نور الشريف
قاضي في المحكمة الابتدائية بقرمبالية
مدرسة في كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس
المقدمة:
هل تعتبر حجة الوفاة التي يحررها حاكم الناحية من قبيل
الأعمال القضائية؟ أي هل يمكن اعتبارها حكما؟
لم يجب المشرع عن هذا السؤال، لا فقط لأنه لم يتعرض لحجة الوفاة إلا بصفة
مقتضبة وسريعة دون تفصيل[1]؛ وإنما أيضا لأنه عادة لا يتدخل بصفة مباشرة في
بيان الطبيعة القانونية للكثير من المؤسسات القانونية التي ينظمها.
فالمشرع يكتفي عادة بضبط النظام القانوني للمؤسسة
التي يريد تنظيمها أما الطبيعة القانونية فهي مسألة يتولى الفقه وأحيانا فقه
القضاء البحث فيها. ولهذا السبب كانت الطبيعة القانونية لحجة الوفاة
محل جدل.
فقد ذهبت محكمة
الاستئناف بتونس في قرارها عدد 7687 المؤرخ في 12 ماي 2004[2] إلى تأكيد مايلي :"وحيث أن إقامة حجة الوفاة
من قبل قاضي الناحية هي من الأعمال الخاصة التي أسندها اليه المشرّع بصورة مطلقة
بهدف ضبط ورثة المتوفين وهو من الأعمال الوجوبية الموكولة إليه إذ تنص الفقرة
الثالثة من الفصل 44 من القانون عدد 3 لسنة 1957 المؤرخ في غرة أوت 1957 المتعلق
بتنظيم الحالة المدنية، المضافة بموجب المرسوم عدد 5 لسنة 1964 المؤرخ في 21 فيفري
1964 المصادق عليه بالقانون عدد 7 لسنة 1964 المؤرخ في 21 ماي 1964 على أنه
"ويوجه ضابط الحالة المدنية الى وكيل الجمهورية أو حاكم الناحية مضمونين من
رسم الوفاة الذي حرره ويجري الحاكم عند اتصاله بذلك بحثا بقصد معرفة الورثة ثم
يقيم حجة الوفاة. وحيث تبعا لذلك فإن إقامة حجة الوفاة لا تعد من الأعمال
القضائية الحكمية لكونها لا تنبني على وجود نزاع يخضع البت فيه لمبدأ المواجهة ولا
هي كذلك من الأعمال القضائية الولائية باعتبار أنها لا ترتبط بضرورة تقديم طلب
بشأنها بل هي من الأعمال الخاصة الوجوبية لقاضي الناحية كما هو مبين أعلاه وهي تهم
النظام العام وتنبني على أبحاث استقرائية بخصوص تحديد الورثة وهو ما يؤكد خصوصيتها
عن الأحكام القضائية والقرارات الولائية".
ومن الواضح هنا أن محكمة الاستئناف وإن كانت قد أصابت في
اعتمادها أحد معايير التمييز بين العمل القضائي والعمل الولائي إلا أنها خلطت بين
أمرين وهما: الحياد السلبي للقاضي المدني ، والدور الايجابي للقاضي في النزاع
المدني من جهة، وحقيقة العمل الولائي من جهة أخرى.
فالقاضي وحسب أحكام الفصل 12 م .م.م.ت. غير مطالب بتكوين
أو إتمام حجج الخصوم؛ إلا أن قيامه بذلك الدور واتخاذه موقفا ايجابيا في النزاع لا
يعني أبدا أنه يمارس نوعا متميز من الأعمال القضائية.
فكما من الممكن أن يكون عمل القاضي استقرائيا عند
ممارسته لوظيفته القضائية، فإنه من الممكن أيضا أن يقوم بنفس الدور الاستقرائي عند
ممارسته لوظيفته الولائية.فالاستقراء والبحث والتحري ليست نوعا متميزا من العمل
الذي يقوم به القاضي وإنما هي فقط أساليب عمل يلجأ إليها القاضي لكي يتمكن من
إنجاز العمل المطلوب منه سواء كان قضائيا أم ولائيا.
وبالتالي فانه لا يمكن مجاراة محكمة الاستئناف بتونس
فيما ذهبت اليه في قرارها السابق من أن تحرير حجة الوفاة هو نوع مميز من العمل (لا
قضائي ولا ولائي) لا لشيء إلا لأن قاضي الناحية من الممكن أن يمارس في تحريرها
دورا استقرائيا.
لكن نفس المحكمة سبق لها وان اعتبرت في
قرارها عدد 50151 المؤرخ في 22 جوان 1982[3] ما يلي: "وحيث ركزت محكمة البداية قضاءها برفض الدعوى على أن ما أجراه السيد قاضي
ناحية نابل بحجة الوفاة عدد 13248 من إصلاح يتعلق بعاصب المتوفاة هو حكم لا يمكن
الطعن فيه إلا بطريقة الاستئناف مثلما هو الشأن بالنسبة لكافة الأحكام التي يصدرها
حاكم الناحية في دائرة اختصاصه فلا يجوز الطعن فيها إلا أمام المحكمة الابتدائية
بوصفها محكمة استئناف لأحكام محاكم النواحي الراجعة إليها بالنظر. وحيث أن هذا
الاتجاه الذي ذهبت فيه محكمة البداية يتجافى مع الصواب ذلك أن الوفيات التي
تقام لدى محاكم النواحي ليست من قبيل الأحكام مثلما يدل على ذلك التعبير عنها بحجة
الوفاة من طرف المشرع نفسه بالفصل 44 من مجلة الحالة المدنية ومن باب أولى ما
يجريه حاكم الناحية عليها من إصلاح أو تعديل في حدود ما خوّله له القانون فلا يمكن
أن يعتبر حكما قائما بذاته مثل الأحكام العادية الصادرة عن محاكم النواحي وعمله
ذلك إنما يتصرف بكونه محررا لوثيقة لا أكثر ولا أقل...".
أما محكمة التعقيب فقد كانت أكثر وضوحا في اعتبار حجة الوفاة عمل ذو طابع
ولائي إذ جاء في أحد القرارات التعقيبية ما يلي:"إن إقامة حجة الوفاة من
قبل قاضي الناحية عمل ولائي لا قضائي مما لا يضفي على تلك الحجة صبغة الحكم"[4].
و من الثابت اليوم أن
تحديد الطبيعة القانونية لحجة الوفاة منحصر منذ سنة 1964[5] بين صنفين قانونيين وهما: العمل القضائي، والعمل الولائي[6]، فبالرجوع إلى مختلف المعايير التي اقترحها الفقهاء للتمييز بين الصنفين
المذكورين، يمكن القول أن حجة الوفاة لا يمكن أن تكون عملا قضائيا، فهي ليست حكماً
قضائياَ، وإنما عملا ولائيا.
فالأعمال الولائية تدخل في اختصاص القضاء أما بسبب أهميتها وإما بسبب
اتصالها بخصومة قائمة او محتملة[7].
و يترتب عن الطابع
الولائي لحجة الوفاة جملة من الآثار وهي:
أولا:- خلافا للحكم القضائي لا يحوز القرار الولائي على حجية الأمر المقضي، وقد
ورد في قرار محكمة التعقيب الصادر في 19 فيفري 1986[8] أن "حجة الوفاة من وثائق الاسترعاء[9] التي تقام على تصريحات المحتج بها أو تصريحات شهود". فهذه التصريحات
لا يمكن أن تتنزل منزلة الحقيقة القانونية « la vérité légale » مثل الأحكام القضائية حيث تنتهي
مهمة القاضي عند تنزيل النص التشريعي على الوقائع المعروضة عليه"."فحجة
الوفاة ليست لها صبغة حكمية وإنما تقام بناءا على أساس تصريح من الورثة أو من
شهود"[10].
لذا فإن طالب العمل
الولائي يستطيع إعادة تقديم نفس الطلب الذي سبق رفضه، كما يجوز للقاضي إصدار قرار
ولائي سبق له رفضه وله أن يرجع في قراره السابق أو أن يعدله وذلك عند توفر شرطين
هما:
1- تغير الظروف التي
صدر في ضوئها القرار السابق، أو أن تصل لعلم القاضي ظروف لم يكن يعلمها عند إصداره
ذلك القرار.
2- ألا يكون في
الإجراء الجديد مساس بحق مكتسب للغير من جراء إصدار القرار السابق.
و علة هذين الشرطين أن
العمل الولائي صادر عن قاضي الذي هو أهل للثقة ولا يعدل عن قراره تعسفيا بغير سبب،
كما أنه لا يجوز العدول عنه إذا تعلق بحق مكتسب للغير حسن النية.
ثانيا: يتمييز العمل الولائي عن العمل القضائي في عدم ضرورة تعليل القرارات
الولائية أوتسبيبها، إذ أن الفصل 123 م .م.م.ت أوجب على
المحاكم بيان المستندات الواقعية والقانونية التي بنت عليها حكمها وذلك لتمكين
محاكم الدرجة الثانية أومحكمة التعقيب من إجراء الرقابة اللازمة، وطالما أن العمل
الولائي ليس حكما فإن مقتضيات هذا النص لا تنطبق عليه.
ثالثا: يتمييز العمل الولائي عن العمل القضائي من حيث وسائل أو طرق الطعن، فقاعدة
"لا دعاوى بطلان ضد الأحكام" لا تنطبق على القرارات الولائية. كما
أن الأعمال الولائية لا تخضع مبدئيا لطرق الطعن المعتمدة بالنسبة للأعمال
القضائية أو بالنسبة للمقررات الإدارية، ومع ذلك فقد ثار جدل حول إمكانية
إثارة دعوى تجاوز السلطة[11] ضد العمل الولائي، باعتبار أن هناك من يعتبر العمل الولائي عملا إداريا، فهو أقرب إلى القرار الإداري
منه إلى الأحكام القضائية، مع أن هناك من يرى أنه عمل مختلط بين الإدارة والقضاء
وهنالك من يخلع عليه الطبيعة القضائية الصرفة[12].
وإذ تأملنا في حجة الوفاة سنجد فيها العديد من خصائص القرار الإداري، فهي وثيقة
رسمية يقيمها قاضي الناحية الذي بدائرته وقعت الوفاة ويتولى فيها ضبط ورثة شخص
توفي وما ترك من عقارات مسجلة[13]. وعملا
بالفصل 44 من قانون الحالة المدنية فقاضي الناحية غير ملزم بإقامتها من قبل طالب
تحرير حجة الوفاة إذ يمكنه أن يتعهد من تلقاء نفسه عندما يرسل له ضابط الحالة
المدنية رسم الوفاة. كما أن غياب مبدأي المواجهة والعلنية وواجب التعليل في حجة
الوفاة، تذكرنا بخصائص القرار الإداري مما يفسر إتجاه بعض الفقهاء كما سبق بيانه
نحو إعتبار العمل الولائي ذو طبيعة مختلطة، يقتبس مميزاته من العمل القضائي والعمل
الاداري في ذات الوقت.
لكن عند عرض شروط دعوى الالغاء، يتبين أنها لا تقام إلا ضد القرارات
الإدارية وحجة الوفاة ليست بقرار إداري إنما هي شهادة لإثبات صفة الوارث محررة من
قبل قاضي. كما أن دعوى تجاوز السلطة تقوم عندما يكون القرار صادرا عن سلطة إدارية،
فإذا كان صادرا عن سلطة تشريعية أو قضائية فهو غير خاضع لهذه الدعوى[14]. وبما أن حجة الوفاة تدخل في نطاق العمل القضائي
فهي ليست صادرة عن سلطة إدارية، كما أن مضمون حجة الوفاة ليس مسألة إدارية، فهي
رغم أهميتها لا تدخل في مجال الوظيفة التصرفية التي تقوم بها السلطة القضائية لذلك
لا يمكن الطعن فيها بدعوى تجاوز السلطة، فهل يمكن إخضاعها لطرق الطعن في الأحكام
؟.
لم يتعرض المشرع
التونسي إلى وسائل الطعن في حجة الوفاة، لا في مجلة المرافعات المدنية
والتجارية ولا في أي نص خاص، فقد خلا قانون
الحالة المدنية الذي تعرض فيه المشرع لحجة الوفاة من بيان وسائل الطعن.[15]
فما هي وسائل الطعن
الممكن اعتمادها بالنسبة لحجة الوفاة ؟.
تنطلق الإجابة عن هذا
السؤال الهام حتما مما سبق بيانه من أن حجة الوفاة هي عمل ولائي، وبالتالي فإن
تحديد وسائل الطعن فيها يستوجب استعراض مختلف وسائل الطعن المعروفة في التشريع
التونسي والانطلاق مما استقر عليه اجتهاد القضاء من حلول خاصة فقه قضاء محكمة
التعقيب رغم ندرته، ورغم تباين وتعدد مواقفه حول تحديد وسائل الطعن الممكن
اعتمادها بالنسبة لحجة الوفاة. خاصة وان جريان العمل أفرز طرق طعن خاصة بحجة
الوفاة(الجزء الأول)، وفتح الباب أمام القيام بدعوى البطلان(الجزء الثاني).
الجزء الأول: طرق
الطعن:
بالعودة إلى الهدف من
وسائل الطعن، فهي ترمي إلى إصلاح خطأ موجود أو مزعوم في الحكم والعمل الولائي
بطبيعته ليس حكما، إضافة إلى انعدام الجدوى من تطبيق طرق الطعن بمفهومها التقليدي
(الفقرة الأولى) مما أستوجب من القضاء الاجتهاد لإقرار طرق طعن خاصة بحجة الوفاة(الفقرة
الثانية).
الفقرة الأولى:استبعاد طرق الطعن في الأحكام
يقصد بطرق الطعن في
الاحكام تلك الواردة في مجلة المرافعات المدنية والتجارية ،أي طرق الطعن التي يقع تقسيمها عادة إلى طريقة طعن عادية هي الاستئناف
وطرق طعن استثنائية هي الاعتراض والتماس إعادة النظر والتعقيب.
أ- طريقة الطعن العادية: الاستئناف:
يعرّف الاستئناف بأنه
الطريق العادي للطعن في حكم محكمة أول درجة أمام محكمة أعلى درجة، ويقصد به تجديد
النزاع أمامها والتوصل بذلك إلى إلغاء الحكم المطعون فيه أو تعديله. [16]
فالاستئناف كطريقة من
طرق الطعن في الأحكام يهدف إلى إتاحة الفرصة لمن صدر ضده حكم من محكمة درجة أولى
يمسّ بحقوقه وحرياته أو يضر بها، أن يعيد طرح موضوعه بكافة عناصره الواقعية
والقانونية مرّة ثانية أمام محكمة الدرجة الثانية بموجب الاستئناف.
وإعادة طرح موضوع
الدعوى يهدف إلى مراجعته وفحصه مرّة ثانية بواسطة قضاة أكثر خبرة وتجربة من قضاة
أول درجة بهدف إصلاحه إذا اعتبرنا أن هذا القضاء معيبا في إجراءاته أو مخطئا فيما
قام به من تقدير للوقائع أو إعمال للقانون، إذ يعتبر التقاضي على درجتين من أهم
الضمانات التي يتمتع بها المتقاضي، فهو يخوّل له الالتجاء الى درجة ثانية لإعادة
النظر في الحكم الصادر لدى قضاة الدرجة الأولى[17]. فهو حق إجرائي نشأ نتيجة صدور حكم في القضية[18] إذ من شروط الاستئناف[19] وجود حكم يكون موصوفا قانونا بأنه ابتدائي الدرجة.
لكن وكما جاء سابقا
عند تحديد الطبيعة القانونية لحجة الوفاة فقد تبين أنه لا يمكن اعتبارها حكما
لأنها عمل ولائي يقوم به قاضي الناحية، وبالتالي فهي لا تتوفر فيها الشروط اللازمة
للطعن بالاستئناف لذلك لا تخضع حجة الوفاة لطريقة الطعن العادية المذكورة[20].
وموقف محكمة التعقيب
واضح في هذا الاتجاه[21]. فالقرار الصادر عن المحكمة بما لها من سلطة ولائية لا يعد حكماً ما لم ينص
القانون على خلاف ذلك وهو لا يقبل مبدئياً الطعن بالطرق العادية، بل يخضع للإبطال والرجوع[22].
ب-طرق الطعن غير العادية :
توصف هذه الطعون بأنها
غير عادية لأنه غير مسموح بها إلا في حالات معينة ووفق شروط حددها المشرع على وجه
الحصر وهي ثلاث: الاعتراض(1)، التماس إعادة النظر(2)، والتعقيب(3).
أولا ـ
الاعتراض: أو "اعتراض
الغير".
نظمه المشرع التونسي
في الفصل168 وما بعده م م م ت واشترط المشرع لقبول الاعتراض أن يكون هناك حكم، وأن
يكون هذا الحكم مضرا بحقوق المعترض الذي لم يكن طرفا في القضية من قبل ، فلا يقبل
الاعتراض إلا من طرف شخص ثالث، أجنبي عن النزاع الذي صدر فيه الحكم، لكونه لم يقع
استدعاءه كطرف أصلي أو متداخل، ويكون هذا الحكم الذي صدر في غيابه ماسا بحقوقه.
فهو طريقة طعن غير
عادية يلتجئ إليها الغير عن الدعوى والذي
أضر به الحكم الصادر في خصوصها، فيطلب من المحكمة التي أصدرته إعادة النظر
فيه[23] وهو ما نص عليه
المشــرع بالفصل168م م م ت:"كل إنسان لم يسبق له استدعاء للتداخل في نازلة له
القيام بالاعتراض على الحكم الصادر فيها والمضر بحقوقه".
و تظهر الحاجة إلى
الإعتراض عندما يصدر حكم بين طرفين ويلحق ضررا بالغير[24] لهذا فالتسمية الصحيحة لهذا الطعن
هي "اعتراض الغير" خاصة وأن مادة المرافعات المدنية في تونس تجهل
تماما مفهوم الحكم الغيابي [25] إذ لا يؤدي تخلف
المدعى عليه عن الحضور بالجلسة إلى اعتبار الحكم غيابيا يجوز الإعتراض عليه، بل إن
المحكمة تنظر فقط فيما إذا كان قد تمّ استدعاؤه بصورة صحيحة مطابقة للقانون، فإذا
ما توفر ذلك، فإنها تواصل نظرها في القضية وتصدر حكما في شأنها غير قابل للطعن فيه
بهذه الطريقة
هل يمكن اعتماد
الاعتراض كوسيلة طعن في حجة الوفاة؟
يبدو قبول ذلك صعبا
باعتبار أن الاعتراض يكون على حكم مسّ بحقوق الغير، وحجة الوفاة، كما سبق بيانه لا
تعد حكما، بل هي عمل ولائي[26].
لهذا فإن محكمة التعقيب تعتبر أن الطعن في حجة الوفاة لا يمكن أن يكون بوجه
الاعتراض.[27] ومع ذلك فإن الاعتراض
على حجة الوفاة معمول به بالنسبة لحكام النواحي ولكن بمفهوم خاص سيقع التطرق له
لاحقا.
ثانيا ـ التماس
إعادة النظر:
تعرض له المشرع
باعتباره من وسائل الطعن غير العادية في الفصــل156 وما بعده م م م ت وضعه المشرع
لتلافي خطأ موضوعي وقع في حكم نهائي لا يمكن الطعن فيه بالاستئناف فالطّعن بالتماس
إعادة النظر هو طريقة طعن غير عاديّة لا تسلّط إلاّ على الأحكام النّهائيّة.
وبالتالي لا يجوز
الطعن بالتماس إعادة النظر في قرار تعقيبي أو الالتماس على الالتماس كما لا يجوز
التماس إعادة النظر في حكم استعجالي نظرا للطابع الوقتي لهذه الأحكام، إذا يتعلق
الالتماس بالطعن في حكم وليس بعمل ولائي، لذلك لا يمكن تطبيقه على حجة الوفاة.
ثالثا - الطعن بالتعقيب:
لكن لا يمكن اعتبار
حجة الوفاة خاضعة للطعن بالتعقيب، لاعتبارها ليست حكما نهائيا بل هي ليست حكما أصلا
كما سبق بيانه.
والسؤال المطروح هنا
هل أن إقصاء طرق الطعن العادية وغير العادية يعني أن حجة الوفاة كعمل ولائي محصنة
ضد أي وسيلة طعن؟
الإجابة ستكون هنا
حتما بالنفي لأن حجة الوفاة مثل كافة الأعمال الأخرى الصادرة عن القضاء من الممكن
أن يتسرب اليها خطأ لا بد من إعطاء الأطرف وسيلة طعن أو مراجعة حتى يتمكنوا من
تصحيحه ، لهذا وقع اعتماد وسائل طعن تقليدية ولكن بمفهوم خاص.
الفقرة الثانية: وسائل
طعن تقليدية بمفهوم خاص:
إن وسائل الطعن
والمراجعة التي نظمها المشرع في مجلة المرافعات المدنية والتجارية بمقتضى الأحكام
العامة جعلت أساسا للطعن في الأحكام، مما يعني أنها غير صالحة بالنسبة لحجة الوفاة
التي هي عمل ولائي.
ولكن سعي القضاء في الاجتهاد
لسد الفراغ التشريعي يجعله لا يعدم الوسيلة في إيجاد الحل المناسب، فسكوت المشرع
عن تنظيم مسألة معينة يجب أن لا يكون حائلا دون الاجتهاد .
ولهذا فقد سعى السادة
حكام النواحي الى تطويع بعض الوسائل التي وضعها المشرع للأحكام حتى تتناسب
وخصوصية الطابع الولائي لحجة الوفاة، والوسائل التي يمكن القول أنها طوعت
لتناسب الدور الجديد تتمثل أساسا في إصلاح حجة الوفاة والاعتراض.
أ ـ إصلاح حجة الوفاة :
اقتضى الفصل 256 من
م.م.م.ت أن "الغلط في الرسم أو الغلطات المادية في الاسم والحساب أو غير ذلك
من الإخلالات المبينة من نوع ما ذكر يجب على المحكمة دائما إصلاحها ولو من تلقاء
نفسها.
ويحكم في إصلاح الغلط والإخلال بدون سبق مرافعة
شفهية.
ويجب أن ينص بطرة أصل الحكم وبالنسخ المعطاة منه
على الحكم الصادر بالإصلاح".
ويستخلص من الفصل
المذكور أنه لإجراء الإصلاح يجب أن تكون الأغلاط المراد إصلاحها مادية بحتة والقصد
من ذلك أخطاء القلم أي الخطأ في التحرير [29] مثل الخطأ في كتابة الأسماء أو الأرقام[30].
وإصلاح الأغلاط
المادية لا يمثل مساسا بالحكم بل عكس ذلك أنه دليل على احترام مقصد المحكمة طالما
يوجد ما يؤكد هذا المقصد، إلا أنه لا يجب أن يتخذ ذريعة لتعديل الأحكام باعتبار
أنه لا يمكن للمحكمة أن تتجاوز حدود مجرد الإصلاح لتعديل مضمون الحكم وإلا جاز
الطعن في حكم الإصلاح بنفس الطرق المتاحة بالنسبة للحكم موضوع الإصلاح باعتبار وأن
الفرع يتبع الاصل.
وتقوم المحكمة
بالإصلاح من تلقاء نفسها أو بناء على طلب من أحد الخصوم في أي وقت طالما أن الحكم
ما زال قائما ولم يلغ [31].
و الإصلاح يمكن أن
يشمل كل أخطاء السهو عند الكتابة، كالخطأ في اسم أحد الورثة، أوفي الرقم كرقم
الرسم العقاري أو الغلط في تاريخ الوفاة ويتم الإصلاح بالرجوع الى الوثائق الي
أدلى بها الورثة سابقا، أو تلك التي قدمها طالب الإصلاح.
وتنظر المحكمة طلب
الإصلاح في غرفة الشورى بغير مرافعة دون سماع دفاع أي من الخصوم ولا يتم استدعاء
الطرف الآخر وتصدر المحكمة حكم الإصلاح ويقوم كاتب المحكمة بإجراء هذا الإصلاح على
نسخة الحكم الأصلية ويمضيه رئيس الدائرة والقاضيين العضوين.
والحكم الصادر بالإصلاح يرتبط بالحكم الاصلي
ارتباطا وثيقا ويترتب على هذا الارتباط أن حكم الإصلاح تكون له نفس طبيعة ذلك
الحكم وبالتالي يجوز الطعن فيه إذا كان الحكم لايزال قابلا للطعن غير أنه إذا
تجاوزت المحكمة صلاحياتها وعدلت الحكم يكون حكم الاصلاح قابلا للطعن فيه بمفرده
حتى وإن انقضى ميعاد الطعن بالنسبة للحكم الواقع اصلاحه.
كما أن حكم الاصلاح
يبقى طالما أن الحكم الأصلي ساري المفعول ويزول بزواله لأنه سند وجوده وأساسه[32]. ويتضح مما سبق أن إصلاح الأحكام
يكون بمقتضى حكم قضائي. وهو ما كرسه المشرع صراحة في الفصل 256م م م ت السابق
الذكر الذي جاء فيه بصريح النص مايلي: " ويحكم في إصلاح الغلط والإخلال بدون سبق مرافعة شفهية. ويجب أن ينص بطرة
أصل الحكم وبالنسخ المعطاة منه على الحكم الصادر بالإصلاح"
وهذا يطرح تساؤلا حول مدى إمكانية
اعتماد أحكام الفصل 256م م م ت كأساس قانوني لإصلاح حجة الوفاة التي هي عمل
ولائي؟. ومصدر هذا التساؤل هو قاعدة أن الفرع يتبع الأصل، ومن غير المنطقي أن تكون
للفرع حجية وقوة ثبوتية أكثر من الأصل. فاعتبار أن الإصلاح يقع بحكم يعني أنه
يتمتع بحجية الأمر المقضي به، وهذه الحجية كما سبق بيانه لا تتوفر في حجة الوفاة
لأنها عمل ولائي. كما أن صدور الإصلاح في قالب حكم يعني أنه سيكون قابلا للطعن فيه
بالطريقة العادية (الاستئناف) وبالطرق غير العادية، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يقع
بالنسبة لحجة الوفاة. ولكن هناك من يعتبر أن قاضي الناحية يختص بالنظر في مطالب إصلاح حجج الوفاة المحررة من طرفه.
وهذا الاختصاص لا يستند الى نص خاص، وإنما جرى
به العمل تطبيقا لمقتضيات الفصل 256 من م.م.م.ت حيث توجد عبارة "عملا
بالفصل 256 من م.م.م.ت" أو "بعد الإطلاع على الفصل 256 من م.م.م.ت"
في جل قرارات الإصلاح[33].
وذلك على أساس أن الالتجاء الى هذه الطريقة يمثل وسيلة في منتهى السهولة
وهو امتداد في الواقع للعمل الولائي الذي يقوم به قاضي الناحية لإقامة حجة الوفاة
ـ فالإصلاح يفترض عدم وجود نزاع بل مجرد خطإ مادي أو نقصان تسرب الى حجة الوفاة
ومن الممكن تصور أن الخطأ يكون متعلقا باسم أحد الورثة فيسهل الإصلاح على ضوء ما
يقدم من وثائق مثبتة للإسم الصحيح، لكن من الممكن كذلك أن يتعلق الأمر بالتنصيص
على من لم يقع التنصيص عليه كوارث حال أنه يعتبر نفسه كذلك.
غير أن هذا التوجه
يتعارض مع المنطق القانوني السليم، فإسناد الاختصاص كيفما ذكر لقاضي الناحية ربما
يكون متماشيا مع قاعدة توازي الشكليات.
لكن النص السابق لا
يتعلق إلا بإصلاح الأحكام، لأن المحكمة عندما تصلح حكما صادرا عنها إنما تصدر لهذا
الغرض حكما جديدا في الإصلاح بصريح أحكام الفقرة الثالثة من الفصل المذكور التي
جاء بها ما يلي : "...الحكم الصادر بالإصلاح".
في حين أن إصلاح حجج
الوفاة لا يمكن أن يرقى إلى مرتبة الحكم بما أن تلك الحجة بحد ذاتها لا تتخذ شكل
الحكم عند إقامتها.
وربما يكون وعي القضاة
بهذه الحقيقة القانونية هو السبب الرئيسي في عدم تنصيصهم على أحكام الفصل 256م م م
ت عند إصلاحهم لحجج الوفاة، خاصة في محكمة ناحية تونس[34].
حيث رأت المحكمة أن "ما يجريه حاكم
الناحية على الوفيات من إصلاح أو تعديل في حدود ما خوّله له القانون لا يمكن أن
يعتبر حكما قائما بذاته مثل الأحكام العادية الصادرة عن محاكم النواحي".
مما يعني أن قضاة
النواحي طوعوا وسيلة تقليدية خاصة بالأحكام لتتناسب مع عمل ولائي هو حجة الوفاة.
وكان من نتيجة ذلك أن
يقتصر مجال الإصلاح على الغلطات المادية البسيطة الناتجة عن جرة القلم. والتي لا
ينجر عنها تغيير أصل الحق[36]دون الأخطاء الموضوعية، التي تمس بجوهر حجة الوفاة، كأن يذكر بها أنه أحاط
بإرث الهالك صندوق الدولة باعتباره عاصبا بالنفس في حين أن الميت له ورثة آخرين
فإنه ليس لقاضي الناحية إصلاحها، لأن الأمر في هذه الحالة يتعدى حدود الخطأ
المادي. وهو ما تعرضت له المحكمة
الابتدائية بتونس ، حين قضت بما يلي :
"وحيث طالما كانت المعارضة في حق الإرث من قبيل النزاعات القضائية
فإنه لا يسوغ معالجتها وفصلها بمجرد قرار إصلاح يحرر على معنى الفصل 256 م م م ت لكون هذا الإصلاح
يخص الأخطاء المادية دون أصل الحق وهو يلحق بالنسخة الأصلية للحجة أو الحكم الواقع
تداركه بالإصلاح بعد النظر فيه دونما
حاجة للترافع حوله ولو مشافهة ولا يكون قابلا للطعن فيه بانفراد وإنما بمعية الحكم
الذي الحق به كأصل واحد برمته.
وحيث بالنظر لسبق إصلاح حجة وفاة المرحوم أحمد بن مصطفى بن علي القروي على
معنى الفصل 256 م
م م ت بدلالة القرار الصادر عن قاضي ناحية نابل في 30/09/1976 فإن هذا القرار يظل
في ظاهره قرار إصلاح لخطأ مادي بصرف النظر عن مضمون الإصلاح لكونه خلوا من أية
مرافعة بين الخصوم حول الأمر المطلوب تداركه بحجة الوفاة وهو غير قابل تبعا لذلك
للطعن فيه قضائيا منفردا عن أصل الحجة.
وحيث لا يمكن أن يحجر قرار الإصلاح المشار إليه إمكانية الاعتراض على
قائمة الورثة المضمنة بحجة وفاة المرحوم أحمد القروي ابتدائيا أمام قاضي الناحية
إلتماسا لمراجعتها وحفظ حق كل وارث فيها ضمن دعوى قضائية ترفع أمامه طبقا للفصل 43
وما بعده من م م م ت لعدم النظر في مثل هذا الاعتراض سابقا باحترام مبدأ المواجهة
بين الخصوم حول حق الإرث المعروض على المحكمة خاصة وأن قرار الإصلاح المؤرخ في
30/09/1976 لا يمكن اعتباره قانونا بمثابة حكم قضائي وهو مؤسس على الفصل 256 م م م ت."[37]
إلا أن محكمة الاستئناف في تونس وفي قرار حديث لها نقضت
الحكم الابتدائي المذكور وتراجعت عن موقفها السابق حين ذهبت الى تأكيد ما يلي : "وحيث
أن إصلاح الأخطاء المادية الواردة بحجج الوفيات مهما كانت طبيعتها وكذلك
تصحيح الهويات الواردة بها بناء على قرارات إصلاح رسوم الحالة المدنية الصادرة عن
المحاكم الابتدائية وكذلك إدراج ورثة غير مذكورين بالحجة سواء بموجب سهو عن ذكرهم
أو لكونهم لم يكونوا معلومين عند إقامتها أو التشطيب على هويات أشخاص واردة
أسمائهم بقائمة الورثة خطأ لكونهم لا يستحقون الميراث أصلا، لا بالفرض ولا
بالتعصيب، أو لكونهم محجوبون من الميراث حجب حرمان، فإنها كلها تتم من طرف قاضي
الناحية الذي أقام الحجة بطلب أو بدونه لما له من سلطة في تدارك ما صدر عنه من
أخطاء أو سهو وهو ما درج عليه جريان العمل لدى محاكم النواحي. غير أن قرارات
قاضي الناحية بالإدراج أو التشطيب يجب أن تكون معللة ويتخذها بعد استدعاء
جميع الورثة أو من يمثلهم لما له من وظيفة استقرائية كما سبق بيانه.
وحيث يترتب على ذلك أن حجة
الوفاة غير قابلة للطعن فيها باعتبارها ليست حكما أو عملا ولائيا يمكن الرجوع فيه
وإنما يمكن أن يسلط الطعن على القرارات الصادرة عن قاضي الناحية برفض إدراج ورثة
مزعومين أو قبول إدراجهم أو التشطيب على ورثة مذكورين أو رفض تشطيبهم. ذلك أن من
مبادئ اللجوء الى وسائل الطعن المخوّلة قانونا هو عدم وجود أية وسيلة أخرى يمكن
بها الاستجابة لسبب الطعن.
وحيث طالما أنه من الممكن قانونا أن يتولى حاكم الناحية إدراج ورثة جدد أو
التشطيب على ورثة مذكورين في حجة الوفاة بموجب قرار معلل صادر عنه وفق إجراءات
بسيطة تمكن أصحاب الحقوق من الحصول على حجة وفاة مصححة وبصورة مقنعة تمكنهم من
الحصول على حقوقهم في آجال قصيرة فلا موجب حينئذ للبحث عن إمكانية اللجوء الى
المحكمة الابتدائية بوصفها محكمة حق عام للحصول على حكم بالإدراج أو التشطيب.
وحيث ترتيبا على ذلك فإن تعهد المحكمة الابتدائية بخصوص التشطيب على أحد
الورثة المذكورين بحجة الوفاة لا يمكن أن يكون إلا في إطار قضية استئنافية الهدف
منها الطعن في قرار قاضي الناحية برفض التشطيب ولا يمكن أن تتعهد بها بصفة أصلية"[38].
ومن الواضح أن محكمة
الاستئناف بتونس اجتهدت لسد فراغ تشريعي ، ووضعت مصلحة الأشخاص أساسا لاجتهادها
هذا. ويمكن القول أن المحكمة في اجتهادها المذكور اعتمدت قواعد القياس وإن لم تصرح
بذلك صراحة. غير أن الإشكال الذي يطرحه إبطال الإصلاح هو استمرار قاضي الناحية في
الإصلاح كلما طلب منه ذلك بقطع النظر عن تعهد المحكمة بقضية في إبطال الإصلاح من
عدمه، وهو ما يشكل خطورة على الحقوق المكتسبة بالنظر الى السرعة التي يتسم بها
إصدار قرارات الإصلاح[39]. وقد ينجر عنه تضارب قرار قاضي الناحية مع الحكم الذي قد تصدره المحكمة في
قضية إبطال الإصلاح. فما قضت به محكمة الاستئناف بتونس من أن الطعن لا يمكن أن
يتسلط إلا على قرارات رفض الإصلاح التي يصدرها حاكم الناحية يذكرنا بأحكام الفصل
222 م م
م ت المتعلق بالأذون على المطالب، والذي جاء فيه ما يلي :"يمكن للطالب
وللأشخاص الذين استعملوا الحق المنصوص بالفصل 219(أي الذين تقدموا بمطالب رجوع
بالإذن) أن يقوموا بالاستئناف ". وهذا التوجه من محكمة
الاستئناف بتونس وإن كان إيجابيا إلا أنه يفتقر إلى سند قانوني يبرره.
ومع ذلك فإن حاكم الناحية بإمكانه النظر في حالة
السهو عن ذكر وارث وذلك على أساس الإعتراض
لا إصلاح خطاء مادي.
ب- الإعتراض على حجة الوفاة:
إن التصاريح التي يقوم
بها الورثة أو غيرهم قد تكون مبتورة أو منقوصة كأن يقع السهو عن إدراج اسم أحد
الورثة ضمن حجة الوفاة لذلك خوّل المشرع لهذا الأخير الاعتراض على حجة الوفاة
الأولى.
فالوارث الذي وقع سهو
عن إدراج اسمه بحجة الوفاة الأولى يمكنه القيام بالاعتراض على الحجة لدى حاكم
الناحية مقدما المؤيدات والإثباتات التي تؤكد صفته كوارث فيطلب تضمين اسمه بحجة
الوفاة وإدراجه كوارث طبق ما يقتضيه القانون. وفي هذا الإطار يقوم حاكم الناحية
بدراسة الملف والمؤيدات فإن تبين له جدية الطلب وثبوت حق المعترض فإنه يحكم بقبول
مطلب الاعتراض وبتعديل حجة الوفاة الأولى
أوإقامة حجة وفاة ثانية.
ومحكمة التعقيب نفسها
غلبت هذا الرأي إذ أقرت في قرارها الصادر في 11 أفريل 1996 [40] فأوردت أن: " حجة الوفاة ليست لها صبغة حكمية وإنما تقام بناءا على
تصاريح من الورثة وتكون تلك التصاريح
قابلة للتغيير والإبطال إذا ما ثبت خلافهما".
وتقدم مطالب الاعتراض
على حجج الوفاة الى قاضي الناحية الذي أقامها وذلك لتدارك السهو الحاصل في إدراج
وارث أو أكثر بها.
· - يقع الاعتراض على حجة الوفاة لدى قاضي الناحية في صورة
السهو عن ذكر بعض المستحقين في التركة.
·
- يرفع الاعتراض بمقتضى مطلب كتابي مصحوبا بالمؤيدات
المدعمة له.
·
- يجري قاضي الناحية بحسب الاحوال بحثا ويستدعي من
يرى ضرورة لاستدعائه للغرض.
·
- ويقرر في ضوء ذلك الاستجابة للطلب أو رفضه.
·
- يقع تضمين القرار الصادر في الموضوع بطرة أصل الحجة
وجميع النسخ المعطاة منها."
والمقصود بالسهو
أن يقع الإغفال عن إدراج اسم وارث ذو صفة ثابتة لا ينازعه فيها أحد ومع ذلك لم
يدرج ضمن الورثة الذين نص حاكم الناحية أنهم أحاطوا بإرث الهالك. أو أن يتعلق
الأمر بكتمان المصرح والشهود اسم الوارث. أما إذا كان السبب الحقيقي لعدم إدراج
وارث هو وجود مانع من موانع الإرث أو لغياب سبب إرث يربطه بالهالك ( قرابة مع
المورث) فلا يمكنه سلوك سبيل الاعتراض لدى قاضي الناحية ولا يسعه إلا القيام لدى
المحكمة الابتدائية ذات النظر بدعوى بطلان. ويشترط لقبول الاعتراض لدى قاضي
الناحية أن تكون صفة المعترض وقرابته ثابتة فإن تعلق بها نزاع كان على قاضي
الناحية أن يعلن عدم اختصاصه وهو ما رآه قاضي ناحية تونس في إطار مطلب اعتراض على
حجة الوفاة عدد 316 حيث جاء بقراره المؤرخ
في 21 نوفمبر [42]1996 مايلي: "وحيث طالما كان الأمر يتعلق بإثبات صفة ودرجة قرابة
مورثة المعترضين بالهالكة فإن النزاع يصير خارجا عن حدود نظر هذه المحكمة وبات من
المتجه حينئذ رفض المطلب".
فاختصاص قاضي الناحية
بالنظر في الاعتراضات المسلطة على حجج الوفاة لا يتعدى نطاق الإخلالات المادية
والشكلية أو المتعلقة بحقوق ثابتة ليست محل نزاع من قبل الغير. والسبب في اشتراط
أن تكون الصفة ثابتة وليست محل نزاع هو الطبيعة الولائية لحجة الوفاة ولخروج مرجع
النظر في مثل هذه المسائل عن اختصاص حاكم الناحية. فإن تعلق بها نزاع كان على قاضي
الناحية أن يعلن عدم اختصاص وهو ما رآه قاضي ناحية تونس في إطار مطلب اعتراض على
حجة الوفاة عدد 316 الأنف ذكرها حيث جاء
بقراره المؤرخ في 21 نوفمبر 1996 ما يلي :"وحيث طالما كان الأمر يتعلق بإثبات
صفة ودرجة قرابة مورثة المعترضين بالهالكة فإن النزاع يصير خارجا عن حدود نظر هذه
المحكمة وبات من المتجه حينئذ رفض المطلب".
وهكذا يتبين أن اختصاص
قاضي الناحية بالنظر في الطعون المسلطة على حجج الوفاة لا يتعدى نطاق الإخلالات
المادية والشكلية أو المتعلقة بحقوق ثابتة بما لا يدع مجالا للنزاع بالنظر إلى
الطبيعة الولائية لحجج الوفاة ولقصور الأبحاث المنوطة بعهدة قاضي الناحية.
الجزء الثاني: الطعن بدعوى
البطلان
أكدت محكمة التعقيب أن حجة الوفاة غير قابلة للطعن بالاستئناف أو غيره من
طرق الطعن الأخرى على أنه يمكن لمن يهمه الأمر أن يقوم عند الاقتضاء بدعوى إبطالها
لدى المحكمة الابتدائية[43].
وقد يكون الحديث عن إبطال حجة الوفاة غريبا لأن مبدأ عدم جواز الطعن في
الأحكام بطريق الإبطال les voies de nullité
n’ont lieu contre les jugements[44] يقف حاجزا أمام إمكانية رفع دعوى
لإبطال حكم ما[45]. لكن وكما سبق بيانه فإن حجة
الوفاة عملا ولائيا وليست عملا قضائيا[46] لذلك لا ينطبق عليها هذا المبدأ. لكن ما هو
النظام القانوني لدعوى بطلان حجة الوفاة؟
طالما أن المشرع لم يتعرض الى أي شكل من أشكال الطعن في حجة الوفاة فإن الإجابة
عن السؤال السابق تستوجب التعرض إلى إثارة دعوى البطلان (أ) ليقع المرور بعد ذلك
إلى تحديد المحكمة المختصة بالنظر في دعوى البطلان (ب).
الفقرة الأولى – إثارة دعوى البطلان:
إن دعوى البطلان الموجهة ضد حجج الوفاة تخضع مبدئيا للأحكام العامة للدعوى
الواردة في مجلة المرافعات المدنية والتجارية ومع ذلك فإ ن تحديد الحالات التي
يمكن فيها إثارة دعوى البطلان (1) سيكون بالرجوع الى نصوص مختلفة على صلة وثيقة
بالموضوع وخاصة قانون الحالة المدنية. ثم العودة الى مجلة المرافعات المدنية
والتجارية لدراسة حق إثارة دعوى البطلان(2).
أ ـ الحالات التي يجوز
فيها إثارة دعوى البطلان:
يمكن القول وأن هناك حالتين رئيسيتين لإثارة دعوى بطلان حجة الوفاة. وهما بطلان
حكم التمويت (الحكم الصادر باعتبار المفقود ميتا) (أولا) وبعدم توفر صفة الوارث
(ثانيا).
و قبل التعرض للحالتين
سالفتي الذكر لابد من التساؤل عن الحل في صورة الاقتصار على شهادة شاهد واحد عند
إقامة حجة الوفاة حال أن المنشور عدد 1216 الصادر عن كتابة الدولة للعدل بتاريخ 28
ديسمبر 1964 المتعلق بإقامة رسوم الوفاة أوجب إحضار شاهدين لدى قاضي الناحية
مطلعين إطلاعا كاملا على حالة المتوفى وعلى معرفة تامة بورثته. إنه ولئن لم يكن
لهذا المنشور نفس القوة الإلزامية التي للقانون على القاضي المتعهد بدعوى الإبطال،[47] فإن استقرار العمل على تقديم بينة شاهدين أوجد اعتقاد بإلزامية ذلك مما
يسوغ معه القول بأن هذا الإجراء أصبح بمثابة العرف الذي ينجر عن مخالفته البطلان فضلا
على أن للمحكمة الابتدائية بوصفها محكمة الأصل أن تراقب اجتهاد قاضي الناحية وتقيم
الأبحاث التي يقوم بها[48].
1- حالة بطلان حكم التمويت:
إن ظهور المفقود المحكوم بموته طبق أحكام الفصل 81 وما بعده م.أ.ش بعد فشل
التحريات اللازمة الواقع القيام بها بحثا عنه أمر متوقع وغير مستبعد لذلك فإن
المشرّع عالج فرضية عودته[49] بعد الحكم بوفاته لأن الأمر يتعلق بفرضية واقعية،
وعودة المفقود قد تتم قبل صدور حكم وفاته وهي وضعية تفطن اليها المشرع ونظمها بأن
فرض وجوبية أن تتوقف جميع الإجراءات الرامية إلى استصدار حكم التمويت لأن المفقود
مازال محافظا على شخصيته القانونية فيمكنه إدارة أمواله والتصرف فيها بعد عزل
وكيله[50]. لكن المشرع لم يتعرض إلى الحالة التي تثبت فيها
الوفاة الحقيقية للمفقود كأن يعثر على جثته سواء قبل الحكم بتمويته أو بعده وهذه
المسألة هامة جدا لأن الورثة سيختلفون في الحالتين. ويمكن القول إن من يهمه الأمر
من الورثة يستطيع القيام لطلب إبطال حكم الوفاة الحكمية وتعيين تاريخ الوفاة
الحقيقية[51].
أما الحالة الثالثة فهي فرضية ظهور المحكوم بتمويته، وفي هذه الحالة يجب
عليه إثبات الوجود بكل الوسائل باعتبار وأن الأمر يتعلق بواقعة قانونية وقد جاء
بإحدى حيثيات القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس مايلي[52]:"... وحيث إن إثبات وجود الشخص حيا بعد
القضاء بتمويته يخضع باعتباره يتعلق بواقعة قانونية لنظام الإثبات الحر بما في ذلك
البينة بالشهادة والقرائن الواقعية...".
فإثبات الوجود يعني إثبات الهوية، وكان من المفترض أن مجرد حضور المفقود
العائد بمقر إقامته دليل كاف لإثبات وجوده[53] لكنه ليس دليلا على أنه نفس الشخص المفقود بل قد
يكون شخصا آخر وهو ما كان موضوع القرار الاستئنافي سابق الذكر إذ تمثلت وقائعه في
قيام وكيل الدولة العام بقضية في ثبوت وفاة المدعو مختار الذي جنّد للجيش الفرنسي
يوم 13 أكتوبر 1929 والتحق بالفيلق 28 للمشاة سنة 1940 ووقع في الأسر يوم 17
سبتمبر 1940 حسب القائمة عدد 194 ثم فقد نهائيا فصدر حكم التمويت في مجلس باجة في
22 أكتوبر 1953 وأدرجت وفاته بدفاتر الحالة المدنية بمشيخة المالح بسوق الأربعاء
ثم وبموجب قانون اللقب العائلي أسند له لقب جديد لكن ابنته بقيت تبحث عنه إلى أن
بلغ إلى علمها عام 1986 وجود شخص بسترازبورغ بفرنسا يحمل اسم والدها فجلبته للوطن
إلا أنه صرح لها بعد مدة أنه ليس والدها وسلمها نسخة من مضمون ولادته ونسخة من
جواز سفره لإقناعها لكن أبناء عمومتها تدخلوا في الموضوع طمعا في الأرض التي خلفها
والدها فأقام عندهم ووعدهم ببيعهم الأرض المذكورة ثم العودة الى فرنسا وقام بتاريخ
11 فيفري 1993 باستصدار الحكم عدد 5326 من المحكمة الابتدائية بباجة الذي قضى
بإبطال حكم الوفاة الخاص بالمفقود الحقيقي فاعترضت البنت على حكم الإبطال معتبرة
أنه لا يجوز القيام بدعوى إبطال حكم وفاة من شخص يحمل هوية مغايرة لهوية المحكوم
بوفاته إلا بعد أن يبطل الهوية الأولى ويزيل آثارها فقضت محكمة البداية برفض
الاعتراض موضوعا لصدور حكم جزائي ابتدائي برأ المدعى عليه من تهمة التحيل وانتحال
اسم الغير وتقرر لدى الاستئناف.
وقد اعتبرت المحكمة أن: "إثبات الوجود يجب أن يكون يقينيا وقطعيا نظرا
لتعلق الأمر بالنظام العام الاجتماعي من حيث مساسه بمسائل النسب وحرمة الزواج
والميراث وبذلك فإنه إذا تعارضت بينتا الطرفين بالشهادة فلا يمكن ترجيح إحداهما
على الأخرى عملا بمبدأ أنه إذا تعارضت البينتان تهادتا أي تساقطتا ولا عبرة كذلك
لعدد الشهود باعتبار أن كل شهادة تمثل وحدها حجة كاملة". واعتبرت المحكمة أن
"استقراء جملة القرائن الواقعية المدرجة بالملف يحمل على الاعتقاد بعدم
انطباق هوية والد المعترضة على شخص المستأنف ضده لذا فإن المحكمة ترى أن المستأنف ضده
لم يثبت أنه هو نفسه المختار... طبقا لأحكام الفصلين 58 من قانون الحالة المدنية
و420 من مجلة الالتزامات والعقود وإن مجمل القرائن المتوفرة بالملف تكاد تقطع أنه
شخص آخر"[54].
و ينص الفصل 58 من قانون الحالة المدنية على أنه "إذا ظهر للوجود من
حكم بموته بعد الحكم يسمح له بإثبات وجوده...". وتوحي عبارة الفصل المذكور
بأن المفقود هو الشخص الوحيد الذي من حقه أن يثبت وجوده فصياغة النص توحي بأنه
ينفرد بإمكانيةإثبات وجوده حيا بعد صدور الحكم بوفاته[55]. وخلافا لذلك نجد أن المشرّع الفرنسي يعطي صراحة
لوكيل الجمهورية ولكل من يهمه الأمر حق القيام بدعوى الإبطال.
أما المشرع التونسي فيبدو أنه يقصر تلك الدعوى على المفقود حسب ما يبدو من
صياغة النص. وإذا كانت دعوى الإبطال مخصصة للمفقود فما هو سبيل الأشخاص الذين
قدموا طلب التمويت لإبطال حكم الوفاة بما أنهم لا يستطيعون إتباع طريق اعتراض
الغير؟
نجد الحل في تكييف حكم التمويت بكونه عملا ولائيا ففي غياب أي نزاع وأي
خصوم وأية مناقشة بين هؤلاء أمام القاضي يجوز القول إن قراره لا يتصل به القضاء وبالتالي يمكن له
الرجوع في قراره السابق وإصدار قرار مغاير له كما تجوز إعادة طرح نفس الموضوع
أمامه إن تغيرت الظروف التي صدر في ظلها العمل الأول أو توفرت معلومات جديدة لم
تعرض سابقا عليه.
فالأعمال الولائية كما جاء اعلاه لا تحوز حجية الأمر المقضي فيه[56] وتلك علة قابليتها للتغيير لأن الشك في الحجية
كاف للقطع بعدمها[57].
كما أن أحكام الحالة المدنية تهم النظام العام وقد اعتبرت محكمة التعقيب أن
خرقها يوجب النقض[58]. وتأسيسا على ذلك فإنه يكون من حق النيابة
العمومية السعي في إثبات وجود المفقود طالما أن لها الحق في القيام بالقضايا كلما
كانت هناك مصلحة شرعية تهم النظام العام[59].
ثم إن أحكام الحالة المدنية تهم الغير أيضا وخاصة أقارب المحكوم بموته
ويصبح من المنطقي تمكينهم من فرصة إثبات وجود المفقود الواقع تمويته خطأ، وفي هذا
الإطار اعتبرت محكمة الاستئناف بتونس أنه "... حيث ولئن كان من حق من ظهر
للوجود بعد الحكم بموته في إثبات وجوده هو حق الشخص المذكور على المجتمع في إثبات
ذاته وتصحيح حالته المدنية إلا أنه لا خلاف أن مثل هذه الدعوى تنسحب آثارها على
حقوق الأبناء لارتباطها الوثيق بمسائل النسب والتوارث وحرمة الزواج
وغيرها..."[60].
و باعتبار أن عودة المفقود لا تسقط حكم التمويت آليا[61] يجب عليه أن يسعى في إبطاله.وقد مكنه المشرع بصريح أحكام الفصل 58 من قانون الحالة المدنية من إبطال
حكم وفاته إذ جاء به ما يلي: "إذا ظهر للوجود من حكم بموته بعد الحكم فإنه
يسمح ... وطلب إبطال الحكم المذكور...".
لكن المشرع لم يضبط
إجراءات طلب ابطال حكم التمويت خلافا للمشرّع الفرنسي الذي نص على ذلك صراحة
بالفصل 92 من المجلة المدنية الفرنسية حيث قرر انطباق إجراءات حكم التمويت الوارد
بالفصل 89 وما يليه من ذات المجلة على دعوى إبطاله. فقد اكتفى المشرع التونسي
بالفصل 58 من قانون الحالة المدنية بالاشارة الى انه يقع التنصيص على إبطال حكم
الوفاة بطرة تضمينه ولا شك أن حكم الإبطال يتمتع بحجية مطلقة تماما مثل حكم التمويت
عندما ينبني على معطيات صحيحة ويترتب عن صدور الحكم بإبطال حكم التمويت بالضرورة
بطلان كل ما بني على أساس ذلك الحكم وخاصة إصدار حجة الوفاة.
لكن بالرجوع الى أحكام
الفصول 54 حتى 58 من قانون الحالة المدنية، والفصول 81 حتى 84 و151 م أ ش المتعلقة
بحالة الفقدان والوفاة الحكمية يلاحظ وأن المشرع لم يتطرق إطلاقا لمصير حجة الوفاة
التي سبقت إقامتها لمن كان محكوما بوفاته، واكتفى بتنظيم بعض الآثار المترتبة عن
إبطال حكم التمويت دون أن يتعرض إطلاقا لمآل حجة الوفاة. ومع ذلك يمكن القول بأن
مآل حجة الوفاة تلك هو البطلان، اعتمادا على المبادئ العامة للقانون.
فالفرع يتبع الأصل
وبالتالي فإن بطلان هذا الأصل يستوجب بطلان ما تفرع عنه. وما بني على باطل فهو
باطل مما يعني أن إبطال حكم التمويت يؤدي حتما الى القضاء بإبطال حجة الوفاة التي
حررت على أساسه.
فالفصل 57 في فقرته
الأخيرة ينص صراحة على ما يلي : "وأحكام الوفاة تقوم مقام رسوم الحالة
المدنية...". وطالما أن تحرير حجة الوفاة يقع أساسا بالاعتماد على مضمون
الوفاة الذي يقوم حكم الوفاة الحكمية مكانه، فإن بطلان ذلك الحكم يستوجب حتما
وبالضرورة بطلان حجة الوفاة.
فما من شك في أن إبطال
حكم التمويت ينتج عنه مبدئيا إبطال كل الآثار التي نتجت عنه وخاصة حجة الوفاة
فإبطال حكم التمويت يبطل حجة الوفاة ويلغيها ذلك أنه ليس من المنطقي أن يبطل هذا
الحكم بينما تبقى الحجة سارية المفعول أي أنه من غير المعقول أن يكون لدى الشخص
ذاته حجة رسمية تثبت حياته ، وحجة رسمية أخرى تثبت موته.
2- حالة إدراج شخص لا تتوفر فيه شروط الإرث:
من الثابت أن الغاية
الأساسية من إقامة حجة الوفاة هي تحديد الورثة وإثبات صفة الوارث لأقارب الهالك.
وقد نظم المشرع أحكام
الإرث بالفصول 85 وما بعده من مجلة الأحوال الشخصية والتي حدد فيها شروط الإرث :
وهي ثلاثة شروط :
الشرط 1: أن يكون الوارث حيا عند موت
المورّث. لذلك إذا توفي عدة أشخاص في حادث واحد ولم نعلم من توفي قبل الآخر فلا
توارث بينهما لأن هناك قاعدة فقهية تقول : "لا توارث بين الحرقى والغرقة
والهدمي"[62]. وهناك إشكاليتان بالنسبة لهذا الشرط : تتعلقان
بوضعية المفقود والجنين. فالمفقود الذي لم يحكم بوفاته بعد يوقف له نصيبه من الإرث
ويوزع الباقي بين الورثة بحسابه موجودا. فإن لم يعد وحكم بوفاته أعيد توزيع منابه
على الورثة وأن ظهر حيا أخذه. أما الجنين أو الحمل[63] فيوقف له من التركة النصيب الأكبر فيما إذا كان
ذكرا أو أنثى. ويجب حتى يرث الجنين أن يولد حيا. وإذا كان الميراث من غير الأب
فيجب أن يولد حيا خلال 270 يوما. وإذا كان الميراث من الأب فيجب أن يولد حيا خلال
365 يوما من تاريخ الوفاة أو الطلاق.
الشرط 2: أن لا يوجد مانع من موانع الإرث، وهي حالات تقوم في أشخاص فتحول دون
ميراثهم من الميت رغم توفر أسباب الإرث وهي القتل العمد أو القتل بالتسبيب (شهادة
الزور)، وكذلك الاشتراك في القتل وكذلك المحاولة الموجبة للعقاب، لكن في صورة
الشهادة إذا تراجع قبل الحكم بالإعدام فإنه لا يحرم من الميراث. وهناك مانع من الميراث
يعتمده القضاء تأويلا للفصل 88 وهو اختلاف الدين واعتبره من أسباب منع الإرث وأشار
كذلك الى مانع الردة في قرار حورية.
الشرط 3: وجود سبب من أسباب الإرث.وهما سببين: الزواج والقرابة.
فبالنسبة للزواج، يتوارث الزوجان من بعضهما البعض إذا كان زواجهما صحيحا.
أما إذا كان الزواج فاسدا على معنى الفصل 22 م ا ش أو باطلا على معنى الفصل 36 ق ح م فلا
توارث بين الزوجين.
أما بالنسبة للقرابة، أي رابطة الدم[64]، فالوارث هو الشخص الذي يرتبط بالميت مباشرة أو
عن طريق ذكر فقط أو ذكر وأنثى معا، أما من يرتبط بالميت عن طريق أنثى فقط فهو غير
وارث مبدئيا. (وهؤلاء يسمون ذوي الأرحام ولا أرث لهم في م.أ.ش). ويشترط للإرث أن
يكون النسب شرعيا، أما إبن الزنا فلا يرث إلا من أمه وقرابتها[65].
وهذه الشروط الثلاثة
السابق بيانها إذا يجب أن تتوفر مجتمعة
حتى يعتبر الشخص وارثا ويقع إدراجه في حجة الوفاة. لكن حجة الوفاة تحرر غالبا بطلب
من أحد أقارب الميت وبناءا على المعلومات التي يدلي بها هو والشاهدين.
أي أن قاضي الناحية
يقتصر دوره غالبا على تدوين ما يعلمه به المصرح والشاهدين وهؤلاء من الممكن أن
يقوموا بإدراج شخص لا تتوفر فيه صفة الوارث وذلك سواء بحسن نية أو بسوء نية. إذ من
الممكن أن يقع إدراج ولد غير شرعي أو زوج [66] من ديانة أخرى فما هو الحل في هذه الحالة؟
سبق وأن بينا أن
الاعتراض[67]على حجة الوفاة يتعلق بالحالة التي يحصل فيها سهو عن ذكر بعض المستحقين في
التركة. ولكن الوضعية هنا مغايرة تماما، فالأمر يتعلق بإدراج شخص يبدو ظاهريا أنه
يملك سبب إرث صحيح لكنه في حقيقة الأمر يفتقر إلى ذلك. ففي مثل هذه الحالات هل
يمكن الرجوع الى حاكم الناحية الذي أصدر حجة الوفاة للتشطيب على
"الوارث" المذكور؟ أم أن الأمر يخرج عن اختصاصه؟ وبالتالي يجب القيام
بدعوى بطلان.
إن أول ما تجدر الإشارة
اليه هو أن المشرع لم يتعرض لهذه المسألة إطلاقا باعتبار وأنه لم يضع نظاما
قانونيا محددا لحجة الوفاة واكتفى بالإشارة اليه في الفصل 44 ق ج م وأمر 18 جويلية
1957 دون ضبط أحكامها. وغياب التنظيم التشريعي يستوجب البحث في الأحكام العامة
للمرافعات المدنية وفي الحلول المعتمدة من فقه القضاء.
فبالرجوع الى الأحكام
العامة الواردة في مجلة المرافعات المدنية والتجارية يمكن القول أن حاكم الناحية
غير مختص بالنظر في مسألة التشطيب على من لم تتوفر فيه شروط الإرث لأن محكمة
الناحية هي محكمة اختصاص محدد بالنص واختصاصها في نطاق الأحوال الشخصية ينحصر فيما
يلي[68] :1 ـ دعاوى النفقات[69]. 2 ـ المصادقة على عقود الكفالة[70]. 3 ـ إصدار أحكام التبني[71]. 4 ـ إبطال الزواج في صورة الزواج الثاني[72]أو في صورة الزواج على خلاف الصيغ القانونية[73]. 5 ـ إقامة حجج الوفاة[74]. وهذه الحالات واردة على سبيل الحصر لأن المشرع أعطى بالفصل 40 م م م ت للمحكمة الابتدائية
صلاحية النظر في جميع الدعاوى عدا ما خرج عنها بنص خاص.
وقد أثيرت في الماضي
إشكاليتان تتعلقان بحالات الاختصاص المذكورة تخص الأولى قضايا النفقة بينما تخص
الثانية قضايا الرجوع في التبني. ففيما يتعلق بقضايا النفقة طرح تساؤل حول مدى
إمكانية أن ينظر حاكم الناحية في مسألتي نشوز الزوجة ، وثبوت الزوجية بالنسبة
للزيجات المبرمة قبل غرة أوت 1957 ولم يقع التصريح بها طبق القانون. حيث ذهب البعض
الى القول بإمكانية أن ينظر قاضي الناحية في هاتين المسألتين باعتبار أن قاضي
الأصل هو قاضي الفرع[75] ولكن فقه القضاء مستقر على أن :
أما فيما يتعلق بقضايا
الرجوع في التبني وهي حالة شبيهة جدا بحالة إبطال حجة الوفاة لأن كلاهما لا نص فيه،
وكلاهما عمل ولائي[78] فقد استقر فقه القضاء على أن مرجع
النظر في قضايا الرجوع بالتبني هو للمحكمة الابتدائية وذلك لغياب نص يسند الاختصاص
لغيرها فتبقى هي صاحبة الاختصاص طبق أحكام الفصل 40 م م م ت[79].
ويستفاد مما سبق أن حاكم
الناحية لا يستطيع النظر إلا فيما أسند له الاختصاص فيه بصريح النص وهو الحل الذي
يرجحه فقه القضاء. ويبدو هذا الحل وجيها وسليما من الناحية القانونية اعتمادا
على ما سبق بيانه واستنادا أيضا الى الطابع الولائي لحجة الوفاة. فمحكمة التعقيب
مستقرة على أن النظر في مسألة إدراج شخص لا حق له في الإرث لعدم توفر الشروط فيه
تخرج عن اختصاص محكمة الناحية وهو حل تميل اليه محاكم الأصل أيضا.
فبالنسبة لقضاة الأصل
يمكن التعرض إلى المثالين التاليين:
1- الحكم الابتدائي المدني عدد 34378 مؤرخ في 15 جانفي 2001 الصادر عن المحكمة الابتدائية بتونس الذي جاء فيه
مايلي:"حيث كانت الدعوى تهدف الى الحكم بإبطال حجة الوفاة عدد 4338
المحررة في 8 أكتوبر 1991 واعتبار أن ورثة علي ...هم زوجته ربح... وابنته فاطمة لا
غير. وحيث يتضح بالرجوع إلى أوراق الملف أنه بتاريخ 8 أكتوبر 1991 أقيمت حجة وفاة
الهالك علي ... من طرف السيد حاكم ناحية تونس تضمنت أنه أحاط بإرثه زوجته ربح بنت
محمد بن علي وأخواه الشقيقان بلقاسم والعكري لا غير. وحيث قامت المدعية بتاريخ 14
جويلية 1997 بالاعتراض على حجة الوفاة المشار اليها بصفتها ابنة الهالك فتم قبول
اعتراضها واعتبار أن ورثة علي ... هم زوجته ربح ... وأخواه الشقيقان بلقاسم
والعكري وابنته فاطمة. وحيث طالما ثبت أن للهالك بنتا فإنه لا يرث مع الأخ للأب
تطبيقا لأحكام الفصل 138 من م.أ.ش.وحيث بناء على ذلك يتعين الحكم بإبطال حجة
وفاة الهالك علي ...عدد 4338 المحررة في 14 جويلية 1997 واعتبار أن ورثته هما
زوجته ربح بنت محمد سليمان وابنته فاطمة لا غير"[80].
2- حكم ابتدائي مدني عدد 42186 مؤرخ في 4 نوفمبر 2002.الذي جاء فيه
مايلي:"حيث تهدف الدعوى الى الحكم بإبطال حجة الوفاة عدد 1702 المؤرخة في
2 نوفمبر 1999 الصادرة عن حاكم ناحية تونس.وحيث تمسك نائب المدعي بأن البيانات
المضمنة بحجة الوفاة المراد إبطالها هي خاطئة ومخالفة لهوية الورثة إضافة الى
أن حجة الوفاة المقامة من طرف حاكم ناحية نابل هي أسبق في التاريخ ومقامة من طرف
الورثة أنفسهم.وحيث خلافا لما تمسك به نائب المدعي فإن الفصل 44 من قانون تنظيم
الحالة المدنية لم يحصر الأشخاص الذين يمكن أن يصرحوا بالوفاة ولم يضبط شروط خاصة
بهم.وحيث وعلى خلاف ذلك فقد نص الفصل 44 المذكور على أن ضابط الحالة المدنية
بالمنطقة التي وقعت بها الوفاة هو المختص ترابيا لإعداد رسم الوفاة بقطع النظر عن
مقر الهالك.وحيث لا شك في أن المرحوم علي ... قد توفي بتونس وبالتالي فإن المختص
هو حاكم ناحية تونس وبالتالي فإن طلب إبطال حجة الوفاة المقامة من طرف حاكم
ناحية تونس والإبقاء على حجة الوفاة المقامة من طرف حاكم ناحية نابل في غير طريقه
سيما وأنه يمكن في كل الحالات إصلاح حجة الوفاة التي تضمنت بيانات خاطئة.وحيث كان طلب
إبطال حجة الوفاة الصادرة عن الجهة المختصة ترابيا والإبقاء على حجة الوفاة
الصادرة عن جهة غير مختصة ترابيا في غير طريقه وتعين بذلك رفض الدعوى"[81].
أما محكمة التعقيب فقد في اعتبرت بعض قراراتها أن حجة الوفاة عملا
ولائيا، غير قابلة للطعن بوجه الاستئناف أو غيره من طرق الطعن الأخرى. وتؤكد محكمة
التعقيب أنها قابلة للطعن بدعوى في الإبطال لكن لا لدى الجهة التي أصدرت الحجة أي
محكمة الناحية كي تتمكن من مراجعة نفسها على ضوء ما سيقدم لها من حجج بل لدى
المحكمة الابتدائية[82].
كما أن القول بأن حاكم
الناحية يستطيع التشطيب على اسم الشخص الذي أدرج كوارث وهو لا تتوفر فيه شروط
الإرث يتعارض وأحكام الفصل 256
م م م ت لأن هذا الفصل يتعلق أولا بالأحكام ولأنه ثانيا
يتعلق بالأخطاء المادية البحتة والمقصود بذلك الغلط في التحرير أي الغلط في
الأسماء والأرقام[83]. أما الغلط الجوهري أو الغلط في حقيقة المعلومات المعتمدة فإنه يخرج عن
أحكام الفصل 256م م م ت. وهذا هو التوجه الذي ذهبت اليه المحكمة الابتدائية بتونس
في حكمها عدد5226 مؤرخ في 25 اكتوبر 2003
الذي جاء فيه مايلي :" وحيث طالما كانت المعارضة في حق الإرث من قبيل النزاعات القضائية فإنه لا
يسوغ معالجتها وفصلها بمجرد قرار إصلاح يحرر على معنى الفصل 256 م م م ت لكون هذا الإصلاح
يخص الأخطاء المادية دون أصل الحق وهو يلحق بالنسخة الأصلية للحجة أو الحكم الواقع
تداركه بالإصلاح بعد النظر فيه دونما حاجة
للترافع حوله ولو مشافهة ولا يكون قابلا للطعن فيه بانفراد وإنما بمعية الحكم الذي
الحق به كأصل واحد برمته. وحيث بالنظر
لسبق إصلاح حجة وفاة المرحوم أحمد ... على معنى الفصل 256 م م م ت بدلالة القرار
الصادر عن قاضي ناحية نابل في 30/09/1976 فإن هذا القرار يظل في ظاهره قرار إصلاح
لخطأ مادي بصرف النظر عن مضمون الإصلاح لكونه خلوا من أية مرافعة بين الخصوم حول
الأمر المطلوب تداركه بحجة الوفاة وهو غير قابل تبعا لذلك للطعن فيه قضائيا منفردا
عن أصل الحجة. وحيث لا يمكن أن يحجر قرار الإصلاح المشار اليه إمكانية الاعتراض
على قائمة الورثة المضمنة بحجة وفاة المرحوم أحمد ... ابتدائيا أمام قاضي الناحية
التماس لمراجعتها وحفظ حق كل وارث فيها ضمن دعوى قضائية ترفع أمامه طبقا للفصل 43
وما بعده من م م م ت لعدم النظر في مثل هذا الاعتراض سابقا باحترام مبدأ المواجهة
بين الخصوم حول حق الإرث المعروض على المحكمة خاصة وأن قرار الإصلاح المؤرخ في
30/09/1976 لا يمكن اعتباره قانونا بمثابة حكم قضائي وهو مؤسس على الفصل 256 م م م ت"[84].
وطالما أن فقه القضاء
ميال لقبول القيام بدعوى بطلان ضد حجة الوفاة فإنه يكون من الضروري جدا تحديد الأشخاص
الذين لهم حق القيام.
ب- حق إثارة دعوى البطلان:
إن النظر في حق إثارة دعوى
بطلان حجة الوفاة يستوجب تحديد الجهات التي لها حق الاثارة، ومبدئيا يمكن القول إن
حق إثارة دعوى البطلان مخول لبعض الأشخاص الذين تتوفر فيهم شروط القيام من جهة
وللنيابة العامة من جهة أخرى.
أولا: الأشخاص الذين تتوفر فيهم
شروط القيام:
طالما أن طلب البطلان
يتخذ شكل دعوى فإنه لا بد من الرجوع إلى الأحكام العامة الواردة في م م م ت وتحديدا شروط القيام بالدعوى الواردة في الفصل19، وهي ثلاث شروط متلازمة
تهم النظام العام: 1- الصفة، 2- الأهلية، 3- المصلحة، وعلى المحكمة أن تتثبت من
توفرها من عدمه في جانب القائم بالدعوى ،إذ جاء بالفصل 19 م م م ت "حق القيام لدى
المحاكم يكون لكل شخص له صفة وأهلية تخولانه حق القيام بطلب ماله من حق ويجب أن
تكون للقائم مصلحة في القيام".
1- المصلحة:
يشترط في رافع الدعوى
أن تكون له مصلحة في رفعها : ويقال عادة تعبيرا عن هذا المعنى أن لا دعوى بغير
مصلحة
وأن المصلحة هي مناط الدعوى
pas d’intérêt، pas d’action l’intérêt est la mesure de l’action
والمصلحة في هذا
المعنى هي المنفعة التي يجنيها المدعي من التجائه الى القضاء، فهي الباعث على رفع
الدعوى، وفي نفس الوقت الغاية المقصودة من رفعها[85].
وقد عرفت الدوائر المجتمعة
لمحكمة التعقيب المصلحة بأنها:"...المنفعة التي ستحصل لصاحبها من تقديم
الدعوى أو الطعن أو الدفع بصرف النظر عن مركزه في القضية طالبا كان أو مطلوبا
وقـــد".[86]
والمصلحة
التي يعتد بها هي المصلحة القانونية، ولتكون المصلحة كذلك لابد أن تستند الى حق
يحميه القانون ولا يهم أن تكون المنفعة التي ستحصل لصاحبها مادية أو معنوية كثيرة
أو قليلة. وقد أكدت محكمة التعقيب على أن القيام بالدعوى لا يكون قانونيا إلا إذا
كان مبنيا على مصلحة شرعية[87].
ويشترط أيضا أن تكون المصلحة
شخصية ومباشرة[88]، أي أن يكون القائم بالدعوى هو صاحب الحق الموضوعي أو المركز القانوني
المعتدى عليه[89]. وأخيرا يجب أن تكون المصلحة قائمة وحالة، ويكون ذلك عند رفع الدعوى
باعتبار أن المصلحة شرط من شروط قبولها إذ جاء بالقرار التعقيبي عدد 21401 الصادر
في 14 فيفري 1990 "القيام بالدعوى المدنية من حق كل من لحقه شخصيا ضرر بشرط
أن يكون الضرر نشأ مباشرة عن الجريمة ويمكن القيام بها في آن واحد مع الدعوى
العمومية أو بانفرادها لدى المحكمة المدنية..."[90].
والمصلحة في القيام بدعوى
بطلان حجة الوفاة المرفوعة أمام المحكمة الابتدائية تتوفر أساسا للوارث
الذي تم المساس بحقوقه عند إقامة حجة الوفاة من طرف قاضي الناحية، كأن يقع إدراج
شخص بصفة وارث وهو في الواقع غير ذلك أو أن لا يقع إدراجه وهو يعتبر نفسه من
الورثة.
كما يمكن أن تكون للمكلف
العام بنزاعات الدولة مصلحة في القيام، إذا رأى أن صندوق الدولة هو العاصب
لانعدام الورثة، ورغم ذلك هنالك من ادعى أنه وارث وتم إدراجه بحجة الوفاة.
ومن الممكن أيضا أن
تكون للموصى له بكل التركة مصلحة في القيام عند ادعاء أحدهم بأنه وارث
وإدراج ذلك في حجة الوفاة.
2- الصفة:
يجب على القاضي حتى
يقبل القيام بالدعوى أن يتحقق من أن المدعي تتوفر فيه الصفة التي تخوّل له القيام،
وأن المدعى عليه أيضا له صفة في رفع الدعوى ضده[91]. فشرط الصفة يجب أن يتوفر في
الطالب والمطلوب أي أن تقام الدعوى من ذي صفة على ذي صفة[92].
ويقصد بالصفة أن يكون
صاحب الحق الموضوعي هو القائم بالدعوى، فقد اعتبرت محكمة التعقيب في هذا الشأن[93] أن "القائم بطلب ما لغيره من حق عليه إثبات صفته وإلا رفضت دعواه،
وعلى المحكمة أن تتبنى هذا الإجراء من تلقاء نفسها وإلا فإن حكمها يكون مستهدفا
للنقض".
وبخصوص حجة الوفاة فإن
الصفة تتوفر لكل من كان له حق في التركة، أي الورثة والموصى لهم، أو من الممكن أن
يتحمل التزامات إزاء الورثة ناتجة عن وفاة مورثهم.
فبالنسبة للورثة ورد بالفصل 90 م أ ش تحديد للأشخاص الذين
يمكن اعتبارهم ورثة،[94] كما وضع الفصل 114 م
أ ش صندوق الدولة من بين العاصبين بالنفس. فهؤلاء هم الورثة الذين لهم صفة القيام مبدئيا.
كما أن الفصل 87 م أ ش
أعطى للموصى لهم ترتيبا مقدما على الورثة[95] في استحقاق حقهم من التركة، وبالتالي فإن لهم الصفة في القيام لطلب إبطال
حجة الوفاة إن كان هناك مساس بحقهم خاصة عندما يتعلق الأمر بوصية بكامل المال، والتي
يشترط لصحتها انعدام الورثة[96].
و تتوفر هذه الصفة
أيضا لشركة التأمين أو للمكلف العام بنزاعات الدولة في حق صندوق ضمان حوادث
المرور، وذلك عندما يقدم الورثة حجة وفاة مورثهم الذي توفي نتيجة حادث مرور
تسببت فيه الوسيلة المؤمنة لدى شركة التأمين ويتبين لشركة التأمين المطلوبة أن أحد
الأشخاص المضمن اسمه بحجة الوفاة هو في الحقيقة ليس من الورثة، فتقوم بدعوى إبطال حجة
الوفاة المطعون فيها، وهو ما تعرضت له محكمة التعقيب في قرارها المدني عدد 40276
الصادر في 11 أفريل 1996 [97] إذ على إثر قيام امرأة بصفتها زوجة للهالك في حادث مرور بطلب غرم ضررها هي
وابنتها مقدمة حجة وفاة تثبت صفتيهما كوارثتين، لكن شركة التأمين المطلوبة تفطنت
من خلال الأبحاث الأولية المجراة إثر الحادث وحسب تصريح والدي الهالك أنه كان
أعزب، فكانت تلك نقطة الانطلاق التي تمسكت بها شركة التأمين للمنازعة في صحة حجة
الوفاة.
وهو نفس الأمر بالنسبة
لجميع الصناديق الاجتماعية التي لها صفة القيام بدعوى البطلان إن تتبين لهم
أن أحد الورثة المضمنين بحجة الوفاة بغاية الانتفاع بمنح هو من الأشخاص غير مستحقي
الإرث.
3- الأهلية:
هي قدرة الشخص على
تحمل الالتزامات وعلى اكتساب الحقوق وممارستها[98]. ويتميز شرط الأهلية عن شرطي المصلحة والصفة بشيء من المرونة إذ أن الفصل
19م م م ت لا يوجب توفر الأهلية
عند القيام ـ خلافا لما هي الحال بالنسبة للمصلحة والصفة ـ بل أجاز صراحة إمكانية
تلافي هذا الخلل أثناء نشر القضية إذا كان شرط الأهلية المقيدة فقط هو المختل[99].
وأجاز للقاصر المميز
القيام بنفسه دون وساطة المقدم في المادة الاستعجالية إذا كان هناك خطر ملم. وأما
المبرر الذي يفسر المرونة التي عامل بها المشرع شرط الأهلية فلأنها لا تعتبر شرط
صحة للقيام وإنما شرط صحة لانعقاد الخصومة وشرط صحة للطلب القضائي لا غير، ولهذا
الاعتبار ليس من الضروري أن يتوفر هذا الشرط عند القيام بل يكفي أن يحصل أثناء
النشر وبداية من تاريخ حصوله لاحقا تنعقد آنذاك الخصومة ويصح النظر في الطلبات
المعروضة من الطرفين.
إذ جاء في نهاية الفصل 19 م م م ت " "يمكن
قبول القيام من طرف القاصر المميز"، لكن هل يمكن القياس على هذه الحالة
وإدراج حالات أخرى من حق القيام في إطار هذا الاستثناء خاصة فيما يتعلق بحجة
الوفاة ؟ فشرط الأهلية بالنسبة لحجة الوفاة قد يكون عائقا أمام بعض الورثة من
القيام بالدفاع عن حقوقهم ، وربما يكون من الأنسب تعميم الاستثناء الذي أورده
المشرع في الفصل 19 م
م م ت بالنسبة للقضاء الاستعجالي ليشمل الطعن في حجة الوفاة، خاصة وأن إمكانية
القياس تبدو مستبعدة، لأنه لا يمكن التوسع في الاستثناء، وبالتالي فالمسألة بحاجة
إلى تدخل من المشرع.
ثانيا- النيابة العامة:
يعتقد البعض خطأ أن
دور النيابة العمومية مقصور على القضايا الجزائية ،وأنها لا تلعب أي دور يذكر في
المادة المدنية ولكن هذا الاعتقاد غير صحيح لأن أحكام الفصل 251
م م م ت واضحة وصريحة في إعطاء النيابة العمومية دورا لا
يستهان به في القضايا المدنية. إذ اقتضى الفصل 251 من م.م.م.ت أنه "لممثل
النيابة العمومية الحق في القيام بالقضايا كلما كانت هناك مصلحة شرعية تهم النظام
العام"[100]. ويفهم من هذه الفقرة أنه بإمكان النيابة العمومية
الادعاء كطرف أصلي في القضايا المدنية.
لقد أورد الفصل 251
من م.م.م.ت الحالات التي تكون فيها المحكمة ملزمة بعرض ملف القضية على النيابة
العمومية وذلك قبل ثلاثة أيام على الأقل قبل موعد الجلسة.
وهذه الحالات خمس ولكن
ما يهمنا منها هو حالتين فقط هما :" إذا
تعلق الأمر بالدولة أو بالهيئات العمومية سواء كانت طالبة أو مطلوبة أو متداخلة أو
دخيلة[101]. إذا شملت القضية شخصا عديم الأهلية أو مفقودا"[102].
و بالنسبة للقيام
بدعوى بطلان حجة الوفاة يمكن القول أن حق النيابة العامة مكرس من خلال دورها
الواضح في مختلف النصوص الخاصة بحجة الوفاة وهو ما يعطيها مبرر للقيام، هذا علاوة
على أن حقها ثابت بنظر المشرع وفقه القضاء.
فبالرجوع الى مختلف
النصوص التي تعرض فيها المشرع لحجة الوفاة نلاحظ أن المشرع يشير بصفة دائمة الى
وكيل الجمهورية.
فلقد ورد في الفصل 44 فقرة ثالثة من قانون
الحالة المدنية مايلي: " ويوجه ضابط الحالة المدنية الى وكيل الجمهورية
أو حاكم الناحية...". كما جاء في
الفصل الاول من أمر 18 جويلية 1957 المتعلق بتسمية المقدمين ومراقبة تصرفاتهم ما
يلي :" من يتوفى عن تركة ذات أهمية ويترك من بين ورثته من كان قاصرا فإنه يجب
على الوصي والرشداء من الورثة أن يعلموا بالوفاة في ظرف ثلاثة أيام وكيل الجمهورية
بالمحكمة الابتدائية الواقعة في دائرتها الوفاة أو حاكم الناحية... ".[103]
ويلاحظ من خلال هذين
الفصلين أن المشرع أعطى دورا للنيابة العامة ممثلة في وكيل الجمهورية فيما يتعلق
بإقامة حجج الوفاة، ومن المنطقي بالتالي أن يكون للنيابة العامة الحق في اثارة
دعوى بطلان تلك الحجج كلما وجد موجب لذلك.
خاصة إذا كان في حجة
الوفاة ما يمكن أن يمس بحقوق الدولة وفاقدي أو مقيدي الاهلية ، وذلك من خلال إضافة
أو إقصاء وارث من شأنه أن يؤثر في حظوظهم في الإرث أو ينقص من أنصبتهم . كما أن
حجة الوفاة من الممكن أن تمس بالنظام العام عندما يقع إدراج وارث هو في الأصل أبن
زنى وذلك باعتباره وارثا من جهة الاب[104]، أو عندما يقع إدراج زوج أو زوجة كوارث رغم أن عقد الزواج باطل أصلا[105] أو شكلا[106]أو لوجود مانع من موانع الإرث.
ففي جميع هذه الحالات
يحق للنيابة العمومية التدخل وإثارة دعوى البطلان طالما أنها تملك حق إثارة أي
قضية تتعلق بالنظام العام.
كما أن محكمة التعقيب
في قرارها عدد 319 الصادر في 17 جانفي 1961[107] أقرت للنيابة العمومية وبصفة مطلقة حق القيام بجميع الدعاوى التي تهم الأسرة
إذ جاء في ذلك القرار مايلي :"القانون يخول للنيابة العامة القيام بالدعاوى
المتعلقة بحقوق الأسرة لأنها راجعة إلى النظام العام مثل طلب فسخ النكاح لان
الزوجين أخوين من الرضاع ".
وفي قرار تعقيبي أخر[108] يتعلق بقضية نسب اتخذت محكمة التعقيب نفس الموقف إذ جاء فيه مايلي:"
دعاوى النسب تهم النظام العام والنيابة العمومية تلعب فيها دورا". ويستخلص
مما سبق أن حق النيابة العامة في إثارة دعاوى إبطال حجج الوفاة ثابت سواء بمقتضى الأحكام
العامة الواردة في مجلة المرافعات، أومن خلال الأحكام الخاصة بحجة الوفاة أو حتى
من خلال اجتهاد فقه القضاء في قضايا الأسرة[109].
الفقرة الثانية ـ المحكمة المختصة بدعوى البطلان:
إن غياب أحكام خاصة
تنظم دعوى إبطال حجة الوفاة يفرض علينا كالعادة العودة إلى الأحكام العامة لتنظيم
الاختصاص القضائي والواردة في مجلة المرافعات باعتبارها النص العام الذي لابد من
العودة إليه عند غياب نص خاص. لذلك لابد من التعرض إلى مرجع النظر الحكمي،(أ) ثم
المرور إلى البحث في مرجع النظر الترابي،(ب).
أ-الاختصاص الحكمي :
يتكفل المشرّع بتحديد
وضبط الاختصاص الحكمي للمحاكم و"لا عمل على كل اتفاق من شأنه مخالفة الاختصاص
الحكمي المعين بالمجلة"[110] أي مجلة المرافعات المدنية والتجارية، ويمكن أن نضيف إليها حالات الاختصاص
الحكمي الواردة في النصوص الخاصة. ومعنى ذلك أن الأحكام القانونية المحددة
للاختصاص الحكمي آمرة فهي تهم النظام العام، ولا يمكن الاتفاق على مخالفتها.
وتقوم قواعد الاختصاص
الحكمي على قاعدتين أساسيتين او معيارين أثنين[111]: إذ هنالك معيار موضوع الدعوى وهو ما يسمى الاختصاص الاقصائي
للمحاكم، والمعيار الثاني هو المعيار القيمي الذي يقع فيه تحديد الاختصاص
بالرجوع الى مقدار المال المطلوب في القضية[112]. وبالنسبة لحجة الوفاة لا يمكن اعتماد المعيار القيمي، إذ هي لا تهدف إلى
طلب مقدار من المال وهي بذلك ليست بدعوى مقدرة.
كما أن المشرع لم يضبط
قواعد مرجع نظر خاصة بحجة الوفاة واكتفى بالفقرة الثالثة من الفصل 44 من
قانون عدد 3 لسنة 1957 المؤرخ في أول أوت 1957 المتعلق بالحالة المدنية بالتنصيص
على أن قاضي الناحية يقيم حجة الوفاة، وذلك على أساس أنها من الأعمال الولائية
الموكولة له حصريا، وهي بذلك تدخل في الاختصاص النوعي لقاضي الناحية، باعتبارها
أنه لا يقتسم الاختصاص فيها مع أي محكمة أخرى.
لكن هذا الاختصاص يهم
اقامة حجة الوفاة دون أن يطال حالات طلب بطلانها، فهل سيرجع الاختصاص بالنظر في
دعوى البطلان إلى قاضي الناحية الذي حرر تلك الحجة أم إلى المحكمة الابتدائية؟. لا
وجود لجواب من قبل المشرّع.
وقد سبق بيان إن حجة
الوفاة عمل ولائي، غير خاضعة للطعن بالاستئناف باعتبارها تهم الأحكام وليس الأعمال
الولائية، التي لا يمكن الطعن فيها إلا بالوسائل السابق بيانها، وبدعوى البطلان،
وبهذه الكيفية يمكن تشبيه حجة الوفاة المطلوب بطلانها بدعوى الرجوع بالتبني الحاصل
أيضا بمقتضى حكم صادر عن قاضي الناحية[113]. التي أثارت جدلا حول المحكمة المختصة للنظر فيها، ليحسم ذلك الخلاف لاحقا
بإقرار اختصاص المحكمة الابتدائية.
فالمشرع التونسي لم
يفرد دعوى الرجوع في التبني بمحكمة معينة، ومع ذلك فقد استقر فقه القضاء على
أن الاختصاص الحكمي هو للمحكمة
الابتدائية، فهي مختصة بكل الدعاوي التي لم يسند المشرع اختصاص النظر فيها إلى
محكمة معينة وذلك مهما كانت قيمة وطبيعة الدعوى. فالمحكمة الابتدائية بصريح النص
هي محكمة ذات ولاية حكمية شاملة وعامة.
فهي تختص بالدعوى
لانها ذات مرجع نظر شامل حيث اقتضى الفصل 40 م م م ت أنها "تنظر ابتدائيا
في جميع الدعاوي عدا ما خرج عنها بنص خاص.". هذا الاختصاص الشامل هو الذي
جعل العديد من المحاكم الابتدائية التي رفعت لديها دعاوى في الرجوع في التبني
تقبلها من الناحية الشكلية وتعتبرها من مشمولات أنظارها من ذلك المحكــمة
الابتدائية بقرمبالية[114] والمحكمة الابتدائية بتونس[115] والمحكمة الابتدائية بالمنستير[116].
فهل من الممكن اعتماد
نفس الحل بالنسبة لحجة الوفاة، فيتجه طالب إبطالها إلى المحكمة الابتدائية،
اعتمادا أيضا على احكام الفصل 40
م م م ت؟، خاصة أن قانون الحالة المدنية لم يتعرض
لمرجع النظر الحكمي فيما يتعلق بإبطال حجة الوفاة ، فالمشرع لم ينظم دعوى بطلان
حجة الوفاة أصلا.
وقد جاء في الوجيز في
قضاء الناحية فيما يتعلق بهذه النقطة مايلي:" ...عندما يرفع الطلب إلى محكمة
الناحية في إبطال حجة الوفاة ...، فإنه يتعين عليها عرض ملف القضية على النيابة
العمومية وفق ما اقتضاه الفصل 251م م م ت ثم الحكم برفض الدعوى لعدم اختصاص قضاء الناحية بالنظر فيها حكميا طبق مقتضيات
الفصل 22 م
م م ت"[117].
وما يدعم هذا التوجه
هو غياب أي نص خاص يحدد مرجع النظر الحكمي في قضايا إبطال حجة الوفاة، مما يعني بالضرورة عدم وجود استثناء من قاعدة
الاختصاص المطلق للمحكمة الابتدائية، فتكون النتيجة المنطقية من ذلك هي أن القيام
بدعوى البطلان يجب أن يكون أمامها. لكن فقه القضاء لم يتعامل مع هذه المسألة دائما
وفق المنطق السابق.
حيث قبلت المحكمة
الابتدائية بتونس النظر في قضايا إبطال حجج الوفاة الصادرة عن محاكم النواحي
الراجعة لها بالنظر[118]، إلا أن محكمة الاستئناف بتونس كان لها رأي مخالف.
ففي قرارها عدد 7687
مؤرخ في 12 ماي 2004[119].ذهبت الى التصريح بما يلي:"وحيث أن إصلاح الأخطاء المادية الواردة
بحجج الوفيات مهما كانت طبيعتها وكذلك تصحيح الهويات الواردة بها بناء على قرارات
إصلاح رسوم الحالة المدنية الصادرة عن المحاكم الابتدائية وكذلك إدراج ورثة غير
مذكورين بالحجة سواء بموجب سهو عن ذكرهم أو لكونهم لم يكونوا معلومين عند إقامتها
أو التشطيب على هويات أشخاص واردة أسمائهم بقائمة الورثة خطأ لكونهم لا يستحقون
الميراث أصلا، لا بالفرض ولا بالتعصيب، أو لكونهم محجوبون من الميراث حجب حرمان،
فإنها كلها تتم من طرف قاضي الناحية الذي أقام الحجة بطلب أو بدونه لما له
من سلطة في تدارك ما صدر عنه من أخطاء أو سهو وهو ما درج عليه جريان العمل لدى
محاكم النواحي. غير أن قرارات قاضي الناحية بالإدراج أو التشطيب يجب أن تكون معللة
ويتخذها بعد استدعاء جميع الورثة أو من يمثلهم لما له من وظيفة استقرائية كما سبق
بيانه. وحيث طالما أنه من الممكن قانونا أن يتولى حاكم الناحية إدراج ورثة جدد أو
التشطيب على ورثة مذكورين في حجة الوفاة بموجب قرار معلل صادر عنه وفق إجراءات
بسيطة تمكن أصحاب الحقوق من الحصول على حجة وفاة مصححة وبصورة مقنعة تمكنهم من
الحصول على حقوقهم في آجال قصيرة فلا موجب حينئذ للبحث عن إمكانية اللجوء الى
المحكمة الابتدائية بوصفها محكمة حق عام للحصول على حكم بالإدراج أو التشطيب. وحيث
ترتيبا على ذلك فإن تعهد المحكمة الابتدائية بخصوص التشطيب على أحد الورثة
المذكورين بحجة الوفاة لا يمكن أن يكون إلا في إطار قضية استئنافية الهدف منها
الطعن في قرار قاضي الناحية برفض التشطيب ولا يمكن أن تتعهد بها بصفة أصلية. وحيث
أنه طالما كانت الدعوى في قضية الحال تهدف بصفة أصلية الى التشطيب على اسم ولقب
المستأنف ضدها من حجة وفاة مورث المستأنفين فإنها تخرج عن أنظار المحكمة المطعون
في حكمها التي تجاوزت سلطتها وانحرفت بموضوع الدعوى بتغيير تكييفها إذ اعتبرتها ـ
حسبما يفهم من حيثيات الحكم الذي أصدرته ـ دعوى في نفي النسب وهو ما لم تهدف اليه
الدعوى الأصلية باعتبارها متعلقة بالتشطيب تأسيسا على كون المستأنف ضدها ابنة زنا
ولا يحق لها الميراث ولا يتعلق الأمر بنفي نسبها عن أبيها. وحيث لا يسع هاته
المحكمة بناء على كل ما ذكر إلا نقض الحكم الابتدائي والقضاء مجددا برفض الدعوى
لعدم الاختصاص الحكمي لمحكمة البداية للنظر في موضوع الدعوى ".
أي أن محكمة الاستئناف
بتونس تعتبر أن الاختصاص الأصلي في الطعون الموجهة ضد حجة الوفاة هو لحاكم الناحية
دون سواه ولو تعلق سبب التشطيب بأمور تخرج عن اختصاصه أصالة مثل أن يكون سبب طلب
التشطيب على شخص مدرج في حجة الوفاة هو نفي النسب كما كان الحال في القضية التي
صدر فيها القرار السابق.
أما اختصاص المحكمة
الابتدائية فلا ينعقد إلا في مرحلة لاحقة للنظر في الطعون الموجهة ضد القرارات
التي يتخذها حاكم الناحية بقبول الإصلاح أو برفضه فقط.
على أن محكمة
التعقيب كان لها في البداية رأي مخالف لما
ذهبت إليه محكمة الاستئناف بتونس حيث اعتبرت أن :" إقامة حجة الوفاة من قبل
قاضي الناحية عمل ولائي لا قضائي مما لا يضفي على تلك الحجة صبغة الحكم وهي على
هذا الأساس غير قابلة للطعن بالاستئناف أو غيره من طرق الطعن الأخرى. على أنه يمكن
لمن يهمه الأمر أن يقوم عند الاقتضاء بدعوى في إبطالها لدى المحكمة الابتدائية"[120].
إلا أن الموقف السابق
لمحكمة التعقيب لم يصمد طويلا. ففي قرار حديث لها إتخذت موقف مشابه للذي اعتمدته
محكمة الاستئناف بتونس. إذ ذهبت في قرارها المؤرخ في 14/2/2002 إلى ما يلي :"
إن إقامة حجة الوفاة من طرف قاضي الناحية تعتبر عملا ولائيا لكن متى وقعت في شأنها
منازعة وقدم فيها مطلب في الإصلاح لنفس القاضي الذي أقامها فإن القرار الصادر منه
بالإصلاح أو برفضه يكون بمثابة الحكم القضائي لأنه فصل في منازعة ويجوز بالتالي
الطعن فيه بطرق الطعن العادية وغير العادية."[121]
ويلاحظ أن الخلاف بين
الاتجاهين السابقين هو في آلية انعقاد الاختصاص للمحكمة الابتدائية وليس في
انعقاده من عدمه. فبينما يعتمد الرأي الأول القواعد العامة لقانون المرافعات والتي
تقضي بأن كل ما لم يقع إسناد اختصاص النظر فيه لمحكمة معينة فهو من اختصاص محكمة
الاختصاص الشامل أي المحكمة الابتدائية.
يرى أصحاب الرأي
الثاني أنه يجب الرجوع لحاكم الناحية وطلب مراجعة حجة الوفاة لتلافي ما تسرب إليها
من خطأ في ذكر شخص غير وارث ثم بعد ذلك اللجوء إلى المحكمة الابتدائية لاستئناف
ذلك الحكم القاضي بالقبول أو بالرفض، وهذا الرأي في حقيقته مجرد قياس على ما أقره
المشرع بالفصلين 219 و222 م م م ت فيما يتعلق بالأذون على مطالب من وجوبية
طلب المراجعة ليتمكن المراجع بعد ذلك من الطعن بالاستئناف.
لكن يبدو أن الرأي الأول
هو الأقرب للصواب. فبالرجوع الى قواعد التأويل الواردة في مجلة الالتزامات والعقود
نجد أن الفصل 653م ا ع تعرض للحالة التي يجوز فيها
اعتماد القياس وهي عند تعذر الحكم بنص صريح من القانون، وفي الحالة التي نحن بصددها
فلا وجود لغياب نص صريح، فالفصل 40 م م م ت واضح في تحديد مرجع نظر المحكمة
الابتدائية وهو اختصاص شامل في كل القضايا إلا ما خرج عنها بنص خاص، مما يعني أنه
عند عدم وجود نص خاص لانطبق قواعد القياس للبحث عن المحكمة المختصة وإنما يعود
الاختصاص بصفة آلية للمحكمة الابتدائية دون سواها، لا بوصفها محكمة استئناف إنما
باعتبارها صاحبة الاختصاص الأصلي، ويكون حكمها الصادر بهذا الصدد ابتدائيا وقابلا
للطعن بالاستئناف حسب القواعد العامة.
ب - الاختصاص الترابي:
نظم المشرع مرجع النظر
الترابي في الفصــول من 30 الــى 38
م م م ت. ويتمثل هذا الاختصاص في تحديد المحكمة المختصة
ترابيا بعد أن تم تحديدها حكميا[122].
ومن المؤكد أن دعوى
إبطال حجة الوفاة ستثير أيضا إشكالية فيما يتعلق بتحديد مرجع النظر الترابي ، وإن
كانت هذه الإشكالية أقل حدة مما يتعلق بالاختصاص الحكمي لان الأمر في حالة
الاختصاص الترابي لا يهم النظام العام. وبالنسبة لحجة الوفاة فإن تحديد مرجع النظر
الترابي يمكن أن يقع اعتمادا على المعايير العامة الواردة في م م م ت ، هذا إلى
جانب إمكانية تحديد معيار أكثر ملائمة يتناسب وخصوصية حجة الوفاة.
والقاعدة التقليدية في
تحديد الاختصاص الترابي هي معيار مقر المطلوب إذ جاء بالفصل 30 م م م ت أن "المطلوب
شخصا كان أو ذاتا معنوية تلزم محاكمته لدى المحكمة التي بدائرتها مقره الأصلي أو
مقره المختار". ذلك أن المطلوب بريء الذمة الى أن يثبت خلاف ذلك[123]، فكان من العدل اختيار المحكمة الأقرب له لتمكينه من الدفاع عن نفسه دون
عناء. ويكون المطلوب في حجة الوفاة هم الورثة الذين وقع إدراجهم بالحجة من قبل
قاضي الناحية، فيمكن تطبيق قاعدة مقر المطلوب في هذه الحالة، وفي حالة تعدد الورثة
أي المطلوبين يلتجأ هنا لتطبيق الفقرة الثانية من الفصل 30 م م م ت الذي جاء به
"أما في حال تعدد المطلوبين، فالطالب مخير في رفع نازلته لحاكم الجهة التي
بها مقر أحدهم".
كما اقتضى الفصل 34
من م.م.م.ت أن "الدعاوى المتعلقة بالتركة ترفع لدى المحكمة التي افتتحت
بدائرتها التركة وإذا افتتحت التركة خارج التراب التونسي فترفع للمحكمة التي
بدائرتها محل الاستغلال الأصلي". وهذا النص لم يعرف مفهوم "افتتاح
التركة" في حين أن الفصل 110 من المجلة المدنية الفرنسية اعتبر أن مكان افتتاح التركة هو آخر مقر للمورث قبل وفاته.
ويستند هذا المعيار
الى أن آخر مقر أقام فيه الهالك هو عادة مكان وجود التركة أو على الأقل الجزء
الرئيسي منها، وكذلك الوثائق وسندات الملكية والعقود التي يفترض أن تكون في مقر الإقامة
الأخير للمورث قبل موته، مما يسهل عملية النظر في الدعوى. والدعاوى المتعلقة
بالتركة تشمل بالضرورة الدعوى المقامة لإبطال حجة الوفاة.
ويمكن القول أن
المعيار الأنسب من بين المعيارين السابقين هو معيار مكان افتتاح التركة، لان
الاختصاص الأصلي في إقامة حجة الوفاة يرجع أساسا لقاضي الناحية في الذي وقعت في
دائرته الوفاة. لهذا فإنه من الأنسب القيام أمام المحكمة الابتدائية التي في دائرة
اختصاصها الترابي قاضي الناحية الذي إقام حجة الوفاة، وذلك حتى يكون بالإمكان الرجوع الى
الملف المتعلق بتلك الحجة والذي من المفروض أن يكون محفوظا في كتابة محكمة
الناحية، فهذه الوثائق ستسهل على المحكمة الابتدائية النظر في القضية.
و خلاصة القول أن
الطعن في حجة الوفاة ينحصر في:
1- الإصلاح كلما تعلق
الأمر بغلط مادي.
2- الاعتراض كلما تعلق الأمر بالسهو عن ذكر
وارث له صفة ثابتة وليست محل نزاع.
3- البطلان في الحالات
التي يتعلق فيها الأمر بالتشطيب
على وارث أو إدراج وارث صفته محل جدل أو إلغاء حجة الوفاة تماما
لثبوت حياة من صدرت في حقه.
4- مرجع النظر في دعوى البطلان هو للمحكمة الابتدائية التي في دائرتها حاكم
الناحية الذي حررها.
[1]) فقد اكتفى بالفصل 44 من القانون
عدد 3 لسنة 1957 المؤرخ في غرة أوت 1957 كما وقع تنقيحه بالمرسوم عدد 5 لسنة 1964
المؤرخ في 21 فيفري 1964 بالاشارة الى: "أن ضابط الحالة المدنية بالمنطقة
التي وقعت فيها الوفاة يحرر رسم الوفاة طبق تصريح من قريب الهالك أو من شخص لديه
عن حالته المدنية إرشادات صحيحة تامة بقدر الإمكان، ويوجه الى وكيل الجمهورية أو
حاكم الناحية مضمونين من الرسم المذكور ويجري الحاكم عند اتصاله بذلك بحثا قصد
معرفة الورثة ثم يقيم حجة الوفاة".
[3]) ورد هذا القرار لدى : حامد
النقعاوي، الوجيز في قانون السجل العيني، دار الميزان سوسة.2002 ص.263.
[4] ) انظر القرار التعقيبي عدد 30021
المؤرخ في 3/6/1993 مجلة القضاء والتشريع عدد 6 لعام 1993 ـ صفحة 85.
[5]) فتحرير حجج الوفيات الحاصلة قبل
التاريخ المذكور كانت ولا تزال من مشمولات عدول الإشهاد( انظر دليل عدول الإشهاد
الصادر عن وزارة العدل) ، إذ بمقتضى تنقيح الفصل 44 من القانون عدد3 لسنة
1957 المؤرخ في غرة أوت 1957 بالمرسوم عدد5 لسنة 1964 المؤرخ في 21 فيفري 1964
والمصادق عليه بالقانون عدد 7 لسنة 1964 المـؤرخ في 21 ماي 1964 أسند الاختصاص إلى قاضي الناحية
وجعـل الحصول على حجة الوفاة مجاني، حيث كانت حجة الوفاة في السابق تحرر من قبل
العدول بمقابل وهو ما اعتبرته وزارة العدل في منشورها المؤرخ في23/06/1964 سببا في تكبد المواطنين نفقات باهظة كانت عاملا في عدول الكثير منهم عن طلب
إقامتها لعجزهم عن تحملها. ولكن ما يلفت الانتباه هنا هو أن الكثير من المواطنين
أصبحوا يستغلون الطابع المجاني بصفة تعسفية وذلك بطلب عدد غير محدود من نظائر حجة
الوفاة ويبدو أن الحل الأنسب هو أن يقع التنصيص على حد أقصى من النظائر التي تسلم
مجانا وما زاد عنه يكون بمقابل ( 3 أو 4 نظائر مجانية فقط وفي أقصى
الحالات عدد من النظائر يساوي عدد الورثة).
[6]) إن غياب نظام قانوني متكامل
للعمل الولائي لم يمنع فقه القضاء من التعرض لمؤسسة القضاء الولائي، من ذلك القرار
الاستئنافي المدني الصادر عن المحكمة الابتدائية بسوسة بوصفها محكمة استئناف
لقرارات قاضي التقاديم تحت عدد 1431 الصادر في جوان 1959 والذي جاء فيه ما يلي:
"وحيث أن المحاكم لها وظيفتان أساسيتان إحداهما قضائية والأخرى إدارية أكثر
منها قضائية وهي المسماة في الاصطلاح القضائي بالوظيفية الولائية، فالعمل يعتبر
قضائيا إذا تعلق بنزاع ولو كان محتملا، ويعتبر ولائيا إذا لم يتعلق بفصل نزاع، ومن
الصور التي يتجلى فيها العمل الولائي تسمية مقدمي القاصرين والأوقاف" (حكم
منشور في م.ق.ت. عدد فيفري 1960.ص151.).
[7]) ضبطت محكمة التعقيب معالم العمل
الولائي في قرارها عدد 50211 بتاريخ: 29 أفريل 1997والذي جاء فيه مايلي:"حيث
أن الحكم بمعناه الخاص هو القرار الصادر عن محكمة مشكّلة تشكيلا صحيحا ومختصة (أو
صارت مختصة بعدم الاعتراض على اختصاصها في الوقت المناسب) في خصوص ما رفع اليها
وفق قواعد المرافعات سواء أكان صادرا في معظم الخصومة أو في شق منها أو في مسألة
متفرعة عنها ويتميز إذا الحكم بكونه يصدر من محكمة تتبع جهة قضائية وبما للمحكمة
من سلطة قضائية أي أن يصدر في خصومة.وحيث الى جانب الوظيفة الأساسية للمحاكم وهي
الفصل في الخصومات توجد وظيفة أخرى تباشر بها المحاكم أعمالا كثيرة هي أقرب الى
الإدارة منها الى القضاء وحريّ تسميتها بالوظيفة الولائية ولما كان القضاة تتوفر
فيهم ضمانات خاصة منها العلم بالقانون والخبرة بتطبيقه فهذه الضمانات تشفع في
تكليفهم القيام بهذه الأعمال الولائية التي تخرج عن وظيفة القضاء.حيث يتميز العمل
القضائي عن التصرف الولائي بطبيعة الإجراءات التي تتبع في سبيل إصدار القرار فإذا
كان التصرف قد اتخذ في مواجهة الخصوم بعد سماع أقوال المدعى عليه أو بعد دعوته
لإبداء أقواله ولو لم يحضر كان العمل قضائيا ويكون التصرف ولائيا إذا تم بناءا على
طلب أحد الخصوم دون أن يدعى الطرف الآخر للحضور لإبداء أقواله في هذا الطلب.وحيث
يستخلص من كل ما سبق أن العمل يكون قضائيا إذا تعلق بنزاع ويكفي أن يكون النزاع
محتملا وإذا صدر التصرف دون منازعة ودون أن يحتمل أن يثير أية منازعة عد
ولائيا.وحيث أن لهذه التفرقة بين الحكم والعمل الولائي أهمية قصوى إذ أن قواعد
المرافق المنظمة للوظيفة القضائية للمحاكم بها فيما تباشره المحاكم من أعمال
ولائية كما أن هذه الأعمال لا تحوز حجية الشيء المحكوم به ولا يطعن فيها بنفس طرق
الطعن المقررة بالنسبة الى الأحكام العادية وإنما يجوز التظلم منها بطرق خاصة
حددها المشرع صلب الفصل 213 وما بعده من م.م.م.ت(بالنسبة للاذن على عريضة).وحيث
يتضح بمراجعة أوراق القضية أن منطلقها هو الإذن عدد 11634 الذي أصدره السيد رئيس
المحكمة الابتدائية تطبيقا لأحكام الفصل 63 من قانون الحالة المدنية المؤرخ في 1
أوت 1957 والقوانين المنقحة له.وحيث أن هذا التصرف لا يتعدى الإذن لضابط الحالة
المدنية بإصلاح لقب الطاعن.وحيث أن هذا العمل هو عمل ولائي كيفما سبق تعريفه فهو
ليس بحكم قضائي إذا لم يبت في منازعة ولا وجود لمواجهة بين خصمين ولا يصح بالتالي
الطعن فيه بطرق الطعن المخصصة للأحكام العادية.وحيث أن المعقب كما طعن في قرار
الإصلاح الاستئنافي ولم تتبع طرق التظلم الخاصة بالأذون يكون قد خالف قانون
المرافعات." (قرار غير منشور مدرج بملحق مذكرة نور الشريف: حجة
الوفاة، المعهد الأعلى للقضاء.2005) ومن الواضح أن محكمة التعقيب في قرارها هذا قد
وضحت مفهوم العمل الولائي، ووضعت معايير عدة لتمييز العمل الولائي عن العمل
القضائي.
[8]) نشرية محكمة التعقيب، القسم
المدني .سبق ذكره.
[9]) ومصطلح "وثيقة
الاسترعاء" يطلق عادة على الوثيقة التي يحررها عدل الإشهاد ويشهد فيها
باستقرار ملكية عقار بيد صاحبه دون منازعة منذ مدة كافية لاكتساب الحق بمرور
الزمان. حامد النقعاوي، الوجيز في السجل العيني، مرجع سابق.ص267.
[10]) قرار تعقيبي مدني عدد 40276 مؤرخ
في 11 أفريل 1996 نشرية محكمة التعقيب الجزء 2 لسنة 1996.
[11]) تعرض المشرّع لدعوى تجاوز السلطة بالفصول 3 و5 و10
من قانون غرة جوان 1972 المتعلق بتنظيم المحكمة الادارية وهي "دعوى قضائية ضد
السلطة الإدارية يقوم بها من له مصلحة، لدى المحكمة الإدارية، بغية إلغاء قرار
إداري لعدم شرعيته" رافع بن عاشور ،
القضاء الإداري وفقه المرافعات الإدارية، دار سيراس للنشر 1993.ص95.
[12]) يرجع في تفصيل هذه النظريات الى
أمهات الكتب في فقه القانون العام. وأنظر أيضا: القطب محمد طبلية، في العمل
القضائي في القانون المقارن والجهات الإدارية ذات الاختصاص القضائي سنة 1965
ورسالة وجدي راغب النظرية العامة
للعمل القضائي في قانون المرافعات سنة 1967 ص 285 وما بعدها .و شمس ميرغني المعيار
الوظيفي كمعيار للتمييز بين العمل الإداري والعمل القضائي مجلة العلوم الادارية
سنة 16 العدد الثالث ديسمبر 1974 ، ص.99 حيث أورد تلخيصا لهذه النظريات حيث أيد
اتجاه لوبادير في أن التفرقة بين العمل القضائي والإداري ترجع الى الفكرة الوظيفية
أي الى الضوابط العامة للتمييز بين اختصاص كل من القضاء الاداري والقضاء العادي
فالذي يحدد طبيعة القرار ليس العضو الذي أصدره ولا العمل نفسه الذي يباشره العضو
بل أن طبيعة القرار تتحدد بوظيفة الجهة أي بالرجوع الى الضوابط العامة للتمييز بين
اختصاص كل جهة من الجهات. كما جاء في فقه
قضاء مجلس الدولة المصري مايلي: إن شراح القانون العام قد اختلفوا في وضع معايير
للتفرقة بين القرار القضائي والقرار الإداري فمنهم من أخذ بالمعيار الشكلي ويتضمن
أن القرار القضائي هو الذي يصدر من جهة منحها القانون ولاية القضاء ومنهم من أخذ
بالمعيار الموضوعي وهو ينتهي الى أن القرار القضائي هو الذي يصدر في خصومة لبيان
حكم القانون فيها بينما أن آخرين منهم يرون أن يؤخذ بالمعيارين معا الشكلي
والموضوعي وقد اتجه القضاء في فرنسا ثم في مصر الى هذا الرأي الأخير على أن الرأي
الراجح هو الأخذ بالمعيارين معا مع بعض الضوابط وبيان ذلك أن القرار القضائي يفترق
عن القرار الإداري في أن الأول يصدر من هيئة قد استمدت ولاية القضاء من قانون محدد
لاختصاصها مبين لإجراءاتها وما إذا كان ما تصدره من أحكام نهائيا أو قابلا للطعن
مع بيان الهيئات التي تفصل في الطعن في الحالة الثانية وأن يكون هذا القرار حاسما
في خصومة أي في نزاع بين طرفين مع بيان القواعد القانونية التي تنطبق عليه ووجه
الفصل فيه.(الدعوى رقم 3950 لسنة 7 ق ـ جلسة 13 م 12/1954 س 9، ص.127). كما ذهب مجلس الدولة
المصري الى أن القرار القضائي هو الذي تصدره الحكومة بمقتضى وظيفتها القضائية
ويحسم على أساس قاعدة قانونية خصومة قضائية تقوم بين خصمين وتتعلق بمركز قانوني
خاص أو عام ولا ينشئ القرار مركزا قانونيا جديدا وإنما يقرر في قوة الحقيقة
القانونية وجود حق لأي الخصمين أو عدم وجوده ويكون القرار قضائيا متى اشتمل على
هذه الخصائص ولو صدر من هيئة لا تتكون من عناصر قضائية وإنما أسندت اليها سلطة
قضائية استثنائية للفصل فيما يناط بها من خصومات وطبيعية الحكم القضائي أنه يحوز
قوة الشيء المحكوم فيه متى أصبح نهائيا فيعتبر عنوانا للحقيقة فيما قضى به.
(الدعوى رقم 182 لسنة 1 ق ـ جلسة 13/5/1947 س 1،
ص.122).
[13]) الوجيز في قضاء الناحية وزارة العدل وحقوق الإنسان التفقدية العامة ـ منشورات مركز الدراسات
القانونية والقضائية.2003.
[14]) وفي هذا الإطار صدرت قرارات شريف
وغيره المؤرخة في 26 نوفمبر 1991 قالت فيها المحكمة الإدارية "وحيث أنه من
المبادئ المستقرة في فقه القانون الإداري وقضائه أن دعوى الإلغاء هي وسيلة دائمة
لتحقيق المشروعية تمتد الى رقابة كل القرارات الإدارية ولو أفصحت النصوص النافذة
بشأنها أنها "غير قابلة لأي طعن" ضرورة أن هذه العبارة لا يفهم منها
تحصين هذه القرارات من رقابة قاضي الالغاء الذي لا تستبعد رقابته إلا بنص صريح
العبارة"، فقبل قاضي الإلغاء الطعون ضد المجلس الأعلى للقضاء في المواد
المتعلقة بتطبيق القانون الأساسي للقضاة كالتسميات والترقيات والتأديب. ورغم أن
المهم ليس المعيار العضوي بالنسبة للقرار المخدوش فيه بقدر ما هو المعيار الوظيفي،
فإذا كان القرار صادر عن السلطة القضائية لا يدخل في إطار العمل القضائي المتمثل
في تطبيق القانون على النزاعات المتعهد بها، وتعلق بتنظيم وسير مرفق القضاء يكون
قرار إداري قابل للطعن بالإلغاء.
[15]) رغم أن المشرع وفيما يتعلق
بأعمال ولائية أخرى نظم وسائل الطعن فيها، فبالنسبة للأمر بالدفع مثلا أشار
المشرع في الفصل 66 م
م م ت إلى أنه قابل للاستئناف. وكذلك الامر بالنسبة للأذون على المطالب (الأذن على
عريضة) أين تعرض المشرع لطلب الرجوع في ذلك الأذن بالفصل 219 م
م م ت واعطى للطالب المراجعة بعد ذلك الحق في الاستئناف بالفصــل 222
م م م ت. ويمكن القول أن المؤلف الوحيد الذي تعرض لطرق
الطعن في حجة الوفاة وبصفة مقتضبة أيضا هو: حامد النقعاوي ، الوجيز في
قانون السجل العيني.مرجع سابق، ص267.
[16]) عبد الحميد الشورابي:
مرجع سابق : ص 20
[17]) السيدين: أحمد الجندوبي، حسين بن سليمة،
أصول المرافعات المدنية والتجارية ، الطبعة الأولى، سبتمبر 2001.ص24. وتجدر
الاشارة إلى أنه ومنذ تنقيح مجلة المرافعات المدنية والتجارية بموجب القانون عدد
87 المؤرخ في 1 سبتمبر 1986 والقانون عدد 59 المؤرخ في 23 ماي 1994 أصبحت الأحكام
الصادرة عن محكمتي الناحية والابتدائية، ابتدائية الدرجة.
[20] ) لكن الفصل 543 من مجلة
الإجراءات المدنية الفرنسية نص صراحة على جواز الطعن بالاستئناف حتى في مادة
القضاء الولائي. إذ ينص الفصل 546 على جواز الطعن بالاستئناف في القرار
الولائي للطرف صاحب المصلحة ، وكذلك للغير الذي أعلم بذلك القرار. ويفهم من صيغة
النص بأن مجال الطعن بالاستئناف مفتوح في الآن نفسه لمستصدر القرار، وكذلك لكل شخص
غيره تضرر من جراء هذا القرار، حتى وإن لم يكن طرفا في نزاع منشور لدى المحكمة
المتعهدة. وهو ما يجعل إجراءات الاستئناف في مادة القضاء الولائي تختلف عن
إجراءاته في مادة القضاء التنازعي بسبب غياب الطرف المقابل. إذ نص الفصل الفرنسي
المذكور في فقرته الثانية على أنه:
« L’appel est recevable même en l’absence
d’autres partie ».
كما جاء في
المادة 603 من قانون المرافعات اللبناني ما يلي : يجوز للمستدعي الذي تقدم بطلب
رجائي ورفض طلبه أن يطعن في قرار الرفض. إذا كان القرار صادرا عن رئيس الغرفة
الابتدائية، يقدم الطعن بطريق الاعتراض أمام هذه الغرفة خلال ثمانية أيام من تاريخ
التبليغ.
[22]) أنظر الفصل 209 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية في خصوص الأذون
على العرائض.
[23]) حول تعريف الإعتراض يراجع خاصة:ـ فتحي والي، قانون القضاء المدني
اللبناني، أصول المحاكمات المدنية، دراسة مقارنة، ص. 977، عدد 442 .
- Gérard Cornu، Vocabulaire juridique، tierce
opposition،p.806. et Couchez، Procédure civile، n° 440. et - Perrot، op.cit.،p.743 .
[24]) ذكرت محكمة التعقيب بهذا المبدإ في العديد من قراراتها فنجد منها
مثلا القرار التعقيبي المدني عدد 017053
الصادر في 12 جانفي 1987، ن.م.ت.عدد 1، سنة 1987، ص. 41.
[25]) السيد المنصف الزين، مرجع
مذكور، ص. 7 و ما يليها تحت عنوان: "لا وجود لحكم موصوف غيابيا في المادة المدنية".
[26]) لكن الاستاذ بن حليمة في
مقاله المتعلق بحجة الوفاة ذهب الى أنه "...لكن بالرغم عن كون حجة الوفاة عمل
ولائي فإنها تكون قابلة للطعن بوجه الإبطال ولربما كان ما يتجه إليه الفكر بصورة
بديهية هو أن تكون حجة الوفاة قابلة للإعتراض بما أن تلك الحجة ستكون قد أقيمت وهي
مضرة بحقوق الورثة وذلك لأنها أصبحت تنص على شخص كوارث حالما أنه لا يتمتع بتلك
الصفة.
[27]) ساسي بن حليمة: حجة
الوفاة، مقال سبق ذكره. ص102. ومرة ثانية يتجه التأكيد على أن القوانين المقارنة نظمت الطعن بطريق
الاعتراض بالنسبة للأعمال الولائية إذ جاء في قانون
المرافعات اللبناني مايلي: المادة 601 : مع مراعاة أحكام المادة 86 فقرة 1 بند 3
يجوز للغير المتضرر من صدور القرار الرجائي أن يعترض عليه في خلال ثمانية أيام من
تاريخ تبليغه هذا القرار أو إجراء من إجراءات تنفيذه، أمام القاضي أو المحكمة
الصادرة عن أي منهما وذلك باستدعاء يبين فيه أسباب الاعتراض ويبلغ الى المستفيد من
القرار مع دعوته للحضور أمام القاضي أو المحكمة.وإذا كان القرار صادرا عن رئيس
الغرفة الابتدائية فيقدم الاعتراض أمام هذه الغرفة وتكون مهلة الاعتراض للدولة
والمؤسسات العامة ذات الصفة الإدارية ثلاثين يوما من تاريخ التبليغ. وإذا لم يبلغ
القرار الرجائي أو أي إجراء من إجراءات تنفيذه الى الغير المتضرر منه، جاز لهذا
الأخير الطعن فيه بطريق الاعتراض وفق أحكام الفقرة السابقة طيلة مدة مرور الزمن
على حقه. ينظر في الاعتراض بالطريقة القضائية وعلى وجه السرعة. كما جاء في مجلة
المرافعات الفرنسية مايلي: الفصل 583/2 حق الاعتراض من الخصم الثالث، لا يجوز
بالنسبة للقرارات الولائية، إلا في الحالات التي لم يتم إعلامه بها بتلك القرارات،
على أنه إذا كانت تلك القرارات صادرة بصفة نهائية، فإنه يجوز للخصم الثالث تقديم
اعتراضه عليها، حتى ولو كان قد أعلم بها.
[28]) أنظر حول التعقيب بصفة عامة:
ملتقى التعقيب . كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. 1989.
[29]) فتحي والي، "الوسيط
في قانون القضاء المدني"، المرجع السابق، ص.651.
[31]) فتحي والي: المرجع
السابق، ص.651.
[32]) فتحي والي : المرجع
السابق، ص.652.
[33]) حامد النقعاوي، المرجع
السابق. ص269.
[34]) أنظر نماذج من إصلاح حجج الوفاة
الصادرة عن محكمة ناحية العاصمة مدرجة بملحق مذكرة نور الشريف: حجة الوفاة،
المعهد الأعلى للقضاء.2005
[35]) قرارسبق ذكره.
[36]) السيد: محمود العنابي،
"قانون التسجيل العقاري علما وعملا"، ص.110.ـ جمعة محمود الزريقي،
"تحقيق الملكية في نظام التسجيل العقاري المغربي والليبي"، ص.119.
[37]) حكم ابتدائي مدني عدد5226 مؤرخ في 25 اكتوبر
2003غير منشور مدرج بملحق مذكرة نور الشريف: حجة الوفاة، المعهد
الأعلى للقضاء.2005.
[38]) حكم استئنافي شخصي عدد 7687 مؤرخ في 12 ماي
2004.غير منشور مدرج بملحق مذكرة نور الشريف:
حجة الوفاة، المعهد الأعلى للقضاء.2005.
[39]) ويبرز ذلك بالاطلاع على قرار
الإصلاح المسلط على إصلاح سابق لحجة الوفاة ذات الملف عدد 316 الصادرة عن محكمة
ناحية تونس في 24 ديسمبر 1988 المؤرخ في27 فيفري 1996 والذي تضمن ما يلي:
"وحيث أن قرار الإصلاح اعتبر المرأة جان مارقريت دوفو وارثة للهالكة روني
ماري سالسون دون بيان درجة قرابتها للهالكة وحيث وفضلا على ذلك فإن طلب إضافة أحد
لحجة وفاة وإخراج أحد المدرجين بها لكونه غير وارث لا يكون في قالب مطلب إصلاح
باعتبار أن طلب الإصلاح يرمي الى إصلاح خطإ مادي تسرب للحجة ولا يرمي أبدا الى
إدراج أسماء آخرين إليها وإخراج بعض المذكورين بها لذا نقرر إلغاء قرار
الإصلاح...". (مدرج بملحق مذكرة نور الشريف: حجة الوفاة، المعهد
الأعلى للقضاء.2005)
[40]) قرار تعقيبي مدني عدد 40276 مؤرخ
في 11 أفريل 1996 نشرية محكمة التعقيب، الجزء 2، لسنة 1996.
[41]) الصادر عن مركز الدراسات
القانونية والقضائية التابع لوزارة العدل وحقوق الانسان،2004.ص106.
[42]) مذكور لدى حامد النقعاوي،
مرجع سابق.ص270.
[43]) قرار تعقيبي سبق ذكره عدد 40276
مؤرخ في 11 أفريل 1996
[44]) هذا المبدأ ورد صريحا بالفصل 460
من مجلة الإجراءات المدنية الفرنسية.
[45]) قرار تعقيبي مدني عدد 684/7398
مؤرخ في 20 سبتمبر 1999 غير منشور مدرج بملحق مذكرة نور الشريف: حجة
الوفاة، المعهد الأعلى للقضاء.2005
[46]) انظر في هذا المعنى : لبيب
بوليلة، الفقدان، مذكرة سابقة الذكر، ص.74.
« L’acte gracieux fait participer le juge a
une activité de type administratif »، H. Roland، op.cit.، p.321، n°275.
[47]) نظرا لعدم تطرق قانون الحالة
المدنية لهذا الإجراء و لأن الأصل في المناشير أن تقتصر على تفسير القانون دون ان
تضيف شرطا لم يورده المشرع، كما ان التفسير الإداري لا يلزم القاضي فالتفسير مسألة
يفترض أنها من صميم اختصاص القضاء الذي يملك سلطة تأويل النص واستنباط الحلول عند
وجود حالة من حالات الغموض أو الفراغ التشريعي.
[50]) انظر الفصل 83 م .أ.ش.
[51]) انظر الفصلين 57 و63 من قانون
الحالة المدنية المذكورة.
[52]) قرار استئنافي مدني عدد 11211
مؤرخ في 27 أفريل 1994، م.ق.ت عدد 2/1995، ص.102.
[54]) قضت محكمة الاستئناف بتونس بنقض
الحكم الابتدائي وإلغاء حكم الإحياء عدد 5326 الصادر في 11 فيفري 1993.ويمثل هذا
القرار أحد القرارات النادرة التي عالجت مسألة عودة المفقود بعد الحكم بموته إن لم
يكن القرار الوحيد الذي صادف مثل هذه الحالة وقد سنحت لمحكمة الاستئناف بتونس
الفرصة لتؤكد حرية الإثبات فكل الوسائل مقبولة كالبينة بالشهادة والقرائن.
[55]) لا يتعلق الأمر بتحديد عبء
الإثبات بقدر ما يتعلق بتحديد الأشخاص المخوّل لهم إثبات وجود المفقود حيا.
[57]) محمد تقي الحكيم، الأصول العامة، الكتاب الأول، ص35 ذكره، حسن اللبيدي، مرجع مذكور،
ص.192 عدد 94.
[58]) قرار تعقيبي مدني عدد 2611 مؤرخ
في 10 أكتوبر 1993، م ق ت ش عدد1 لسنة 1994، ص.54.
[60]) قرار استئنافي مدني عدد 11211
مؤرخ في 27 أفريل 1994 صادر عن محكمة الاستئناف بتونس، م ق ت ش عدد2 فيفري 1995،
ص.102 وما بعدها.
[63]) أنظر الفصل 151 م أ ش
[64]) مع الإشارة إلى أن القرابة يمكن أن تكون قرابة
بالتبني، حيث أدخل المشرع التونسي هذه المؤسسة بموجب القانون عدد 27 لسنة 1958
المؤرخ في 4 مارس 1958 المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني و النتيجة
القانونية للتبني حيال الميراث هي أن العلاقة بين المتبني والمتبنى تعتبر قانونا
شرعية مثل العلاقة القائمة بين الآباء والأبناء الشرعيين العاديين ونص على ذلك الفصل
15 من نفس القانون إذ صرح أنه "للمتبني نفس الحقوق التي للإبن الشرعي وعليه
ما عليه من الواجبات وللمتبني إزاء المتبنى نفس الحقوق التي يقرها القانون للأبوين
الشرعيين وعليه ما يفرضه من الواجبات عليهما" ونفس الفصل لم يستثن من العلاقة
الشرعية إلا موانع الزواج المنصوص عليها بالفصول 14 و15 و 16 و17 من م.أ.ش. التي
تبقى قائمة.والاستنتاج المنطقي من الفصول المذكورة سلفا هو أن علاقة الميراث
قائمة حتما بين المتبني والمتبنى نظرا لكونها لم تستثن ضمن الفقرة الثانية من
الفصل 15 وبذلك أن الابن المتبنى يصبح إبنا شرعيا للمتبني من حيث العلاقة
الميراثية ولا مانع إن قلنا إذن أن علاقة الميراث مع عائلته الأصلية الطبيعية تفسخ
آليا لأنه لا يعقل لأي شخص من الأشخاص أن يتمتع مرتين بالميراث. أنظر حول التبني: السيد محمود شمام، التبني. م ق ت مارس
1959 ص12.
[65]) إن القرابة مؤسسة مبدئيا على البنوة الشرعية
فالنسب لا يثبت الا بالزواج شرعيا كان او فاسدا (الفصل 22 م ا ش)أو باطل (الفصل 36 من
القانون عدد 3 لسنة 1957 المؤرخ في 1 أوت 1957).إذ لا توارث بين الأبوة و البنوة
إلا إذا كانت العلاقة القائمة بينهما علاقة شرعية فالابن الطبيعي لا يرث من أبيه و
لا يرثه هذا الأخير فالعلاقات غير الشرعية لا تمنح صفة الوارث عملا بالحديث النبوي
الشريف "الوالد للفراش و للعاهر الحجر".أما في علاقة الابن بأمه فقد
إستقر الفقه الإسلامي على إعتبار أن الابن الطبيعي يرث من أمه و ترثه هي وقرابتها
وعملت مجلة الأحوال الشخصية بهذه القاعدة ضمن الفصل 152 الذي جاء به "يرث
إبن الزنى من الأم و قرابتها و ترثه الأم و قرابتها".
[66]) كلمة زوج في اللغة العربية تطلق
على القرين الذكر أو القرين الأنثى، لسان العرب، لابن منظور." زوج المرأَة: بعلها. وزوج الرجل:
امرأَته؛... والرجل زوج المرأَة، وهي زوجه وزوجته، وأَباها الأَصمعي بالهاء. وزعم
الكسائي عن القاسم بن مَعْنٍ أَنه سمع من أَزْدِشَنُوءَةَ بغيرهاء، والكلام
بالهاء، أَلا ترى أَن القرآن جاء بالتذكير: اسكن أَنت وزوجك الجنة؟ هذا كلُّه قول اللحياني.
قال بعض النحويين: أَما الزوج فأَهل الحجاز يضعونه للمذكر والمؤَنث وضعاً واحداً،
تقول المرأَة: هذا زوجي، ويقول الرجل: هذه زوجي. قال الله عز وجل: اسْكُنْ أَنتَ
وزَوْجُك الجنةَ وأَمْسِكْ عليك زَوْجَكَ؛ وقال: وإِن أَردتم استبدال زوجٍ
مكان زوج؛ أَي امرأَة مكان امرأَة. ويقال أَيضاً: هي زوجته، وبنو تميم يقولون: هي زوجته،
وأَبى الأَصمعي فقال: زوج لا غير، واحتج بقول الله عز وجل: اسكن أنت وزوجك الجنة؛ وجمع الزوج أَزواج
وزِوَجَةٌ، قال الله تعالى: يا أَيها النبي قل لأَزواجك. وقد تَزَوَّج امرأَة
وزَوَّجَهُ إِياها وبها، وأَبى بعضهم تعديتها بالباء. وفي التهذيب: وتقول العرب:
زوَّجته امرأَة. وتزوّجت امرأَة. وليس من كلامهم: تزوَّجت بامرأَة، ولا زوَّجْتُ
منه امرأَةً. قال: وقال الله تعالى: وزوَّجناهم بحور عين، أَي قرنَّاهم بهن، من
قوله تعالى: احْشُرُوا الذين ظلموا وأَزواجَهم، أَي وقُرَناءهم. وقال الفراء:
تَزوجت بامرأَة، لغة في أَزد شنوءة. وتَزَوَّجَ في بني
فلان: نَكَحَ فيهم. وتَزَاوجَ
القومُ وازْدَوَجُوا: تَزَوَّجَ بعضهم بعضاً؛ صحت في ازْدَوَجُوا لكونها في معنى
تَزاوجُوا. وامرأَة
مِزْوَاجٌ: كثيرة التزوّج والتزاوُج؛ قال: والمُزاوَجَةُ والازْدِواجُ، بمعنى.
وازْدَوَجَ الكلامُ وتَزَاوَجَ: أَشبه بعضه بعضاً في السجع أَو الوزن، أَو كان
لإِحدى القضيتين تعلق بالأُخرى. وزَوَّج الشيءَ بالشيء، وزَوَّجه إِليه: قَرَنَهُ.
وفي التنزيل: وزوّجناهم بحور عين؛ أَي قرناهم".
[67]) انظر ما جاء سابقا حول الاعتراض.
[68] ) أنظر بصفة عامة حول إختصاص محكمة الناحية في المادة المدنية : السيد الباشا البجار، الاختصاص القضائي لمحاكم
النواحي في المادة المدنية. م ق ت عدد جويلية 1992. ص 7. و السيد زهير إسكندر،
اختصاص قاضي الناحية. م ق ت عدد ماي 1994. ص 38.
و محمد ماهر ثابت. الاختصاص المدني لحاكم الناحية، مذكرة دراسات معمقة في
القانون الخاص. كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس.1995-1996.
[70] ) (الفصل 3 من القانون عدد 27 لسنة 1958 المؤرخ في 4 مارس 1958 المتعلق
بالولاية العمومية والكفالة والتبني)
[74] ) (الفصل 44 ق ح م والفصل 2 من أمر 18 جويلية 1957 المتعلق بترتيب تسمية
المقدمين ومراقبة تصرفاتهم وحساباتهم)
[77]
) ـ القرار الاستئنافي المدني الصادر عن محكمة المنستير
تحت عدد 145 بتاريخ 9 جانفي1986 م ق ت 1989 ص117 مع تعليق للاستاذ ساسي بن
حليمة.وانظر أيضا : السيد
الباشا البجار، الاختصاص القضائي لمحاكم النواحي في المادة المدنية، م ق ت عدد
7/1998، ص.430
[78] ) حيث جاء في القرار التعقيبي
المدني عدد 29577 بتاريخ 23مارس 1993، نشرية محكمة التعقيب 1993 القسم المدني
ص.290مايلي: "حكم التبني قضاء ولائي بحسب واقعه والدور الذي يقوم به الحاكم
عند انشائه... "
[79] ) انظر حول الرجوع في التبني: في
الفقه : إقبال البجاوي، الرجوع في التبني، مذكرة دراسات معمقة ـ كلية
الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1995. والسيد: محمود شمام ، التبني. م ق ت
.العدد 3/1959. ص 10. و في القضاء :ـ القرار الاستئنافي الصادر عن محكمة الاستئناف
بالمنستير السابق الذكر.
[83] ) فتحي والي، الوسيط في
قانون القضاء المدني، مرجع سابق، ص.651، و السيدين : جندوبي وبن سليمة،
مرجع سابق، ص.337.
[87]) القرار عدد 4433 مؤرخ في 13/10/1966 نشرية ص 42.
[88]) أبو الوفا، مرجع سابق، ص195
[89]) وذلك باستثناء الدعوى غير المباشرة المنصوص عليها بالفصل
306 م أ
ع.
[90]) نشرية محكمة التعقيب لسنة 1991، ص.32. ويؤخذ شرط
المصلحة على إطلاقه فينصرف الى حق القيام لدى القضاء في شموليته دعوى وطعن ودفع.
انظر القرار التعقيبي المدني عدد 463 مؤرخ في 13 جانفي 1960 نشرية ص 68
[91] ) نور الدين الغزواني،محاضرات
في قانون الاجراءات المدنية. لطلبة السنة الرابعة شعبة قضائية. كلية الحقوق
والعلوم السياسية بتونس، ص128. وقد طرح الفقهاء مشكل استقلالية شرط الصفة عن شرط
المصلحة فانقسموا الى اتجاهين يرى اتجاه أول أن لا فرق بين الصفة والمصلحة وأن
وجود الشرط الأول يغني عن وجود الشرط الثاني بينما يرى الاتجاه الثاني أن كلا
الشرطين مستقل عن الآخر ومن اللازم أن يتوفرا معا في ذات الوقت لقبول الدعوى أو
الطعن وهو الموقف الأسلم فلا يعقل مثلا قبول دعوى الطلاق للضرر المرفوعة من دائني
الزوجة مثلا الذي يأملون في الحصول على غرامات لفائدتها تمكنهم من استخلاص مالهم
من ديون بذمتها فلئن كانت المصلحة موجودة إلا أن الصفة غير موجودة في جانب
الدائنين ويبقى قبول دعوى الطلاق موقوفا على طلب الزوج دون سواه لأن الصفة لا
تتوفر إلا فيه.
[94] ) إذ جاء به "الوارثون من
الرجال: 1 ـ الأب 2 ـ والجد وإن علا بشرط أن لا ينفصل بأنثى 3 ـ والابن 4 ـ
وابن الابن وإن سفل 5 ـ والأخ سواء كان شقيقا أو لأب أو لأم 6 ـ وابن الشقيق أو
للأب 7 ـ والعم الشقيق أو لأب 8 ـ وابن
العم الشقيق أو لأب 9 ـ الزوج. والوارثات من النساء 1 ـ الأم 2 ـ والجدة
للأم بشرط عدم الانفصال بذكر، وللأب بشرط عدم الانفصال بذكر غير الأب 3 ـ والبنت 4
ـ وبنت الابن وإن سفلت بشرط عدم الانفصال بأنثى 5 ـ والأخت الشقيقة أو لأب أو لأم
6 ـ والزوجة".
[95]) الفصل 87: "يؤدى
من التركة بحسب الترتيب الآتى: الحقوق المتعلقة بعين التركة. مصاريف التجهيز
والدفن. الديون الثابتة فى الذمة. الوصية الصحيحة النافذة. الميراث. فإذا لم يوجد
ورثة آلت التركة أو ما بقى منها إلى صندوق الدولة".
[96] ) الفصل 188:"من لا دين عليه ولا وراث تنفذ وصيته ولو بكل
ماله بدون توقف على ميراث صندوق الدولة".
[98] ) أنظر حول أهلية التقاضي بصفة عامة: السيد محمود النابلي، أهلية القيام لدى
المحاكم. جويلية 1963. ص 28.
[99]) وهذا الاستثناء لا يكون عاملا إلا إذا كان الأمر متعلقا بالأهلية المقيدة
ولذا وجب تحديد الأشخاص الذين لهم أهلية مقيدة. ولا مناص هنا من الرجوع الى أحكام الفصل
6 من مجلة الالتزامات والعقود الذي ورد فيه ما يلي :"للأشخاص الآتي
بيانهم أهلية مقيدة وهم :ـ الصغير الذي عمره بين الثالث عشرة والعشرين سنة كاملة
إذا عقد بدون مشاركة أبيه أو وليه.ـ والمحجور عليهم لضعف عقولهم أو لسفه تصرفاتهم
إذا لم يشاركهم مقدموهم في العقود التي يقتضي القانون مشاركتهم فيها.ـ والمحجور
عليهم لتفليسهم.ـ وكذلك كل من يمنع عليه القانون عقدا من العقود".
[100] )- حول دور النيابة العامة في المادة المدنية بصفة عامة يمكن الرجوع الى: توفيق
شبشوب، دور النيابة العمومية في المادة المدنية.مذكرة دراسات معمقة في القانون
الخاص.كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. 1980.
[102] ) أما بقية الحالات الواردة في النص فهي: ـ إذا كان الموضوع متعلقا بمؤاخذة
الحكام أو بالتجريح فيهم. ـ إذا تعلق
الأمر بمخالفة القانون الجزائي أو أثيرت دعوى في الزور. ـ في حالة قيام أحد
الطرفين باثارة دفع بعدم الاختصاص الحكمي باعتبار الامر في هذه الحالة يهم النظام
العام. أنظر القرار التعقيبي عدد 12841 الصادر في 27/1/1986 ـ ن.م.ت لعام 86، ج.1.
ص.87. هذا علاوة على أن الامر أصبح ضروريا بعد إحداث مجلس التنازع وعلى المحكمة أن
تحيل الملف عليه لتحديد المحكمة المختصة في صورة تنازع سلبي أو ايجابي، ويكون دور
النيابة بالضرورة طلب تطبيق القانون.( السيدان : الجندوبي، وبن سليمة ،
مرجع سابق.ص109).
[103] ) كما ورد في الفصل الثاني من ذات الامر مايلي :" بمجرد حصول العلم
لوكيل الجمهورية او حاكم الناحية بالوفاة فإنه يأذن حالا باقامة رسم الوفاة(حجة
الوفاة)ويجري بعد ذلك في ظرف اجل لا يتجاوز عشرين يوما ما يراه مناسبا ومطابقا
للحال في تقييد التركة وضبطها وحفظها ".
[104] ) لأنه من الممكن أن يقع إدراج أبناء الزنى في حجج الوفاة
باعتبارهم وارثين من أمهم وقرابتها فقط (أنظر الفصل 152 م ا ش).
وفي الـ .R T D
1963/1965 مع تعليق للاستاذةDELAGRANGE. ص 44.
[109]) حول دور النيابة العامة في قضايا الأسرة: الأستاذ بن حليمة ،تعليق
على قرار مدني عدد 2074 بتاريخ 5/5/1993. م ق ت 1996.ص185.
[111]) ويعتبر الفصل 21 م
م م ت هو المعيار في تحديد الاختصاص الحكمي إذ جاء به أن "مرجع النظر في
القضايا يتحرر بمقتضى طبيعة الدعوى ومقدار المال المطلوب فيها ومقدار الحكم فيها
يحرر بنسبة المبلغ المطلوب".
[112]) فأما بالنسبة للاختصاص القيمي، فالمقصود به أن تكون قيمة الدعوى معيار
محدد للاختصاص الحكمي بالنسبة للمحاكم التي أسند لها المشرع النظر في دعاوى ذات
نفس الطبيعة، فجاء بالفصل 39 م
م م ت أنه "ينظر قاضي الناحية ابتدائيا في الدعوى المدنية الشخصية والدعاوى
المتعلقة بالمنقول ومطالب أداء الديون التجارية الى نهاية سبعة آلاف
دينار".وقد تعرض المشرّع لكيفية تقدير قيمة الدعوى بالفصول 21 الى 29 م م م ت.
[113]) إذ اعتبر المشرّع بالفصل 13 من القانون عدد 27 لعام 1958 المؤرخ في 4 مارس
1958 المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني أنه "يصدر حاكم الناحية
حكمه بالتبني بعد التحقق من توفر الشروط القانونية ومن مصادقة الحاضرين وحكمه هذا
يكون نهائيا". وقد جاء في القرار التعقيبي المدني عدد 29577 بتاريخ 23 مارس
1993. أن "حكم التبني قضاء ولائي بحسب واقعه والدور الذي يقوم به الحاكم عند
إنشائه، إذ ليست له خصومة أو نزاع للفصل فيها قضائيا، ولذلك فالتبني ليس حكما على
إطلاقه بمعناه القضائي وإن كان يصدر في صيغة حكم حسب تعبير الفصل 13 من قانون 4
مارس 1958 وهو لذلك قابل للرجوع فيه عند قيام ما يقتضي ذلك".(قرارمنشور في
نشرية محكمة التعقيب لسنة 1993 ص 290).
[116])
حكم عدد 5076 في 6 مارس 1986-والحكم عدد 6126 في 19 ماي
1989.غير منشورين. مذكور في ملحق مذكرة ليلى عاشور ، السابق ذكرها.
[117]) الوجيز في قضاء الناحية وزارة العدل وحقوق الإنسان التفقدية العامة ـ منشورات مركز الدراسات
القانونية والقضائية.2003.
[118]) أنظر في هذا الاتجاه على سبيل المثال: الحكم الابتدائي المدني عدد 42186
مؤرخ في 4 نوفمبر 2002.والحكم الابتدائي المدني عدد 5/17701 المؤرخ في 4 ماي
2001والصادرين عن المحكمة الابتدائية بتونس. مدرجين بملحق مذكرة نور الشريف:
حجة الوفاة، المعهد الأعلى للقضاء.2005.
[119]) حكم استئنافي شخصي غير منشور مدرج بملحق مذكرة نور الشريف: حجة
الوفاة، المعهد الأعلى للقضاء.2005
[122]) تخضع أحكام توزيع الاختصاص الترابي الى مبدأ تشوبه بعض الاستثناءات.ـ
فالمبدأ هو:أن المحكمة المختصة ترابيا هي المحكمة التي يوجد بدائرتها مقر المطلوب،
إذ نص الفصل 30 م
م م ت في فقرته الاولى على أن "المطلوب شخصا كان أو ذاتا معنوية تلزم محاكمته
لدى المحكمة التي بدائرتها مقره الأصلي أو مقره المختار".ـ أما الاستثناءات :
فمن أهمها ما يلي :* الدعاوى التي تكون فيها الدولة طرفا: ترفع مبدئيا لدى المحاكم
المنتصبة بتونس (الفصل32م.م.م.ت).* الدعاوى الاستحقاقية والدعاوى الحوزية والدعاوى
الشخصية التي يقع القيام بها بمناسبة
الأضرار التي تلحق العين: ترفع لدى المحكمة التي يوجد بدائرتها العقار
(الفصــل 38 م .
م .م. ت).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق