دكتور فتحى فكرى
أستاذ القانون العام
بكلية الحقوق جامعة القاهرة
بعد أن شاعت الأفكار الديمقراطية فى أرجاء المعمورة من أدناها إلى أقصاها ، لم يعد هناك من يجرؤ على مناقشة المبدأ القاضى بأن الشعب هو صاحب السلطة ومستودعها ومستقرها.
إلا أن المشكلة تظهر حال إعمال المبدأ واقعياً.
فالأنظمة الديمقراطية الحقه يطابق فيها النظر العمل . أما تلك التى تكتفى بالشعارات دون أن تلقى بالاً إلى التبعات ، فتدعى أن السلطة منبعها الشعب ، فى الوقت الذى تدفع فيه هذا الشعب بعيداً عن المشاركة فى السلطة ، ولو فى أبسط مظاهرها . والنتيجة الطبيعية لذلك أنه بإسم الشعب يجرى العمل ضد مصالح الشعب الآنية والمستقبلية .
وتحت تأثير أبواق الدعاية الموجهة فى الأنظمة الديكتاتورية ، لا يرفع الغطاء عن أبعاد تصرفات السلطات الحاكمة إلا بعد حين ، وبالأحرى بعد فوات الأوان.
وتظل مقدرات الشعب تستنفد ، وحرياته تستباح ، إلى أن يصبح اقتلاع النظام القائم هو الحل المتاح لتغيير الأوضاع ، وتبدل الأحوال.
وتبدأ المسيرة نحو هذا الحل بمقاومة قطاعات متنوعة من الشعب فى اتجاهات مختلفة ، إلى أن تتكثف الجهود وينفجر بركان الثورة.
ويُظن – أحياناً – أن إزاحة رموز النظام السابق من مواقع السلطة ، التى احتكروها ردحاً من الزمن ، بمثابة إعلان نهائى بنجاح الثورة.
إلا أن التجربة أثبتت أن الخطوة السالفة – على ضرورتها – محدودة الأثر والتأثير ، وإن درب التغيير يمتد إلى مسافة قد لا يدركها البصر.
والسؤال المتوقع هو كيف سنطوى هذا الطريق ، هل بالتمسك بالشرعية الدستورية ، أم بالشرعية الثورية؟
واشكالية الاختيار بين الشرعيتين لا تطرح فى بواكير الثورة ، فالتمسك بالشرعية الدستورية يدين الثورة ذاتها ، بحسبانها تشكل خرقاً للقواعد المعمول بها ، والتى تجرّم وتعاقب بأقصى الجزاءات محاولة تغيير نظام الحكم بالقوة.
ولذلك لا مهرب من استدعاء الشرعية الثورية فى بدايات الثورة ، ولكن إلى متى؟
فى تقديرنا إنه لا يصادف الصواب تصور أن الشرعية الدستورية ستحل محل الشرعية الدستورية دفعة واحدة.
فالملاحظ أن إعادة بناء مؤسسات الدولة لا يتحقق بين عشيه وضحاها ، وإنما يتم على مراحل وبصورة تدريجية . وهكذا ينحسر نطاق الشرعية الثورية لصالح الشرعية الدستورية ، كلما إكتمل بناء إحدى سلطات النظام الجديد . وتظل الشرعية الدستورية تتمدد والشرعية الثورية تتراجع لحين استواء لبنات النظام المستهدف.
هذا مع التأكيد على أن السلطة التى تستجمع كيانها بإسلوب الشرعية الدستورية لا يمكنها العودة للشرعية الثورية لسببين :
الأول – الشرعية الثورية أعلى درجات الاستثناء على تطبيق القانون ، مما يقتضى رحيلها فى أقرب فرصة ممكنة.
وهذا المطلب متين الصلة بغاية الثورة الأساسية. فكل الانحرافات السابقة على أى ثورة والممهدة لها ، ترتد فى جذورها إلى إهدار سيادة القانون وتنكب قواعده . وغايات الثورة لن تتبلور واقعياً إلا بعودة الإلزامية لحكم القانون ونصوصه.
الثانى – تشكيل إحدى السلطات طبقاً للقواعد الدستورية يشى بأننا لم نعد بحاجة إلى الشرعية الثورية فى نطاق تلك السلطة.
فالسلطة التى تتكون وفقاً للشرعية الدستورية ، لا يجوز لها – من ثم - أن تعمل خلافاً لذلك حتى لا تتنكر – بصورة سافرة – لأساس وجودها.
يعزز ما سلف ان العودة للشرعية الثورية بعد إتباع الشرعية الدستورية يهدر – كما المحنا – أى خطوة جرت فى سبيل بلوغ هدف الثورة الجوهرى : فرض سيادة القانون ، مع
ما يتصل بذلك من إطالة الفترة الانتقالية باضطراباتها وقلائلها على كافة الأصعدة.
والمتتبع لأحوالنا بعد 25 يناير 2011 سيلمس تبادل المواقع بين الاستقرار والانفلات ، بسبب التنقل المطرد من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية والعكس.
وقد اسفر هذا الوضع عن وجود غلافة ضبابية حول الخطى المستقبلية ، مما بعثر الجهود الوطنية ، وأعاق استقرار العلاقات المجتمعية ، كضابط أساسى لإصلاح ما جرّفته السنون الماضية من مقومات المجتمع مادية ومعنوية.
وبداية علينا أن نحدد الجهة التى ملكت السلطة الفعلية بعد تهاوى أركان النظام السابق.
لا نزاع – فيما نعتقد – على أن تلك السلطة مثلها المجلس الأعلى للقوات المسلحة . وتمثلت البوادر فى انتشار قوات الجيش فى كافة أنحاء البلاد اعتباراً من 28 يناير 2011 ، واكتمل امتلاك السلطة بالإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011.
ولا يفوتنا فى هذا الصدد أن نلمح إلى الاضطراب الذى واكب إصدار هذا الإعلان ، وموقف بعض الجبهات السياسية منه.
ففى اليوم التالى لخلع الرئيس السابق اصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة ما يشبه البيان ، معلناً فيه وقف العمل بدستور 1971 (1).
وكان منطقياً ، من وجهة نظر المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، تشكيل لجنة لإدخال بعض التعديلات على هذا الدستور ، باعتبار أن العمل به جُمد ولكنه لم يلغ.
ولم يأبه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالآراء الرافضة للمسعى السابق ، فمن غير المنطقى إجراء تعديل على دستور الفرض أن الثورة اسقطته . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، فإن التعديل المرتقب لم يكن يمس سبب التردى المخيف للأوضاع والمتمثل فى حزمه السلطات الدستورية شديدة الاتساع التى قبض عليها واستأثر بها الرئيس السابق.
وانحصرت دائرة التعديل فى إحدى عشرة مادة : 75 (شروط الترشيح لرئاسة الجمهورية) 76 (التزكيات الواجبة لمرشحى الرئاسة ، وتشكيل لجنة قضائية للإشراف على الانتخابات الرئاسية) 77 (مدة الرئاسة والسماح بتجديدها لمرة واحدة فقط) 88 (إنشاء لجنة عليا ذات تشكيل قضائى صرف للإشراف على الانتخابات والاستفتاءات) 93 (إسناد الفصل فى العضوية البرلمانية لمحكمة النقض(2)) 139 (الإلتزام بتعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية) 148 (تنظيم إعلان حالة الطوارئ) 179 (ألغيت وكانت تتعلق بمكافحة الإرهاب من خلال تقييد شديد الوطأة على الحقوق والحريات) 189 (إضافة فقرة تحدد الجهات التى يمكنها طلب إصدار دستور جديد) 189 مكرراً (تشكيل جمعية تأسيسية من قبل مجلسى الشعب والشورى لوضع دستور يحل محل دستور 1971) 189 مكرراً (1) ممارسة مجلس الشورى لمهامه بأعضائه المنتخبين لحين اختيار رئيس الجمهورية ليتولى تعيين ثلث الأعضاء لاستكمال التشكيل).
وعقب طرح التعديلات المقترحة على الاستفتاء فى 19 مارس 2011 وإقرارها بأغلبية بلغت 77.2% ممن أدلوا بأصواتهم ، فوجئنا بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة يصدر فى 30 مارس 2011 إعلاناً دستورياً يضم (63) مادة.
وكان من اللافت للنظر أن بعض المواد التى وردت فى الاستفتاء ووجدت مكاناً لها فى الإعلان تبدلت صياغتها ! ومن أبرز أمثلة ذلك المادة الخاصة باجتماع الأعضاء غير المعينين بمجلسى الشعب والشورى لاختيار أعضاء الجمعية التأسيسية . فوفقاً للصيغة الاستفتائية كان الاجتماع المشار إليه ينعقد بقوة القانون . اما الإعلان الدستورى فقد أوقف هذا الاجتماع على دعوة موجهة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة (3).
وتقبل الرأى العام الإعلان الدستورى رغم كل ما سبق ، مما أفاد إقرار إسناد السلطة التأسيسية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة ، ودعم ذلك جريان انتخابات مجلس الشعب(4) وكذا الانتخابات الرئاسية وفقاً لما ورد فى الإعلان الدستورى من ضوابط وأحكام.
إلا أن المؤسسة الأولى (البرلمان) كما الثانية (الرئاسة) سرعان ما إنقلبت على الشرعية الدستورية التى تشكلتا طبقاً لها ، لنرتد مرة ثانية إلى الشرعية الثورية ، أو على الأصح نقطة البداية خلافاً للنهج السليم ، ويلى الإجمالى السابق التفصيل التالى :
أولاً - استدعاء البرلمان للشرعية الثورية:
حددت مواد الإعلان الدستورى من 32 : 34 ، ومن 38 : 45 القواعد الخاصة بتشكيل مجلس الشعب ومهامه والنظام الحاكم لأعضائه.
وبعد أن تكون البرلمان وفقاً لتلك الأسس بدا فى الأفق محاولات لتجاوزها ، بزعم أن البرلمان هو برلمان الثورة ، وإنه يملك اتخاذ الإجراءات الموصلة لغاياتها ، لا سيما وأنه – فى ذلك الوقت – السلطة الوحيدة المختارة بإرادة شعبية عبر اقتراع عام ومباشر.
وكانت مناقشة بيان الحكومة هى المدخل لترجمة هذا النهج . فعقب الانتخابات البرلمانية تقدمت الحكومة(5) ببيان تعرض فيه تصورها لعملها فى الفترة المقبلة.
ولم يكن فى نصوص الإعلان الدستورى ما يوجب على الحكومة اتخاذ تلك الخطوة التى استحدثها دستور 1971 ابان تعديله عام 2007 (6).
ومناقشة برنامج عمل الحكومة كان منطقياً ، إلا أن غير المنطقى اتجاه تيار برلمانى قوى إلى رفض البيان توطئة لطرح الثقة فى الوزارة.
فطرح الثقة من مقومات النظم البرلمانية (7) ، أو تلك التى تميل إليه . فجوهر النظام البرلمانى التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية . والسبيل لبلوغ هذا المقصد يجسده منح البرلمان مكنة سحب الثقة من الحكومة ، على أن يتاح للأخيرة حل البرلمان والعودة إلى القواعد الشعبية عبر انتخابات تشريعية جديدة.
والإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011 لم يكن يتبع النظام البرلمانى أو الرئاسى أو حتى المزج بينهما.
فالأنظمة الانتقالية هى أنظمة مؤقتة يصعب تصنيفها وفقاً للنظريات المعمول بها فى الأوقات العادية.
ولا يقدح فيما تقدم إشارة المادة 33 من الإعلان الدستورى إلى تولى مجلس الشعب فور انتخابه «الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية» ، فبدهى ان تلك الرقابة تمارس فى النطاق المجاز من الإعلان الدستورى ، والذى لا يسمح بسحب الثقة من الحكومة أو حل البرلمان.
أما القول بأننا بصدد برلمان ثورة (8) ، فمدحوض بان برلمان الثورة من واجبه السعى الحثيث – من خلال أدواته – إلى الاستقرار ، واستدعاء الشرعية الثورية يعنى اتخاذ إجراءات يغلب عليها عدم التوقع فى توقيتها أو مداها ، وهو ما يخلق أوضاعاً قلقة تؤثر سلباً على تحقيق الثورة لأهدافها.
ومع هذه المسلمات استمر البرلمان فى مناقشة بيان الحكومة منتهياً فى 24 أبريل 2012 إلى رفضه بأغلبية واسعة (9).
وفى الجلسة التالية بتاريخ 29 أبريل 2012 ، لم يحضر أى ممثل للحكومة الجلسة ، مما دفع رئيس المجلس إلى تعليق الجلسات إلى 6 مايو 2012 (10).
وللخروج من هذه الأزمة طال التشكيل الوزارى تعديل محدود (11) ، عادت بعدها جلسات مجلس الشعب إلى الانتظام.
وهكذا استطاع مجلس الشعب ، من خلال رفض بيان الحكومة ، دفع المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، القائم – فى ذلك العهد – بدور رئيس الجمهورية ، إلى تعديل التشكيلة الحكومية ، دون أن ترتب النصوص الدستورية القائمة مثل هذا الأثر على رفض البيان ، أو حتى تلزم الحكومة بتقديمه.
ولا شك ان هذه النتيجة تحسب كانتصار ، ولو جزئى ، للشرعية الثورية ، مما زاد التوقع بالمضى قدماً فى هذا الاتجاه ، وهو ما حدث فعلاً بمناسبة سن قانون العزل السياسى.
فحينما صدر الإعلان الدستورى فى 30 مارس 2011 كان من أهم غاياته إعداد خارطة زمنية لإنهاء المرحلة الانتقالية ، بإعادة بناء المؤسسات الدستورية تباعاً.
وكان مجلس الشعب (البرلمان) هو المؤسسة التى رنت إليها الأبصار.
ومع بدء إجراءات انتخاب المجلس النيابى تعالت أصوات بضرورة فرض العزل السياسى على قوى الثورة المضادة من الموالين للنظام السابق.
ووجدت بعض الآراء ضالتها فى بعث قانون الغدر الصادر عقب ثورة يوليو 1952 (المرسوم بقانون رقم 344 لسنة 1952 والمعدل بالمرسوم بقانون رقم 173 لسنة 1953).
واصطدم هذا الاتجاه بأكثر من مانع عتيد:
• المرسوم بقانون المسمى بالغدر والصادر عام 1952 سُن بهدف معين ألا وهو حماية ثورة 1952 ، وبإنتهاء الغرض منه بقيام ثورة أخرى (25 يناير 2011) لم يعد وجوده مبرراً.
• الإلغاء التشريعى يمكن أن يكون ضمنياً (12) لا صريحاً ، بتناول المشرع ذات الموضوع فى قانون لاحق . وبإعمال تلك القاعدة يبين أن القانون رقم 33 لسنة 1978 الغى مرسوم 1952 بإيضاحه أن هدفه العقاب على إفساد الحياة السياسية قبل عام 1952 ، أى ذات غاية التشريع السابق عليه.
• المعطيات التى جرى فيها إصدار مرسوم قانون الغدر عام 1952 تغيرت وتبدلت بشكل جذرى فى وقتنا الحالى.
ففى عام 1952 لم يكن لدينا محكمة دستورية ، على العكس من ذلك احتفظ الإعلان الدستورى الصادر فى مارس 2011 بالقضاء الدستورى وجوداً واختصاصاً . ويأتى على قمة اختصاصات ذلك القضاء مراقبة التزام التشريعات بالمبادىء الدستورية ، ومنها أن الأحكام هى أداة إنزال العقوبات على المستحقين لها ، مع التقيد بقاعدة (13) عدم رجعيتها (14).
على أى حال فقد أثبت الشارع السياسى نضجه ، حيث لم نر تمثيلاً يعتد به فى البرلمان لما يطلق عليه قوى الثورة المضادة.
إلا أن موضوع العزل السياسى عاد إلى أتون المناقشات البرلمانية حينما قرب موعد فتح باب الترشيح للانتخابات الرئاسية ، وإعلان نائب الرئيس السابق ، وآخر رئيس وزراء له عزمهما على خوض المعركة الرئاسية . فى تلك اللحظة تسارعت خطى العديد من التيارات السياسية الممثلة فى الهيئة التشريعية ، للعمل على إعاقة هذا الترشيح بأى شكل.
وفى البحث عن وسيلة لبلوغ هذا المأرب اتجهت الأنظار بداية إلى إضافة مادة لقانون الغدر مؤداها حرمان قيادات النظام السابق من الترشح لرئاسة الدولة أو العمل كنائب للرئيس ، أو رئيساً للوزراء أو وزيراً لمدة عشر سنوات تبدأ من 11 فبراير 2011 (15).
إلا أن القوى المؤيدة للاقتراح قدرت أنه من الأوفق أن تتجه إلى هدفها (حرمان البعض من الترشيح للرئاسة) مباشرة . من هنا جاءت المطالبة بتضمين الحرمان لقانون الانتخابات الرئاسية رقم 174 لسنة 2005.
إلا أن اشكالية برزت أمام هذا المسعى عاقت انجازه . فطبقاً للمادة 28 من الإعلان الدستورى يخضع مشروع قانون الانتخابات الرئاسية للرقابة الدستورية السابقة (16) ، ومن المحتمل تقدير القضاء عدم دستورية مشروع القانون ، مما سيضطر البرلمان إلى إعادة صياغته على نحو ينقيه من أى سوءات دستورية يمكن أن تكون قد لابسته.
وإذا حدث ذلك سيفقد القانون الجدوى المرجوه من ورائه : منع بعض المواطنين من ممارسة حقوقهم السياسية عن أفعال وقعت فى فترة ماضية.
ولعبور هذا الحاجز تم التوجه صوب قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 73 لسنة 1956 ، لإضافة بند رابع للمادة الثالثة منه تقضى بوقف الحقوق السياسية لكل من عمل خلال العشر سنوات السابقة على 11 فبراير 2011 رئيساً للجمهورية أو رئيساً للوزراء أو رئيساً للحزب الوطنى الديمقراطى المنحل أو أميناً عاماً له أو كان عضواً بمكتبه السياسى أو أمانته العامة ، وذلك لمدة عشر سنوات ابتداء من التاريخ المشار إليه.
وبهذا القانون قفز البرلمان قفزة اعادتنا إلى الشرعية الثورية ، رغم أن كيانه المؤسسى إرتكن إلى الشرعية الدستورية التى ترجمها الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011.
ونظراً لما ترتب على هذه القفزة من ارتباك فى الشارع السياسى ، كان طبيعياً استنهاض ولاية القاضى الدستورى ليعلن كلمته حول جواز التنقل بين الشرعيتين الدستورية والثورية ، وفى أى اتجاه.
وجاء حكم المحكمة الدستورية العليا قاطعاً فى إدانة العزل السياسى ، وبالتالى ردة البرلمان للشرعية الثورية.
وساندت تلك الإدانة ثلة حجج قل أن تجتمع فى نص واحد :
أ- مخالفة المادة 19 من الإعلان الدستورى والتى تنص على أنه «لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائى».
والعقوبة فى النص الفائت لا تقف عند العقوبة الجنائية ، وإنما تنصرف إلى العقوبات الأخرى المماثلة ، وإن لم تكن من جنسها كالحرمان من حقوق أو حريات بعينها ، إذ ليس بشرط أن يكون الجزاء المقرر من طبيعة عقابية أو تقويمية ، وإنما يكفى أن يكون وقائياً ، وهى جميعها لا يجوز توقيعها إلا بحكم قضائى.
ولما « كان النص المحال (للمحكمة الدستورية العليا) ؛ قد رتب الحرمان من ممارسة الحقوق السياسية ، لمدة عشرة سنوات تالية لتاريخ 11/2/2011 ، لكل من عمل بأى من المناصب التى أوردها حصراً ، فإنه بذلك يكون قد رتب جزاءً ، يوقع عليهم تلقائياً ، دون حكم قضائى ، بما يمثل افتئاتاً من السلطة التشريعية على اختصاصات السلطة القضائية ، وانتحالاً من المشرع لهذا الاختصاص وذلك بالمخالفة لنص المادتين 19 (توقيع العقوبات بأحكام قضائية) ، 46 (استقلال السلطة القضائية التى تتولاها المحاكم بأنواعها ومختلف درجاتها) من الإعلان الدستورى ..».
ب- ممارسة الحقوق السياسية أهم مظاهر وتطبيقات السيادة الشعبية ، وما قضى به النص المحال من وقف مباشرة الحقوق السياسية خلال المدة التى حددها لكل من عمل بالمناصب التى حددها ، إنما يمثل – فى واقع الأمر – حرمانهم من مباشرة هذه الحقوق ، دون مقتض أو مبرر يتفق وأحكام الإعلان الدستورى ، بما ينطوى على إهدار لأصل تلك الحقوق ، ويمثل اعتداء عليها ، ومصادرة لها وقيداً على ممارستها بالمخالفة للقواعد الدستورية السارية.
جـ- إهدار مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والمستشف من حصر الحرمان فى الفئات المشار إليها فى النص دون غيرهم ممن شغلوا المناصب ذاتها ، خلال مدة سابقة للسنوات العشر المشار إليها ، وكذلك من تولى مناصب تماثل من حيث طبيعتها ومسئولياتها ، المناصب الواردة بالنص وخلال المدة المحددة فيه ، ومن ذلك منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ، والوزراء ، والأعضاء العامين المساعدين بالحزب الوطنى المنحل.
د- مما ينافى الدولة القانونية تقرير عقوبة (جنائية – تأديبية – مدنية) بأثر رجعى.
هـ- اجتماع المثالب السالفة ، والتى كانت جلية أثناء المناقشات البرلمانية ، ومع ذلك تم غض الطرف عنها ، يفقد التشريع عموميته وتجريده ، ويصمه – ولأول مرة فى تاريخ الرقابة الدستورية – بوصمة الإنحراف التشريعى (17) .
هذا هو الحال بالنسبة للمؤسسة البرلمانية ، ولم يختلف الوضع – مع شديد الأسف – بخصوص المؤسسة الرئاسية ، بل يمكن القول أن الأمر إزداد عمقاً ، وهو ما ستدلل عليه السطور التالية.
ثانياً - إعلاء مؤسسة الرئاسة للشرعية الثورية::
قبل الإنتهاء من الانتخابات الرئاسية بأيام قلائل أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمها بعدم دستورية بعض نصوص قانون مجلس الشعب رقم 38 لسنة 1972 والتى اجريت الانتخابات البرلمانية على هديها.
& والنصوص المقضى بتنكبها للدستور تتعلق – على الجملة – بإمكانية الترشيح على المقاعد الفردية للمنتمين للأحزاب السياسية ، بجانب المستقلين غير المنتمين لتلك الأحزاب ، مما أخل – على وجه الخصوص – بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص (18).
وسطرت المحكمة فى حيثياتها أنه «متى كان ذلك ، وكانت انتخابات مجلس الشعب قد أجريت بناء على نصوص ثبت عدم دستوريتها ، فإن مؤدى ذلك ولازمه على ما جرى به قضاء هذه المحكمة أن تكوين المجلس بكامله يكون باطلاً منذ انتخابه (19) ، بما يترتب عليه زوال وجوده بقوة القانون اعتباراً من التاريخ المشار إليه ، دون حاجة إلى اتخاذ أى إجراء آخر ، كأثر للحكم بعدم دستورية النصوص المتقدمة ، وإنفاذاً لمقتضى الإلزام والحجية المطلقة للأحكام الصادرة فى الدعاوى الدستورية فى مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة ، طبقاً لصريح نص المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979» (20).
ونفاذاً لهذا الحكم أصدر رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة القرار رقم 350 لسنة 2012 باعتبار مجلس الشعب منحلاً اعتباراً من 15 يونيو 2012.
وترتب على حكم المحكمة الدستورية العليا والقرار الصادر تنفيذاً له ، أن السلطة التشريعية عادت إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
ومع اقتراب تحديد أول رئيس للدولة غداة الثورة (21) بات ملحاً مواجهة ثلة معضلات دستورية فرضت نفسها وكان أبرزها :
* تنص المادة (30) من الإعلان الدستورى على أداء رئيس الجمهورية اليمين القانونية أمام مجلس الشعب ، فإمام أى جهة سيُؤدى القسم بعد حل البرلمان ؟
* هل سيستمر المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى مباشرة السلطة التشريعية كما كان الحال قبل انتخاب البرلمان ، أم أن تلك الصلاحية ستنتقل للرئيس ، وبأى ضوابط ؟
* ينظر القضاء دعوى ببطلان (22) تشكيل البرلمان للجمعية التأسيسية للدستور ، فمن الذى سيعيد تشكيلها ، إذا قبل القضاء موضوع الإدعاء ؟
وللإجابة على هذه التساؤلات وغيرها قدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاجة إلى تعديل إعلان مارس الدستورى ، فاجرى هذا التعديل بتاريخ 17 يونية 2012.
ووفقاً لهذا التعديل يؤدى رئيس الجمهورية اليمين القانونية – حال غياب مجلس الشعب – أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا (23).
وأبان الإعلان المعدل أيضاً أن السلطة التشريعية ستظل فى حوزة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، وكذا إعادة تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور عند اللزوم (24).
ومنذ اللحظات الأولى لإعلان لجنة الانتخابات الرئاسية فوز الدكتور محمد مرسى مرشح حزب الحرية والعدالة (25) بالمنصب ، والدلائل تترى على أن الشرعية الثورية ستتقدم على الشرعية الدستورية.
فمع وضوح الإعلان الدستورى الصادر فى يونية 2012 فى أداء الرئيس القسم ، عند حل البرلمان ، أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا ، لاحت إرهاصات تعبر عن وجود تحفظ واضح على التقيد بهذا الإلتزام.
حقاً أن القسم ، فى نهاية المطاف ، تم أمام الجهة المنصوص عليها دستورياً (26) ، إلا أن أداء القسم فى ميدان التحرير فى اليوم السابق على الوفاء به أمام المحكمة الدستورية العليا ، والحرص على تكرار ثالث للقسم بعد ساعات أمام تجمع ضم أعضاء مجلس الشعب المنحل (27) ، كشف عن هذا التحفظ ، وربما ما هو أكثر من ذلك.
على أى حال ، فإن المسلك السابق المح لما يمكن أن يحدث مستقبلاً.
فعقب القسم بأيام قلائل صدر القرار الرئاسى رقم 11 لسنة 2012 (28) بسحب قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة باعتبار مجلس الشعب منحلاً ، مع دعوة المجلس لعقد جلساته وممارسة اختصاصاته المنصوص عليها فى الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2012(29).
وبمقياس المشروعية يصطدم القرار المشار إليه بقواعد قانونية ثابتة وراسخة :
•• القرارات الجائز سحبها هى الموصومة بعدم المشروعية (30) ، والقرار المسحوب يطابق القانون نصاً وروحاً . فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة ، كرئيس للجمهورية ، مخاطب بحكم المحكمة الدستورية العليا ، بل أنه من أولى الجهات الملتزمة بإعمال مكنونه(31).
• القرار محل السحب بمثابة عمل تنفيذى ، لكونه لا يضيف جديداً للنظام القانونى ، على خلاف القرارات الإدارية بالمعنى الدقيق والتى لابد وأن يتمخض عنها تعديل أو تغيير فى المراكز القانونية القائمة.
• ليس صحيحاً ما تردد – أحياناً – من اعتراض على حل مجلس الشعب بزعم أن إعلان مارس 2011 الدستورى لم يسند لأى جهة هذا الاختصاص (32). فهذا التدليل حرّف الكلم عن مواضعه ، فالإعلان الدستورى لم يقض – حقاً – بحل المجلس النيابى الناجم عن نشوب نزاع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ، إلا أن ذلك ليس هو الصورة الوحيدة للنهاية المبتسرة للبرلمان ، فهذا الإجراء قد ينبثق من القضاء بعدم دستورية النصوص التى شُكل البرلمان على أساسها ، وهو الأمر المستفاد من منح المحكمة الدستورية العليا الاختصاص برقابة دستورية القوانين.
وليس متصوراً أن تسرد التشريعات المنظمة للقضاء الدستورى كافة الآثار المترتبة على الحكم بعدم دستورية النصوص التى ستطرح على ساحته على تعددها وتفرق مجالاتها.
والواقع انه لا جدوى ولا طائل من أى محاولة لتقدير قرار رئيس الجمهورية بعودة البرلمان ، المنحل بحكم قضائى ، وفقاً للقواعد الدستورية ، فالشرعية الثورية(33) هى سنده ومبرره الوحيد بل الأوحد (34).
وكما أفادنا آنفا – غير مرة – فإن السلطة التى تتبوأ موقعها بالقنوات الدستورية ،
لا يجوز لها أن تتفلت منها ، بإدعاء أن الشرعية الثورية لم تبرح بعد مكانها ، فهذا التصرف ينم عن تجاهل تلك السلطة لأساس وجودها ، مما يُجرح ، بشدة ، شرعيتها ، الأمر الذى يتعين أن ننأى بأنفسنا عنه أو الاقتراب منه .
ولرد الأمور إلى سبيلها القويم ، طعن على قرار عودة البرلمان المنحل أمام المحكمة الدستورية العليا(35) ، والتى انتهت إلى وقف تنفيذه ، وإعتباره منعدماً (36) ومجرد عقبة فى سبيل تنفيذ حكمها بحل المجلس النيابى (37).
إلا أن محاولات إعلاء الشرعية الثورية لم تتوقف عند هذا الحد ، ففى 12 أغسطس 2012 الغى رئيس الجمهورية تعديل يونيه من ذات العام للإعلان الدستورى ، واصدر إعلاناً جديداً.
وكانت الحجة الطافية على السطح لتمرير هذا المسلك ان تعديل يونية حجب عن الرئيس الاختصاص بسن القوانين ، مسنداً إياه للمجلس الأعلى للقوات المسلحة ، خلافاً لما جرت عليه التقاليد الدستورية فى مصر من منح رئيس الدولة سلطة التشريع عند حل البرلمان(38).
ولجلب مزيد من التأييد لتلك الخطوة اشيع أن الرئيس لن يستخدم رخصة التشريع إلا عند الضرورة وبقدرها(39).
وهذا التخريج أو ذاك ، لا صلابة له فى دفع الانتقادات التى تطول إقدام الرئيس على إلغاء إعلان يونية الدستورى كما سيرد حالاً :
1- ليس صائباً القول بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان يحتكر الاختصاص التشريعى . فالقوانين تمر بعدة مراحل تبدأ بإعداد مشاريعها وهو ما يقع ضمن مهام مجلس الوزراء (المادة 57/4 من الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011) الذى يشكله رئيس الجمهورية بسلطات مطلقة.
وعقب احالة المشروع ، عبر رئيس الجمهورية ، إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، لن يخرج الأمر عن أحد فرضين :
* الموافقة على المشروع كما هو ، ليعرض على رئيس الجمهورية لإصداره بلا أدنى مشكلة.
* تعديل بعض أحكام المشروع بما لا يوافق رؤية السلطة التنفيذية ، فى هذا الفرض للرئيس عدم اصدار القانون (40). وسلطة الإصدار هنا بمثابة تصديق ، بما يعنى امتلاك القرار النهائى ، وليس مجرد اعتراض يمكن التغلب عليه(41).
وهكذا كانت الكلمة الحاسمة فى سن القانون – واقعاً وقانوناً – بيد رئيس الدولة.
ولا يفوتنا التنويه بأن فترة مباشرة المجلس الأعلى للقوات المسلحة دور مجلس الشعب فى التشريع ، لم تُسجل أى إعاقة لإصدار النصوص التى قدر رئيس الدولة الحاجة إليها.
فعقب تولى الرئيس مقاليد السلطة أعلن رفع العلاوة الخاصة للعاملين بالدولة لتصبح 15% بدلاً من 10% ، وتقررت عين الزيادة لأصحاب المعاشات.
ولم يبد المجلس الأعلى للقوات المسلحة ثمه اعتراض على صياغة هذا الاعلان فى القوالب القانونية اللازمة(42).
ومرة أخرى ، طلب الرئيس تعديل قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 ، وكان رفع المرتبات هو حجز الزاوية فى هذا التعديل ، ولم يمانع أيضاً المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى سن التعديل وفقاً لرؤية المؤسسة الرئاسية (43).
2- الإدعاء بان استخدام الرئيس للاختصاص التشريعى سيكون فى أضيق الحدود ، وبناء على الضرورات ، لا يضيف أى ضمانه جديدة أو جديه . فسن التشريعات لا يندرج ضمن الاختصاصات الأصيلة للسلطة التنفيذية التى يمثلها رئيس الجمهورية . وإذا دعت الأحوال إلى الجمع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ، فلا يكون ذلك إلا على سبيل الاستثناء الواجب إعماله فى أضيق نطاق ممكن.
وكافة الدساتير المصرية اظهرت الحرص على إبراز الطبيعة الاستثنائية للاختصاص التشريعى لرئيس الدولة حال غياب البرلمان ، حتى أن النصوص الصادرة طبقاً لهذا الاختصاص تعرف بتشريعات الضرورة.
هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، فإن الطابع الاستثنائى للاختصاص التشريعى للرئيس يفرض الإلتزام بعرض النصوص القانونية المسنونة من السلطة التنفيذية على البرلمان عقب إعادة تشكيله ليحدد الموقف منها.
ولم نجد ظلاً لذلك فى الإعلان الدستورى الصادر فى أغسطس 2012 ، مما جعل ممارسة رئيس الدولة الاختصاص التشريعى على درجة من السعة لم تألفها الدساتير المصرية ، سواء فى حقبتها الملكية أو فى عهودها الجمهورية (44).
3- السؤال الأخطر هل كان رئيس الدولة يملك سلطة تعديل الإعلان الدستورى ليمنح نفسه السلطة التشريعية ؟
إننا لا نتردد فى الإجابة بالنفى . فقد يُتفهم أن السلطة التنفيذية تجتمع معها – بشروط وضوابط معينة – السلطة التشريعية ، أما أن نضيف إلى هذا الجمع السلطة التاسيسية ، فهو ما لا يمكن إجازته بحال.
فبداية هذا الوضع - على حد علمنا - لم تعرفه مصر فى أى فترة من تاريخها الدستورى ، وبالتالى لا محل لاستدعاء أى سابقة فى هذا الصدد.
وفضلاً عما سلف فإن الثورة قامت لتحقيق الديمقراطية ، ومن البديهيات أن الديمقراطية لا تتحقق ابداً من خلال تركيز السلطة (السلطة التنفيذية والتشريعية والتأسيسية) فى يد جهة واحدة . ولنسوق على ذلك مثالاً واحداً نراه معبراً وكافياً . فماذا لو أراد الرئيس اصدار قرار بقانون مخالف للإعلان الدستورى ، فقام بتعديل الإعلان الدستورى ، ليوضع القانون بعد ذلك مبرأً من كل عيب ؟!
ألا تلغى تلك الخطوة - عملاً – دور القضاء (المحكمة الدستورية العليا فى الفرض المثار) وبالتالى الضمانات الحامية للحقوق والحريات ؟
وعلى افتراض أن الرئيس كان مضطراً ، لكى يباشر السلطة التشريعية ، إلى تعديل الإعلان الدستورى ، فالمنطقى أن التعديل كان سيقف عند الاستحواذ على السلطة التشريعية ، إلا أن الأمر تجاوز ذلك بمنح الرئيس لنفسه سلطة تأسيسية شديدة الأهمية ألا وهى إعادة تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور ، إذا دعت الدواعى لذلك (45).
ولا محل لتفنيد ما سبق باثارة أن الرئيس سيمارس هذا الدور بعد التشاور مع القوى الوطنية، فالقيد يفرض مجرد التشاور، دون الإلتزام بالآراء التى تدوولت فيه. ناهيك عن غموض تعبير «القوى الوطنية» من الأساس.
4- لا مقنع لدينا بما يتردد بان الرئيس هو السلطة الوحيدة المنتخبة ، وبالتالى يملك الغاء أى عمل صادر من سلطة لم تختر بالإرادة الشعبية (46).
فهذا التحليل يتغافل أن الاختيار الشعبى انصرف إلى منصب رئيس الدولة بشروطه واختصاصاته المقررة فى الإعلان الدستورى الذى أقسم الرئيس على احترامه والزود عنه من أى مساس قد يلحق به من أى جهة .
ولم نطالع فى برنامج المرشح الفائز بالرئاسة ما يفيد إنه حال فوزه سيقلد نفسه السلطة التأسيسية مع الاختصاصات التنفيذية والتشريعية (47).
علماً بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لم يمارس السلطة التأسيسية غصباً ، وإنما بتفويض شعبى ، والدليل على ذلك إعادة بناء مؤسسات الحكم وفقاً للقواعد الصادرة عن المجلس ، والتى لم تلق اعتراضاً كافياً ينزع القبول الشعبى عنها.
ولو كان الإعلان الدستورى يعبر عن إرادة فرد أو جماعة محدودة ، لما قَبل الشعب ، بعد ثورة ، إعادة بناء مؤسسات الدولة ، وفقاً لقواعد لا يقرها ويأباها.
5- إذا سلمنا جدلاً بأن إلغاء التعديل الدستورى الذى تم فى يونية 2012 كان مبرراً لمباشرة سلطة التشريع ، فكيف نفسر أن إعلان أغسطس 2012 لم يكتف بإلغاء ما يسمى بالإعلان المكمل وإنما عدل ايضاً الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011 ؟
وهكذا تتزاحم الحجج بعدم صحة الغاء الإعلان الدستورى المكمل ، فهل سيأتى التصويب هذه المرة من القضاء أيضاً ، أم من القاعدة الشعبية ؟
وأيا ما كان الأمر ، ستظل القاعدة – فى اعتقادنا - أن الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية يجرى فى اتجاه واحد فقط .
-----------------------------------------------------
المراجع
(1) صدر هذا البيان فى 13 فبراير 2011 متضمناً الآتى :
«1- تعطيل العمل بأحكام الدستور.
«2- يتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد بصفة مؤقتة لمدة ستة أشهر أو انتهاء انتخابات مجلسى الشعب والشورى ورئيس الجمهورية. «3- يتولى رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة تمثيله أمام جميع الجهات فى الداخل والخارج. «4- حل مجلسى الشعب والشورى. «5- للمجلس الأعلى للقوات المسلحة إصدار مراسيم بقوانين خلال الفترة الانتقالية. «6- تشكيل لجنه لتعديل بعض مواد بالدستور وتحديد قواعد الاستفتاء عليها من الشعب. «7- تكليف وزارة الدكتور/ أحمد محمد شفيق بالإستمرار فى أعمالها لحين تشكيل حكومة جديدة. «8- إجراء انتخابات مجلسى الشعب والشورى والانتخابات الرئاسية. «9- تلتزم الدولة بتنفيذ المعاهدات والمواثيق الدولية التى هى طرف فيها». ويصعب القول بأن هذا البيان يمكن أن ينظر إليه كإعلان دستورى بالمعنى الدقيق ، فقد أكتفى بتحديد خطة عمل للمرحلة التالية ، دون أن يضع أى قيود زمنية فى الأغلب الأعم من الحالات ، كما أن البيان أغفل التطرق إلى موضوع الحريات وكفالتها ، ولو بشكل تعميمى.
(2) كان الاتجاه بداية منح المحكمة الدستورية العليا الاختصاص بالفصل فى صحة العضوية البرلمانية . إلا أن تحفظاً طرح على نقل حسم منازعات صحة العضوية للمحكمة الدستورية العليا ، وتحول التحفظ ، مع مرور الوقت ، إلى ما يشبه الاعتراض ، انطلاقا من مساس ذلك بدور محكمة النقض ، التى تولت طيلة العهد الجمهورى التحقيق فى طعون صحة العضوية. ووجدت المحكمة الدستورية العليا نفسها مضطرة لإيضاح موقفها ، فأصدرت بياناً ابانت فيه أن «النزاع فى صحة عضوية مجلس الشعب هو نزاع قضائى بطبيعته ويتعين بالتالى أن تتولى الفصل فيه هيئة قضائية بحكم تشكيلها وضماناتها ويستحيل أن تكون هذه الهيئة غير المحكمة الدستورية العليا ..». إلا أن المحكمة ، فى ختام بيانها ، عهدت للمجلس الأعلى للقوات المسلحة باتخاذ القرار المناسب ، إدراكاً منها لدقة الظروف السائدة آنذاك. فى نص البيان راجع المجلة الدستورية – العدد (19) – ابريل 2011 – ص98. وقد انحاز الإعلان الدستورى لاختصاص محكمة النقض ، وكان ذلك لأسباب عملية فى المقام الأول ، من منطلق الحفاظ على الخبرة التى تولدت ، والمبادئ التى تكونت عبر عشرات السنين التى باشرت فيها محكمة النقض تحقيق طعون صحة العضوية.
(3) صدر المادة 60 من الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011.
4) تمت كذلك انتخابات مجلس الشورى ، إلا أن تقلص دور هذا المجلس ووقوفه عند إبداء الرأى ، جعلنا نكتفى بالإشارة إليه فى هذا الموضع . (تراجع المادة 37 من الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011)
(5) قدم برنامج عمل الحكومة لمجلس الشعب بجلسة 26 فبراير 2012.
(6) طبقاً للمادة 133 من دستور 1971 إثر تعديلها عام 2007 «يقدم رئيس مجلس الوزراء برنامج الوزارة خلال ستين يوماً من تاريخ تأليفها إلى مجلس الشعب ، أو فى أول اجتماع له إذا كان غائباً . وإذا لم يوافق المجلس على هذا البرنامج بأغلبية أعضائه قبل رئيس الجمهورية استقالة الوزارة . وإذا لم يوافق المجلس على برنامج الوزارة الجديدة ، كان لرئيس الجمهورية أن يحل المجلس أو يقبل استقالة الوزارة». فى التعليق على هذه المادة والمواد الأخرى التى شملها تعديل 2007 راجع مقالنا: تأملات نقدية فى التعديلات الدستورية لعام 2007 – مجلة القانون والاقتصاد – كلية الحقوق – جامعة القاهرة – العدد (76) – ص1025 وما بعدها.
(7) فى تفاصيل ذلك تراجع مؤلفات النظم السياسية ، ومنها على سبيل التمثيل: - ثروت بدوى – النظم السياسية – 1970 – ص293 ، - فؤاد العطار – النظم السياسية والقانون الدستورى – 1974 – ص422 ، - محمود عاطف البنا – الوسيط فى النظم السياسية – 1988 – ص380.
(8) أعلن رئيس مجلس الشعب المنحل فى جلسة 29 ابريل 2012 والتى لم تحضرها الحكومة ، عقب رفض برنامجها فى الجلسة السابقة أن «هناك متغيراً لا تدركه الحكومة وهو قيام الثورة التى خرجت لإسقاط النظام السابق وأركانه ، إلا أن الحكومة لا تستشعر أن هناك ثورة قد قامت من الأساس». فى نص الكلام المنسوب لرئيس مجلس الشعب المنحل راجع: جريدة الأهرام – عدد 30 أبريل 2012 – ص7.
(9) رفض البرلمان بيان الحكومة بأغلبية 347 عضواً من إجمالى الأعضاء الذين أدلوا باصواتهم والبالغ عددهم 365 عضواً.
(10) راجع الصفحة الأولى من جريدة الأهرام عدد 30 أبريل 2012.
(11) جرى التعديل الوزارى فى 9 مايو 2012 وشمل ثلاث وزارات مع تعيين وزير لشئون مجلسى الشعب والشورى وهى الحقيبة التى كانت مضافة لوزير التنمية المحلية.
(12) نص التقنين المدنى صراحة فى مادته الثانية على الإلغاء الضمنى ببيانه أنه «لا يجوز إلغاء نص تشريعى إلا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء ، أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم ، أو ينظم من جديد الموضوع الذى سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع». = ولمزيد من التفاصيل تراجع مؤلفات المدخل فى القانون ، ومنها على سبيل المثال: - عبد المنعم فرج الصدة – أصول القانون – 1972 – ص212 وما بعدها ، - حسن كيرة – المدخل إلى القانون – 1974 – ص332 وما بعدها ، - سليمان مرقس – الوافى فى شرح القانون المدنى – ج(1) المدخل للعلوم القانونية – 1987 – ص227.
(13) حينما صدر دستور 1956 ناصاً فى المادة 186 على مبدأ عدم رجعية النصوص الجنائية تبدت عورات قانون الغدر الذى عاقب على أفعال ارتدت لسنوات عديدة مضت . ومنعاً من كشف تلك العورات قضت المادة 191 من الدستور المشار إليه بان القوانين التى صدرت بقصد حماية الثورة «لا يجوز الطعن فيها ، أو المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها بأى وجه من الوجوه وأمام أى هيئة كانت».
(14) وفقاً للمادة 19 من إعلان مارس 2011 الدستورى «العقوبة شخصية ، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بحكم قضائى ، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون».
(15) احيل الاقتراح بتعديل قانون الغدر إلى لجنة الاقتراحات والشكاوى فى 8 أبريل 2012 ، وفى اليوم التالى عقدت اللجنة المذكورة اجتماعاً لمناقشة الاقتراح ونظره على وجه الاستعجال ، لتنتهى فى ذات اليوم إلى أن «الاقتراح بمشروع قانون مقبول شكلاً» ، وأوصت باحالته إلى لجنة الشئون الدستورية والتشريعية. = وعلى ذات النسق نظرت لجنة الشئون الدستورية والتشريعية الاقتراح المحال إليها فى 10 أبريل 2012 لتخلص فى ذات اليوم إلى الموافقة عليه ، مع بعض التعديلات التى لا تمس الجوهر. راجع التقرير السادس للجنة الشئون الدستورية والتشريعية لمجلس الشعب 2012 – دور الإنعقاد الأول.
(16) طبقاً للمادة 28/5 من الإعلان الدستورى «ويعرض مشروع القانون المنظم للانتخابات الرئاسية على المحكمة الدستورية العليا قبل إصداره لتقرير مدى مطابقته للدستور» ، وعلى هذا النحو احتفظ الإعلان الدستورى بالمبدأ الذى استحدثه دستور 1971 عقب تعديل 2005 باخضاع مشروع قانون الانتخابات الرئاسية ، دون غيره ، للرقابة الدستورية السابقة.
(17) المحكمة الدستورية العليا – 14/6/2012 – ق رقم57 لسنة 34 قضائية دستورية. وحرى بالإشارة أن الانحراف التشريعى أو إساءة استعمال البرلمان لسلطته من العيوب القصدية التى يتعين إقامة الدليل الجلىّ عليها. وتعبيراً عن ذلك أعلنت المحكمة الدستورية العليا أن «سوء استعمال السلطة التشريعية لوظائفها ، ليس بمبدأ يفترض فى عملها ، بل يعتبر مثلباً احتياطياً ، وعيباً قصدياً يتعين أن يكون الدليل عليه واشياً بتنكبها الأغراض المقصودة من تأسيسها ، واستتارها بالتالى وراء سلطتها فى مجال تنظيم الحقوق ، لتصرفها إلى غير وجهتها ، فلا يكون عملها إلا انحرافاً عنها». المحكمة الدستورية العليا – 7/3/1998 – مجموعة أحكام المحكمة – ج(8) ص1218. وقد أدرك الفقه حجم الصعوبات التى تكتنف عملية البحث عن الإنحراف التشريعى فى النصوص الطعينة (عوض المر – الرقابة القضائية على دستورية القوانين – 2003 – ص1389 وما بعدها) الأمر الذى دعا البعض إلى التشكك فى أن الجهة القضائية يمكن أن «تصل إلى التحقق من وجود الإنحراف التشريعى خاصة مع ندرة المصادر الخارجية التى قد ترجح اساءة استعمال السلطة التشريعية من جانب البرلمان» . عبد العزيز محمد سالمان – ضوابط وقيود الرقابة الدستورية – 2011 - ص136. وكل ما سبق يكشف كيف أن البرلمان – حال سنه لقانون العزل السياسى – لم يترك أدنى مساحة للشك لنفى ابتعاده عن المصلحة العامة ، غاية كل تشريع ومقصده.
(18) وتعبيراً عن ذلك أعلنت المحكمة الدستورية العليا أن السماح للحزبيين بالتقدم على المقاعد الفردية يعنى أن الشارع «أتاح لكل من مرشحى الأحزاب السياسية إحدى فرصتين للفوز بعضوية مجلس الشعب ، إحدهما بوسيلة الترشيح بالقوائم الحزبية المغلقة ، والثانية عن طريق الترشيح للنظام الفردى ، بينما جاءت الفرصة الوحيدة المتاحة أمام المرشحين المستقلين غير المنتمين لتلك الأحزاب مقصورة على نسبة الثلث المخصصة للانتخاب بالنظام الفردى ، يتنافس معهم ويزاحمهم فيها المرشحون من أعضاء الأحزاب السياسية ، والذين يتمتعون = = بدعم مادى ومعنوى من الأحزاب التى ينتمون إليها ، من خلال تسخير كافة الإمكانيات المتاحة لديها لدعمهم ، وهو ما لا يتوافر للمرشح المستقل غير المنتمى لأى حزب ، الأمر الذى يقع بالمخالفة لنص المادة (38) من الإعلان الدستورى ، ويتضمن مساساً بالحق فى الترشيح فى محتواه وعناصره ومضمونه ، وتمييزاً بين فئتين من المواطنين يخالف مبدأى المساواة وتكافؤ الفرص ، لما ينطوى عليه من التمييز بين الفئتين فى المعاملة وفى الفرص المتاحة للفوز بالعضوية ، دون أن يكون هذا التمييز فى جميع الوجوه المتقدمة مبرراً بقاعدة موضوعية ترتد فى أساسها إلى طبيعة حق الترشيح وما تقتضيه ممارسته من متطلبات والتى تتحقق بها ومن خلالها المساواة والتكافؤ فى الفرص...». المحكمة الدستورية العليا – 14/6/2012 – الدعوى رقم 20 لسنة 34 قضائية دستورية. ونود الإشارة إلى أن قانون مجلس الشعب كان يشترط فيمن يرشح لعضوية البرلمان «بنظام الانتخاب الفردى ألا يكون منتمياً لأى حزب سياسى». (المرسوم بقانون رقم 120 لسنة 2011 بتعديل قانون مجلس الشعب رقم 38 لسنة 1972). وأثار هذا النص بعض الفصائل السياسية ، وطالبت بإعادة النظر فيه ، وهو ما تم بالفعل بالمرسوم بقانون رقم 123 لسنة 2011 والذى ألغى عدم جواز ترشح الحزبين على المقاعد الفردية. والغريب أن الفصائل التى ألحت فى التعديل الذى تسبب فى حل مجلس الشعب ، هى التى لا تتقبل الآن الحكم الدستورى القاضى بذلك !!
(19) سبق للمحكمة إيراد ذات الحيثيات فى حكم لها صدر فى 19/5/1990 (مجموعة الأحكام – ج(4) ص256) فى طعن مشابه تعلق بجواز ترشيح المنتمين للأحزاب السياسية على المقاعد الفردية.
(20) المحكمة الدستورية العليا – 14/6/2012 – سبق ذكره.
21) أصدر رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة قراره بحل البرلمان فى 15 يونيو 2012 ، أى قبل جولة الإعادة فى الانتخابات الرئاسية التى كان محدداً لها 16 ، 17 يونيو 2012.
(22) تتأسس دعوى بطلان تشكيل الجمعية التأسيسية على ضم تلك الجمعية بعض أعضاء البرلمان ، فى حين أن المادة (60) من الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011 نصت على أن ينتخب الأعضاء غير المعينين بمجلسى الشعب والشورى أعضاء الجمعية التأسيسية ، بما يفيد أن الاختيار سينصب على أعضاء من خارج مجلسى الشعب والشورى . وقد سبق لمحكمة القضاء الإدارى أن خلصت لذلك فى حكم لها بتاريخ 10 أبريل 2012. وحينما أُعيد تشكيل الجمعية التأسيسية ، لم يراع تفادى المثلب السالف . علماً بأنه لا مقنع – فى رأينا – فيما يتردد من أن حل مجلس الشعب واستقالة أعضاء مجلس الشورى من الجمعية التأسيسية أزال العيب السابق ، لأن العبرة فى تقدير شرعية القرار بلحظة صدوره .
(23) الفقرة الثالثة المضافة للمادة (30) بمقتضى التعديل الدستورى الصادر فى 17 يونية 2012.
(24) المادة (60) مكرراً من الإعلان الدستورى الصادر فى يونية 2012.
(25) أعلنت نتيجة المرحلة الثانية والأخيرة من الانتخابات الرئاسية فى 24 يونية 2012.
(26) أدى القسم فى 30 يونية 2012.
(27) عقد هذا الاجتماع بجامعة القاهرة.
(28) صدر القرار فى 8 يوليو 2012.
(29) وحرى بالتسجيل ان المادة الثالثة من القرار الرئاسى رقم 11 لسنة 2012 قضت بإجراء انتخابات مبكرة لمجلس الشعب خلال ستين يوماً من تاريخ موافقة الشعب على الدستور الجديد والانتهاء من قانون مجلس الشعب... والحقيقة إذنا إذا افترضنا أن مجلس الشعب قائم ، فلا يملك الرئيس تقرير إجراء انتخابات مبكرة عقب الدستور الجديد كإجراء انتقالى من عدمه ، فالاختصاص بذلك للسلطة التأسيسية وحدها ، التى قد ترى إكمال أى مؤسسة دستورية لمدتها ، وهو ما يتردد كثيراً فى الوقت الراهن بالنسبة لمؤسسة الرئاسة. علماً بأن الأصل هو إعادة تشكيل سلطات الدولة عقب صياغة نظام دستورى جديد لها .
(30) يتفق الفقه والقضاء على هذا المبدأ ، راجع على سبيل المثال: - محمد سليمان الطماوى – القرارات الإدارية – 1976 – ص659 وما بعدها.- حسنى درويش – نهاية القرار الإدارى عن غير طريق القضاء – 1981 – ص317 وما بعدها. أما الأحكام فلا تكاد تقع تحت حصر ونكتفى منها بالآتى : - المحكمة الإدارية العليا – 29/6/1968 – المجموعة – السنة (13) ص1137 ، - المحكمة الإدارية العليا – 25/2/1995 – المجموعة – السنة (40) – جـ(1) ص1259 ، - المحكمة الإدارية العليا – 11/1/2003 – المجموعة – السنة (48) – ص203.
(31) عدم انصياع رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، آنذاك ، للحكم كان سيوقعه تحت طائلة الفقرة الثانية للمادة 123 عقوبات والتى تعاقب «بالحبس والعزل كل موظف عمومى امتنع عمداً عن تنفيذ حكم ..» متى كان تنفيذ الحكم داخلاً فى اختصاصه.
(32) نسبت هذه التصريحات لرئيس مجلس الشعب المنحل ، راجع فى ذلك الموقع الإلكترونى لجريدة اليوم السابع بتاريخ 9 يونية 2012.
www.Youm7.com/news.2sp.(33) عقب أداء الرئيس اليمين أمام المحكمة الدستورية العليا وإعلانه أنه يحترم «المحكمة الدستورية وأحكامها والقضاء وأحكامه ومؤسساته جميعاً ..» ، اتجه إلى جامعة القاهرة ليقول : «إن المؤسسات المنتخبة ستعود لأداء دورها» فى اشارة مسبقة لعودة مجلس الشعب المنحل بحكم المحكمة الدستورية العليا. راجع نص الكلمتين فى جريدة الأهرام – عدد أول يوليو 2012 ص(4) للخطاب أمام المحكمة الدستورية العليا ، وص(7) للكلمة التى ألقيت بجامعة القاهرة.
(34) يثار – أحياناً - ان حل البرلمان بكامله يتجاوز حقيقة الحكم الدستورى . فقد أنصبت الدعوى الموضوعية على صحة منافسة المرشحين الحزبيين المستقلين على المقاعد الفردية ، وبالتالى ينحصر البطلان فى المقاعد المخصصة للإنتخاب الفردى والتى تمثل ثلث مقاعد البرلمان . = وقد فندت المحكمة الدستورية العليا هذا التحليل ببيان ان العوار الدستورى شمل النظام الانتخابى بأكمله ، سواء فى شقه المتعلق بالقوائم أو فى شقه الخاص بالمقاعد الفردية . ولكن على افتراض صحة ما يقال فإن سؤالا يلح علينا بقوة . هناك اتفاق بين كافة التحليلات على بطلان الانتخابات على المقاعد الفردية ، فكيف جرت دعوة البرلمان بكامل تشكيله ، أى بما فى ذلك الأعضاء الثابت بطلان ولايتهم الشعبية ؟ ولا نرى مقنعاً لأى إجابة لا تستدعى الشرعية الثورية ، وهو ما يدعم رأينا المسطر بالمتن .
(35) نظرت المحكمة الدستورية العليا الطعن كقاضى تنفيذ طبقاً لما ورد فى المادة (50) من القانون رقم 48 لسنة 1979 والقاضية بأن «تفصل المحكمة (المحكمة الدستورية العليا) دون غيرها فى كافة المنازعات المتعلقة بتنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة منها».
(36) برغم كل ما سبق لا يزال هناك من لا يقر بحكم المحكمة الدستورية العليا ، ويجادل فى حل مجلس الشعب ، ففى لقاء صحفى مع وكيل مجلس الشعب المنحل (السيد عبد العليم داود) أعلن أن «مجلس الشعب مجمد وليس منحلاً ...». جريدة الوطن – عدد 20 أغسطس 2012 – الصفحة الثانية. والتسليم بذلك يفيد ان المجلس لازال قائماً ، وبالتالى يتعين صرف مكافآت العضوية، كما أن الحصانة البرلمانية لم تنحسر عن الأعضاء بعد ، فهل يجوز ذلك مع صراحة حكم القضاء الدستورى القاضى بحل المجلس ، وأن هذا الأثر لا يحتاج حتى إلى قرار يرتبه ؟ .
(37) المحكمة الدستورية العليا (منازعة تنفيذ) – 10/7/2012 – الدعوى رقم 7 لسنة 34 قضائية. وما سبق يعيد إلى الأذهان موقفاً مشابهاً من حكم المحكمة الدستورية العليا . فعلى أثر قرار رئيس الجمهورية بعودة المجلس المنحل ، عقد الأخير اجتماعاً فى 10 يوليو 2012 قرر فيه إحالة الحكم الدستورى بحل مجلس الشعب إلى محكمة النقض للنظر فيه وللفصل فى صحة عضوية النواب طبقاً لنص المادة 40 من الإعلان الدستورى التى تقضى بأن تختص محكمة النقض بالفصل فى صحة عضوية أعضاء مجلسى الشعب والشورى. انظر : جريدة المصرى اليوم – عدد 11/7/2012 – ص5. وفى 14 يوليو 2012 قررت محكمة النقض بإجماع آراء جميع رؤساء الدوائر بها ، عدم اختصاصها بنظر الطلب الوارد إليها من مجلس الشعب حول الإيفاد بكيفية بحث مسألة تطبيق حكم المحكمة الدستورية العليا. انظر : جريدة الأهرام – عدد 15 يوليو 2012 – ص(1). وكانت محكمة النقض تلمح فى العبارة السابقة إلى أن النزاع فى جوهره يتعلق بالمنازعة فى حكم دستورى يدخل فى اختصاص القاضى الذى أصدره . أما ما ورد فى احالة رئيس مجلس الشعب من طلب بفحص صحة العضوية ، فيتناسى أن صحة العضوية تفيد اختيار مرشح لا تتوافر فيه الضوابط التى قررها القانون ، أو بالمخالفة للإجراءات التى حددها الشارع لسير العملية الانتخابية . وبالتالى ففحص صحة العضوية ينطوى على ضابط مبدئى ألا وهو صحة القانون الذى شكل المجلس على أساسه . وبانهيار هذا القانون لم يعد هناك هيئة برلمانية لتبحث صحة عضويتها.
(38) عقب إعلان فوز الرئيس توجه إلى ميدان التحرير ليؤدى – بصورة غير رسمية – القسم أمام جماهير الميدان . وفى كلمته التى القاها فى تلك المناسبة أوضح انه لن يفرط فى صلاحياته. انظر : جريدة المصرى اليوم – عدد 30 يونية – الصفحة الأولى والرابعة. وألمحت هذه الجملة إلى أن الرئيس سيسعى للحصول على السلطة التشريعية ، التى يراها تندرج فى إطار الاختصاصات الرئاسية حال غياب البرلمان ، ودون حاجة لنص بذلك .
(39) فى تصريح لرئيس الجمهورية فى 5 سبتمبر 2012 أكد بنفسه على هذا المعنى – راجع جريدة الأهرام عدد 6 سبتمبر 2012 – الصفحة الخامسة .
(40) لا يمنع ذلك من عرض رئيس الجمهورية الخلاف بينه وبين المجلس الأعلى للقوات المسلحة على الرأى العام ، ولم يكن يتصور أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان – بعد ثورة شعبية – سيناصب العداء للرأى السائد شعبياً.
(41) سارت الدساتير المصرية على نهج منح رئيس الدولة سلطة الاعتراض على مشروعات القوانين التى يقرها البرلمان ، على أن يكون للأخير تنحية هذا الاعتراض بإعادة الموافقة على القانون بأغلبية خاصة. فى تفاصيل ذلك راجع مؤلفنا : القانون البرلمانى – 2006 – ص408 وما بعدها.
(42) أعلنت تلك الزيادة فى 1/7/2012 فى أول اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية بعد توليه مقاليد السلطة. انظر : جريدة الاهرام – عدد 2 يولي 2012 – الصفحة الأولى. وفى هذا الاجتماع زيد كذلك معاش الضمان الاجتماعى إلى 300 جنيه شهرياً.
(43) صدر التعديل فى 12 يوليو 2012.
(44) فى تفاصيل تنظيم تشريعات الضرورة فى الدساتير المصرية المختلفة راجع مؤلفنا : القانون البرلمانى – 2006 – ص463 وما بعدها.
(45) طبقاً للمادة الثالثة من إعلان أغسطس 2012 الدستورى «إذا قام مانع يحول دون استكمال الجمعية التأسيسية لعملها ، شكل رئيس الجمهورية خلال 15 يوماً جمعية تأسيسية جديدة ، تمثل أطياف المجتمع المصرى بعد التشاور مع القوى الوطنية ، لإعداد مشروع الدستور الجديد خلال 3 أشهر من تاريخ تشكيلها ، ويعرض مشروع الدستور على الشعب ، لاستفتائه فى شأنه خلال 60 يوماً من تاريخ الانتهاء من إعداده..».
(46) هذه هى الحجة الرئيسية لمناصرى الغاء الإعلان الدستورى. راجع فى هذا الاتجاه على سبيل المثال: د. رأفت فودة ، د. محمد باهى فى التحقيق المنشور بجريدة أخبار اليوم (2) – عدد 11 أغسطس – ص13.
(47) ربما جرت محاولة للتملص من هذا النقد بالقول أن تضمين برنامج المرشح الرئاسى ، الفائز فيما بعد بالمنصب ، لموقفه من الإعلان الدستورى المكمل لم يكن متصوراً ، لصدور هذا الإعلان فجأة أثناء جولة الإعادة فى الانتخابات الرئاسية. وكان يمكن مناقشة هذه الحجة ، وربما تقبلها ، لو أن الرئيس الغى ما يعرف بالإعلان الدستورى المكمل ، ولم يقم أيضاً بتغيير الإعلان الدستورى الأصلى والصادر قبل الانتخابات الرئاسية بشهور عدة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق