2025/11/02

الجديد في فقه القضاء حول ما يسمى "شهادة" متهم على متهم

 

الجديد في فقه القضاء حول

ما يسمى "شهادة" متهم على متهم

 

 

محمود داوود يعقوب

محام وأستاذ جامعي

عضو لجنة تدقيق مشروع مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية

عضو وحدة بحث القانون الجزائي وعلوم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، جامعة تونس المنار


 

الجزء الأول: وهّن الحجة المستمدة من "شهادة" متهم حسب محكمة التعقيب: 1

الفقرة الأولى- تأكيد محكمة التعقيب على غياب ضمانات النزاهة في تصريحات المتهم. 1

1- عدم حلف اليمين قبل الإدلاء بتصريحاته. 1

2- الحق في الكذب.. 1

الفقرة الثانية- تمسك محكمة التعقيب بضرورة احترام القواعد العامة للإثبات عند اعتماد"شهادة" متهم. 1

1- مبدأ تضافر الأدلة:. 1

2- مبدأ الأصل في الإنسان البراءة:. 1

3- مبدأ الشك يفسر لمصلحة المتهم:. 1

4- مبدأ عدم حجية الإقرار المجرد:. 1

5- مبدأ الموازنة بين أدلة البراءة وأدلة الإدانة:. 1

الجزء الثاني- استقرار محكمة التعقيب على تحديد شروط اعتماد "شهادة" متهم على متهم كدليل إدانة. 1

الفقرة الأولى- استقرار فقه قضاء محكمة التعقيب على الشروط المادية لقبول "شهادة" متهم. 1

1.     أن تكون واضحة، متماسكة ومستقرة في سائر مراحل البحث لا تناقض ولا تضارب فيها. 1

2. أن تكون معززة ومدعمة بقرائن قوية ومتضافرة يستأنس بها وحجج ثابتة. 1

3. أن لا تتسم بالضعف والافتقار لما يدعمها ويعززها حتى ترجح لوحدها على قرائن وأدلة البراءة. 1

4. ألا تكون محل قدح. 1

الفقرة الثانية- مواصلة التعويل على وجدان القاضي. 1

 

 

تبقى الشهادة، رغم كثرة إعتمادها كوسيلة إثبات، دليلا مشكوكا فيه دائما لما يشوبها من ملابسات ولما يعتريها من أبعاد ذاتية، إذ من الصعب تصور أن يكون الشاهد قادرا على تخليص تصريحاته من بعدها الذاتي المرتبط ضرورة بمدى دقة وسلامة حواسه ومتأثرا لا محالة بالعوامل النفسية المحيطة بشخصيته، وملابسات معاينته للواقعة (زاوية الرؤية، علاقته بالأطراف، مستواه الثقافي، حالته النفسية، قوة ذاكرته البصرية والسمعية) وهي أمور تحد من مكانتها وإمكانية القبول بأن تكون بمفردها دليلا مقبولا، ومع ذلك فهي وسيلة الاثبات الأكثر استعمالا. ومع ذلك فإن مكانة الشهادة كوسيلة إثبات معتمدة قانونا لم تحل دون التشكيك فيها بصفة مستمرة، لما تحتويه هذه الأخيرة من الريب وإمكانية المراوغة وغير ذلك مما يطمس الحقيقة[1]. ولهذا فهي تصنف ضمن وسائل الإثبات الناقصة[2].

تعد الشهادة تاريخيا وسيلة الإثبات الأكثر اعتمادا نظرا إلى تأخر ظهور الكتابة و انتشار الأمية في الحضارات والمجتمعات القديمة، على أنه لما برزت الثقافة المكتوبة وأصبح العلم والمعرفة بالكتابة والقلم لا بالرواية واللسان فحسب، سادت الكتابة واندحرت الشهادة إلى المقام الثاني، نظرا لما تشكوه من عيوب عديدة، فهي تعتمد على ذاكرة الأفراد وهم معرضون للنسيان أو على الأقل عدم الدقة في نقل ما شاهدوه أو سمعوه، ثم إن الشهود قد يعمدون إلى الزيادة أو الإنقاص فيما سيشهدون به أو قد يعرضون الوقائع على صورة أخرى غير التي وردت حقيقة[3]. وتعد الشهادة من أهم أدلة الإثبات التي يعتمد عليها القضاء في المادة الجزائية[4] باعتبار أن الجرائم ما هي إلا وقائع مادية لا يتصور فيها تحضير وسائل الإثبات بصفة مسبقة كما هو الحال بالنسبة للتصرفات القانونية[5] فالأصل في إثبات الوقائع المادية أن يكون بالشهادة أو بالقرائن القضائية[6].

والشهادة لغة[7]هي الحضور، وكذلك العلم، فيقال شاهدت الشيء، اطلعت عليه وعاينته[8] ومنه قوله تعالى " فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ "[9] و" شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ"[10]. و في الاصطلاح الفقهي فإن للشهادة، أكثر من تعريف فهي عند الحنفية "إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء". ويعرفها المالكية على أنّها "إخبار الحكم عن علم ليقضي بمقتضاه". والشافعية "إخبار بحق للغير على الغير بلفظ خاص، أي بلفظ أشهر". والشهادة عند الحنابلة هي "إخبار شخص بما علمه بلفظ خاص كشهدت وأشهد".[11] ويطلق على الشهادة لفظ البينة، لذلك حصل جدل حول حصر البينة في الشهادة أو تتسع لها بقية وسائل الإثبات لذلك نجد بعض التشاريع تعتمد لفظ "البينة" وأخرى مصطلح "الشهادة"[12].

وعرّف فقه القانون الشهادة بكونها الحجة المتحصلة لدى القضاء من إخبار شخص أنه رأى أو سمع شيئا يمكن أن تترتب عنه نتائج قانونية[13]. أو هي:"ما يدلي به شخص في مجلس القضاء من غير أطراف الخصومة، بعد حلف اليمين بما شاهده شخصيا أو سمعه مباشرة عن وقائع أو إجراء الإثبات باستجلاء الحقيقة فيها"[14]. أو "هي إخبار شخص من غير أطراف الخصومة أمام القضاء بواقعة حدثت من غيره ويترتب عليها حق لغيره. والأصل أن تكون شهادة الشهود مباشرة ، فيخبر الشاهد بما وقع تحت بصره وسمعه كمن يشهد حادثة أو تعاقداً فيروي ما سمعه أو رآه، لكن بجانب الشهادة المباشرة، توجد صورة أخرى للشهادة وهي الشهادة السماعية وفيها يشهد الشاهد بما سمع عن الواقعة نقلا عن شخص آخر والشهادة بالتسامع وفيها يشهد الشاهد بما هو شائع بين الناس، ولا ترقى الشهادة غير المباشرة إلى قيمة الشهادة المباشرة في الحجية فهي أقل منها.

ومن المعلوم بالضرورة أن الجريمة واقعة قانونية لذا فهي تخضع لقاعدة حرية الاثبات. التي تعدّ الإطار الأمثل الذي تمارس فيه أعمال البحث والتقصّي لجمع كلّ الأدلّة الموصلة إلى الحقيقة[15] وعليه بُنيت منظومة الإثبات الجزائي القائمة على اعتماد كلّ وسيلة موصلة إلى كشف الحقيقة[16] غايته في ذلك تحقيق حماية المجتمع من الجريمة. لهذا فقد أعتمد المشرّع التونسي مبدأ حرية الإثبات[17] دون التقييد بوسائل معيّنة[18]. وهو توجه يجد مبرّراته في موضوع الإثبات الذي يتسلّط على فعل مادي انطوى زمنيا بمرور لحظة ارتكابه بما يصعب معه افتراضيا إعادة تكوينه إلاّ عبر إطلاق يد الباحث في القيام بأعمال البحث والتقصّي قصد الوصول إلى الحقيقة. فخصوصية العمل الإجرامي الذي يتجسّد في أفعال ماديّة يصعب التنبّؤ بها يحول دون تحديد وسائل إثباتها مسبقا لاستحالة أن يوجد تطابق بين جريمتين حتّى وإن اتّحدتا في التفاصيل والجزئيات.

فالإثبات هو جوهر المنظومة الجزائية التي تقوم على معادلة الموازنة بين متطلّبات أمن المجتمع وحقه في التوقي من الجريمة من جهة، وحق الفرد في توفير الضمانات الأساسية التي تمكّنه من دفع الشبهةالموجّهة ضدّه[19] بما يتطلّب وضع نظام قانوني للإثبات تتقاطع فيه القواعد الشكليّة المحدّدة لإجراءات البحث مع قواعد الأصل المتضمّنة لمحتواه بما يضمن احترام قاعدتي الشرعية والنزاهة في الاثبات وصولا إلى جعل القاضي الجزائي يحدد موقفه ويكوّن وجدانه[20] فالإثبات ماهو إلا: "إقامة الدليل على وجود فعل إجرامي وعلى نسبة هذا الفعل إلى شخص معيّن واتجاه إرادة هذا الشخص إلى ارتكابه".[21] وكذلك "إقامة الدليل على وجود فعل أو تصرّف بوسائل يضعها ويشترطها القانون مسبقا".[22] فالإثبات يعني "إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون على وجود واقعة قانونية ترتبت عليها آثارها"[23]. وتعتبر أحكام مجلّة الإجراءات الجزائية مبنيّة على الأخذ بمبدأ حرية الإثبات[24] وهذا أمر منطقي طالما أن الجريمة هي واقعة قانونية والوقائع لا تخضع مبدئيا لوسائل إثبات محددة.

ويتولى القاضي الجزائي القيام بجميع الأعمال الاستقرائية الموصلة إلى الحقيقة والتي تمكّنه من تكوين قناعته وفقا لوجدانه الخالص ذلك أن عليه "التحرّي بنفسه عن الحقيقة الواقعية والعمل على كشف أخصّ دقائق ملابسات الفعل الإجرامي وظروف ارتكابه ثمّ عليه بعد ذلك الإحاطة بأحوال مرتكب الجريمة وحالته النفسية والاجتماعية حتى يحدد بناء على أي وصف يقضي وبأي قدر من العقوبة ينطق ومن هنا كان الدور الإيجابي للقاضي الجزائي"[25]. فـ"دور المحكمة البحث عن عناصر البراءة والإدانة على حد السواء ثم الموازنة بينها ليطبق القانون على الواقعة المادية بحسب ما نستخلصه من مظروفات الملف[26]". وذلك بالتعرّض إلى مجمل الأدلة عبر دراستها وإظهار قوتها وتماسكها ومنطقيتها ويتفادى سوء التقدير للدليل والحياد عن معناه بما يؤدي إلى تأثير الاستدلال على صحة النتيجة التي توصلت إليها المحكمة وهو ما يجعله حكما قاصر الاستدلال[27]. فالعقلانية تفرض على القاضي جردا لأدلة الإدانة والبراءة والموازنة بينها ليرجح الأدلة التي تقوم بذاتها حجّة على ما ورد بها وهو ما استقر عليه فقه قضاء محكمة التعقيب في العديد من القرارات[28].باعتبار أنّ ذلك يمثل الضمانة لحقوق الإنسان بالحفاظ على حقوق الأفراد[29] عبر تعريفهم بمبررات الحكم الذي صدر بالإدانة أو بيان قصور الأدلة عن إثبات الفعل الإجرامي[30]. وقد اعتبرت محكمة التعقيب أن: "تقدير وسائل الإثبات ومنها شهادات الشهود ومدى تأثيرها على وجدان الحاكم الجزائي أمر موضوعي موكول تقديره لمحض اجتهاد محكمة الموضوع[31]" والتي تمارس عليها سلطتها التقديرية عندما تتناقض الشهادة بين شاهد وآخر بما يمكنها إمّا بالأخذ ببعضها دون البعض الآخر أو تركها واعتماد غيرها من وسائل الإثبات إن وجدت وذلك بالاعتماد على مدى قوة الشهادة بغض النظر عن مسألة تعدّدها[32]. وأنه: "يحقّ للمحكمة أن تجزئ أقوال الشاهد فتأخذ ببعضها دون الآخر ولا معقب عليها في ذلك طالما المرجع منه إلى اطمئنانها إذ الإثبات في المادة الجزائية يقوم على حرية القاضي في تكوين عقيدته من كل دليل لم يحجّره القانون[33]". و"لا تثريب على حكام الأصل فيما اعتمدوه من الأخذ ببعض جوانب الشهادات الدالة على الادانة والغاء الباقي منها ضرورة أنهم رجحوا شهادة الإثبات المقدمة على شهادة النفي قانونا"[34]

أما تعريف المتهم انطلاقا من مجلة الإجراءات الجزائية فإن المشرع لم يضبطه، ومع هذا فإنه من الممكن بالاعتماد على أماكن الفصول التي استخدمت هذا المصطلح ضبط مفهومه بكونه "الشخص الذي تمت إحالته على محاكم القضاء للنظر فيما ينسب له من أفعال" أي هو "من احالته النيابة العمومية أو قاضي التحقيق أمام القضاء للبت فيما ينسب له من أفعال (جنح ومخالفات) أو من أحالته دائرة الاتهام لذات السبب (الجنايات)".

ولكن هذا التبسيط لا يجب أن يخفي حقيقة وجود اختلاف بين فقهاء القانون في تعريف المتهم. فمنهم من عرّفه تعريفا ضيقا، ومنهم من اتسم تعريفه بالوسع وفريق ثالث كان تعريفهم تعريفا وسطا[35].

يرى أصحاب التعريف الواسع أن المتهم: هو كل شخص تتخذ ضدّه إجراءات الدعوى الجزائية من قبل السلطات المختصة أو الذي ترفع ضدّه شكوى أو بلاغ متضمنا اتهامه بارتكاب الجريمة[36]. وهو نفس ما ذهبت إلى اعتباره مواثيق الأمم المتحدة التي تطلق صفة المتهم على أي شخص تم توقيفه أو حبسه بسبب مخالفة لقانون العقوبات وضع في عهدة الشرطة أو السجن ولكن لم يحاكم[37].

أمّا الاتجاه الأوسط فقد عرّف المتهم بأنه كلّ شخص توافرت ضدّه أدلة أو قرائن قانونية لتوجيه الاتهام إليه وتحريك الدعوى الجزائية ضدّه، إذ يعرّف الفقيه عمر الفاروق الحسيني المتهم بكونه الشخص الذي قامت ضدّه أي سلطة سواء بإجراء قانوني أو بمجرّد عمل مادي يكشف في ذاته عن يقينها أو اشتباهها في مساهمته أو اتصافه بفعل يعدّ جريمة[38].

أمّا الاتجاه الضيّق فيعرّف اتباعه المتهم بأنه الشخص الذي يخضع لإجراءات التحقيق الابتدائي بناء على ما توافرت في حقه من دلائل وعناصر مادية ثابتة أثناء مرحلة البحث الأوّلي ويترتب على ذلك أن الشخص يعدّ متهما بأوّل إجراء من إجراءات التحقيق سواء تعلّق الأمر بمرحلة البحث الأوّلي أو التحقيق الابتدائي وهو ما يعني تمتعه بكافة الضمانات القانونية منذ ثبوت صفة المتهم فيه ومن أهمّها ضمانات الدّفاع وما يتفرّع عنها.

وبالعودة إلى م.إ.ج نجد أن المشرع التونسي وخلافا لما هو شائع يفرّق بين ذي الشبهة والمظنون فيه والمتهم ويستعمل كل منها في موضع متميز.

ففي مرحلة البحث الأول يسمى "ذي الشبهة" الذي يبقى كذلك لحين مثوله أمام قاضي التحقيق واعلامه بما هو منسوب له من أفعال والنصوص المنطبقة عليها فيسمى "مظنونا فيه" رغم أن بعض الفصول تواصل أحيانا نعته بذي الشبهة[39] وهي فصول يمكن القول أنها جميعا تتعلق بالمرحلة الانتقالية بين الاشتباه والاتهام وهو ما جعل المشرع يتأرجح بين استعمال المصطلحين المذكورين فتارة يستعمل عبارة ذي الشبهة وطورا يستعمل المظنون فيه[40]، رغم أنه من المفروض بمجرد الاعلام بالأفعال المنسوبة إليه أن يصير مظنونا فيه ويبقى كذلك لحين البت من طرف دائرة الاتهام في توجيه التهمة عليه من عدمه فإن وجهتها صار متهما ويبقى كذلك لحين صدور حكم بات عليه، فيسمى محكوما عليه.

 وفي هذا الاتجاه نجد أن الفصل 13 مكرر وما بعده من م.إ.ج استعمل كلمة suspect أي ذي الشبهة وهو من قامت قرائن بسيطة ضدّه على أنه ارتكب جريمة ما مع توفر شرطين الأول وجود بحث في جريمة وقع ارتكابها وثانيهما قيام الشكوك ضدّ من هو محل بحث أولي أي خاضع لمجموعة من التحريات يقوم بها أعوان الضابطة العدلية قبل وضع القضاء يده على الملف وذلك بغاية التأكد من حدوث الجريمة وجمع الادلة عنها وكشف مرتكبها[41]. وحسب أحكام الفصلين 68 و69 من م ا ج فإنّ أوّل مهام حاكم التحقيق عند الحضور الأوّل لذي الشبهة أمامه وبعد التثبت من هويته تعريفه بالأفعال المنسوبة إليه والنصوص المنطبقة عليه، من أجل أن يتمتع بالضمانات الواردة للشخص محل التتبع ولعل أهمّها حضور المحامي فإذا ما تم الاعلام بالتهمة أصبح الشخص مظنونا فيه ويتمتع بالضمانات المنصوص عليها في الفصول 69 من م إ ج وما بعده. فقاضي التحقيق لا يوجه التهمة في الجنايات خلافا لما هو شائع بل يقتصر دوره على اعلام الشخص بموضوعها والنصوص المتعلقة بها ويترك تلك المهمة لدائرة الاتهام التي يحال إليها الملف وجوبا في الجنايات أو يتولى هو ذلك عند الإحالة على المجلس الجناحي وعندها يصير الشخص متهما. وبناء عليه فإن ضمانات الدفاع لا ترتبط بتوجيه الاتهام بل تنطلق بمجرد الاعلام بموضوع التهمة وسندها القانوني.

وخلاصة القول فإن المتهم هو الشخص المحال على المحكمة لمحاكمته من أجل أفعال معينة وذلك إما بقرار من النيابة العمومية أو قضاء التحقيق بالنسبة للمخالفات والجنح وإما بقرار من دائرة الاتهام حصريا بالنسبة للجنايات. ومع ذلك فقد جرى العمل على استعمال عبارة "متهم" بمعنى الشخص محل إجراء جزائي سواء كان مشتبه به أو مظنون فيه أو وجهت عليه التهمة.وهذا هو المعنى الذي سنعتمده في هذه الدراسة على اعتبار وان تصريحات الشخص محل إجراء جزائي مهما كانت مرحلة التتبع تخضع لنفس النظام القانوني، كما أن البحث في سائر أطواره يجب أن تتوفر فيه ضمانات طالما أن الإثبات حر.

وقد ألقت المراوحة بين ضمانات المتهم وإطلاق حرية الإثبات بظلالها على مجلة الإجراءات الجزائية التي بتصفّح أحكامها يتضح أنّ المشرع التونسي سعى لإيجاد نوع من التوازن بين نجاعة البحث وضمانات المتهم ولكنه مع ذلك لم يخصص تصريحات المتهم بنص خاص يبين شروط اعتماده، وهو ما يدعونا للتساؤل حول كيف تعامل فقه القضاء مع ما يسمى "شهادة متهم" على متهم؟.

يمكن القول ان القرارات التعقيبية في هذا المجال قديمة ولكنها لم تكن تتضمن إلى حدود سنة 2005 تنظيما واضحا لشروط اعتماد تلك "الشهادة" إن جاز التعبير. وبصدور القرار عدد 13973 بتاريخ 2005/03/23 وضعت محكمة التعقيب ولأول مرة تصورا متكاملا لتلك الشروط كما سيتم بيانها لاحقا. وقد كان التعليق على ذلك القرار[42] فرصة للتعريف به وتداوله والاحتجاج به أمام سائر الهيئات القضائية مما مهد لظهور فقه قضاء مستقر حول هذه المسألة. إذ أن مراجعة فقه القضاء اليوم ستبين لنا أن محكمة التعقيب تبنت الحجج التي تمنع الاكتفاء بـ"شهادة" متهم (الجزء الأول)، وأكدت بصفة لا لبس فيها شروط اعتمادها كدليل (الجزء الثاني).

 

الجزء الأول: وهّن الحجة المستمدة من "شهادة" متهم حسب محكمة التعقيب:

وهذه الوهّن له أسباب متعددة ومتنوعة يمكن تقسيمها الى أسباب مستمدة من غياب ضمانات النزاهة (أ) وأخرى ترجع الى القواعد العامة للإثبات(ب).

الفقرة الأولى- تأكيد محكمة التعقيب على غياب ضمانات النزاهة في تصريحات المتهم.

إن الشهادة هي من أخطر وسائل الإثبات وأكثرها إثارة للريبة خاصة عندما تكون صادرة عن متهم أدلى بها دون أداء اليمين ومن الممكن أن يكون قد ضمنها معلومات غير صحيحة وكاذبة نظرا وانه يتمتع بحق الكذب لذلك فلا بد من إحاطة تصريحات المتهم بجملة من الضمانات الكفيلة بأن تجعل منها دليل إثبات مقبولا قانونا.

فالاتهام وان كان وسيلة إدانة أساسا إلا انه وفي نفس الوقت يمثل وسيلة دفاع بما يمنحه للمتهم من ضمانات لعل أهمها عدم أداء اليمين وعدم الإجابة إلا بحضور محام وحقه في الصمت وعدم الإجابة أصلا وإتاحة الفرصة له في إبعاد التهمة عنه وإذا أبدى أدلة تنفي عنه التهمة فإنه يقع البحث عن صحتها في اقرب وقت(الفصول 69 و72 و74 م اج).

ومن المفروض أن جملة هذه الحقوق التي يتمتع المتهم بها تضعف الثقة فيما يصدر عنه من تصريحات وخاصة حقه في عدم حلف اليمين وحقه في الكذب.

1- عدم حلف اليمين قبل الإدلاء بتصريحاته.

أوجب المشرع في مادة الاجراءات الجزائية على الشاهد أداء اليمين قبل الشهادة وذلك في الفصلين 61 و 64 م ا ج.[43] فكل شخص يمثل أمام القضاء الجزائي[44] ويقف في ساحة العدالة للإدلاء بشهادة ينبغي أن يحلف اليمين قبل تأديتها وكل شهادة لا تكون مسبوقة بيمين لا تعد دليلا قانونيا[45] والعلة من فرض وجوبية أداء اليمين قبل الإدلاء بالشهادة تكمن في حمل الشاهد على الإدلاء بشهادته بصدق وأن يقول حقيقة ما يعرف دون تحريف أو زيادة أو نقصان فإرادة المشرع واضحة في إحاطة الشهادة وما يترتب عليها من آثار بحد أدنى من الضمانات كي تكون صحيحة ومنتجة لآثارها.

لكن المتهم وخلافا للشاهد لا يؤدي اليمين قبل الادلاء بتصريحاته وذلك تجنبا لاكراهه على ادانة نفسه، فأداء اليمين قد يشكل اكراها معنويا[46].

ومن المعروف أن وجوب أداء اليمين قبل الشهادة يعطي لهذه الأخيرة ضمان يعزز مكانتها ويحد من سلبياتها التي جعلتها وسيلة إثبات محل ريب وشك لتجردها من أي ضمانة تعزز صدقيتها[47]، وبالتالي فإن تصريحات المتهم المدلى بها دون أداء اليمين تفتقر لاهم ضمانة من ضمانات الشهادة النزيهة.

2- الحق في الكذب

يقرر القانون للمتهم الحق في إنكار التهمة الموجهة اليه دفاعا عن نفسه وغالبا ما لا يتأتى له ذلك إلا بالكذب،فالحق في الكذب امتياز أساسي يمنح للمتهم في مواجهة المجتمع والسلطات القضائية ، وهو يقف على ذات المستوى مع قرينة البراءة ، والحق في الاستعانة بمحام ، بحسبان أن الكذب يدخل ضمن دائرة حقوق الدفاع. وأياً ما كان المدلول الحقيقي لعبارات حق ، حرية ، رخصة ، فإن الكذب يمثل حقاً للمتهم، فهو أياً كانت دوافعه - حق للمتهم ، يمنحه إمكانية اتخاذ موقف سلبي أي التمسك بحقه في الصمت[48]. ويتخذ الموقف السلبي شكل الامتناع عن الإجابة على الأسئلة الموجهة إليه من سلطة التحقيق[49]، وكذلك الامتناع عن المشاركة في المناقشات جلسة[50].

فالقانون لا يجبر الشخص على اتهام نفسه بنفسه ، ولكن يكلف النيابة العامة بتقديم دليل الاتهام ، والقول بغير ذلك يهدر كل قيمة لقرينة البراءة. ولما كان الكذب حق ، فإنه من باب أولى وأحرى أن يمنح المتهم ميزة الحق في الصمت[51] الذي يعد أحد مظاهر حريته في الدفاع عن نفسه. تلك الحرية المقررة له سواء كان دفاعه صادقاً أم مشتملاً على أكاذيب، إذ يأخذ الكذب أحد المظاهر التالية:

-        إما إدلاء المتهم بأقوال مناقضة للحقيقة، وذلك على سبيل الخداع والتضليل،

-        أو إنكار واقعة حقيقة،

-        أو إنكار المساهمة في ارتكاب الجريمة بل وتحويل دفة الاتهام إلى شخص آخر.

-        أو تعمد إخفاء واقعة جوهرية تتعلق بظروف الجريمة.

فالكذب يأخذ بالنسبة للمتهم – خلافاً للشاهد[52] - نفس أهمية الصمت من حيث اعتباره وسيلة للدفاع. فللمتهم أن يكذب متى كان ذلك سبيله إلى تقرير براءته[53]، كما له أن يصمت فلا يجبر على اتخاذ موقف معين تجاه الأدلة والشبهات القائمة ضده[54]. وما يؤكد أنه حق أن بعض التشريعات قد نصت صراحة على عدم عقاب المتهم إذا أدلى بأقوال كاذبة[55].

فالمتهم وهو محل تتبع ومهدد بالادانة والعقوبة التي تنتظره يلجأ إلى قول ما يخالف الحقيقة ولا تثريب عليه في ذلك بل يمكن أن يحاول إلصاق التهمة بغيره من المتهمين معه في القضية وهذا راجع لمركزه القانوني من جهة وعدم حلفه اليمين من جهة ثانية، فمن حق المتهم استخدام جميع الوسائل لدفع التهمة عن نفسه حتى وان كان ذلك عن طريق توريط الغير. فالمتهم هو شخص محل تتبع من قبل القضاء وهو ما قد يدفعه الى إنكار الحقيقة وتقرير ما يخالفها أي الكذب خاصة وانه لا يمكن أن يكون محل تتبع من أجل الشهادة الزور وذلك لأنه لا يحلف اليمين من جهة ومن جهة أخرى لأن وصفه بالشاهد هو وصف مجازي وغير صحيح باعتبار أنه طرف في القضية.

ورغم التشكيك في وجود "حق" الكذب فإن فقه قضاء محكمة التعقيب أعترف به مؤخرا وبصفة صريحة.

وفي هذا السياق جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 88411 الصادر بتاريخ 2020/02/19[56] مايلي: "المتهم لا يؤدي اليمين ولا يعرض على القدح ومن حقه الكذب".

كما جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 40007 الصادر بتاريخ 2016/04/29[57] مايلي: " حيث خول القانون الإجرائي الجزائي وتطبيقاته القضائية للمتهم حقا مطلقا للدفاع عن نفسه وإبعاد التهمة عنه بكل الوسائل والطرق التي يريدها، وهذا المبدأ يستنتج من عديد الفصول من مجلة الإجراءات الجزائية وخاصة أواخر الفصل 69 منها، وتبعا لذلك فإن المتهم وفي نطاق دفاعه عن نفسه ليس ملزما بأن يكون صادقا فيما يدلي به من تصريحات أمام أية بحث أو تحقيق أو قضاء، أو أن تكون أقواله مطابقة لحقيقة الوقائع والمعطيات، فله أن يصرح بما يشاء اعترافا بالتهمة أو إنكارا لها وله أن يغير حقيقة الوقائع كما يريد وله أن يحاول مغالطة المحكمة بأية طريقة تتراءى له، وفي كل ذلك لا مؤاخذة له ولا جريمة عليه باعتبار أن القانون الجزائي لم يوجب على المتهم قول الحقيقة ولم يجرم كذبه ومغالطته وتغيير حقيقة الواقعة ،كما أن له الحق في أن يتراجع في تصريحاته اعترافا أو إنكارا في أية مرحلة من مراحل القضية ولا جريمة في ذلك،… مهما كان اتجاهه، لدرجة أنه حتى اعتراف المتهم بالجريمة المنسوبة إليه لا يعتبر قرينة حاسمة أو حجة قاطعة، بل هو مجّرد معطى من معطيات القضية يجب أن تؤيده قرائن أخرى ويخضع للسلطة التقديرية للمحكمة وذلك عمال بأحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 69 من مجلة الإجراءات الجزائية، والفصل 152 من نفس المجلة. وحيث أن ما سبق بيانه ينطبق على كل التصريحات التي تصدر عن المتهم، سواء كانت هذه التصريحات في حق نفسه أو في خصوص تفاصيل الواقعة وملابساتها أو في خصوص بقية المتهمين الذين ارتكبوا معه الجريمة موضوع القضية. وترتيبا على ذلك فإنه لا جريمة في جانبه إذا أدلى بتصريحات كاذبة في حق أحد المتهمين وصرح بما يناقضها تماما باعتبار أن القانون الجزائي لا يعتبر ذلك جريمة، وتبقى محاكم الاستقراء ومن بعدها محاكم القضاء حّرة وفي نطاق سلطتها التقديرية المطلقة في التعامل مع هذه المعطيات وتقييمها وتحديد موقفها منها وتقدير اعتمادها أو استبعادها. وحيث أن عدم صدق المتهمين في تصريحاتهم وعدم استقرارها سواء في حق أنفسهم اعترافا أو إنكارا أو في حق بقية المتهمين معهم في القضية، وتغيير مواقفهم بين مرحلة قضائية وأخرى هو أمر عادي ومعتاد في القضاء الجزائي بل إنه يكاد يكون من صميم طبيعته، لذلك خّول القانون الإجرائي الجزائي لمحاكم استقراء ولمحاكم القضاء صلاحيات واسعة جدا للبحث والتحقيق والاستقراء بهدف الكشف عن حقيقة الوقائع وجعل القضية جاهزة للفصل، كل ذلك بقطع النظر عما يصدر عن المتهمين من تصريحات سواء في حق أنفسهم أو في حق بعضهم البعض. وحيث يتعين في هذا السياق عدم الخلط بين ما صرح به متهم على متهم آخر في نفس القضية وبين ما يصرح به الشاهد في قضية، فالشاهد، وهذا أمر بديهي، ليس طرفا بأية صفة كانت في القضية التي يدلي فيها بشهادته فهو لا يمكن أن يكون شاكيا أو متضررا أو متهما بل يجب أن يكون أجنبيا تماما عن الواقعة ولا تربطه بها أية عالقة، إلا أنه حصلت له معلومات عنها إما عن طريق المعاينة الشخصية فهو شاهد عيان أو عن طريق النقل عن شخص آخر والسماع منه فهو شاهد سماع، والشاهد يخضع في خصوص دوره في القضية الجزائية من حيث الإجراءات والضوابط والواجبات المحمولة عليه والجرائم المترتبة عن إخلاله بهذه الواجبات لأحكام القسم الثاني من الباب الثاني من الكتاب الأول من مجلة الإجراءات الجزائية. وحيث ترتيبا عما سبق بيانه، فإنه يتعين التنبه لخطأ قانوني شائع في التعبير عن هذا المفهوم، وهو المتمثل في تسمية ما يصرح به متهم في حق متهم آخر معه في نفس القضية بـ"شهادة" متهم على متهم، والحال أنها قانونا مجرد "تصريحات" متهم على متهم، وهي لا تخضع لإجراءات الشهادة وضوابطها القانونية السالف ذكرها، بدليل أن المتهم لا يحلف على قول الحق قبل أن يدلي بتصريحاته في حق متهم آخر ولا يقع إنذاره من طرف قاضي التحقيق أو المحكمة من استهدافه للتتبع من أجل الشهادة زورا مثلما نص عليه الفصل 64 من مجلة الإجراءات الجزائية في خصوص الشاهد، وإذا تبين أن المتهم صرح بمعطيات كاذبة وغير حقيقية في حق متهم آخر، أو تراجع في سبق له أن أدلى بها، فإنه لا تقوم في جانبه أية جريمة، باعتبار أن القانون الجزائي لم يجرم ذلك… وحيث استخلاصا من كل ما سبق بيانه فإن جريمة الإيهام بجريمة مناط الفصل 142 من المجلة الجزائية وسند الإحالة في قضية الحال لا تنطبق على تصريحات المتهمين على بعضهم البعض صلب قضية جزائية".

ويتضح من هذين القرارين أن الاعتراف للمتهم بالكذب كان على اعتباره حقاً، وليس رخصة لأنه يتقرر في وقت يكون فيه المتهم معتصماً بقرينة البراءة، والقول بغير ذلك يهدر حق المتهم في أن يتخفى وراء أقوال كاذبة، وبالتالي حقه في الدفاع كما يريد، بالإضافة إلى أنه بوسع القاضي أن يطرح الأقوال الكاذبة إذا لم يقتنع بها.

إن الأخطاء القضائية الناتجة عن الأخذ بشهادة خاطئة أو كاذبة تقتضي وجوبا من القاضي أن يفحص ويحلل الشهادة قبل اعتمادها في إصدار الأحكام التي من المفترض أنها عنوان الحقيقة وتتمتع بحجية ما اتصل به القضاء وهذه الصفات لا يمكن أن يتمتع بها حكم قائم على دليل وحيد هو تصريحات متهم وصفت خطأ بكونها شهادة فهذا يتعارض مع المبادئ العامة للاثبات.

الفقرة الثانية- تمسك محكمة التعقيب بضرورة احترام القواعد العامة للإثبات عند اعتماد"شهادة" متهم.

جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 58877 الصادر بتاريخ 2018/05/03[58] مايلي: " وحيث استقر الفقه وفقه القضاء على عدم الأخذ بشهادة متهم على متهم مالم تتعزز بقرائن قوية او حجج قاطعة".

فالإثبات في المادة الجزائية يخضع لجملة من المبادئ التي يحول تطبيقها دون إمكانية القبول بـ"شهادة" متهم على متهم كدليل وحيد للإدانة وهذه المبادئ هي:

1- مبدأ تضافر الأدلة:

من يقرأ بإمعان أحكام فصول مجلة الإجراءات الجزائية تتبدى له العناصر الواجبة الوجود للحكم بالإدانة وهي ضرورة توفر الأدلة والقرائن والحجج.

فالفصل 85 م اج ينص صراحة على أن الإيقاف التحفظي يستوجب وجود قرائن قوية.

كما أن الفصل 104 من نفس المجلة ينص على أن قرار ختم البحث يجب أن يتضمن:"وجود أو عدم وجود أدلة كافية على الفعلة المذكورة".

وهو ما ورد كذلك بالفصل 106 من نفس المجلة الذي ألزم قاضي التحقيق أن يتخذ قرارا بان لا وجه للتتبع إذا كانت "الحجج القائمة على المظنون فيه غير كافية".

كما جاء بالفصل 116 م اج انه إذا رأت دائرة الاتهام انه: "لم تقم على المظنون فيه أدلة كافية تصدر قرارها بان لا وجه للتتبع... وإذا كانت هناك قرائن كافية على اتجاه التهمة تحيل الدائرة....".

وبالرجوع الى الفصل 121 م اج يلاحظ انه يمكن استئناف التحقيق إذا ظهرت أدلة جديدة .

وتتويجا لجملة هذه الفصول جاء بالفصل 151 م اج انه "لا يمكن للحاكم أن يبني حكمه إلا على حجج قدمت أثناء المرافعة...".

ومن الملاحظ أن المشرع في جميع الفصول السابق بيانها والمتعلقة بإثبات الجرائم يستخدم صيغة الجمع عند الإشارة الى الأدلة والقرائن والحجج التي ثبتت بها الجريمة .

مما يعني أن تأويل أحكام الفصل 150 م اج على ضوء النصوص السابقة سيؤدي حتما الى القول بأن المقصود بالفقرة الثانية من الفصل المذكور والتي جاء فيها "وإذا لم تقم الحجة ، فانه يحكم بترك السبيل" هو الحالة التي لا توجد فيها أدلة وقرائن قوية ومتضافرة ومتماسكة على ثبوت الإدانة.

فجملة النصوص المشار إليها سابقا تدل دلالة واضحة على أن نظام الاقتناع الشخصي المكرس بالفصل 150 م ا ج يعتمد في صورة تضافر الأدلة القانونية المرجحة للإدانة والمؤدية إليها منطقيا.

كما أن تلك النصوص حددت للقاضي الجزائي الأسس الواجب اعتمادها إذا أراد الحكم بالإدانة وهي:

-                 أن يكون الفعل المسند الى المتهم ثابتا.

-                 أن تكون هناك حجج أو قرائن او أدلة كافية ضده والمقصود بالكفاية هنا أن تكون وسائل الإثبات قاطعة وجازمة بحق المتهم أو المظنون فيه.

إذ يجب التمييز بين مرحلتي الاتهام القائمة على غلبة الظن ومرحلة الادانة التي لا يمكن أن تتم إلا باليقين.

فالإدانة لا يجوز أن تكون إلا بناء على أدلة ساطعة ودامغة وأكيدة وحازمة لا شك فيها باعتبار أن الأدلّة في المادّة الجزائيّة متساندة يكمل بعضها الآخر ومنها مجتمعة يكوّن القاضي عقيدته، وهو ما يعرف بمبدأ تساند الأدلّة وتضافر القرائن والذي يعتبر من المبادئ الأساسيّة التي تحكم قانون الإجراءات الجزائيّة[59].

وهو ما أكدته محكمة التعقيب حين أعتبرت أن : "ما ورد بالمطعن من أنّ المحكمة كان عليها البحث عن البراءة إنّما هو مردود من أصله إذ البراءة مفترضة في المتّهم حتى تقوم الأدلّة المعاكسة التي من شأنها إقناع وجدان القاضي الجزائي بإدانته"[60].

وبالتالي فإن قناعة القاضي الجزائي بالإدانة يجب أن تبنى على دليل قويّ يؤدي إلى تلك النتيجة بدون أن يترك أي مجال للشكّ فيها، اعتمادا على مبدأ تضافر الأدلّة والقرائن.

ويستخلص من جملة ما سبق بسطه أن التصريحات المجردة الصادرة عن متهم ضد متهم لا يمكن أن تعد دليلا قانونيا طبق أحكام مجلة الإجراءات الجزائية.

2- مبدأ الأصل في الإنسان البراءة:

إن التأويل السابق لفصول مجلة الإجراءات الجزائية المتعلقة بقواعد الإثبات يتلاءم وأحكام الفصل 34 من الدستور الذي نص صراحة على انه"... يعتبر المتهم بريء ما لم تثبت إدانته في محاكمة عادلة...".

فقرينة البراءة المكرسة دستوريا هي من المبادئ الجوهرية التي تفرض ذاتها على القضاء بحيث لا يجوز للقاضي تجاهلها أو الامتناع عن تطبيقها، "فالأصل في الإنسان (كما تقول محكمة التعقيب) الاستقامة والبراءة ونقاوة السوابق"[61].

و إن تسلسل المبادئ القانونية يجعل قرينة البراءة في مكانة أسمى من مبدأ القناعة الشخصية وبالتالي لا يقبل أن يقتنع القاضي بسقوط قرينة البراءة لمجرد تهمة ساقها متهم في وجه أخر جزافا دون دليل حسي ساطع، دامغ وجازم.[62]

و المحاكمة لا يمكن أن تكون عادلة إذا كانت مجرد "شهادة" متهم على متهم حجة قاطعة لا تقبل النقاش أو الدحض وكافية للتصريح بالإدانة وتسليط العقاب.

3- مبدأ الشك يفسر لمصلحة المتهم:

القاضي مدنيا كان او جزائيا لا يصدر أحكامه الا بعد ان تتكون عنده قناعة تامة ويقين ينتفي معه أي شك مهما كان ضئيلا، والقاضي الجزائي خاصة مطالب بتكوين قناعته من صميم ضميره الحر والوثائق والوقائع المكونة للقضية، لذلك يتوجب عليه قانونا ان يصدر حكما بالبراءة كلما خامره شك ينقص من يقينه واعتقاده التامين. فعندما لا يقتنع القاضي اقتناعاً يقينياً تاماً بإدانة المتهم، ولو قامت عليه الحجة، فإنه يتعين عليه أن يقضي ببراءة المتهم فهو لا يستطيع أن يحكم بالإدانة إلا إذا كانت أدلة الاتهام أكيدة ومقنعة على سبيل الجزم واليقين، فكل شك في الاقتناع يجعل الحكم بالإدانة على غير أساس.

وقاعدة تفسير الشك لصالح المتهم ترد على الشك الذي يكتنف الوقائع ، كما ترد على الشك الذي يتعلق بتفسير وتطبيق القواعد القانونية. ويترتب على ذلك أنه لا يشترط أن يبنى القاضي حكمه بالبراءة على أدلة بل يكفي أن يتشكك القاضي في أدلة الإثبات المقدمة إليه. وهكذا يختلف الحكم بالإدانة عن الحكم بالبراءة فيما يتعلق ببيان الأدلة التي بني عليها، فالحكم بالإدانة يجب أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة، والظروف التي وقعت فيها، وأن يشير إلى نص القانون الذي حكم بموجبه[63]. ففي جميع الأحوال يتعين على قاضي الموضوع أن يبين في حكمه بالإدانة الأدلة التي استمد منها اقتناعه اليقيني؛ أما حكم البراءة فإنه يكفي فيه مجرد إبداء الرأي حول أدلة الإثبات دون أن تلتزم المحكمة بالتدليل القاطع على البراءة ، لأنها عودة للأصل في الإنسان[64]. غير أن تطبيق تلك القاعدة يظل مشروطاً بوجوب اشتمال الحكم الصادر بالبراءة على ما يفيد أن المحكمة قد محصت الدعوى، وأحاطت بظروفها وملابساتها، وبالأدلة التي قام عليها الاتهام، كل ذلك عن بصر وبصيرة، ووازنت بين هذه الأدلة وأدلة النفي ورجحت لديها دفاع المتهم أو ساورها الشك في صحة أدلة الإثبات.

فللتصريح بتوفر أركان الجريمة في حق شخص ما لابد من أن يؤتى بالأدلة القاطعة والجازمة على قيام المظنون فيه أو المتهم بالأفعال المادية التي يتكون منها الجرم أما إذا كان دليل الإدانة الوحيد هو مجرد "شهادة" متهم فهذا يعني أن الشك مهيمن وعملا بقاعدة الشك يفسر لمصلحة المتهم فمن واجب المحكمة أن لا تقضي بثبوت الإدانة وإنما تقضي وجوبا بالبراءة لأن عدم كفاية الحجة يؤدي حتميا لتوفر الشك[65].

فـ"شهادة" متهم على متهم المجردة من أي دليل أخر يعززها تبقى هشة ولا يمكن أن تنتج آثارا على المشهود ضده. فالنقص في قيام الدليل يؤدي وجوبا الى الحكم بالبراءة.

وقد أقرّت محكمة التعقيب قاعدة " أن الشك ينتفع به المتّهم" أخذا بالقاعدة العامّة التي قوامها الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته[66]. وهو ما ذهبت إليه محكمة التعقيب في القرار التعقيبي الجزائي عـ12334ـدد الصادر بتاريخ 9 أكتوبر 2020[67] مايلي: "وحيث أن قرينة البراءة لا يمكن دحضها إلا بالحجج القاطعة والقرائن المتضافرة لا يرتق إليها الشك". فـ"قرينة البراءة تدافع عن صاحبها إلى أن يثبت ما يخالفها" (القرار التعقيبي الجزائي عـ78780ـدد الصادر بتاريخ 22 ماي 2019[68] . كما جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 58818 الصادر بتاريخ 2018/05/24[69] مايلي: " ان وقائع قضية الحال يحوم حولها شك كبير وان الشك ينتفع به المتهم وهو من المبادئ التي استقر عليها فقه قضاء هذه المحكمة" .

وتأيد ذلك بما جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 24930 الصادر بتاريخ 2016/06/29[70] مايلي: " إن الأحكام ولصحتها يجب أن تبنى على الجزم واليقين لا الشك والتخمين ومن هذا المنطلق فقد اتضح أن الدعوى كانت انبنت على اتهام قابله إنكار… وبالتالي فان الشك حام القضية ولأن الشك لا يمكن أن ينتفع به إلا المتهم" وكذلك في القرار التعقيبي الجزائي عدد 72231 الصادر بتاريخ 2019/01/08[71] أكدت مايلي: " لصحة الأحكام فإنها يجب أن تبنى على الجزم واليقين ولا الشك والتخمين، فإنه من هذا المنطلق تكون المحكمة قد أحسنت التوجه لما اعتبرت الشك لا يمكن أن يفسر إلا لمصلحة المتهم".

وانتهت المحكمة في القرار التعقيبي الجزائي عدد 97490 الصادر بتاريخ 2020/06/30[72] إلى أنه: "وحيث… بقي ملف القضية مرتكزا على ادعاء قابله إنكار مستمر من قبل المعقب ضده وهو ما يفسر الشك الكبير الذي حام القضية وأن الشك لا ينتفع به إلا المتهم.".

ويستخلص مما سبق أنه كلما حصل شك للمحكمة في تقدير قيمة الحجج أو شك في ثبوت التهمة فإنّها ترجع إلى تطبيق المبدأ الأصلي وهو أن الأصل في الإنسان البراءة وهو مبدأ يلتقي مع قاعدة كليّة من قواعد القانون وهي أن اليقين لا يزول بالشك وإنما يزول بيقين آخر.

وبهذا المعنى جاء القرار التعقيبي المدني عدد 1740 المؤرخ في 26/2/1980: "إن الدليل إذا تطرقه احتمال سقط به الاستدلال"[73].

4- مبدأ عدم حجية الإقرار المجرد:

إن "شهادة" المتهم المجردة عن أي دليل أخر يؤيدها ويدعمها لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون حجة كافية حتى يستريح إليها وجدان القاضي ليحكم بموجبها وذلك انطلاقا من أنه لا قيمة للاعتراف المجرد في المادة الجزائية.

 والإقرار هو إعتراف المتهم على نفسه بكل أو ببعض ما نسب إليه.[74] ومن المعروف أن الاقرار في المادة المدنية هو سيد الادلة حيث أنه يعنى إقرار الشخص على نفسه بصحة ارتكابه فعلا معينا، ويعد أقوى الادلة تأثيرا فى وجدان القاضي. أما في المادة الجزائية فالاعتراف لا يعد حجة فى ذاته وانما يخضع دائما لتقدير قاضى الموضوع ولا يعفى سلطة الاتهام والمحكمة من البحث فى باقى الأدلة وللمتهم أن يعدل عن اعترافه فى اى وقت دون ان يكون ملزما بإثبات عدم صحة الاعتراف الذى عدل عنه، فمن الثابت أن اعتراف المتهم على نفسه لم يعد سيد الأدلة في المادة الجزائية ما لم يكن مؤيدا بدليل مادي أخر يعززه فهو مجرد قرينة لا يصح الأخذ به واعتماده للإدانة إذا كان مجردا ويفتقر لدليل أخر يعززه.[75] وجاء في القرار التعقيبي الجزائي عـ76761ـدد المؤرخ في 2019/05/21 مايلي: "حيث انه ولئن كان لقاضي الموضوع حرية الاجتهاد وتقدير الأدلة واستخلاص النتيجة القانونية منها عملا بأحكام الفصل 150م.ا.ج غير أنه مطالب في ذات الوقت بتبرير رأيه على الوجه الصحيح باستعراض الوقائع ومطابقتها على الأركان القانونية وبيانها توصلا إلى ثبوت الإدانة في جانب المتهم وذلك من خلال استعراض السلوك الإجرامي المكون للركن المادي والركن القصدي العام والخاص. فالإقرار في المادة الجزائية هو الاعتراف الدال على توفر أركان الجريمة كاملة وليس مجرد اعتراف بوقائع وشرحها.".

وبالتالي فإن الإقرار ليس دليلا قاطعا على ارتكاب المتهم الأفعال الإجرامية المسندة إليه وهو من الحجج القانونيّة الواجب على القاضي تحليلها حتى يتبيّن له الأخذ به أو طرحه.[76] فإقرار المرء المجرد على نفسه لا يقوم حجة بذاته وهو ما أكدته محكمة التعقيب في قرارها الجزائي عدد 83630 المؤرخ في 2019/10/30 الذي جاء فيه:"الإقرار في حد ذاته في المادة الجزائية هو قرينة بسيطة لم تتعزز بقرائن وأدلة اخرى" فما بالنا بالإقرار على الغير دون حجة مادية.

وهو ما كرسه المشرع التونسي صراحة في الفقرة الثامنة من الفصل 69 م اج التي ورد فيها أن :"...إقرار ذي الشبهة لا يغني حاكم التحقيق عن البحث عن براهين أخرى". وكذلك في الفصل 152 م ا ج الذي ورد فيه: "الإقرار مثل سائر وسائل الإثبات يخضع لاجتهاد الحاكم المطلق".

وقد سبق لمحكمة التعقيب ان اعتبرت :"وحيث أنه من الثابت بإجماع شراح القانون وما استقر عليه الفقه أن القاضي الجزائي ولئن كان حرا في تدعيم قناعته بمختلف الأدلة المادية والقانونية فإنه ليس بلازم عليه اعتماد إقرار الجاني أو البينة بالشهادة وله أن يهمل إقرار ليأخذ بقرينة متى كان ضميره إليها مرتاحا بمعنى أن الإقرار غير كاف لوحده للأخذ بثبوت الإدانة أو نفيها. وحيث إنطلاقا من هذا التسليم فإن قضاة الأصل حينما ركزوا قضائهم على إقرار المتهم دون مراعاة لما تمسك به لسان الدفاع من مطاعن جدية لما لها من بالغ التأثير على وجه الفصل يكونوا قد أهملوا تقييم وسائل الإثبات المطروحة أمامهم لاستخلاص ما تستوجبه من نتائج. وحيث أن محكمة القرار المنتقد حينما أهملت تعليل عدم الأخذ برأي الخبراء واعتبرت بحيثيات حكمها صدق رواية المتهم دون مقارنتها مع التشخيص الوارد بتقرير الخبراء تكون قد أخطأت في الإستنتاج وتضارب رأيها مع التحقيقات العلمية الواردة بتقرير التشريح وقد كان على قضاة الأصل مقارنة المتهم بذلك وإستخلاص النتائج الكافلة والمدعمة لصحة الحكم. وحيث ولئن كان إقرار المتهم بقتل الضحية وفق الرواية التي سردها بحثا وتحقيقا لا يتماشى والتحقيقات العلمية الواردة بتقرير التشريح مثلما سلف تبيانه فإن محكمة القرار المطعون فيه إعتمدت في إثبات ركن الإضمار على مجرد إستنتاجات ضعيفة غير مؤسسة على ماله أصل ثابت بأوراق الملف وقد كان على قضاة الموضوع إبراز هذا العنصر بدلالات مستساغة ووقائع ثابتة من شأنها أن تجعل وجدان المحكمة في إطمئنان كامل وكي تتمكن محكمة التعقيب من إجراء مالها من حق الرقابة على سلامة تطبيق القانون. وحيث أن إقتصار القرار المطعون فيه على إعتراف المتهم للحكم بإدانته دون التعرض إلى مختلف المطاعن المثارة من قبل لسان الدفاع ومناقشتها وبيان وجهة نظرها في عدم الأخذ بها من شأنه أن يجعل القرار المذكور متسما بضعف التعليل والقصور في التسبيب ذلك أن الفصل 168 من م.ا.ح. أوجب تسبيب الأحكام ضمانا لجديتها وأن في الإغفال عنها يعيب الحكم ويعرضه للنقض"[77].

فالأحكام الجزائيّة لا يمكن أن تبنى على الاعترافات المجرّدة غير المعزّزة بقرائن أخرى[78] أو المتعارضة مع الحقائق الثابتة بأدلة أخرى، سواء كان هذا الاعتراف ضد النفس أو شهادة ضد الغير.

و هو ما جعل الفقه وفقه القضاء يقرون مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوفر في الإقرار حتى يكون وسيلة إثبات وهي:

-*- أن يكون اختياريا: حيث يجب أن يكون الاعتراف بارتكاب الجرم صادرا عن المتهم بصورة اختيارية، أي أن لا يكون الإقرار مترتبا عن الإكراه أو التهديد أو العنف[79]. وشرط اختيارية الاعتراف ثابت بمقتضى النصوص المدنية و الجزائية التي جرمت ممارسة أي سوء معاملة ضد متهم او شاهد للحصول على اعتراف او شهادة حسبما جاء بالفصلين 101 و103 من المجلة الجزائية اللذين يستنتج منهما أن الإقرار المعتبر قانونا دليلا على الإدانة لا يأخذ هذه الصفة إلا إذا كان صادرا عن المتهم برضاه التام وعن دراية وهدوء بال. فمجرد صدور الاعتراف تحت التهديد بسوء معاملة يجعله مرفوضا لإقامة الدليل على إدانة المتهم. وقد جاء بالفصل 432 م اع مايلي:" يشترط في صحة الإقرار أن يكون عن اختيار وتبصر والأسباب المفسدة للرضاء تفسد الإقرار أيضا".

كما جاء بالقرار التعقيبي عدد 4360[80] مايلي:"الإقرار هو سيد الحجج إذا توفرت فيه الشروط القانونية ولا يسوغ لقاضي الموضوع إلغاؤه إلا لأسباب واضحة منسجمة ومتماشية مع أوراق القضية وموصلة منطقيا للنتيجة التي انتهى إليها حتى تتمكن محكمة التعقيب من إجراء ما لها من حق المراقبة على تطبيق القانون". وجاء كذلك بالقرار التعقيبي عدد 4692[81] مايلي:"أن الاعتراف المحرر بصفة قانونية هو من الحجج التي يسوغ للقاضي الاستناد إليها كما يسوغ له رده لأسباب قانونية بينها بحكمه وله أيضا أن يبحث عن براهين أخرى إن رأى الاعتراف مجملا كل ذلك راجع لاجتهاده المطلق دون معقب عليه ورقيب ما دام حكمه معللا تعليلا لا يشوبه قصور أو تناقض".

وجاء ايضا بالقرار التعقيبي عدد 6124[82] مايلي:"ولئن كان الاعتراف سيد الحجج فهو أيضا خاضع لاجتهاد القاضي المطلق...ومن البديهي أن القانون لم يحجر عليه الاستناد إلى الإقرار إذا كان قانونيا وواضحا واطمأن إليه ضميره".

-**- أن يكون واضحا لا لبس فيه: إذ يشترط لصحة الاعتراف الصراحة والوضوح إذ أن غموض أقوال المتهم من حيث دلالتها على ارتكابه للجريمة محل الاتهام المنسوب اليه ينفى عنها صفة الاعتراف بالمعنى الدقيق لأنها تحتمل أكثر من تأويل ولذلك لايجوز أن يستنتج الاعتراف من هروب المتهم اثر وقوع الحادث أو غيابه عن الجلسة اذ قد يكون ذلك لخشية القبض عليه ، كما لايجوز اعتبار صمت المتهم قرينة على ادانته اذ قد يكون صمته نتيجة لخوفه من اساءة الدفاع عن نفسه وانتظارا منه لمشورة محاميه أو بسبب حرج لا قبل له بدفعه كالشخص الذى يضبط بمسكن قصده لارتكاب فعل مناف للآداب ويصمت أمام اتهامه بالسرقة حتى لايسىء الى شرف وسمعة الطرف الآخر.

-***- أن يكون متواصلا في كافة مراحل البحث والتقاضي.

وفي هذا الاتجاه أقرت محكمة التعقيب[83] مايلي:"ان حكم البداية قد تأسس على اعتراف المتهم لدى باحث البداية لا غير، وقد تراجع في هذا الاعتراف بالجلسة وبالتالي فانه لا يمكن اعتماده كدليل قاطع على الإدانة لتراجع المتهم ولعدم وجود ما يعززه في الخارج...و اتجه التصريح بثبوت براءته ذلك أن الأحكام الجزائية لا تبنى على الاعترافات المجردة خاصة إذا وقع التراجع فيها".

فطالما أن "شهادة" الإنسان على نفسه لا تكفي لان تكون دليل إدانة ويجب تدعيم هذا الإقرار بأدلة أخرى فانه ومن باب أولى أن لا تكون "شهادة" واحدة صادرة عن متهم دليل إدانة ضد غيره.

5- مبدأ الموازنة بين أدلة البراءة وأدلة الإدانة:

علاوة عما سبق فإن القاضي الجزائي مطالب دائما بالموازنة بين أدلة البراءة وأدلة الإدانة قبل التصريح بحكمه وهو ما كرسته محكمة التعقيب في القرار التعقيبي عدد 9661 المؤرخ في 24/4/1985[84]الذي ورد فيه ما يلي:" ان دور المحكمة لا يقتصر على تحقيق أدلة الإدانة فقط بل هي بالإضافة لذلك ملزمة باستقراء كل الأدلة الدالة على ثبوت البراءة لما في ذلك من تحقق العدل والإنصاف، لذا فهي ملزمة بالرد على ما كان جوهريا من الدفوعات التي لها تأثير على وجه الفصل وبيان أسباب اقتناعها حتى يفسح المجال لمحكمة التعقيب ممارسة مالها من حق المراقبة".

وحيث أن مبدأ الموازنة مستمد من قواعد العدل والإنصاف التي تستوجب قبل التصريح بالإدانة أن يقوم القاضي بالمفاضلة بين جملة الأدلة المعروضة عليه ليقرر اعتمادا على تلك المفاضلة أو الموازنة مدى توفر ما يكفي من أدلة الإدانة لدحض قرينة البراءة أم أن أدلة الإدانة ضعيفة وغير كافية لإصدار حكم على أساسها.

إن جملة المبادئ السابق بيانها تحول دون إمكانية الاعتماد على "شهادة" متهم كدليل مجرد ووحيد للإدانة ولكن هذا لا يعني أن تلك التصريحات الموصوفة خطأ "بالشهادة" فاقدة لأي قيمة إثباتيه وإنما يعني فقط أنها لا تصلح بمفردها دليلا للإدانة ما لم تعزز بأدلة مادية أخرى.

الجزء الثاني- استقرار محكمة التعقيب على تحديد شروط اعتماد "شهادة" متهم على متهم كدليل إدانة.

لم يخص المشرع تصريحات المتهم الموصوفة بكونها "شهادة" بأي شروط بل انه لم يتعرض لها أصلا في فصول مجلة الإجراءات الجزائية[85]. وإنما توجد شروط أقرها فقه القضاء الذي يكتفي غالبا بتوفر شرط وحيد ذو طابع معنوي وهو اقتناع وجدان القاضي لقبول تلك "الشهادة" كدليل إدانة إلا أنه أحيانا يقرن ذلك الشرط بشروط مادية وهو توجه لم يتبلور إلا بعد تردد وعلى مراحل توجت بصدور القرار التعقيبي المؤرخ في 23/3/2005 والذي يعد أول قرار تعقيبي يضبط بصفة متكاملة الشروط المادية لـ"شهادة" متهم على متهم.

الفقرة الأولى- استقرار فقه قضاء محكمة التعقيب على الشروط المادية لقبول "شهادة" متهم.

يعتبر القرار التعقيبي الجزائي عدد13973 المؤرخ في 23/3/2005 أول قرار تضمن بصفة واضحة لا لبس فيها جملة من الشروط المادية الواجب توفرها للأخذ بـ"شهادة" متهم على متهم فقد ورد فيه ما يلي:"حيث انه بالرجوع الى القرار المنتقد وأسانيده والأوراق التي أنبنى عليها يتضح أن القضاة الذين أصدروه كانوا قد أسسوا قضاءهم على شهادة وحيدة صادرة عن الطفل بلال المحكوم عليه في قضية مستقلة… وحيث انه ولئن كانت مسألة شهادة متهم ضد متهم تختص بها محكمة الموضوع دون سواها ولا مانع قانونا من الأخذ بها فذلك بشريطة تحليل فحواها وبسطه ومتى كانت واضحة ومتماسكة ومستقرة في سائر مراحل البحث دون تناقض او تضارب غير مقدوح فيها وان تكون خاصة معززة ومدعمة بقرائن قوية ومتضافرة يستأنس بها وحجج ثابتة تكون مطية لإقناع الوجدان وإصدار أحكام القانون وحيث انه وخلافا لما ذهبت إليه محكمة القرار المطعون فيه فإن تلك العناصر لم تبرز في إطار هاته القضية وقد اتسمت تلك الشهادة اليتيمة بالضعف والافتقار لما يدعمها ويعززها حتى ترجح بمفردها على قرائن وأدلة البراءة في تهمة خطيرة... وحيث أهمل القرار المنتقد الرد سلبا أو إيجابا على دفع المتهم بشأن قدحه في تلك الشهادة ومصدرها وفق ما جاء بالفصلين 63م ا ج و96 م م م ت والتعرض الى كيفية تحديد صنف ونوع المادة المخدرة التي نسب الى المعقب توزيعها بنية الاتجار فيها في غياب محجوز وسلبية نتيجة التحليل المخبري المجرى على سوائله…".

ومن الواضح أن محكمة التعقيب حددت في القرار المبين مبدأه أعلاه لأول مرة شروط "شهادة" متهم على متهم وهي شروط متلازمة إلا أن محكمة الإحالة التي أعادت النظر في القضية محل القرار التعقيبي لم تعتبر على الإطلاق موقف محكمة القانون مما استوجب الطعن بالتعقيب مرة ثانية وقد كان هذا الطعن فرصة سانحة لمحكمة التعقيب حتى تبين مدى ثباتها على موقفها وتؤكد أن موقفها السابق هو بمثابة اجتهاد مستقر وليس موقفا عابرا.

وقد تأكدت نفس الشروط في القرار التعقيبي عدد 11809 المؤرخ في 15/2/2006 (غير منشور) الذي صدر بدوره في نفس القضية إذ جاء فيه ما يلي:"حيث ولئن كان لمحكمة الموضوع الحرية في فهم الوقائع واستخلاص النتائج القانونية منها لنفي التهمة أو إثباتها ولا سلطان عليها في ذلك من طرف محكمة التعقيب شرط التعليل القانوني السليم والتفحص الكامل والشامل لجميع أوراق الملف ولدفوعات الأطراف استيعاب النصوص القانونية المنطبقة ومرامي المشرع لتحقيق العدل والإنصاف. وحيث بالرجوع إلى القرار المطعون فيه انه اعتمد لإدانة المتهم المعقب الآن على شهادة وحيدة صادرة عن الطفل (ب) المحكوم عليه في قضية مستقلة من اجل استهلاك مادة مخدرة ومفادها انه تزود من المتهم المعقب الآن. وحيث أن الشهادة اليتيمة اتسمت بالضعف والافتقار لما يدعمها ويعززها حتى ترجح لوحدها على قرائن وأدلة براءة في تهمة خطيرة وقد تمسك المعقب بحثا وتحقيقا بالإنكار. وحيث أهمل القرار المنتقد الرد سلبا أو إيجابا على دفع المتهم بشأن قدحه في تلك الشهادة وفق ما جاء بالفصلين 63 م ا ج و96 م م م ت.وحيث أن محكمة القرار المعقب لما قضت بثبوت الإدانة اعتمادا على شهادة مجردة دون أي دليل مادي لغياب المحجوز في جريمة خطرة فيه خرق لأحكام الفصول 1/25/26 من قانون 1992 المتعلق بالمخدرات ودون أن تلتزم بالوسيلة القانونية التي أوجبها المشرع في ذلك القانون ألا وهي التحليل المجرى والمحجوز وهذا أمر له تأثير على وجه البت في الموضوع... وحيث أضحى والحالة تلك القرار المنتقد مشوبا بالقصور في التعليل وبهضم حقوق الدفاع وخرق القانون مما يتعين معه نقضه".

وفقه القضاء حاليا مستقر منذ هذا القرار على ان شروط قبول "شهادة" متهم على متهم هي:

1.              أن تكون واضحة، متماسكة ومستقرة في سائر مراحل البحث لا تناقض ولا تضارب فيها.

رغم أنه سبق لمحكمة التعقيب وأن اعتبرت "ان اعتراف المتهم صراحة بانه تولى استهلاك المخدرات وكان ذلك أمام الباحث الابتدائي ثم تراجعه في اعترافه امام التحقيق لا تاثير له على سير القضية مادامت التصريحات الاولية كانت معززة بتصريحات جملة المتهمين على بعضهم ، وان لا شيء يمنع المحكمة قانونا من اعتماد شهادة متهم عن متهم سواء بقوا عليها امامها او رجعوا فيها خاصة وان لمحكمة الموضوع ان تعتمد مثل تلك التصريحات بما يمليها عليها وجدانها الخاص"[86]. إلا أن فقه قضائها اللاحق بدأ يتمسك بشرط التمسك وعدم التراجع سائر أطوار القضية. إذ أشارت المحكمة في القرار التعقيبي المؤرخ في 02/07/2003 ( غير منشور) والذي جاء فيه ما يلي:" حيث أن الشهادة لم تكن متواترة ومتحدة في مضمونها وحيث أن شهادة متهم على آخر ولئن تعتبر وسيلة من وسائل الإثبات إلا أنها تحتاج إلى وسائل إثبات أخرى وقرائن تدعمها خلافا لما كانت عليه الشهادة في قضية الحال التي كانت فاقدة لكل تأييد من وسائل إثبات أخرى بل ثبت لدى دائرة الاتهام وجود قرائن أخرى تدحض مضمون تلك الشهادة ".

فطالما كانت "شهادة المتهم الرئيسي كانت في سائر الأطوار مسترسلة مع كل الوقائع... اذا رأى الحاكم حسب وجدانه الخاص الذي لا رقابة لمحكمة التعقيب عليه بأن شهادة متهم على متهم سالمة من القدح بعد عجز المتهمين عن اثبات العداوة فانه يمكن اعتمادها وذلك حسب ما اقتضاه الفصل 150 من مجلة الاجراءات الجزائية الذي بمقتضاه يمكن اثبات الجرائم بأي وسيلة الاثبات القانونية".[87] وفي هذا جاء في القرار التعقيبي الجزائي عـ12339ـدد الصادر بتاريخ 30 سبتمبر 2020[88] مايلي: "وحيث أن القول باستقرار تصريحات المتهم ف. ن. الواضحة والمستقرة بحثا وتحقيقا تعتمد كدليل من أدلة الإدانة لا تصح إلا إذا إمتد استقرارها إلى آخر مرحلة من مراحل المحاكمة بعد حصول المواجهة بين الطرفين في إطار المكافحة كل ذلك مع توفر قرائن خارجية أخرى تعزز تلك الشهادة كما استقر عليه فقه القضاء لكن تصريحات المتهم "ف" المذكور وعلى فرض تمسكه بها عند مكافحته للمعقب ضده لو رأت محكمة القرار المنتقد ضرورة إجراء تلك المكافحة لا يمكن أن يعتد بها في غياب القرائن الخارجية… وتمسك المعقب بإنكار ما نسب إليه من جريمة فلا يمكن القول بقيام الجريمة في حقه ضرورة أنه بقدر ما تشدد المشرع في العقاب فذلك يستوجب التشدد في الإثبات".

وجاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 23624 الصادر بتاريخ 2016/04/01[89] مايلي: " لا يمكن اعتماد شهادة متهم على متهم إلا إذا كانت منضبطة ومسترسلة ومعززة بقرائن أخرى وهو الأمر بالنسبة لشهادة المتهم "ك.ع" التي لا تصلح سندا لاتهام المعقب ضده فضلا على تراجعه فيها"

كما جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 97406 الصادر بتاريخ 2020/06/17[90] مايلي: "وحيث أن تصريحات متهم على آخر لا يعتد بها إلا إذا اتسمت بالثبات والاستقرار في كامل مراحل البحث والمحاكمة وتعززت بأدلة وقرائن خارجية واتصفت بانعدام المصلحة للمصرح فيما صرح به في مواجهة غيره كسعيه لدرء التهمة عن نفسه ونسبتها إلى غيره أو ثبوت العداوة الواضحة بينهما. وحيث أن القول بإستقرار تصريحات المتهم ن. خ. بحثا وتحقيقا والمعززة بتصريحات أ. ع. تعتمد كدليل من أدلة الإدانة لا تصح إلا إذا امتد استقرارها إلى آخر مرحلة من مراحل المحاكمة".

وحيث جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 17757 الصادر بتاريخ 2016/03/25[91] مايلي: "وحيث باستقراء الحكم المطعون فيه والأبحاث التي انبنى عليها يتضح أن محكمة القرار المطعون فيه اعتبرت أن التصريحات الأولية لكل من المدعو و.ب وهـ.ف وم.غ بشأن تزودهم بالمشروبات الكحولية من الطاعن لها من الحجية الكافية لإدانة هذا الأخير والحال أنها لا تعدو أن تكون سوى تصريحات متهم على متهم والتي ولئن كانت مسألة تقديرها من اختصاص محكمة الموضوع ولا مانع قانونا من الأخذ بها غير أن ذلك مرتبط بتوفر عدة شروط وهي أن تكون واضحة ومتماسكة وأن تكون خاصة معززة ومدعمة بقرائن أخرى خالفا لما كانت عليه تصريحات المتهمين المذكورين التي جاءت ضعيفة وفاقدة ألي تأييد من وسائل إثبات أخرى خاصة في غياب إجراء مكافحة قانونية بين الطرفين لتحقيق المواجهة والتعرف لا سيما إزاء دفع الطاعن بعدم معرفته للأطراف التي شهدت ضده وهو ما يعد خرقا لضمانات المحاكمة العادلة المكفولة بالدستور والاتفاقيات الدولية المصادق عليها إلا أن محكمة الحكم المطعون فيه أهملت جملة تلك العناصر كما لم توازن بين قرائن البراءة وأدلة الإدانة مما أورث حكمها ضعفا في التعليل وهضما لحقوق الدفاع موجبا للنقض".

وفي ذات الاتجاه جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 52972 الصادر بتاريخ 2018/01/03[92] مايلي: " وحيث خالفا لما تضمنته أسانيد الطعن فإنه لا شيء صلب ملف القضية يفيد على نحو قطعي علم المعقب ضده بإتيان بقية المتهمين المحكوم عليهم للأفعال المنسوبة إليهم وأن ما تضمنته المطاعن ليس سوى استنتاج ظني لا يجد له صلب أوراق القضية ما يؤيده وأن المتهم اله. غ. أكد أن لا علاقة للمعقب ضده الآن بافتعال الوثائق واصطناعها واستعماله وأن تراجعه بمناسبة إجراء المكافحة بينه وبين هذا الأخير لا يمكن بأي حال أن تؤسس للإدانة ضرورة أن التصريحات الأخيرة كانت بتاريخ 24-2-2016 بعد أن كان برأه أمام الباحث الأول والباحث المناب ولدى استنطاقه تحقيقا. وحيث أضحت بذلك تلك التصريحات ضعيفة ضرورة أنها أقوال منهم على متهم لم تتعزز بقرائن أخرى فضلا على أن القصد منها هو درء المتهم الهادي التهمة على نفسه علاوة على اتسامها بالتضارب وعدم التناسق بينها في مختلف مراحل البحث وأن المحكمة لما قضت بما قضت به أسست حكمها على تمحيص كافة عناصر القضية وتحليل كامل لملابساتها الواقعية ووازنت بين مختلف الأدلة سواء ما تعلق منها بالإدانة أو البراءة دون سهو أو إغفال".

كما جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 97108 الصادر بتاريخ 2020/06/17[93] مايلي: "لا يصح إعتماد تصريحات أحمد المذكور كقرينة لإثبات التهمة في حق المعقب ضده علاوة على أن تصريحات المعقب ضده ف. ي. لم تكن قاطعة ومستقرة إلى آخر مرحلة من مراحل المحاكمة في غياب قرائن خارجية أخرى ولم ترجح أقوال أ. ص. على أقوال المعقب ضده وإنه من المعلوم أنه بقدر ما تشدد المشرع في العقاب فذاك يستوجب التشدد في الإثبات".

2.              أن تكون معززة ومدعمة بقرائن قوية ومتضافرة يستأنس بها وحجج ثابتة.

وهذا الشرط منطقي ولا جدال فيه ويكاد يكون محل اتفاق في اغلب الانظمة القانونية المقارنة، إذ أنه مطلوب في إقرار المتهم على نفسه فمن باب أولى أن يكون مطلوبا في إقراره على غيره.

وقد سبق لمحكمة التعقيب أن كرست هذا الشرط في قرارها عدد 46868 المؤرخ في 31/01/2004[94] الذي جاء فيه :"لا شيء يمنع قانونا من اعتماد شهادة متهم على متهم خاصة إذا ما اتضح أن تلك الشهادة كانت معززة بقرائن أخرى مثل الجزء من المحجوز الذي تم العثور عليه بحوزة المعقب ضده والذي تبين بعد عرضه على المتضرر أنه تابع لهذا الأخير فقام الباحث بارجاعه اليه ومن جهة أخرى فان شهادة متهم على متهم لا شيء يمنع المحكمة من الأخذ بها خاصة إذا ما تبين أن الشاهد لم يكن يرمي من وراء شهادته تبرئة ساحته وإلقاء تبعة أفعاله على المشهود ضده...".

ومن الواضح أن محكمة التعقيب أقرت في قرارها السالف الذكر شرطا إضافيا وهو أن لا تكون تصريحات المتهم ضد غيره بغاية تفصيه من العقاب وإلقاء التبعة على غيره.

وهو نفس الموقف الذي عبرت عنه في قرارها المؤرخ في 18 نوفمبر2004 حين أكدت أنه:" حيث إتضح بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه أن المحكمة المصدرة له بررت قضاءها بتبرئة ساحة المتهم إعتمادا على أن الدعوى الموجهة ضد المعقب ضده ظلت مجردة ولم تعزز بأي دليل ثابت وقاطع يمكن أن ينهض حجة دامغة على إدانته من أجل ما نسب إليه وإعتبرت أن تصريحات المظنون فيه الأصلي أنيس ظلت مشوبة بكثير من الشك والتخمين ولم تعزز بأي دليل أو قرينة أخرى خاصة وقد تمسك المتهم بالإنكار التام في جميع مراحل البحث. وحيث على عكس ما ذهبت إليه محكمة الحكم المنتقد فإن شهادة المتهم الأصلي جاءت صريحة وواضحة ولا يشوبها أي تخمين وذلك بتأكيده صلب محضر إستنطاقه وكذلك لدى الباحث الإبتدائي وعند المكافحة على توليه بيع الزربية المسروقة إلى المعقب ضده بعد أن أعلمه بفساد مصدرها باعتبارها حصيلة عملية سرقة من منزل المتضرر. وحيث أن إستبعاد محكمة الحكم المنتقد لمثل هذه الشهادة في غير طريقه خاصة وأن هذه الشهادة تعزرت بالثمن الزهيد الذي دفعه المعقب ضده مقابل شراء الزربية والذي لا يتجاوز الثمانية والعشرين دينار والحال أن قيمتها الحقيقية تقارب الألف دينار حسبما تحرر على المتضرر وبالتالي فإن الفارق بين ما بذله المعقب ضده والقيمة الحقيقية للمسروق لا يمكن أن يخفى عن هذا الأخير وهو ما يدل على علمه بفساد المصدر بما يعزز شهادة المتهم الأصلي ويجعل ما إنتهت إليه محكمة الحكم المطعون فيه في غير طريقه وغير مستساغ التعليل. وحيث ثبت من ناحية أخرى أن المحكمة إستبعدت شهادة المتهم الأصلي رغم وجود أي قدح جدي في تصريحاته ورغم أن ملف القضية لا يحتوي على أي شيء يفيد أن للمتهم أية مصلحة أو منفعة في توريط المعقب ضده. وحيث ولئن كان لمحكمة الموضوع السلطة المطلقة في تقدير الأدلة والموازنة بين أدلة الإدانة وأدلة البراءة إلا أنها تبقى مطالبة بتعليل ما ذهبت إليه تعليلا مستساغا متطابقا وأوراق القضية ومؤديا إلى النتيجة التي توصلت إليها وهو ما لم تبرزه محكمة الحكم المنتقد بإستبعادها شهادة المتهم الأصلي المتسمة بالوضوح والصراحة لإدانة المعقب ضده"[95]. وأكدت عليه مجددا في القرار التعقيبي الجزائي عدد 98473 الصادر بتاريخ 2020/07/03[96] مايلي: "وحيث وطالما بقيت تصريحات المتهم م. أمام باحث البداية مجردة ثم تراجع عنها بعد ذلك. ولم يتضمن الملف أدلة أخرى أو قرائن قوية ومتضافرة من شأنها أن تنفي كل ريبة أو شك بخصوص ارتكاب المطعون ضده للجرائم الموجهة ضده،... وحيث لا خلاف أن الأحكام لا تؤسس إلا على الجزم واليقين وأن الشك ينتفع به المتهم. وحيث أن تصريحات متهم ضد متهم اخر لا يؤخذ بها إلا إذا كانت متواترة ومستقرة ومعززة بقرائن أخرى ولم تكن لصاحبها مصلحة فيها كسعيه لدرء التهمة عن نفسه ونسبتها الى غيره…".

كما جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 89170 الصادر بتاريخ 2020/01/22[97] مايلي: "بقدر ما تشدد المشرع في العقاب بقدر ما وجب على القاضي أن يتشدد في الإثبات ، وهو ما أشارت إليه محكمة القرار المطعون فيه ضمنا حينما سببت قرارها بالقول أن تصريحات متهم على متهم لاتسري ولا يعول عليها طالما لم تتعزز بأية قرينة أخرى".

وحيث جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 73340 الصادر بتاريخ 2019/03/13[98] مايلي: "حيث لما كان تقدير الأدلة من سلطة قاضي الموضوع فمن الجائز قانونا عدم الأخذ بشهادة متهم على متهم أو عدم الأخذ باعتراف المتهم نفسه إذا كان هذا الاعتراف أو الشهادة غير مصحوبة بقرائن أخرى تؤكد حتما ثبوت الإدانة".

وجاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 55898 الصادر بتاريخ 2018/03/05[99] مايلي: " وحيث أنه من الثابت ، أن شهادة متهم على متهم لا تقبل إلا متى كانت مسترسلة ومتناسقة ولا يهدف من ورائها إلى التفصي فضلا على تدعيمها بقرائن خارجية تؤكدها ، وبالرجوع إلى أوراق الملف يتبين وأن شهادة المتهم أنيس، ضد الطاعن ، عند سماعه من قبل باحث البداية صلب المحضر عدد 699 ظلت يتيمة بل وتراجع فيها لاحقا عند مكافحته بالمتهم الطاعن وهي بذلك لا تصلح مطلقا بمفردها لثبوت الإدانة وبالتالي تكون المحكمة قد بنت حكمها على التخمين والاستنتاج المخالف لمعطيات الملف اليقينية وأورثت قضاءها ضعفا في التعليل".

3.              أن لا تتسم بالضعف والافتقار لما يدعمها ويعززها حتى ترجح لوحدها على قرائن وأدلة البراءة.

سبق لمحكمة التعقيب أن اعتبرت أنه لا مانع قانونا من اعتماد «شهادة متهم» على متهم خاصة إذا لم يقصد بها تبرئة نفسه وإلقاء تبعة الجريمة على من شهد ضده.[100] وفي ذات التوجه جاء في القرار التعقيبي الجزائي عـ15084ـدد الصادر بتاريخ 13 نوفمبر 2020[101] مايلي: "وحيث انبنت إحالة المتهم المطعون ضده فقط على تصريحات المتهم ت. والتي تراجع عنها. واعتبرت محكمة القرار المنتقد أن ادانة المتهم ر. غير ثابتة لخلو الملف من أية قرينة ادانة تدعم اقوال المتهم ت.، فضلا على تمسكه بالإنكار. وحيث لا خالف أن الأحكام لا تؤسس إلا على الجزم واليقين وأن الشك ينتفع به المتهم، وأضحى بذلك قضاء محكمة الحكم المطعون فيه سليم المبنى والسند ومعللا تعليلا مستساغا بالاستناد الى أوراق الملف". [102]

4.              ألا تكون محل قدح.

إذ نص المشرع بالفصل 63 م اج انه " لحاكم التحقيق أن يسمع على سبيل الاسترشاد بدون أداء اليمين... ثانيا: الأشخاص الذين لا يمكن قبول شهاداتهم تطبيقا لقواعد م م م ت". فـ"اهمال المحكمة الجواب عن القدح القانوني في البينة المثبتة للادانة يوهن ذلك الحكم و يجعله عرضة للنقض".[103]

ومن بين الحالات الواردة بالفصل 96 م م م ت والتي يجب التأكد من عدم توفرها لدى المتهم:"أولا: العداوة الواضحة... ثانيا: إذا كان للشاهد منفعة شخصية لأداء الشهادة...عاشرا: إذا كان الشاهد محكوما عليه من اجل جريمة مخلة بالشرف". وبالتالي "يمكن اعتماد شهادة متهم على آخر طالما انه ليس في شهادته اى مصلحة شخصية".[104]

فـ"شهادة" متهم على متهم لا تكون مقبولة إلا إذا خلت من القوادح القانونية وكانت واضحة ومتماسكة ووقع الإصرار عليها في جميع مراحل البحث ومعززة بحجج أخرى ثابتة وإذا انعدمت الشروط المذكورة أعلاه فإنه لا يمكن الأخذ بها لتكوين عقيدة القاضي الجزائي ونسبة أي جريمة ضد متهم أو مظنون فيه.

ويستخلص من جملة ما سبق أن مكانة الشهادة كوسيلة إثبات رئيسية في المادة الجزائية لم تحل دون التشكيك فيها بصفة مستمرة لما يعتريها من عيوب مرتبطة بسلامة حواس الشاهد وحالته النفسية وتزداد هذه الشكوك عندما يتعلق الأمر بتصريحات متهم أدلى بها دون يمين ولدوافع يصعب التأكد من نزاهتها وخلوها من الرغبة في الانتقام والتشفي وتوريط الغير لأي سبب كان فما يسمى"شهادة" متهم على متهم هو دليل يشكو من عيب مضاعف ففيه ما في الشهادة من مساوئ مضاف إليها خلوه من الضمانات القانونية المقررة للحد من تلك المساوئ والمتمثلة أساسا في وجوبية أداء اليمين. وهو ما جعل محكمة التعقيب تميل إلى ترك الأمر لوجدان القاضي.

 

الفقرة الثانية- مواصلة التعويل على وجدان القاضي.

يعرّف الوجدان الخالص على أنه طريق القاضي إلى الحقيقة عبر تقييم ما تمّ تقديمه من أدلّة بما يعطيه صلاحية جمع وسائل الإثبات الموصلة إلى الحقيقة مهما كان نوعها ودون تقييده بأيّة حدود[105] وهو أيضا ذلك المجهود الذي يبذله في البحث عن إثبات الجريمة بنفسه ومزج ما توصّل إليه بما قدّمته الأطراف حتى يكوّن قناعته ويجعلها لصيقة بالحقيقة[106] فهو حرية القاضي في أن يقتنع بنسبة أو عدم نسبة الفعل المجرّم إلى المظنون فيه[107] بعيدا عن الاعتباطية وبالتصاق مباشر بوسائل الإثبات المظروفة بملف القضية[108] بما يجعل من حكمه صوت العقل فيه[109].

إن فقه القضاء مستقرّ حول اعتبار أنّ القاضي الجزائي يحكم بالإدانة أو بالبراءة وفق وجدانه الخالص[110].

وهو ما جعل محكمة التعقيب في بعض قراراتها تؤكد أنه: "للمحكمة الجزائيّة حريّة تقدير وسائل الإثبات التي إقتنتعت بها واطمأنت إليها في نطاق اجتهادها المطلق ولها أن تستند لكل حجّة لم يحجّرها القانون بشرط أن تطرح تلك الحجّة على النقاش وأن تؤدّي منطقيا للنتيجة التي انتهى إليها الحكم. ولا شيء يمنع قانونا القاضي الجزائي من الاستناد لأقوال متّهم واتّخاذها حجّة على متهم آخر"[111].

وفي قرار أخر اعتبرت محكمة التعقيب أن قاضي الموضوع يمكنه الأخذ بأيّ دليل لم يحجره القانون واطمأن إليه وجدانه وحيث لا يوجد أيّ نص قانوني يمنع القاضي من أن يستند في الإدانة إلى مجرّد اعتراف متهم على آخر متى اطمأن إليه ولا شيء بالقانون يمنع اعتماد هذا الاعتراف كأساس للحكم بالإدانة أو البراءة[112].

ويتحصحص من خلال القرارات السابقة أنّ محكمة التعقيب تقر للقاضي الجزائي بحريّة كاملة في تقديره للقوّة الثبوتيّة لوسائل الإثبات سواء المقدّمة إليه أو التي استنتجها بنفسه.

ومن الواضح أن فقه القضاء يعتبر أحيانا أن نظام الاقتناع الشخصي للقاضي الجزائي يجعل هذا الأخير غير ملزم بإعطاء تفسير أو تبرير بشأن القوة الثبوتية للأدلة التي يعتمدها.[113]

 ولكن هذا التوجه لا يمكن القبول به إذ إن خطأ القاضي الجزائي بسبب قناعته الشخصية أمر تأباه العدالة ولهذا فلا بد من الحد من اطلاقيتها وإخضاعها لقواعد تنظيمية تحصنها وتضمن أن استخلاص الدليل تم بناءا على مسلمات لا جدل حولها ولا التباس.[114]

كما أن هذا المنهج يذكرنا بالنظام القديم للإثبات في فرنسا قبل الثورة الفرنسية الذي كان نظاما قانونيا يعتمد بعض النصوص والأعراف التي كانت تفرض على القاضي الجزائي التجريم إلزاما بمجرد أن تقوم الأدلة على المتهم في شهادتين متطابقتين وإذا جاءت الشهادة من شاهد واحد فالإدانة قائمة لكن العقوبة تكون أخف وطأة فقط.[115]

فحرية القاضي في تأسيس قناعته على الدليل الذي يرتاح اليه وجدانه مشروط بأن يكون هذا الدليل مقبولا قانونا وقائما على إجراءات صحيحة.[116]

وهو ما كرسته محكمة التعقيب في القرار عدد 36258 المؤرخ في 30/04/2003 (غير منشور) الذي ورد فيه ما يلي:" حيث ولئن خول القانون لقاضي الموضوع الحكم بمقتضى وجدانه من خلال حرية تقديره للوقائع وتقييمه للأدلة والقرائن الموجودة بها واستخلاص النتيجة القانونية المترتبة عنها الإدانة أوجب عليه تعليل أحكامه تعليلا مستساغا واقعا وقانونا وهو شرط لا يتوفر إلا متى شمل نظره كافة عناصر القضية التي لها تأثير على وجه البت فيها وتناول بالدرس والتقييم والترجيح ما تحتويه الوقائع من الأدلة المثبتة للتهمة أو الدافعة لها حتى تتمكن هذه المحكمة من إجراء حق الرقابة على الأحكام والتأكد من حسن تطبيق محكمة الموضوع للقانون على الوقائع المثبتة في الأوراق ".

ويبدو ان محكمة التعقيب باتت تميل الى هذا التوجه، فقد أعادت تأكيد موقفها سنة 2005 حين اعتبرت انه:" ولئن جعل الفصل 150 من مجلة الإجراءات الجزائية وجدان القاضي الجزائي الخالص هو المرجع في إقتناعه بالأدلة التي تطرح عليه وفي اطمئنانه إلى صدقها فإن ذلك يبقى دائما مقيدا بعدة شروط ضمانا لحريات الأفراد منها أن يكون ذلك الوجدان مستمدا من أدلة قائمة في الدعوى وصحيحة ومن ثم فإذا أقام الحكم المنتقد قضاءه على أدلة وهمية ليس من شأنها أن تؤدي على ما استخلصه منها فإنه يكون عرضة للنقض للفساد في الاستدلال وضعف التعليل"[117].

فقد جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 69632 الصادر بتاريخ 2019/03/26[118] مايلي: "وحيث أنه من المبادئ الراسخة فقها وقضاء أن الحكم الجزائي من شأنه إحراز الحجية الواقعية والقانونية كلما أحاطت محكمة الأصل بجميع البراهين المثبتة والنافية للتهمة ودون إغفال ملابساتها واستدلالاتها ودون إهمال ما من شأنه التأثير على وجه البت في القضية… لكون محكمة الأصل هي كاشفة الحقائق ترصدها حيث تجدها وهي تقف عند حدودها…".

كم جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 81270 الصادر بتاريخ 2019/05/06[119] مايلي: "وحيث أن التعليل من الناحيتين الواقعية والقانونية مؤداه أن دور المحكمة ال يقتصر على تحقيق أدلة اتجاه واحد سواء للإدانة أو للبراءة بل بالإضافة إلى ذلك فإن محكمة الموضوع ملزمة باستقراء كل الأدلة في الاتجاهين المذكورين ثم ترجيح بعضها على بعض وبيان اسباب ذلك الترجيح صونا لقرينة البراءة. وحيث بالرجوع إلى أسانيد الحكم المطعون فيه يتضح أن المحكمة لم توازن بين أدلة البراءة وأدلة الإدانة التى انبنت على الاستنتاج دون بيان الأركان القانونية لجريمة نص الإحالة بكل دقة وتفصيل وبيان مدى توفرها في جانب المعقب من عدم ذلك".

وكذلك جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 34721 الصادر بتاريخ 2022/12/06[120] مايلي: "وحيث لا جدال أن القواعد الإجرائية الجزائية الآمرة تتولى وضع الاجراءات اللازمة لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة الجنائية وتحديد الضوابط التي تحكم السلطة العامة في ممارسة صلاحياتها وبالتالي تحقيق التوازن بين حماية المجتمع واستقراره وبين حماية حرية الأفراد وحقوقهم في إطار النشاط الإجرائي الضامن للعدالة الجزائية".

وفي نفس السياق جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 82863 الصادر بتاريخ 2019/03/05[121] مايلي: "حيث أنّه لا خلاف أن تعليل الأحكام هي من الأمور الأساسيّة اللازمة لصحتها… ويبقى دور محكمة التعقيب منصبا على مراقبة مدى احترام المحكمة لمقتضيات القانون في اجتهادها ومدى تناولها ومناقشتها لكافة المستندات القانونيّة التي استندت عليها عند قضائها فضلا عن مدى موازنتها بين الأدلة والقرائن التي لها أصل ثابت بملف القضيّة. وحيث استقر فقه القضاء على اعتبار أن حق الدفاع الواردة أحكامه بالفصل 144 من م.ا.ج وغيره من الفصول المتناثرة بمجلة المرافعات الجزائية هو من المبادئ القانونية العامة والأساسية ومن الحقوق الطبيعية التي تعطي الشخص حقه في الإثبات قبل البت في النزاع في وتعطي النزاع مظهر المواجهة، وعلى أن المحكمة مطالبة بتفحص ما يثيره لسان الدفاع من دفوعات والردّ عليها، إلا أن هذا الحق لا يشمل بالضرورة كل الدفوع وإنّما بالأساس الجوهرية منها والتي من شأنها أن تؤثر على نتيجة ومآل القضيّة…".

وجاء أيضا في القرار التعقيبي الجزائي عدد 73131 الصادر بتاريخ 2019/03/25[122] مايلي: "وحيث وعلاوة على ظاهر الفرض القانوني فإن تعليل الأحكام يعّد حقا للمتقاضي على محكمته وهو حق يندرج في سياق ضمانات المحاكمة العادلة التي على المحكمة تحرّي تمتّعه به بما أن تعليل الأحكام وحده ما يمكن من حكم لفائدتهم أو ضدّهم ونوابهم من تبيّن أن القاضي الذي نظر دعواهم استند للقانون في فصلها. وحيث وزيادة على ما ذكر فإن ذات التعليل من دعائم الثقة العامة في القضاء اعتبارا لكونه يعكس حياديّة الحكم وبعده عن الأهواء وهو أمر على القضاء أن يتحراه".

وجاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 76343 الصادر بتاريخ 2019/05/08[123] مايلي: " حيث أن القاضي الجزائي مطالب بالإحاطة بجميع عناصر الدعوى وتطبيق نص الإحالة على الوقائع المعروضة عليه ليقوم بتكييفها بصورة تجعل الحكم المنطبق عليها سليما مع تعليل كاف ليس فيه تغيير أو تناقض أو تحريف للوقائع أو إهمال لعناصر القضية، ورقابة محكمة التعقيب تنصب في هذا الصدد على كيفية البناء المنطقي المستساغ للحكم وتستهدف تطبيق القانون إقرارا لمبدأ الشرعية مما يفترض حتما التحقق من سلامة التكييف الذي خلصت إليه المحكمة وفهمها الصحيح للوقائع المعروضة عليها وملابساتها فالخطأ في ذلك قد يؤدي إلى خلق جرائم لم يعرفها المشرع أو إفلات جناة من العقاب".

وذهبت المحكمة في القرار التعقيبي الجزائي عدد 19510 الصادر بتاريخ 2016/01/07 [124] ألى أنه: " وحيث أن النتيجة المذكورة لا تتجافى مع الأوراق وهي موصلة منطقيا لها فالمعطيات المتوفرة بالملف تؤكد أن الشيء يؤيد التهمة المنسوبة للمتهم للمعقب ضده خاصة وأن عرض صورة المعقب ضده على بقية المتهمين وتعرفهما عليه من خالل الصورة لا يمكن أن يكون دليلا قاطعا على الإدانة أمام إنكار المتهم م. طيلة مراحل البحث إضافة فإنه من المسلم به فقها وقضاء أن تصريحات متهم على متهم لا يعتد بها قانونا على معنى الشهادة إلا متى تدعمت بأدلة وقرائن خارجية تعززها وهذا ما لم يتوفر في ملف الحال". و"يعتبر مقتضيا وغير معلل بما فيه الكفاية القرار الذي رفض الشهادات المتلقاة بدعوى انه لا يمكن الاطمئنان اليها".[125]

فشرط تعليل الحكم مستمد من أحكام الفصل 168 م ا ج وهو عنصر ضروري لسلامة الحكم من البطلان طبق أحكام الفصل 199 م ا ج .

وقد سبق لمحكمة التعقيب أن بينت في قرار ممتاز قيمة وأهمية التعليل كضمانة عامة لحسن وسلامة تطبيق القانون إذ قررت مايلي: "حيث أن العمل القاضي له أصول وثوابت عريقة أساسها إقامة العدل بين الناس تطبيقا للقانون واستنادا إلى الحجة والدليل في إطار احترام حقوق المتقاضين سواء كانوا متضررين أو متهمين أو طالبين أو مطلوبين وهي ثوابت لا يمكن الحياد عنها تحت أي ضغط أو ظرف. ولا يكون القضاء قضاء إذا لم يتناول بالنقاش دفوعات الطرفين ويجيب عليها ويرد ما يرد ويقبل استنادا إلى القانون ومنطق الواقع. وحيث أن الجدية في تحييث الأحكام وفي عرض المحكمة لرأيها بخصوص المسائل القانونية المعروضة وعليها وتجنب السفسطة والسطحية أمر بديهي وهو فوق ذلك واجب يفرضه القانون ويفرضه حسن سير القضاء ويفرضه إحترام المحكمة لمهمتها الرامية إلى رد المظالم وصيانة الحقوق ويفرضه إحترامها لمهمة الدفاع الرامية إلى مساعدة المتقاضين على التوصل بحقوقهم ويفرضه احترامها للمتقاضين الذين يعتبرونها الملجأ الأخير الذي يلوذون به لكف ما تسلط عليهم من أذى وضرر أو لإنصافهم من الإدعاءات الباطلة والكيدية والمغرضة. وحيث بقطع النظر عن ثبوت الإدانة من عدمها فأنه سبق لدفاع المتهم أن تمسك أمام محكمة القرار المنتقد بالمطاعن المعروضة الآن على محكمة التعقيب وهي مطاعن جدية تستحق الرد كما أدلى بجملة من المؤيدات التي تستوجب الدرس واستخلاص النتائج القانونية منها إلا أن الهيئة الحاكمة اكتفت بتصريحات المتضرر والشاهد وابتدعت قرينة جديدة تتمثل في تصريحات الباحث، ليصبح الباحث هو الذي يدلي بالتصريحات عوضا عن تلقيها، دون أن تبين رأيها فيما عرض عليها حتى تتمكن هذه المحكمة من مراقبة تطبيق القانون ودون أن تبرز أركان الجريمة ولا أن تتعرض لما تمسك به دفاع المتهم سواء بتضمينه أو بالرد عليه وهو ما يجعل حكمها هزيلا على مستوى القانون والواقع وتعليلها فاقدا للجدية والموضوعية واتجه تبعا لما تقدم نقض ما صرحت به الهيئة الحاكمة مع الإحالة"[126].

ويستخلص من جملة ما سبق أن المشرع جين فرض تقنية التعليل فقد أراد ترشيد العمل القضائي وإخضاعه لرقابة لاحقة تسمح بالحكم عليها بالصحة أو بالبطلان وهي رقابة تتم بناء على طعن الدفاع في سلامة الاجراءات حماية لحريات الناس[127].

وفي نفس التوجه جاء بالقرار التعقيبي عدد 48377 المؤرخ في 14 افريل 1993 ما يلي:" إن مسألة تقدير الأدلة واستخلاص النتائج القانونية منها وان كان من اجتهاد محكمة الموضوع المطلق فان ذلك مشروط بتوخيها التعليل المنطقي المستساغ دون تحريف أو تغيير في الوقائع أو خطأ في تطبيق القانون"[128].

وختاما يمكن القول مجددا وبعد مرور ثمانية عشر عاما على صدور قرار 2005 المذكور أعلاه إن تعامل القضاء مع تصريح متهم على متهم ينبغي بات يتسم بالحيطة والحذر ومدعم بالتمحيص والتدقيق، لأن كثيرا من المتهمين يسعون إلى توريط أناس أبرياء بدوافع الحقد أو الانتقام، لذلك فهم لا يتورعون عن تضليل العدالة وخلط الأوراق والتحكم في مصائر الآخرين بتصريحات غير مسؤولة، وتوجد حالات كثيرة مشهورة عمليا في قضايا المخدرات. فالحكم القضائي الذي يعتمد في الإدانة على تصريح متهم على آخر كدليل وحيد، هو حكم ضعيف على مستوى السند والمستند، تطوقه من أمامه ومن خلفه ومن حواليه علامات تعجب متتالية وغير متناهية في شأن افتقاره لخصال الحكم السليم القويم وهي الجزم واليقين المؤدي وحده الى السكينة والطمأنينة وراحة الضمير، وإذا كان المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته فإن تصريح متهم على آخر ضعيف إلى أن تثبت قوته، ولن تثبت قوته إلا إذا تم تدعيمه بحجة أخرى تحقيقا لمبدأ معروف في فقه القضاء الجنائي وهو مبدأ تساند الأدلة وتعاضدها بشكل يجعل بعضها مكملا للبعض الآخر. ولهذا فإن الحكم الصادر بناء على تصريحات مجردة لمتهم هو في الحقيقة مجرد حكم مقرر لإدانة قضى بها ذلك المتهم على الغير دون دليل مادي أو حجة تدعم مزاعمه. ويبدو أن جملة القرارات السابقة المذكور في هذا المقال تسمح بالقول إن محكمة التعقيب تبنت الكثير مما تضمنه تعليقنا على قرارها الصادر سنة 2005 وباتت اليوم تكرس في فقه قضاء مستقر الشروط الواجب توفرها في "شهادة" متهم على متهم حتى تكون دليلا قانونيا مقبولا.

 



[1]  سلوى المستوري ، القرائن القضائية "رسالة لنيل الشهادة في الدراسات المعمقة .....، ص10"

[2] محمد كمال شرف الدين، القانون المدني.

 [3]سليمان مرقس، مرجع سابق ، ص 130.

 [4] حسين المؤمن، نظرية الإثبات، الشهادة. ج2. بغداد 1951.ص 350. وانظر كذلك: وصال التيساوي، الشهادة في المادة الجزائية، مذكرة دراسات معمقة. كلية الحقوق بتونس.2003.

[5] ولقد عرّف الفقيه J.Pradel الشهادة بأنها " التصريحات المقدمة من قبل شخص يدعى شاهدا إلى القاضي أو أعوان الضابطة العدلية عما علم به بصفة مباشرة أو غير مباشرة حول مجريات الوقائع المراد إثباتها

 J. Pradel “ droit pénal op cit n° 280 p 311 “ le récit fait à un juge on a influence de police judiciaire par une personne appelé témoin de ce qu’elle a appris directement ou indirectement sur les faits à prouver

أنظر حول مكانة الشهادة في المادة الجزائية : قرار تعقيبي جزائي عدد737 مؤرخ في 06/06/1977 جاء فيه "حيث أن تقدير وسائل الإثبات ومنها شهادات الشهود ومدى تأثيرها على وجدان الحاكم الجزائي أمر موضوعي موكول تقديره لمحض اجتهاد محكمة الموضوع م ق ت 1978 عدد3 ص 79 وقرار تعقيبي جزائي عدد 29976 مؤرخ في 08/12/1989 وجاء فيه « تقدير الشهادة ولا سيما عند وجود تضارب بينها وبين غيرها من الشهادات والمعينات هو أمر موضوعي يعود إلى اجتهاد محكمة الأصل حسب وجدانها دون رقابة عليها في ذالك من طرف محكمة التعقيب طالما كان حكمها معللا بما له أصل بالأوراق ».ن .م .ت القسم الجزائي عدد 1 سنة 1989 ص 255 .

[6] Henry Batiffol ; observation sur la preuve des faits, et la preuve en droit, études publiées par ch. Perchman et P Foriers Bruxelles 198  P 304.

[7]  إبراهيم مصطفى ـ أحمد الزيات ـ حامد عبد القادر ـ محمد النجار، المعجم الوسيط. تحقيق / مجمع اللغة العربية. وقد ورد في باب شهد من الجزء الثاني: مايلي: ( شهد )على كذا شهادة أخبر به خبرا قاطعا و لفلان على فلان بكذا أدى ما عنده من الشهادة و بالله حلف و أقر بما علم و المجلس حضره و منه ما في التنزيل العزيز ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) و الحادث عاينه و في التنزيل العزيز ( قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله ) و الشيء عاينه و يقال شهد على شهادة غيره و شهد بما سمع( أشهده ) على كذا جعله يشهد عليه و الشيء أحضره( شاهده ) عاينه(تشهد ) قال أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله و طلب الشهادة( استشهد ) تعرض أن يقتل في سبيل الله و الرجل فلانا طلب منه أن يشهد و في التنزيل العزيز (واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) و بكذا احتج به( استشهد ) فلان قتل شهيدا( الإشهاد ) ( في الجنايات ) أن يقال لصاحب الدار إن حائطك هذا ماثل فاهدمه أو مخوف فأصلحه( التشهد ) في الصلاة التحيات و قراءتها( الشاهد ) من يؤدي الشهادة و الدليل و شبه مخاط يخرج مع المولود ( ج ) شهود و أشهاد و شهد و شهد و جمع غير العاقل شواهد و صلاة الشاهد صلاة المغرب و صلاة الفجر( الشهادة ) أن يخبر بما رأى و أن يقر بما علم و مجموع ما يدرك بالحس و الشهادة البينة ( في القضاء ) هي أقوال الشهود أمام جهة قضائية .

[8] وقد جاء في لسان العرب لابن منظور تحت كلمة: "شهد" مايلي:"والشَّهادَة خَبرٌ قاطعٌ تقولُ منه: شَهِدَ الرجلُ على كذا، وشَهِدَ فلان على فلان بحق، فهو شاهد وشهيد. واسْتُشِهْدَ فلان، فهو شَهِيدٌ. والمُشاهَدَةُ: المعاينة. وشَهِدَه شُهوداً أَي حَضَره، فهو شاهدٌ وقوله عز وجل: فمن شَهِدَ منكم الشهر فليصمه؛ المعنى: أَي كان حاضراً غير غائب في سفره والشهادة: الإِخْبار بما شاهَدَه"

[9]  سورة البقرة الآية 185.

[10]  سورة أل عمران الآية 18.

[11]  أنظر حول موقف مختلف المذاهب الفقهية السنية: رضا المزغني، أحكام الاثبات، دار الفجر. القاهرة. 1985 ، ص. 274- 284.

[12]  محمد بن عثمان بن سليمان المنيعي، احكام الشهادات في المذاهب الاربعة : فقه مقارن. رسالة ( ماجستير ) - جامعة ام القرى ، 1393 هـ 2007 م

[13]   عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثاني: الاثبات وآثار الالتزام.  ص 311، فقرة 161.

[14]  أحمد أبو الوفاء، الإثبات في المواد المدنية والتجارية،– الدار الجامعية للطباعة والنشر– 1983.ص 120

[15]- Hermann Bekaert, La manifestation de la vérité dans le procès pénal, Etablissement Emile Bruylant, 1972, P 11.

[16]  وهي غاية الإثبات الجزائي مثلما يتبين من الفصول: 15 و16 و50 و53 و55 و56 و64 و65 و72 و93 و97 و99 و121 و161 و187 من م ا ج.

[17]- Mohamed Hedi Lakhoua, La loyauté dans la recherche des preuves en matière pénale, Thèse pour le Doctorat d’Etat, Université de Droit, d’Economie et des sciences sociales de Paris, 1973,. P 09.

[18] Georges Levasseur, Le régime de la preuve en droit répressif  français, 3 ème colloque du département des droits de l’homme, Bruxelles, Etablissement Emile Bruylant 1977. P 29 et suiv.

[19]- Emanuel Molina,  La liberté de la preuve des infractions en droit français contemporain, Presses universitaires D’aix -Marseille- PUam, Faculté de droit et des sciences politiques 2001, P 15.

[20]- Bentham Jérémie, Traité des preuves judiciaires, Tome I. 2ème édition Paris 1830  P 100.

[21]- Serge Guinchard et Jacques Buisson , Manuel de procédure pénale, 5 ème édition Lexis Nexis Litec , ouvrage couronné , par l’académie des sciences morales et politiques  Prix Henori Texier 2000 pour la défense de la liberté individuelle  P 431.

[22]- Madeleine Lobe -Fouda , Procédure pénale, Panorama du droit collection dirigée par Guillaume Bernard, imprimerie France Quercy 2007  Licence- Master P 188.

[23]- عبد الرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, الطبعة الثانية, القاهرة دار النهضة العربية 1982 الجزء الثاني ص 14.

[24]- الفصل 150 منها

[25]- حسن العياري, الأدلة المادية في الإثبات الجزائي, مذكرة للإحراز على شهادة الدراسات المعمقة في العلوم الجنائية كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1998 – 1999 ص 5. عبد الله الأحمدي, دور القاضي في تحقيق الدعوى المدنية, أطروحة دكتوراه دولة في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1988. سليم بوقديدة , الشرعية والنزاهة في البحث عن الأدلة في المادة الجزائية, مذكرة لإحراز شهادة الماجستير في علوم الإجرام، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 2004– 2005 ص 11. أحمد فتحي بهنسي, نظرية الإثبات في الفقه الجنائي الإسلامي, دار الشروق الطبعة الخامسة 1989 ص 195.

Mohamed Hedi Lakhoua, La loyauté dans la recherche des preuves en matière pénale, Thèse pour le Doctorat d’Etat, Université de Droit, d’Economie et des sciences sociales de Paris, 1973, P 21.

[26]- قرار تعقيبي جزائي عدد 12436 بتاريخ 05 أفريل 2006 نشرية محكمة التعقيب لسنة 2006 ص 155.

[27] - محمود محمود مصطفى, شرح قانون الإجراءات الجنائية, مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي, القاهرة 1988, ص 432.

[28]- قرار تعقيبي جزائي عدد 13321 بتاريخ 30 أكتوبر 2001 نشرية محكمة التعقيب لسنة 2001 ص 151.

- قرار تعقيبي جزائي عدد 28664 بتاريخ 13 ديسمبر 1989 نشرية محكمة التعقيب لسنة 1989 ص 99.

- قرار تعقيبي جزائي عدد 1280 بتاريخ 10 ديسمبر 1977 نشرية محكمة التعقيب لسنة 1977 الجزء 02 ص 173.

[29]- Paul Maffei, La motivation des décisions judiciaires en matière répressive et son contrôle par la cour de cassation de Belgique, Revue de droit pénal et de criminologie, Septembre- Octobre 2009, P 889.

[30] - Pierre-Jérôme Delage, La dangerosité comme éclipse de l’imputabilité et de la dignité, Revue de science criminelle et de droit pénal comparé, Octobre/ Décembre 2007 N° 4, P 800.

[31] - قرار تعقيبي جزائي عدد 737 بتاريخ 06/06/1977, م.ق.ت لسنة 1978, عدد 07 ص, 79.

[32] - Graphe F., L'appréciation des preuves en justice, (essai d’une méthode technique), Libr. du Recueil Sirey 1947, P 349

[33] - قرار تعقيبي جزائي عدد 8975 مؤرخ في 10 أفريل 1974, نشرية محكمة التعقيب لسنة 1974, الجزء الأول, ص 146. ولقد جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 2165 بتاريخ 19 أكتوبر 1977 أنه "لا تثريب على محكمة الأصل فيما اعتمدته من الأخذ ببعض جوانب الشهادات الدالة على الإدانة وإلغاء الباقي منها إذا ما عللت ذلك بتعليل مستوف من الناحية الواقعية والقانونية"، نشرية محكمة التعقيب لسنة 1977, الجزء 2, ص 90.

[34]  قرار تعقيبي جزائي عدد 11343 مؤرخ فى 19/03/1975 نشرية محكمة التعقيب عدد 1 سنة 1976. ص 172.

[35] - يستعمل المشرّع الفرنسي المصطلحات التالية للتعبير عن المتهم

 L’inculpé, Le prévenu, L’accusé 

أما L’inculpé فهو كل شخص يشتبه في ارتكابه مخالفة أو جنحة أو جناية.

أما Le prévenu ، فهو من تتخذ ضدّه الإجراءات باعتباره مذنبا في مادة الجنح

و L’accusé فهو من تتخذ ضدّه الإجراءات باعتباره مذنبا في الجنايات

هذه التعريفات وردت وفقا للمادة 111 من المرسوم الصادر في 20 ماي 1903- في فرنسا.

وقد دأب المشرّع المصري على استعمال لفظة "متهم" في كل مراحل الدعوى الجزائية لذلك يعتبر إدراج مصطلح المشتبه فيه.

[36] - رمسيس بهنام: الإجراءات الجنائية، تأصيلا وتحليلا. منشأة المعارف 1984 ص 175

[37] - القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة المسجونين وإجراءات التنفيذ- إدارة شؤون الإعلام نيويورك 1984، ص 15- فرع ج.

[38] - عمر فاروق الحسيني : تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف: المطبعة العربية الحديثة، القاهرة 1986، ص 70.

[39] - انظر الفصول: 68،69،71،74،76 من م ا ج

[40] -  انظر الفصلين: 70و75 من م ا ج.

[41] - أنظر الفصل 9 م ا ج وحياة عباس : التعذيب بين الواقع والقانون : مذكرة للحصول على شهادة الدراسات المعمقة في القانون 1992حياة عباس : التعذيب بين الواقع والقانون : مذكرة للحصول على شهادة الدراسات المعمقة في القانون 1992

[42] مقالنا: فيما يسمى "شهادة" متهم على متهم، مجلة الاحبار القانونية عدد 1 أفريل 2006.

[43] ) ينص الفصل 61 م ا ج على ما يلي:" كل شخص استدعي بوصفه شاهدا ملزم بالحضور وأداء اليمين والإدلاء بشهادته مع مراعاة أحكام المجلة الجنائية المتعلقة بسر المهنة..."  وينص الفصل 64 م ا ج على ما يلي:"على الشاهد أن يحلف قبل أداء الشهادة على أن يقول الحق كل الحق وألا ينطق بسواه ويقع إنذاره بأنه إذا شهد زورا استهدف للتتبع طبقا لأحكام المجلة الجنائية".

[44] ) خلافا لما هو عليه الحال في في المادتين المدنية والتجارية يجب على الشاهد في المادة الجزائية أداء اليمين قبل الإدلاء بأقواله، أنظر في هذا الاتجاه القرار التعقيبي المدني عدد 7239 مؤرخ في 14 ماي 1970 نشرية ص 89. وقد جاء في مبدئه:"إذا كان الشاهد في المادة الجنائية يتوجّب عليه القسم فإنّ الشهادة تتم بدون قسم، في المادة المدنية ". وانظر في ذلك عموما: نور الشريف، نزاهة الشهادة. مجلة حوليات العلوم القانونية، عدد 1، 2007.

[45] ( Merle(R) et Vitu (A)  ; Traité de droit criminel. Procédure pénale.  Ed.Cujas. n746.

[46] ) أنظر المادة 14(3)(ز) من "العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية": "لكل متهم بجريمة أن يتمتع أثناء النظر في قضيته، وعلى قدم المساواة التامة، بالضمانات الدنيا الآتية:... (ز) ألا يكره على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بذنب."

[47] ) نور الشريف، مرجع سابق.

[48] يرى البعض أن الصمت هو وضع يستفيد منه المتهم تأسيساً على قرينة البراءة وليس حقاً شخصياً. عبد الرؤوف مهدي ، حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته ، المنصورة ، 2000 ، ص28. وقد أقر المشرع التونسي حق المتهم في الصمت سواء امام قاضي التحقيق (راجع الفصلين 69 و74 م ا ج) أو امام المحكمة (راجع الفصل 148 م ا ج) غير أن غالبية التشريعات لا توجب على القاضي إعلام المتهم بحقه في الصمت. يستثنى من ذلك قانون الإجراءات الجزائية البرتغالي الذي قرر صراحة أن المتهم يتمتع في كافة مراحل الدعوى الجنائية بحق عدم الإجابة على الأسئلة التي تطرح عليه ويترتب على ذلك أنه إذا لم تصرح المحكمة للمتهم بهذه الإمكانية فإن الأقوال التي يدلي بها تعتبر غير مقبولة (المادة 58/3).

J. Pradel, op. cit., p. 448 ; A. Rodrigues, La preuve en procédure pénale comparée, Rapport portugais, RIDP. 1992, p. 306 et s.

تدعم التشريعات ذات الأصل الأنجلو أمريكي حق المتهم في الصمت خلال مرحلة المحاكمة عبر نظام المفاوضة على الاعتراف Plea Bargaining ، والذي يسمح للمتهم بالخيرة بين أن يترافع كمتهم أو كغير متهم في بداية الجلسة. وهذا النظام عبارة عن مفاوضات تجري بين النيابة العامة والمتهم وتنتهي باتفاق بينهما بموجبه يعترف المتهم بالتهمة الموجهة إليه في مقابل حصوله من النيابة العامة على بعض المزايا ، مثل تغيير وصف التهمة من وصف أشد إلى وصف أخف ، أو حفظ التحقيق عن تهمة أخرى ، أو الحصول على وقف تنفيذ الحكم ، أو الإفراج الشرطي بعد فترة من تنفيذ العقوبة. وبناء على ذلك فإن المتهم بعد أن يحاط علما الأدلة القائمة ضده يستدعي للمرافعة بالجلسة كمتهم أو غير متهم وبقبوله الترافع كمتهم فإنه يتنازل عن الحقوق المقررة له في الدعوى الجنائية ويعترف بالتهمة بكل عناصرها ، وكذلك ليس له أية وسائل دفاع يبديها أمام هذا الاعتراف ، والمحكمة بعدما تتأكد من هذا الاعتراف تحكم عليه مباشرة بالعقوبة. وبقبول المتهم الاعتراف بالتهمة يكون قد تنازل عن حقوق أساسية مثل الحق في الصمت ، والحق في عدم جواز العقاب عن ذات الفعل مرتين ، وكذلك الحق في مناقشة الشهود والحق في طلب تأجيل الجلسة. لكن هذا النظام المقرر في التشريعات الأنجلو أمريكية لا يصلح بذاته للتطبيق في الدول ذات الصبغة اللاتينية ، ومنها تونس، نظراً للاختلاف دور النيابة العامة. فلمحكمة الاصل تغيير التكييف القانوني للفعل، بالإضافة إلى أن سلطة النيابة العامة على الدعوى الجنائية تنتهي بمجرد دخول الدعوى في حوزة المحكمة المختصة ولا تملك سوى إبداء الدفوع والطلبات والطعن على الحكم باعتبارها خصم في الدعوى الجنائية. فضلاً عن أن تطبيق هذا الإجراء سيقصر وظيفة القاضي على  مجرد التوزيع الأوتوماتيكي للعقوبة. هذا فضلاً عن أن الاعتراف يبطل بسبب الوعد والوعيد وبسبب الترغيب أو الترهيب، كما أن الحقيقة التي يكون الحكم القضائي عنوانا لها لن تظهر لأن الحكم المبني على هذا الإجراء يكون بدون تحقيق وبدون مرافعة حضورية. وأخيراً فإن من شأن قبول هذا الإجراء في التشريعات اللاتينية من شانه حرمان المضرور من الجريمة من اللجوء للقضاء الجنائي بدعواه المدنية. راجع لمزيد من التفصيل ،

J. Richart,La procédure du Plea bargaining en droit américain, RSC.1975.p.397 et s.

غنام محمد غنام ، مفاوضات الاعتراف بين المتهم والنيابة العامة في القانون الأمريكي ، دار النهضة العربية ، 1993.

إلا أن بعض التشريعات قد دعمت هذا الحق كذلك في المرحلة السابقة على المحاكمة. ففي القانون الإنجليزي يجب على الشرطة وجهة التحري إحاطة المتهم بالحقوق التي يتمتع بها قانونا ، وليس لهذا الأخبار شكل محدد، إذ قد يكون شفويا أو كتابياً.  ويلتزم رجل الشرطة بإحاطة المتهم بأنه غير مكره على الإجابة على الأسئلة التي توجه إليه، وأن كل قول له يمكن الاستناد إليه قضائياً

" J. Spencer, Le procès pénal en Angleterre, in Procès pénal et droits de l’homme, op. cit., p. 117 et s.".

وكذا يقر القانون الأمريكي هذا الحق في مرحلة البحث الأولي، ففي عام 1966 كرست المحكمة العليا القواعد التي تطبق على استجواب الشرطة وذلك في قضية ميراندا Miranda   ، ومنها وجوب إعلان المتهم بعبارات واضحة وغير غامضة في أن له الحق في البقاء صامتا ، وأن كل ما يقوله أو يدلى به يمكن أن يستخدم ضده أمام المحكمة ، وإذا فضل المتهم البقاء صامتاً تعين وقف الاستجواب على الفور."راجع تقرير ب.ج. جورج، حول مرحلة ما قبل المحاكمة في النظام الأمريكي ، أعمال المؤتمر الثاني للجمعية المصرية للقانون الجنائي ، حماية حقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية في مصر وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية ، الإسكندرية ، من 9 إلى 12 أبريل 1988 ، ص313 ، وأحمد عوض بلال ، التطبيقات المعاصرة للنظام الاتهامي في القانون الأنجلو أمريكي ، دار النهضة العربية ، 1992 ، ص320 وما بعدها."

هذا الأمر بذاته قد تقرر في قانون الإجراءات الجزائية الإيطالي الجديد المطبق منذ عام 1989، حيث وضع هذا القانون تصوراً جديداً لاستجواب المتهم بمعرفة الشرطة وذلك تحت تأثير تحول هذا القانون من النظام الاستقرائي إلى النظام الاتهامي على غرار النظام الإنجليزي. ووفقاً للمادة 350 من هذا القانون لا يجوز استجواب المتهم بواسطة الشرطة القضائية إلا بتوافر شرطين : الأول احترام الضمانات المنصوص عليها في المادة 64 من قانون الإجراءات والتي تقضي بتأكيد حق كل شخص يستجوب في عدم الإجابة على الأسئلة ، أي صمته وحقه أن يخبر مقدماً بهذه الميزة. وتستلزم المادة 64 ضرورة إخبار المتهم بحقه في البقاء صامتاً ولو كانت الجريمة في حالة تلبس. وتلتزم أيضاً بهذا الإخبار النيابة العامة. ومخالفة ذلك يترتب عليه بطلان ويكون إخبار المتهم بالحق في الصمت والمحامي خلال كل استجواب وليس الاستجواب الأول فقط وذلك من أجل تحقيق فعالية الحق في الصمت واحترام إرادة المتهم.

" M. Chiavario, Le procès pénal en Italie, in Procès pénal et droits de l’homme, op. cit., p. 77 et s."

وقد اعترف المشرع الفرنسي بحق المتهم في الصمت في مرحلة جمع الاستدلالات بنص صريح بعد تعديل المادة 63/1 من قانون الإجراءات الجزائية بموجب القانون رقم 516 لسنة 2000 الصادر في 15 يونيو 2000 حيث نص التعديل الجديد على أنه يتعين إخبار الشخص المحتجز بوليسياً بحقه في عدم الإجابة على الأسئلة التي توجه إليه من المحققين. وكذا يطبق الحق في الصمت في مرحلة التحقيق الابتدائي وفقا للمادة 116/3 والمتعلقة بالحضور الأول أمام قاضي التحقيق، حيث تنص هذه المادة على عدم جواز استجواب محل الملاحظة (المتهم) إلا برضاه.

[49]  الفصل 74 م ا ج: "إذا امتنع ذو الشبهة عن الجواب أو أظهر عيوبا تمنعه وليست فيه فإن حاكم التحقيق ينذره بأن البحث في القضية لا يتوقف على جوابه وينص على هذا الإنذار بالتقرير.".

[50]  الفصل 148 م ا ج: " إذا امتنع المظنون فيه عن الجواب جاز إتمام المرافعة بدون توقف على كلامه ويعتبر الحكم في هذه الحالة حضوريا".

[51]) يرى البعض أن الكذب إنما هو رخصة للمتهم وليس حقاً ، حسن محمد ربيع ، الكذب وحق المتهم في الدفاع عن نفسه ، مجلة الأمن العام ، ع133 ، س29 ، أبريل  1986 ، ص53.

[52]) جدير بالذكر أن التشريعات الأنجلو أمريكية تأخذ بفكرة المتهم / الشاهد. ووفقا لهذا النظام يختار المتهم بحرية بين الشهادة أو عدم الشهادة لصالح دفاعه. ففي القانون الأمريكي إذا اختار المتهم عدم الشهادة ، أي التزم الصمت ، فلا يجوز لسلطة الاتهام أو المحكمة أن تستدعيه للشهادة أو الإدلاء بأقواله. أما إذا اختار المتهم الشهادة أو الإدلاء بأقواله فإنه يعامل كشاهد عادي ، وبالتالي يجبر المتهم على أداء اليمين ، ويتعرض فضلا عن ذلك إلى استجواب مضاد من الاتهام وبالتالي تكون مصداقيته معرضة للانتقاد بواسطة الأحكام السابقة الصادرة ضده. ولا يعرف القانون التونسي نظام المتهم الشاهد ، إذ لا يجوز سماع المتهم شاهداً ضد نفسه لما يترتب على ذلك حرمانه من الحق في الدفاع. كما أنه لا يجوز أن يكون الشاهد في وضع الخصم وبالتالي لا يخول للشخص أن يكون شاهداً وخصما في وقت واحد. ويترتب على عدم جواز سماع شهادة المتهم ضد نفسه أن الشاهد يخطر بأنه في موضع الشهادة لا موضع الاتهام. وهو نفس الحل المتبع في القانون الفرنسي حين نص في المادة 105 إجراءات جزائية على عدم جواز سماع الشخص إذا كان هذا السماع سوف ينال مما لديه من ضمانات الدفاع ، وإنما يتعين استجوابه كمتهم. أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ، ص504 وما بعدها ، د. علاء الصاوي ، المرجع السابق ، ص606-607.

[53]) عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ، ص29. 

[54]) عكس ذلك محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص681.

[55] ) أنظر على سبيل المثال: المادة 180/2 من قانون المحاكمات الجزائية العراقي ، و المادة 158 من قانون المحاكمات الجزائية الكويتي. وهو ما أكدته محكمة النقض المصرية بقولها إن "مسلك المتهم في الدفاع عن نفسه بكل السبل لا يصح اتخاذه دليلا على قيام موجب المسئولية في حقه" (نقض 3 يونيو 1968 ، مجموعة أحكام النقض ، س19 ، رقم 133 ، ص657).

[56]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[57]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[58]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[59])- أنظر في هذا الصدد القرار التعقيبي الجزائي عـــدد 49933 المؤرّخ في 14 فيفري 1994 والذي ورد فيه أن تضافر الأدلّة والقرائن يجعل النتيجة التي توصل إليها قضاة الموضوع في طريقها طالما كانت معلّلة تعليلا مستساغا من الناحية القانونيّة والواقعيّة نشريّة محكمة التعقيب. القسم الجزائي لسنة 1994 ص. 94 و95.

[60]) - قرار تعقيبي جزائي عــدد 8576 مؤرّخ في 6 مارس 1985 م ق ت عــدد 5 ماي 1986 ص 93.

[61] ) قرار تعقيبي جزائي عدد 4247 مؤرخ في 21 ديسمبر 2000نشرية محكمة التعقيب – القسم الجزائي – لسنة 2000. ص.

[62] ) الياس أبو عيد، أصول المحاكمات الجزائية.2002. ج1. ص557. رقم 204.

[63] ) انظر الفصل 168 م ا ج.

[64]) سامي صادق الملا ، كفاية الشك سنداً للقضاء بالبراءة ، مجلة الأمن العام ، س14 ، ع78 ، يوليو 1978.

[65] ) أنظر في نفس الاتجاه:

Merle(R) et Vitu (A) ; Traité de droit criminel. Procédure pénale. éd. Cujas. n.753

[66] )- قرار تعقيبي جزائي عـدد 59169 مؤرّخ في 16/01/1995 ن.م.ت.ق.ج. 1995 ص 43.

[67]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[68]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[69]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[70]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[71]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[72]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[73] ) قرار تعقيبي مدني تحت عدد 1740 وارد في النشرية القسم المدني.ج 1 ص 52.

[74] ) عاطف النقيب، أصول المحاكمات الجزائية، ط2. 1993.ص331. ومحمود نجيب حسني، الإجراءات الجنائية. ط2. 1988.ص460 رقم496. وزكي العرابي، المبادئ الأساسية للإجراءات الجنائية، ج1.ص460. رقم 913.

[75] ) سامي صادق الملا، اعتراف المتهم. طبعة 1992ص 285 فقرة219.

[76] )- قرار تعقيبي عــدد 6313 مؤرّخ في 4 مارس 1970 م ق ت 1970 .

[77] ) قرار تعقيبي جزائي عدد 102965 مؤرخ في 14 جويلية 1999 نشرية محكمة التعقيب – القسم الجزائي – لسنة 1999. ص.

[78] )- قرار تعقيبي جزائي عــدد 9661 مؤرّخ في 24 أفريل 1985 م ق ت 85 عـدد 5 ص126

[79] ) يعتبر الاكراه من اقدم وسائل التأثير فى ارادة المتهم بغية الحصول على اعترافه ، ومن ذلك إطالة الاستجوابات لفترات متصلة من الليل والنهار دون انقطاع بقصد تحطيم اعصاب المتهم وتضيق الخناق عليه فيقر بما هو منسوب اليه بصرف النظر عن مدى حقيقته. كما أن الحبس الاحتياطى قد يتخذ احيانا وسيلة للضغط على المتهم واكراهه على الادلاء باعترافه ، كذلك الضرب أو الاعتداء بأية كيفية على جسم المتهم والقبض والحبس بدون وجه حق وتسبيب الألم والارهاق كتسليط الضوء الشديد على الوجه أو ابقاء شخص واقفا مدة طويلة أو إزعاجه بالأصوات المدوية أو حرمانه من الطعام والشراب .ومن أهم صور الاكراه المادى العنف وهو عبارة عن فعل مباشر يقع على الشخص وفيه مساس بجسده ويمثل اعتداء عليه ويكون من نتيجتة أن يسلب الارادة نهائيا بحيث يشل حرية الاختيار أو يؤثر فيها نسبيا فيترك لها فرصة للتعبير ولكن على غير رغبتها وفى كلتا الحالتين يصبح الاجراء باطلا وبالتالى فإن الاعتراف الذى يتمخض عنه يصبح باطلا ولا يمكن التعويل عليه فى الاثبات. وقد يكون الاكراه معنويا وله صور متعددة مثل التهديد وهو عبارة عن ضغط يمارسه شخص على ارادة شخص آخر لتوجيهها الى سلوك معين ويستوى فى ذلك أن يكون التهديد بايذاء المتهم فى شخصه أو فى ماله أو بايذاء انسانا عزيزا لديه ومثاله تهديد المتهم بالقبض على زوجته أو والدته. كما يعتبر الوعد أحد الوسائل التقليدية لحمل المتهم على الاعتراف وهو كل ما من شأنه ايجاد الأمل لدى المتهم بتحسين ظروفه اذا اعترف بجريمته مثل وعد المتهم بالعفو عنه أو اعتباره شاهد ملك أو بعدم محاكمته أو بالافراج عنه أو عدم تقديم الاعتراف ضده فى المحكمة أو بتخفيف العقوبة عنه. ويعتبر كذلك فى حكم الاكراه الأدبى تحليف المتهم اليمين والحيلة والخداع ، وكذلك الأمر بالنسبة لجهاز كشف الكذب أو العقاقير المخدرة اذا انها تعد نوعا من الاكراه تباه العدالة إذ أنها تعامل الانسان وكأنه محل تجربة فى معمل بما يترتب عليها من سلب شعور الانسان وتحطيم لإرادته الواعية.

[80] ) قرار مؤرخ في 2/2/1966 ن 1967 ص 63.

[81] قرارمؤرخ في 30/7/1966 ن 1967 ص 105.

[82] قرار مؤرخ في 16/4/1969 ن 1970 ص 132.

[83] ) ورد هذا القرار بنشرية محكمة التعقيب لسنة 1986ص84

[84]) مذكور لدى: عادل فرحات، استنطاق ذو الشبهة من قبل قاضي التحقيق. مذكرة دراسات معمقة- شعبة العلوم الجنائية. كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. ص153.

[85]  تعرض مشروع مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية لها وتبنى ما استقر عليه فقه القضاء.

[86]  قرار تعقيبي جزائي عدد 76204 مؤرخ فى 30/10/1996 نشرية محكمة التعقيب عدد 1 سنة 1996. ص 80.

[87]  قرار تعقيبي جزائي عدد 27952 مؤرخ فى 24/08/1988 نشرية محكمة التعقيب عدد 2 سنة 1988. ص 99.

[88]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[89]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[90]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[91]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[92]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[93]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[94] ) نشرية محكمة التعقيب. القسم الجزائي- لسنة 2004 . ص.109.

[95] ) قرار تعقيبي جزائي عدد 8847 مؤرخ في 18 نوفمبر 2004 نشرية محكمة التعقيب – القسم الجزائي – لسنة 2004. ص.

[96]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[97]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[98]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[99]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[100] )- قرار تعقيبي جزائي عدد 4426 مؤرخ في 14/5/1980 ن. م.ت.ق.ج. لسنة1980 ص.123.

[101]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[102] وفي هذا الاتجاه اعتبرت محكمة التمييز اللبنانية "أن الأحكام يجب أن تبنى على الدليل القاطع الذي يطمئن إليه وجدان المحكمة وبما أن أقوال رفيقي المتهم ليست إلا من قبيل عطف الجرم (هو المصطلح المرادف لـ"شهادة متهم" على متهم في فقه القضاء التونسي) الذي لم يعزز بدليل أخر وبالتالي تشكل شبهة فقط ولا تصلح للحكم".محكمة التمييز اللبنانية القرار رقم 121 بتاريخ 19/5/1970 سمير عاليه، موسوعة الاجتهادات الجزائية لقرارات وأحكام محكمة التمييز.ط1. 1990 ص13. رقم19 القرار الثاني.

[103]  قرار تعقيبي جزائي عدد 7875 مؤرخ فى 25/04/1984 نشرية محكمة التعقيب عدد 2 سنة 1984. ص60.

[104]  قرار تعقيبي جزائي عدد 24773 مؤرخ فى 03/10/2002نشرية : نشرية محكمة التعقيب عدد 1 سنة 2002. ص 137.

[105]- Jean-Marie Fayol- Noireterre, L’intime conviction, fondement de l’acte de juge, Revue d’information sociales, 2005/7 n° 127, P 47.

[106] - Pierre Bolze, Le droit à la preuve contraire en procédure pénale, thèse en vue de l’obtention du garde de Docteur en droit (doctorat nouveau régime, droit privé- droit pénal), Université Nancy 2, Faculté de Droit, Sciences économiques et Gestion, 2010, P 258.

[107]- Karim Jouaïhia, L’intime convection en matière pénal, mémoire pour l’obtention du diplôme d’études approfondies en sciences criminelles, université de Tunis Ш 1998/1999, P 07.

[108]- Stefan Trechsel, L'établissement des preuves devant la commission européenne des droits de l'homme, Troisième colloque du département des droits de l'homme, Etablissement, Emile Bruylant 1977, P141.

[109] - Saint Thomas d’Aquin , La somme théologique, la question 79, traduction Française par e-spicq, Paris, Dexlée et cie, 1947.

[110]) -أنظر قرار تعقيبي جزائي عـدد 6815 مؤرّخ في 17/12/1971 جاء فيه "أنّ المحكمة حرّة في الأخذ بما تراه مقنعا من الأدلّة وإلغاء ما سواه لأنّها تقضي حسب وجدانها بالإدانة أو البراءة ولا رقابة عليها في ذلك من محكمة التعقيب طالما كانت وجهة نظرها معلّلة كما يجب" م ق ت 1972 ص 65.

[111]) -  القرار عـدد 2743 المؤرّخ في 16 سبتمبر 1964 ن.م.ت. القسم الجزائي لسنة 1965 ص 101.

[112] ) - قرار تعقيبي عـدد 1255 مؤرّخ في 3-12-1976 م.ق.ت. 77 عــدد 4 ص 74

[113]) Stéfani(G) et Levasseur (G); Précis Dalloz Procédure pénale. P.30

[114] ) : الياس أبوعيد، أصول المحاكمات الجزائية. مرجع سابق.ص 470 فقرة 32.

[115] ) : الياس أبوعيد، أصول المحاكمات الجزائية. مرجع سابق.ص 470 فقرة34

[116] ) عاطف النقيب، أصول المحاكمات الجزائية.الطبعة الأولى.ص 294.

[117] ) قرار تعقيبي جزائي عدد 11099 مؤرخ في 01 فيفري 2005. نشرية محكمة التعقيب – القسم الجزائي – لسنة 2005. ص.

[118]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[119]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[120]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[121]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[122]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[123]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[124]  منشور على موقع محكمة التعقيب:

http://www.cassation.tn/فقه-القضاء/

[125]  قرار تعقيبي جزائي عدد 71715 مؤرخ فى 03/10/1996 نشرية محكمة التعقيب عدد 1 سنة 1996. ص 98.

[126] - قرار تعقيبي جزائي قرار عدد 27215 بتاريخ 27/10/2016 (غير منشور).

[127] - فقد كان دستور 2014 يمنح الدستور في الفصل 105 منه للمحاماة صفة المدافع عن الحقوق والحريات إلى جانب منحه للقضاء صفة الحامي لتلك الحقوق والحريات (الفصلان 49 و102).

فيما اكتفى الدستور الحالي بالتنصيص على أن القضاء حام للحقوق الحريات في فصله 55.

[128] ) - ورد هذا القرار بنشرية محكمة التعقيب ،  القسم الجزائي ص103.

ليست هناك تعليقات: