‏إظهار الرسائل ذات التسميات عموميات ومتفرقات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عموميات ومتفرقات. إظهار كافة الرسائل

2024/01/07

الاختصاص الحكمي في دعوى رفع المضرة حسب فقه قضاء محكمة التعقيب

 

الاختصاص الحكمي في دعوى رفع المضرة

حسب فقه قضاء محكمة التعقيب


الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية

إن دعوى رفع المضرة هي من الدعاوى الشخصية كما ورد تعريفها بالفصل 20 م.م.م.ت الذي ينصّ على أنه "توصف بدعاوى شخصية الدعاوى المبينة على التزام شخصي مصدره القانون أو العقد أو شبه العقد أو الجنحة أو شبه الجنحة ". ذلك أنها  تستند إلى احكام الفصل 99 م.ا.ع المتعلق بمضار الجوار أو يقع تبرير دعوى رفع المضرّة بالرجوع كذلك إلى المبادئ العامّة للمسؤولية التقصيرية المؤسسة على الفصلين 82 و83 م.إ.ع[1]، كلّما توفر في جانب المطلوب خطأ تقصيري يتمثل في إخلاله بالتزام قانوني كعدم احترام المسافات القانونية المنصوص عليها بالفصل 174 م.ح.ع أو عدم احترام موجبات الفصل 21 م.ح.ع من أنه : يراعي (المالك) في استعمال حقه ما تقتضيه النصوص التشريعية المتعلقة بالمصلحة العامّة أو بالمصلحة الخاصة. فالفصول 82 و83 و99 وردت ضمن الباب الثالث من مجلّة الالتزامات والعقود تحت عنوان: "في الالتزامات الناشئة مع الجنح وما ينزل منزلتها" أي المسؤولية التقصيرية. من هذا المنطلق اعتبرت محكمة التعقيب أنّ "... حجب النور والشمس هو من قبيل الضرر والأذى الذي يدخل تحت طائلة أحكام الفصل 99 م ا ع..."[2] فإذا كان الغير يمارس حقه الملكي دون اعتداء على حق جاره فإنّه ينبغي القيام من أجل رفع مضرة[3]. فهذه الدعوى تهدف إلى حماية راحة وصحّة الأشخاص من الأضرار، أي أنّها تحمي الأشخاص. إذ أنه يكفي أن يكون الضرر غير مألوف للقيام بدعوى رفع المضرّة لإزالة الضرر الذي يقع دائما دون وجود نية ترمي إلى الاستيلاء على الحوز.

واعتمادا على ما سبق فقد رأت محكمة التعقيب أن " حجب النور والتهوية والرؤية أمور غير قابلة للتقدير وبذلك فهي من اختصاص المحكمة الابتدائية"[4] ورأت في قرار آخر أن الدعوى " في رفع مضرة......غير قابلة للتقدير ما دامت المضرة تتمثل في الكشف على ملك الجار مما يجعل الدعوى راجعة بالنظر حكميا الى المحكمة الابتدائية عملا بأحكام الفصلين 21 و22 م م م ت وقد ببرت فيه المحكمة موقفها بأن المبلغ المقدر لرفع المضرة هنا له صبغة " تغريمية لإزالة أسباب المضرة " وليست تعويضية " وهو " أثر من آثار الدعوى وليس بفرع منها مستقل بذاته مما يجعله يتبع الدعوى الأصلية من حيث الاختصاص الحكمي."[5]

إن موقف فقه القضاء المذكور قد تأيد بقرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب التي جاء في قرار أول لها أن " الدعوى المقامة على أساس المسؤولية الناجمة من الاخلال بالتزامات الجوار التي مصدرها القانون من قبيل الدعاوى الشخصية وطبيعة التعويض المطالب به بما ينطوي عليه من الزام بإتيان عمل مادي يتمثل في إزالة سبب الكشف يصير موضوع الدعوى غير قابل للتقدير وبالتــــالي راجعا بالنـــظر حكـــميا للمحكمة الابتــــدائية طـــبق أحـــكام الفـــصل 22 م م م ت"[6]

وما يلفت الانتباه في هذا القرار هو ملحوظات السيد المدعي العام[7] الذي عاب على محكمة الاحالة استنادها على تقدير الاختبار للخسائر المتأتية من رفع المضرة لتأكيد اختصاص حاكم الناحية في النظر في مثل هذه الدعاوي إذ اعتبر ذلك مخالفا " لروح النص إذ لو وقع تطبيقه لاختصت محاكم النواحي في غلق مصانع بمجرد إزالة خيط كهربائي لا يكلف شيئا عند قطعه"[8] ورأى من ناحية أخرى أن المضرة المتعلقة بإحداث مطلات بأرض الغير والكشف عن عقار الجار مضرة " معنوية " لتعلقها بالحق في نور الشمس والضوء والهواء وحقوق كل من الجارين وان الدعوى التي تكون " غير قابلة للتقدير كالدعاوى بمزايا أو منافع تحول طبيعتها دون تقدير قيمة نقدية لها كالطلبات المتعلقة بتنفيذ التزام بامتناع عن عمل مثل سدم نافذة "[9] والتي لها جانب " اعتباري " " غير محسوس شأنها في ذلك شأن الحق من جهة كونه شعورا مستقرا في النفس لا يرقى الى مستوى التجسيم حتى يكون قابلا للتعبير تقديرا كنحو الحقوق الشخصية والملكية وغيرهما"[10]. وقد ختم ملحوظاته بضرورة التمييز بين المضرة كأساس أصلي للدعوى وبين طلب رفعها من جهة أخرى والذي يقبل التقدير ولكنه لا يعدو أن يكون فرعا من فروعها وأضاف أنه طالما أن العبرة في تحديد مرجع النظر بأصل الطلب لا فيما اتصل به وتولد عنه من فروع فإن قابلية الفرع المتعلق برفع المضرة للتقدير لا يمكن أن ينسحب على " دعوى المضرة " التي لا يمكن الاستجابة لطلب رفعها إلا عقب التحقق من وجودها وثبوتها بصورة يقينية. من ذلك فإنه يمكن أن نلاحظ أن اعتبار دعوى رفع المضرة دعوى قابلة للتقدير يرجع أساسا إلى خلط بين الطلب الأصلي المتمثل في رفع المضرة وبين كيفية رفعها والذي يعد من قبيل الآثار المترتبة عن الدعوى والتي لا يتحقق منه القاضي إلا بعد أن يتعهد بالموضوع ( وهو أمر يخل بمبادئ الاجراءات والاختصاص الحكمي ومن شأنه أن يساهم في بطء اجراءات التقاضي وتعقيدها).

وبذلك فإن الاختصاص بالنسبة لدعاوى رفع المضرة يرجع إلى المحكمة الابتدائية وهو ما أكدته محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة في قرار آخر لها[11]. وعموما يمكن القول أن فقه قضاء محكمة التعقيب مستقر على هذا التوجه من ذلك مثلا:

-         إن الدعوى في رفع مضرة هي من اختصاص المحكمة الابتدائية وحدها باعتبارها دعوى غير مقدرة عملا بالفصل 22 من م.م.م.ت و المطالبة بإزالة ذلك الضرر و لو وقع تقديره من قبل خبير امام محكمة الناحية لا يستقيم قانونا لكون هذا المطلب لا يندرج ضمن الدعاوى الحوزية على معنى الفصل 54 من م.م.م.ت لان القائم بها لم يطلب استرجاع الحوز أو استبقائه.[12]

-         إن طلب رفع المضرة الحاصلة لهما من جراء إقامتهما لباب الممر المدعي عليه من قبيل الدعاوي غيرالمقدرة القيمة وأن النظر فيها يكون من طرف المحكمة الابتدائية وحدها تطبيقا لأحكام الفصل 23 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية[13].

-         1) إذا كانت الدعوى تهدف إلى طلب رفع مضرة فهي من قبيل الدعاوي غير المعينة القيمة والتي لا يمكن تعيينها وتكون بذلك المحكمة المختصة بالنظر في المحكمة الابتدائية وحدها وفقا لأحكام الفصل 22 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية. 2) مرجع النظر الحكمي يهم النظام العام ويجب على المحكمة التمسك به تلقائيا دون التوقف على إثارته من أحد الخصوم حسبما يستفاد من أحكام الفصلين الثالث والسابع عشر من نفس المجلة[14].



[1] Slaheddine Mellouli : Les troubles anormaux du voisinage entre la loi et la jurisprudence,  RTD 1984, p 192.

[2]  قرار تعقيبي مدني عدد 61438.2011 مؤرخ في 17 ماي 2012 (غير منشور)

[3] قرار تعقيبي مدني عدد 11177 مؤرّخ في 30 أفريل 1985 نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني  1986 جزء I ص147.

[4]  قرار تعقيبي عدد 62673 مؤرخ في 19 جانفي 1998 نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني  ج II 1998 ص 354.

[5]  قرار تعقيبي عدد 99. 76802 مؤرخ في 29/5/2000 غير منشور.

[6]  قرار تعقيبي مدني ( دوائر مجتمعة ) عدد 59177 مؤرخ في 21 أكتوبر 1999 : قرار الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 1998-1999 ص9.

[7]  قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 1998-1999 ص 18 وما بعدها.

[8]  ملحوظات السيد المدعي العام ص 19 المرجع سابق الذكر.

[9]  ملحوظات السيد المدعي العام ص 24 المرجع سابق الذكر.

[10]  ملحوظات السيد المدعي العام ص 25 المرجع سابق الذكر.

[11]  انظر قرار تعقيبي عدد 59178 مؤرخ في 21 أكتوبر 1999 ( دوائر مجتمعة ) : قرارات الدوائر المجتمعة لمحـــكمة التعقيب 1998 – 1999 ص 29 وما بعدها.

[12]  تعقيبي مدني  عدد 56940 مؤرخ فى  05/03/1997. نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني عدد 1 ، 1997.

[13]  تعقيبي مدني  عدد 42495 مؤرخ فى  26/10/1996. نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني عدد 1 ، 1996.

[14]  تعقيبي مدني  عدد 40195 مؤرخ فى  18/04/1996. نشرية محكمة التعقيب - القسم المدني عدد 1 ، 1996.

الحركة القضائية، إلى متى...؟!.

 

الحركة القضائية، إلى متى...؟!.

الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية

إن حال القضاء اليوم غير معقول ولا هو مقبول، فإلى متى ستبقى السلطة التنفيذية تسعى للهيمنة على القضاء واخضاعه بما يحد من استقلاليته وحياده ونزاهته. وإلى متى ستبقى الحركة القضائية وسيلة لبسط تلك الهيمنة وهاجسا يقض مضاجع القضاة وكافة الأسرة القضائية؟. إذ يشهد نشر الحركة القضائية السنوية اضطرابا تختلف حدته بين سنة وأخرى. فقد جرت العادة أن تنشر الحركة قبل موفى شهر جويلية من كل سنة، وإن حصل تأخير فهي لا تتجاوز شهر أوت مع استثناء وحيد سنة 2013 (نشرت يوم 13 سبتمبر) وكان المبرر وقتها أنها أول حركة قضائية تجرى تحت اشراف الهيئة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي وبعيدا عن تدخل السلطة التنفيذية.

ورغم تولي المجلس الأعلى للقضاء هذه المهمة ووضعه لمعايير في الغرض، بقيت الحركة القضائية هاجسا يؤرق المتدخلين في قطاع العدالة وخاصة القضاة أنفسهم، لما لتلك الحركة من تأثير مباشر على سير العمل في المحاكم والمسيرة المهنية للقضاة وحياتهم اليومية.

فالحركة القضائية تشمل عادة أربعة محاور هي: تعيين القضاة الجدد (الملحقين القضائيين)، والترقيات الآلية من رتبة إلى أخرى، وسد الشغورات في المحاكم، وتلبية الطلبات الشخصية لتغيير مكان العمل أو التكليف بخطة معينة. مع ما يتبع ذلك من تسميات وتغيير مقر العمل وما يترتب عنها من تغيير محل الإقامة، أو الاضطرار للتنقل من وإلى مكان العمل لمسافات معتبرة ترتب عنها أحيانا حوادث قاتلة.

و أهمية وحساسية الحركة القضائية جعلتها شبحا يؤرق عموم القضاة حتى أولئك الذين يعتقدون أنها لن تشملهم لكنهم يتفاجؤون بنقلة تحت عنوان "مصلحة العمل"، التي يجيزها القانون بل إنها أصبحت قاعدة دستورية بموجب الفصل 121 من دستور 2022.

ومع أنه من المفترض أن تكون الحركة القضائية من صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء وفق أجل مضبوط طبق ما كان ينص عليه الفصل 47 من القانون الأساسي عدد 46/2016 ونصه: "يعلن المجلس الأعلى للقضاء عن الحركة القضائية مرة واحدة في السنة في أجل أقصاه موفي جويلية من كل سنة ويمكن للمجلس عند الاقتضاء إجراء حركة استثنائية خلال السنة القضائية". لكن المجلس اعتبر ذلك الأجل استنهاضيا وغير ملزم وبالتالي يمكن تجاوزه وهو ما كان يحدث فعليا وبصفة متكررة كل سنة. ورغم فشل هذا النص في فرض تاريخ أقصى لنشر الحركة إلا أن إلغاؤه بموجب المـرســوم عدد 11 لسنة 2022 مؤرّخ في 12 فيفري 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء، زاد الوضع تعقيدا. فقد منح المرسوم 11 في فصله 18 لكل مجلس من المجالس القضائية الثلاث صلاحية اعداد الحركة القضائية دون تحديد أجل معين بل إنه نص على ضرورة إحالتها لرئيس المجلس الأعلى للقضاء المؤقت المطالب بإحالة تلك الحركة إلى رئيس الجمهورية في ظرف 10 أيام. وينص الفصل 19 من ذات المرسوم على أن رئيس الجمهورية يتولى إمضاء تلك الحركة في أجل أقصاه 21 يوما ولكن مع منحه حق الاعتراض عليها وفي هذه الحالة على المجلس المعني وجوبية الاستجابة لهذا الاعتراض في أجل 10 أيام من تاريخ بلوغه له، وإذا تعلق الاعتراض بالخطط السامية ولم تتم الاستجابة للاعتراض صراحة أو ضمنا فلرئيس الجمهورية الحق في التعيين في تلك الخطط السامية مباشرة من بين من تتوفر فيهم الشروط المطلوبة. لينص بعد ذلك الفصل 21 من ذات المرسوم على أنه يتم نشر الحركة القضائية في الرائد الرسمي في ظرف 7 أيام، هكذا دون تحديد أي تاريخا أقصى لذلك. مع التنصيص أيضا في ذات الفصل على أنه: "يبت كل مجلس مؤقت للقضاء في مطالب التظلم في أجل أقصاه شهر واحد من تاريخ تقديم المطلب". وهذا المطلب يقدم في أجل لا يتجاوز 7 أيام من تاريخ نشر الحركة. كما أقر الفصل 23 من المرسوم حق الطعن في تلك الحركة في ظرف شهر من تاريخ المقرر المطعون فيه لدى الدوائر الاستئنافية للمحكمة الإدارية التي يجب عليها البت فيها في ظرف أقصاه شهرين، مع إمكانية الطعن بالتعقيب في ظرف 10 أيام ويجب البت في الطعن في ظرف شهر.

وعملا بهذه المقتضيات الجديدة يمكن القول أن الحركة القضائية لا تكون نهائية من الناحية الإدارية إلا في مدة قد تصل إلى 85 يوما (دون اعتبار المدة اللازمة لاعداد تلك الحركة داخل المجلس القضائي المعني وفق مقتضيات الفصل 15 من المرسوم). يضاف إليها مدة 130 يوما الأجل الأقصى المفترض نظريا لصدور حكم قضائي بات. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار في هذه السنة مثلا أن المجلس الأعلى المؤقت للقضاء العدلي أصدر بلاغا يوم 11 أوت 2022 حدد بموجبه يوم 19 من ذات الشهر كآجل نهائي لتقديم طلبات سد الشغورات فإن الحركة القضائية (نظريا وحسابيا) يمكن أن تنشر في الرائد الرسمي وتصبح قابلة للطعن في منتصف شهر نوفمبر2022، (هناك تسريبات تؤكد أنها لن تتجاوز بداية شهر أكتوبر) وتبقى غير باتة لحين استنفاذ آجال التقاضي القصوى حتى النصف الثاني من شهر أفريل 2023.

وانطلاقا من هذا التصور النظري الحسابي الذي يمكن أن يتحقق فعليا بدليل أن الحركة القضائية لسنة 2022-2023 لم يصدر منها بعد سوى الجزء المتعلق بتعيين الملحقين القضائيين (تم إصداره يوم 20 سبتمبر 2022 وبأثر رجعي من يوم 16 سبتمبر). فيما لازالت بقية الحركة مجهولة التاريخ والمضمون رغم الانعكاسات السلبية والخطيرة لهذا التأخير سواء على سير المرفق القضائي المعطل بطبيعته منذ موفى سنة 2019 نتيجة الإضرابات والحجر الصحي وما تبعه من مذكرات صادرة عن المجلس الأعلى والتي أدت تقريبا لشبه شلل تام في سير عديد القضايا وتراكم للملفات وتجاوز كل آجل معقول للبت فيها. علاوة على وجود شغورات خطيرة ناتجة عن التقاعد والترقيات الروتينية والأمر الرئاسي عدد 516/2022 المتعلق بإعفاء 57 قاضيا تم الحكم بإيقاف تنفيذه من طرف المحكمة الإدارية (يوم 9/8/2022)، وهو ما طرح مشكلا حول إعادة تعيينهم من عدمه. فحسب التسريبات استجاب المجلس لحكم المحكمة الإدارية لكن يبدو أن هناك معارضة من طرف الرئاسة ووزارة العدل عطل نشر الحركة (وهو أمر يجيزه المرسوم عدد11 كما سبق بيانه اعلاه).

يضاف إلى كل ما سبق أن أي حركة ستصدر بعد انطلاق السنة القضائية ستؤثر سلبا على سير العمل لما سينجر عنها من تعطيل ناتج عن تغيير تركيبة الدوائر وتسليم المهام ومتطلبات الانتقال لمقر العمل الجديد وهذا كله طبعا عبء على القضاة وعلى المتقاضين بل على الاستقرار الاجتماعي والاقتصاد الوطني بصفة عامة. فحساسية وأهمية الحركة القضائية على المستوى الوطني يستوجب أن توضع لها آجال دستورية ملزمة ومضبوطة تضمن صدورها ونفاذها قبل انطلاق كل سنة قضائية وبعيدا عن التجاذبات السياسية ومحاولات الهيمنة على القضاء واخضاعه للسلطة التنفيذية. وهو أمر يتطلب وضع معايير موضوعية قارة، وجدول زمني ثابت لإعداد الحركة ونشرها والبت النهائي فيها. وهذا أمر غير مستحيل طالما أن الحركة تتعلق بمعطيات معلومة ويمكن حصرها مسبقا،  فعدد من سيبلغ سن التقاعد أو سيرتقي لرتبة أعلى أو سيتم تعيينه لأول مرة يمكن تحديده في نهاية شهر ديسمبر من كل سنة على أقصى تقدير (مع مراعاة الحالات الطارئة الناتجة عن مرض أو استقالة أو إلحاق) وفي هذا السياق يمكن اقتراح الجدول التالي:

يخصص شهر جانفي لتقديم الطلبات واعلام المجلس القضائي المعني بالشغورات، تمكين المجلس من اعداد الحركة في أجل أقصاه 15 مارس ويتم تعليق جداول الحركة القضائية في 16 مارس ويفتح باب التظلم (7 أيام) والبت فيه (10 أيام)، يتولى بعدها المجلس المعني إحالتها لرئيس المجلس الأعلى للقضاء لإحالتها إلى رئيس الجمهورية في ظرف 10 أيام، ليتولى إمضاء تلك الحركة في أجل أقصاه 21 يوما أو ممارسة حق الاعتراض في ذات الأجل، وإلا أصبحت نهائية وقابلة للنشر وجوبا، وفي صورة وجود اعتراض يمنح المجلس المعني سلطة وحرية الاستجابة له في أجل 10 أيام من تاريخ بلوغه له، وفي صورة رفض الاعتراض يمكن لرئيس الجمهورية الطعن أمام القضاء وذلك بعد نشر الحركة القضائية وفق ما قرره المجلس. مع ضبط يوم 1 جويلية كأجل أقصى لنشر الحركة القضائية في الرائد الرسمي وفتح باب الطعون القضائية ومنح أجل لا يتجاوز 30 يوما لكل طور قضائي لكي تكون الحركة القضائية نهائية وباتة قبل يوم 15 سبتمبر. وفي كل الأحوال يجب الفصل بين تعيين القضاة الجدد والحركة الخاصة بالقضاة المباشرين.

لقد آن الأوان لوضع منظومة فصل بين السلط تضمن استقلالية القضاء، وتمنح للمجلس الأعلى للقضاء بكافة مكوناته سلطة تسيير هذا المرفق مع منح السلطة التنفيذية حق الاعتراض والطعن لدى القضاء علاوة على فرض رقابة برلمانية مستمرة على عمل المجلس الأعلى للقضاء وفق قواعد رقابية مضبوطة تحول دون تعسف أي سلطة أو هيمنتها على غيرها وهو أمر فشلت كل الدساتير (وأخرها دستور 25/7/2022) في تحقيقه حتى الآن. وما التعطيل الحاصل في اعداد ونشر الحركة القضائية سوى دليل صارخ على التدخل في شؤون القضاء بصفة تعسفية.

2023/03/20

السطو على الإختصاص القضائي: حيلة سياسية، أم هفوة دستورية؟

 

الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية


كرس الدستور التونسي لسنة 2014 بصفة عملية أسس التفريق المتوازن بين السلط وركز بصفة خاصة على استقلال السلطة القضائية. وكضمانة لعدم تجاوز هذه الأسس، تم إحداث المحكمة الدستورية التي ستتكفل برقابة دستورية القوانين سواء عن طريق الدعوى أو عن طريق الدفع. ورغم أن الدستور وضع آجالا دستورية لإحداث هذه المحكمة، فقد تجاوزنا هذه الآجال نتيجة التأخر الحاصل في إرساء المجلس الأعلى للقضاء والآن في اجتماعه. 

ولا يُستبعد أن يكون التعطيل مفتعلا قصد تمرير مجموعة قوانين غير دستورية تتضمن اعتداءً صارخاً على صلاحيات السلطة القضائية. ونحن نتناول في هذا المقال ما نراه مؤشّرا على هذا المنوال، قوامه ما تضمنه قانون المالية لسنة 2017 من سحب لاختصاصات قضائية ونقلها إلى أجهزة تتبع السلطة التنفيذية بتعلة السرعة والنجاعة[1]. ومن أبرز ما تضمنه مشروع القانون المذكور ما يلي:

  1. إلغاء مرحلة الصلح القضائي: إحداث لجان صلح وطنية وجهوية تتعهد بملفات المراجعة الجبائية وإبداء الرأي في نتائجها قبل إصدار قرارات التوظيف الإجباري وذلك بناء على طلب من المطالب بالأداء أو بمبادرة من الإدارة مع حذف مرحلة الصلح القضائي. وقد عللت الحكومة توجهها بقلة جدوى مرحلة الصلح القضائي ولضمان سرعة البت في القضايا الجبائية. أي أنها تسحب من القضاء صلاحية مراقبة الصلح بتعلة الجدوى متجاهلة أن القضاء حق للمواطن وضمانة له. ويمكن القول أن هذا التعدي على دور القضاء هو سنة متبعة في قوانين المالية، فكلما وجدت الإدارة أن القضاء يضع ضوابط تتعارض مع تغولها، عمدت إلى سحب الاختصاص منه.
  2. إحداث الشرطة الجبائية أو “فرقة الأبحاث ومكافحة التهرب الجبائي”: مع تمكينها من صلاحيات واسعة تصل أحيانا حدّ المساس بدور القضاء إن لم نقل حد افتكاكه بموجب القانون. فحسب الفصل 33 من قانون المالية، ستضاف جملة فصول إلى مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية (80 مكرر حتى 80 سابعا) تتعلق بهذا الجهاز منها:

– منح أعوان الشرطة الجبائية الحق في مراقبة البضائع المنقولة بالطريق العام وتفتيش العربات المستعملة في نقلها، والإطلاع على وثائق هوية الأشخاص الذين هم على متنها وأمتعتهم. ويجب على سواق العربات الخضوع لأوامرهم. وهي صلاحيات لا تخضع لرقابة القضاء رغم تهديدها للحقوق والحريات.

– يعهد حكام التحقيق لأعوان الشرطة الجبائية بالقيام بأعمال التحقيق في المخالفات الجبائية الجزائية الموجبة لعقوبة بدنية، بمقتضى إنابات عدلية. ومن الواضح أن صياغة النص توحي بالوجوب وهو ما يعني عمليا إلزام قاضي التحقيق بالتخلي عن صلاحياته لجهاز إداري، والخطير في الأمر أنه لم يقع منح المحامي أي دور أمام هذا الجهاز المحدث، وهو ما يشكل خطراً كبيراً على الحريات.

– حسب شرح الأسباب فإن “الشرطة الجبائية” ستتولى، علاوة على المهام الموكلة لمصالح الجباية، الكشف عن المخالفات الجبائية الجزائية ومعاينتها والبحث عن مرتكبيها وتقديمهم للمحاكم. مع أننا نعلم أن الإحالة على المحاكم يفترض أن تكون من مهام وكيل الجمهورية مبدئيا.

  1. تبسيط إجراءات رفع السر المالي: ينص الفصل 37 من قانون المالية على أنه: تلغى أحكام الفصل 17 من مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية وتعوض بما يلي: يتعين على البنك المركزي والبنوك والمؤسسات المالية، بما في ذلك البنوك والمؤسسات المالية غير المقيمة، وشركات التصرف في محافظ الأوراق المالية لفائدة الغير وشركات الاستثمار وشركات التصرف في الصناديق المنصوص عليها بالقوانين الجاري بها العمل ووسطاء البورصة وشركة الإيداع والمقاصة والتسوية والديوان الوطني للبريد، أن تقدم لمصالح الجباية، كلما طلبت منها كتابيا ذلك، في إطار مراجعة جبائية أولية أو معمقة أرقام الحسابات المفتوحة لديها باسم أو لحساب المطالب بالأداء أو لحساب الغير أو فتحها الغير لحساب المطالب بالأداء خلال الفترة التي لم يشملها التقادم وهوية أصحابها وكذلك تاريخ فتح هذه الحسابات إذا تم فتحها خلال الفترة المذكورة وتاريخ غلقها إذا تم الغلق خلال نفس الفترة، في أجل أقصاه 20 يوما من تاريخ الطلب. كما يتعين على مؤسسات التأمين، بما في ذلك مؤسسات التأمين غير المقيمة، أن تقدم لمصالح الجباية، كلما طلبت منها كتابيا ذلك، كل المعطيات المتعلقة بتواريخ اكتتاب عقود تكوين الأموال وعقود التأمين على الحياة المكتتبة لديها وأرقامها وتواريخ حلول أجلها ونسخا من الكشوفات المتعلقة بها، في أجل أقصاه 20 يوما من تاريخ الطلب. وتلزم المؤسسات المنصوص عليها بالفقرتين الأولى والثانية من هذا الفصل بأن تقدم لمصالح الجباية بصفة دورية، إذا اقتضت اتفاقية دولية تتعلق بتبادل المعلومات والمساعدة الإدارية في المادة الجبائية ذلك، المعلومات التي هي بحوزتها، وفق الشروط التي تحددها الاتفاقية. ويمكن اعتماد التراسل الإلكتروني في طلب الوثائق والمعلومات وفي الحصول عليها.

أي أن هناك رغبة في التخلص من الرقابة القضائية المسبقة مع العلم أن الادارة أكدت عند سماع ممثليها من قبل لجنة المالية في مجلس نواب الشعب أنه لم يسبق للقضاء أن رفض أو تأخر في منحها الأذون اللازمة لرفع السر البنكي، ومع هذا فهي تطالب برفع يد القضاء مع توسيع المجال لها لمراقبة السر المالي عموما بصفة مستقلة ومباشرة بعيداً عن القضاء الضامن للحقوق والحريات.

يمكن القول أن هذه الإجراءات القانونية المضمنة في قانون المالية علاوة على ما فيها من إخلالات دستورية شكلية، فبعضها يجب أن يكون في شكل قانون أساسي، هي في جوهرها تعبير عن رغبة في افتكاك صلاحيات القضاء بما فيها من ضمانات للحقوق والحريات، أي أنها حيل قانونية للتهرب من التزامات دستورية.

فبعد أن تمكن القضاء من ربح معركة الاستقلالية بصفة نسبية، وبدأ تركيز المؤسسات الدستورية الضامنة لهذه الإستقلالية وخاصة قرب انعقاد المجلس الأعلى للقضاء وما يتبع ذلك من إنشاء للمحكمة الدستورية، نجد السلطة التنفيذية وبدعم نسبي من السلطة التشريعية تسعى إلى سحب الملفات شيئا فشيئا من يد القضاء وإرجاعها للإدارة بحجج واهية من قبيل الجدوى والنجاعة وضرورة تفعيل الرقابة.

نشر هذا المقال في العدد 7 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1] – وقد سبق هذا المشروع أيضا مشروع قانون المصالحة الاقتصادية الذي كان يهدف إلى سحب ملفات الفساد المالي من يد القضاء العادي واحالتها للجنة ادارية للبت فيها قبل ان تتمكن الدوائر المختصة بالعدالة الانتقالية من التعهد بها، فهو مشروع قانون اعتداء مزدوج على القضاء التقليدي والقضاء الخاص بمنظومة العدالة الانتقالية.

2020/04/07

الشيك بدون رصيد: قرض حسن غير مستحسن

 

الشيك بدون رصيد: قرض حسن غير مستحسن

الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية


تحتل الشيكات مكانة هامة من بين بقية الأوراق التجارية في المعاملات المالية، مما جعل المشرع يخصها دون سواها من الأوراق التجارية بالحماية الجزائية، ولكن هذه الحماية صارت عبء على العدالة، إذا كشف المرصد التونسي للخدمات المالية في سبتمبر 2021 عن وجود قرابة مليونين و400 منشورة لدى المحاكم، يتعلق قرابة نصفها بشيكات دون رصيد، من المستحيل فضها ببنية تحتية مهترئة وعدد قضاة لا يفي بالحاجة. و أكد السيد عبد الرزاق حواص المتحدث باسم الجمعية الوطنية لأصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تصريحات إعلامية سابقة وجود نحو 8  آلاف صاحب شركة موقوف على ذمة هذه القضايا. كما تساهم قضية الشيكات في تعميق أزمة الاكتظاظ داخل السجون التونسية التي تعاني بطبيعتها من اكتظاظ كبير، إذ قدّر تقرير سابق للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان نسبة الاكتظاظ داخل السجون بـ150 بالمئة، وقد تصل في بعض الأحيان إلى نسبة 200 بالمئة.

فمن الثابت أن اعتبار الشيك أداة وفاء مثل النقود دفع بعض الأفراد إلى إساءة استعماله بغية التوصل بواسطته إلى خلق موارد مالية وهمية من خلال الاستيلاء على أموال الغير بصفة ظرفية أو نهائية، وهو ما سيمنح لساحب الشيك فرصة لإنشاء ثروة من خلال الاثراء على حساب الغير باعتبار أن آجال التسوية قد تصل إلى مائة يوم من جهة ومن جهة أخرى فإن العديد من المحاكم تقضي ببطلان الإجراءات لمجرد الادلاء بما يفيد خلاص أصل الصك ومصاريف العدل المنفذ. وهو ما يعني عمليا أن ساحب الشيك تمتع بقرض دون فائض مكنه من المتاجرة بمال الغير لتحقيق أرباح ثم الاكتفاء بخلاص أصل الدين والاستئثار بالارباح لخاصة نفسه. وعلاوة عما سبق فإن قوانين العفو العام في جرائم الشيك والتي كان أخرها المرسوم عدد 10 لسنة 2022 والتي غالبا ما يكون العفو فيها مشروطا طبقا لمقتضيات الفصل 377 م ا ج بشرط خلاص الأصل والمصاريف، تشكل فرصة أخرى تمنح للساحب حتى يتجنب العقاب البدني والمالي بمجرد تأمين قيمة الشيك ومصاريف التنفيذ. ولعل الساحب يفوز بجائزة أكبر عندما يكون العفو العام غير مشروط كما حصل بموجب المرسوم عدد 30  لسنة 2011 المؤرخ في 26 أفريل 2011 الذي فض مشاكل فئة على حساب أخرى و"أوقع بمئات المواطنين في إشكاليات عويصة وحرمهم من استرجاع مستحقاتهم"...

وفي جميع الأحوال فإن المنطق السليم يقتضي عدم مواصلة العمل بما ثبت فشله. فجملة التنقيحات التي وردت على أحكام الشيك منذ سنة 1977 حتى اليوم (خمس تنقيحات 1977/1985/1988/1996/ 2007) وكل ما يتم تداوله من مشاريع قوانين هي من قبيل محاولات العلاج الفاشلة لظاهرة لازالت تستفحل أكثر فأكثر. وعليه صار من الواجب التفكير بحل جذري ينهي معضلة الشيك بدون رصيد. وعادة تأتي الحلول السليمة من حسن دراسة الأسباب. فالجواب عن سؤال لماذا استفحلت ظاهرة الشيك بدون رصيد؟ هو الذي سيمكننا من إيجاد الحل المناسب. فخلافا لبقية الأوراق التجارية لا يبنى التعامل بالشيكات على عنصر الثقة المتبادلة بين الساحب والمستفيد بل إنه مبني على تعويل المستفيد على الحماية الجزائية لهذا فهو يقبل الخلاص بالشيكات بل إنه يتسلمها كضمان لذلك، ولما لا وهو لا ينظر إلى ملاءة الساحب بل ينظر إلى خوفه من التتبع الجزائي وتبعاته المتمثلة خاصة في السجن الذي قد يكون مرفوقا بالنفاذ العاجل علاوة على تحجير استخدام صيغ الشيكات وعدم الانتفاع بالقروض. ولهذا فإن ترشيد استعمال الشيكات يستوجب إلغاء العقوبات الجزائية والاستئناس بالتجارب المقارنة التي عملت على الحدّ من تداول الشيكات بصورتها الكلاسيكية ودعمت تداول أنواعا أخرى منها مثل الشيكات داخل المؤسسة الواحدة، شيك البنك، الشيكات المشهود برصيدها وغيرها، وحصرت مجال التعامل بها بين المؤسسات الاقتصادية والتجار فقط. كما سعت هذه التجارب إلى تطوير وتحديث وسائل الدفع والخلاص الاخرى مثل البطاقات البنكية والتحويلات وغيرها... وخلاصة القول أن زمان الحلول الترقيعية غير المثمرة انتهى ويجب المرور نحو التفكير برؤية جديدة متكاملة لحل معضلة صارت عبئا على الاقتصاد الوطني.