جاسم خريبط خلف
كلية القانون – جامعة
البصرة
المقـدمة : لا يقتصر ضرر الجريمة على تعكير أمن المجتمع وسلامته أو
تعريض مصالحه للخطر وإنما قد يسبب ضرراً للأفراد سواء كان هذا الضرر يتعلق بحياتهم
أو مالهم أو شرفهم أو مشاعرهم أو غير ذلك مما يدفع المتضرر من الجريمة بالمطالبة
بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحق به . وكما هو معروف في الوقت الحاضر
فان هنالك دعوى عامة تهدف إلى تأمين سلامة المجتمع ومصالحه ودعوى خاصة تهدف إلى
إصلاح الضرر الخاص الذي سببته الجريمة ، وأن كلا الدعويين الجزائية والمدنية يمكن
رفعها امام المحاكم الجزائية ، مع امكانية رفع الدعوى المدنية أمام المحاكم
المدنية شريطة أن تراعي الأصول التي يحددها القانون ، وترتيباً على ذلك تتحقق
امكانية صدور حكمين في موضوع الدعوى ، الأول يتعلق بالجانب الجزائي يصدر من
المحكمة الجزائية ، والثاني يتعلق بالجانب المدني كالمطالبة بالتعويض يصدر من
المحاكم المدنية ، وهنا تظهر أهمية دراسة موضوعنا ، فقد يقال كيف يكون للحكم
الجزائي الصادر بالبراءة أو الإدانة أثراً ملزماً يتمثل في قوته وحجيته أمام
القضاء المدني رغم اختلاف الأساس الذي تقام به الدعوى الجزائية والدعوى المدنية في
بعض الأحيان . ولكن يردُّ علـى ذلك بأن هنالك مصلحة اجتماعيـة هامـة تقتضي بأن
يحترم
القاضي المدني ما يحكم به القاضي الجزائي حتى لا
تتضارب الأحكام المدنية مع الأحكام الجزائية وحتى لا يساور الجمهور الشك في عدالة
الأحكام الجزائية التي تهدف إلى توطيد الأمن والطمأنينة بين الناس . لذلك تحتم
الضرورة الاجتماعية على القاضي المدني أن يحترم الأساس الذي قام عليه الحكم
الجزائي ، ولكن ما يدعونا إلى التساؤل هو ما مدى هذا الاحترام أو الالتزام ، فالأحكام الصادرة بالبراءة تختلف في الأساس
الذي تبني عليه المحاكم الجزائية قناعاتها في إصدار هذه الأحكام ، كما أنها قد
تختلط بقرارات الإفراج أو عدم المسؤولية أو وقف الإجراءات القانونية أو انقضاء
الدعوى الجزائية ، فبماذا يلتزم القاضي المدني . كما أن أحكام الإدانة تسبقها
قرارات تصدر من الجهات التحقيقية وقد تنهي الدعوى الجزائية فما مدى التزام القاضي المدني
بها كما أن صدور الأحكام بالبراءة أو الإدانة تحتوي على جملة من البيانات متمثلة
في أجزاء هذه الأحكام والفقرات الحكمية فيها ، فما هي البيانات التي تلزم القضاء المدني
دون غيرها ؟ .
هذه التساؤلات وغيرها سوف تكون موضوع دراستنا ،
على أنه يجب أن نبين بأن أحكام البراءة و الإدانة موضوع بحثنا هي الأحكام الصادرة في
موضوع الدعوى الجزائية دون الالتفات إلى الجهة التي أصدرتها ، وأن تكون هذه
الأحكام فاصلة في الموضوع وباتة وسابقة على الحكم في الدعوى المدنية وأن تكون صادرة
من محكمة وطنية ، وأن يكون أساس الدعويين الجزائية والمدنية هو الجريمة المرتكبة .
وبناءً على ذلك فان خطة دراستنا سوف تكون موزعة
على ثلاثة مباحث ، نتكلم في المبحث الأول عن الأحكام الجزائية الصادرة بالبراءة
ونتكلم في المبحث الثاني عن الأحكام الجزائية الصادرة بالإدانة ، ونتكلم في المبحث
الثالث عن أجزاء حكم البراءة والإدانة الملزمة للقضاء المدني .
المبحث الأول
الأحكام الجزائية الصادرة بالبراءة
الأحكام الجزائية الصادرة بالبراءة
من البديهي أن حكم البراءة لا يكون ملزماً
للقاضي المدني إلا بالنسبة إلى الجريمة التي رفعت بشأنها الدعوى العمومية ، وهذا
لا يمنع من إقامة دعوى جديدة بشأن الوقائع التي لم تشملها الدعوى الأولى ، ومن ثمَّ
فان ذلك لا يمنع من إقامة الدعوى المدنية بشأن الوقائع الأخرى التي لم يتناولها
حكم البراءة .
علىً إن حكم البراءة يختلف عن بعض الأنظمة التي
تتشابه معه من حيث إخلاء سبيل المتهم أو إطلاق سراحه، أو إخراجه من التوقيف.
وبالتالي سوف نبين أثر هذه الأنظمة أمام القضاء المدني في مطلبين :
المطلب الأول
أحكام البراءة لعدم وجود الدليل
أحكام البراءة لعدم وجود الدليل
إن صدور حكم جزائي نهائي ببراءة المتهم لعدم
وجود الدليل فان القاضي المدني يكون مُلزماً بهذا الحكم[1] ، فقد تقضي المحكمة
الجزائية بأن الواقعة المسندة إلى المتهم لم تقع أصلاً ، أو أنها لم تقع منه
بالذات ، أو بأنه لم يترتب عليها ضرر في الحالات التي يكون فيها الضرر ركناً من
أركان الجريمة ، أو بأنه لا توجد بين الضرر وخطأ المتهم رابطة سببية ، ففي هذه
الحالات يكتسب حكمها عنصر الإلزام أمام القاضي المدني في الدعاوي التي لم يكن قد
فُصل فيها نهائياً ، وذلك لأن حكم البراءة
الصادر عن المحكمة الجزائية يكون مبنياً على انتفاء التهمه[2] .
وقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه إذا حكمت
المحكمة الجنائية ببراءة متهم بتزوير عقد نافية ، وقوع التزوير ، فهذا الحكم يحول
بتاتاً دون نظر دعوى تزوير هذا العقد أمام المحكمة المدنية ، وعليه إذا تضمن الحكم
الجزائي براءة المتهم لعدم اقترافه الفعل الجرمي فلا يجوز للمحكمة المدنية أن تحكم
بالتعويض عليه والمحكمة المدنية التي تقبل مثل هذه الدعوى المدنية تناقض بالضرورة
حكم المحكمة الجزائية الذي قضى بأن المتهم لا علاقة له في الجريمة ، وقد قررت
محكمة النقض المصرية بأنه إذا قضت المحكمة الجزائية ببراءة المتهم لعدم ثبوت وقوع
الفعل المكون للجريمة منه فإن أسباب البراءة في هذه الحالة تكون أسباباً للحكم من
قبل المحكمة المدنية لرفض التعويض ذلك بأن الحكم بالتعويض مع الحكم بالبراءة
محله أن يكون الفعل الضار قد ثبت وقوعه من قبل المتهم المرفوعة عليه الدعوى المدنية[3] .
ويبدو لنا بأن نص المادة ( 456 ) من قانون
الإجراءات الجنائية المصري كان أكثر وضوحاً من نص المادة ( 227 ) من قانون أصول
المحاكمات الجزائية العراقي بهذا الموضوع ، حيث نصت الأولى على
أنه ( يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو الإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوي التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها . ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمه أو عدم قيام الأدلة ، ولا تكون لهُ هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون ) بينما نصت المادة (227) من الأصول الجزائية العراقي على انه ( أ- يكون الحكم الجزائي البات بالا دانه أو البراءة حجة في ما يتعلق بتعيين الواقعة المكونة للجريمة ونسبتها إلى فاعلها ووصفها القانوني . ب- يكون لقرار الإفراج الصادر من المحكمة الجزائية أو قاضي التحقيق قوة الحكم بالبراءة عند اكتسابه الدرجة النهائية. ج- لا ترتبط المحكمة المدنية بالحكم أو القرار الجزائي البات أو النهائي في المسائل والوقائع التي لم يفصل فيها أو التي فصل فيها دون ضرورة ) .
أنه ( يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو الإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوي التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها . ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمه أو عدم قيام الأدلة ، ولا تكون لهُ هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون ) بينما نصت المادة (227) من الأصول الجزائية العراقي على انه ( أ- يكون الحكم الجزائي البات بالا دانه أو البراءة حجة في ما يتعلق بتعيين الواقعة المكونة للجريمة ونسبتها إلى فاعلها ووصفها القانوني . ب- يكون لقرار الإفراج الصادر من المحكمة الجزائية أو قاضي التحقيق قوة الحكم بالبراءة عند اكتسابه الدرجة النهائية. ج- لا ترتبط المحكمة المدنية بالحكم أو القرار الجزائي البات أو النهائي في المسائل والوقائع التي لم يفصل فيها أو التي فصل فيها دون ضرورة ) .
من ذلك نلاحظ أن المشرع العراقي وضع نظاماً خاصاً
لموضوع الإفراج لم تتضمنه التشريعات الأخرى. حيث يلاحظ بان الفرق بين الإفراج
والبراءة هو أن المحكمة إذا اقتنعت بان المتهم لم يرتكب الفعل الذي أتهم به كأن
يثبت بالدليل المقنع أنه كان بعيداً عن مكان الحادث وان أي فعل لم يصدر منه أو أن
شخصاً آخر هو الذي ارتكب الجريمة دون أن تكون للمتهم صلة بها فتقرر براءته من
التهمه . وهذا هو المعنى الحقيقي للبراءة ،ولكن إذا وجدت أن الأدلة لا تكفي
للإقناع بارتكابه الجريمة كأن لم تتحصل إلا شهادة واحدة أو شهادات متناقضة وهي
أدله وان كانت لا تكفي للاقتناع بارتكابه الجريمة غير أنها لا تنفي نفيا قاطعاً احتمال ارتكابه إياها فتقرر إلغاء
التهمة والإفراج عنه وهذا هو المعنى الحقيقي للإفراج[4] على أن قرار الإفراج
يصبح نهائياً إذا مضت سنه على صدوره من المحكمة أو سنتان على صدوره من قاضي
التحقيق[5]
.
ومن ذلك نخلص بان أحكام البراءة وقرارات الإفراج
المكتسبة الدرجة النهائية والمبينة على عدم كفاية الأدلة تكون لها قوة إلزام امام
القضاء المدني وهو ما ينسجم مع ما أخذت به بعض التشريعات أيضا[6] .
المطلب الثاني
الأحكام التي تقضي بعدم
المسؤولية
قد تنتفي المسؤولية عن المتهم لاعتبارات أخرى
غير ما تم ذكره في المطلب الأول، فقد
تتعلق عدم المسؤولية بالركن الشرعي للجريمة لوجود سبب من أسباب الإباحة (أسباب التبرير ) وقد تتعلق بالركن المعنوي للجريمة
لوجود مانع من موانع المسؤولية الجزائية وقد تسقط دعوى الحق العام بالعفو أو
التقادم أو الوفاة . فما اثر هذه الأحكام امام القضاء المدني . هذا ما سنبيِّنه في
النقاط الآتية:-
أولاً
:البراءة لوجود سبب إباحة
تعرف أسباب الإباحة بأنها حالات انتفاء الركن
الشرعي للجريمة بناءاً على قيود ترد على نص التجريم تستبعد منه بعض الأفعال[7]
.فالمشِّرع يحدد لكل جريمة نموذجاً قانونياً وبالتالي لا تقع إلا حيث يتطابق الفعل
مع هذا النموذج القانوني، فإذا انتفت المطابقة انتفت الجريمة وتحققت الإباحة،
وبعبارة أخرى الفعل في هذه الحالة لا يكون مخالفاً لقاعدة قانونية مؤيدة بجزاء
جنائي فهو مباح. وترد أسباب الإباحة إلى ظروف موضوعية لا علاقة لها بشخص الفاعل
ومن ثم فهي من الأسباب الموضوعية التي ينصب أثرها على الفعل أو الامتناع فتنزع عنه
الوصف الجرمي وتعطل بذلك نصوص التجريم ، وبمعنى آخر إنها تقوم حيث تزول الصفة
ألجرميه عن الفعل ، وأن أعمال أثرها القانوني لا يتطلب بحثاً في نفسيه الجاني ،
وإنما يتوقف على توافر الظروف المتطلبة قانوناً لإباحة المساس بالمصالح الاجتماعية
المحمية جزائياً .وعليه فأن أسباب للإباحة هي وسائل دفاع حقيقية تزيل الجريمة
وتفيد المساهمين جميعهم بصرف النظر عن صفتهم وتنفي المسؤولية عنهم من أي نوع كانت
جزائية أم مدنية[8]
وتطبيقاً لذلك إذا قضت المحكمة الجزائية ببراءة المتهم أو إخلاء سبيله لخضوع الفعل
المنسوب إليه لسبب من أسباب الإباحة كالدفاع الشرعي أو استعمال الحق أو أداء
الواجب[9]
فلا يجوز بعد ذلك مساءلته عن التعويض امام القضاء المدني.
علماً أن انتفاء المسؤولية الجزائية والمدنية عن
مرتكب الفعل لخضوع فعله لسبب من الأسباب الإباحة ،يختلف عن حكم المحكمة الجزائية
بالبراءة لان الفعل لا يعاقب عليه القانون[10] ، فان هذا الحكم
الأخير لا قوة له امام القاضي المدني لان الفعل غير المعاقب عليه قد يكون سبباً
للمسؤولية المدنية ،ولا يكون في هذه الحالة
تعارض
بين الحكم الجزائي والحكم المدني ، ولكن ليس للقاضي المدني أن يقرر بان هذا الفعل
من الأفعال التي يعاقب عليها قانون العقوبات بعكس ما قضى به الحكم الجزائي ، لان
الحكم الجزائي يكتسب قوة الشيء المحكوم به في هذا الأمر وعلى القاضي المدني
الالتزام بذلك . وبناءً عليه يجوز للقاضي المدني أن يعتبر الفعل خطاً مدنياً مجرداً
عن أي وصف جزائي إذا كانت المحكمة الجزائية قد نزعت عنها الصفة ألجرميه على اعتبار
انه ليس له صفه جزائية ، فيقوم القاضي المدني بتكيف الفعل من الناحية المدنية كما
لو قام بتكيف الواقعة على إنها غشاً مدنياً بعد أن قضت المحكمة الجزائية بان الفعل
لا يرقى إلى الطرق الاحتيالية ولها أن
تقوم بتكييف الفعل على وفق قواعد الإكراه المستوجب للمسؤولية المدنية إذا نفت المحكمة
الجزائية تهمه اغتصاب سند ما[11].
ثانياً :عدم
المسؤولية لوجود مانع مسؤولية
نعلم أن موانع المسؤولية الجزائية تؤثر في
الإدراك والإرادة أو في أحداهما ، فهي لذلك من طبيعة شخصية[12] الأمر الذي يترتب عليه
أن مانع المسؤولية الجزائية يتسم بنطاق شخصي يقتصر على من توافر المانع لديه ولا
يمتد إلى سواه ممن ساهم معه في ارتكاب الجريمة ، ولا يترتب على توافر مانع
المسؤولية الجزائية زوال الصفة ألجرميه عن الفعل ، فمع توافر المانع يبقى الفعل جريمة
إنما تنتفي مسؤولية من ارتكبه وتمتنع تبعاً لذلك معاقبته إنما قد ينزل به تدبير
احترازي حيث يتوافر شرطه وهو الخطورة الإجرامية . ولا يؤثر مانع المسؤولية
الجزائية على المسؤولية المدنية فهذه تبقى قائمه على الرغم من قيام مانع المسؤولية
الجزائية[13]
وعليه إذا كان الحكم الجزائي القاضي بعدم المسؤولية مبنياً على عدم توافر الركن
المعنوي للجريمة، نظراً لوجود مانع من موانع المسؤولية كالجنون أو صغر السن الذي
عرض لمرتكب الفعل فجعل إرادته غير معتبر قانوناً لانتفاء تمييز صاحبها أو اختياره
، فان ذلك لا يمنع القاضي المدني من الحكم بالتعويض، وذلك لان انعدام الركن
المعنوي هو السبب في انتفاء المسؤولية وليس الفعل المادي للجريمة ،ولذلك فان تعرض
الحكم الجزائي للركن المادي في الجريمة ، يكون غير ضروري في مثل هذه الحالة ، وإذا
ما تعرض له فانه لا حجية له[14]
.
إن هذا الموضوع يقودنا إلى الحديث عن موضوع آخر
يتصل بالمسؤولية وهو موضوع الخطأ الذي يعتبر ركناً معنوياً في الجرائم غير العمدية
،ويتوافر الخطأ إذا انصرفت إرادة الجاني إلى الفعل دون النتيجة ، كما لو أصاب
الصياد إنسانا بدلاً من إصابة الطير وهو يقصد قتل الطير لا قتل الإنسان ، وأول ما
يتبادر إلى الأذهان في معرض الحديث عن الخطأ التساؤل عن وحدة أو ازدواج الخطأ في
النظامين الجزائي والمدني وقد ثار جدل كبير حول هذا الموضوع مما لا نرى ضرورة
للخوض فيه، وحسبنا أن نشير إلى أن الرأي الغالب يقول بوحدة الخطأ، فالخطأ الجزائي
لا يختلف في أي عنصر من عناصره عن الخطأ المدني ولا يتغير بالتالي في كلتا
المسؤوليتين ، ورغم ورود صور الخطأ في القانون الجزائي على سبيل الحصر[15]
فإنها من سعة الدلالة بحيث تشمل كل خطأ متصور يمكن أن يبنى عليه مسؤولية مدنيه ،
ومن هنا جاز القول بوحدة الخطأ المدني والجزائي،ويترتب على ذلك أن الخطأ الجزائي
يستوعب كافه عناصر الخطأ، بحيث إذا توافر الخطأ الجزائي يكون الخطأ المدني
متوافراً أيضا ، فلابد من كل خطأ جزائي من خطأ مدني
كامن
فيه إذ أن كل خطأ جزائي هو في الوقت نفسه خطأ مدني ولا عكس. إن الأهمية العملية
للقول بوحدة الخطأ الجزائي والمدني أو ازدواجهما هي تحديد ما للحكم الجزائي من اثر
في الدعوى المدنية ، فإذا قبلنا بوحدة الخطأ مهما كان ضئيلاً يكفي لتحقيق
المسؤولية ، ومتى كان الأمر كذلك فأن براءة المتهم في الدعوى الجزائية لعدم ثبوت
الخطأ الذي رفعت به الدعوى الجزائية تستلزم حتماً رفض الدعوى المدنية المؤسسة على
هذا الخطأ المدعى به، ويكون لحكم البراءة اثر ملزم إذا رفع النزاع بعد ذلك امام
المحكمة المدنية، ولا جدل في أن هذا الرأي أعدل وأكثر انسجاماً مع النظريات
القانونية ألحديثه في الخطأ.وعلى هذا فان المحكمة الجزائية إذا أعلنت إن المتهم لم
يكن مهملاً أو قليل الاحتراز تعذر امام القضاء المدني القول بوجود الخطأ، فعناصر
الإهمال هي واحدة فإذا انتفت فيكون انتفاؤها حاصلاً على الصعيدين المدني
والجزائي،كل ذلك بشرط إن يكون النص الجزائي شاملاً لصور الخطأ أم إذا كان القانون
الجزائي يعاقب على صورة معينه من الخطأ دون سواها، فان الحكم الصادر بالبراءة لا
يمنع القاضي المدني من نسبة الخطأ إلى المتهم على أساس مغاير للصورة المعينة[16].
ثالثاً:انقضاء
الدعوى الجزائية
إن الأحكام
الجزائية التي تقضي بسقوط دعوى الحق العام بناء على وفاة المتهم أو العفو العام أو
وقف الإجراءات القانونية أو التقادم لا تكون ملزمه للقاضي المدني مادامت الدعوى
المدنية لم تسقط بعد[17]
والسبب في عدم التزام القاضي المدني في الحكم الجزائي القاضي بسقوط دعوى الحق
العام هو أن الحكم الجزائي لا يتعرض لوقائع الدعوى ، وإذا ما تعرض لها فان تعرضه
لها يكون دون ضرورة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فانه لا يحتمل وقوع تناقض بين
الحكم الجزائي في مثل هذه الحالة وما سيقضي به القاضي المدني .
المبحث الثاني
الأحكام الجزائية الصادرة
بالادانه
يجب أن نعلم بان القاضي المدني ليس ملزماً بكل
ما جاء بالحكم الجزائي،وإنما فقط بالفقرات التي اكتسبت قوة الشيء المحكوم به والتي
تشكل الأساس الضروري للحكم في الدعوى الجزائية والتي تتعلق بمسائل تشترك مع الدعوى
المدنية في نقاط التقاء واحدة، أما عداها فيكون للقاضي المدني أن يخرج عن أسباب
الحكم الجزائي ووقائعه غير الضرورية ، أو عن إحدى المسائل غير المشتركة بين
الدعويين[18]
وبالتالي فان حكم الادانه الصادر من محكمة الموضوع يكون ملزماً للقاضي المدني فيما
يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها .ولكن قبل ذلك هنالك
قرارات تصدر من قبل قاضي التحقيق بعد انتهاء التحقيق الابتدائي في الدعوى الجزائية
أو من النيابة العامة في الانظمه التي تقر للنيابة العامة بسلطة التحقيق . فما هو
اثر هذه القرارات امام القضاء المدني. وعليه فإننا سوف نبين في مطلبين أثر قرارات
قاضي التحقيق بعد انتهاء التحقيق وأثر أحكام محكمه الموضوع بالا دانه أمام القضاء
المدني.
المطلب الأول
أثر قرارات قاضي
التحقيق أمام القضاء المدني
على قاضي التحقيق بعد انتهاء التحقيق أن يفحص
الادله المتوفرة ضد المتهم فإن وجدها
كافيه لمحاكمته عند ذلك يصدر قراراً بإحالة المتهم على المحكمة المختصة،وان وجد أن
الأدلة غير كافية فانه يصدر قراراً بغلق الدعوى والإفراج على المتهم أن كان حراً
وان كان موقوفاً عند ذلك يصدر قراراً بإخلاء سبيله فوراً ما لم يكن موقوفاً بسبب
جريمة أخرى ، هذا وان دور قاضي التحقيق ينحصر في فحص الأدلة المتوفرة لديه في
القضية دون أن يناقشها لأن مناقشة الأدلة ومعرفة مدى كفايتها للحكم وتقديرها يعود
إلى محكمه الموضوع، وان فعل قاضي التحقيق ذلك فان قراره يكون عرضة للنقض . عموماً
فان القرارات التي يصدرها قاضي التحقيق بعد انتهاء التحقيق تنحصر في غلق الدعوى
مؤقتاً والإفراج عن المتهم آو رفض الشكوى وغلق التحقيق نهائياً أو غلق الدعوى
مؤقتاً أو أحالة المتهم على المحكمة المختصة[19] . إن هذه القرارات
وغيرها من القرارات التي يصدرها قاضي التحقيق أو النيابة العامة- في الدول التي
تمنح النيابة العامة سلطة التحقيق – تنتفي عنها صفة الأحكام الجزائية وذلك لأنها
لا تصدر في موضوع الدعوى الجزائية بل تصدر في نطاق وظيفة قاضي التحقيق أو النيابة
العامة التي تقوم بدورها في التحقيق بالجرائم ، كذلك فان هذه القرارات لا تكتسب
قوة الشيء المحكوم به جزائياً ، التي تمنع نظر الدعوى الجزائية أمام المحكمة
الجزائية، وذلك لان القرارات الصادرة بالاتهام أو الاحاله إلى المحكمة الجزائية
المختصة ليس لها أيه قوة أمام هذه المحكمة في إدانة المتهم ، حيث أنها تتمتع
بالحرية الكاملة في تكوين رأيها الذي
ستنتهي إليه على ضوء التحقيق النهائي أي المحاكمة التي تجريها[20] وإذا كانت هذه
القرارات لا تتمتع بقوة الشيء المحكوم به أمام القضاء الجزائي فمن باب أولى أن لا
تكون لها هذه القوة أمام القضاء المدني ،وهذا يعني أنها ليست ملزمة للقاضي المدني
لأنها ليست قطعيه ولم تصدر عن سلطة حكم بل عن سلطة تحقيق ، كما أنها قرارات لا
تفصل في موضوع الدعوى الجزائية.
المطلب الثاني
أثر أحكام محكمه
الموضوع أمام القضاء المدني
إن الحكم الجزائي الذي يقضي بالإدانة يكون
ملزماً للقاضي المدني فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها.
فإذا قطعت المحكمة الجزائية بارتكاب المتهم
للفعل المسند إليه وأن هذا الفعل يكون الجريمة المتهم بها فلا يجوز للقاضي المدني
أن يعيد المحاكمة للبحث في شيء من ذلك ، وذلك لأن الحكم الجزائي يسري على المدني
فيما يتعلق بوقوع الجريمة من المتهم – التي يكون الأساس المشترك لدعوى الحق العام
ودعوى الحق الشخصي – وفيما يتعلق بوصفها القانوني ، وإذا ما رفع المدعي دعواه
المدنية إلى القاضي المدني الذي له سلطة بالحكم بالتعويض فانه يعفى من إثبات هذين
الأمرين ، وكل ما عليه أن يثبت بأن التعويض الذي يطلبه يتناسب مع الضرر الذي لحق
به من جراء هذه الجريمة[21]
وعليه يجب أن يكون للحكم الجزائي الصادر بالإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام
القاضي المدني في الدعاوى التي يكون أساسها ذات الفعل موضوع الدعوى من اجل منع
التناقض بين الحكم الجزائي والحكم المدني ،لأنه لا يعقل ولا يقبل أن تدين المحكمة
الجزائية شخصاً من اجل جريمة ثبت ارتكابه لها ثم تأتي المحكمة المدنية فتحكم بأن
الفعل المكون للجريمة لم يقع منه خاصة إذا
علمنا بان المشرع قد أحاط الإجراءات أمام المحاكم الجزائية بضمانات تكفل الكشف عن
الحقيقة، وهذا يقتضي أن يكون الحكم الجزائي القاضي بالا دانه محل ثقة كافة أفراد
المجتمع بحيث لا يصح بأي حال من الأحوال إعادة النظر في موضوعه[22]
.
وبعبارة أخرى يكون للحكم الجزائي البات بالا دانه
أثر ملزم أمام المحاكم المدنية فيما يتعلق بصحة وقوع الجريمة من الناحية المادية
أم من الناحية القانونية ، ذلك أن المحكمة الجزائية هي التي تستخلص من الوقائع
التي استعرضتها بالبحث حصول الجريمة على النحو الذي انتهت إليه،وعندما تفعل ذلك
فأن ما يرد بالحكم الجزائي متعلقاً بوقوع الفعل المادي المكون للجريمة وحدوث
النتيجة غير المشروعة وعلاقة السببية بينهما يكون ملزم للقاضي المدني عند نظر دعوى
التعويض.
ومما تقدم فأن ما تقرره المحكمة الجزائية في
حكمها بالا دانه يكون ملزماً بالنسبة للمحكمة المدنية ،وذلك أن حكم الادانه يفترض
بالضرورة وجود الوقعة الجريمة ، وما يرتبط به القاضي المدني هو ما يقع من إضرار
نتجت عن ارتكاب الجريمة وتكون ذا أثر في الحكم الجزائي ، كما لو انتهت المحكمة
الجزائية بصحة وقوع جريمة القتل أو التزوير أو السرقة من قبل المتهم[23]
.
كما يلتزم القاضي المدني بالوصف القانوني للواقعة
كما وردت في الحكم الجزائي فلا يكون للقاضي المدني أن يعدِّل في وصف الوقائع التي
طرحت أمامه وكانت المحكمة الجزائية قد وصفت عناصرها القانونية بالشكل الذي انتهت
إليه باعتبارها جريمة من نوع معين ، بمعنى إذا قضت المحكمة الجزائية بأن فعل
الضربات والجروح التي أحدثها الجاني في المجني عليه لم تسبب موته وان فعله يندرج
تحت جنح الضرب أو الإيذاء فليس للمحكمة المدنية بعد ذلك أن تعتبر المتهم مسئولا عن
الوفاة[24]
.
وقلنا بان المحكمة الجزائية غير ملزمه عند الحكم
بوصف الجريمة حسب ما جاء بقرار الاحاله أوفي ورقه توجيه التهمه ،فهي أن فعلت ذلك واستبقت
على عناصر معينه من الواقعة وأسبغت عليها وصفاً معيناً فان القاضي المدني ملزم
بهذا الوصف ولا يكون له أن يستعيد الأوصاف الأخرى التي جاءت بقرار الاحاله آو
توجيه التهمه ، ذلك أن المحكمة الجزائية قد تتوصل بقناعتها إلى عدم وجود ظرف مشدد
يشدد في وصف الجريمة أو في عقابها ،فيستبقي على الواقعة مجرده من هذا الظرف،وانه
يكون على القاضي المدني أن يلتزم بالواقعة الثابتة مجرده من ظروفها فيما لو أضيفت إليها
عند الادعاء بها مدنياً[25]
.
وأخيرا فان من بيانات الحكم الجزائي التي يكون
لها أثرا ملزماً أمام القضاء المدني،تلك الخاصة بثبوت التهمه تجاه الفاعل حيث أن
المحكمة الجزائية ملزمه بان تبين الصلة بين الفعل وبين شخص ادعى به عليه ذلك لأنه
لا يكفي لقيام الجريمة بركنها المادي وجود نشاط إجرامي من الفاعل وان تقع نتيجة ،
بل يلزم فضلاً عن ذلك أن تنسب هذه النتيجة إلى ذلك النشاط ،فلابد من وجود رابطه
سببيه بينهما والتي هي مفترض من مفترضات المسؤولية الجزائية ،فمتى ما قالت المحكمة
الجزائية بتوافر تلك الرابطة كان على القاضي المدني أن يرتبط بقولها هذا لان الصلة
بين الفعل وفاعله هي واحده في الدعويين[26] .
فما يقرره القاضي الجزائي بشأن وجود أو انعدام
رابطة السببية يعتبر بلا شك دعامة ضرورية لقيام الحكم ،ومن ثم يلتزم به القاضي المدني ، وما تذهب إليه المحكمة
الجزائية بإسناد الفعل إلى متهم واحد باعتباره فاعلاً أصليا لا يجيز للقاضي المدني
إسناد الفعل إلى شخص آخر باعتباره فاعلاً أصلياً أيضا، و إنما له أن ينسب إليه الاشتراك
أو التهيئة له عند الادعاء عليه أمامه بالتعويض ، ويقع على عاتق القاضي المدني التثبت
من مسألة إقدام هذا الشخص على الفعل الذي نسب إليه لإقرار مسؤوليته المدنية عند إكمال
الادله عليه أو لرد الادعاء عنه عند انتفائها[27] .
كما أن توزيع المسؤولية بين المتهم والمجني عليه
التي أشار إليها الحكم الجزائي لا تمنع القاضي المدني من إشراك أشخاص آخرين في
المسؤولية المدنية عند نظرها أمامه، وذلك
لان ما ذهبت إليه المحكمة الجزائية من توزيع المسؤولية بين المتهم والمجني عليه لم
يكن لازماً وضرورياً للفصل في الدعوى الجزائية بإدانة المتهم[28].
المبحث الثالث
أجزاء حكم البراءة و
الإدانة الملزمة
للقضاء المدني
يتكون الحكم الجزائي الصادر ببراءة المتهم أو
أدانته من ثلاث أجزاء هي الديباجة أو المقدمة والأسباب والمنطوق وهذه الأسباب تعد
كلاً لا يتجزأ ويكمل كل منها الآخر ، وكل جزء يشتمل على بيانات معينه ، على أنه ليست
جميع هذه الأجزاء تترك أثراً ملزماً امام القاضي المدني وإنما هذا الأثر يترتب على
منطوق الحكم وأسبابه.وهذا ما سنبينه في مطلبين.
المطلب الاول
منطوق الحكم
منطوق الحكم هو الجزء الأخير من الحكم الذي يأتي
في نهاية الأسباب متضمناً القرار الذي انتهت إليه المحكمة فاصلة به في الدعوى[29]
أو يتضمن حل النزاع في الخصومة[30]
والقاعدة أن هذا الجزء من الحكم الصادر بالبراءة أو الادانه هو الذي يكتسب حجية
الشيء المحكوم فيه وبالتالي يكون له أثرا ملزماً أمام القاضي المدني وذلك لان
المنطوق تتمثل فيه الحقيقة القضائية ويرد فيه القرار الفاصل في الدعوى[31]
.
ويبرر البعض ذلك بالقول ( أن أثر القوة هو إنهاء
الدعوى ووضع تنظيم نهائي للعلاقة بين أطرافها ومن ثم كان المنطق مقتضياً قصر
نطاقها على جزء الحكم الذي يقرر الإنهاء ويضع ذلك التنظيم ، أمام أسباب الحكم فهي
من ناحية غير مستقلة عن المنطوق، إذ لا تقرر جديداً يضاف إليه إنما تقصره على
تدعيمه وتفسيره، ومن ناحية أخرى فهي توضح أسلوب القاضي في التفكير متى انتهى إلى
ما قرره في حكمه، وهذا التفكير شخصي بحت للقاضي ،فلا وجه لان يجاوز ذلك إلى إلزام
غيره به[32]
) .ومما يذكر إن قوة الشيء المحكوم به تشمل منطوق الحكم الصريح والمنطوق الضمني، إذ
أن المنطوق قد يفصل أحياناً في بعض جوانب الخصومة بشكل ضمني، لذا تثبت قوة الشيء
المحكوم به للمنطوق الضمني مادام انه نتيجة حتمية لمنطوق الحكم الصريح[33]
.
المطلب الثاني
أسباب الحكم
الأسباب هي الادله التي تعتمد عليها المحكمة
كمصدر لاقتناعها وإصدار حكمها[34]
أو هي الأسانيد المنطقية للحكم القائمة
على الحجج التي يضمنها القضاة حيثيات الحكم[35] ويشترط في الأسباب
بصوره عامه أن تكون كافيه لبيان الأساس الذي يبنى عليه الحكم سواء في البراءة أم
الادانه[36]
والقاعدة بالنسبة لأسباب الحكم أنها لا تكتسب حجية الشيء المحكوم فيه،ولكن لهذه
القاعدة استثناء ، حيث تكتسب بعض أسباب الحكم هذه الحجية وهي الأسباب التي ترتبط
بمنطوق الحكم ارتباطاً وثيقاً بحيث تفسره أو تكمله، وهي التي لا يقوم منطوق الحكم
بدونها ، وإذا ما عزلت عنه صار مبهماً أو ناقصاً ، والسبب وراء اكتساب بعض أسباب
الحكم لحجية الشيء المحكوم فيه هو أنها تعد جزءاً من منطوق الحكم لذا فمن الطبيعي
أن تكتسب هذه الحجية كما اكتسبتها منطوق
الحكم ومن ثم يكون لهذه الأسباب أثرا ملزماً أمام القضاء المدني ذلك لان هذه
الأسباب تشكل دعامة لا غنى عنها لمنطوق الحكم[37] .
الخاتمة:
أن اثر حكم البراءة و الإدانة أمام القضاء
المدني يدعونا إلى القول بان الأحكام الجزائية لها الحجية المطلقة على المتهم ولدى
جميع الناس وتجاه المجني عليه أيضا حتى ولم يتدخل في الدعوى العمومية.
وسبب ذلك أن الجرائم ماسه بالنظام والأمن في الدولة
فاحترام الأفراد للأحكام الصادرة فيها تقتضيه المصلحة العامة حتى تكون رادعه وعبره
للغير، وفضلاً على ذلك فان الادعاء العام الذي يجب حضوره في الجلسة ممثلاً عن الهيئة
الاجتماعية ويمثل جميع الحقوق على السواء ،سواء حضر المتهم والمجني عليه أو لم
يحضرا ،وذلك انه من المستحيل عقلاً إدخال كافة الناس في الدعوى العمومية لتكون حجه
على الجميع.
عليه فإن الأحكام الجزائية الصادرة بالبراءة
والادانه يكون لها اثر ملزماً يتمثل بحجيتها أمام القضاء المدني، فالقاضي المدني
يجب أن يضع نفسه موضع القاضي الجزائي عند بيان مدى احترام الأحكام الجزائية
والتمسك بحجيتها لأنه ليس من الطبيعي أن يكون القاضي الجزائي اقل احتراماً لقضائه
من القاضي المدني ولذلك لا يطلب من القاضي المدني أن يغالي في الاحترام حتى يفوق
في ذلك من اصدر هذه الأحكام ويتفرع على هذا أن ما يلتزم القاضي الجزائي باحترامه
يلزم القاضي المدني به عند نظر الدعوى المدنية.
كما أن الأصل في التزام القاضي المدني بما يقرره
القاضي الجزائي يعود إلى أن الأخير يتمتع بسلطات أوسع من الأول قي نطاق الإثبات
ووسائله. والقاضي المدني يلتزم بمنطوق الحكم الجزائي وبواعثه المرتبطة به،وهو بوجه
خاص لا يستطيع أن يخالف ما قرره الحكم الجزائي بشأن وقوع الفعل ووصفه القانوني
ونسبته إلى فاعله ومدى ثبوت التهمه عليه أو براءته منها . أما ما يتعرض إليه الحكم
الجزائي من وقائع غير ضرورية أو ما أغفل هذا الحكم من وقائع لم يتعرض إليها
فالقاضي المدني في حلّ من الارتباط بها واحترامها.
على أن القاضي المدني وان احترم الأحكام الجزائية
الصادرة بالبراءة أو الإدانة، إلا إنه غير ملزم في تقديره للمسؤولية المدنية ومدى
التعويض المحكوم به بنوع الحكم الجزائي بشأن قيام المسؤولية الجزائية ومقدار العقوبة
المحكوم بها، ذلك أن أساس المسؤولية الجزائية هو الخطأ الجزائي المتمثل بالجريمة،
بينما أساس المسؤولية المدنية هو الفعل الضار كما أن هنالك صور للمسؤولية المدنية تقوم
على أساس تحمل التبعة ولا داعي للبحث فيها هنا . كما أن مقدار العقوبة لا يلزم
القاضي المدني، فالقاضي الجزائي عند إصداره للحكم بالادانه وتحديد العقوبة على ضوء
الظروف والاعتذار المقترنة بالجريمة فإنه يهدف إلى معاقبة المجرم وردع غيره وتحقيق
العدالة على حسب درجة الإثم ، في حين أن هدف المسؤولية المدنية هو إصلاح الضرر ،
لا عقاب محدث الضرر .
مصــادر
البحــث:
1 - إبراهيم المشاهدي،
المبادئ القانونية في قضاء محكمة التمييز ، القسم الجنائي ، مطبعة الجاحظ ، بغداد
، 1990
2 - د.أحمد السيد صاوي ، الشروط الموضوعية للدفع
بحجية الشيء المحكوم فيه ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1971
3 - د.أحمد فتحي سرور ، الوسيط في قانون
الإجراءات الجنائية ، الجزء الثاني ، دار النهضة العربية ، 1980
4 - أحمد كامل أبو السعود ، نظرية بطلان الأحكام
في التشريعات الجنائية ، دارالفكر الجامعي ، 1989
5 - أحمد نشأت، رسالة الإثبات ، الجزء الثاني ،
الطبعة السابعة ، دار الفكر العربي ، 1972
6 - د.أكرم إبراهيم ، القواعد العامة في قانون
العقوبات المقارن ، الطبعة الأولى، مطبعة الفتيان ، 1998
7 - أنس الكيلاني ، موسوعة الإثبات في القضايا
المدنية والتجارية والشرعية ، الجزء الثاني ، الطبعة الأولى ، 1979
8 - حسن الفكهاني ، الوسيط في شرح القانون
المدني الأردني ، الجزء الأول ، الدار العربية للموسوعات ، القاهرة ، 1978
9 - د.
حسن علي الذنون ، المبسوط في المسؤولية المدنية ، الجزء الأول ، الضرر ، شركة
التأمين للطبع والنشر المساهمة ، بغداد ، 1991
10 - حسين المؤمن، نظرية
الإثبات ، الجزء الرابع ، مطبعة الفجر ، بيروت ، 1977
11 -
د.سليم إبراهيم حربه، الحكم الجزائي ، محاضرات ألقيت على طلبة الماجستير في القسم
الجنائي ، كلية القانون ، جامعة بغداد ، 1997
12 -
د.سليمان مرقس ، أصول الإثبات وإجراءاته في المواد المدنية في القانون المصري
والمقارن ، الجزء الثاني ، الطبعة الرابعة ، دار الجليل للطباعة ، القاهرة ، 1986
13 - د.عاطف النقيب، النظرية
العامة للمسؤولية الناشئة عن الفعل الشخصي ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ،
1983
15 - د.
عاطف النقيب ، أثر القضية المحكوم بها جزائياً ، الطبعة الأولى ، المكتبة الحقوقية
، منشورات عويدات ، بيروت ، 1962
16 - عبد
الأمير العكيلي و د. سليم إبراهيم حربه ، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية ،
الجزء الأول ، 1988
17 - د. عبد الحميد الشواربي ، الحكم الجنائي في ضوء
القضاء والفقه ، دار الفكر الجامعي ، الاسكندرية ، 1988
18 - عبد القادر سيد عثمان ، إصدار الحكم القضائي ، رسالة دكتوراه
، كلية الحقوق ، جامعة عين شمس ، 1981
19 - د.علي حسين الخلف وسلطان الشاوي ، المبادئ العامة في قانون
العقوبات ، مطبعة الرسالة ، الكويت ،
1982
21 - د.فخري عبد الرزاق الحديثي، شرح قانون العقوبات ، القسم العام
، بغداد ، مطبعة الزمان ، 1992
22 - د.
مأمون محمد سلامه ، الإجراءات الجنائية في التشريع الليبي ، الجزء الأول ، 1971
23 -
د. محمد صبحي نجم ، شرح قانون العقوبات الأردني ، القسم العام ، مكتبة دار الثقافة
، الطبعة الثانية ، عمان ، 1991
24 - د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات ، القسم
العام ، الطبعة الرابعة ، دار النهضة العربية ، 1977
25 - د. محمود نجيب حسني، قوة الحكم الجنائي في إنهاء الدعوى
الجنائية ، الطبعة الثانية ، دار النهضة العربية للنشر ، القاهرة ، 1977
27 - المستشار معوض عبد التواب، الأحكام والأوامر الجزائية بدون
دار نشر ، 1988
28 - نبيل حميد البياتي ، دراسة في حكم البراءة وقرار الإفراج في
التشريع العراقي ، بحث منشور في مجلة القضاء ، العدد الثاني ، 1986
29 - د. واثبة داود السعدي ، السببية الجنائية ، محاضرات ألقيت على
طلبة الماجستير في القانون الجنائي ، كلية القانون ، جامعة بغداد ، 1997
الهوامش:
2 ) د. سليمان مرقس ، أصول الإثبات
وإجراءاته في المواد المدنية في القانون
المصري والمقارن ، الجزء الثاني ، الطبعة الرابعة ،
دار الجيل للطباعة ، القاهرة ، 1986 ص289
.
1 ) أنظر المذكر
الايضاحية لقانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971 * وقضت محكمة
تمييز العراق ( يحكم بالبراءة عند
الاقتناع بأن المتهم لم يفعل ما اتهم به
وعدم احتمال ظهور دليل تكتمل به أدلة الادانة ، اما قرار الافراج فيصدر عند
تحصل دليل ناقص مع احتمال حصول دليل خلال المدة القانونية تكتمل به ادلة الادانة )
. القرار 3554 / جنايات / 72
في 30/7/1973 منشور في النشرة القضائية ، العدد الثالث ، السنة الرابعة ، ص 338 نقلاً عن إبراهيم المشاهدي ، المبائ القانونية في قضاء محكمة التمييز ، القسم الجنائي ، مطبعة الجاحظ ، بغداد ، 1990 ، ص 73 .
في 30/7/1973 منشور في النشرة القضائية ، العدد الثالث ، السنة الرابعة ، ص 338 نقلاً عن إبراهيم المشاهدي ، المبائ القانونية في قضاء محكمة التمييز ، القسم الجنائي ، مطبعة الجاحظ ، بغداد ، 1990 ، ص 73 .
ولمزيد من التفصيل بين حكم البراءة وقرار
الافراج ينظر نبيل حميد البياتي ، دراسة في حكم البراءة وقرار الافراج في التشريع
العراقي ، بحث منشور في مجلة القضاء ، العدد الثاني ، تصدر عن نقابة المحامين في العراق
، 1986 ص 63 وما بعدها .
2 ) نصت المادة ( 182 / ب ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي
على أنه ( اذا اقتنعت المحكمة بأن المتهم لم يرتكب ما
اتهم به او وجدت ان الفعل المسند إليه لا يقع تحت أي نص عقابي فتصدر حكمها ببراءته من التهمة الموجهة إليه )
.
3 ) د. عاطف النقيب ، النظرية العامة للمسؤولية الناشئة عن الفعل الشخصي
، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، 1983 ،
ص 26 . ويسمي الفقهاء في مصر الفعل الضار الموجب للتعويض الذي لا يؤلف جريمة بالرغم من أنه فعل خاطئ بـ ( شبه جنحه ) وهذا يتصف بأنه خطا مدني ، ينظر مصباح أسعد ذياب ، دعوى الحق الشخصي لدى القضاء الجزائي ، مجلة المحامون ، سوريا ، العدد السابع ، تموز ، 1981 ، ص 356 .
ص 26 . ويسمي الفقهاء في مصر الفعل الضار الموجب للتعويض الذي لا يؤلف جريمة بالرغم من أنه فعل خاطئ بـ ( شبه جنحه ) وهذا يتصف بأنه خطا مدني ، ينظر مصباح أسعد ذياب ، دعوى الحق الشخصي لدى القضاء الجزائي ، مجلة المحامون ، سوريا ، العدد السابع ، تموز ، 1981 ، ص 356 .
1 ) نود أن نشير إلى موانع العقاب ( الاعذار المعفية من العقاب ) ايضاً
ذات طبيعة شخصية ولكنها لا ترتبط بالادراك أو الارادة وإنما هي موانع وضعها المشرع
لاعتبارات تتعلق بالمصلحة الاجتماعية أو لتسهيل القبض على المجرمين وسرعة اكتشاف
الجرائم . على أن هذه الموانع لا شأن لها بالمسؤولية جزائية كانت أم مدنية إذ هي تفترض بقاؤها على عاتق
الجاني المستفيد من العذر المعفي ويجوز
الزامه بالتعويض والرد ، لأنه إذا كان من حق المجتمع أن يتنازل عن حقه في معاقبة
الجاني فليس من حقه أن يتصرف بحقوق الأفراد .
1 ) تنص المادة ( 304 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي على
أنه ( إذا توفي المتهم أثناء التحقيق أو المحاكمة فيصدر القرار بايقاف الاجراءات
ايقافاً نهائياً وتوقف الدعوى المدنية تبعاً لذلك ويكون للمدعي المدني في هذه
الحالة الحق في مراجعة المحكمة المدنية ) .
وتنص المادة ( 305 ) على أنه ( إذا صدر قانون
بالعفو العام فتوقف اجراءات التحقيق والمحاكمة ضد المتهم ايقافاً نهائياً ويكون
للمتضرر من الجريمة الحق في مراجعة المحكمة المدنية ) .
وتنص المادة ( 306 ) على أنه ( يترتب على صدور
مرسوم جمهوري بالعفو الخاص سقوط العقوبات الأصلية والفرعية دون مساس بالحكم بالرد
أو التعويض أو المصادرة ) .
وتنص المادة ( 200 ) على أنه ( يكون للقرار
الصادر بوقف الاجراءات نهائياً نفس الآثار التي تترتب على الحكم بالبراءة غير أنه
لا يمنع المتضرر من مراجعة المحكمة المدنية للمطالبة بالرد والتعويض ) . كقاعدة
عامة في التقادم لم ينص قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي على التقادم . ذلك
أن السياسة الجنائية في العراق لا تقر بنظام التقادم لسقوط الدعوى الجزائية أو
لسقوط العقوبة المحكوم بها . ومع ذلك هنالك من التشريعات ما أخذ بهذا النظام مثل
قانون الاجراءات الجنائية المصري فقد نصت المادة ( 15 ) منه على أنه ( تنقض الدعوى
الجنائية في مواد الجنايات بمضي عشر سنين من يوم وقوع الجريمة وفي مواد الجنح بمضي
ثلاث سنين وفي مواد المخالفات بمضي سنة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ) . بينما
تنص المادة ( 528 ) من نفس القانون على أنه ( تسقط العقوبة المحكوم بها في جناية
بمضي عشرين سنة ميلادية إلا عقوبة الاعدام فانها تسقط بمضي ثلاثين سنة وتسقط
العقوبة المحوم بها في جنحة بمضي خمس سنين وتسقط العقوبة المحكوم بها في مخالفة
بمضي سنتين ) .
وراجع بشأن طرق إنقضاء الدعوى الجزائية الأستاذ
عبد الأمير العكيلي ود. سليم إبراهيم حربه ، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية ،
الجزء الأول ، 1988 ، 55 وما بعدها .
1 ) ان موضوع حجية الحكم الجزائي أمام المحاكم المدنية موضوع خلاف ،
فذهب فريق من الشرح إلى الاعتراف بحجية الحكم الجزائي أمام المحاكم المدنية
لاعتبارات تتعلق بوحدة الخصوم في الدعويين ( الجزائية والمدنية ) ذلك ان الادعاء
العام يمثل المجتمع في الدعوى الجزائية وينوب عن كل من تؤثر عليه الجريمة ،
والموضوع واحد رغم أن موضوع الدعوى
الجزائية هو المطالبة بتوقيع الجزاء على مرتكب الجريمة ، وموضوع الدعوى المدنية هو
المطالبة بالتعويض ولكن كلا الأمرين ناشئ عن فعل مادي واحد هو الجريمة .
وذهب البعض الآخر إلى انكار حجية الأحكام
الجزائية أمام المحاكم المدنية ذلك لأن شرط وحدة الدعويين غير متوفرة بينهما ،
فالادعاء العام لا يمثل المجتمع إلا فيما يتعلق بالمحافظة على الصالح العام ومن
ثمة فهو ليس وكيلاً عن الأضرار الشخصية التي لحقت بالمضرور من الجريمة دون سائر أعضاء المجتمع ، فالخصم
الأول في الدعوى الجزائية هو المجتمع المتمثل بالادعاء العام ، والخصم الآخر هو
المتهم ، أما في الدعوى المدنية فالخصوم فيها هم المجني عليه ( المدعي ) والمتهم (
المدعي عليه ) ، واحياناً المدعي بالحق المدني والمسؤول مدنياًُ . كما أن موضوع
الدعوى الجزائية المتمثل بالعقوبة أو التدابير الاحترازية مختلف عن موضوع الدعوى
المدنية المتمثل في تعويض الأضرار ، وسبب الدعوى الجزائية هو خطأ جرمي ، بينما قد
يكون سبب الدعوى المدنية خطأ مدني يقتضي التعويض .
وقد استقر
الرأي أخيراً ونحن نؤيده على أن الحكم الذي يصدر في الدعوى الجزائية يكون حجة أمام
المحاكم المدنية لاعتبارات ترتكز على قواعد النظام العام والمصلحة العامة ، منها
منع تعارض الأحكام الجزائية والمدنية كما أن المحاكم الجزائية بحسب الغاية من
وجودها والاجراءات المتبعة أمامها والتي ترتبط بأرواح الناس وحرياتهم وأعراضهم
وأموالهم . اقتضى أن تكون احكامها محترمة من قبل الجميع وموضع ثقة الناس كافة .
كما يبدو لنا
أن مرد سياسة الدعوى الجزائية على الدعوى المدنية في أن المصالح التي يحميها
القانون الجنائي ليست مصالح خاصة ، بل هي مصالح عامة وتكون الدعوى الجزائية هي وسيلة لحماية النظام
الاجتماعي داخل الدولة ، وقد سميت على أثرها ( بالدعوى العمومية ) بينما تهدف
الدعوى المدنية إلى حماية مصالح خاصة تتعلق بروابط تنشأ بين الأفراد مباشرة وتتعلق
بالذمة المالية لهم .
للمزيد من
التفصيل ينظر د. علي زكي أبو عامر ، المبادئ الأساسية للاجراءات الجنائية ، الجزء
الثاني ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ، القاهرة ، 1952 ، ص 384 وما بعدها
، وكذلك حسين المؤمن ، نظرية الاثبات ، الجزء الرابع ، مطبعة الفجر ، بيروت ، 1977
، ص 230 وما بعدها .
1 ) ينظر الفصل السادس من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي تحت
عنوان ( قرارات القاضي بعد انتهاء التحقيق )في المواد من ( 130 – 136 ) ، وينظر
كذلك الاستاذ عبد الأمير العكيلي و د. سليم إبراهيم حربه ، شرح قانون أصول
المحاكمات الجزائية ، المصدر السابق ، ص 162 وما بعدها . على أن المشرع في كثير من
الدول خول النيابة العامة بأن تجمع بين يديها سلطتي التحقيق والاتهام والاحالة ،
كالقانون المصري والأردني . وانظر بصدد قوة قرار الإفراج المطلب الأول من المبحث
الأول من هذا البحث .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق