الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
تحمل
عبارة "ثورة" الإيقاف التحفظي هنا معنيين هما:
المعنى
الأول يمكن ان يصاغ في قالب
سؤال هو: هل ثار الشعب من أجل إيقاف أركان النظام السابق تحفظيا إلى ما لا نهاية
له؟ فالمتابع للمحاكمات المتعلقة بأركان النظام السابق سيلاحظ بسهولة أن جل
القضايا لا تزال تراوح في المرحلة الاستقرائية دون تقدم يذكر، وحتى لا يدع البعض
أن ذلك راجع إلى حيل يقوم بها الدفاع قصد إطالة أمد المحاكمات أود أن أذكر بأنه
سبق لي وأن أعلنت على إحدى القنوات الفضائية منذ مارس 2012 أن هذه المحاكمات تتعلق
بملفات شبه فارغة وان السادة القضاة وقعوا بين نارين " نار الحفظ وضغط الشارع
أو نار تطويل النظر في الملفات لأقصى فترة ممكنة" والآن بعد سنة وثلاثة أشهر
من هذا الكلام أقول إن القضاء اختار تطويل النظر في الملفات، وإلا فبماذا نفسر
تكرار نفس الخطأ الشكلي المتمثل في عدم إمضاء محضر جلسة دائرة الاتهام في ملفات
هامة وحساسة!!! وعدة أخطاء شكلية أخرى يعرفها من يتابعون
هذه الملفات. لهذا فيوجد الآن في السجون عدد من الموقوفين تحفظيا على ذمة قضايا
فساد ولكن لم يحكم بعد على أي منهم بأنه فاسد، فهم في حالة إيقاف إلى أن يثبت
فسادهم.
أما المعنى
الثاني وهو المقصود حقيقة في هذا المقال فالمراد به الإشارة إلى الحركية التي
شهدتها أحكام الإيقاف التحفظي، من جهة كثرة التدخل التشريعي لتنظيم هذا الإجراء
الاستثنائي وما نتج عن ذلك من تباينات في المواقف والاجتهادات، ومن جهة أخرى تواتر
القرارات التعقيبية المتعلقة بأحكام الإيقاف التحفظي، وهي قرارات تتضمن مبادئ يمكن
وصفها دون مبالغة بكونها تشكل "ثورة" حقيقية على ما كان سائدا وجار به
العمل من قبل. فعلى مدى سنين طوال كانت حركية أحكام الإيقاف التحفظي رهينة الإرادة
السياسية للنظام السابق الذي يستغلها لتلميع صورته، دون ان تلقى حظها في التطبيق
فعليا بشكل كامل. ولكن منذ ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي بدأت تظهر اجتهادات قضائية غير
مسبوقة هي في الحقيقة نتاج جهد مشترك وتفاعل بناء بين المكونين الرئيسيين للعدالة
فيما بينهما (القضاء والمحاماة)، وفي ما بينهما وبين بعض مكونات المجتمع المدني.
وبمراجعة ما تم التوصل اليه من مكاسب على مستوى تفعيل أحكام الإيقاف التحفظي
وإعادة قراءتها يمكن القول إن شعاري الثورة وجدا طريقا نحو التطبيق وإن بصعوبة
ومشقة ونسبية ولكن بكل قوة وثبات، فالثورة التونسية هي ثورة "الحرية
والكرامة"، والإيقاف التحفظي بطبيعته هو مس بهذين الأصلين، مما يعني أن كل
قيد يضاف على الإيقاف التحفظي هو خطوة باتجاه دعم الحرية وتعزيز الكرامة.
لكن خلافا لكل منطق قانوني سليم، وأمام تزايد حالات
الإيقاف وربما الإفراط فيها، وغياب منطق عقلي موضوعي يحكمها صرنا نتحدث عن
"خطر" الإيقاف التحفظي لا عن "تدبير استثنائي احتياطي مشروط"
هو الإيقاف التحفظي.
فمما لاشك فيه أن سلب الحرية يعتبر من أخطر الإجراءات
السابقة على صدور الحكم القضائي البات، فهو يؤدي إلى إيذاء الفرد ماديا ومعنويا،
فيعرض سمعة المتهم للتشويه، كما يعرضه وعائلته لمعاناة على جميع المستويات، (المالية
والمهنية والاجتماعية). كما أنه يتنافى مع قرينة البراءة التي ينبغي أن يستفيد
منها المتهم طالما لم يصدر في حقه حكم قضائي بات بالإدانة. فإيداع إنسان بالسجن
قبل ثبوت الإدانة عمل خطير يقوى الشكوك ويضعف قرينة البراءة ويسلب الإنسان أهم
حقوقه وهو الحرية. لكن للآسف فإن بعض التشريعات تعتبر أن الإيداع في السجن هو الحل
الوحيد لمنع فرار المتهم أو لمنع قيامه بطمس أدلة الجريمة وإعدامها لذلك ركزت
اهتممها على ما يحقق عقاب الجاني دون الالتفات إلى حقوقه كإنسان. وفي محاولة
للموازنة بين الأمرين (أي الحرية وضمان عدم الإفلات من العقاب) سعت التشريعات نحو
حصر الحالات التي يجوز فيها سلب حرية متهم، وهو ما نجده في التشريع التونسي إذ كرس
المشرع حالتين يجوز فيهما اعتقال إنسان دون حكم نافذ، وهما: الاحتفاظ والإيقاف
التحفظي. فبالنسبة للاحتفاظ ينظمه الفصلين 13 و13 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية
وهو من اختصاص بعض مأموري الضابطة العدلية (الشرطة والحرس وأعوان الديوانة) ويقضى
بالأماكن التابعة لمراكز البحث ومدته محددة بثلاثة أيام قابلة للتجديد مرة واحدة
لنفس المدة بشرط التعليل[1].
أما الإيقاف التحفظي فإنه من اختصاص السلطة القضائية ويقضى بالسجن بمقتضى بطاقة
إيداع ومدته القصوى قد تصل 9 أشهر في الجنحة و14 شهرا في الجناية.
ولقد استهلت مجلة الإجراءات الجزائية أحكام الإيقاف
التحفظي بمبدأ نصّ عليه الفصل 84 وهو: " الإيقاف التحفظي وسيلة استثنائية"
وهذا أمر طبيعي إذ أن السراح هو الأصل ولو كان الشخص متهما والإيقاف هو الاستثناء.
لكن
الافراط في استخدام هذا الاستثناء إدى إلى التفريط في حقوق الموقوفين، خاصة وأن
مبدأ المساواة أمام القانون والقضاء لم يقع احترامه غالبا، كما أن مدة الإيقاف
ورغم صريح النص لم يقع احترامها بل تم نكرانها أصلا، إلى جانب أن هناك من يصر على
تجاهل التنقيحات التي أدخلت على أحكام الإيقاف التحفظي وخاصة تلك التي فرضت وجوبية
التعليل واقعا وقانونا. وعندما نقول التعليل القانوني للقرار فهذا يعني بالضرورة إفساح
المجال أمام محكمة التعقيب لتبسط رقابتها على حسن تطبيق القانون، والملفت للانتباه
ان محكمة القانون حين قبلت ان تمارسها دورها في مراقبة حسن تطبيق أحكام الإيقاف
التحفظي أحدثت ثورة فعليا في الكثير من أحكامه وغلبت النص الصريح على جريان العمل
وهو ما ابرز ثورة على مستوى تطبيق الإيقاف التحفظي (I) وثورة على
مستوى طعون الإيقاف التحفظي (II) وإن كانت هذه الثورة لم تحقق أهدافها كاملة
بعد فإنها لازالت متواصلة، وأتمنى أن يساهم هذا المقال في كشف بعض الانتهاكات التي
يجب وضع حد لها حتى تكتمل "ثورة الإيقاف التحفظي" بإرجاعه إلى طابعه
الاستثنائي الضامن للكرامة الإنسانية.
I-
ثورة
تطبيق الإيقاف التحفظي
لابد من الإشارة بداية إلى أن وجود قواعد الإيقاف
التحفظي في الباب المخصص للتحقيق من مجلة الإجراءات الجزائية لا يفيد بحال أن التحقيق وحده هو المعني بهذه
القواعد بل إنها تهم كل السلط المخول لها اتخاذ قرار ايقاف تحفظي. ويمكن القول إن
أحكام تطبيق الإيقاف التحفظي شهدت ثورة على مستوى الشروط (أ) وعلى مستوى المدة
(ب).
أ-
شروط الإيقاف التحفظي
يمكن
تقسيم شروط الإيقاف إلى نوعين وهما: شروط أولية، وشروط جوهرية.
أولا-
الشروط الأولية للإيقاف التحفظي:
وهذه
الشروط تنقسم إلى شرط عام، ألا وهو وجود نص يمنح لجهة ما سلطة الإيقاف تحفظيا،
وشروط خاصة بقرار الإيقاف الصادر عن قاضي التحقيق.
أ- الشرط العام: سلطة الإيقاف
تحفظيا:
ما
هي الجهات التي خول لها القانون اتخاذ قرار بالإيقاف التحفظي؟
بالرجوع
إلى مجلة الإجراءات الجزائية يمكن تقسيم السّلط القضائية المختصة بإصدار بطاقات
الإيداع[2]
إلى ثلاثة أصناف: أصلية وثانوية واستثنائية.
- السلطة القضائية الأصلية:
إن
السلطة القضائية الأصلية المخول لها إصدار بطاقات الإيداع هو قاضي التحقيق
بالنظر إلى أنّه السلطة الابتدائية في التحقيق، وباعتبار أنّ البطاقات القضائية
وردت في القسم الرّابع من الباب الثّاني من م إ ج المخصّص للتّحقيق وتحديدا في
الفصل 80 وما بعده، وهي فصول تعطي الاختصاص الأصلي في إصدار هذه البطاقة باعتبارها
وسيلة استثنائية لقاضي التحقيق.
- السلطة القضائية الثانوية:
أما
السلطات القضائية المخوّل لها إصدار بطاقات الإيداع بصفة ثانوية فهي إما دائرة
الاتهام أو المحكمة.
وبالنسبة لدائرة الاتهام فقد خوّل
لها الفصل 117م إ ج إصدار بطاقة إيداع "دائما" ضدّ المظنون فيه، وهذا
الاختصاص الثانوي لدائرة الاتهام مرتبط بالحق الذي خوله لها المشرع في الفصل 116 م
إ ج والمتمثل في إمكانية قيامها بالإذن بإجراء تتبّع جديد أو بحث تكميلي وهو ما قد
يتطلّب أحيانا إصدار بطاقة إيداع ضدّ من سيوجه إليه الاتهام. والملفت للاهتمام هنا
أن المشرع استخدم في الفصل 117 المذكور عبارة "دائما" وهي عبارة فضفاضة
لا تتماشى ومقتضيات مبدأ الشرعية في صياغة النصوص الجزائية، وعمليا فقد أدت هذه
العبارة في الآونة الأخيرة إلى الإفراط في إصدار بطاقات الإيداع من طرف دوائر
الاتهام.
أما
السلطة الثانوية الثانية، فهي المحكمة في الصور التالية:
-
حسب الفصل 88 م ا ج ونصه: "القرار القاضي بالإفراج المؤقت عن المظنون فيه لا
يمنع حاكم التحقيق أو المحكمة المنشورة لديها القضية من إصدار بطاقة إيداع جديدة
ضده إن دعت الحاجة إلى ذلك بسبب عدم حضوره بعد استدعائه كما يجب أو بسبب
ظهور ظروف جديدة وخطيرة".
- حسب
الفصل 142م ا ج وذلك في صورة فرار المتهم.
-
وحسب الفصل 169 م ا ج: " إذا ظهر أن الجريمة من خصائص محكمة أخرى تصدر
المحكمة حكما بخروج القضية عن أنظارها وتنهي أوراقها إلى ممثل النيابة العمومية.
ولها أن تصدر عند الاقتضاء بطاقة إيداع ضد المظنون فيه أو تأذن بالإفراج عنه مؤقتا
بضمان أو بدونه".
والسؤال
المطروح هنا في غير هاته الصور بناء على أي نص قانوني تصدر المحاكم وخاصة الدوائر
الجنائية بطاقات إيداع؟
وبلغة أدق هل يحق للمحكمة ان تصدر بطاقة إيداع في حق متهم حضر لديها تلقائيا؟ ولم
تكن هناك ظروف جديدة وخطيرة؟ الجواب قانونا لا يوجد نص، وبالتالي لا يمكنها إصدار
بطاقة إيداع. الجواب واقعا: بمقتضى جريان العمل (العرف القضائي) يجوز. وبما أن
مادة الإجراءات تخضع بدورها لمبدأ الشرعية الإجرائية، فلا مجال لعرف يخالف القانون.
-
حسب الفصل 202 م ا ج يمكن لقاضي الناحية في مادة المخالفات:"
أن يبقي المظنون فيه تحت طلبه بمقتضى بطاقة إيداع إن كان بحالة سكر أو عجز
عن التعريف بنفسه أو كان لا مقر له معين أو كان يخشى وقوع
التشويش من سراحه.
ولا
يمكن بحال إبقاء المظنون فيه موقوفا أكثر من ثمانية أيام".
- في
صورة الإحالة توا حسب الفصل 206 م ا ج ونصه: "تتعهد المحكمة
الابتدائية:... ثالثا : بمقتضى إحالة المظنون فيه توا على المحكمة من طرف وكيل
الجمهورية بعد استنطاق بسيط في صورة الجريمة المتلبس بها وإذا لم يكن في ذلك اليوم
جلسة فلوكيل الجمهورية أن يأذن بوضع المظنون فيه بمحل الإيقاف بمقتضى بطاقة إيداع
ويلزمه في هذه الصورة إحضاره بأقرب جلسة ممكنة. وإذا كانت القضية غير مهيأة للحكم
فالمحكمة تؤخرها لزيادة التحري لأقرب جلسة مقبلة وتؤيد بطاقة الإيداع أو إن اقتضى
الحال تفرج عن المظنون فيه بضمان أو بدونه ويكون لها الحق أيضا في التخلي عن
القضية ولوكيل الجمهورية في هذه الصورة أن يجري ما يراه في شأنها". ومن
الواضح أن هذه الحالة مرتبطة بوجود تلبس.
وبالنسبة لمحكمة الاستئناف ينص الفصل 214 م ا ج على أنه:
"يوقف تنفيذ الحكم خلال أجل الاستئناف وأثناء نشر
القضية الاستئنافية غير أن بطاقة الإيداع في السجن تظل عاملة إلى انقضاء أمد
العقاب المحكوم به ابتدائيا وفي صورة ما إذا كان الاستئناف بطلب من ممثل النيابة العمومية
إلى أن يصدر الحكم من محكمة الاستئناف". وهذا النص يجب ربطه طبعا مع
النصوص السابقة المتعلقة بالحالات الاستثنائية التي يجوز فيها لمحكمة البداية
إصدار بطاقة إيداع.
- السلطة القضائية الاستثنائية:
إلى
جانب السلطات القانونية السابقة أعطى المشرع بصفة استثنائية لوكيل الجمهورية
صلاحية إصدار بطاقة إيداع وذلك في حالة التلبس بالجناية أو الجنحة، إذ أنّ الفصل
34م إ ج يمنح وكيل الجمهورية في جميع صور الجنايات أو الجنح المتلبس بها
مع ماله من سلطة تتبع جميع ما لحاكم التحقيق من سلط، ومن المعلوم أنّ حالة التلبس
تتضمن توجيه اتهام مباشر للمتلبس[3].
و
يتضح من خلال حصر مبدأ إصدار بطاقات الإيداع بالسلط القضائية مدى خطورة هذه
البطاقات لأنها تنال من الحرية الذاتيّة للأشخاص وإن كانت محصورة في المتهمين إلاّ
أنّهم أشخاص لا زالوا في نظر القانون يتمتعون بقرينة البراءة ما لم يصدر حكم بات
بالإدانة.
ب- الشروط الخاصة: بقرار
الإيقاف الصادر عن قاضي التحقيق:
وهي:
1- أن يقع تعريف
المتهم بالأفعال المنسوبة إليه والنصوص القانونية المنطبقة عليها (حسب الفصل 69).
2- أن تكون الفعلة تستوجب عقابا بالسجن أو
بالإعدام (الفصل 80 فقرة أولى من مجلة الإجراءات الجزائية: "... إذا
كانت الفعلة تستوجب عقابا بالسجن أو عقابا أشد").
3- سبق الاستنطاق (الفصل 80 فقرة أولى من مجلة
الإجراءات الجزائية: "لحاكم التحقيق بعد استنطاق ذي الشبهة أن يصدر بطاقة
إيداع في السجن").
وهذا الاستنطاق يقتضي تلقي جواب المتهم عما هو منسوب إليه من أفعال، ويتم ذلك
مبدئيا بحضور محام يختاره المتهم أو يسخره رئيس المحكمة، مالم يتخل المتهم عن حقه
في الاستعانة بمحام.
وقد
سبق لمحكمة التعقيب في قرار حديث له وان أكدت أنه من المتوجب الاذن بإجراء
الاختبارات الفنية والحسابية اللازمة قبل إصدار البطاقات القضائية وذلك لضمان حسن
سير المرفق القضائي وضمان حرية الأفراد توصلا الى إقرار محاكمة عادلة وناجزة
(قرار تعقيبي جزائي عدد 2354 مؤرخ في 23/5/2012 غير منشور).
4- أخذ رأي وكيل الجمهورية
(الفصل 80 فقرة أولى من مجلة الإجراءات الجزائية: "...أن يصدر بطاقة إيداع في
السجن بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية") وهنا ستكون النيابة العامة مطالبة ببيان
موقفها من توجه قاضي التحقيق نحو اتخاذ قرار بإصدار بطاقة إيداع، ولها أن تؤيده أو
أن تعارضه وفي هذه الصورة الثانية إذا أصر قاضي التحقيق على موقفه لوكيل الجمهورية
الحق في أن يطعن في بطاقة الإيداع أمام دائرة الاتهام.
5- توفر مبررات واقعية
وقانونية للإيقاف. (الفصل
85 فقرة ثانية من مجلة الإجراءات الجزائية: "...ويكون قرار الإيقاف
التحفظي معلّلا يتضمن الأسانيد الواقعية والقانونية التي تبرّره".
أضيفت هذه العبارة بموجب القانون عدد
21 لسنة 2008 مؤرخ في 4 مارس 2008 المتعلق بوجوب تعليل قرار التمديد في الاحتفاظ وقرار
الإيقاف التحفظي). ففرض وجوبية تعليل قرار الإيقاف يندرج في إطار تعزيز ضمانات و
حقوق المتهم، إذ كان من المفترض أن يضمن هذا الإجراء: من جهة أن لا يكون هناك مجال
لأي قرارات إيقاف تحفظي ذات صبغة تعسفية أي دون وجود معطيات و أسباب واضحة تبررها.
ومن جهة أخرى ستؤكد وجوبية التعليل بصفة لا لبس فيها أن حجز حرية أي شخص و لو كان
محل اشتباه أو متهم هو إجراء استثنائي لا يجب الإفراط في اعتماده بل يجب الاقتصار
على الحالات التي يوجد ما يبررها واقعا و قانونا فقد كان إتخاذ القرار الأولي في
الإيقاف التحفظي يخضع للسلطة التقديرية الواسعة لقاضي التحقيق، ويكفيه للإذن
بإيقاف المتهم وإصدار بطاقة إيداع بشأنه أن يقوم باستنطاقه، وتجنبا لأي تعسف من
قبل قضاة التحقيق، وكي لا يقع إيقاف سوى من تتوافر في شأنهم دلائل تفترض ارتكابهم
للجريمة، أو الشروع في ارتكابها، كان لا بد من فرض وجوبية التعليل حتى يبرز القرار
وجه الضرورة في إيقاف إنسان لازال يتمتع بقرينة دستورية على أنه بريء، و يضمن
تعليل القرار أن لا يقع الإيقاف التحفظي لمجرد الاشتباه فقط، بل لا بد من توفر
قرائن وأدلة قوية، تشير إلى اتهام شخص ما بارتكاب جريمة معينة، و خلاصة القول أن تقنية
التعليل تبرز بوضوح الطابع الاستثنائي للإيقاف التحفظي. وهو ما يعتبر تكريسا
للشرعية الإجرائية وتدعيما لقرينة البراءة الأصلية التي يتمتع بها كل إنسان وجد
نفسه موضع اتهام.
وللآسف الشديد فإن هذه الشروط
الأولية وخاصة سبق الاستنطاق لا تحترم أحيانا إذ يقوم قضاة تحقيق
بإصدار بطاقات إيداع ضد أشخاص لم يقع استنطاقهم وإنما بمجرد حضورهم لديهم وإعلامهم
بالتهم المنسوبة إليهم والنصوص المنطبقة عليها. وهذا يحدث غالبا في المحاكمات ذات
الطابع السياسي أو الشعبوي وقد شهدنا عدة حالات منها بعد الثورة.
كما أن مبررات الإيقاف سرعان
ما اتخذت شكل النموذج الجاهز مسبقا الذي يكتفي القضاة بإضافة اسم المتهم ونوع
التهمة اليه بما أفقد تنقيح 2008 كل جدوى. وقد سايرت محكمة التعقيب هذا التوجه في
قرارها عدد 366 بتاريخ 12/6/2013 (غير منشور) إذ اعتبرت أن بطاقة الإيداع الصادرة
عن دائرة الاتهام معللة بالنظر إلى أن الدائرة " عللت رأيها بضمان سلامة
إجراءات التتبع وضمانا لتنفيذ العقوبة وهذه المعطيات منصوص عليها بأحكام الفصل 85
م ا ج وبالتالي فإن قرارها كان معللا وفق ما يقتضيه القانون". ومن الواضح أن
محكمة التعقيب بقرارها هذا جانبت الصواب، وخلطت بين شروط الإيقاف وتعليل قرار الإيقاف،
فالتعليل لا يمكن أن يكون بإعادة ذكر الشروط، وإنما لا بد من ربط تلك الشروط
بالمعطيات الواقعية والقانونية للقضية، كالقول مثلا: "ونظرا لأن المتهم سبق
له وأن تحصن بالفرار فإن ضمان تنفيذ العقوبة يستوجب إيقافه" أو "بالنظر إلى
سوابق المتهم وشخصيته الخطرة التي تنبئ بإمكانية ارتكابه جرائم جديدة" أو
"وحيث لازال المتهم يتمتع بنفوذ وله ارتباطات من شأنها أن تؤثر على سلامة سير
البحث خاصة وانه سبق له أن حاول الضغط على أحد الشهود أو طمس أدلة"... فهذه
نماذج لما يمكن اعتباره تعليلا واقعيا مستمدا من معطيات الملف وشخصية المتهم، أما
ما يعتمده قضاء التحقيق بدرجتيه فهو مجرد ذكر للشروط الجوهرية للإيقاف. فالمشرّع حين اشترط بالنسبة للإيقاف التحفظي أن يتخذ
بموجب قرار معلّل يتضمن الأسانيد الواقعية والقانونية، فإن ذلك
كان بغاية تأكيد الصبغة الاستثنائية للإيقاف التحفظي. كما أن التعليل الكتابي
للأسانيد الواقعية والقانونية التي أنبنى عليها قرار الإيقاف التحفظي يخول للمحكمة
الأعلى عند الطعن في قرار الإيقاف إمكانية مراقبة مدى وجاهة هذا التعليل والتمعن
في مبرراته توصلا إلى اتخاذ الإجراءات الملائمة في شأنه بما في ذلك مراقبة مدى
التقيد بحالات السراح الوجوبي وذلك إنفاذا لقاعدة أن الحرية هي الأصل والإيقاف هو
الاستثناء. ويسمح التعليل هكذا بضمان المصلحة الشرعية للمتهم فتنقيح مارس 2008 كان
هدفه توفير الضمانات لكلّ شخص فقد حريته بوضع ضوابط قانونية لعدم النيل منها ويؤكد
الالتزام بالطابع الاستثنائي للإيقاف التحفظي حماية لكرامة الإنسان والموازنة بين
حماية حقوق المتهم من جهة وبين إحقاق الحق وإقامة العدل من جهة أخرى ، فتعزيز
منظومة حقوق الإنسان في تونس الثورة إنما هو هدف أساسي من أهداف الثورة التي ترمي
لضمان أكبر قدر من العدالة. فمن المعروف أن تقنية تعليل الأحكام والقرارات
القضائية هي من الضمانات الأساسية فالتسبيب أو التعليل هو إيراد الحجج القانونية
والواقعية التي ينبني عليها الحكم أو القرار حتى يعتبر مستوفيا لشروطه الفنية و
مستكملا لجوانبه القانونية، و هو حسب الفصل 168 إجراء وجوبي في كل الأحكام أما
القرارات فلا يكون تعليلها وجوبيا إلا إذا نص القانون على ذلك صراحة كما هو حال
بطاقة الإيداع. فمن وظائف التعليل الإقناع بأن الحكم أو القرار صدر طبق القانون
وهو ملائم للمسائل التي فصل فيها من خلال إجابات واضحة و سليمة تعلن الحقيقة وتصون
الحرية، فهو يعمل على حماية حقوق الدفاع و يفرض على القاضي موقف الحياد فمتى التزم
بتعليل حكمه أو قراره فإنه سوف ينأ به عن أي مأخذ و من هنا كان التعليل دائما
ضمانة للشفافية والموضوعية و اليقين في الحكم أو القرار إذ أنه يبرز الهدف الأوحد
للقضاء وهو كشف الحقيقة والإعلان عنها. ولقائل أن يقول أنني أطلت وأسهبت وكررت عند
التعرض إلى وجوبية تعليل بطاقة الإيداع واقعا وقانونا وما ذلك إلا لما شهدته شخصيا
من إهدار لهذه الضمانة الجوهرية وما انجر عنها من خرق لمبدأ المساواة بين المتهمين،
فغياب التعليل يسمح بالارتجال والارتجال ضرب من الخطأ والخطأ يمكن أن يفسر أحيانا
بكونه محاباة والمحاباة خطيئة ننزه عنها قضاتنا الأفاضل.
ثانيا-
الشروط الجوهرية للإيقاف التحفظي:
وهذه الشروط الجوهرية للإيقاف تختلف بين صورتين: الإيقاف لأول مرة، والايقاف بعد سبق
الافراج.
الصورة
الأولى: الايقاف لأول مرة:
وهنا
أيضا توجد حالتين:
الحالة
الأولى: أن تكون الجريمة
المرتكبة من نوع الجناية أو الجنحة المتلبّس بها وهنا يكفي توفر شرط حالة
التلبس. التي نظمها المشرع في الفصلين 34 و35 م ا ج.
فحسب
الفصل 33 م ا ج فإنه: "تكون الجناية أو الجنحة متلبسا بها:
أولا
: إذا كانت مباشرة الفعل في الحال أو قريبة من الحال. ثانيا : إذا طارد الجمهور ذا
الشبهة صائحا وراءه أو وجد هذا الأخير حاملا لأمتعة أو وجدت به آثار أو علامات تدل
على احتمال إدانته، بشرط وقوع ذلك في زمن قريب جدا من زمن وقوع الفعلة.
وتشبه
الجناية أو الجنحة المتلبس بها كل جناية أو جنحة اقترفت بمحل سكنى استنجد صاحبه
بأحد مأموري الضابطة العدلية لمعاينتها ولو لم يحصل ارتكابها في الظروف المبينة
بالفقرة السابقة.
ويؤكد الفصل 34 م ا ج على أنه:"لوكيل الجمهورية في
جميع صور الجنايات أو الجنح المتلبس بها مع سلطة التتبع جميع ما لحاكم التحقيق من
السلط".
أما الفصل 35 م ا ج فقد بين أنه: "لحاكـم التحقيق
في دائرته أن يجري رأسا وبنفسه في صورة الجناية المتلبس بها جميع الأعمال المخولة
لوكلاء الجمهورية طبق القانون زيادة على ما له من الوظائف الخاصة به ويجب عليه
إعلام وكيل الجمهورية حالا.
وله بالخصوص
أن يسمع الشهود بدون سابقية استدعاء وأن يلقي القبض بمجرد إذن شفاهي على ذي الشبهة
الذي كان حاضرا ثم إنه يأمر بنفسه بتنفيذ قراراته.
وبعد
الفراغ من ذلك يبعث بتقاريره إلى ممثل النيابة العمومية الذي يقرر في شأنها ما
يراه صالحا".
ويستخلص
من هذه الأحكام القانونية أن حالة تلبس تؤدي إلى جملة من الاستثناءات لعل ابرزها
أن قرار الإيقاف يمكن ان يكون شفاهيا، كما يمكن أن يصدر عن وكيل الجمهورية حسبما
سبق بيانه.
الحالة
الثانية: توفر قرائن
قوية وهذا الشرط يجب أن يقترن بتوفر أحد المعطيات التالية وهي أن يكون
الإيقاف هو:
ـ وسيلة أمن يتلافى بها اقتراف جرائم جديدة.
ـ أو ضمانا لتنفيذ العقوبة.
ـ أو طريقة توفر سلامة سير البحث.
وقد بينت محكمة التعقيب في
قرارها الجزائي عدد 90917
بتاريخ 25/04/2012 أنه لا مجال لتأسيس قرار الإيقاف على أي معطى لم يرد في
النص:"وحيث تمسك لسان الدفاع بخرق أحكام الفصلين 84 و85 م ا ج قولا بأن
القرار المنتقد أورد كلمة خطيرة لتبرير رفض مطلب الافراج وبالتالي اعتمد على خطورة
الافعال المرتكبة من المتهم... وحيث اقتضت احكام الفصل 84 ان الإيقاف التحفظي
وسيلة استثنائية يجب عند اتخاذها مراعاة القواعد التالية. وحيث كان على دائرة
القرار المنتقد التقيد بالنص".
وفي
قرارها التعقيبي الجزائي عدد 2354 مؤرخ في 23/5/2012
(غير منشور) اعتبرت المحكمة أن "التعلل بأن الأفراج سوف يعد خطرا على الأمن
الاقتصادي فهذا المصطلح يعد فضفاضا ولا يستند الى معطيات واقعية وعلمية
صحيحة".
لعل الأمر الملفت للانتباه عموما
هو أن المشرع جعل من الايقاف التحفظي ضمانا لتنفيذ العقوبة، فما هو المقصود من
هذا؟ هل يعقل أن يبدأ القاضي بالتفكير في العقوبة وهو لم يثبت لديه بعد أن من تحوم
حوله الشبهات هو من ارتكب الجريمة فعلا؟ يبدو أن هذا المعطى في غير طريقه وهو
يتضمن الانتقال فورا من مرحلة الاشتباه الى مرحلة الادانة.
أما المعطيين الأخرين فلا بد
من بيان كيفية توفرهما، وهنا تبرز أهمية التعليل فمجرد ذكرهما في قرار الايقاف لا
يكفي وإنما لا بد من ربطهما بالوقائع كما سبق بيانه أعلاه.
الصورة
الثانية: الايقاف بعد سبق الافراج:
وقد
نظم هذه الوضعية الفصل 88 م ا ج الذي ميز أيضا بين صورتين:
فحسب الفقرة الأولى من
الفصل 88 فإن:" القرار القاضي بالإفراج المؤقت عن المظنون فيه لا يمنع حاكم
التحقيق أو المحكمة المنشورة لديها القضية من إصدار بطاقة إيداع جديدة ضده إن
دعت الحاجة إلى ذلك بسبب عدم حضوره بعد استدعائه كما يجب أو بسبب ظهور ظروف جديدة
وخطيرة".
ومن الواضح هنا أن إصدار
بطاقة ايداع ثانية بعد صدور قرار بالافراج الوقتي هو أمر ممكن ولكن هذه البطاقة
رهينة توفر أحد شرطين وهما:
-
عدم
الحضور بعد الاستدعاء، وهنا يكفي عدم الحضور بعد ثبوت بلوغ الاستدعاء للمعني
بالامر شخصيا ولا حاجة لإثبات أنه في حالة فرار.
-
ظهور
ظروف جديدة وخطيرة، ومن الواضح أن المشرع يستعمل عبارات فضفاضة وعامة جدا، إذ لم
يحدد ماهية الظروف الجديدة، كما لم يبين مصدر الخطر ولا على من هو موجه، وبالتالي
يمكن في هذه الصورة ايقاف المتهم إذا ما تبين أن هناك خطرا جديا صار يتهدده بعد
الافراج عنه ويبدو أنه من الأنسب أن يتدخل المشرع لبيان نوعية الظروف المقصودة
وطبيعة الخطر حتى يبقى الاستثناء محصورا في حالات دقيقة.
أما حسب الفقرة الثانية
من الفصل 88 م ا ج فإنه: "لكن إذا كان الإفراج المؤقت ممنوحا من دائرة
الاتهام بعد نقضها لقرار حاكم التحقيق فلا يجوز لهذا الأخير أن يصدر بطاقة إيداع
جديدة إلا بعد صدور قرار من تلك الدائرة في الموافقة على ذلك بعد سماع ممثل
النيابة العمومية". ومن الواضح أن هذا الشرط يندرج في إطار احترام مبدأ توازي
الشكليات فلا يمكن لسلطة أدنى أن تلغي قرار سلطة أعلى.
ومن خلال جملة ما سبق يتبين
ان الايقاف التحفظي هو إجراء استثنائي مقيد بشروط يترتب عن عدم احترامها البطلان
لأنها تعتبر اجراءات جوهرية وهي من ضمانات المتهم المتعلقة بالنظام العام،
فالاستثناء يجب أن يكون محددا صورة ومدة.
ب-
مدة الإيقاف التحفظي
ان إيقاف المتهم تحفظيا لم
يكن محدد المدة قبل صدور القانون عدد 70 المؤرخ في 26 نوفمبر 1987 الذي ضبط لأول
مرة مدة الإيقاف التحفظي بستة أشهر مع إمكانية التمديد فيها مرة واحدة بالنسبة
للجنحة ومرتين بالنسبة للجناية على أن لا يتجاوز كل تمديد ستة أشهر. ثم وبمقتضى
القانون عدد 114 المؤرخ في 22 نوفمبر 1993 تم التخفيض في مدة الإيقاف التحفظي عند
التمديد فيه وذلك بجعل تمديد فترة الإيقاف بالنسبة للجنحة مرة واحدة بثلاثة أشهر
وبجعل التمديد في فترة الإيقاف بالنسبة للجناية مرتين لا تزيد كل واحدة عن أربعة
أشهر.
وأنا هنا أميل إلى الرأي
القائل بأن المشرع لم يغفل
قبل سنة 1987 عن تحديد مدّة الإيقاف عن سهو بل إنه ما كان له أن يحدّدها طالما أنه
ضبط شروطا للإيقاف المتهم وإيداعه بالسجن فإنه يعتبر أن مدة الإيقاف يمكن أن تمتدّ
حتى آخر المحاكمة ما لم يتّخذ القضاة قرارا في الإفراج المؤقت من تلقاء أنفسهم أو
بطلب من المتهم أو من محاميه، فالمتهم الذي توفرت فيه شروط الإيقاف والإيداع في
السجن يستحق البقاء بحالة إيقاف طيلة المدة اللازمة لإصدار الحكم ولكن المشرع
عندما ضبط أقصى مدة الإيقاف فإنه تخلى عن هذا التوجه وأحل محله أقصى مدة الإيقاف
وهي 9 أشهر في الجنح و14 شهرا في الجنايات لتنطبق على كامل مرحلة التحقيق
بكل درجاته وكذلك مرحلة المحاكمة والقول بغير ذلك سيجعل تحديد المدة من قبيل اللغو
فما أراد المشرع الوصول إليه سيذهب أدراج الرياح إذا قلنا ان أقصى مدة الإيقاف يهم
قاضي التحقيق دون دائرة الاتهام والمحكمة.
واعتبار
مدة الإيقاف شاملة لكلا المرحلتين الاستقراء والمحاكمة (طالما لم يصدر حكم نافذ
بالسجن) هو تأويل يتماشى وإرادة المشرع عند ضبطه أقصى مدة الإيقاف ويتدعم بالرجوع
إلى عديد التعريفات التي قدمها قضاة أفاضل من خيرة من أعتلى كرسي القضاء في تونس. فهم جميعا أجمعوا على أن الإيقاف التحفظي
يشمل مدّة التحقيق كاملة ونشر القضية أمام المحكمة إلى صدور حكم نافذ فيها. فالإيقاف
التحفظي حسب السيد الذهبي العباسي هو: " أمر يصدر بإلقاء القبض على المتهم ووضعه في
السجن احتياطيا إلى أن يصدر حكم المحكمة بالتهمة أو يقع الإفراج عنه قبل ذلك
"[4]. كما
أكد السيد محمد الحبيب بودن: " أن الإيقاف التحفظي في التشريع التونسي يطلق
على حرمان المظنون فيه من حريته في فترة البحث بداية من زمن توجيه التهمة عليه إلى
تاريخ الحكم مهما كانت صفة البحث"[5].
بينما يرى السيد الطاهر المنتصر أن البطاقة الأشدّ خطرا وأقوى تأثيرا فهي بطاقة الإيداع
التي يصدرها المحقّق إثر استنطاق المظنون فيه بوضعه في السجن احتياطيا إلى أن يصدر
حكم المحكمة أو يفرج عنه من طرفه قبل ذلك عند توفر عناصر جديدة لديه"[6].
أما الإيقاف التحفظي حسب السيد الهادي سعيّد فهو: "الإقامة بالسجن بمقتضى بطاقة إيداع قضائية
وبعبارة أخرى هو حبس المتهم بمحل إيقاف طيلة المدّة التي تمتدّ من بداية البحث
الأولى إلى صدور الحكم أو خلال جزء منها"[7].
وقد أقر نفس الموقف الاستاذ الجليل محمد الهادي كرو بقوله إن:" السؤال
المتعلق بمعرفة خضوع المحكمة لقواعد الإيقاف التحفظي من عدمه لم يكن يطرح قبل أن
يتولى المشرع تحديد مدّة الإيقاف التحفظي... من الثابت أن المشرع لم يقصد عند
تحديد المدّة القصوى للإيقاف التحفظي أنها خاصة بحاكم التحقيق وإنما هي كافية
للبحث من الإثارة إلى الحكم والملاحظ ـ أيضا ـ أن القرار القاضي بالإفراج عن
المتهم لا يمنع ـ قبل تنقيح 1987 ـ المحكمة المتعهدة بالقضية من إصدار بطاقة إيداع
جديدة ضدّ المتهم في كلّ الأحوال وكلما دعت الحاجة إلى ذلك وقد أصبح الأمر بعد
التنقيح غير ممكن في الصورة التي يقع الإفراج فيها من التحقيق بعد إيقاف استغرق
كامل المدّة المحددة من القانون... لقد وضعت المقتضيات الجديدة بصفة واضحة حدّا
لإمكانية إيقاف المتهم مرّة أخرى بعد نهاية المدّة القصوى للإيقاف"[8].
ويستخلص
مما سبق أن هناك إجماع بين من تناول مسألة الإيقاف التحفظي بالدراسة على شمولية
مدة الإيقاف لكامل أطوار التحقيق والمحاكمة. وعلاوة عما سبق يمكن هنا إعطاء جملة
من المبررات تسمح بالقول إن مدة الإيقاف القصوى تشمل كامل أعمال التحقيق
والمحاكمة:
-
المبرر الأول
مستمد من الحالات التي يجوز فيها الإيقاف أصلا وهما حالتي التلبس أو
توفر قرائن قوية، فكلا الحالتين لا تستوجب عادة أعمال تحقيق ومحاكمة تستغرق زمنا
كبيرا، فالإيقاف التحفظي لا يكون إلا في حالة جريمة شبه ثابتة إما بالتلبس أو
بالقرائن وهنا لا يعقل ان تطول الأبحاث والمحاكمة لأكثر من 9 اشهر في الجنحة و14
شهرا في الجناية. وللتوضيح فإن الحديث عن المحاكمة يتعلق بالطور الابتدائي فقط إذ
بإمكان محكمة البداية ان تحكم بالسجن مع التنفيذ الوقتي (الفصل 173 من م ا ج).
-
أما المبرر
الثاني مستمد
من أحكام الفصل 84 م ا ج :" الإيقاف التحفظي وسيلة استثنائية"،
فالطابع الاستثنائي لأحكام الإيقاف يفترض أنها يجب أن تؤول تأويلا ضيقا ولا يجوز
التوسع فيها.
-
أما المبرر
الثالث فهو مستمد من الفقرة الجديدة قبل الفقرة الأخيرة المضافة إلى
الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية في ديسمبر 2008 ونصها: "ولا
يمكن أن يترتب عن قرار دائرة الاتهام بإحالة الملف إلى قاضي التحقيق لمواصلة بعض
الأعمال التي تقتضيها تهيئة القضية للفصل تجاوز المدّة القصوى للإيقاف التحفظي
للمتهم الذي يتحتم في هذه الحالة على قاضي التحقيق أو دائرة الاتهام حسب الأحوال
الإذن بالإفراج عنه مؤقتا دون أن يمنع ذلك من اتخاذ التدابير اللازمة بضمان
حضوره". إذ أكّد المشرّع بهذا التنقيح أن قرار دائرة الاتهام بإجراء البحث
لا يمكن أن يترتّب عنه تجاوز المدّة القصوى للإيقاف التحفظي وأوجب على قاضي
التحقيق أو دائرة الاتهام حسب الأحوال الإذن بالإفراج المؤقت الحتمي
عن المتهم بانقضاء هذه المدّة. ويفترض من باب أولى أنه طالما ليس بإمكان جهات
التحقيق بدرجتيه تجاوز المدة القصوى للإيقاف عندما يتطلب الأمر مواصلة القيام ببعض
الأعمال التي تقتضيها تهيئة القضية للفصل أن لا يكون بإمكانهما تجاوز هذه المدة في
الحالات التي لا تقتضي فيها القضية مزيدا من الأبحاث فقد حان الوقت لأن يقع
التعامل مع مدة الإيقاف على أنها مدة قصوى للتحقيق بكل درجاته وللمحاكمة أيضا خاصة
وأن نية المشرع في تنقيح 2008 سالف الذكر واضحة في هذا الاتجاه إذ جاء في مداولات
مجلس النواب عند مناقشة هذا التنقيح مايلي:" من أهمّ الآثار القانونية
لهذا المبدأ حماية الحرية الذاتية للمتهم واعتبار أن التدابير الاحترازية المخولة
للضابطة العدلية في إطار إجراءات الاحتفاظ وتلك المقررة أيضا لقاضي التحقيق في
إطار الإيقاف التحفظي تكتسي صبغة استثنائية تطبيقا لأحكام الفصول 13 مكرر و57 مكرر
و84 من مجلة الإجراءات الجزائية... نحن في وزارة العدل وحقوق الإنسان
أعددنا منظومة ويمكن أن نعلن عنها وتتمثّل فيما يلي: الإدارة العامّة للسّجون
والإصلاح تعلم التّفقدية العامّة بوزارة العدل وحقوق الإنسان بكلّ إيقاف تحفّظي،
وهذه الإدارة كلّما وصل نصف الأجل المسموح به قانونا أي 6 أشهر بالنسبة للجنحة،
بعد 3 أشهر، لابدّ من أن تخطر التفقدية، والتّفقدية تبحث وتسأل لماذا لم يقع البتّ
في القضية؟ وهذا الإخطار نسمّيه الإخطار الأصفر. وهناك الإخطار الأحمر إذا وصل إلى
نهاية الأجل، ويتمّ التّباحث مع قاضي التّحقيق حول الأسباب والتمعّن فيها حتى نقضي
على هذه الظاهرة تماما وحتى نستفيد أيضا من الإجراء... الهامّ المتمثّل في إلحاق
الإدارة العامّة للسّجون والإصلاح بوزارة العدل ويتمّ التّنسيق بين المصالح
السّجنية والمصالح العدلية لما فيه الحفاظ على حقوق المواطن... الفصل 85 سيدي الوزير،
الفقرة قبل الأخيرة جاءت انطلاقا من تطبيق للفقرة الثالثة من الفصل 116 في الواقع
الذي هو "وللدائرة الحق أيضا عند الاقتضاء في الإذن بإجراء بحث تكميلي بواسطة
أحد مستشاريها أو بواسطة حاكم التحقيق" يعني إذا رأت الدّائرة شيئا من هذا
القبيل وأحالت الملف على السيد قاضي التحقيق، النّص هنا واضح، ولكن ماذا لو أنها
قرّرت أن تحيله على أحد مستشاريها وليس على السيد قاضي التّحقيق، كيف يكون الحال
وانقضت المدّة الواجبة للإيقاف التحفّظي للمتّهم؟ شكرا سيدي الرئيس... أجيبك
بصفة عمليّة. مهما كانت الإحالة، سواء إلى قاضي مقرّر بدائرة الاتّهام أو
إلى قاضي التّحقيق، فإنّه إذا وصلنا إلى الحدّ الأقصى، وجب الإفراج.
أكون واضحا أي أنّه من حيث الأجل نعتبر قاضي التّحقيق ودائرة الاتّهام معنيّان معا
بنفس الأجل. لماذا هذا؟ لأنّ أحيانا يعتبر قاضي التّحقيق أنّه عندما يحال إليه
الملفّ من دائرة الاتهام يفتح الأجل من جديد، فالأجل يتعلّق بالتّحقيق بدرجتيه،
درجة قاضي التّحقيق ودرجة دائرة الاتّهام. حتى أكون عمليّا أكثر، نفرض أنه
لجريمة وصلنا إلى أجل 14 شهرا إلا يومين، وتمّ تعهّد دائرة الاتّهام في اليوم
السابق لهذا الأجل، فإنّ دائرة الاتّهام عليها إذا تواصل نظرها أكثر من يوم أن
تفرج." (المداولات. السنة 51 عدد 7 بتاريخ 26/11/2008
الصفحة 302 وما بعدها وخاصة ص 309 و311) وبما أن النص الغامض يفسر حسب إرادة
المشرع التي تستمد من الاعمال التحضيرية فإنه لا مجال بعد تنقيح 2008 للقول بأن
دائرة الاتهام لا تخضع لآجل الأربعة عشر شهرا كمدة قصوى للإيقاف.
-
أما المبرر الرابع فهو أن أحكام
الفقرتين الأولى والثانية من الفصل 85 م ا ج لا يوجد فيهما ما يفيد أنهما خاصين
بقاضي التحقيق فعباراتهما وردت عامة وتشمل كل الجهات المخول لها اتخاذ قرار إيقاف
تحفظي، بينما جاءت الفقرة الثالثة المتعلقة بالتمديد خاصة بقاضي التحقيق
والقراءة السليمة للنصوص تعني أمرا واحدا وهو أن قاضي التحقيق دون سواه هو من
له الحق في تمديد قرار الإيقاف بينما بقية الجهات حدها الأقصى هو ستة أشهر، وهذا
ما يفسر أحكام الفقرة الثانية من الفصل 107 مجلة إجراءات جزائية التي أبقت قاضي
التحقيق صاحب نظر في مآل بطاقة الإيداع حتى بعد إحالة الملف لدائرة الاتهام.
وهنا يمكن طرح تساؤل خطير هو: هل أن بطاقة الإيداع
الصادرة عن دائرة الاتهام غير محددة المدة؟ إذا كان الجواب نعم كما هو
جريان العمل الآن فهذا معناها أن الاستثناء صار مبدأ وأن أصل الحرية صار استثناء،
فطالما أن الأصل هو بقاء المتهم حرا فترة التتبع والتحقيق والمحاكمة فإنه لامجال
للقول بأن بطاقة الإيداع الصادرة عن دائرة الاتهام هي مفتوحة الآجل، وإنما هي حتما
ودون نقاش مقيدة بأجل الأشهر الستة الوارد في الفقرة الأولى من الفصل 85 م ا ج
وغير قابلة للتمديد، لأن التمديد سلطة قصرها المشرع على قاضي التحقيق دون سواه،
بما يعني أن كل موقوف بموجب بطاقة إيداع صادرة عن دائرة الاتهام وتجاوزت مدة
إيقافه الستة أشهر هو شخص محتجز خارج القانون.
-
والمبرر الخامس مستمد من حق
كل متهم في المحاكمة خلال مدة معقولة، وهو بمثابة المبدأ العام المكرس في
عدة مواثيق دولية وإقليمية واعتقد ان مدة 9 اشهر في الجنحة و14 شهرا في الجناية هي
مدة تتجاوز بطبيعتها المدة المعقولة وبحاجة أصلا لتخفيض وبالتالي لا يجوز تجاوزها
إطلاقا، فالعدالة البطيئة ظلم للمتهم وللضحية. إذ انه كلما
طالت مدة الإيقاف كلما تأكلت قرينة البراءة، وحتى يمكن القول انه يتعذر على القضاء
(وهو أمر ثابت في الواقع) ان يصدر حكما بالبراءة على شخص أوقف مدة تتجاوز السنة.
-
و المبرر
السادس مستمد من الرأي عدد 45 ـ 2008
للمجلس الدستوري بخصوص مشروع قانون يتعلق بتدعيم ضمانات المتهم وتطوير وضعية
الموقوفين وتيسير شروط الإدماج أنه: "حيث يتعلق موضوع مشروع القانون محل
النظر بتنقيح أحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية، … وحيث تتضمن التنقيحات والإضافات المذكورة خاصة أحكاما جديدة تتعلق
بـ...، والتنصيص على أن المدة القصوى للإيقاف التحفظي تشمل مرحلة التحقيق
وتعهد دائرة الاتهام،… وحيث يستمد من مجمل أحكام الفقرة الأولى من الفصل 12 من الدستور أنها
تحجر الإيقاف التعسفي، وحيث أن تحديد
آجال قصوى ومعقولة بالقانون للإيقاف التحفظي تشمل كامل المرحلة التحضيرية للمحاكمة،
يشكل آلية من الآليات الموصلة إلى ذلك الغرض فضلا عن أن ذلك من شأنه أن يساعد على
تحقيق قضاء ناجع، وحيث تتنزل الأحكام المتعلقة بالإفراج عن المتهم في الحالات الواردة
ضمن الفقرتين الجديدتين المذكورتين بالفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية في إطار
توفير مزيد من الضمانات المتصلة بالحرية الفردية، كما توفر الأحكام المتعلقة
بتفكيك الملف والواردة ضمن الفصل 104 مكرر المذكور ضمانات إضافية لها علاقة
بالإجراءات المتصلة بالمحاكمة العادلة وما تقتضيه من تعجيل النظر بشأن الموقوفين،
في إطار مقتضيات المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي
صادقت عليه الجمهورية التونسية والتي تنص خاصة على أنه من حق الموقوف بتهم
جزائية في أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه،...".
-
والمبرر
السابع مستمد من موقف محكمة التعقيب: فبالرجوع إلى دور هذه المحكمة العليا
يستنتج أن قرار الإيقاف التحفظي أو قرار رفض مطلب الإفراج هو قرار قضائي خاضع
للقواعد القانونية حسبما أقرته الدوائر المجتمعة بمحكمة التعقيب (القرار الجزائي عدد 5088
الصادر في 3 ديسمبر 1966)، وعند نظرها في هذه الطعون أقرت محكمة التعقيب أن مدة الإيقاف التحفظي المسموح بها قانون حددها الفصل 85 م ا ج
الذي ضبط المدة القصوى للإيقاف وهي مسألة لها علاقة بالنظام العام ومصلحة المتهم
الشرعية. ومن ذلك مثلا ما ذهبت اليه في قرارها عدد 7212-2012 المؤرخ في
28/11/2012 (غير منشور).
وفي قرارها عدد 576 بتاريخ 5/4/2013 (غير منشور) اعتبرت محكمة
التعقيب أنه:"
وحيث خلافا لما ذهبت إليه دائرة القرار المنتقد من أن التمسك بالمدة القصوى
للإيقاف التحفظي لا تصح إلا إذا كان ملف القضية تحت طائلة أبحاث جارية لدى التحقيق
بطلب من دائرة الاتهام لأنه إذا جارينا هذا التمشي في مدد الإيقاف التحفظي إلى ما
لا نهاية له عند الطعن في قرار دائرة الاتهام في مناسبات عدة –مثل قضية الحال- وهو
تفسير يمس من حرية الأشخاص ومخالف للصبغة الاستثنائية لمؤسسة الإيقاف التحفظي كما
ألمحنا اليه أعلاه ويتعارض مع مصلحة المتهم الشرعية وحقه في التمسك بالمبدأ الفقهي
الذي يؤكد على أن تفسير القواعد القانونية الإجرائية يكون لفائدة المتهم. وحيث
يكون القرار المنتقد عند اعتماده بطاقة ايداع تجاوز الإيقاف التحفظي فيها أقصى ما
يسمح به القانون طبق الفصل 85 المشار إليه يكون قد خالف قاعدة من أوكد القواعد
الكونية الاساسية وهي الحرية كما تهم مصلحة المتهم الشرعية... مما يجعل
القرار المنتقد باطلا على معنى الفصل 199 م ا ج.".
كما أكدت محكمة التعقيب في قرارها الصادر بتاريخ 12/6/2013 تحت عدد 777
(غير منشور) أنه: "حيث يتبين من الفصل 85
المذكور ان المشرع حدد صلبه المدة القصوى للإيقاف التحفظي التي بانتهائها يجب الإفراج
عنه سواء من طرف السيد المحقق او دائرة الاتهام وبالتالي فان المدة القصوى للإيقاف
التحفظي تسري عليهما فاذا انتهت المدة القصوى وهي أربعة عشر شهرا والقضية لا تزال
لدى السيد قاضي التحقيق فالمشرع حتم عليه الإفراج واذا كانت القضية عند انتهاء تلك
المدة لدى دائرة الاتهام فالمشرع حتم عليها كذلك الإفراج ذلك ان المدة المذكورة
لها علاقة بمصلحة المتهم الشرعية وبحرية الأفراد وروح التشريع في هذا الشأن الذي
يجعل من الإيقاف استثناء وليس قاعدة فالأصل في الإنسان البراءة والحرية والاستثناء
هو الإيقاف وبالتالي فان المشرع عندما حدد مدة قصوى للإيقاف التي تتطلبها الأبحاث
على مستوى قاضي التحقيق ودائرة الاتهام فان هذه المدة لا يجوز التوسع فيها او تأويل
الأحكام التي ضبطتها باي طريقة من شانها التمديد فيها لما في ذلك من مساس بالإجراءات
الأساسية وبمصلحة المتهم الشرعية التي تقتضي ان التأويل في صورة حدوثه يكون في
صالحه لا في مضرته وبالتالي فان أحكام الفصل 85 من م ا ج التي حددت مدة الإيقاف
التحفظي وهي تترجم عن إرادة المشرع الرامية إلى ضرورة إنهاء كافة إجراءات التحقيق
وتقديم المظنون فيه للمحاكمة في آجال معقولة ضبطها الفصل المبين أعلاه وهذا ما أكده
وزير العدل آنذاك إبان مناقشة القانون المذكور بمجلس النواب وتفريعا على ذلك فان
قول دائرة الاتهام بأن المشرع قصر سريان آجال الإيقاف التحفظي على دائرة الاتهام
في حالة وحيدة وهي حالة إرجاع القضية الى قاضي التحقيق لإنجاز بعض الأعمال وفق
الفقرة الرابعة من الفصل 85 عندها فقط تكون دائرة الاتهام ملزمة بالإفراج عند
تجاوز مدة الإيقاف التحفظي لا يستقيم قانونا ذلك ان المشرع حدد مدة الإيقاف
التحفظي بصفة عامة والتي يجب ان لا تتجاوز اربعة عشر شهرا والإفراج يتحتم في صورة
تجاوزها سواء كانت القضية مباشرة لدى السيد المحقق او أرجعت اليه من طرف الدائرة
او لا تزال منشورة لديها والمشرع عندما نقح الفصل 85 بموجب القانون عدد 75 لسنة
2008 المؤرخ في 11-12-2008 كان بغاية دعم الضمانات الممنوحة للمتهم في التحقيق
بمرحلتيه ولو جارينا دائرة الاتهام فيما ذهبت اليه فإننا سنجد انفسنا أمام
إيقاف لا نهاية له خاصة اذا تولى الموقوف الطعن بالتعقيب اكثر من مرة كل
طعن منها مستند إلى سبب وبالتالي يصبح حسب دائرة الاتهام التنقيح المذكور لا جدوى
منه والحال ان القوانين محمولة على ان تكون مجدية وضامنة للمحاكمة العادلة التي
تتطلب فيما تتطلب ان تكون مدة الإيقاف التي هي بمثابة الاستثناء، محددة ومضبوطة
وبالتالي فان تجاوز المعقبين المدة القصوى للإيقاف التحفظي فيه مساس بمصلحتهم
الشرعية ومخالف للإجراءات الأساسية مما يتعين معه نقض القرار في هذا الخصوص كذلك
وقرار رفض مطلب الإفراج في حقهم بات مخالفا للفصل 85 من م ا ج الذي حتم الإفراج في
حال تجاوز مدة الإيقاف التحفظي".
لكن
إهمال الالتزام بأقصى مدة الإيقاف التحفظي من قبل دائرة الاتهام ثم المحكمة هو
بمثابة جريان العمل الثابت على الرغم من أنه مخالف للنظام العام وقواعد الإجراءات
الأساسية ومصلحة المتهم الشرعية ويتعين تجاوزه وهجره كما
أنه من واجب محكمة التعقيب في هذه الفترة أن تعطي قرارا واضحا فيما يتعلق بأقصى
مدة الإيقاف وان تؤكد ان مدة الإيقاف تشمل كل أطوار التحقيق والمحاكمة طالما لم
يصدر حكم بالسجن مع التنفيذ الوقتي. فوجود قواعد الإيقاف التحفظي في الباب المخصص للتحقيق من مجلة الإجراءات
الجزائية لا يفيد بحال أن التحقيق وحده هو المعني
بهذه القواعد. وربما تكون ممارسة الطعون فرصة للحد من التجاوزات المشار إليها
أعلاه.
II-
ثورة طعون
الإيقاف التحفظي
كأي قرار قضائي يخضع قرار الإيقاف التحفظي لرقابة السلطة
الاعلى، وهذه الرقابة تتم من خلال الاستئناف أو التعقيب. كما يمكن أن تكون الرقابة
من جهة قضائية أخرى عبر دعوى البطلان.
أ-
الاستئناف
(الطعن المبتور)
ينص الفصل 85 م ا ج على أنه:
"يمكن إيقاف المظنون فيه إيقافا تحفظيا في الجنايات والجنح المتلبس بها،
وكذلك كلما ظهرت قرائن قوية تستلزم الإيقاف باعتباره وسيلة أمن يتلافى بها اقتراف
جرائم جديدة أو ضمانا لتنفيذ العقوبة أو طريقة توفر سلامة سير البحث.
والإيقاف التحفظي في الحالات
المنصوص عليها بالفقرة السابقة لا يجوز أن يتجاوز الستة أشهر.
وإذا اقتضت مصلحة البحث إبقاء
المظنون فيه بحالة إيقاف، يمكن لقاضي التحقيق بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية وبمقتضى
قرار معلل، تمديد فترة الإيقاف بالنسبة إلى الجنحة مرة واحدة لا تزيد مدتها على
ثلاثة أشهر وبالنسبة إلى الجناية مرتين لا تزيد مدة كل واحدة على أربعة أشهر.
والقرار القاضي بما ذكر قابل
للاستئناف...".
وحسب ما هو معمول به فإن القرار القاضي بتمديد فترة الإيقاف للمرّة الأولى
والأخيرة بالنسبة للجنحة وللمرّة الأولى أو الثانية والأخيرة بالنسبة للجناية قابل
للإستئناف لدى دائرة الإتهام[9].
أما قرار الإيقاف بحد ذاته فهو غير قابل للاستئناف، وهذا أمر غير منطقي إذ كيف
يحرم من صدر ضده قرار ايقاف من الطعن فيه فورا، ويطلب منه أن يتقدم بمطلب افراج
مؤقت، فهل من الحكمة ان يطلب ممن اتخذ قرار الإيقاف اليوم أن يعود ويتخذ قرارا
بالافراج في ذات اليوم أو على أقصى تقدير في ظرف أربعة أيام؟ وهذا إن حصل فعلا فلا
يعني إلا أن قرار الإيقاف أو قرار الافراج كان متسرعا وفي غير طريقه، لذا فالمنطق
يقضي بأن يفتح باب الاستئناف فورا ضد قرار الإيقاف وهو باب تسمح الصياغة العربية
للفصل 85 سالف الذكر بالمرور منه لأن عبارات الفقرة الثالثة منه "
والقرار القاضي بما ذكر قابل للاستئناف" لا يوجد فيها ما يدل على انها مرتبطة فقط بقرار
التمديد بل تشمل كل ما سبقها أي قرار الإيقاف وقرار التمديد، وعملا بأحكام قانون
جويلية 1993 فإن النص العربي هو المعتمد دون سواه والنص الفرنسي للاعلام فقط. لهذا
يمكن القول أن منع استئناف قرار الإيقاف هو نوع من إلغاء حق يقره نص صريح.
هذا
وإضافة إلى حقّ الطعن المذكور يجوز لوكيل الجمهورية أن يطعن بالإستئناف فقد تضمن
الفصل 87 من مجلة الإجراءات الجزائية بعد تنقيحه بالقانون عدد 70 لسنة 1987 المؤرخ
في 26 نوفمبر 1987 الأحكام التالية:"القرار الصادر عن قاضي التحقيق في قبول
أو رفض مطلب الإفراج المؤقت يقبل الإستئناف لدى دائرة الإتهام من طرف وكيل
الجمهورية أو القائم بالحق الشخصي أو المظنون فيه كما يقبل الإستئناف من الوكيل
العام.
وإستئناف
وكيل الجمهورية يحول دون تنفيذ قرار الإفراج.
أما
إستئناف الوكيل العام والقائم بالحق الشخصي فلا يحولان دون تنفيذ ذلك القرار.".
وإضافة
إلى حقّ الطعن المذكور يجوز لوكيل الجمهورية أن يطعن بالإستئناف لدى دائرة الإتهام
في القرار المخالف لطلباته عندما يأخذ حاكم التحقيق رأيه بخصوص إصدار بطاقة إيداع
المتهم بالسجن بعد إستنطاقه طبقا لأحكام
الفصل 80 من مجلة الإجراءات الجزائية. وهنا سيكون طعن النيابة العامة لفائدة
المتهم إذ هي تطعن في قرار الإيقاف الذي طلبت عدم اتخاذه، وهذه الصورة على ما فيها
من بيان للدور الحقيقي للنيابة فهي شبه مهجورة.
ب-
التعقيب (الطعن
المحظور)
إن
الجدل العقيم الذي يخوض فيه البعض حول إمكانية الطعن بالتعقيب في قرار الإيقاف
التحفظي من عدمه، حسمته محكمة التعقيب منذ ستينيات القرن الماضي حسبما أقرته بقرار
الدوائر المجتمعة عدد 5088 الصادر في 3 ديسمبر 1966 والذي جاء فيه: "إن القرارات الصادرة من قلم
التحقيق أو دائرة الاتهام في مطالب الإفراج عن الموقوفين هي قرارات قضائية خاضعة
لقواعد قانونية (الفصل 58 وما بعده من قانون المرافعات الجنائية الذي عوضته
سنة 1969 مجلة الإجراءات الجزائية) يجب احترامها لصحة القرار. وتأسيسا
على ذلك فان القرارات الصادرة في هذا الشأن عن دائرة الاتهام قابلة للطعن بطريق
التعقيب فتنظر محكمة التعقيب فيها لمراقبة صحّة تطبيق تلك القواعد القانونية وصحة
تطبيق النصّ القانوني على الجريمة المنسوبة للمتهم. أما اتجاه مطلب الإفراج من
عدمه فلا شأن لها فيه إذ أن ذلك يرجع فيه لتقدير الوقائع وظروف القضية وخطورتها
ومصلحة سير العدالة وهي أمور أوكلها القانون لاجتهاد قاضي الموضوع وحسن
تبصّره." كما أكّد ذلك قرار تعقيبي لاحق (التعقيب الجزائي عدد 6912 المؤرخ في
04 جوان 1969): " إن الطعن بالتعقيب في قرار دائرة الاتهام المتعلقة بالإيقاف
والإفراج المؤقت لا يقبل إلا إذا كان الطعن مؤسسا على خرق النصوص القانونية التي
طبقت قواعد الإيقاف والإفراج المؤقت حسبما ذهب إليه اجتهاد محكمة التعقيب
بقرارها الصادر عن دوائرها المجتمعة في 03 ديسمبر 1966 تحت عدد 5088. ولا جدال في
وجاهة الإيقاف من عدمه لأنه جدال موضوعي لا شأن لمحكمة التعقيب به ".
ففقه القضاء (على ندرته قبل
الثورة) كان يسمح للمتهم بأن يطعن في قرارات الإيقاف التحفظي ورفض مطلب الإفراج (مع انه يمنع مناقشة
وجاهة الإفراج من عدمه) لكن جريان العمل في المحاكم ظل يصنف قرارات الإيقاف أو
قرارات رفض مطالب الإفراج على أنها قرارات شكلية لا علاقة لها بالأصل وبالتالي فإن
الطعن فيها هو طعن شكلي وطالما أن الفصل 120 م ا ج يسمح بالطعن بالتعقيب في قرارات
دائرة الاتهام حسب الشروط المقررة بالفصل 258 وما بعده م ا ج الذي
يبيح فقط تعقيب الأحكام والقرارات الصادرة في الأصل فإن المتهم حرم من حقه في
الطعن بالتعقيب وبصفة عامة لم يكن المحامون يميلون الى تعقيب قرارات الإيقاف أو
رفض الإفراج لما يتطلبه ذلك من وقت يتعطل خلاله البحث وتطول معه مدة الإيقاف.
وبالتالي كانت أغلب الطعون الموجهة لقرارات الإيقاف أو رفض الإفراج تتزامن مع
الطعن في قرار دائرة الاتهام برمته.
لكن ما يجب الانتباه إليه
وأخذه بعين الاعتبار عند مناقشة إمكانية الطعن في قرار الإيقاف التحفظي أنه منذ
تنقيحي 1987 و2008 أصبح قرار الإيقاف وقرار التمديد واجبي التعليل، وبالتالي فإن
موقف بعض رجال القانون ومحكمة التعقيب الذي يمنع مناقشة وجاهة القرار صار في غير
طريقه وأصبحت وجاهة القرار او وجاهة التمديد تخضع لرقابة محكمة التعقيب ولكن
هذا لم يقع العمل به عمليا إلا بعد الثورة. انطلاقا من أنه يفترض بعد تنقيح 2008
المتعلق بوجوبية تعليل قرار الإيقاف انه صار من صلاحية محكمة التعقيب مراقبة حسن
التعليل كما تفعل في أمور أخرى.
لكن
محكمة التعقيب قررت في القرار التعقيبي الجزائي عدد 5991 بتاريخ 02/11/2012 (غير
منشور) أنه:"حيث
نص الفصل 120 م ا ج على أنه يمكن الطعن بالتعقيب في قرارات دائرة الاتهام حسب
الشروط المقررة في الفصل 258 وما بعده م ا ج وحيث اتضح بالاطلاع على مقتضيات الفصل
258 المشار اليه أن المشرع خول الطعن بالتعقيب في الاحكام والقرارات الصادرة في
الأصل نهائيا ولو تم تنفيذها وذلك بناء على عدم الاختصاص
أو الإفراط في السلطة أو خرق القانون
أو الخطأ في تطبيقه. وحيث تبين بالرجوع الى القرار المنتقد أن دائرة الاتهام تعهدت
بالنظر في مطلب الافراج المقدم من طرف نائب المظنون فيه باعتبار ان هذا الأخير كان
بحالة ايقاف واقتصر نظرها على هذا المطلب دون النظر في الاصل وقد تولت المحكمة رفض
المطلب وبالتالي لم يصدر عنها أي قرار نهائي في أصل موضوع القضية مما يجعل مطلب
التعقيب مرفوضا شكلا".
إلا
أنها سرعان ما تراجعت عن موقفها هذا، ففي القرار التعقيبي الجزائي عدد 5499 بتاريخ
13/11/2012 (غير منشور) أقرت محكمة التعقيب أنه:"وحيث إن القول بكون الفصل 258 م ا ج اشترط أن يكون
القرار أو الحكم القابل للطعن بالتعقيب صادرا في الأصل فإن ذلك الحق هو مخول
للمحكوم عليه سواء بالبراءة أو الادانة إلى جانب بقية الاطراف التي نص عليها
المشرع. وبالتالي يفهم من هذا الفصل وأن الطرف الذي لم يصدر ضده حكم أو قرار نهائي
لا يخضع لهذا القيد شأنه في ذلك شأن المظنون فيه لدى طور الاتهام. ذلك أن دائرة
الاتهام لا تصدر إطلاقا قرارات قاضية في الأصل وبالرغم من ذلك فإنها لم تفقد حقها
في الطعن بالتعقيب في حدود القيود التي ضبطها الفصلين 259 و260 م ا ج. وحيث ترتيبا
عما تقدم فإن القرار القاضي برفض مطلب الإفراج أو إصدار بطاقة ايداع هو قابل للطعن
فيه بهاته الوسيلة خاصة وأن هذا القرار لا يمكن أخذه إلا في حدود الشروط التي
حددها الفصل 85 م ا ج وهو قرار مرتهن بشرط التعليل مما يجعله خاضعا لرقابة محكمة
القانون لبيان مدى احترامه لقواعد الإجراءات الأساسية والنصوص القانونية المنظمة للإيقاف،
الأمر الذي لا يتيسر إلا بوسيلة الطعن بالتعقيب".
فتعقيب قرارات دائرة الاتهام المتعلقة بالإيقاف أو تمديده
سواء بصفة منفصلة أو متصلة بقرار دائرة الاتهام يجعل محكمة التعقيب معنية بمراقبة
حسن تطبيق قواعد الإيقاف التحفظي وجعلها خاضعة لرقابتها ويمكن القول ان محكمة
التعقيب أظهرت أن الحق لديها يعلو ولا يعلى عليه فهي من أقل الجهات القضائية تأثرا
بالضغوطات الخارجية خاصة بعد الثورة وقد أعادت للقضاء حياده واعتباره ونتمنى ان
يتواصل الأمر على هذا النحو".
وتمسكت
محكمة التعقيب بنفس الموقف في قرارها الجزائي عدد 90917 بتاريخ 25/04/2012 إذ قررت :" وحيث لا جدال في أن محكمة التعقيب تسهر
على حسن تطبيق القانون وتراقب مدى سلامته تطبيقه من طرف قضاة الأصل كما أنه لا
جدال في أن المشرع لما أوجب تعليل قرار الإيقاف التحفظي دون سواه من القرارات وأجاز
استئنافه لدى دائرة الاتهام إنما كان مقصده وغايته تمكين دائرة الاتهام ومن بعدها
محكمة التعقيب من مراقبة حسن تطبيق النصوص القانونية المنظمة للإيقاف. وحيث إن
القول بعدم إمكانية الطعن بالتعقيب يعني الحيلولة دون تمكين محكمة التعقيب من
ممارسة دورها".
وقد
عللت محكمة التعقيب موقفها في هذا القرار بما يلي:
1- ما لم يستثنه المشرع
صراحة يبقى جائز والفصل 258 م ا ج لم يستثن قرارات دائرة الاتهام.
2- الإيقاف التحفظي وسيلة
استثنائية تحكمه قواعد دقيقة منها واجب التعليل فهو يتخذ بموجب قرار قضائي قائم
بذاته.
3- ان عبارة "في
الأصل" الواردة بالفصل 258 م ا ج وردت مطلقة وتفهم على إطلاقها ولا مجال
لحصرها، والقرارات الصادرة في موضوع الإيقاف التحفظي هي قرارات صادرة في أصل مبدأ
الحرية وبالتالي تنضوي تحت الفصل 258 م ا ج.
ج-
دعوى البطلان
(الطعن المهدور)
ينص
الفصل 83 م ا ج على أن: "عدم مراعاة الصيغ القانونية في تحرير البطاقات
القضائية لا يترتب عنه بطلانها إلا أن ذلك يوجب المؤاخذة التأديبية
والغرم عند الاقتضاء.
ويكون
البت في كل نزاع يتعلق بموضوع البطاقة أو بمدى مساسها بالحرية الفردية من اختصاص
القضاء العدلي وحده".
ويستفاد
من هذا النص ظاهريا أمرين:
1- إن الأخطاء الشكلية في
تحرير بطاقة الإيداع لا توجب بطلانها قانونا وإنما فقط ينتج عنها مسؤولية تأديبية
ومدنية لمحررها (وهذا أمر غريب لن نناقشه الآن).
2- الطعن في بطاقة الإيداع
غير ممكن أمام القاضي الإداري وإنما فقط لدى القاضي العدلي.
والملفت
للانتباه أن هذا النص رغم أنه الفصل الوحيد في مجلة الإجراءات الجزائية الذي تضمن
مصطلح "الحرية الفردية" فإنه لم يلق حظه في التطبيق.
فإذا
تجاوزنا المعنى الظاهر إلى المعنى الحقيقي للنص فإننا يمكن أن نقول إنه نص يفتح
الباب أمام طعن جوهري في بطاقة الإيداع وهو البطلان على أساس المس بالحرية الفردية.
بحيث أنه بإمكان كل شخص وقع المس من حريته بموجب بطاقة إيداع غير قانونية أن يلجأ
للقضاء ويطلب إبطالها، باعتبار وأنه إذا كان الخلل الشكلي في التحرير لا يوجب
البطلان حسب الفقرة الأولى فإن الخلل الجوهري المؤدي لانتهاك الحرية الفردية يستوجب
البطلان حتما حسب الفقرة الثانية.
وبما
أنه لا وجود لأي نص حدد الجهة المختصة بالنظر في بمدى مساس بطاقة الإيداع ذاتها
بالحرية الفردية عند إصدارها من قاضي التحقيق أو من دائرة الاتهام، فإنه لا
بد من الرجوع إلى محكمة الاختصاص الشامل وهي المحكمة الابتدائية.
وفي
الختام يمكن القول إن ثورة التشريع في ميدان الإيقاف لا يجب ان تتوقف وعلى المشرع
اليوم أن يتدخل ليواكب ثورة فقه قضاء محكمة التعقيب خاصة، وأن يضبط نظاما قانونيا
متكاملا للإيقاف التحفظي ينص صراحة على وجه الخصوص أنه يشمل كامل مدة ومراحل
المحاكمة، ومنح سلطة الإيقاف لهيئة قضائية ثلاثية وجعل قرارها قابل للاستئناف
والتعقيب مع ضبط آجال مختصرة للنظر في الطعون الموجه ضد قرارات الإيقاف التحفظي.
[2]
) إن وسيلة الإيقاف
التحفظي هي بطاقة الإيداع وهي إحدى البطاقتين القضائيتين اللتين تعرّضت لهما مجلّة
الإجراءات الجزائية وهما بطاقة الجلب وبطاقة الإيداع. أنظر: محمد الهادي كرو،
معضلة الإيقاف التحفظي. مجلة حوليات العلوم القانونية الصادر عن كلية العلوم
القانونية والاقتصادية والتصرف بجندوبة. عدد سنة 2010.
[4] ) الذهبي العباسي
الإيقاف التحفظي وانعكاساته على الحريات العامة. القضاء والتشريع عدد 6 جوان 1977 صحيفة
09 وهو عند كتابة المقال يشغل خطة وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس
[5] ) محمد الحبيب بودن:
القضاء والتشريع جويلية 1971 صحيفة 11 ـ وهو عند كتابة المقال يشغل خطة حاكم
الناحية بمنزل تميم
[6] ) الطاهر المنتصر في
التحقيق القضاء والتشريع العدد 6 السنة 24 وهو عند كتابة المقال يشغل خطة المساعد
الأول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس
[7] ) الهادي سعيّد:
الشريعة والعقاب وما يضمنه القانون التونسي للمتهم في مستوى التتبع. القضاء
والتشريع عدد 06 جوان 1982 صحيفة 17 وهو عند كتابة المقال يشغل خطة وكيل الدولة العام ومدير المصالح العدلية بوزارة العدل
ورئيس الإتحاد الدولي للقضاة
[8] )
أنظر مقاله المذكور اعلاه. ويضيف استاذنا الفاضل في الهامش توضيحا مفاده:" أما إذا اقتضت الحاجة إلى إصدار بطاقة الإيداع بسبب عدم حضور المتهم الذي
سبق الإفراج عنه بعد قضاء كامل مدّة الإيقاف التحفظي بالسجن وقد أستدعي لحضور
الجلسة كما يجب فإنه يجوز للمحكمة في هذه الصورة إصدار بطاقة جلب ضدّه علما وأن في
هذه الصورة يتم فيها الإفراج حالا عن المتهم بعد إحضاره في كلّ الأحوال".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق