكل فئة على حساب أخرى و"أوقع بمئات المواطنين في إشكاليات عويصة وحرمهم من استرجاع مستحقاتهم"...

وفي جميع الأحوال فإن المنطق السليم يقتضي عدم مواصلة العمل بما ثبت فشله. فجملة التنقيحات التي وردت على أحكام الشيك منذ سنة 1977 حتى اليوم (خمس تنقيحات 1977/1985/1988/1996/ 2007) وكل ما يتم تداوله من مشاريع قوانين هي من قبيل محاولات العلاج الفاشلة لظاهرة لازالت تستفحل أكثر فأكثر. وعليه صار من الواجب التفكير بحل جذري ينهي معضلة الشيك بدون رصيد. وعادة تأتي الحلول السليمة من حسن دراسة الأسباب. فالجواب عن سؤال لماذا استفحلت ظاهرة الشيك بدون رصيد؟ هو الذي سيمكننا من إيجاد الحل المناسب. فخلافا لبقية الأوراق التجارية لا يبنى التعامل بالشيكات على عنصر الثقة المتبادلة بين الساحب والمستفيد بل إنه مبني على تعويل المستفيد على الحماية الجزائية لهذا فهو يقبل الخلاص بالشيكات بل إنه يتسلمها كضمان لذلك، ولما لا وهو لا ينظر إلى ملاءة الساحب بل ينظر إلى خوفه من التتبع الجزائي وتبعاته المتمثلة خاصة في السجن الذي قد يكون مرفوقا بالنفاذ العاجل علاوة على تحجير استخدام صيغ الشيكات وعدم الانتفاع بالقروض. ولهذا فإن ترشيد استعمال الشيكات يستوجب إلغاء العقوبات الجزائية والاستئناس بالتجارب المقارنة التي عملت على الحدّ من تداول الشيكات بصورتها الكلاسيكية ودعمت تداول أنواعا أخرى منها مثل الشيكات داخل المؤسسة الواحدة، شيك البنك، الشيكات المشهود برصيدها وغيرها، وحصرت مجال التعامل بها بين المؤسسات الاقتصادية والتجار فقط. كما سعت هذه التجارب إلى تطوير وتحديث وسائل الدفع والخلاص الاخرى مثل البطاقات البنكية والتحويلات وغيرها... وخلاصة القول أن زمان الحلول الترقيعية غير المثمرة انتهى ويجب المرور نحو التفكير برؤية جديدة متكاملة لحل معضلة صارت عبئا على الاقتصاد الوطني.

ليست هناك تعليقات: