فيما يسمى "شهادة" متهم على متهم "قراءة أولية"
الأستاذ محمود داوود يعقوب
أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب
عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام
بكلية الحقوق والعلوم السياسية
بجامعة تونس المنار
عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية
يهدف
الإثبات في القضايا الجزائية الى إظهار الحقيقة[1]،
فموضوع الإثبات يطال وجود الجريمة في حد ذاتها وتوفر أركانها في حق المظنون فيه، إذ
لا يعقل إنزال عقوبة بشخص دون ثبوت أمرين متلازمين وهما: أولا- وجود جريمة،
وثانيا- إسناد تلك الجريمة إليه ماديا ومعنويا.
لذا
فقد توجب حال تنظيم الإجراءات الجزائية مراعاة التنسيق بين مصالح المجتمع في صونه
من الإجرام والحد من تفاقمه، وبين حقوق وحريات الأفراد. وحال بلوغ هذا التوازن يمكن
القول بأن التنازع بين حق الدولة في العقاب وحق المتهم في الحرية الفردية أصبح
تنازعاً ظاهرياً يعبر عن وجهين لعملة واحدة، بحسبان أن عقاب الجاني هو تأكيد
للحرية الفردية للشخص البريء[2]. فالجماعة لا صالح لها إلا في
التعرف على الحقيقة المجردة، فهى لا تبغي توقيع العقاب على بريء، الأمر الذي يوجب
عليها حال ملاحقة شخص ما ضماناً لأمنها واستقرارها التثبت من صحة الاتهام أو
بطلانه[3].
فإذا
كان الدور التقليدي لقانون الإجراءات الجزائية يتمثل في إدخال القانون الجزائي -
فيما يتضمنه من نصوص تجريم وعقاب - حيز التطبيق، إلا أنه يظل الهدف الأسمى لذاك
القانون هو تقرير حماية للبريء من إدانة ظالمة، وكذا توكيد حماية للمتهم من إدانة
تتأتى وفق إجراءات تمتهن فيها آدميته وكرامته الإنسانية[4].
وتوجد
بالنسبة للإثبات الجزائي نظريتان[5]
وهما نظرية "حرية الإثبات" ونظرية "الإثبات المقيد"، وتعتبر مجلة
الإجراءات الجزائية التونسية الصادرة بموجب القانون عدد 23 لسنة 1968 المؤرخ في
24/7/1968 من بين القوانين المكرسة مبدئيا لنظرية الإثبات الحر.
إذ نص المشرع بالفقرة الأولى من الفصل 150 م ا ج على أنه "يمكن
إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، ويقضي
الحاكم حسب وجدانه الخالص..."[6].
ويلاحظ
من خلال أحكام الفصل المذكور أن المشرع ربط مبدأ حرية الإثبات بمبدأ ثان لا
يقل عنه أهمية في مادة الاجراءات الجزائية وهو مبدأ وجدان القاضي الذي أقر
كضمانة لعدم التعسف وكقيد على الإفراط في حرية الإثبات فالقاضي الجزائي هو الضامن
للمحافظة على التوازن بين مصلحة المجتمع وحقوق المظنون فيه[7].
و
يقتضي مبدأ وجدان القاضي أو ما يسمى كذلك "القناعة الشخصية" أن
يكون للقاضي سلطة تقديرية كاملة في وزن قيمة كل دليل على حدا فيأخذ من الأدلة ما
تتحقق به قناعته ويطرح جانبا ما لا تركن إليه قناعته الشخصية.
وقد
عبرت محكمة النقض المصرية منذ زمن بعيد عن ذلك بالقول:"إن القانون أمد القاضي
في المسائل الجنائية بسلطة واسعة وحرية كاملة في سبيل تقصي ثبوت الجرائم أو عدم
ثبوتها والوقوف على حقيقة علاقة المتهمين ومقدار اتصالهم بها ففتح له باب الإثبات
على مصراعيه يختار من كل طرقه ما يراه موصلا الى الكشف عن الحقيقة ويزن قوة
الإثبات المستمدة من كل عنصر بمحض وجدانه فيأخذ بما تطمئن إليه عقيدته ويطرح ما لا
ترتاح إليه غير ملزم بان يسترشد في قضائه بقرائن معينة بل له مطلق الحرية في تقدير
ما يعرض عليه منها ووزن قوته التدليلية في كل حالة حسبما يستفاد من وقائع كل دعوى
وظروفها وهو يبغي الحقيقة وينشدها أنى وجدها ومن أي سبيل يجده مؤديا إليها ولا
رقيب عليه في ذلك غير ضميره وحده"[8].
ومن
الملاحظ أن مبدأ "القناعة الشخصية" يجعل من القاضي "سيدا مطلقا Un
maître absolu" في
مجال تقييم الأدلة، خاصة وأن موضوع الاثبات هو وقائع قانونية لا يتصور فيها تحضير
وسائل الإثبات بصفة مسبقة كما هو الحال بالنسبة للتصرفات القانونية، مما يفتح
المجال واسعا امام شهادة الشهود ويجعلها وسيلة اثبات رئيسة، إذ تعد الشهادة من أهم
أدلة الإثبات التي يعتمد عليها القضاء في المادة الجزائية[9]،
لأن الأصل في إثبات الوقائع المادية أن يكون بالشهادة أو بالقرائن القضائية[10].
ورغم اتفاق الفقه[11] وفقه
القضاء على تسمية ما يصدر عن متهم من تصريحات "شهادة" إلا أن هذه
التسمية تفتقر إلى الدقة لأن من شروط الشهادة الجوهرية أن تصدر عن شخص ليس طرفا في
القضية وبعد أداء اليمين وهو ما يعد أمرا مفقودا في تصريحات متهم ضد متهم.
فالشهادة هي الحجة المتحصلة لدى القضاء من إخبار شخص أنه
رأى أوسمع شيئا يمكن أن تترتب عنه نتائج قانونية[12].
أو هي إخبار شخص من غير أطراف الخصومة أمام القضاء بواقعة حدثت من غيره
ويترتب عليها حق لغيره أو "هي ما يدلي به شخص في مجلس القضاء من غير أطراف
الخصومة، بعد حلف اليمين بما شاهده شخصيا أو سمعه مباشرة عن وقائع أو إجراء
الإثبات باستجلاء الحقيقة فيها"[13].
ولئن كانت الشهادة هي الوسيلة الأكثر اعتمادا في القضاء
الجزائي فإنه تبقى دليلا مشكوكا فيه دائما لما يشوبه من ملابسات ولما يعتريه من
أبعاد ذاتية، إذ من الصعب تصور أن يكون الشاهد قادرا على تخليص تصريحاته من بعدها
الذاتي المرتبط ضرورة بمدى دقة وسلامة حواسه ومتأثرا لا محالة بالعوامل النفسية
المحيطة بشخصيته وهي أمور تحول دون إمكانية القبول بأن تكون شهادة الشاهد الواحد
دليل إدانة مقبولا قانونا خاصة إذ كان هذا الشخص بدوره موضع اتهام في القضية
المشهود فيها من طرفه فكثيرا ما تعرض على المحاكم الزجرية قضايا تندر أو تنعدم فيها وسائل الإثبات، إذ يكون فيها المظنون
فيه متشبثا بالإنكار،
نافيا أي صلة له بالجريمة، ولكن ما يواجه به هذا المظنون فيه هو إتهام يفضي به
ضده متهم آخر معه في نفس القضية أو محكوم عليه في قضية سابقة أوفي ملف آخر، كأن يصرح بأن
المعني بالأمر قد شاركه في الجريمة أو هو الفاعل الأصلي لها، سواء تعلق الأمر
بجريمة قتل أو سرقة أو اتجار في المخدرات أو غير ذلك، فيكون الدليل الوحيد في الملف ضد
الشخص المظنون فيه هو هذا الإتهام أو التصريح الذي يدلي به متهم آخر، وهذه الحالات كثيرة الوقوع من الناحية العملية وخاصة في جرائم
المخدرات وهي تطرح على بساط البحث
موضوعا يكتسي أهمية بالغة من خلال الإشكالات التي يثيرها
على المستوى التطبيقي، فهل التصريح أو الإتهام، الذي يوجهه متهم لآخر مقبول أو غير مقبول؟ وهل يجوز أن يدان شخص
بناء على أقوال يدلي بها متهم آخر ضده؟ وما هي الطبيعة القانونية لهذه الأقوال؟ وما هو موقف
القضاء والتشريع مما بات يعرف "بشهادة" متهم على متهم أي نسبة أمر من
متهم إلى متهم آخر خاصة وأن هذه مسألة غير مقننة إذ لا يوجد فيها نص خاص في مجلة
الإجراءات الجزائية التونسية يمنع المحاكم الزجرية من الإستماع الى المتهمين
كشهود في القضايا المعروضة عليها، لهذا
فإن فقه القضاء يميل الى قبولها واعتمادها ولو كانت مجردة عن أي دليل آخر[14].
فهل من الممكن اعتبار
"شهادة" متهم على متهم دليل إدانة مقبولا قانونا؟ إن الإجابة المنطقية
عن مثل هذا التساؤل ستكون حتما بالنفي اعتمادا على جملة من المبررات(الجزء الأول)
التي تسمح بالقول ان تلك "الشهادة" لا تصلح كدليل من أدلة الإدانة ما لم
تتوفر فيه جملة من الشروط (الجزء الثاني).
الجزء الأول:مبررات عدم جواز الاكتفاء
بـ"شهادة" متهم لتأسيس الإدانة.
وهذه
المبررات متعددة ومتنوعة يمكن تقسيمها الى مبررات مستمدة من حقوق المتهم(الفقرة
الأولى) وأخرى ترجع الى القواعد العامة للإثبات(الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى- المبررات المستمدة من الضمانات
والحقوق المقررة للمتهم.
إن
الشهادة هي من اخطر وسائل الإثبات وأكثرها إثارة للريبة خاصة عندما تكون صادرة عن
متهم أدلى بها دون أداء اليمين ومن الممكن أن يكون قد ضمنها معلومات غير صحيحة
وكاذبة نظرا وانه يتمتع بحق الكذب لذلك فلا بد من إحاطة تصريحات المتهم بجملة من
الضمانات الكفيلة بأن تجعل منها دليل إثبات مقبولا قانونا.
فالاتهام
وان كان وسيلة إدانة أساسا إلا انه وفي نفس الوقت يمثل وسيلة دفاع بما يمنحه
للمتهم من ضمانات لعل أهمها عدم أداء اليمين وعدم الإجابة إلا بحضور محام وحقه في
الصمت وعدم الإجابة أصلا وإتاحة الفرصة له في إبعاد التهمة عنه وإذا أبدى أدلة
تنفي عنه التهمة فإنه يقع البحث عن صحتها في اقرب وقت(الفصول 69 و72 و74 م اج).
ومن المفروض أن جملة هذه الحقوق التي يتمتع المتهم بها
تضعف الثقة فيما يصدر عنه من تصريحات وخاصة حقه في عدم حلف اليمين وحقه في الكذب.
أ- عدم حلف اليمين قبل الإدلاء بتصريحاته.
أوجب المشرع في مادة الاجراءات
الجزائية على الشاهد أداء اليمين قبل الشهادة وذلك في الفصلين 61 و 64 م ا ج.[15]
فكل شخص يمثل أمام القضاء الجزائي[16] ويقف
في ساحة العدالة للإدلاء بشهادة ينبغي أن يحلف اليمين قبل تأديتها وكل شهادة لا
تكون مسبوقة بيمين لا تعد دليلا قانونيا[17] والعلة من فرض وجوبية أداء
اليمين قبل الإدلاء بالشهادة تكمن في حمل الشاهد على الإدلاء بشهادته بصدق وأن
يقول حقيقة ما يعرف دون تحريف أو زيادة أو نقصان فإرادة المشرع واضحة في إحاطة
الشهادة وما يترتب عليها من آثار بحد أدنى من الضمانات كي تكون صحيحة ومنتجة
لآثارها.
لكن المتهم وخلافا للشاهد لا
يؤدي اليمين قبل الادلاء بتصريحاته وذلك تجنبا لاكراهه على ادانة نفسه، فأداء
اليمين قد يشكل اكراها معنويا[18].
ومن المعروف أن وجوب أداء
اليمين قبل الشهادة يعطي لهذه الأخيرة ضمان يعزز مكانتها ويحد من سلبياتها التي
جعلتها وسيلة إثبات محل ريب وشك لتجردها من أي ضمانة تعزز صدقيتها[19]،
وبالتالي فإن تصريحات المتهم المدلى بها دون أداء اليمين تفتقر لاهم ضمانة من
ضمانات الشهادة النزيهة.
ب- الحق في الكذب
يقرر القانون للمتهم الحق في إنكار التهمة الموجهة اليه دفاعا عن نفسه وغالبا
ما لا يتأتى له ذلك إلا بالكذب،فالحق في الكذب امتياز أساسي يمنح للمتهم في
مواجهة المجتمع والسلطات القضائية ، وهو يقف على ذات المستوى مع قرينة البراءة ،
والحق في الاستعانة بمحام ، بحسبان أن الكذب يدخل ضمن دائرة حقوق الدفاع. وأياً ما
كان المدلول الحقيقي لعبارات حق ، حرية ، رخصة ، فإن الكذب يمثل حقاً للمتهم، فهو
أياً كانت دوافعه - حق للمتهم ، يمنحه إمكانية اتخاذ موقف سلبي. ويتخذ الموقف
السلبي شكل الامتناع عن الإجابة على الأسئلة الموجهة إليه من سلطة التحقيق، وكذلك
الامتناع عن المشاركة في المناقشات، والتحقيق بالجلسة.
فالقانون لا يجبر الشخص على
اتهام نفسه بنفسه ، ولكن يكلف النيابة العامة بتقديم دليل الاتهام ، والقول بغير
ذلك يهدر كل قيمة لقرينة البراءة. ولما كان الكذب حق[20]
، فإنه يمنح المتهم ميزة الحق في الصمت[21]
الذي يعد أحد مظاهر حرية المتهم في الدفاع عن نفسه.
فتلك الحرية المقررة للمتهم سواء
كان دفاعه صادقاً أم مشتملاً على أكاذيب، وهنا يأخذ الكذب أحد سبيلين: إما يتمثل
في إدلاء المتهم بأقوال مناقضة للحقيقة، وذلك على سبيل الخداع والتضليل، أو إنكار
واقعة حقيقة، أو إنكار المساهمة في ارتكاب الجريمة بل وتحويل دفة الاتهام إلى شخص
آخر. وإما يتمثل في الكذب نتيجة النسيان، أو تعمد إخفاء واقعة جوهرية تتعلق بظروف
الجريمة. فالكذب يأخذ بالنسبة للمتهم – خلافاً للشاهد[22]
- نفس أهمية الصمت من حيث اعتباره وسيلة للدفاع. فللمتهم أن يكذب متى كان ذلك سبيله
إلى تقرير براءته[23]، كما له أن يصمت فلا يجبر
على اتخاذ موقف معين تجاه الأدلة والشبهات القائمة ضده[24].
والاعتراف للمتهم بالكذب يكون
باعتباره حقاً، وليس رخصة لأنه يتقرر في وقت يكون فيه المتهم معتصماً بقرينة
البراءة، والقول بغير ذلك يهدر حق المتهم في أن يتخفى وراء أقوال كاذبة، وبالتالي
حقه في الدفاع كما يريد، بالإضافة إلى أنه بوسع القاضي أن يطرح الأقوال الكاذبة
إذا لم يقتنع بها. وما يؤكد أنه حق أن بعض التشريعات قد نصت صراحة على عدم عقاب
المتهم إذا أدلى بأقوال كاذبة[25].
فالمتهم وهو محل تتبع ومهدد بالادانة والعقوبة التي تنتظره يلجأ
إلى قول ما يخالف الحقيقة ولا تثريب عليه في ذلك بل يمكن أن يحاول إلصاق التهمة بغيره من المتهمين معه في القضية وهذا راجع لمركزه القانوني من جهة وعدم حلفه
اليمين من جهة ثانية، فمن حق المتهم استخدام جميع الوسائل
لدفع التهمة عن نفسه حتى وان كان ذلك عن طريق توريط الغير. فالمتهم هو شخص محل تتبع من قبل القضاء وهو ما قد يدفعه الى إنكار
الحقيقة وتقرير ما يخالفها أي الكذب خاصة وانه لا يمكن أن يكون محل تتبع من أجل
الشهادة الزور وذلك لأنه لا يحلف اليمين من جهة ومن جهة أخرى لأن وصفه بالشاهد هو
وصف مجازي وغير صحيح باعتبار أنه طرف في القضية.
إن الأخطاء القضائية الناتجة عن الأخذ بشهادة خاطئة أو
كاذبة تقتضي وجوبا من القاضي أن يفحص ويحلل الشهادة قبل اعتمادها في إصدار الأحكام
التي من المفترض أنها عنوان الحقيقة وتتمتع بحجية ما اتصل به القضاء وهذه الصفات
لا يمكن أن يتمتع بها حكم قائم على دليل وحيد هو تصريحات متهم وصفت خطأ بكونها
شهادة فهذا يتعارض مع المبادئ العامة للاثبات.
الفقرة الثانية- مبررات مستمدة من القواعد
العامة للإثبات.
يخضع الإثبات في المادة
الجزائية لجملة من المبادئ التي يحول تطبيقها دون إمكانية القبول بـ"شهادة"
متهم على متهم كدليل وحيد للإدانة.
أ- مبدأ تضافر الأدلة:
من يقرأ بإمعان أحكام فصول مجلة
الإجراءات الجزائية تتبدى له العناصر
الواجبة الوجود للحكم بالإدانة وهي ضرورة توفر الأدلة والقرائن والحجج.
فالفصل
85 م اج
ينص صراحة على أن الإيقاف التحفظي يستوجب وجود
قرائن قوية.
كما
أن الفصل 104 من نفس المجلة ينص على أن قرار ختم البحث يجب أن يتضمن:"وجود أو
عدم وجود أدلة كافية على الفعلة المذكورة".
وهو
ما ورد كذلك بالفصل 106 من نفس المجلة الذي ألزم قاضي التحقيق أن يتخذ قرارا بان
لا وجه للتتبع إذا كانت "الحجج القائمة على المظنون فيه غير كافية".
كما
جاء بالفصل 116 م
اج انه إذا رأت دائرة الاتهام انه: "لم تقم على المظنون فيه أدلة كافية
تصدر قرارها بان لا وجه للتتبع... وإذا كانت هناك قرائن كافية على اتجاه التهمة تحيل الدائرة....".
وبالرجوع
الى الفصل 121 م
اج يلاحظ انه يمكن استئناف التحقيق إذا
ظهرت أدلة جديدة .
وتتويجا
لجملة هذه الفصول جاء بالفصل 151 م اج انه "لا يمكن
للحاكم أن يبني حكمه إلا على حجج قدمت أثناء المرافعة...".
ومن
الملاحظ أن المشرع في جميع الفصول السابق بيانها والمتعلقة بإثبات الجرائم يستخدم
صيغة الجمع عند الإشارة الى الأدلة والقرائن والحجج التي ثبتت بها الجريمة .
مما
يعني أن تأويل أحكام الفصل 150
م اج على ضوء النصوص السابقة سيؤدي حتما الى القول بأن
المقصود بالفقرة الثانية من الفصل المذكور والتي جاء فيها "وإذا لم تقم
الحجة ، فانه يحكم بترك السبيل" هو الحالة التي لا توجد فيها أدلة وقرائن
قوية ومتضافرة ومتماسكة على ثبوت الإدانة.
فجملة النصوص المشار إليها
سابقا تدل دلالة واضحة على أن نظام الاقتناع الشخصي المكرس بالفصل 150 م ا ج يعتمد في جوهره على
تضافر الأدلة القانونية المرجحة للإدانة والمؤدية إليها منطقيا.
كما أن تلك النصوص حددت للقاضي
الجزائي الأسس الواجب اعتمادها إذا أراد الحكم بالإدانة وهي:
-
أن يكون الفعل المسند الى
المتهم أو المظنون فيه ثابتا.
-
أن تكون هناك حجج أو قرائن
او أدلة كافية ضده والمقصود بالكفاية هنا أن تكون وسائل الإثبات قاطعة وجازمة بحق المتهم أو المظنون فيه.
فالإدانة لا يجوز أن تكون إلا بناء
على أدلة ساطعة ودامغة وأكيدة وحازمة لا شك فيها باعتبار أن الأدلّة
في المادّة الجزائيّة متساندة يكمل بعضها الآخر ومنها مجتمعة يكوّن القاضي عقيدته،
وهو ما يعرف بمبدأ تساند الأدلّة وتضافر القرائن والذي يعتبر من المبادئ الأساسيّة
التي تحكم قانون الإجراءات الجزائيّة[26].
وهو
ما أكدته محكمة التعقيب حين أعتبرت أن : "ما ورد بالمطعن من أنّ المحكمة كان
عليها البحث عن البراءة إنّما هو مردود من أصله إذ البراءة مفترضة في المتّهم حتى
تقوم الأدلّة المعاكسة التي من شأنها إقناع وجدان القاضي الجزائي بإدانته"[27].
وبالتالي
فإن قناعة القاضي الجزائي سواء بالإدانة أو البراءة يجب أن تبنى على دليل قويّ
يؤدي إلى تلك النتيجة بدون أن يترك أي مجال للشكّ فيها، اعتمادا على مبدأ تضافر
الأدلّة والقرائن.
ويستخلص
من جملة ما سبق بسطه أن التصريحات المجردة الصادرة عن متهم ضد متهم لا يمكن أن تعد
دليلا قانونيا طبق أحكام مجلة الإجراءات الجزائية.
ب- مبدأ الأصل في الإنسان البراءة:
إن التأويل السابق لفصول مجلة
الإجراءات الجزائية المتعلقة بقواعد الإثبات يتلاءم وأحكام الفصل 12 من الدستور
الذي نص صراحة على انه"... يعتبر المتهم بريء ما لم تثبت إدانته في محاكمة
عادلة...".
فقرينة البراءة المكرسة دستوريا
لا يمكن دحضها إلا بالأدلة والحجج القاطعة والقرائن المتضافرة فهي من المبادئ
الجوهرية التي تفرض ذاتها على القضاء بحيث لا يجوز للقاضي تجاهلها أو الامتناع عن
تطبيقها، "فالأصل في الإنسان (كما تقول محكمة التعقيب) الاستقامة والبراءة
ونقاوة السوابق"[28].
و إن تسلسل المبادئ القانونية
يجعل قرينة البراءة في مكانة أسمى من مبدأ القناعة الشخصية وبالتالي لا يقبل أن
يقتنع القاضي بسقوط قرينة البراءة لمجرد تهمة ساقها متهم في وجه أخر جزافا دون
دليل حسي ساطع، دامغ وجازم.[29]
و المحاكمة لا يمكن أن تكون
عادلة إذا كانت مجرد "شهادة" متهم على متهم حجة قاطعة لا تقبل النقاش أو
الدحض وكافية للتصريح بالإدانة وتسليط العقاب.
ج- مبدأ الشك يفسر لمصلحة المتهم:
القاضي مدنيا كان او جزائيا لا يصدر أحكامه الا بعد ان تتكون عنده قناعة تامة
ويقين ينتفي معه أي شك مهما كان ضئيلا، والقاضي
الجنائي مطالب بتكوين قناعته من صميم ضميره الحر والوثائق والوقائع المكونة للقضية، لذلك
يتعين عليه ان يصدر حكما بالبراءة كلما خامره شك ينقص من يقينه واعتقاده التأمين.
وتعني قاعدة الشك يفسر لمصلحة
المتهم أنه عندما لا يقتنع القاضي اقتناعاً يقينياً تاماً بإدانة المتهم، وكذلك
عندما يقتنع بأن الأدلة التي قدمتها النيابة العامة غير كافية للإدانة، فإنه يتعين
عليه أن يقضي ببراءة المتهم إذ لا يستطيع أن يحكم بالإدانة إلا إذا كانت أدلة
الاتهام أكيدة ومقنعة على سبيل الجزم واليقين، فكل شك في الاقتناع يجعل الحكم
بالإدانة على غير أساس لأن إمكانية العكس مازالت محتملة.
وقاعدة تفسير الشك لصالح المتهم
ترد على الشك الذي يكتنف الوقائع ، كما ترد على الشك الذي يتعلق بتفسير وتطبيق
القواعد القانونية. ويترتب على ذلك أنه لا يشترط أن يبنى القاضي حكمه بالبراءة على
أدلة بل يكفي أن يتشكك القاضي في أدلة الإثبات المقدمة إليه، أو حتى في أدلة
النفي. وهكذا يختلف الحكم بالإدانة عن الحكم بالبراءة فيما يتعلق ببيان الأدلة
التي بني عليها، فالحكم بالإدانة يجب أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة
للعقوبة، والظروف التي وقعت فيها، وأن يشير إلى نص القانون الذي حكم بموجبه[30]. ففي
جميع الأحوال يتعين على قاضي الموضوع أن يبين في حكمه بالإدانة الأدلة التي استمد
منها اقتناعه اليقيني؛ أما حكم البراءة فإنه يكفي فيه مجرد إبداء الرأي حول أدلة
الإثبات دون أن تلتزم المحكمة بالتدليل القاطع على البراءة ، لأنها عودة للأصل في
الإنسان[31]. غير أن تطبيق تلك القاعدة يظل
مشروطاً بوجوب اشتمال الحكم الصادر بالبراءة على ما يفيد أن المحكمة قد محصت
الدعوى، وأحاطت بظروفها وملابساتها، وبالأدلة التي قام عليها الاتهام، كل ذلك عن
بصر وبصيرة، ووازنت بين هذه الأدلة وأدلة النفي ورجحت لديها دفاع المتهم أو ساورها
الشك في صحة أدلة الإثبات.
فللتصريح بتوفر أركان الجريمة
في حق شخص ما لابد من أن يؤتى بالأدلة القاطعة والجازمة على قيام المظنون فيه أو
المتهم بالأفعال المادية التي يتكون منها الجرم أما إذا كان دليل الإدانة الوحيد
هو مجرد "شهادة" متهم فهذا يعني أن الشك مهيمن وعملا بقاعدة الشك يفسر
لمصلحة المتهم فمن واجب المحكمة أن لا تقضي بثبوت الإدانة وإنما تقضي وجوبا
بالبراءة لأن عدم كفاية الحجة يؤدي حتميا لتوفر الشك[32].
فـ"شهادة" متهم على
متهم المجردة من أي دليل أخر يعززها تبقى هشة ولا يمكن أن تنتج آثارا على المشهود
ضده.
وقاعدة "الشك يفسر لصالح
المتهم" التي هي نتيجة من نتائج قرينة البراءة التي يستفيد منها المتهم تعني
بالضرورة أن النقص في قيام الدليل على عناصر الجريمة يؤدي حتما الى الحكم
بالبراءة.
وقد
أقرّت محكمة التعقيب قاعدة " أن الشك ينتفع به المتّهم" أخذا بالقاعدة
العامّة التي قوامها الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته[33].
كما أن قاعدة الشكّ ينتفع به المتهم متأصلة في
الفقه الإسلامي وهي تستمد جذورها من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "أدرؤوا
الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في
العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" ولقد صدق الرسول عليه السلام الذي قال ( لئن يخطئ الامام في العفو افضل من ان يخطئ في العقوبة) وقديما قيل
( تبرئة مائة متهم افضل من ادانة برئ واحد) لانه ليس من
مصلحة العدالة والمجتمع ان يدان بريء من اجل جريمة ارتكبها غيره وأي ظلم يشعر به
بريء أدين غلطا.
فان
حصل شك للمحكمة في تقدير قيمة الحجج أو شك في ثبوت التهمة فإنّها ترجع إلى تطبيق
المبدأ الأصلي وهو أن الأصل في الإنسان البراءة وهو مبدأ يلتقي مع قاعدة كليّة من
قواعد القانون وهي أن اليقين لا يزول بالشك وإنما يزول بيقين آخر.
وبهذا
المعنى جاء القرار التعقيبي المدني عدد 1740 المؤرخ في 26/2/1980: "إن الدليل
إذا تطرقه احتمال سقط به الاستدلال"[34].
و
"شهادة"
المتهم الواحد دليل تحيط به الكثير من الشكوك وهو ضعيف
لا يكفي وغير مقبول لترجيح الإدانة على البراءة التي هي أصل في الإنسان لا يمكن
نفيه إلا بحجة قاطعة لا يرقى إليها الشك أو الافتراض.
د- مبدأ عدم حجية الإقرار المجرد:
إن
"شهادة"
المتهم المجردة عن أي دليل أخر يؤيدها ويدعمها لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون حجة كافية حتى
يستريح إليها وجدان القاضي ليحكم بموجبها وذلك انطلاقا من أنه لا قيمة للاعتراف المجرد في المادة
الجزائية.
والإقرار هو إعتراف المتهم على نفسه بكل أو ببعض
ما نسب إليه.[35] ومن
المعروف أن الاقرار في المادة المدنية هو سيد الادلة حيث أنه يعنى إقرار الشخص على نفسه
بصحة ارتكابه فعلا معينا، ويعد أقوى الادلة تأثيرا فى
وجدان القاضي. أما في المادة الجزائية فالاعتراف لا يعد حجة فى ذاته
وانما يخضع دائما لتقدير قاضى الموضوع ولا يعفى سلطة الاتهام والمحكمة من البحث
فى باقى الأدلة وللمتهم أن يعدل عن اعترافه فى اى وقت دون ان يكون ملزما باثبات
عدم صحة الاعتراف الذى عدل عنه، فمن
الثابت أن اعتراف المتهم على نفسه لم يعد سيد الأدلة في المادة الجزائية ما لم يكن
مؤيدا بدليل مادي أخر يعززه فهو مجرد قرينة لا يصح الأخذ به واعتماده للإدانة إذا
كان مجردا ويفتقر لدليل أخر يعززه.[36]
وهو
ما كرسه المشرع التونسي صراحة في الفصل 152 م ا ج الذي ورد فيه: "الإقرار مثل سائر
وسائل الإثبات يخضع لاجتهاد الحاكم المطلق".
وكذلك
في الفقرة الثامنة من الفصل 69 م
اج التي ورد فيها أن :"...إقرار ذي الشبهة لا يغني حاكم التحقيق عن البحث عن
براهين أخرى".
وبالتالي فإن الإقرار ليس دليلا
قاطعا على ارتكاب المتهم الأفعال الإجرامية المسندة إليه وهو
من الحجج القانونيّة الواجب على القاضي تحليلها حتى يتبيّن له الأخذ به أو طرحه.[37]
وقد
سبق لمحكمة التعقيب ان اعتبرت :"وحيث أنه من الثابت بإجماع شراح القانون وما
استقر عليه الفقه أن القاضي الجزائي ولئن كان حرا في تدعيم قناعته بمختلف الأدلة
المادية والقانونية فإنه ليس بلازم عليه اعتماد إقرار الجاني أو البينة
بالشهادة وله أن يهمل إقرار ليأخذ بقرينة متى كان ضميره إليها مرتاحا بمعنى أن
الإقرار غير كاف لوحده للأخذ بثبوت الإدانة أو نفيها. وحيث إنطلاقا من هذا
التسليم فإن قضاة الأصل حينما ركزوا قضائهم على إقرار المتهم دون مراعاة لما تمسك
به لسان الدفاع من مطاعن جدية لما لها من بالغ التأثير على وجه الفصل يكونوا قد
أهملوا تقييم وسائل الإثبات المطروحة أمامهم لاستخلاص ما تستوجبه من نتائج. وحيث
أن محكمة القرار المنتقد حينما أهملت تعليل عدم الأخذ برأي الخبراء واعتبرت
بحيثيات حكمها صدق رواية المتهم دون مقارنتها مع التشخيص الوارد بتقرير الخبراء
تكون قد أخطأت في الإستنتاج وتضارب رأيها مع التحقيقات العلمية الواردة بتقرير
التشريح وقد كان على قضاة الأصل مقارنة المتهم بذلك وإستخلاص النتائج الكافلة
والمدعمة لصحة الحكم. وحيث ولئن كان إقرار المتهم بقتل الضحية وفق الرواية التي
سردها بحثا وتحقيقا لا يتماشى والتحقيقات العلمية الواردة بتقرير التشريح مثلما
سلف تبيانه فإن محكمة القرار المطعون فيه إعتمدت في إثبات ركن الإضمار على مجرد
إستنتاجات ضعيفة غير مؤسسة على ماله أصل ثابت بأوراق الملف وقد كان على قضاة
الموضوع إبراز هذا العنصر بدلالات مستساغة ووقائع ثابتة من شأنها أن تجعل وجدان
المحكمة في إطمئنان كامل وكي تتمكن محكمة التعقيب من إجراء مالها من حق الرقابة
على سلامة تطبيق القانون. وحيث أن إقتصار القرار المطعون فيه على إعتراف المتهم
للحكم بإدانته دون التعرض إلى مختلف المطاعن المثارة من قبل لسان الدفاع ومناقشتها
وبيان وجهة نظرها في عدم الأخذ بها من شأنه أن يجعل القرار المذكور متسما بضعف
التعليل والقصور في التسبيب ذلك أن الفصل 168 من م.ا.ح. أوجب تسبيب الأحكام ضمانا
لجديتها وأن في الإغفال عنها يعيب الحكم ويعرضه للنقض"[38].
فالأحكام
الجزائيّة لا يمكن أن تبنى على الاعترافات المجرّدة غير المعزّزة بقرائن أخرى[39]
أو المتعارضة مع الحقائق الثابتة بأدلة أخرى، سواء كان هذا الاعتراف ضد النفس أوشهادة
ضد الغير.
و
هو ما جعل الفقه وفقه القضاء يقرون مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوفر في الإقرار
حتى يكون وسيلة إثبات وهي:
-
1 أن يكون اختياريا: حيث يجب أن يكون الاعتراف
بارتكاب الجرم صادرا عن المتهم بصورة اختيارية، أي أن لا يكون الإقرار مترتبا عن
الإكراه أو التهديد أو العنف[40].
وشرط اختيارية الاعتراف ثابت بمقتضى النصوص المدنية و الجزائية التي جرمت ممارسة
أي سوء معاملة ضد متهم او شاهد للحصول على اعتراف او شهادة حسبما جاء بالفصلين 101
و103 من المجلة الجزائية اللذين يستنتج منهما أن الإقرار المعتبر قانونا دليلا على
الإدانة لا يأخذ هذه الصفة إلا إذا كان صادرا عن المتهم برضاه التام وعن دراية
وهدوء بال. فمجرد صدور الاعتراف تحت التهديد بسوء معاملة يجعله مرفوضا لإقامة
الدليل على إدانة المتهم. وقد جاء بالفصل 432 م اع مايلي:" يشترط في صحة الإقرار أن
يكون عن اختيار وتبصر والأسباب المفسدة للرضاء تفسد الإقرار أيضا".
كما
جاء بالقرار التعقيبي عدد 4360[41] مايلي:"الإقرار هو سيد الحجج إذا توفرت
فيه الشروط القانونية ولا يسوغ لقاضي الموضوع إلغاؤه إلا لأسباب واضحة منسجمة
ومتماشية مع أوراق القضية وموصلة منطقيا للنتيجة التي انتهى إليها حتى تتمكن محكمة
التعقيب من إجراء ما لها من حق المراقبة على تطبيق القانون". وجاء كذلك
بالقرار التعقيبي عدد 4692[42]
مايلي:"أن الاعتراف المحرر بصفة قانونية هو من الحجج التي يسوغ للقاضي
الاستناد إليها كما يسوغ له رده لأسباب قانونية بينها بحكمه وله أيضا أن يبحث عن
براهين أخرى إن رأى الاعتراف مجملا كل ذلك راجع لاجتهاده المطلق دون معقب عليه
ورقيب ما دام حكمه معللا تعليلا لا يشوبه قصور أو تناقض".
وجاء
ايضا بالقرار التعقيبي عدد 6124[43]
مايلي:"ولئن كان الاعتراف سيد الحجج فهو أيضا خاضع لاجتهاد القاضي
المطلق...ومن البديهي أن القانون لم يحجر عليه الاستناد إلى الإقرار إذا كان
قانونيا وواضحا واطمأن إليه ضميره".
2
- أن يكون واضحا لا لبس فيه: إذ يشترط لصحة الاعتراف
الصراحة والوضوح إذ أن غموض أقوال المتهم من حيث دلالتها على ارتكابه للجريمة محل الاتهام المنسوب اليه ينفى عنها صفة
الاعتراف بالمعنى الدقيق لأنها تحتمل أكثر من تأويل ولذلك لايجوز أن يستنتج الاعتراف من
هروب المتهم اثر وقوع الحادث أو غيابه عن الجلسة اذ قد يكون ذلك لخشية القبض عليه ،
كما لايجوز اعتبار صمت المتهم قرينة على ادانته اذ قد يكون صمته نتيجة لخوفه من اساءة الدفاع عن نفسه
وانتظارا منه لمشورة محاميه أو بسبب حرج لا قبل له بدفعه كالشخص الذى يضبط بمسكن
قصده لارتكاب فعل مناف للآداب ويصمت أمام اتهامه بالسرقة حتى لايسىء الى شرف وسمعة
الطرف الآخر.
3 - أن يكون متواصلا في
كافة مراحل البحث والتقاضي.
وفي
هذا الاتجاه أقرت محكمة التعقيب[44]
مايلي:"ان حكم البداية قد تأسس على اعتراف المتهم لدى باحث البداية لا غير،
وقد تراجع في هذا الاعتراف بالجلسة وبالتالي فانه لا يمكن اعتماده كدليل قاطع
على الإدانة لتراجع المتهم ولعدم وجود ما يعززه في الخارج...و اتجه
التصريح بثبوت براءته ذلك أن الأحكام الجزائية لا تبنى على الاعترافات المجردة
خاصة إذا وقع التراجع فيها".
فطالما
أن "شهادة" الإنسان على نفسه لا تكفي لان تكون دليل إدانة ويجب تدعيم
هذا الإقرار بأدلة أخرى فانه ومن باب أولى أن لا تكون "شهادة" واحدة
صادرة عن متهم دليل إدانة ضد غيره.
هـ - مبدأ الموازنة بين أدلة البراءة وأدلة الإدانة:
علاوة عما سبق فإن القاضي الجزائي مطالب دائما بالموازنة
بين أدلة البراءة وأدلة الإدانة قبل التصريح بحكمه وهو ما كرسته محكمة التعقيب في
القرار
التعقيبي عدد 9661 المؤرخ في 24/4/1985[45]الذي
ورد فيه ما يلي:<< ان دور المحكمة لا يقتصر على تحقيق أدلة الإدانة فقط
بل هي بالإضافة لذلك ملزمة باستقراء كل الأدلة الدالة على ثبوت البراءة
لما في ذلك من تحقق العدل والإنصاف، لذا فهي ملزمة بالرد على ما كان جوهريا
من الدفوعات التي لها تأثير على وجه الفصل وبيان أسباب اقتناعها حتى يفسح المجال
لمحكمة التعقيب ممارسة مالها من حق المراقبة>>.
وحيث
أن مبدأ الموازنة مستمد من قواعد العدل والإنصاف التي تستوجب قبل التصريح بالإدانة
أن يقوم القاضي بالمفاضلة بين جملة الأدلة المعروضة عليه ليقرر اعتمادا على تلك
المفاضلة أو الموازنة مدى توفر ما يكفي من
أدلة الإدانة لدحض قرينة البراءة أم أن أدلة الإدانة ضعيفة وغير كافية لإصدار حكم على أساسها.
إن
جملة المبادئ السابق بيانها تحول دون إمكانية الاعتماد على "شهادة" متهم
كدليل مجرد ووحيد للإدانة ولكن هذا لا يعني أن تلك التصريحات الموصوفة خطأ
"بالشهادة" فاقدة لأي قيمة إثباتيه وإنما يعني فقط أنها لا تصلح بمفردها
دليلا للإدانة ما لم تعزز بأدلة مادية أخرى.
الجزء الثاني- شروط اعتماد "شهادة"
متهم على متهم كدليل إدانة.
إن
المشرع لم يخص تصريحات المتهم الموصوفة بكونها "شهادة" بأي شروط بل انه
لم يتعرض لها أصلا في فصول مجلة الإجراءات الجزائية وإنما توجد شروط أقرها فقه
القضاء الذي يكتفي غالبا بتوفر شرط وحيد ذو طابع معنوي وهو اقتناع وجدان القاضي
لقبول تلك "الشهادة" كدليل إدانة إلا أنه أحيانا يقرن ذلك الشرط بشروط
مادية وهو توجه لم يتبلور إلا بعد تردد
وعلى مراحل توجت بصدور القرار التعقيبي المؤرخ في 23/3/2005 والذي يعد أول قرار تعقيبي يضبط بصفة متكاملة
الشروط المادية لـ"شهادة" متهم على متهم.
الفقرة الأولى- الشرط المعنوي: اقتناع
وجدان القاضي.
إن فقه القضاء مستقرّ حول
اعتبار أنّ القاضي الجزائي يحكم بالإدانة أو بالبراءة وفق وجدانه الخالص[46].
وهو
ما جعل محكمة التعقيب في بعض قراراتها تؤكد أنه: "للمحكمة الجزائيّة حريّة
تقدير وسائل الإثبات التي إقتنتعت بها واطمأنت إليها في نطاق اجتهادها المطلق ولها
أن تستند لكل حجّة لم يحجّرها القانون بشرط أن تطرح تلك الحجّة على النقاش وأن
تؤدّي منطقيا للنتيجة التي انتهى إليها الحكم. ولا شيء يمنع قانونا القاضي الجزائي
من الاستناد لأقوال متّهم واتّخاذها حجّة على متهم آخر"[47].
وفي
قرار أخر اعتبرت محكمة التعقيب أن قاضي الموضوع يمكنه الأخذ بأيّ دليل لم يحجره
القانون واطمأن إليه وجدانه وحيث لا يوجد أيّ نص قانوني يمنع القاضي من أن يستند
في الإدانة إلى مجرّد اعتراف متهم على آخر متى اطمأن إليه ولا شيء بالقانون يمنع
اعتماد هذا الاعتراف كأساس للحكم بالإدانة أو البراءة[48].
ويتحصحص
من خلال القرارين السابقين أنّ محكمة التعقيب تقر للقاضي الجزائي بحريّة كاملة في
تقديره للقوّة الثبوتيّة لوسائل الإثبات سواء المقدّمة إليه أو التي استنتجها
بنفسه.
ومن الواضح أن فقه القضاء يعتبر أحيانا أن نظام الاقتناع
الشخصي للقاضي الجزائي يجعل هذا الأخير غير ملزم بإعطاء تفسير أو تبرير بشأن القوة
الثبوتية للأدلة التي يعتمدها.[49]
ولكن هذا التوجه لا يمكن القبول به إذ إن خطأ
القاضي الجزائي بسبب قناعته الشخصية أمر تأباه العدالة ولهذا فلا بد من الحد من
اطلاقيتها وإخضاعها لقواعد تنظيمية تحصنها وتضمن أن استخلاص الدليل تم بناءا على
مسلمات لا جدل حولها ولا التباس.[50]
كما أن هذا المنهج يذكرنا بالنظام القديم للإثبات في
فرنسا قبل الثورة الفرنسية الذي كان نظاما قانونيا يعتمد بعض النصوص والأعراف التي
كانت تفرض على القاضي الجزائي التجريم إلزاما بمجرد أن تقوم الأدلة على المتهم في
شهادتين متطابقتين وإذا جاءت الشهادة من شاهد واحد فالإدانة قائمة لكن العقوبة
تكون أخف وطأة فقط.[51]
فحرية القاضي في تأسيس قناعته على الدليل الذي يرتاح
اليه وجدانه مشروط بأن يكون هذا الدليل مقبولا قانونا وقائما على إجراءات صحيحة.[52]
وهو
ما كرسته محكمة التعقيب في القرار عدد36258 المؤرخ في 30/04/2003 (غير منشور) الذي
ورد فيه ما يلي:<< حيث ولئن خول القانون لقاضي الموضوع الحكم بمقتضى وجدانه
من خلال حرية تقديره للوقائع وتقييمه للأدلة والقرائن الموجودة بها واستخلاص
النتيجة القانونية المترتبة عنها الإدانة أوجب عليه تعليل أحكامه تعليلا مستساغا
واقعا وقانونا وهو شرط لا يتوفر إلا متى شمل نظره كافة عناصر القضية التي لها تأثير
على وجه البت فيها وتناول بالدرس والتقييم والترجيح ما تحتويه الوقائع من الأدلة
المثبتة للتهمة أو الدافعة لها حتى تتمكن هذه المحكمة من إجراء حق الرقابة على
الأحكام والتأكد من حسن تطبيق محكمة الموضوع للقانون على الوقائع المثبتة في
الأوراق >>.
ويبدو
ان محكمة التعقيب باتت تميل الى هذا التوجه، فقد اعادت تأكيد موقفها سنة 2005 حين
اعتبرت انه:" ولئن جعل الفصل 150 من مجلة الإجراءات الجزائية وجدان القاضي
الجزائي الخالص هو المرجع في إقتناعه بالأدلة التي تطرح عليه وفي إطمائنانه إلى
صدقها فإن ذلك يبقى دائما مقيدا بعدة شروط ضمانا لحريات الأفراد منها أن يكون ذلك
الوجدان مستمدا من أدلة قائمة في الدعوى وصحيحة ومن ثم فإذا أقام الحكم المنتقد
قضاءه على أدلة وهمية ليس من شأنها أن تؤدي على ما إستخلصه منها فإنه يكون عرضة
للنقض للفساد في الإستدلال وضعف التعليل"[53].
فشرط
تعليل الحكم مستمد من أحكام الفصل 168
م ا ج وهو عنصر
ضروري لسلامة الحكم من البطلان طبق أحكام الفصــل199م ا ج .
و
جاء بالقرار التعقيبي عدد 48377 المؤرخ في 14 افريل 1993 ما يلي:<< إن مسألة
تقدير الأدلة واستخلاص النتائج القانونية منها وان كان من اجتهاد محكمة الموضوع
المطلق فان ذلك مشروط بتوخيها التعليل المنطقي المستساغ دون تحريف أو تغيير في
الوقائع أو خطأ في تطبيق القانون >>[54].
ويبدو
أن جملة القرارات السابقة كانت مقدمة لصدور قرارات أكثر جرأة كرست فيها محكمة
التعقيب الشروط الواجب توفرها في "شهادة" متهم على متهم حتى تكون دليلا
قانونيا مقبولا.
الفقرة الثانية- الشروط المادية
لقبول"شهادة متهم" على متهم.
يعتبر
القرار التعقيبي الجزائي عدد13973 المؤرخ في 23/3/2005 أول قرار يتضمن بصفة واضحة
لا لبس فيها جملة من الشروط المادية الواجب توفرها للأخذ بـ"شهادة" متهم
على متهم فقد ورد فيه ما يلي:<< حيث انه بالرجوع الى القرار المنتقد
وأسانيده والأوراق التي أنبنى عليها يتضح أن القضاة الذين أصدروه كانوا قد أسسوا
قضاءهم على شهادة وحيدة صادرة عن الطفل بلال المحكوم عليه في قضية مستقلة من أجل
استهلاك مادة مخدرة ممنوعة...وحيث انه ولئن كانت مسألة شهادة متهم ضد متهم تختص
بها محكمة الموضوع دون سواها ولا مانع قانونا من الأخذ بها فذلك بشريطة تحليل
فحواها وبسطه ومتى كانت واضحة ومتماسكة ومستقرة في سائر مراحل البحث دون تناقض او
تضارب غير مقدوح فيها وان تكون خاصة معززة ومدعمة بقرائن قوية ومتضافرة يستأنس بها
وحجج ثابتة تكون مطية لإقناع الوجدان وإصدار أحكام القانون وحيث انه وخلافا لما
ذهبت إليه محكمة القرار المطعون فيه فإن تلك العناصر لم تبرز في إطار هاته القضية
وقد اتسمت تلك الشهادة اليتيمة بالضعف والافتقار لما يدعمها ويعززها حتى ترجح بمفردها
على قرائن وأدلة البراءة في تهمة خطيرة... وحيث أهمل القرار المنتقد الرد سلبا أو
إيجابا على دفع المتهم بشأن قدحه في تلك الشهادة ومصدرها وفق ما جاء بالفصلين 63م
ا ج و96 م م م ت والتعرض الى كيفية تحديد صنف ونوع المادة المخدرة التي نسب الى
المعقب توزيعها بنية الاتجار فيها في غياب محجوز وسلبية نتيجة التحليل المخبري
المجرى على سوائله...>>.
ومن
الواضح أن محكمة التعقيب حددت في القرار المبين مبدأه أعلاه لأول مرة شروط "شهادة"
متهم على متهم وهي شروط متلازمة إلا أن محكمة الإحالة التي أعادت النظر في
القضية محل القرار التعقيبي لم تعتبر على الإطلاق موقف محكمة القانون مما استوجب
الطعن بالتعقيب مرة ثانية وقد كان هذا الطعن فرصة سانحة لمحكمة التعقيب حتى تبين
مدى ثباتها على موقفها وتؤكد أن موقفها السابق هو بمثابة اجتهاد مستقر وليس موقفا
عابرا.
وقد
ورد في حيثيات القرار التعقيبي عدد 11809 المؤرخ في 15/2/2006 (غير منشور) ما
يلي:<< حيث ولئن كان لمحكمة الموضوع الحرية في فهم الوقائع واستخلاص النتائج
القانونية منها لنفي التهمة أو إثباتها ولا سلطان عليها في ذلك من طرف محكمة
التعقيب شرط التعليل القانوني السليم والتفحص الكامل والشامل لجميع أوراق الملف
ولدفوعات الأطراف استيعاب النصوص القانونية المنطبقة ومرامي المشرع لتحقيق العدل
والإنصاف. وحيث بالرجوع إلى القرار المطعون فيه انه اعتمد لإدانة المتهم المعقب
الآن على شهادة وحيدة صادرة عن الطفل (ب) المحكوم عليه في قضية مستقلة من اجل استهلاك
مادة مخدرة ومفادها انه تزود من المتهم المعقب الآن. وحيث أن الشهادة اليتيمة
اتسمت بالضعف والافتقار لما يدعمها ويعززها حتى ترجح لوحدها على قرائن وأدلة براءة
في تهمة خطيرة وقد تمسك المعقب بحثا وتحقيقا بالإنكار. وحيث أهمل القرار المنتقد
الرد سلبا أو إيجابا على دفع المتهم بشأن قدحه في تلك الشهادة وفق ما جاء بالفصلين
63 م ا ج و96 م م م ت.وحيث أن محكمة القرار المعقب لما قضت بثبوت الإدانة اعتمادا
على شهادة مجردة دون أي دليل مادي لغياب المحجوز في جريمة خطرة فيه خرق لأحكام
الفصول 1/25/26 من قانون 1992 المتعلق بالمخدرات ودون أن تلتزم بالوسيلة القانونية
التي أوجبها المشرع في ذلك القانون ألا وهي التحليل المجرى والمحجوز وهذا أمر له
تأثير على وجه البت في الموضوع... وحيث أضحى والحالة تلك القرار المنتقد مشوبا
بالقصور في التعليل وبهضم حقوق الدفاع وخرق القانون مما يتعين معه نقضه>>.
ويستخلص
من كلا القرارين ان شروط قبول "شهادة" متهم على متهم هي:
1. أن تكون واضحة، متماسكة ومستقرة في سائر مراحل
البحث لا تناقض ولا تضارب فيها. وهو شرط كانت محكمة
التعقيب قد اشارت اليه في القرار التعقيبي المؤرخ في 02/07/2003 ( غير منشور) والذي جاء فيه ما يلي:<< حيث أن الشهادة
لم تكن متواترة ومتحدة في مضمونها وحيث أن شهادة متهم على آخر ولئن تعتبر وسيلة من
وسائل الإثبات إلا أنها تحتاج إلى وسائل إثبات أخرى وقرائن تدعمها خلافا لما كانت
عليه الشهادة في قضية الحال التي كانت فاقدة لكل تأييد من وسائل إثبات أخرى بل ثبت
لدى دائرة الاتهام وجود قرائن أخرى تدحض مضمون تلك الشهادة >>.
2. أن تكون معززة ومدعمة بقرائن قوية ومتضافرة
يستأنس بها وحجج ثابتة تكون مطية لإقناع الوجدان وإصدار أحكام القانون.
وهذا الشرط منطقي ولا جدال فيه إذ أنه مطلوب في إقرار المتهم على نفسه فمن باب
أولى أن يكون مطلوبا في إقراره على غيره.
وهذا
الشرط يكاد يكون محل اتفاق في اغلب الانظمة القانونية المقارنة،
وقد
سبق لمحكمة التعقيب أن كرست هذا الشرط في قرارها عدد 46868 المؤرخ في 31/01/2004[55]
الذي جاء فيه :<<لا شيء يمنع قانونا من اعتماد شهادة متهم على متهم خاصة إذا
ما اتضح أن تلك الشهادة كانت معززة بقرائن أخرى مثل الجزء من المحجوز الذي تم
العثور عليه بحوزة المعقب ضده والذي تبين بعد عرضه على المتضرر أنه تابع لهذا
الأخير فقام الباحث بارجاعه اليه ومن جهة أخرى فان شهادة متهم على متهم لا شيء
يمنع المحكمة من الأخذ بها خاصة إذا ما تبين أن الشاهد لم يكن يرمي من وراء شهادته
تبرئة ساحته وإلقاء تبعة أفعاله على المشهود ضده...>>.
ومن
الواضح أن محكمة التعقيب أقرت في قرارها السالف الذكر شرطا إضافيا وهو أن لا تكون
تصريحات المتهم ضد غيره بغاية تفصيه من العقاب وإلقاء التبعة على غيره.
وهو
نفس الموقف الذي عبرت عنه في قرارها المؤرخ في 18 نوفمبر2004 حين أكدت أنه:"
حيث إتضح بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه أن المحكمة المصدرة له بررت قضاءها بتبرئة
ساحة المتهم إعتمادا على أن الدعوى الموجهة ضد المعقب ضده ظلت مجردة ولم تعزز
بأي دليل ثابت وقاطع يمكن أن ينهض حجة دامغة على إدانته من أجل ما نسب إليه
وإعتبرت أن تصريحات المظنون فيه الأصلي أنيس ظلت مشوبة بكثير من الشك والتخمين ولم
تعزز بأي دليل أو قرينة أخرى خاصة وقد تمسك المتهم بالإنكار التام في جميع مراحل
البحث. وحيث على عكس ما ذهبت إليه محكمة الحكم المنتقد فإن شهادة المتهم
الأصلي جاءت صريحة وواضحة ولا يشوبها أي تخمين وذلك بتأكيده صلب محضر إستنطاقه
وكذلك لدى الباحث الإبتدائي وعند المكافحة على توليه بيع الزربية المسروقة إلى
المعقب ضده بعد أن أعلمه بفساد مصدرها باعتبارها حصيلة عملية سرقة من منزل
المتضرر. وحيث أن إستبعاد محكمة الحكم المنتقد لمثل هذه الشهادة في غير طريقه خاصة
وأن هذه الشهادة تعزرت بالثمن الزهيد الذي دفعه المعقب ضده مقابل شراء الزربية
والذي لا يتجاوز الثمانية والعشرين دينار والحال أن قيمتها الحقيقية تقارب الألف
دينار حسبما تحرر على المتضرر وبالتالي فإن الفارق بين ما بذله المعقب ضده
والقيمة الحقيقية للمسروق لا يمكن أن يخفى عن هذا الأخير وهو ما يدل على علمه
بفساد المصدر بما يعزز شهادة المتهم الأصلي ويجعل ما إنتهت إليه محكمة
الحكم المطعون فيه في غير طريقه وغير مستساغ التعليل. وحيث ثبت من ناحية أخرى أن
المحكمة إستبعدت شهادة المتهم الأصلي رغم وجود أي قدح جدي في تصريحاته ورغم أن ملف
القضية لا يحتوي على أي شيء يفيد أن للمتهم أية مصلحة أو منفعة في توريط المعقب
ضده. وحيث ولئن كان لمحكمة الموضوع السلطة المطلقة في تقدير الأدلة والموازنة
بين أدلة الإدانة وأدلة البراءة إلا أنها تبقى مطالبة بتعليل ما ذهبت إليه تعليلا
مستساغا متطابقا وأوراق القضية ومؤديا إلى النتيجة التي توصلت إليها وهو ما لم
تبرزه محكمة الحكم المنتقد بإستبعادها شهادة المتهم الأصلي المتسمة بالوضوح
والصراحة لإدانة المعقب ضده"[56].
وفي
هذا الاتجاه فقد سبق لمحكمة التعقيب أن اعتبرت أنه لا مانع قانونا من اعتماد
«شهادة متهم» على متهم خاصة إذا لم يقصد بها تبرئة نفسه وإلقاء تبعة الجريمة على
من شهد ضده.[57]
3. أن لا تتسم بالضعف والافتقار لما يدعمها
ويعززها حتى ترجح لوحدها على قرائن وأدلة البراءة.
وفي
هذا الاتجاه اعتبرت محكمة التمييز اللبنانية "أن الأحكام يجب أن تبنى
على الدليل القاطع الذي يطمئن إليه وجدان المحكمة وبما أن أقوال رفيقي المتهم ليست
إلا من قبيل عطف الجرم[58] الذي
لم يعزز بدليل أخر وبالتالي تشكل شبهة فقط ولا تصلح للحكم".[59]
4. أن لا تكون محل قدح.
إذ
نص المشرع بالفصل 63 م
اج انه << لحاكم التحقيق أن يسمع على سبيل الاسترشاد بدون أداء
اليمين... ثانيا: الأشخاص الذين لا يمكن قبول شهاداتهم تطبيقا لقواعد م م م ت>>.
ومن
بين الحالات الواردة بالفصل 96 م
م م ت والتي يجب التأكد من عدم توفرها لدى المتهم:<<أولا: العداوة
الواضحة... ثانيا: إذا كان للشاهد منفعة شخصية لأداء الشهادة...عاشرا: إذا كان
الشاهد محكوما عليه من اجل جريمة مخلة بالشرف>>.
فـ"شهادة"
متهم على متهم لا تكون مقبولة إلا إذا خلت من القوادح القانونية وكانت واضحة
ومتماسكة ووقع الإصرار عليها في جميع مراحل البحث ومعززة بحجج أخرى ثابتة وإذا
انعدمت الشروط المذكورة أعلاه فإنه لا يمكن الأخذ بها لتكوين عقيدة القاضي الجزائي
ونسبة أي جريمة ضد متهم أو مظنون فيه.
ويستخلص
من جملة ما سبق أن مكانة الشهادة كوسيلة إثبات رئيسية في المادة الجزائية لم تحل
دون التشكيك فيها بصفة مستمرة لما يعتريها من عيوب مرتبطة بسلامة حواس الشاهد
وحالته النفسية وتزداد هذه الشكوك عندما يتعلق الأمر بتصريحات متهم أدلى بها دون
يمين ولدوافع يصعب التأكد من نزاهتها وخلوها من الرغبة في الانتقام والتشفي وتوريط
الغير لأي سبب كان فما يسمى"شهادة" متهم على متهم هو دليل يشكو من عيب
مضاعف ففيه ما في الشهادة من مساوئ مضاف إليها خلوه من الضمانات القانونية المقررة
للحد من تلك المساوئ والمتمثلة أساسا في وجوبية أداء اليمين.
وختاما فإن تعامل القضاء مع تصريح متهم على متهم ينبغي أن يتسم بالحيطة والحذر وأن يدعم بالتمحيص
والتدقيق، لأن كثيرا من المتهمين يسعون إلى توريط أناس أبرياء بدوافع الحقد أو
الانتقام، لذلك فهم لا يتورعون عن تضليل العدالة وخلط الأوراق والتحكم في مصائر
الآخرين بتصريحات غير مسؤولة، وتوجد حالات كثيرة مشهورة عمليا في قضايا المخدرات.
والحكم
القضائي الذي يعتمد في الإدانة على تصريح متهم على آخر كدليل وحيد، هو حكم ضعيف على مستوى السند والمستند، تطوقه
من أمامه ومن خلفه ومن حواليه علامات تعجب متتالية وغير متناهية في شأن افتقاره
لخصال الحكم السليم القويم وهي الجزم واليقين المؤدي وحده الى السكينة
والطمأنينة وراحة الضمير، وإذا كان المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته فإن تصريح متهم على آخر
ضعيف إلى أن تثبت قوته، ولن تثبت قوته إلا إذا تم تدعيمه
بحجة أخرى تحقيقا لمبدأ معروف في فقه القضاء الجنائي وهو مبدأ تساند الأدلة وتعاضدها
بشكل يجعل بعضها مكملا للبعض الآخر. ولهذا فإن الحكم الصادر بناء على تصريحات
مجردة لمتهم هو في الحقيقة مجرد حكم مقرر لإدانة قضى بها ذلك المتهم على الغير دون
دليل مادي أو حجة تدعم مزاعمه.
[1] )
وهو ما كرسه المشرع صراحة بالفصل 50
م ا ج الذي جاء فيه:"حاكم التحقيق مكلف بالتحقيق في
القضايا الجزائية والبحث دون توان عن الحقيقة...".كما حدد المشرع بالفقرة
الثانية من الفصل 53 م
ا ج مهمة قاضي التحقيق بإتمام:" جميع الأعمال المؤدية الى إظهار البراهين
المثبتة أو النافية للتهمة".
[3]
) حسن صادق المرصفاوي ،
المرصفاوي في المحقق الجنائي ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، بدون تاريخ ، ص14.
[4])
محمود نجيب حسني ، شرح قانون الإجراءات الجنائية ، ط2 ، دار النهضة العربية
، 1988 ، ص4-5.
[5]) من المتعارف عليه في مجال
الإثبات الجزائي أن الأدلة يمكن أن تكون قانونية Preuve légale يحددها وينظمها المشرع دون ترك
الأمر للسلطة التقديرية للقاضي، كما يمكن أن تكون حرةLiberté de la preuve يستخلصها القاضي من ظروف القضية وأقوال الشهود
ومستندات الملف. فوفق النظرية الأولى "نظرية الإثبات القانوني " ينظم
المشرع طرق الإثبات مسبقا ويحدد قيمتها ويلزم القاضي بإتباعها. أما في مجال
الإثبات الحر فمن حق القاضي الجزائي أن يفصل في القضية وفق قناعته الشخصية دون
التقيد بوسيلة إثبات محددة.
[6] ) وقد أقر المشرّع الفرنسي مبدأ
حريّة الإثبات في المادّة الجزائيّة وذلك في إطار الفصل 427 من مجلّة الإجراءات
الجزائيّة ونصه: « hors les cas où la loi en
dispose autrement les infractions, peuvent être établies par tous modes de preuves ». فيما عدا الحالات التي ينص عليها القانون يمكن
اثبات الجرائم بجميع وسائل الاثبات"
[7] ) إذ أن هناك من يعتبر أن مبدأ
القناعة الشخصية للقاضي الجزائي يجد سنده في الرغبة في حماية الحريات الشخصية ضد
أي تعد وفي عدم إنزال العقاب بمتهم بريء وفي المقابل بعدم ترك مذنب دون عقاب.
Jean Patarin; La Théorie des preuves en droit pénal.
In Quelques aspects de l’autonomie du droit pénal. Editions
Dalloz.1956.P.45-46.n°.26.
وأنظر
في خلاف هذا الرأي ونقده: الياس أبوعيد، أصول المحاكمات الجزائية. دراسة
مقارنة، ج1. طبعة 2002.ص.458 وما بعدها.
[9] ) حسين المؤمن، نظرية
الإثبات: الشهادة. ج2. بغداد 1951.ص 350. وانظر كذلك: وصال التيساوي،
الشهادة في المادة الجزائية، مذكرة دراسات معمقة. كلية الحقوق بتونس.2003.
[10] (Henry Batiffol ; observation sur la preuve des faits, et la
preuve en droit, études publiées par ch. Perchman et P Foriers Bruxelles
198 P 304.
[13] ) أحمد أبو الوفاء، الإثبات في
المواد المدنية والتجارية،– الدار الجامعية للطباعة والنشر– 1983.ص120
[14] ) مع أن بعض التشريعات العربية
المقارنة نظمت هذا النوع من وسائل الاثبات: فقد نظم قانون اصول المحاكمات الجزائية
العراقي رقم (23) لسنة 1971 (الوقائع العراقية - رقم العدد:2004 |
تاريخ:5/31/1971 | رقم الجزء:1 مجموعة القوانين والانظمة - |
تاريخ:1971 | رقم الصفحة: 148) "شهادة" متهم على متهم في المادة 125
ونصها:" اذا تبين ان للمتهم شهادة ضد متهم اخر فتدون شهادته وتفرق دعوى كل
منهما". وكذلك في المادة 126 ونصها:" ا – لا يحلف المتهم اليمين الا اذا
كان في مقام الشهادة على غيره من المتهمين. ب – لا يجبر المتهم على الاجابة على
الاسئلة التي توجه اليه". وهو ما قرره أيضا قانون اصول المحاكمات الجزائية
العسكري العراقي رقم 30 لسنة 2007المصادق عليه بقرر مجلس الرئاسة بجلسته المنعقدة بتاريخ 25/7/2007 في المادة (14)
منه ونصها: أولاً- للمتهم الحق في أن يبدي أقواله في أي وقت بعد سماع أقوال أي شاهد وان يناقش أو أن يطلب استدعائه لهذا الغرض. ثانياً- إذا تبين أن للمتهم شهادة ضد متهم آخر فتدون شهادته وتفرق دعوى كل منهما. ثالثاً- لا يحلف المتهم اليمين إلا إذا كان في مقام الشهادة على غيره من المتهمين. رابعاً- لا يجبر المتهم على الإجابة على الأسئلة
التي توجه
إليه. خامساً- لا يجوز استعمال أية وسيلة غير مشروعة
للتأثير على المتهم للحصول على اعترافه و يعتبر
من الوسائل الغير مشروعة إساءة المعاملة والتهديد بالإيذاء والإغراء والوعد والوعيد والتأثير النفسي أو استعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير. سادساً- تدون أقوال المتهم في المحضر ويوقعها المتهم
ورئيس المحكمة أو رئيس المجلس
التحقيقي أو القائم بالتحقيق بعد تلاوته عليه وإذا امتنع المتهم عن التوقيع فيثبّت ذلك في المحضر. سابعاً- إذا تضمنت إفادة المتهم إقراراً بارتكابه الجريمة فعلى رئيس المحكمة أو رئيس المجلس التحقيقي أو القائم بالتحقيق
تدوينها
بنفسه وتلاوتها عليه بعد الفراغ منها ثم يوقعها رئيس
المحكمة أو رئيس المجلس التحقيقي أو القائم
بالتحقيق والمتهم وإذا رغب المتهم في تدوين إفادته بخطه فله ذلك على أن يتم التدوين أمام رئيس المحكمة أو رئيس المجلس التحقيقي أو القائم
بالتحقيق،
ثم يوقعها المتهم ويثبت ذلك في المحضر. ثامناً- تدون في المحضر الشهادات التي طلب المتهم سماعها لنفي الجريمة عنه ويحقق في الأدلة الأخرى التي قدمها
المتهم إلا إذا تبين أن طلب
المتهم يتعذر تنفيذه أو انه يقصد به تأخير سير التحقيق بلا مبرر أو لتضليل القضاء". كما تعرض قانون اصول المحاكمات الجزائية الاردني
رقم 9 لسنة 1961 في المادة 148 منه
ونصها:" 1-لا يجوز للقاضي أن يعتمد إلا البينات التي قدمت أثناء المحاكمة
وتناقش فيها الخصوم بصورة علنية. 2- يجوز الاعتماد على اقوال متهم ضد متهم اخر اذا
وجدت قرينه اخرى تؤيدها ويحق للمتهم الاخر او وكيله مناقشة المتهم المذكور. أما
الفصل الخامس من قانون الإثبات السوداني لسنة 1993 والمتعلق بشهادة
الشهود فقد اعتبر في المادة 50 /2 أن:" تعتبر من القرائن بينة الشريك وبينة المحتضر".
أما قانون المسطرة الجنائية المغربي فقد اكتفى بما ورد في الفقرة الثانية من الفصل
110
من أنه:"يجوز للشخص المشار إليه في الشكاية أن يرفض
الإستماع إليه بصفته شاهدا ولقاضي التحقيق
أن ينذره بعدما يطلعه على الشكاية ويضمن في المحضر ما ذكر وفي
حالة الرفض لا يمكن لقاضي التحقيق أن يستنطقه إلا بصفة متهم فقط). أما المجلس الأعلى فقد قضى بنقض
قرار محكمة الاستئناف بطنجة الصادر بتاريخ 15 - 5 - 1996 في القضية عدد 633 / 96 استنادا الى مايلي (أن المحكمة أدانت العارض بالمنسوب إليه بناء على أوصاف أعطاها متهم آخر تتعلق بالعارض المذكور لدى الضابطة القضائية، وأن المتهم أنكر أمام المحكمة
معرفته للعارض وأن الأوصاف التي
أعطاها تتعلق بشخص آخر لا يعرفه هو أيضا، الأمر الذي يعتبر معه القرار المطعون فيه ناقص التعليل ومعرضا للنقض والإبطال).والمتتبع والمتمعن
في
القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى في هذا الموضوع
يستخلص وجود تعابير تعكس عدم تحبيذ الاعتماد على تصريح متهم في مواجهة متهم آخر كوسيلة وحيدة للإدانة، لما يشوب تلك التصريحات عادة من شكوك ومن دوافع غير أمينة
وغير صادقة، ولعل أشهر قرار يحتج به
لمنح محاكم الموضوع سلطة تقدير تصريحات متهم ضد متهم آخر وحرية اعتمادها كأساس للإدانة يتضمن الحيثية التالية: "لا
وجود لأي نص قانوني يحرم على الحاكم الزجري الاعتماد على تصريحات أحد المتهمين ليقرر إدانة متهم آخر مادام للحاكم المذكور الحق
المطلق في تقدير قيمة التصريحات المشار إليها من حيث مرافقتها ومخالفتها للواقع حسب إقتناعه الصميم، ولكن نفس الحيثية
أضافت علة أخرى موضحة: »ولاسيما أن محكمة
الجنايات لم تتخذ في الواقع كأساس لحكمها على المتهمين المذكورين أخيرا تصريحات المتهم معهما وحدها، ولكنها استندت الى
جميع ما استخلص لديها من عناصر شتى سواء من
التحقيق أو من المناقشات..." (أنظر: وهابي يوسف، هل تجوز شهادة متهم على متهم؟، العدد الثاني من مجلة البحوث. مقال منشور على الموقع
الالكتروني: http://www.all-arb.com/vb/t8271.html#post59861). أما محكمة النقض السورية فقد اعتبرت في قرارها رقم
4531/350 تاريخ 27/12/1971 مجلة المحامون لعام 1972 ص 87). "أن عطف الجرم من متهم على آخر ليس بدليل ولا يصلح وحده للحكم ما لم يؤيد بغيره".
[15] ) ينص الفصل 61 م ا ج على ما يلي:" كل
شخص استدعي بوصفه شاهدا ملزم بالحضور وأداء اليمين والإدلاء بشهادته مع مراعاة
أحكام المجلة الجنائية المتعلقة بسر المهنة..." وينص الفصل 64 م ا ج على ما يلي:"على
الشاهد أن يحلف قبل أداء الشهادة على أن يقول الحق كل الحق وألا ينطق بسواه ويقع
إنذاره بأنه إذا شهد زورا استهدف للتتبع طبقا لأحكام المجلة الجنائية".
[16] ) خلافا لما هو عليه الحال
في في المادتين المدنية والتجارية يجب على الشاهد في المادة الجزائية أداء اليمين
قبل الإدلاء بأقواله، أنظر في هذا الاتجاه القرار التعقيبي المدني عدد 7239 مؤرخ
في 14 ماي 1970 نشرية ص 89. وقد جاء في مبدئه:"إذا كان الشاهد في المادة
الجنائية يتوجّب عليه القسم فإنّ الشهادة تتم بدون قسم، في المادة المدنية ".
وانظر في ذلك عموما: نور الشريف، نزاهة الشهادة. مجلة حوليات العلوم
القانونية، عدد 1، 2007.
[18] ) أنظر المادة 14(3)(ز) من
"العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية": "لكل متهم بجريمة أن
يتمتع أثناء النظر في قضيته، وعلى قدم المساواة التامة، بالضمانات الدنيا
الآتية:... (ز) ألا يكره على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بذنب."
[20] يرى البعض أن
الصمت هو وضع يستفيد منه المتهم تأسيساً على قرينة البراءة وليس حقاً شخصياً. عبد
الرؤوف مهدي ، حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته ، المنصورة ، 2000 ، ص28.
وقد أقر المشرع التونسي حق المتهم في الصمت سواء امام قاضي التحقيق (راجع الفصلين 69
و74 م ا ج) أو امام المحكمة (راجع الفصل 148 م ا ج) غير أن غالبية التشريعات لا
توجب على القاضي إعلام المتهم بحقه في الصمت. يستثنى من ذلك قانون الإجراءات الجزائية
البرتغالي الذي قرر صراحة أن المتهم يتمتع في كافة مراحل الدعوى الجنائية بحق عدم الإجابة على الأسئلة التي
تطرح عليه ويترتب على ذلك أنه إذا لم تصرح المحكمة للمتهم بهذه الإمكانية فإن
الأقوال التي يدلي بها تعتبر غير مقبولة (المادة 58/3).
J.
Pradel, op. cit., p. 448 ; A. Rodrigues, La preuve en procédure pénale
comparée, Rapport portugais, RIDP. 1992, p. 306 et s.
تدعم
التشريعات ذات الأصل الأنجلو أمريكي حق المتهم
في الصمت خلال مرحلة المحاكمة عبر نظام المفاوضة على الاعتراف Plea
Bargaining ، والذي يسمح للمتهم بالخيرة
بين أن يترافع كمتهم أو كغير متهم في بداية الجلسة. وهذا النظام عبارة عن مفاوضات
تجري بين النيابة العامة والمتهم وتنتهي باتفاق بينهما بموجبه يعترف المتهم
بالتهمة الموجهة إليه في مقابل حصوله من النيابة العامة على بعض المزايا ، مثل
تغيير وصف التهمة من وصف أشد إلى وصف أخف ، أو حفظ التحقيق عن تهمة أخرى ، أو
الحصول على وقف تنفيذ الحكم ، أو الإفراج الشرطي بعد فترة من تنفيذ العقوبة. وبناء
على ذلك فإن المتهم بعد أن يحاط علما الأدلة القائمة ضده يستدعي للمرافعة بالجلسة
كمتهم أو غير متهم وبقبوله الترافع كمتهم فإنه يتنازل عن الحقوق المقررة له في
الدعوى الجنائية ويعترف بالتهمة بكل عناصرها ، وكذلك ليس له أية وسائل دفاع يبديها
أمام هذا الاعتراف ، والمحكمة بعدما تتأكد من هذا الاعتراف تحكم عليه مباشرة
بالعقوبة. وبقبول المتهم الاعتراف بالتهمة يكون قد تنازل عن حقوق أساسية مثل الحق
في الصمت ، والحق في عدم جواز العقاب عن ذات الفعل مرتين ، وكذلك الحق في مناقشة
الشهود والحق في طلب تأجيل الجلسة. لكن هذا النظام المقرر في التشريعات الأنجلو
أمريكية لا يصلح بذاته للتطبيق في الدول ذات الصبغة اللاتينية ، ومنها تونس، نظراً
للاختلاف دور النيابة العامة. فلمحكمة الاصل تغيير التكييف القانوني للفعل،
بالإضافة إلى أن سلطة النيابة العامة على الدعوى الجنائية تنتهي بمجرد دخول الدعوى
في حوزة المحكمة المختصة ولا تملك سوى إبداء الدفوع والطلبات والطعن على الحكم
باعتبارها خصم في الدعوى الجنائية. فضلاً عن أن تطبيق هذا الإجراء سيقصر وظيفة
القاضي على مجرد التوزيع الأوتوماتيكي
للعقوبة. هذا فضلاً عن أن الاعتراف يبطل بسبب الوعد والوعيد وبسبب الترغيب أو
الترهيب، كما أن الحقيقة التي يكون الحكم القضائي عنوانا لها لن تظهر لأن الحكم
المبني على هذا الإجراء يكون بدون تحقيق وبدون مرافعة حضورية. وأخيراً فإن من شأن
قبول هذا الإجراء في التشريعات اللاتينية من شانه حرمان المضرور من الجريمة من
اللجوء للقضاء الجنائي بدعواه المدنية. راجع لمزيد من التفصيل ،
J.
Richart,La procédure du Plea bargaining en droit américain, RSC.1975.p.397 et
s.
غنام محمد غنام ، مفاوضات الاعتراف بين المتهم
والنيابة العامة في القانون الأمريكي ، دار النهضة العربية ، 1993.
إلا أن بعض التشريعات قد دعمت هذا الحق كذلك في
المرحلة السابقة على المحاكمة. ففي القانون الإنجليزي يجب على الشرطة وجهة التحري
إحاطة المتهم بالحقوق التي يتمتع بها قانونا ، وليس لهذا الأخبار شكل محدد، إذ قد
يكون شفويا أو كتابياً. ويلتزم رجل الشرطة
بإحاطة المتهم بأنه غير مكره على الإجابة على الأسئلة التي توجه إليه، وأن كل قول
له يمكن الاستناد إليه قضائياً
" J.
Spencer, Le procès pénal en Angleterre, in Procès pénal et droits de l’homme,
op. cit., p. 117 et s.".
وكذا يقر القانون الأمريكي هذا الحق في مرحلة البحث
الأولي، ففي عام 1966 كرست المحكمة العليا القواعد التي تطبق على استجواب الشرطة
وذلك في قضية ميراندا Miranda ، ومنها وجوب إعلان المتهم
بعبارات واضحة وغير غامضة في أن له الحق في البقاء صامتا ، وأن كل ما يقوله أو
يدلى به يمكن أن يستخدم ضده أمام المحكمة ، وإذا فضل المتهم البقاء صامتاً تعين
وقف الاستجواب على الفور."راجع
تقرير ب.ج. جورج، حول مرحلة ما قبل المحاكمة في النظام الأمريكي ، أعمال
المؤتمر الثاني للجمعية المصرية للقانون الجنائي ، حماية حقوق الإنسان في
الإجراءات الجنائية في مصر وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية ، الإسكندرية ، من
9 إلى 12 أبريل 1988 ، ص313 ، وأحمد عوض بلال ، التطبيقات المعاصرة للنظام
الاتهامي في القانون الأنجلو أمريكي ، دار النهضة العربية ، 1992 ، ص320 وما
بعدها."
هذا الأمر بذاته قد تقرر في قانون الإجراءات الجزائية
الإيطالي الجديد المطبق منذ عام 1989، حيث وضع هذا القانون تصوراً جديداً لاستجواب
المتهم بمعرفة الشرطة وذلك تحت تأثير تحول هذا القانون من النظام الاستقرائي إلى
النظام الاتهامي على غرار النظام الإنجليزي. ووفقاً للمادة 350 من هذا القانون لا
يجوز استجواب المتهم بواسطة الشرطة القضائية إلا بتوافر شرطين : الأول احترام
الضمانات المنصوص عليها في المادة 64 من قانون الإجراءات والتي تقضي بتأكيد حق كل
شخص يستجوب في عدم الإجابة على الأسئلة ، أي صمته وحقه أن يخبر مقدماً بهذه
الميزة. وتستلزم المادة 64 ضرورة إخبار المتهم بحقه في البقاء صامتاً ولو كانت
الجريمة في حالة تلبس. وتلتزم أيضاً بهذا الإخبار النيابة العامة. ومخالفة ذلك
يترتب عليه بطلان ويكون إخبار المتهم بالحق في الصمت والمحامي خلال كل استجواب
وليس الاستجواب الأول فقط وذلك من أجل تحقيق فعالية الحق في الصمت واحترام إرادة
المتهم.
" M.
Chiavario, Le procès pénal en Italie, in Procès pénal et droits de l’homme, op.
cit., p. 77 et s."
وقد اعترف المشرع الفرنسي بحق
المتهم في الصمت في مرحلة جمع الاستدلالات بنص صريح بعد تعديل المادة 63/1 من
قانون الإجراءات الجزائية بموجب القانون رقم 516 لسنة 2000 الصادر في 15 يونيو
2000 حيث نص التعديل الجديد على أنه يتعين إخبار الشخص المحتجز بوليسياً بحقه في
عدم الإجابة على الأسئلة التي توجه إليه من المحققين. وكذا يطبق الحق في الصمت في
مرحلة التحقيق الابتدائي وفقا للمادة 116/3 والمتعلقة بالحضور الأول أمام قاضي
التحقيق، حيث تنص هذه المادة على عدم جواز استجواب محل الملاحظة (المتهم) إلا
برضاه.
[21]) يرى البعض أن
الكذب إنما هو رخصة للمتهم وليس حقاً ، حسن محمد ربيع ، الكذب وحق المتهم في
الدفاع عن نفسه ، مجلة الأمن العام ، ع133 ، س29 ، أبريل 1986 ، ص53.
[22]) جدير بالذكر
أن التشريعات الأنجلو أمريكية
تأخذ بفكرة المتهم / الشاهد. ووفقا لهذا النظام يختار المتهم بحرية بين الشهادة أو
عدم الشهادة لصالح دفاعه. ففي القانون الأمريكي إذا اختار المتهم عدم الشهادة ، أي
التزم الصمت ، فلا يجوز لسلطة الاتهام أو المحكمة أن تستدعيه للشهادة أو الإدلاء
بأقواله. أما إذا اختار المتهم الشهادة أو الإدلاء بأقواله فإنه يعامل كشاهد عادي
، وبالتالي يجبر المتهم على أداء اليمين ، ويتعرض فضلا عن ذلك إلى استجواب مضاد من
الاتهام وبالتالي تكون مصداقيته معرضة للانتقاد بواسطة الأحكام السابقة الصادرة
ضده. ولا يعرف القانون التونسي نظام المتهم الشاهد ، إذ لا يجوز سماع المتهم
شاهداً ضد نفسه لما يترتب على ذلك حرمانه من الحق في الدفاع. كما أنه لا يجوز أن
يكون الشاهد في وضع الخصم وبالتالي لا يخول للشخص أن يكون شاهداً وخصما في وقت
واحد. ويترتب على عدم جواز سماع شهادة المتهم ضد نفسه أن الشاهد يخطر بأنه في موضع
الشهادة لا موضع الاتهام. وهو نفس الحل المتبع في القانون الفرنسي حين نص في
المادة 105 إجراءات جزائية على عدم جواز سماع الشخص إذا كان هذا السماع سوف ينال
مما لديه من ضمانات الدفاع ، وإنما يتعين استجوابه كمتهم. أحمد فتحي سرور ،
المرجع السابق ، ص504 وما بعدها ، د. علاء الصاوي ، المرجع السابق ، ص606-607.
[25] ) أنظر
على سبيل المثال: المادة 180/2 من قانون المحاكمات الجزائية العراقي ، و المادة
158 من قانون المحاكمات الجزائية الكويتي. وهو ما أكدته محكمة النقض المصرية
بقولها إن "مسلك المتهم في الدفاع عن نفسه بكل السبل لا يصح اتخاذه دليلا على
قيام موجب المسئولية في حقه" (نقض 3 يونيو 1968
، مجموعة أحكام النقض ، س19 ، رقم 133 ، ص657).
[26])- أنظر في هذا الصدد القرار
التعقيبي الجزائي عـــدد 49933 المؤرّخ في 14 فيفري 1994 والذي ورد فيه أن تضافر
الأدلّة والقرائن يجعل النتيجة التي توصل إليها قضاة الموضوع في طريقها طالما كانت
معلّلة تعليلا مستساغا من الناحية القانونيّة والواقعيّة نشريّة محكمة التعقيب.
القسم الجزائي لسنة 1994 ص. 94 و95.
[28]
) قرار
تعقيبي جزائي عدد 4247 مؤرخ في 21 ديسمبر 2000نشرية محكمة
التعقيب – القسم الجزائي – لسنة 2000. ص.
[31]) سامي صادق الملا
، كفاية الشك سنداً للقضاء بالبراءة ، مجلة الأمن العام ، س14 ، ع78 ، يوليو 1978.
Merle(R)
et Vitu (A) ; Traité de droit criminel.
Procédure pénale. éd. Cujas. n.753
[35] ) عاطف النقيب، أصول
المحاكمات الجزائية، ط2. 1993.ص331. ومحمود نجيب حسني، الإجراءات الجنائية.
ط2. 1988.ص460 رقم496. وزكي العرابي، المبادئ الأساسية للإجراءات الجنائية،
ج1.ص460. رقم 913.
[38] ) قرار تعقيبي جزائي عدد
102965
مؤرخ في 14 جويلية 1999 نشرية محكمة التعقيب – القسم
الجزائي – لسنة 1999. ص.
[40]
) يعتبر الاكراه من اقدم وسائل
التأثير فى ارادة المتهم بغية الحصول على اعترافه ، ومن ذلك إطالة الاستجوابات لفترات متصلة من الليل
والنهار دون انقطاع بقصد تحطيم اعصاب المتهم وتضيق الخناق عليه فيقر بما هو
منسوب اليه بصرف النظر عن مدى حقيقته. كما أن الحبس الاحتياطى قد يتخذ احيانا وسيلة
للضغط
على المتهم واكراهه على الادلاء باعترافه ، كذلك الضرب أو الاعتداء بأية كيفية على جسم
المتهم والقبض والحبس بدون وجه حق وتسبيب الألم والارهاق
كتسليط الضوء الشديد على الوجه أو ابقاء شخص واقفا مدة طويلة أو إزعاجه بالأصوات
المدوية أو حرمانه من الطعام والشراب .ومن أهم صور الاكراه المادى العنف وهو عبارة عن فعل مباشر يقع على الشخص
وفيه مساس بجسده ويمثل اعتداء عليه ويكون من نتيجتة أن
يسلب الارادة نهائيا بحيث يشل حرية الاختيار أو يؤثر فيها نسبيا فيترك لها فرصة
للتعبير ولكن على غير رغبتها وفى كلتا الحالتين يصبح الاجراء باطلا وبالتالى فإن
الاعتراف الذى يتمخض عنه يصبح باطلا ولا يمكن التعويل عليه فى الاثبات. وقد يكون الاكراه معنويا وله صور متعددة مثل التهديد وهو عبارة عن
ضغط يمارسه شخص على ارادة شخص آخر لتوجيهها الى سلوك معين ويستوى فى ذلك أن
يكون التهديد بايذاء المتهم فى شخصه أو فى ماله أو بايذاء انسانا عزيزا لديه ومثاله
تهديد المتهم بالقبض على زوجته أو والدته.
كما يعتبر الوعد أحد الوسائل التقليدية لحمل المتهم على الاعتراف
وهو كل ما من شأنه ايجاد الأمل لدى المتهم بتحسين ظروفه
اذا اعترف بجريمته مثل وعد المتهم بالعفو عنه أو اعتباره شاهد ملك أو بعدم محاكمته
أو بالافراج عنه أو عدم تقديم الاعتراف ضده فى المحكمة أو بتخفيف العقوبة عنه. ويعتبر كذلك فى حكم الاكراه الأدبى تحليف المتهم اليمين
والحيلة والخداع ، وكذلك الأمر بالنسبة لجهاز كشف الكذب أو
العقاقير المخدرة اذا انها تعد نوعا من الاكراه تأباه العدالة إذ أنها تعامل الانسان وكأنه
محل تجربة فى معمل بما يترتب عليها من سلب شعور الانسان وتحطيم لإرادته الواعية.
[45]) مذكور لدى: عادل فرحات،
استنطاق ذو الشبهة من قبل قاضي التحقيق. مذكرة دراسات معمقة- شعبة العلوم
الجنائية. كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. ص153.
[46]) -
أنظر قرار تعقيبي جزائي عـدد 6815 مؤرّخ في 17/12/1971 جاء فيه "أنّ المحكمة
حرّة في الأخذ بما تراه مقنعا من الأدلّة وإلغاء ما سواه لأنّها تقضي حسب وجدانها
بالإدانة أو البراءة ولا رقابة عليها في ذلك من محكمة التعقيب طالما كانت وجهة
نظرها معلّلة كما يجب" م ق ت 1972 ص 65.
[53]
) قرار تعقيبي جزائي عدد 11099 مؤرخ في 01 فيفري 2005. نشرية محكمة التعقيب – القسم
الجزائي – لسنة 2005. ص.
[56] ) قرار
تعقيبي جزائي عدد 8847 مؤرخ في 18 نوفمبر 2004 نشرية
محكمة التعقيب – القسم الجزائي – لسنة 2004. ص.
[59] ) محكمة التمييز
اللبنانية القرار رقم 121 بتاريخ 19/5/1970 سمير عاليه، موسوعة الاجتهادات
الجزائية لقرارات وأحكام محكمة التمييز.ط1. 1990 ص13. رقم19 القرار الثاني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق