2014/04/27

ملاحظات أولية على قانون العدالة الانتقالية

ملاحظات أولية على قانون العدالة الانتقالية*[1]

الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية

المستشار القانوني لجمعية كرامة وحرية (A.D.L عدل(

العدالة الانتقالية هي البديل الحضاري لعدالة المنتصر التي يرجع أصولها إلى أزمنة بعيدة والتي تجسدت في القرن الماضي من خلال محاكمات مجرمي الحرب في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
ويعتبر مفهوم العدالة الانتقالية من المفاهيم التي ما زالت غامضة أو ملتبسة خصوصاً لما يشوبه من إبهام فيما يتعلق بالجزء الثاني من المصطلح ونعني به "الانتقالية" فهل توجد عدالة انتقالية؟ وما الفرق بينها وبين العدالة التقليدية المرتبطة بأحكام القضاء واللجوء إلى المحاكم بأنواعها ودرجاتها؟[2]
ففي تقرير للأمين العام السابق للأمم المتحدة يعرّف " العدالة الانتقالية" بأنها تشمل "كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفّهم وتجاوز تركة الماضي الواسعة النطاق بغية كفالته للمساءلة وإحقاق العدل وتحقيق المصالحة" وربط كوفي أنان ذلك باستراتيجيات شاملة بحيث تتضمن الاهتمام على نحو متكامل بالمحاكمات الفردية ووسائل جبر الضرر وتقصي الحقيقة والإصلاح المؤسسي أو أي شكل يدمج على نحو مدروس هذه العناصر على نحو ملائم[3]
كما وقع تعريف العدالة الانتقالية حسب وثيقة صادرة عن المعهد العربي لحقوق الإنسان في سبتمبر 2007: «دليل حول العدالة الانتقالية»، على أنها من المفاهيم التي قد تبدو للوهلة الأولى ملتبسة، لأن العدالة التي توصف بالانتقالية هي ليست من صنف العدالة التقليدية المرتبطة بالقضاء والمحاكم بأنواعها، لكنها تشترك معها في إرجاع الحق أو بعضه الى من انتهكت حقوقه لسبب من الأسباب لا سيما ما تعلق منها بالسياسية[4].
أحياناً كان يطلق على هذا النوع من العدالة مصطلح " عدالة ما بعد النزاعات" وعلى أساسه تم وضع مبادئ شيكاغو التي أعدّت لتحقيق عدالة ما بعد النزاعات وتلك لا تعني سوى استراتيجيات مكافحة الإفلات من العقاب أو "العدالة الانتقالية" وهي عملية متعددة الأوجه تتجاوز النهج القانوني الرسمي لمفهوم العدالة المعروف[5].
وتتطلب العدالة الانتقالية أيضاً تأمين استقلال القضاء ونزاهته والتحقيق والمحاكمة باحترام الإجراءات القانونية ومنع المحاكمات المتعددة للجريمة ذاتها وتأمين حماية الشهود وحماية الإجراءات الخاصة والموظفين، كما تستهدف بث الوعي لدى الجمهور.
ولكن هل أن العدالة الانتقالية هي عدالة خاصة تختلف عن القواعد العامة للعدالة؟
رغم تعدد تجارب العدالة الانتقالية فإنه لا توجد صيغة محددة يمكن اعتمادها، حيث تم تطبيقها حسب خصوصية كل بلد، غير أن الهدف الأساسي لها جميعاً كان واحدا وهو نقل المجتمعات من تحت نير نظام استبدادي قمعي إلى نظام ديمقراطي، وتجاوز آثار جرائم مثل التعذيب والتطهير العرقي وتحقيق المصالحات الوطنية في تلك الدول وتمكين العدالة من استعادة دورها في بناء السلام والأمن الاجتماعيين.
وقد انتجت حصيلة التجارب السابقة خمسة أسس مشتركة للعدالة الانتقالية، تتمثل فيما يلي:
(1) الملاحقات القضائية لمنتهكي حقوق الإنسان،
و(2) جبر الضرر وتعويض الضحايا والمتضررين من الأنظمة،
و(3) إصلاح مؤسسات الدولة وخاصة العسكرية والأمنية والقضائية والمدنية التي ساهمت في تلك الانتهاكات،
و(4) تشكيل لجان الحقيقية لمعرفة الحقيقة باعتبارها أساس المصالحة الوطنية،
و(5) تخليد ذكرى الضحايا[6].
وقد أعطت تجارب العدالة الانتقالية المختلفة نموذجين أساسيين:
الأول "نموذج الاستمرارية القانونية": وهو الذي مثلته تجربتي بولونيا وهنغاريا والمغرب، خصوصاً فالتغيير كان سلساً وسلمياً وتواصلياً وتدرجياً.
أما الثاني "نموذج القطيعة مع الماضي": فقد عكسته مثلا تجربتي ألمانيا الديمقراطية وتشيكوسلوفاكيا[7]، حيث كان التغيير ثورياً إذ ارتفعت دعوات القطيعة مع الماضي واستخدام العدل العقابي والتاريخي وسيلة لمعالجة جرائم النظام السابق.
ولكلا النموذجين خصومه وأنصاره،
فخصوم النموذج الأول يعتبرون أنه يسمح للكثيرين بالإفلات من العقاب من خلال عدم المعاقبة أو التخلّي عن إمكانية المعاقبة، بما يؤدي إلى إضعاف الدولة القانونية، التي لا يوجد فيها شخص فوق القانون، ولهذا فالأمر يتطلّب تصفية الحسابات مع جرائم الماضي، فتطبيق ثقافة المساءلة مكان ثقافة الإفلات من العقاب التي سمحت بارتكاب الانتهاكات ،يعطي إحساسًا بالأمان للضحايا ويوجه تحذيرًا لمن يفكرون في ارتكاب انتهاكات في المستقبل . بينما يرى أنصار هذا النموذج أن ميزته الجوهرية هي في أنه يسعى لتجاوز الماضي بوسائل تدرّجية سلمية إدماجيه حرصاً على السلم الاجتماعي وإقامة الدولة القانونية دون انتقام أو ثأر.
أما خصوم النموذج الثاني (القطيعة مع الماضي) فهم يعتبرون أنه يزيد من أمر انقسام المجتمع ويشغله إلى حدود بعيدة عن إعادة البناء، خصوصاً وان الكثير من الجرائم المرتكبة مضى عليها زمن طويل ويصعب أحياناً التوثق منها، لكن أنصار هذا النموذج يؤكدون أن ميزته الجوهرية تتجسد في كونه يضمن في الوقت نفسه تصفية تركة الماضي وعدم تكرار مآسيه مجددا، من خلال التذكير بالجرائم ومصارحة الذات لوضع حدّ لمختلف الصراعات والنزاعات الداخلية؛ وبناء أسس متينة تدعم دولة الحق والقانون.
فإي النموذجين اعتمد في قانون العدالة الانتقالية في تونس؟
بقراءة أولية لقانون العدالة الانتقالية في تونس يلاحظ أنه تبنى في مجمله نموذج القطيعة مع الماضي وهو ما سيقع بيانه من خلال إظهار النقائص العديدة لقانون العدالة الانتقالية في تونس، التي نتعرض لها تباعا:

1-                غياب المرجعية القانونية:

إن القارئ لقانون العدالة الانتقالية في تونس سيخيل اليه أنه قانون وضع في بلد لا يملك تراثا قانونيا عريقا، فخلافا للعادة لم يتضمن القانون أي إشارة للمحيط القانوني الذي صدر في ظله، كما أنه لم يتضمن أية إشارة للقوانين النافذة المتصلة بموضوعاته وتلك التي تضمن حقوق الإنسان والحق في المحاكمة العادلة وغيرها، فقد خلا القانون مثلا من أي إشارة لمجلة الإجراءات الجزائية ومجلة حماية الطفل[8]، كما لم تقع الإشارة إلى المعاهدات والمواثيق والإعلانات الدولية المصادق عليها، وكان من المفترض أن يقع التنصيص عليها صراحة خاصة وأن القانون ذاته سيحيل إلى تلك المعاهدات عند الإشارة إلى انتهاكات حقوق الإنسان. كما أن الحديث عن الفساد المالي والاعتداء على المال العام كان يقتضي تحديد النصوص المرجعية المتعلقة بهما، وكذا الأمر بالنسبة لتزوير الانتخابات والدفع إلى الهجرة الاضطرارية لأسباب سياسية اللذان يفتقدان لنص يجرمهما صراحة وبصفة مباشر لا لبس فيها، ومن الثابت ان غياب هذه المرجعية زاد من غموض عدة فصول تعتبر ركنا جوهريا في هذا القانون.
وعلاوة عما سبق فقد أكتفى الفصل 38 بالفقرة الأخيرة منه على أنه: "ولا يحق لأي كان التدخل في أعمالها (هيئة الحقيقة والكرامة) أو التأثير على قراراتها"!!! ما معنى هذا؟ وأي قيمة له؟ وماذا يترتب عن مخالفته؟ فما هي جدوى التحجير دون ان يقع تجريم التدخل أو التأثير أو محاولة ارتكاب أي منهما؟، خاصة وأنه كان يجب التجريم احتراما لاتفاقية مكافحة الفساد التي صادقت عليها تونس منذ سنة 2008.

2-                تجاهل الوضعيات الجارية:

خلافا لما هو معتاد في القوانين التي تتضمن أثرا رجعيا، والقوانين التي تنظم وضعية غير مسبوقة، فقد خلا القانون من أية أحكام ختامية أو انتقالية تنظم الوضعيات الجارية وخاصة المحاكمات التي بدأت بعد 14/1/2011 وحتى الآن، فكما هو معلوم للجميع أن هناك محاكمات جارية وهناك قرارات وأحكام ابتدائية ونهائية وباتة صدرت ضد بعض الأشخاص عن أفعال تدخل في نطاق قانون العدالة الانتقالية، وهناك من قضى مدة العقوبة أو على الأقل قضى قرابة الثلاث سنوات في السجن، كما أن هناك أشخاص موقوفين لذات المدة تقريبا دون أي حكم فما هو مصيرهم اليوم؟، وهل يعقل ان يقف هؤلاء أمام هيئة الحقيقة والكرامة وهم سجناء مغلولي الأيدي؟ بينما يتقدم غيرهم حرا طليقا؟
تقتضي العدالة وأصل البراءة والطابع الاستثنائي للإيقاف أن يحال الجميع بحالة سراح وعلى قدم المساواة. كما يجب التساؤل هل أن قاعدة عدم المعارضة بمبدأ اتصال القضاء الواردة بالفصل 42 من القانون تشمل هذه المحاكمات أيضا؟ إذا كان الجواب بنعم فهذا عبث، لأن تلك المحاكمات تعتبر جزء لا يتجزء من العدالة الانتقالية ولو أنها سبقت هذا القانون وكان من الواجب أخذها بعين الاعتبار صراحة إذ لا يجوز أن يحاكم الشخص عن ذات الفعل مرتين في ظل نفس المنظومة القانونية لذات البلد، وتعتبر المنظومة القانونية المطبقة بعد الثورة واحدة لا تتجزأ.
وعلاوة عما سبق فقد تجاهل القانون تماما وضعية الأشخاص المصادرة أموالهم بموجب المرسوم عدد 13 لسنة 2011 رغم ان هذا المرسوم لم يغب عن واضعي القانون[9]، فكيف لهؤلاء الاشخاص ان يقوموا بالمصالحة وقد وقعت مصادرة جميع املاكهم؟؟؟ وما جدوى انخراطهم أصلا في منظومة العدالة الانتقالية طالما أن فرضية المصالحة مستحيلة عليهم؟.

3-                عدم التنصيص على مبدأ المساواة أمام القانون والقضاء:

المساواة هي حجر الأساس في حقوق الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا يعيش في جماعة، ويعتبر حق المساواة من أهم الحقوق الإنسانية والصقها بالإنسان وأقدمها ، وأكثرها أصالة على الإطلاق ، فهذا الحق هو أساس كل الحقوق ، وهو أساس مرتبط بالوجود الإنساني ارتباطا لا يقبل الانفكاك، كما أشارت كثير من المواثيق لهذا الحق بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث نص في المادة الأولي منه : " يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق ، وقد وهبوا عقلا و ضميرا وعليهم أن يعامل بعضهم بعضا بروح الإخاء " ولا يمنع هذا التعميم من التركيز على إبراز الحق في المساواة بصدد بعض الحقوق الهامة كما يفعل الإعلان ذاته في المادة السابعة بشان تأكيد المساواة أمام القانون وضرورة كفالة حمايته للجميع دون تمييز، وهذا الأمر هام في اعتبار جميع الأفراد سواء أمام القانون وحمايته الايجابية التلقائية
ويقصد بمبدأ المساواة أمام القانون بصفة عامة وأمام القضاء على وجه الخصوص، خضوع الأشخاص المتماثلين في المراكز القانونية أمام القضاء لقواعد وإجراءات واحدة، وتمتعهم بالحقوق والضمانات المقررة على قدم المساواة.
لكن من الثابت سواء بموجب قرارات تعقيبية أو شهادات لهيئات وأشخاص حقوقية أن مسار العدالة بعد الثورة كان انتقائيا لا بل انه اتخذ أحيانا طابعا انتقاميا، ووقع تقديم أكباش فداء إرضاء لبعض الجهات التي احتكرت الكلام باسم الشعب وادعت أنها مفوضة منه (هناك تسجيلات صوتية ومرئية لمسؤولين بعد الثورة تؤكد الطابع الانتقائي الانتقامي للمحاسبة)، كما تعرض العديد من الأشخاص (قضاة، وزراء سابقين، مدراء عامين، موظفين) إلى إجراءات تعسفية بدنية ومدنية ووظيفية لا يوجد ما يبررها وتفتقد للسند القانوني السليم، ولازال أغلب هؤلاء تحت وطأة هذا التعسف اللا قانوني وغير المبرر.
وكان من المفروض بواضعي القانون ان يراعوا هذا الواقع المستجد بعد الثورة والذي يشكل بدوره انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان، وان ينصوا صراحة على وضع حد لأي إجراءات تعسفية وتعليق العمل بها إلى حين عرض الملف على هيئة الحقيقة والكرامة، وذلك بالتنصيص صراحة على مبدأ المساواة أما القانون والقضاء، وأعتقد أن تجاوز هذا النقص ممكن اعتمادا على أحكام الدستور.

4-                انتهاك الكرامة المتأصلة في الإنسان:

إن الكرامة الإنسانية غير قابلة للمساومة، فهي ليست شيئًا يباع ويشترى أو شيئًا نسبيًا في قيمته على حسب ظروف الحال، و الكرامة لا ترتبط بالحالة الراهنة للشخص بل هي متأصلة فيها لا تفارقه لا في الزمان ولا في المكان ومهما عظم شأنه أو جرمه. فالبشر غايات في ذواتهم، لا مجرد وسائل لتحقيق غاية أحد آخر، فلا يمكن أن يُستعمل إنسان كأداة كي يخدم بها أهداف شخص آخر أو خططه أو أيديولوجيته. صحيح أنه يمكن توظيف البشر في تلك الجهود، ولكن لا يمكن معاملتهم باعتبارهم مجرد موظفين في مشروع، فهم دائمًا وفي الوقت نفسه غاية في ذاتهم، وهم يحملون كرامة وقيمة متأصلة بغض النظر عن أي ميزة أو منفعة يخدمون بها مشروعات أي شخص آخر أو خططه.
ومن المفترض بعد الثورة ان يعمل الجميع على تكريس وترسيخ هذا المعنى لقيمة الإنسان مهما كان وضعه ومهما ساء فعله، وعندما ناصرتْ حركةُ التنوير الغربي الأفكار حول الكرامة الإنسانية المتأصلة، حدثت تغييرات اجتماعية جذرية في القرن الثامن عشر وما بعده. وبالطبع، فإن هذه الأفكار ليست خاصة بالتنوير الغربي فحسب، إذ يؤكد المفكرون والكتَّاب في شتى أنحاء العالم على تلك المفاهيم في إطار قواعدهم الفلسفية أو الدينية أو الثقافية الخاصة بهم. فالعلماء المسلمون -على سبيل المثال- منذ قرون مضت ومن مختلف أنحاء العالم، يفسرون القرآن الكريم بتفسير يعبر عن القيمة الإنسانية الأصيلة والكرامة الأخلاقية فالكرامة الإنسانية هي الأساس في تعريف السلوك الشرعي وغير الشرعي تجاه أفراد المجتمع، وقد جاء في عهد تونس للحقوق والحريات:" أنّ ثورة شعبنا ثورة ضدّ منظومة استبداد أهانت الكرامة المتأصلة في الإنسان وعطّلت التنمية العادلة وانتهكت قيم المساواة والعدالة والحرية،...". فهل يعقل إذن انتهاك كرامة أي أنسان مهما كانت تهمته ومهما كان جرمه؟ يبدو أن واضعي القانون تجاهلوا عمدا (وليس عن حسن نية) التنصيص على كرامة المتهمين، إذ لا نجد إشارة اليها في اي من فصول القانون، فيما تكرر التنصيص على حفظ كرامة الضحايا، بل أكثر من هذا فاليمين التي يقسمها أعضاء هيئة الكرامة لا تفرض عليهم سوى " احترام كرامة الضحايا" (الفصل 27).
ويمكن القول أن الفصل الوحيد الذي ينص على ضمان خصوصية وسلامة المتهمين الجسدية والنفسية هو الفصل 53 الذي يبقى نصا خاصا لا يكفي لأنه يتعلق بمسألة حماية الحق في الخصوصية عند المشاركة في جلسات الاستماع العمومية.

5-                عدم المعارضة بمبدأ اتصال القضاء

ينص الفصل 132 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية على أنه: " لا يمكن تتبع من حكم ببراءته من جديد لأجل نفس الأفعال ولو تحت وصف قانوني آخر". وهذا الفصل يعتبر من المبادئ الأصولية في المحاكمات الجزائية طبق المعايير الدولية، إذ تضمنت المادة 14(7) من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية أنه:" لا يجوز تعريض أحد مجدداً للمحاكمة أو للعقاب على جريمة سبق أن أدين بها أو برئ منها بحكم نهائي وفقاً للقانون وللإجراءات الجنائية في كل بلد."
لكن الفصل  42 من قانون العدالة الانتقالية في تونس ينص على: "تحيل الهيئة إلى النيابة العمومية الملفات التي يثبت لها فيها ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ويتم إعلامها بكل الإجراءات التي يتم اتخاذها لاحقا من قبل السلطة القضائية.
ولا تعارض الملفات الواقع إحالتها بمبدأ اتصال القضاء".
مما يعني أن المشرع كرس استثناء صريح لقاعدة "عدم جواز المحاكمة عن ذات الجريمة مرتين" وهو ما يستوجب ثلاث ملاحظات:
-                       هذا الاستثناء لا يميز بين الانتهاكات التي صدر بشأنها أحكام بعد الثورة وتلك التي سبقت الثورة وهذا غير منطقي إطلاقا.
-                       هذا الاستثناء لا ينطبق إلا بالنسبة للملفات التي ترى هيئة الحقيقة والكرامة لزوم إحالتها على النيابة العامة
-                       هذا الاستثناء جاء مطلقا دون قيد ولا شرط وهو ما يجعله خطيرا وغير معقول. وكان بالإمكان اعتماد نفس الحل الموجود في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وهو حصر إمكانية محاكمة شخص سبق له أن حوكم أمام محكمة أخرى عن ذات الفعل في حالتين:(1) عدم اتسام المحاكمة بالنزاهة، والاستقلال كما هو متعارف عليه دوليا أو لمنع المطالبة بإحالة الشخص للعدالة.  (2) إذا كان الهدف من إجراءات المحاكمة الأولى هو ضمان حماية الشخص للإفلات من المسؤولية الجنائية من أفعال إجرامية ثابتة بحقه.
ونتمنى ان تتبنى هيئة الحقيقة والكرامة في التطبيق نفس موقف النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية للحد من سلبيات هذا الاستثناء.

6-                الغموض الاصطلاحي:

ينص الفصل  3 من قانون العدالة الانتقالية على أن: "الانتهاك على معنى هذا القانون هو كل اعتداء جسيم أو ممنهج على حق من حقوق الإنسان صادر عن أجهزة الدولة أو مجموعات أو أفراد تصرفوا باسمها أو تحت حمايتها وإن لم تكن لهم الصفة أو الصلاحية التي تخول لهم ذلك. كما يشمل كل اعتداء جسيم وممنهج على حق من حقوق الإنسان تقوم به مجموعات منظمة". ويمكن إبداء ثلاث ملاحظات على هذا النص:
1-      نص يتعارض مع أصول التشريع إذ يفترض في القانون الوضوح  فما هو المقصود بـ " كل اعتداء جسيم أو ممنهج على حق من حقوق الإنسان" فحقوق الإنسان قائمة طويلة تطورت عبر الزمن
2-   القانون يمتد مجال تطبيقه من 1/7/1955 وحتى  5/1/2014  فهل سيراعي مطبقوه مراحل تطور مفهوم حقوق الإنسان وأجيالها؟ أما أنهم سيسقطون مفهوم وأنواع حقوق الإنسان اليوم على كل ما سبق. فبعض الانتهاكات ارتكبت في وقت لم تكن الحقوق المرتبطة بها قد قننت دوليا ووطنيا.
3-   هل سيقع اعتماد المعاهدات والمواثيق الدولية التي هي المرجع في تحديد حقوق الإنسان من تاريخ نفاذها دوليا أم من تاريخ المصادقة عليها وطنيا؟
ان الإجابة عن هذا السؤال لا تكون إلا بالتنسيق مع الفصل 8 الذي ينص على:" القضايا المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على معنى الاتفاقيات الدولية المصادق عليها" وهو تأويا تفرضه أيضا المواثيق الدولية:
-      المادة 11(2) من "الإعلان العالمي لحقوق الانسان":لا يدان أي شخص بجريمة بسبب أي عمل أو امتناع عن عمل لم يكن في حينه يشكل جرماً بمقتضى القانون الوطني أو الدولي، كما لا توقع عليه أية عقوبة أشد من تلك التي كانت سارية في الوقت الذي ارتكب فيه الفعل الجرمي".
-      المادة 15(1) من "العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية":"لا يدان أي فرد بأية جريمة بسبب فعل أو امتناع عن فعل لم يكن وقت ارتكابه يشكل جريمة بمقتضى القانون الوطني أو الدولي، كما لا يجوز فرض أية عقوبة تكون أشد من تلك التي كانت سارية المفعول في الوقت الذي ارتكبت فيه الجريمة..."
كما لم يتضمن القانون تعريفا لعديد المصطلحات الجوهرية الواردة فيه، والتي تعد محورية في تطبيقه وتنفيذه مثل:
§          اعتداء جسيم وممنهج.
§          فساد مالي.
§          محاكمات ذات صبغة سياسية.
§          الدفع إلى الهجرة الاضطرارية لأسباب سياسية.
ويبدو ان تحديد هذه المصطلحات سيكون بطريقة غير مباشرة من مهام هيئة الحقيقة والكرامة وذلك حسب الفصلين 56 و63:
الفصل 56: تتولـى الهيئة القيام بالأعمال التحضيرية التالية في أجل أقصاه ستة أشهر الموالية لتسمية اعضائها:... وضع أدلة إجرائية مبسطة لسير أعمالها في كافة مجالات الاختصاص،...".
الفصل63: يعطي هذا القانون للهيئة سلطة اتخاذ القرارات لتسيير مختلف مهامها وإنجازها، وكامل الصلاحيات للقيام بواجباتها المنصوص عليها بهذا القانون.
ويبدو ان ترك الأمر لدليل إجرائي أو لمجرد قرار صادر عن الهيئة أمر يتعارض مع الدستور ومع أصول التشريع في المادة الجزائية، وكان من واجب المجلس التأسيسي تجاوزه، وذلك بوضع عنوان خاص يتضمن تعريفات، وهو أمر معمول به في أي تشريع يتضمن مصطلحات جديدة أو تحتمل عدة تأويلات، لكن واضعي القانون اختاروا تعريف بعض المصطلحات وترك الاخرى رغم غموضها والتباسها وتحملها لعدة أوجه تأويل، ونتمنى ان يقع الالتزام بشأنها بقاعدة التأويل الضيق.
وعلاوة عما سبق فقد استخدم المشرع في مجال المصالحة مصطلح " اتفاقية تحكيم ومصالحة" وهي عبارة حسب اعتقادي لا تتناسق مع السياق الاصطلاحي العام للتشريع التونسي، فالمصالحة مدنيا تتم بموجب "عقد صلح" وجزائيا تسمى "صلحا" أو "صلحا بالوساطة"، فلماذا استعمل مصطلح " اتفاقية تحكيم ومصالحة" في مجال العدالة الانتقالية؟ وهل يمكن الحديث عن التحكيم في المادة الجزائية؟.

7-                خرق قاعدة "القاضي الطبيعي" والتمييز بين متهمين بذات الجرائم:

إن القوانين التي يضعها المشرع – مهما كان سموها – لن تبلغ الغرض من سنها إلا إذا توفر على إعمالها قضاء مستقل يفرض سلطانه على الناس كافة دون أي تمييز. وحق الإنسان في اللجوء إلى القاضي الطبيعي حق أصيل يرتبط بصفة الإنسانية وهو من المبادئ الأصولية العليا، بل لعله المبدأ الأول الذي يهيمن على كل نظام قضائي أيا كانت فلسفة هذا النظام إذ يؤدي بالضرورة إلى أن لكل فرد الحق بأن يقاضى أمام قاضيه الطبيعي ،وإلا يجبر على المثول أمام غير هذا القاضي ، وفكرة القاضي الطبيعي قديمة حديثة اقتضاها مبدأ الفصل بين السلطات أي استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية والتنفيذية، فكل تدخل من أي من هاتين السلطتين في اختصاص القاضي بمناسبة دعوى معينة، يعد اعتداء على سلطة القضاء. ويأتي هذا التدخل في شكل انتزاع دعوى من قاضيها الطبيعي طبقا لإحكام القانون الذي حدد اختصاصه، أي ولايته وجعلها من اختصاص قاضي آخر، ويعد هذا الانتزاع المفتعل للولاية، أو الإضفاء المصطنع للاختصاص، مساسا باستقلال القاضي صاحب الاختصاص الأصيل، بل يتضمن عدوانا على استقلال وحياد القاضي الأخر الذي أصبحت الدعوى من اختصاصه بطريق الافتعال. وكل ما تقدم يعد تدخلا في شؤون القضاء، لما يؤدي إلى تنحية القاضي عن دعواه، وتخصيص قاض بالذات لنظر الدعوى، لذلك فان مبدأ القاضي الطبيعي مكمل لمبدأ استقلال القضاء، ويعد أيضا نتيجة حتمية لمبدأ المساواة أمام القضاء التي تأبى إلا أن يتساوى الناس أمام قضاء واحد هو القاضي الطبيعي المنوط به – بحسب الأصل – تأدية العدالة، والفصل فيما ينشأ من منازعات أمام المحاكم العادية غير الاستثنائية سواء بين الأفراد بعضا أم بين الأفراد والدولة .
ومما سبق يتضح أن حق الفرد باللجوء إلى القاضي الطبيعي يعد ناقصا في حالة مثول الفرد أمام محاكم استثنائية تتميز جرائم المتهمين بها بطابع خاص، وهو ما يستوجب ضرورة عدم إنشاء محاكم استثنائية، والاحتكام إلى القضاء العام المختص بجميع الجرائم ويشمل اختصاصه كل المتهمين. وانطلاقا من مبدأ استقلال القضاء وحياده، يمكننا أن نستخلص عناصر القضاء الطبيعي وهي:
o   أن تكون المحكمة مشكلة بموجب قانون و ليست مشكلة من السلطة التنفيذية.
o   أن تكون المحكمة موجودة و مؤسسة قبل ارتكاب الجريمة لكي يمكن الاطمئنان إلى استقلالها و حياديتها.
o   ان تكون المحكمة دائمة أي غير استثنائية أو غير مرتبطة  بظروف و أحوال معينة.
o   أن تتوافر لقضاة المحكمة الضمانات اللازمة.
وبالرجوع إلى قانون العدالة الانتقالية يلاحظ انه نص في فصله السابع على: " المساءلة والمحاسبة من اختصاص الهيئات والسلطات القضائية والإدارية حسب التشريعات الجاري بها العمل". وهذا تكريس صريح للقاضي الطبيعي، ولكن الصدمة ستأتي مباشرة من الفصل الذي يليه وهو الفصل 8 الذي ينص على:" تحدث بأوامر دوائر قضائية متخصصة بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف تتكون من قضاة، يقع اختيارهم من بين من لم يشاركوا في محاكمات ذات صبغة سياسية،...". ومن الثابت أن هذه الهيئات القضائية الاستثنائية (ولا أقول الخاصة) لا تتوفر فيها عناصر القاضي الطبيعي، فهي تشكل من السلطة التنفيذية، ولها صبغة مؤقتة وأحدثت للنظر في جرائم سابقة، كما أنها لا تحترم مبدأ المساواة فيما يتعلق بجرائم تزوير الانتخابات والفساد المالي والاعتداء على المال العام والدفع إلى الهجرة الاضطرارية لأسباب سياسية، إذ إنها لا تنظر إلا في الجرائم التي تحيلها عليها هيئة الحقيقة والكرامة.
كما إن القانون صمت تماما عن ذكر طرق الطعن في الأحكـام التي ستصدرها تلك الدوائر، فهل أحكامها نهائية أم ابتدائية الدرجة قابلة للطعن فيها بالاستئنـاف و التعقيب؟ وإن كان باب الطعن مفتوحا فهل يعقل أن يقع الطعن في قرارات دوائر قضائية وصفت بأنها "متخصصة" أمام محاكم أعلى غير مختصة؟ إن غياب تنظيم قضائي هرمي متكامل مكلف بالعدالة الانتقالية سيؤدي إلى انعدام جدوى من أحداث دوائر قضائية وصفت بأنها "متخصصة" ونؤكد أنها خاصة استثنائية.
وعلاوة عما سبق فكيف سنوفق بين أحكام الفصلين 7 و8؟ أي متى تبقى القضية من اختصاص القضاء الطبيعي ومتى تصبح من اختصاص القضاء الاستثنائي؟ يبدو أنه يجب انتظار ان تضع الهيئة الأدلة الإجرائية المبسطة لسير أعمالها في كافة مجالات اختصاصها، وهذا بدوره خرق جديد فالإجراءات هي من الاختصاص الحصري للقانون.

8-                تكريس الطابع الذاتي للمصالحة و انعدام جدواها:

يعرف الفصل الأول من القانون العدالة الانتقالية بأنها: "العدالة الانتقالية على معنى هذا القانون هي مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا وردّ الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان". كما يضيف الفصل 15 :" تهدف المصالحة لتعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة والسلم الاجتماعية وبناء دولة القانون وإعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة".
وهو ما يستفاد منه أن من غايات هذا القانون تحقيق المصالحة الوطنية وحفظ وتوثيق الذاكرة الجماعية، وهي أمور تتجاوز المصالح الخاصة لتحقق المصلحة العامة، فالعدالة الانتقالية لا يجب ان تكون رهينة قرارات فردية، بل هي منظومة وطنية جماعية، وعليه فمن المفترض ان يكون الطابع الوطني الجماعي هو أساس المساءلة والمحاسبة والمصالحة والمصارحة.
لكن بالرجوع إلى القانون نجد وان المصالحة تبقى رهينة إرادة الضحية:
الفصل 2:" كشف حقيقة الانتهاكات حق يكفله القانون لكل المواطنين مع مراعاة مصلحة الضحايا وكرامتهم ودون المساس بحماية المعطيات الشخصية".
الفصل 45: "تحدث لجنة للتحكيم والمصالحة صلب الهيئة يعهد إليها النظر والبت في ملفات الانتهاكات على معنى هذا القانون بعد الحصول على موافقة الضحية...".
الفصل 46:" تتعهد لجنة التحكيم والمصالحة بناء على اتفاقية تحكيم ومصالحة:
- بطلب من الضحية بما في ذلك الدولة المتضررة ،
- بطلب من المنسوب إليه الانتهاك شرط موافقة الضحية،
- بموافقة الدولة في حالات الفساد المالي إذا تعلق الملف بأموال عمومية أو أموال مؤسسات تساهم الدولة في رأسمالها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة"
فالمستفاد من جملة هذه الفصول ان المصالحة شأن خاص بالضحية وليس قضية وطنية، وهذا الطابع الذاتي للمصالحة يهدم أحد أسس العدالة الانتقالية ويعطيها طابعا انتقاميا ثأريا، فالضحية هو المتحكم في قرار المصالحة لا المصلحة الوطنية، وهو ما يمكن ان يترك عجلة الانتقام دائرة، فالثأر لا يولد إلا الرغبة في الثأر، والانتقام هوة لا قاع لها.
وعلاوة عما سبق فإن القانون بعد أن منح هيئة الحقيقة والكرامة واللجان المتفرعة عنها سلطة فوق كل السلط، نص في الفصل 50 على أنه: " يتم إكساء القرار التحكيمي بالصبغة التنفيذية بعد إمضائه من الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس في أجل أقصاه ثلاثة أيام من تاريخ إيداعه لديه"!!!. فلماذا تخلت الهيئة عن عليائها في هذه النقطة فقط؟
وعلى فرض أن "اتفاقية التحكيم والمصالحة" تمت فعلا فماذا ينتج عنها؟ المنطق القانوني يقضي بأن الصلح "عقد وضع لرفع النزاع وقطع الخصومة" كما أنه " لا رجوع في الصلح بالوساطة في المادة الجزائية ولو باتفاق الأطراف"، أما اتفاقية التحكيم والمصالحة في قانون العدالة الانتقالية فهي: " لا تعني الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات" (الفصل15)، كما أنها:" وفي حالات الانتهاكات الجسيمة لا يحول قرار اللجنة (أي لجنة التحكيم والمصالحة) دون مساءلة مرتكبي الانتهاكات على أن يؤخذ قرارها بعين الاعتبار عند تقدير العقاب"(الفصل45). فهل هو اتفاق صلح فعلا؟ أم مجرد اتفاق لتخفيف العقاب؟؟؟ ولو أردنا التوسع في الحديث عن "اتفاقية التحكيم والمصالحة" فسنقول فيها اكثر مما قاله الامام مالك في الخمر، لهذا أثرنا تركها لوقت لاحق.

9-                ربط الصلح بالتخلي المسبق عن حق التقاضي

نصت المادة 8 من  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه من أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون".
كما نصّت المادّة الثانية فقرة ثالثة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن "كل فرد من حقه الالتجاء للأجهزة القضائية...» و نصت المادة الثامنة على أنه «تتعهد كلّ الأطراف في هذا العهد بأن تكفل توفير سبيل فعّال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه وحرياته المعترف بها في هذا العهد". ونذكر أيضا أن المادة السادسة من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الصادرة في 22/12/1965 نصت على أن: "تكفل الدول الأطراف لكل إنسان داخل في ولايتها حق الرجوع إلى المحاكم الوطنية وغيرها من مؤسسات الدولة المختصة لحماية ورفع الحيف عنه على نحو فعّال وكذلك حقّ الرجوع إلى المحاكم المذكورة التماسا لتعويض عادل مناسب أو ترضية عادلة مناسبة من أي ضرر لحقه كنتيجة لهذا التمييز".
ورغم ان تونس صادقت على المواثيق السابقة الذكر وغيرها من المواثيق الإقليمية المكرسة لحق التقاضي فهناك خرق صارخ لهذا الحق في قانون العدالة الانتقالية، إذ ينص الفصل 46 فقرة أخيرة على أنه: "يقع التنصيص بالمطالب وجوبا على القبول بالقرار التحكيمي واعتباره قرارا نهائيا غير قابل لأي وجه من أوجه الطعن أو الإبطال أو دعوى تجاوز السلطة".
أي أن اطراف المصالحة سيتخلون مسبقا عن حقهم في الطعن بالقرار التحكيمي، وهو ما يشكل انتهاكا لحق أساسي.

10-         غموض حماية الحق في الخصوصية والمعطيات الشخصية:

ينص الفصل 47 على أنه: "لا يجوز لأطراف النزاع التحكيمي الامتناع عن المشاركة في جلسات الاستماع العمومية إذا طلبت الهيئة ذلك وتعلق إجراءات المصالحة في صورة عدم الالتزام بأحكام هذا الفصل."، وهو ما يعني بكل بساطة ان التمسك بالحق في الخصوصية سيؤدي الى الحرمان من إمكانية المصالحة، لهذا فإن الفصل 47 يتعارض مع أحكام  الفصل 2 من نفس القانون الذي ينص على أن: "كشف حقيقة الانتهاكات حق يكفله القانون لكل المواطنين مع مراعاة مصلحة الضحايا وكرامتهم ودون المساس بحماية المعطيات الشخصية". فالفصل 2 يمنح للاطراف حق حماية خصوصيتهم ثم يأتي الفصل 47 ليجبرهم على كشف خصوصيتهم للعموم. وربما يخفف من هذا التناقض ما جاء في  الفصل 53:"تتكفل الهيئة بتحديد إجراءات تنظيم وسير جلسات الاستماع مع احترام خصوصيات الضحايا وخاصة النساء والأطفال والفئات ذات الاحتياجات الخاصة والفئات الهشة وكذلك المسؤولين عن الانتهاكات وضمان سلامتهم الجسدية والنفسية". ويبدو أنه كان من الأنسب رفعا لكل التباس ونجاوز لأي غموض إضافة العبارات التالية لمطلع الفصل 47 "دون الإخلال بأحكام الفصلين 2 و 53 من هذا القانون لا يجوز...بقية النص كما هي".

11-         الفساد المالي "خصوصية أم إسقاط؟"

اعتبرت عدة جهات مهتمة بالعدالة الانتقالية ان من خصوصيات الحالة التونسية في العدالة الانتقالية أنها تشمل جرائم الفساد المالي، وبغض النظر عن كون هذا خصوصية من عدمه إذ أن دول أخرى سبقت تونس في إقحامه صلب منظومة العدالة الانتقالية، فإن ما يهمنا هنا هو الطابع المسقط لأحكام الفساد المالي الواردة في القانون (فأغلبها لم ترد ضمن مشروع القانون)، مما جعل نظام التتبع والمصالحة فيها غامضا ومنقوصا.
فهو غامض لأن القانون ينص على:
الفصل 8 " الفساد المالي والاعتداء على المال العام"
الفصل 45 " مطلب الصلح في ملفات الفساد المالي"
الفصل 46:" وإذا كان طلب المصالحة يتعلق بالفساد المالي فيجب أن يتضمن وجوبا بيان الوقائع التي أدت إلى استفادة غير شرعية وقيمة الفائدة المحققة من ذلك ويكون الطلب مرفوقا بالمؤيدات التي تضبط صحة أقوال طالب الصلح".
والسؤال الأول هل أن الاعتداء على المال العام ليس فسادا ماليا؟ الجواب حسب الفصل 8 سيكون نعم، وهو ما سيترتب عليه غموض بقية الفصول المتعلقة بالمصالحة في جرائم الفساد المالي، وهل يشمل الصلح جرائم الاعتداء على المال العام؟ من الواضح أن عبارة الاعتداء على المال العام أدرجت خطأ في الفصل 8 ولكنها الآن صارت جزء من القانون وبالتالي فهي تفرض نفسها كحالة خارجة عما يقصده المشرع في هذا القانون بالنسبة للفساد المالي. وكان من الأجدر بواضعي القانون أن يستخدموا عبارة الفساد مع الاحالة في تعريفها لاتفاقية مكافحة الفساد أو للمرسوم الاطاري عدد 120 لسنة 2011 مؤرخ في 14 نوفمبر 2011 المتعلق بمكافحة الفساد وهو : " الفساد : سوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية. ويشمل الفساد خاصة جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها والإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال".
ثم لماذا يستخدم المشرع في عديد الفصول عبارة الفساد في المطلق، ثم في التجريم والصلح يخصصها في الفساد المالي فقط؟ أترك الجواب لواضعي القانون وبانتظار الأدلة التي ستصدرها هيئة الحقيقة والكرامة.
ويبدو ان الطابع المسقط لجرائم الفساد المالي ضمن منظومة العدالة الانتقالية سيكون عائقا كبيرا أمام سيرها وتقدمها ونجاحها.

12-         التحصين الدستوري للعدالة الانتقالية

من الواضح ان قانون العدالة الانتقالية يتضمن عدة أحكام مخالفة للمبادئ الدستورية المعروفة والمكرسة في مشروع الدستور القادم، كما أن الدستور يتضمن آلية قضائية لرقابة دستورية القوانين، وهو ما سيفتح الباب لاحقا أمام إمكانية الطعن بعدم دستورية بعض أحكام هذا القانون، وهو ما سيهدم بنيان العدالة الانتقالية برمته.
لهذا فقد تم التوافق ضمن لجنة التوافقات بالمجلس التأسيسي (جلسة 28/12/2013)[10] على دسترة هذه الأحكام الاستثنائية ضمن الفصل 146 الواردة ضمن باب الأحكام الانتقالية وتحديدا في البند 9 منه (اصبح الفصل 148 البند 9 في الصياغة النهائية للدستور) ونصها: " تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها، ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بحجية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن".
وهذا الفصل بحد ذاته يعتبر خطيرا ويفتح الباب أمام انتهاكات "شرعية"، لا تختلف كثيرا عما كان سائدا قبل الثورة، فالانتهاك لا يعالج بانتهاك مضاد، وإنما بالاستفادة من تجارب الماضي وتجاوز أخطائه. فالمصادقة على هذه الأحكام بهذه الصيغة الإطلاقية سيجعل من الدستور أداة لشرعنة الانتقام من جهة، كما أنه سيترك للمحكمة الدستورية إرثا ثقيلا.
فكيف ستتعامل المحكمة الدستورية لاحقا مع هذا النص؟ خاصة وأن الدستور نفسه يتضمن مايلي:
-       الفصل 102: " القضاء سلطة مستقلة تضمن اقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات".
-       الفصل 145: "توطئة هذا الدستور جزء لا يتجزأ منه".
-       الفصل 146:" تفسر أحكام الدستور ويؤول بعضها البعض كوحدة منسجمة".
مما يعني أن تأويل البند 9 من الفصل 148 سيكون بالانسجام مع جملة المبادئ المقررة في بقية فصول الدستور، وخاصة المبادئ فوق الدستورية المكرسة في الديباجة، فديباجة الدستور هى تعبير عن أهم المبادئ التي يؤمن ويتمسك بها الشعب، لا تقبل النقصان ولكن تقبل الزيادة خلال التحولات والمراحل المختلفة التي يمر بها هذا الشعب. وهى المبادئ التي يعمل الدستور، في أبوابه المختلفة، على تكريسها وحمايتها. فالديباجة يستند اليها المشرع والمحكمة الدستورية في أى خلاف حول تفسير نص دستوري ليستنبط منها الحل، وقد تضمنت ديباجة الدستور قيما إنسانية سامية مثل: مبادئ حقوق الإنسان الكونية السامية وعلوية القانون واستقلالية القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات واحترام الحريات وحقوق الإنسان والعدل والمساواة والكرامة والتفتح والاعتدال وثوابت الإسلام...إلخ، فهل سيصمد هذا التحصين أمام هذه القيم السامية "الفوق دستورية"؟ إذا كان الجواب بنعم فهذا معناه أنه يمكن من الناحية الشكلية الدستورية تحصين أي انتهاك للقيم الإنسانية السامية من الرقابة على دستورية القوانين، وهذا أمر خطير يهدم أكثر مما يبني، وكلنا نعلم ان كثيرا من انتهاكات الماضي وقع تقنينها ودسترتها لأكسائها شرعية شكلية دستورية وهمية ما لبثت ان انهارت على رؤوس صانعيها.
وعلاوة عما سبق يمكن التساؤل أيضا ما جدوى هذا التحصين الجزئي؟ وهل أنه قادر فعلا على حماية منظومة العدالة الانتقالية؟ اعتمادا على جملة ما وقع بيانه ضمن هذه السطور يمكن القول ان عملية التحصين كانت فاشلة لأنها انحصرت في أمرين هما "رجعية القوانين الجزائية" و "عدم الدفع باتصال القضاء" ولكنها لم تشمل:
-         حرمة المعطيات الشخصية. (الفصل 24 من الدستور)
-         قرينة البراءة[11]. (الفصل 27 من الدستور)
-         قاعدة الضرورة والتناسب في ضبط الحقوق والحريات. (الفصل 49 من الدستور)
-         علوية مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته. (الفصل 49 من الدستور)
-         حق التقاضي عموما وحق التقاضي على درجتين خصوصا.(الفصل 108 من الدستور)
-         الحق في القاضي الطبيعي. (الفصل 110 من الدستور)
-         الحق في محاكمة عادلة وخاصة حق الدفاع.[12] (الفصول 27 و105 و108 من الدستور)
-         وجوبية احترام رأي المجلس الأعلى للقضاء عند تسمية القضاة. (الفصل 106 من الدستور)
-         مبدأ المساواة بين المواطنين عموما وبين المتقاضين خصوصا.(الفصلين21 و108 من الدستور)
-         قانونية إحداث المحاكم وإجراءات التقاضي. (الفصلين 65 و110 من الدستور)
فهذه الحقوق والمبادئ لها مرتبة دستورية، وقد وقع انتهاكها أو الحد منها بشكل وبأخر ضمن قانون العدالة الانتقالية.
كما أن المواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته تتخذ حسب الدستور مكانة تعلو على القوانين الأساسية، بينما صدرت العدالة الانتقالية بموجب قانون أساسي، ويفترض عند وجود تعارض بين نصين أن يطبق القاضي القانون الأعلى درجة نزولا عند الواجب المحمول على عاتقه حسب الفصل 102 من الدستور في ضمان علوية الدستور وسيادة القانون، فالقاضي هنا لا يمارس رقابة دستورية وإنما يرجح بين نصين متعارضين من درجتين مختلفتين.
وقد سبق للمحكمة الإدارية التأكيد أنه: "وحيث اقتضى الفصل 32 من الدستور (الملغى ويقابله الفصل 20 من الدستور الجديد) أن المعاهدات الدولية المصادق عليها أقوى نفوذا من القوانين، الأمر الذي يخول للقاضي الموكول له وظيفة تطبيق القانون السهر على احترام تلك الأفضلية"[13]. وفي مناسبة أخرى أكدت المحكمة الإدارية أن: "المعاهدات الدولية المصادق عليها... على معنى الفصل 32 من الدستور (الملغى ويقابله الفصل 20 من الدستور الجديد) تتمتع بعلوية وأفضلية في التطبيق إزاء القوانين الداخلية، بقطع النظر عن زمن دخولها حيز التنفيذ"[14]. و بهذا تكون المحكمة الإدارية قد طبقت قاعدة الترتيب الهرمي للقواعد القانونية، وكرست حلا ينبغي العمل به، لأنها مستند إلى نص صريح في الدستور، وطبق الفصل 102 فقرة ثانية من الدستور فإن " القاضي مستقل لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون".
في الختام: لابد من التأكيد أن العدالة الانتقالية بطبيعتها تستوجب خروجا عن المبادئ التقليدية للعدالة الجزائية، ولكن لا يجب أن يكون هذا الخروج مفتوحا ومطلقا بلا بد من ضبطه وحصره في حالات ضيقة محددة ووفق عبارات واضحة قطعية الدلالة ودون تناقضات في القانون.
هذه ملاحظات أولية ستتلوها بإذن الله ملاحظات أخرى على أمل التمكن من الإلمام بكل جوانب قانون العدالة الانتقالية، وخاص ما تعلق منها بالسلطة المطلقة لهيئة الحقيقة والكرامة، وشروط الترشح لعضويتها، ونطاق ومدة عملها، وجملة الانتهاكات الدستورية المذكورة في البند 12 أعلاه.




[1] *- هذه ملاحظات أولية تتعلق بالجانب الموضوعي للقانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها من وجهة المعايير الدولية للعدالة الجزائية ومبادئ حقوق الإنسان وهي لا تتضمن أي مناقشة لإيجابيات القانون أو الهياكل المحدثة بموجبه والتي ستكون محل استعراض لاحق.
[2] ) شعبان، عبد الحسين – الشعب يريد ..! تأملات فكرية في الربيع العربي ، دار أطلس، بيروت، 2012، ص 215 وما بعدها . ولنفس الباحث: العدالة الانتقالية وذاكرة الضحايا، الحوار المتمدن، 26/1/2008.
[3] ) تقرير الأمين العام إلى مجلس الأمن الدولي بشأن "سيادة القانون والعدالة الانتقالية، في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع " 6/16/2004S (الفقرتان 8 و26). قارن: لويز، أربور- العدالة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات التي بمرحلة انتقالية، (محاضرة) المركز الدولي للعدالة الانتقالية، نيويورك 25 تشرين الأول (اكتوبر) 2006.
[4] - بدأ هذا المفهوم يتبلور شيئا فشيئا بالممارسة وتعدد التجارب منذ الحرب العالمية الثانية حيث عرف العالم أكثر من ثلاثين تجربة منها خمس إفريقية وواحدة عربية. من أشهرها إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة بإفريقيا الجنوبية سنة 1995 وهيئة الإنصاف والمصالحة بالمغرب سنة 2004.
[5] ) وقد ارتبط القبول الدولي لأفكار استراتيجيات العدالة ما بعد النزاعات (العدالة الانتقالية) بتزايد عمليات الأمم المتحدة بما فيها عمليات حفظ السلام وبحماية حقوق الإنسان، لاسيما بدور مجلس الأمن وتشكيل لجان التحقيق في جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية برواندا وإنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة سنة 1998 في روما إضافة إلى مبادرات أخرى ذات صلة بالأمم المتحدة، مثل إنشاء محكمة دولية مختلطة في سيراليون وكوسوفو وتيمور الشرقية وكمبوديا. أنظر: كتاب (مؤلف جماعي) وثائق مؤتمر العدالة ما بعد النزاعات المسلحة والمحكمة الجنائية الدولية 15-17 جانفي (كانون الثاني-  يناير) 2009، القاهرة جامعة الدول العربية، 2009، مقدمة الدكتور محمود شريف بسيوني ودانيال روتنبرغ، ص 9-23 وص 78 وما بعدها.
[6] - http://alfudhool.net/news/398/#sthash.SJMLpjGK.dpuf
[7] - بدت الثورة في تشيكوسلوفاكيا "ألمانية" الملامح بالنزول إلى الشوارع والساحات، لكنها اكتسبت سمات بولونية وهنغارية عشية التغيير، لاسيما بقبول مبدأ التفاوض والانتقال السلمي للسلطة.
[8] - للإشارة فقط فإن قانون مكافحة الارهاب لسنة 2003 رغم كل مساوئه والانتقادت الموجهة إليه نص في فصله الأول صراحة على: " وذلك في إطار الاتفاقيات الدولية والإقليمية والثنائية المصادق عليها من قبل الجمهورية التونسية، دون المساس بالضمانات الدستورية". كما ينص الفصل الثالث من ذات القانون على: "تنطبق أحكام المجلة الجزائية ومجلة الإجراءات الجزائية ومجلة المرافعات والعقوبات العسكرية والنصوص الخاصة، المتعلقة ببعض الجرائم والإجراءات المقررة لها، على الجرائم المعنية بهذا القانون بقدر ما لا تتعارض مع أحكامه. ويخضع الأطفال إلى مجلة حماية الطفل".
[9] - إذ وقعت الاشارة اليها في الفصل 43 منه، وتحديدا الفقرة المتعلقة بـ "لجنة الفحص الوظيفي و إصلاح المؤسسات" الذي نص على:" وتصدر اللجنة للجهات المختصة توصيات بالإعفاء أو الإقالة أو الإحالة على التقاعد الوجوبي في حق كل شخص يشغل إحدى الوظائف العليا للدولة بما في ذلك الوظائف القضائية, إذا تبين أنه :... ب‌- قام بعمل عن قصد نتج عنه مساندة أو مساعدة للأشخاص الخاضعين لأحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2011 في الاستيلاء على المال العام.".
[10] - منشورة على موقع المجلس الوطني التأسيسي:
[11] - أي أن كلّ منهم يعتبر بريئـا إلى أن تثبت إدانته بواسطة محاكمة عــادلة. فالشخص الذي سيقف أمام هيئــة الحقيقة و الكرامة لن يكون متمتعا بأصل البراءة الذي يفترض أنه كامن في كل شخص ويصبح قرينة قانونية لفائدته بمجرد توجيه الاتهام عليه، ولا تسقط هذه القرينة الا بموجب حكم قضائي بات بعد محاكمة عادلة.
[12] - خلا القانون تماما من التنصيص على  مبدأ المحاكمة العــادلة و مبدأ توفير الضمانات القــانونية و الفعلية المتعلّقة بالدّفــاع. فالقــانون العـام يفرض على كل السلط قضـائية التنبيـه على المتّهم بأن له الحق في إنــابة محام وإن تعذّر ذلك في الجنايات يسخّر له محام على نفقة الدولة.
[13] - القضية عدد  3643 بتاريخ 21/5/1996 الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ضد وزير الداخلية. فقه قضاء المحكمة الإدارية لسنة 1996.ص185.
[14] - القضية عدد 15327 بتاريخ 24/6/2005 السيدة مداني ضد وزير الصحة العمومية. غير منشور، مذكور لدى: محمد رضا جنيح ومن معه، مؤلف جماعي، الأحكام الكبرى في فقه القضاء الإداري، مركز النشر الجامعي، 2007. ص442. وفي ذات الاتجاه القضية عدد 34289 بتاريخ 22/3/2004 تعاونية التأمين للتعليم ضد الإدارة العامة للمراقبة الجبائية. غير منشور، مذكور في نفس المرجع. ص444.

ليست هناك تعليقات: