2013/08/06

القطب القضائي المالي: هل هو هيكل خارج القانون؟

الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية                                    

رغم أن بعث هيكل قضائي متخصص في القضايا المالية كان من الإصلاحات التي طالب بها القضاة والحقوقيون عقب الثورة، وكان المقترح هو إحداث هيئة قضائية متخصصة دائمة لمحاكمة كل أوجه الفساد، بما يضمن محاسبة فاعلة وناجعة لكل حالات الفساد المالي والإداري والسياسي، وأن تتوفر لهذه الهيئة هيكلة متكاملة تستجيب لخصوصية عملها (على الأقل في المرحلة الاستقرائية أي باحث البداية وقاضي التحقيق ودائرة الاتهام ونيابة عامة وخبراء) وأن ترصد لها إمكانيات مادية وبشرية تساعدها على المكافحة القضائية لجرائم الفساد التي تتميز بتشعبها وبصبغتها العابرة للحدود.[1]
وفي هذا السياق وقع الاعتقاد أن ما أعلنت عنه وزارة العدل التونسية يوم 10 جانفي 2013 من انتهائها من الإعداد المادي لمشروع القطب القضائي المتخصص في قضايا الفساد يستجيب لما هو مطلوب. خاصة وأن المصادر الرسمية بينت في وسائل الإعلام أن الهيكل القضائي المستحدث سيتعهد بالبحث في قضايا الفساد المالي ومساءلة الفاسدين ومحاسبتهم وهو ما سيسرع عملية فتح ملفات الفساد الكثيرة و تطبيق القانون[2]
وعندما وقع الاعلان رسميا عن انطلاق العمل في القطب يوم الثلاثاء 19-02-2013 كانت المفاجأة. فالمؤشرات الأولية تشير إلى أن المنجز جاء دون المأمول إن لم نقل مخيبا للآمال ومتعارضا مع جملة من المبادئ والأصول القانونية التي تعتبر من حقوق الإنسان الأصيلة التي لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها.
وحتى لا نطيل نمر مباشرة لاستعراض جملة المبادئ والأصول الإجرائية التي لم يقع مراعاته عند إحداث القطب القضائي المالي وذلك انطلاقا من الخرق الحاصل للقانون (I)، وغياب نظام قانوني واضح ومتكامل لعمل القطب (II).

I-خرق أحكام القانون:

وهو خرق يطال كل من القانون الوطني، والقانون الدولي.

أ-      خرق أحكام القانون الوطني:

والمقصود بهذه الأحكام تحديدا القانون المؤقت المنظم للسلط العمومية، ومجلة الإجراءات الجزائية.

  1-   خرق القانون التأسيسي المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية

ينص الفصل 6  من القانون التأسيسي المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية على أنه: "تتخذ شكل قوانين أساسية النصوص المتعلقة بـ:... تنظيم القضاء...
 تتخذ شكل قوانين عادية النصوص المتعلقة بـ:...  الإجراءات أمام مختلف أصناف المحاكم،...".
ويستخلص من هذا الفصل أن أي تعديل في التنظيم القضائي أو في الإجراءات أمام مختلف المحاكم لا يجوز إلا بقانون، وقد بينت وزارة العدل أنها لم تتمكن من بعث محكمة مختصة (إنما فقط قطب) لكون ذلك يستوجب إجراءات قانونية لم تنتهجها، فإحداث محكمة جديدة يفترض صدور نص قانوني بهذا الشأن وهو ما لم يحصل. وفي ظل غياب قانون محدث تراءى للوزارة ان تعلن أن القطب القضائي ليس في واقعه إلا فضاء يستقل مكانيا عن المحكمة الابتدائية بتونس دون أي استقلال وظيفي عنها.  وأن هذا القطب أتى فعليا استجابة  لرغبة في معالجة البطء بالبت في قضايا الفساد المالي التي طالت عددا من مسؤولي النظام السابق ورجال الأعمال دون أن يؤسس لرؤية إصلاحية فعلية للمنظومة القضائية.
فعدم أحداث القطب بموجب قانون كان نتيجة عدم انتهاج الوزارة المسلك الصحيح (رغم أن الوقت كان يسمح بذلك)، ولتجنب الظهور بمظهر المخالف للقانون أعلنت الوزارة ان هذا القطب هو جزء من المحكمة الابتدائية تونس 1 فهل هذا صحيح ومقبول؟
أولا- لا يمكن مخالفة القانون بحجة ضيق الوقت، خاصة وان الإعلان عن فكرة القطب القضائي تم منذ شهر أوت 2012 تقريبا، فيما وقع الإعلان عن بدأ نشاط القطب في منتصف شهر فيفري 2013 (بفارق قرابة ستة أشهر) وهذه مهلة كافية لإعداد مشروع قانون وعرضه على المجلس التأسيسي.
ثانيا- هل أن القطب غير مستقل وظيفيا عن المحكمة الابتدائية بتونس؟
سيكون الجواب ضرورة بالنفي، بل هو مستقل حتما إذ يفترض أنه سيحتكر النظر في فئة معينة من المتهمين وصنف معين من التهم، وهو ما يجعله هيكلا ذو مرجع نظر تحقيقي ابتدائي خاص.
فالقطب القضائي المالي ليس إلا هيئة قضائية استثنائية من حيث مرجع النظر وهو ما سيؤدي إلى اضطراب في التنظيم القضائي وإجراءات التقاضي كان بالإمكان تجاوزهما لو وقع إحداثه بقانون لا بمقتضى قرار تنفيذي صادر عن وزير العدل، وطالما لم يحدث بقانون فإنه مبدئيا هيكل خارج القانون.

2-   خرق أحكام مجلة الإجراءات الجزائية

وأوجه الخرق هذه تنحصر أساسا في خرق الفصلين 49 و51.

أولا- وكيل الجمهورية هو المؤهل قانونا لتكليف أحد قضاة التحقيق لا وزير العدل

في الندوة الصحفية[3] التي عقدتها النيابة العامة يوم الإعلان عن انطلاق  عمل القطب أشار أحد مساعدي وكيل الجمهورية إلى أن:" القطب يعمل  في الوقت الحالي في اطار ما ورد في الفصل 48 من مجلة الإجراءات الجزائية باعتبار القطب جزء لا يتجزأ من المحكمة الابتدائية بتونس و هو فصل يخول قرار تسمية بعض القضاة و تعيينهم للنظر في بعض القضايا المعينة".
ويبدو أن هذا الاطار لا يستقيم قانونا فالفصل 48[4] يتعلق بتعيين القضاة في خطة قاضي تحقيق ولا علاقة له إطلاقا بتعهد قاضي تحقيق للبحث في قضية ما، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن التعيين المؤقت لأحد القضاة بموجب قرار للبحث في قضايا معينة مشروط بتوفر حالة ضرورة وفي جميع الاحوال فإن المقصود بالفصل 48 هو تولي خطة قاضي تحقيق وليس تعيين من هو في خطة قاضي تحقيق ليتعهد بقضية ما، وهو الأمر الذي يبقى خاضعا لمقتضيات الفصل 49 من مجلّة الإجراءات الجزائية دون سواه، فالتعيين في الخطة يتم بأمر مبدئيا وعند الضرورة وبصفة وقتية فإن التعيين يمكن أن يقع بقرار، ولكن تعهد قاض ما ليكلف بالبحث في قضية فإنه يتم بموجب قرار في إجراء بحث يصدره وكيل الجمهورية دون سواه.
إذ ينص الفصل 49 على أنه: "إذا كان بالمحكمة عدة حكام تحقيق فإن وكيل الجمهورية يعين لكل قضية الحاكم المكلف بالبحث فيها".
وبالرجوع إلى الطريقة التي تم بموجبها اختيار قضاة التحقيق الذين التحقوا بالقطب يتبين وان ذلك حصل بموجب مذكرة عمل صادرة عن وزير العدل، وهذه المذكرة ليست أمرا على معنى الفصل 48 ولا تتوفر فيها شروط اتخاذ القرار (فهي ليست وقتية ولا وجود لحالة ضرورة تبررها)، كما أنها ليست قرارا في إجراء بحث على معنى الفصل 49.
مما يعني أنه لم يقع احترام مقتضيات الفصل 49 المذكور، لأنه ولو تم القبول (تجاوزا) بالرأي القائل أن القطب هو جزء من محكمة تونس 1 الابتدائية فهذا يعني أن يبقى لوكيل الجمهورية حرية مطلقة في اختيار احد قضاة التحقيق الذين وقع تعيينهم في المحكمة عموما، لا أن يجد نفسه مجبرا على اختيار واحد من بين عشرة ضبطتهم مذكرة وزارية فهذا مخالف لصريح القانون ويسمح للمتهم بالطعن في شرعية تعهد قاضي التحقيق، وهو ما سيعقد الإجراءات ويزيد في طول فترة التحقيق.

ثانيا- لا يمكن قانونا سحب ملفات سبق وان تعهد بها قضاة تحقيق أخرين إلا بموجب قانون

ينص الفصل 51 م ا ج فقرة 1: "تعهد القضية بصفة لا رجوع فيها لحاكم التحقيق بمقتضى قرار في إجراء البحث". ويستفاد من هذا الفصل أن أي قضية أتخذ فيها قرار في إجراء بحث وتعهد بها قاضي تحقيق معين فإنه لا مجال لأن تسحب القضية ممن هو متعهد بها إلا بإحدى طريقتين:
الأولى- هي حالة الفصل 294 من مجلة الإجراءات الجزائية ونصه: "لمحكمة التعقيب بناء على طلب من وكيل الدولة العام أن تأذن في الجنايات والجنح والمخالفات بسحب القضية من أية محكمة تحقيق أو قضاء وبإحالتها على محكمة أخرى من الدرجة نفسها وذلك مراعاة لمصلحة الأمن العام أو لدفع شبهة جائزة". وهي حالة لا تعنينا هنا، ومع هذا فإن السحب في هذه الحالة يتطلب قرار من أعلى محكمة في التنظيم القضائي لضمان رقابة قضائية تحول دون أية شبهة.
الثانية- بموجب قانون، أي أن يصدر قانون بإحداث محكمة ما ويقع التنصيص فيه صراحة على إحالة جميع الملفات من المحاكم القائمة إلى المحكمة المحدثة.
وهو الحل الممكن الذي لم يقع اعتماده بالنسبة للقطب القضائي المالي.
فحكم القانون لا يمكن تجاوزه إلا بموجب قانون أخر لاحق.
ويستخلص مما سبق أن قضايا الفساد وقضايا أركان النظام السابق ورجال الأعمال، التي هي محل تعهد الآن من قبل قضاة لم يقع إلحاقهم بالقطب لا يمكن أن تكون من أنظار القطب القضائي المالي وهو ما يدفعنا للتساؤل عن شرعية وجدوى أحداث هذا القطب بقرار تنفيذي؟!.
فالقرار التنفيذي لا يضمن توحيد الإجراءات ومرجع النظر من جهة، ومن جهة أخرى فإنه قرار لا دستوري لتعارضه مع الدستور الصغير أي التنظيم الوقتي للسلط العمومية.

ب‌-  خرق أحكام القانون الدولي لتعارض القطب مع الحق في القاضي الطبيعي:

لقد حاولنا فيما سبق بيان أوجه التعارض بين أحداث القطب والنصوص القانونية سارية المفعول من جهة، وبيان الحلول الممكنة لتجاوز بعض تلك الإشكالات وهي حلول يمكن حصرها في ضرورة أحداث القطب بقانون ينظمه.
لكن على فرض أنه صدر مثل هذا القانون فهل سيكتسي القطب الشرعية اللازمة؟
من الضمانات الأساسية التي تنص عليها عادة المواثيق الدولية والدساتير الوطنية باعتباره العمود الفقري لاستقلال القضاء هو حق المتقاضين في أن تنظر دعواهم أمام قاضيهم الطبيعي ، إحتراما لمبدأ الفصل بين السلطات أي استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية والتنفيذية، فكل تدخل من أي من هاتين السلطتين في اختصاص القاضي بمناسبة دعوى معينة، يعد اعتداء على سلطة القضاء.
ويأتي هذا التدخل في شكل انتزاع دعوى من قاضيها الطبيعي طبقا لإحكام القانون الذي حدد اختصاصه، وجعلها من اختصاص قاضي آخر، ويعد هذا الانتزاع المفتعل للولاية، أو الإضفاء المصطنع للاختصاص، مساسا باستقلال القاضي صاحب الاختصاص الأصيل، بل يتضمن عدوانا على استقلال القاضي غير الأصيل وحياده الذي أصبحت الدعوى من اختصاصه بطريق الافتعال. لذلك فان مبدأ القاضي الطبيعي مكمل لمبدأ استقلال القضاء، ويعد أيضا نتيجة حتمية لمبدأ المساواة أمام القضاء الذي يأبى إلا أن يتساوى الناس أمام قضاء واحد ويحاكمو وفق إجراءات موحدة. 
فحق الإنسان في اللجوء إلى القاضي الطبيعي حق أصيل يرتبط بصفة الإنسانية ويؤدي بالضرورة إلى أن لكل فرد الحق بأن لا يجبر على المثول أمام قاض غير قاضيه الطبيعي، وقد أصبح هذا المبدأ من المبادئ الأصولية العليا، بل لعله المبدأ الأول الذي يهيمن على كل نظام قضائي أيا كانت فلسفة هذا النظام .
ولكن من هو القاضي الطبيعي بالنسبة لجرائم الفساد المالي؟
القاضي الطبيعي هو القاضي المنوط به الفصل فيما ينشأ من منازعات أمام المحاكم العادية، بمعنى وجود محكمة تأسست وتحدد اختصاصها بقانون، وذلك قبل وقوع الجريمة، وكون هذه المحكمة أيضا دائمة دون تقييدها بفترة زمنية معينة .
ومن هذا التعريف يتضح أن حق الفرد باللجوء إلى القاضي الطبيعي يعني عدم إنشاء محاكم استثنائية، والاحتكام إلى القضاء العام المختص بجميع الجرائم ويشتمل اختصاصه كل المتهمين. وبالتالي يعد انتهاكا لهذا الحق مثول شخص أيا كان شأنه أمام محاكم تتميز جرائم المتهمين المحالين أمامها بطابع خاص، وهي جرائم غالبا ما تكون ذات بعد أو خلفية سياسية، وإن غلفت بغلاف الحق العام أو مقاومة الفساد.
وبالرجوع الى التصريحات التي رافقت الإعلان عن هذا القطب يتبين وأنه هيئة قضائية خاصة بفئة معينة من الأشخاص وبنوعية خاصة من الجرائم، أحدث بعد ارتكاب تلك الجرائم وللتعامل معها فقط، وعلى درجة تحقيق واحدة فقط، ودون نظام قانوني واضح ومتكامل وهو ما يعد خرقا واضحا للحق في القاضي الطبيعي.

II-  غياب نظام قانوني واضح ومتكامل:

وهذا الغيب يبرز خاصة على مستوى غموض مرجع النظر، وغياب هيئة قضائية متكاملة.

  أ‌-      مرجع نظر غامض

وهو غموض يشمل مرجع النظر حكميا وترابيا.

1-    مرجع النظر الحكمي:

هل سيتعهد هذا القطب بالجرائم بناء على معيار شخصي أم موضوعي؟
أي هل ستحال إليه القضايا المتعلقة بالرئيس السابق وعائلته وأصهاره ووزرائه؟
أم ستحال إليه جرائم بعينها مثل جرائم تبيض الأموال وجرائم الفصول 96 وما بعده و83 ومابعده من المجلة الجزائية بغض النظر عن شخص مرتكبها؟
مبدئيا وحسب ما يبدو لا هذا ولا ذاك في المطلق، وإنما كليهما معا وحسبما اتفق!!!.
أي نعم لأن ما تسرب إلى علم المحامين حتى الآن يدل على ذلك فالوزير فلان محال في قضيتين مختلفتين على أساس الفصل 96 م ج، الأولى لدى قاضي تحقيق ألحق بالقطب فانتقلت معه، والثانية بلغت مراحل متقدمة لدى قاضي تحقيق لم يلحق بالقطب فبقيت معه... وذاك وزير أخر متهم بجريمة ليس لها طابع مالي وإنما هي جريمة حق عام بامتياز ومع ذلك انتقلت إلى القطب برفقة القاضي المكلف بها...
والسؤال هنا هل توجد قائمة فيمن سيحالون على القطب القضائي دون سواهم؟ وهل توجد قائمة في الجرائم التي سيتعهد بها القطب؟
في العلن: لا جواب حتى الآن. إلا ما تسرب في الندوات الصحفية من تصريحات أعضاء النيابة العامة الملحقين بالقطب وهو أن القطب سينظر في اﻟﺟراﺋم اﻟﻣﺎﻟﯾﺔ اﻟﻣﻌﻘّدة ﻣن اﺳﺗﯾﻼء ﻋﻠﻰ اﻟﻣﻣﺗﻠﻛﺎت اﻟﻌﻣوﻣﯾﺔ و ﺗﺑﯾيض ﻟﻸﻣوال.
في السر: وقع أعداد تصور برنامج مفصل حول القطب فيما يتعلق باختصاصه وتركيبته عرض على رئاسة الحكومة وحظي بالموافقة[5].
وبانتظار ان يصبح السري معلنا نطرح الإشكالات الأتية:
1- اعتمدت وزارة العدل تسمية القطب المالي، وهذا يعني ظاهريا استبعاد الفساد الإداري والسياسي من مرجع نظره، فهل هذا حقيقي؟ وهل هو منطقي؟
لا نخاله حقيقيا لأنه على حد علمنا وقع نقل ملفات فساد سياسي إلى القطب
ولا نراه منطقيا لغياب تمييز واضح بين الفساد الإداري والفساد المالي وللتداخل الحاصل بينهما.
2- هل سيقع تحديد مرجع النظر اعتمادا على مفهوم الفساد الوارد في الفصل الثاني من المرسوم  الإطاري عدد 120 لسنة 2011 مؤرخ في 14 نوفمبر 2011 يتعلق بمكافحة الفساد وهو : " الفساد : سوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية. ويشمل الفساد خاصة جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها والإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال".
عمليا لا يمكن الاعتماد على ما جاء في هذا المرسوم، نظرا لطابعه الاطاري فهو يحدد ما يجب أن يكون لا ما هو كائن، إذ لا يوجد في التشريع التونسي على حد علمنا جريمة رشوة في القطاع الخاص ولا وجود لجريمة الإثراء غير المشروع، ولا وجود لمعيار يحدد متى يكون سوء استخدام أموال الذوات المعنوية أو خيانة الأمانة جريمة عادية ومتى يكون فسادا؟.
ثم أين بقية أوجه الفساد المالي الأخرى في الديوانة والجباية والصرف وغيرها؟.
يبدو أن مؤيدي فكرة القطب ومحدثيه خدعهم الاستسهال الذي وقعت فيه لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد باعتماد الفصل 96 من المجلة الجزائية كنص مرجعي للإحالة مهما كان نوع الفساد، إلا أنهم تجاهلوا ان ذلك الاستسهال كان من العوامل المؤثرة في بطء سير التحقيق في قضايا الفساد لأن عبارات الفصل 96 المذكور لا تحتمل ما أريد لها ان تحتمله.
لهذا يبدو أن ضبط مرجع نظر القطب لا يستقيم إلا بمعيارين متلازمين هما: نوع الجرم، وصفة المجرم.
فالجرائم يجب ان تضبط بقائمة حصرية لا كما جاء في الفصل الثاني من المرسوم الاطاري المذكور "يشمل الفساد خاصة" وهنا يمكن أيضا الاستعانة باتفاقية مكافحة الفساد.
وأما صفة المجرم فيجب أن تحدد وفق معطيات واضحة غير مرتبطة بزمان معين، كأن يحدد مرجع النظر باشتراط صفة الموظف العمومي أو شبهه (الفصلين 82 و83 من المجلة الجزائية) لدى الفاعل الأصلي. ولو أدى ذلك لبقاء بعض الجرائم التي يتهم فيها الرئيس السابق وأركان نظامه كشركاء من أنظار محاكم الحق العام.

  2-    مرجع النظر الترابي:

حسبما وقع الإعلان عنه فإن مرجع النظر الترابي للقطب هو نفس مرجع نظر المحكمة الابتدائية تونس 1 بالنسبة لكافة الجرائم ما عدا غسل الأموال الذي يعتبر مرجع نظر المحكمة الابتدائية بتونس شاملا لكامل تراب الجمهورية[6].
وهنا يحق التساؤل ما جدوى هذا القطب عمليا إذا لم يكن شاملا لكل أوجه الفساد على كامل تراب الجمهورية؟ بل إنه لا يشمل كل ولاية تونس وإنما جزء منها فقط وهو التابع لمحكمة تونس 1[7] دون محكمة تونس 2[8].
حسبما جاء في تصريحات النيابة العامة للقطب فإن تبرير إحداث القطب بدائرة تونس1 راجع إلى أن أغلب أوجه الفساد مصدرها قرار صادر عن الإدارة المركزية. ولكن ماذا عن الفساد اللامحوري واللامركزي أي الجهوي والمحلي؟ وماذا عن فساد رجال الأعمال والمنشآت العمومية المنتشرة على كامل الجمهورية؟.
فالفصل 52 من مجلّة الإجراءات الجزائية ينص على أنه:" تعهد القضية لحاكم التحقيق المنتصب بمكان ارتكاب الجريمة أو بالمكان الذي به مقر ذي الشبهة أو بالمكان الذي به محل إقامته الأخير أو بالمكان الذي وجد فيه:.
وبالتالي كان يجب إجراء تنقيح على الفصل المذكور، على غرار ما تم عند سن قانون الإرهاب، حتى يصبح النظر في قضايا الفساد «محصورا» في المحكمة الابتدائية تونس 1 فقط، وهو ما لم يحدث وبالتالي سيكون من حق المتهم أن يطعن في الاختصاص الترابي لقاضي التحقيق كلما كان الجرم المرتكب ومقر ذي الشبهة أو مكان الفاء القبض عليه خارج مرجع نظر محكمة تونس 1، وهو ما سيعطل عمل القطب ويحول دون احتكاره النظر في قضايا الفساد المالي وبالتالي سيفقد القطب القضائي جانبا من مبررات أحداثه، وسيخلق نوعا من التمييز غير المبرر بين المتهمين وبين آليات تتبع الجرائم نفسها.

    ب‌-  غياب هيئة قضائية متكاملة

حسب ما وقع الإعلان عنه حتى الآن فإن القطب القضائي المالي يضم قضاة تحقيق وأعضاء نيابة فقط، أي أنه يمثل درجة التحقيق الابتدائي.
ولكن التحقيق في الجنايات كما هو معلوم يمر وجوبا بدرجتي تحقيق (قاضي تحقيق ثم دائرة اتهام) إذ ينص الفصل 107 من م ا ج على أنه:" إذا رأى قاضي التحقيق أن الأفعال تشكل جناية فإنه يقرر إحالة المظنون فيه على دائرة الاتهام مع بيان وقائع القضية وقائمة في المحجوزات".
وهو ما يعني عمليا أن القاضي المختص بالفساد سينهي نتيجة أعماله إلى هيئة قضائية غير مختصة بالفساد!!!  وإنما ذات مرجع جنائي عام وهي التي ستقرر إما " أن الفعلة ليست بجريمة أو أنه لم تقم على المظنون فيه أدلة كافية تصدر قرارها بأن لا وجه للتتبع " أو أن " هناك قرائن كافية على اتجاه التهمة ".
ويزداد الأمر تعقيدا عندما نعلم انه لتلك الدائرة " الحق أيضا عند الاقتضاء في الإذن بإجراء بحث تكميلي بواسطة أحد مستشاريها " (راجع الفصل 116 م ا ج).
والسؤال هنا كيف يمكن لمن هو غير مختص أن يقيم عمل جهة مختصة؟.
وتجنبا للاطالة فإن التحليل السابق يمكن قياسه أيضا على علاقة القطب بنيابة الاستئناف ونيابة التعقيب والدوائر الجنائية ومحكمة التعقيب. فهل يعقل أن يكون المكلف بإعداد ملف القضية مختصة وأولئك الذين سيبتون ويحكمون فيه غير مختصين؟؟
ويستخلص مما سبق أن غياب تنظيم قضائي هرمي متكامل مكلف بمكافحة الفساد سيؤدي إلى انعدام جدوى القطب القضائي وستكون النتيجة عكس ما خطط له، فالقضايا ستتعطل أكثر مما هي معطلة الآن.
 وفي الختام يمكن القول إن القطب القضائي المالي هو هيئة أحدثت دون تهيئة الاطار القانوني والبشري اللازم لها، وهو ما سيؤدي عمليا إلى جعله هيكلا خارج القانون ومصدر تعطيل إضافي للمحاسبة التي يصر البعض على أنها مقدمة لا غنى عنها قبل الوصول إلى المصالحة، فهل يسمح حال البلاد والعباد بمزيد من إضاعة الوقت؟ يبدو أن المنطق القانوني السليم كان يفرض التسريع في إقرار منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية تشريعا وهياكل، بما يضمن محاسبة فاعلة ومساءلة عادلة للوصول إلى مصالحة شاملة تسمح بمصارحة حقيقية عميقة ومجدية.
فعندما يكون الفساد مستوطنا، يستبعد أن تكون جهود الإصلاح الترقيعي جديرة بالاهتمام. ذلك أن الحلول الجزئية قد تكون منتجة إلى حد ما في البلدان التي تكون فيها تقاليد مكافحة الفساد متينة. بينما تحتاج  البلدان التي عانت من تغلغل الفساد في كل مفاصل الدولة والاقتصاد إلى إجراء إصلاحات جوهرية لأﻧﻬا تتخبط في "ورطة الفساد"، التي يقتات فيها الفساد على نفسه ويولد المزيد من الفساد. إن القوانين الصارمة لا تكفي لوحدها.  فالعديد من البلدان التي يتفشى فيها الفساد تتوفر فيها قوانين مثالية، غير أن القوانين لا معنى لها في الواقع لأﻧﻬا قلما تطبق وبالتالي فإن البلد الجاد بشأن الإصلاح لا بد وأن تكون له أجهزة تحقيق ومقاضاة فعالة ونظام قضائي ناجع ومستقل. لهذا فإن القطب القضائي المالي في صيغته الحالية المتعارضة مع مجلة الإجراءات الجزائية والمخالفة للمواثيق الدولية، لا تتوفر فيه الشروط اللازمة لضمان محاسبة فاعلة للفساد ويمكن القول أنه أحدث لذر الرماد في عيون من يشككون في وجود نية للمحاسبة والمساءلة، ولكنه عمليا سيكون بوابة لمزيد مضيعة الوقت، وانتهاك الحق في محاكمة عادلة، وهذا خطر يجب تداركه قبل فوات الأوان.
إن إحداث هذا القطب بهذه الطريقة وفي ظل المنظومة التشريعية الحالية ما هو إلا قفزة فجائية في فراغ محاسبة تسير على غير هدى، وهو حلقة جديدة تكرس عدالة انتقائية لا انتقالية، لهذا فلا بد من الإسراع في تهيئة الأرضية القانونية اللازمة لبناء هيئة قضائية متكاملة مختصة بمكافحة الفساد، لتكون محكمة مختصة لا خاصة.





[1] -  المفكرة القانونية: القطب القضائي المتخصص في قضايا الفساد: تأخير في الإنجاز وغياب إرادة الإصلاح.
[2] - نفس المرجع.
[3] - للآسف فإن التصريحات الإعلامية والندوات الصحفية لوزارة العدل والنيابة العامة للقطب شكلت المصدر الرئيس للمعلومات حول تركيبة ومرجع نظر القطب.
[4] - ونص الفقرة الأولى منه:" يقوم بوظائف التحقيق حاكم معين بأمر، وعند الضرورة يعين مؤقتا أحد الحكام بقرار للقيام بالوظائف المذكورة أو لإجراء البحث في قضايا معينة".
[5] - حسبما جاء في وثيقة صادرة عن وزارة العدل تتضمن جدولا في تجسيم الإجراءات والبرامج والإصلاحات الواردة ببرنامج عمل الحكومة لسنة 2012 مؤرخة في 23/9/2012. النقطة 5.
[6] - ينص الفصل 34   من القانون عدد 75 لسنة 2003 مؤرخ في 10 ديسمبر 2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الارهاب ومنع غسل الاموال على أنه:" يختص وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس بإثارة الدعوى العمومية وممارستها في الجرائم الإرهابية".
[7] - مرجع النظر الترابيهو معتمديات: المدينة، باب بحر، باب سويقة، العمران، حي الخضراء، المنزه، سيدي البشير، قرطاج، حلق الوادي، الكرم، المرسى، باردو، العمران الأعلى، التحرير.
[8] - المحكمة الابتدائية تونس2  أحدثت بمقتضى الأمر المؤرخ عدد 1806 مؤرخ في 13 ماي 2008. ومرجع النظر الترابي هومعتمديات: الزهور ،سيدي حسين ،السيجومي، الحرايرية، الوردية، الكبارية، جبل الجلود.

ليست هناك تعليقات: