2018/02/05

البطلان في البحث الابتدائي

البطلان في البحث الابتدائي
قراءة في فقه قضاء محكمة التعقيب

الأستاذ محمود داوود يعقوب

أستاذ جامعي ومحام لدى التعقيب

عضو مخبر العلوم الجزائية والاجرام

بكلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة تونس المنار

عضو لجنة تدقيق مراجعة مجلة الاجراءات الجزائية


البطلان في مادة الإجراءات الجزائية هو جزاء الإخلال بالقواعد الإجرائية و أهمية هذا الجزاء يتمثل في ضمان حقوق المتقاضين والمشبوه فيهم حتى يضمن لهم الحق في محاكمة عادلة تسري منذ اللحظة الأولى للبحث و صولا إلى طور المحاكمة.
ولا يمكن أن تتحقق محاكمة عادلة بدون إجراءات جزائية صحيحة و شرعية، باعتبار أن الإجراءات الجزائية تهدف إلى حماية مصلحة الفرد و المجتمع و العمل على حسن سير العدالة فإن هذه الحماية لا تتحقق إلا بوضع جزاء على مخالفة تلك القواعد، لهذا رتّب المشرع جزاء البطلان عن كل عمل يكون فيه خرقا للقواعد الإجرائية التي فرضها القانون حتى لا تبقى تلك القواعد مجرد ضمانات نظرية، وأقرت معظم التشاريع الحديثة البطلان كوسيلة ضرورية لتحقيق سلامة العدالة و هيبتها في جميع مراحل الدعوى الجزائية اذ يتسلط البطلان على الإجراء المخالف للقانون و يمنعه من ترتيب آثاره.
وفي هذا الاطار يندرج القرار التعقيبي عدد 13960/2014 مؤرخ في 25/06/2014  الذي سبق لي التعليق عليه على صفحات هذه المجلة وقد جاء فيه ما يلي: " حيث اقتضى الفصل 269 من م ا ج ان محكمة التعقيب تنظر في حدود المطاعن المثارة إلا إذا كان موضوع الحكم غير قابل للتجزئة ويجب عليها أن تثير من تلقاء نفسها، عند الاقتضاء، المطاعن المتعلقة بالنظام العام. وحيث اقتضى الفصل 53 انه " لا تجوز الكتابة بين الأسطر وأما المشطبات والمخرجات فيصادق عليها ويمضيها حاكم التحقيق وكاتبه والمستنطق... والمشطبات والمخرجات التي لم تقع المصادقة عليها تعد لاغية...". وحيث أن فقه قضاء محكمة التعقيب اعتبر ان احكام الفصل 53 المذكور أعلاه تنطبق على التحقيق بدرجتيه وإن الإخلال بذلك يعتبر إخلالا لقاعدة اجرائية أساسية تهم مصلحة المتهم الشرعية على معنى الفصل 199 من م ا ج. وحيث تبين بمراجعة قرار دائرة الاتهام المطعون فيه أنه تضمن تشطيبات ومخرجات في عدة مواضع وقد شمل التشطيب ترقيم المتهمين وتاريخ القرار وعديد الفقرات الأخرى بالصفحات 1 و2 و6 و7 و19 كما تضمن نسخا حرفيا لقرار ختم البحث وادراج نسخة ضوئية لجل صفحاته دون ان تقوم الدائرة بصياغة قرارها بأسلوب متجانس ومتناغم شكلا ومضمونا حتى يتحقق دورها الرقابي وتعين تأسيسا على ذلك اعتبار قرارها باطلا بطلانا مطلقا لمخالفته قواعد الاجراءات الاساسية التي لها علاقة بمصلحة المتهم الشرعية الشيء الذي يتعين معه نقضه بصرف النظر عن وجاهة بقية المطاعن المثارة من عدمه.  وحيث ان النقض يرجع القضية إلى الحالة التي كانت عليها قبل صدوره عملا بأحكام الفصل 273 من م ا ج بما في ذلك بطاقة الايداع".
كما جاء في قرارا آخر أن " إجراءات التتبع تهم النظام العام لمساسها بمصلحة المتهم الشرعية"[1]
لقد نظم المشرع التونسي البطلان في فصل وحيد ذي صياغة مُقتضبة و هو الفصل 199 م.إ.ج الذي جاء فيه أنه: " تبطل كل الأعمال و الأحكام المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو القواعد الإجرائية الأساسية أو لمصلحة المتهم الشرعية "
وقد كان فقه قضاء بعض دوائر محكمة التعقيب يميل إلى حصر نطاق تطبيق الفصل 199 م ا ج على الاحكام دون سواها بالنظر الى أن الفصل المذكور ورد في الكتاب الثاني "في محاكم القضاء" ضمن القسم العاشر من  الباب الثاني المعنون بـ "في أحكام مشتركة" وهو ما جعل البعض يتمسك بكونه لا ينطبق على أعمال كل من الضابطة العدلية والنيابة العامة وقضاء التحقيق،
وكذلك رفضت محكمة التعقيب بالقرار الصادر في 03/02/19931 المطعن الهادف لبطلان الإجراءات نظرا لخرق الآجال القانونية الإحتفاظ  بقوله أنه: " لا يوجد بأوراق القضية ما يدل على أن مدى إيقاف المهمين على مستوى الاحتفاظ قد تجاوزت آجالها القانونية".
كما جاء في قرار آخر أن عملية التفتيش بالمحلات على فرض إجرائها بدون ترخيص أصحاب تلك المحلات فإنها لا ينتج عنها بطلان ما أجري من أبحاث أو بطلان التفتيش و إلغاء ما وقع جمعه أثناء التفتيش من أدلة و قوانين . فالمسروق الذي وقع العثور عليه و تمّ حجزه أثناء التفتيش لا يمكن تصوّر إرجاعه لمن سرقه بدعوى بطلان عملية التفتيش لعدم توفر الشروط القانونية2.
و نجد محكمة التعقيب في بعض القرارات الأخرى كذلك ترفض تطبيق الأحكام الفصل 199 م.إ.ج على أعمال الضابطة العدلية فقد جاء في قرارها المؤرخ في 03/03/19973 :" أن محكمة الموضوع لما قضت ببطلان إجراءات التتبع لمخالفة المحضر لمقتضيات الفصل 199 م.إ.ج تكون قد أخطأت في تطبيق القانون ضرورة أن هذا الفصل المذكور يتعلق ببطلان الأحكام و الأعمال أمام المحاكم و لا بمحاضر مأموري الضابطة العدلية ".
نفس هذا الموقف سارت عليه محكمة التعقيب الفرنسية التي رفضت في مرحلة أولى الخوض أصلا في مسألة بطلان  أعمال البحث الأولى بصفة عامة و الإحتفاظ بصفة خاصة بحجّة أن الإخلالات بإجراء الاحتفاظ تشكل مزيجا  بين الواقع و القانون مما يجول دون النظر فيها من طرف محكمة التعقيب1. و ظاهر موقفها بأكثر وضوح في قراري 17 ماي و 27 ديسمبر19602  إذ اعتبرت أن إخلال المدعى به إذا كان يرتب على صعيد القانون الجزائي المسؤولية الشخصية للمأمور  فإنه لا يرتب بذاته بطلان  الأعمال الإجرائية . وذلك ما لم يقع إثبات تغيب على الحقيقة و كشفها بصفة جوهرية3.
لكن هذا التوجه في غير طريقه مطلقا لأنه يخلط بين موقع الفصل ومحتوى الفصل.
فالفصل ورد ضمن الاحكام الموجهة لمحاكم القضاء لبيان صلاحية هذه الاخيرة في القضاء بالبطلان، بطلان ماذا؟ يجيب النص صراحة "كل الاعمال والاحكام"، وهذا هو محتوى النص الذي جاء في صيغة عامة تشمل كل مراحل التتبع والحكم.
فتكون القراءة السليمة للنص أنه يمكن للمحاكم ان تبطل "كل الاعمال والاحكام"، وليس أنه لا يمكن ابطال سوى اعمال محاكم القضاء، وهو ما تميل اليه محكمة التعقيب في أغلب قرارتها ومنها القرار محل التعليق الذي تعلق بإبطال قرار دائرة الاتهام، رغم أن هذه الاخيرة لم تنظم ضمن الكتاب الثاني المخصص لمحاكم القضاء. وهو ما تميل اليه محكمة التعقيب في قرارتها الصادرة بعد سنة 2011.
ويمكن القول أن المشرع ولئن كرس نظرية البطلان الجوهري إلا أننا نجده في ثلاث حالات ينص مباشرة على البطلان وهي صور الفصل 13 مكرر (جديد 2016) و155 (جديد 2011) والفصل 119 م.إ.ج.  وانطلاقا من هذه الأحكام فإن البطلان المتعلق بالبحث الأولي تنقسم إلى أحكام خاصة بمحضر الاحتفاظ (الفصل 13 مكرر م ا ج)، والأحكام العامة لبطلان أعمال باحث البداية (الفصلين 155 و199 م ا ج).

أولا- الأحكام الخاصة ببطلان محضر الاحتفاظ:

جاء في الفقرة العاشرة من الفصل 13 مكرر مايلي: "وتبطل كلّ الأعمال المخالفة للإجراءات المشار إليها بهذا الفصل"..ورغم ان هذه الفقرة أضيفت بموجب القانون عدد 5 لسنة 2016 المنقح لمجلة الاجراءات الجزائية الا ان فقه القضاء كان يعتبر مخالفة مقتضيات هذا الفصل موجب للبطلان، وهو ما يستوجب بيان حالات البطلان ومتى يجب التمسك به.

1-   حالات البطلان:

حسب الفصل 13 مكرر جديد فهي:

1)   غياب الاذن المسبق ذو الأثر الكتابي:

في الحالات التي تقتضيها ضرورة البحث، وفي ماعدا ما وقع استثناؤه بنص خاص، لا يجوز لمأموري الضابطة العدلية المبينين بالعددين 3 و4 من الفصل 10 ولو في حالة التلبس بالجناية أو بالجنحة ولا لمأموري الضابطة العدلية من أعوان الديوانة في نطاق ما تخوله لهم مجلة الديوانة الاحتفاظ بذي الشبهة، إلا بعد أن يأذن لهم وكيل الجمهورية بذلك، ولمدة لا تتجاوز ثمانية وأربعين ساعة، ويتمّ الإذن بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا. أما في المخالفات المتلبس بها فلا يجوز الاحتفاظ بذي الشبهة إلا المدّة اللازمة لأخذ أقواله على ألا تتجاوز مدة الاحتفاظ أربعة وعشرين ساعة، وبعد أن يأذن لهم وكيل الجمهورية بذلك بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا.

2)   تجاوز مدة الاحتفاظ:

على مأمور الضابطة العدلية بعد انقضاء المدة المذكورة عرض المحتفظ به مصحوبا بملف البحث على وكيل الجمهورية الذي يتوجب عليه سماعه حينا.  ويمكن لوكيل الجمهورية التمديد كتابيا في أجل الاحتفاظ مرة واحدة فقط لمدة أربعة وعشرين ساعة في مادة الجنح وثمانية و أربعين ساعة في مادة الجنايات، ويكون ذلك بمقتضى قرار معلل يتضمن الأسانيد القانونية والواقعية التي تبرره.
وفي هذا الصدد  جاء في القرار التعقيبي الجزائي عدد 4001 المؤرخ في 13 أكتوبر 2004  ( ن م ت لسنة 2004 ص 141) ما يلي:"ان الاحتفاظ بالمتهم من يوم 24_02_2004 على الساعة الثامنة صباحا و تقديم المحضر الى النيابة العمومية يوم 25_02_2004 ليكون بذلك المظنون فيه قد قضى يومين بحالة ايقاف - رغم التنصيص على انه بحالة احتفاظ و لم يقع تدوين ساعة الايقاف و لا اليوم فيه خرق للفصل 13 م ا ج مكرر الذي اوجب ان يتضمن المحضر "تاريخ بداية الاحتفاظ و نهايته يوما وساعة ومع ذلك لم تشر المحكمة الى ذلك الخلل رغم تعلقه بالنظام العام فضلا عن التمسك به من طرف محاميه مما يجعل الحكم ضعيف التعليل هاضما لحقوق الدفاع خارقا للقانون و متعين النقض" .

3)   الاخلال بواجب اعلام ذي الشبهة بمضمون الاجراء وبحقوقه

على مأموري الضابطة العدلية عند الاحتفاظ بذي الشبهة أن يعلموه بلغة يفهمها بالإجراء المتخذ ضده وسببه ومدته وقابليته طبق مدة التمديد في الاحتفاظ المبيّنة بالفقرة الرابعة وتلاوة ما يضمنه له القانون من طلب عرضه على الفحص الطبي وحقه في اختيار محام للحضور معه

4)   الاخلال أو التأخر في واجب اعلام ذوي المشتبه به

يجب على مأمور الضابطة العدلية أن يعلم فورا أحد أصول أو فروع أو إخوة أو قرين ذي الشبهة أو من يعينه حسب اختياره أو عند الاقتضاء السلط الديبلوماسية أو القنصلية إذا كان ذي الشبهة أجنبيا بالإجراء المتخذ ضده وبطلبه تكليف محام بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا.

5)   رفض أو تأخير العرض على الفحص الطبي أو الامتناع عن تسخير طبيب حالا.

يمكن للمحتفظ به أو لمحاميه أو لأحد الأشخاص المذكورين بالفقرة السابقة أن يطلب من وكيل الجمهورية أو من مأموري الضابطة العدلية خلال مدة الاحتفاظ أو عند انقضائها إجراء فحص طبي على المحتفظ به. ويتعين في هذه الحالة تسخير طبيب للغرض لإجراء الفحص الطبي المطلوب حالا.

6)   عدم التنصيص على البيانات الوجوبية في محضر الاحتفاظ بذي الشبهة

يجب أن يتضمن المحضر الذي يحرره مأمور الضابطة العدلية التنصيصات التالية :
ـ هوية المحتفظ به وصفته ومهنته حسب بطاقة تعريفه أو وثيقة رسمية أخرى وفي صورة التعذر حسب تصريحه،
ـ موضوع الجريمة الواقع لأجلها الاحتفاظ،
ـ إعلام ذي الشبهة بالإجراء المتخذ ضده وسببه (أي بيان وجه ضرورة البحث الذي استوجب الاحتفاظ وليس موضوع الشبهة وليس بيان موضوع الجريمة فهذا يتبع البند السابق) ومدّته وقابليّته للتمديد ومدّة ذلك،
ـ إعلام ذي الشبهة بأن له أو لأفراد عائلته أو من يعينه الحق في اختيار محام للحضور معه، 
ـ تلاوة ما يضمنه القانون للمحتفظ به، (أي يجب قراءتها عليه، ولا يكفي الامضاء على وثيقة مكتوبة تتضمن تلك الحقوق)
ـ وقوع إعلام عائلة ذي الشبهة المحتفظ به أو من عينه من عدمه،
ـ طلب العرض على الفحص الطبي إن حصل من ذي الشبهة أو من محاميه أو من أحد المذكورين بالفقرة السابقة،
ـ طلب اختيار محام إن حصل من ذي الشبهة أو من أحد المذكورين في الفقرة السابقة،
ـ طلب إنابة محام إن لم يختر ذو الشبهة محاميا في حالة الجناية،
ـ تاريخ بداية الاحتفاظ ونهايته يوما وساعة،
ـ تاريخ بداية السماع ونهايته يوما وساعة،
ـ إمضاء مأمور الضابطة العدلية والمحتفظ به وإن امتنع هذا الأخير أو كان غير قادر عليه ينص على ذلك وعلى السبب، (بصمة الإصبع لا تقوم مقام الإمضاء إلا إذا وقع التنصيص على سبب الامتناع عن الإمضاء).
ـ إمضاء محامي المحتفظ به في صورة حضوره.
لكن الفصل 13 مكرر ينص من جهة أخرى على وجوب الإمساك بسجل احتفاظ يتضمن هوية المحتفظ به وبقية البيانات سالفة الذكر المتعلقة بمحضر الاحتفاظ، ويتولى وكيل الجمهورية أو أحد مساعديه إجراء الرقابة اللازمة بصفة منتظمة على السجل المذكور وعلى ظروف الاحتفاظ وحالة المحتفظ به.
فهل ان غياب سجل الاحتفاظ  موجب لبطلان محضر الاحتفاظ؟
مبدئيا هذه المسألة تتعلق بواجب مهني يترتب عن خرقه مساءلة تأديبية، ولكن لا يوجب البطلان، إلا إذا ترتب عنها المساس بمصلحة المتهم الشرعية. ولكن قد يكون سجل الاحتفاظ سندا لطلب ابطال محضر الاحتفاظ حال ثبوت تضارب بينهما.

2-   التمسك ببطلان محضر الاحتفاظ ومداه:

مبدئيا يمكن التمسك بالبطلان أمام الضابطة العدلية من خلال التنصيص عليه في الملاحظات، وهو ما يستنتج من بقية الفصول المنظمة لعملية الاحتفاظ:
الفصل 13 خامسا فقرة ثانية: "يحضر المحامي عملية سماع المحتفظ به ومكافحته بغيره وله تدوين ملاحظاته في محضر السماع وفي كل النظائر والنسخ".
والفصل 13 سادسا فقرة ثانية وثالثة:"ولمحامي المحتفظ به بعد مقابلة منوّبه أو بعد الانتهاء من سماعه أو مكافحته بغيره عند الاقتضاء تدوين ملاحظاته الكتابية التي يمكن أن يضمن بها ما نشأ عن السماع والمكافحة من الوقائع وتضاف إلى إجراءات البحث".
كما له أن يقدم ملاحظاته الكتابية صحبة ما لديه من مؤيدات عند الاقتضاء مباشرة إلى الباحث الابتدائي خلال أجل الاحتفاظ".
والفصل 13 سابعا فقرة ثانية: "ويمكّن المحامي في هذه الصورة من الاطلاع على إجراءات البحث ومن تدوين ملحوظاته ومن تقديم طلباته الكتابية صحبة ما لديه من مؤيدات عند الاقتضاء".
لكن في هذه الحالات من الممكن أن يقع اللجوء إلى تصحيح الإجراءات وتدارك البطلان، وهذا أمر مخالف للقانون ويرتقي إلى مرتبة التدليس ولكنه للآسف معمول به، وبالتالي من الأفضل عدم التمسك به لدى مأمور الضابطة العدلية إلا إذا كان من المؤكد أنه يستحيل تداركه، على اعتبار وان أحكام الفصل 154 تعطي للمحاضر حجية لا يمكن ضحدها إلا عبر رميها بالزور بينما ليست لملاحظات المحامي نفس القيمة القانونية، وأي تعارض بينهما سيحسم لفائدة المحضر ‘إلى حين ثبوت الزور.
لهذا يفضل أن تثار أسباب البطلان إما أمام وكيل الجمهورية (وهنا لابد من تقديمها عبر مكتب الضبط لعدم وجود نص خاص يسمح بالاتصال به مباشرة) أو إلى قاضي التحقيق في صورة وجود إنابة عدلية من خلال تقديم تقرير كتابي، طبق مقتضيات الفصل 57 فقرة 6 :"وللمحامي أن يقدم ملاحظاته الكتابية صحبة ما له من مؤيدات عند الاقتضاء مباشرة إلى قاضي التحقيق خلال أجل الاحتفاظ أو بعد انقضائه".
وفي كل الأحوال يمكن أثارة الأمر أمام المحكمة المتعهدة بالملف لاحقا، في الطور الابتدائي.
ولكن يتوجب على من يتمسك ببطلان محضر الاحتفاظ بغاية إبطال التتبعات برمتها أن يبين وجه الترابط بين ذلك المحضر وما تبعه من أعمال بحث وهو ما بينته محكمة التعقيب في  القرار التعقيبي الجزائي عدد 12578الصادر بتاريخ 20/12/2015(غير منشور) إذ أكدت على ما يلي:" حيث طلب الطاعن نقض القرار المطعون فيه ضرورة أنه خرق أحكام الفصل 199 م ا ج وذلك أن محضر الاحتفاظ الخاص بمنوبته كان بتاريخ 20/1/2013 إلا أنه خال من تاريخ نهايته "يوما" وحيث عللت محكمة القرار المطعون فيه وجهة نظرها من الناحية الواقعية والقانونية وكان تعليلها سليما باعتبار أن محضر الاحتفاظ ليس عملا استقرائيا والتصريح ببطلانه لا يؤثر على بقية الابحاث وبذلك يكون القرار المطعون فيه قد اعتمد على مستندات صحيحة لا لبس فيها وتم احترام القانون دون خرق له يوجب نقضه". ومن الواضح أن هذا القرار سابق عن تنقيح فيفري 2016 وهو ما يبرر اعتماد الفصل 199 م ا ج دون الفصل 13 مكرر (جديد)، كما أنه من الواضح ان محكمة التعقيب طبقت الفقرة الأخيرة من الفصل 199 المتعلقة بتحديد مدى البطلان دون ذكرها مباشرة.
وفي ذات الاتجاه أعتبر  القرار التعقيبي الجزائي عدد 14844الصادر بتاريخ 29/12/2015(غير منشور) أنه: " حيث وخلافا لما ذهب إليه القرار المنتقد فإن الإخلال الجزائي المتمثل في عدم التنصيص على سبب امتناع المحتفظ به من الإمضاء والاكتفاء بوضع بصمته على محضر الاحتفاظ هو إخلال يطال هذا الإجراء دون غيره من بقية إجراءات الملف. ذلك أن الفصل 13 مكرر من م ا ج ولئن وردت عباراته بصفة الوجوب فإن عدم احترام موجباته لا يترتب عليه سوى بطلان محضر الاحتفاظ . وحيث أن القاعدة الإجرائية التي استوجبت عدم سحب هذا البطلان على بقية إجراءات الملف كرسها المشرع بالفقرة الأخيرة من الفصل 199 من م ا ج الذي نص على أن "الحكم الصادر بالبطلان يحدد نطاق مرماه".
وحيث أن تعيين نطاق مرمى البطلان يقتضي ضرورة تحديد الاجراء الباطل واستبعاده من أوراق الملف وعدم العمل به دون المساس ببقية الإجراءات السليمة. وحيث أن المنحى الذي أتخذه القرار المطعون فيه أشتمل على مخالفة صارخة للفصل 199 المذكور وهو ما يتعين نقضه".
ومن الملاحظ هنا أن محكمة التعقيب ناقشت السلطة التقديرية لقضاة الأصل في تحديد "مرمى البطلان" بحجة أنه كان من واجب المحكمة بيان ذلك المرمى، والحقيقة أن محكمة الأصل تراءى لها في نطاق سلطتها التقديرية أن مدى البطلان يطال الاجراء الباطل وما لحقه من اجراءات، لهذا يتجه التأكيد على أن الدفاع مطالب ببيان مدى البطلان من خلال إظهار العلاقة السببية بين الاجراء الباطل بحد ذاته وما لحق به من إجراءات بنيت عليه، وأن بقية الاجراءات ما كانت لتكون على ما انتهت إليه لولا بطلان الاجراء السابق لها. مع الاشارة إلى أن محكمة التعقيب في  القرار التعقيبي الجزائي عدد 24997 الصادر بتاريخ 12/05/2016(غير منشور) أقرت مبدأ عاما مفاده:" حيث ان التطبيق السليم للفصل 199 م ا ج يقتضي الحكم بابطال الاجراءات مع تعيين نطاق مرماه وفق ما تضمنه الفصل 199 م ا ج حتى يمكن تدارك الاجراء الباطل بما يضمن حسن تطبيق القانون وعدم الافلات من العقاب".
وفي  القرار التعقيبي الجزائي عدد 16769الصادر بتاريخ 27/04/2016(غير منشور) ذهبت محكمة التعقيب نحو ما يلي:" حيث أسست محكمة القرار المطعون فيه قضاءها على أحكام الفصل 13 مكرر باعتبار أن محضر البحث خلا من أسم الكاتب وامضائه مما يجعله باطلا لاخلاله كذلك بمصلحة المتهم الشرعية. وحيث نص الفصل المذكور على أن المحضر الذي يحرره مأموروا الضابطة العدلية يجب أن يتضمن التنصيصات التالية : "7- امضاء مأمور الضابطة العدلية والمحتفظ به وان امتنع هذا الاخير ينص على ذلك وعلى السبب" وحيث نص الفصل 10 م ا ج على وجه الحصر على مأموري الضابطة العدلية ولم يذكر من ضمنهم الكاتب وبالتالي فإن المشرع حينما أوجب على ان يتضمن محضر البحث لامضاء مأمور الضابطة العدلية فإنه يقصد حصرا في صورة الحال رئيس المركز. وحيث بالرجوع إلى محضري البحث عدد 170 و236 نجدها قد تضمنت جميع التنصيصات الوجوبية الواردة بالفصل 13 مكرر م ا ج وخاصة امضاء رئيس المركز على جميع أوراق المحضر مما يجعل ما علل به القرار المنتقد قضاءه مخالفا للقانون وموجبا للنقض". القرار التعقيبي الجزائي عدد 16769الصادر بتاريخ 27/04/2016(غير منشور) ما يلي:" حيث أسست محكمة القرار المطعون فيه قضاءها على أحكام الفصل 13 مكرر باعتبار أن محضر البحث خلا من أسم الكاتب وإمضائه مما يجعله باطلا لإخلاله كذلك بمصلحة المتهم الشرعية. وحيث نص الفصل المذكور على أن المحضر الذي يحرره مأموروا الضابطة العدلية يجب أن يتضمن التنصيصات التالية : "7- إمضاء مأمور الضابطة العدلية والمحتفظ به وان امتنع هذا الاخير ينص على ذلك وعلى السبب" وحيث نص الفصل 10 م ا ج على وجه الحصر على مأموري الضابطة العدلية ولم يذكر من ضمنهم الكاتب وبالتالي فإن المشرع حينما أوجب على ان يتضمن محضر البحث لإمضاء مأمور الضابطة العدلية فإنه يقصد حصرا في صورة الحال رئيس المركز. وحيث بالرجوع إلى محضري البحث عدد 170 و236 نجدها قد تضمنت جميع التنصيصات الوجوبية الواردة بالفصل 13 مكرر م ا ج وخاصة إمضاء رئيس المركز على جميع أوراق المحضر مما يجعل ما علل به القرار المنتقد قضاءه مخالفا للقانون وموجبا للنقض". ويمكن القول هنا أن محكمة التعقيب ولئن اعتبرت ان العبرة بإمضاء رئيس المركز نفسه بصفته مأمور الضابطة العدلية، فإنه لم تبين لنا ما دور الكاتب وما قيمة وجوده والحال أنه هو من حرر المحضر وليس رئيس المركز وبالتالي فإن المحضر أمضي من غير محرر ولم يمض محرره عليه، والفصل 13 مكرر ينص على "ويجب أن يتضمن المحضر الذي يحرره مأمور الضابطة العدلية التنصيصات التالية :"، وهو ما يستنتج منه أن المحرر يجب ان تكون له صفة مأمور ضابطة عدلية وهو بنفسه من يمضي على المحضر بعد تحريره له، وبالتالي كان من المتجه أن يقع التركيز على هذه النقطة.
أما في  القرار التعقيبي الجزائي عدد 19342الصادر بتاريخ 18/04/2016(غير منشور) فقد ذهبت محكمة التعقيب إلى التأكيد على أهمية ووجوبية البيانات المتعلقة بمحضر الاحتفاظ ورتبت على غيابها بطلانه وبطلان ما تأسس عليه من أعمال لاحقة من خلال تأكيدها على ما يلي:" حيث نص الفصل 13 مكرر من م ا ج فقرة 6 منه أنه يجب أن يتضمن المحضر الذي حرره مأمور الضابطة العدلية التنصيصات التالية: "- التنصيص على تاريخ بداية الاحتفاظ ونهايته يوما وساعة" وطالما لم يقع التنصيص بمحضري الاحتفاظ على تاريخ بداية الاحتفاظ ونهايته بما يترتب عن ذلك خرق الاجراءات الأساسية. وقد نص الفصل 199 من م ا ج أنه تبطل كل الاعمال والاحكام المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو للقواعد الاجرائية الأساسية أو لمصلحة المتهم الشرعية. وحيث ان الاجراءات جعلت لتحترم والاخلال بها من شأنه إبطال كل الاعمال لمساسها بقواعد اجرائية آمرة من جهة ولمساسها بحقوق المتهمين الشرعية المكفولة قانونا من جهة أخرى وهذا الاجراء غير قابل للتصحيح من طرف المحكمة لتعلقه بالضابطة العدلية. وحيث اتضح من الحكم المستأنف أنه لم يكن صادرا في الأصل بما يجعل أحكام الفصل 218 م ا ج غير مطبق على قضية الحال. وحيث اتضح من القرار المنتقد أنه تبنى الاقرار المسجل على المتهمين أثناء البحث دون الوقوف على انكارهما المسجل عليهما بجلسة 11 فيفري 2013 وقد ذكرت المتهمة أن باحثها هو من حرره ... وطالما لم تناقش المحكمة تلكم المعطيات باطناب وشمول تكون قد حادت عن الصواب وجاء قرارها ضعيف التعليل وقاصر التسبيب وخارقا للقانون الأمر الذي يتعين معه نقضه".
والملفت في هذا القرار أن محكمة التعقيب اعتبرت ان أعمال باحث البداية لا تقبل التصحيح من قبل المحكمة التي لا يمكنها ذلك عملا بالفصل 218 م ا ج ما لم تتصدى للأصل، كما أن محكمة التعقيب بينت نطاق البطلان المنجر عن بطلان محضر الاحتفاظ ليشمل محضر السماع وهو أمر منطقي إذ من غير المعقول أن نعتبر الاعترافات الصادرة عن متهم محتجز بصفة غير شرعية اقرارا يعتد به، فهو شخص تحت الإكراه على معنى الفصل 155 م ا ج وبالتالي كل ما يصدر عن المكره لا يعتد به طالما أنه تراجع عنه لاحقا أمام القضاء.
 وفي  القرار التعقيبي الجزائي عدد 20009 الصادر بتاريخ 26/04/2016(غير منشور) أقرت محكمة التعقيب ما يلي:" حيث نعى الطاعن على القرار المنتقد الخطأ في تطبيق القانون وضعف التعليل وقلة التسبيب. وحيث تبين بالرجوع إلى أسانيد القرار المطعون فيه أن محضر البحث الجزائي المحرر من طرف مأمور الضابطة العدلية خلا من التنصيص على تاريخ نهاية الاحتفاظ وفي ذلك مخالفة لاحكام الفصل 13 مكرر من مجلة الاجراءات الجزائية. وحيث وعملا بالفصل 155 من م ا ج وطالما أن محضر الاحتفاظ خلا من التنصيص على تاريخ نهاية الاحتفاظ فإن محرر محضر البحث الجزائي المحرر من طرف أعوان مركز الأمن بخزندار لا يعتمد كحجة لأنه غير محرر من الناحية الشكلية طبق القانون وهو ما انتهت اليه على صواب محكمة الحكم المطعون فيه وأتجه رفض المطعن".
ومن الواضح هنا أن محكمة التعقيب وأمام غياب نص خاص ببطلان محضر الاحتفاظ وجدت نفسها مضطرة لاعتماد احكام الفصل 155 م ا ج، وفي الحالات الأخرى كانت تتجاهل أحيانا هذا النص وترفض الطعن بالبطلان اعتمادا على عدم توفر معايير الفصل 199 م ا ج، أي أنها في غياب نص خاص عادت للاحكام العامة.

ثانيا- الأحكام العامة لبطلان اعمال باحث البداية

وهذه الأحكام العامة تنقسم إلى أحكام تتعلق بشكليات المحاضر، و أحكام تهم أعمال باحث البداية.

1-   عدم اعتماد محاضر البحث لخلل شكلي كوجه من أوجه البطلان:

ينص الفصل 155 من مجلة الإجراءات الجزائية على مايلي: "المحضر لا يعتمد كحجة إلا إذا كان من الوجهة الشكلية محررا طبق القانون وضمن به محرره ما سمعه أو شاهده شخصيا أثناء مباشرته لوظيفه في مادة من اختصاصه.
وتعد أقوال المتهم أو اعترافاته أو تصريحات الشهود باطلة إذا ثبت أنها صدرت نتيجة للتعذيب أو الإكراه. (فقرة ثانية مضافة بموجب مرسوم عدد 106 لسنة 2011 بتاريخ 22 أكتوبر 2011 يتعلق بتنقيح وإتمام المجلة الجزائية ومجلة الإجراءات الجزائية)."
وهذا الفصل يتضمن سببين مستقلين لعدم اعتماد المحضر من الناحية الشكلية وهما:
-         عدم احترام شكليات تحرير المحضر: وهنا لا بد من التثبت من كون المحضر تام الموجبات ولا توجد فيه تشطيبات أو إضافات ومحرر من جهة مختصة مع مراعاة الأحكام الخاصة إن وجدت مثلما هو الحال بالنسبة لمحاضر الديوانة.
وفي نطاق تطبيق محكمة التعقيب لهذا الفصل جاء في  القرار التعقيبي الجزائي عدد 2225 الصادر بتاريخ 16/8/2016 (غير منشور) ما يلي:"ان المتهم استنطق من قبل الباحث المناب دون أن يعلمه بإمكانية الاستعانة بمحام يختاره مما يشكل خللا شكليا جوهريا موجبا لبطلان  الابحاث  وما بني عليها طبق الفصل 199 م ا ج.
وحيث بالرجوع إلىأوراق الفضية فقد أحجم الباحث المناب إبان إنجاز إنابته القضائية الضادرة عن قاضي التحقيق عن إعلام المتهم على أن له الحق في اختيار محام يحضر معه إبان سماعه وهو ما يخالف صراحة منطوق الفصل 57 م ا ج ويشكل مساسا بحقوق الدفلع الشرعية للمتهم ويصير ذلك الاستنطاق باطلا وفق مقتضيات الفصل 199 م اج وهو ما انتهت إليه على صواب محكمة القرار المنتقد بخصوص هذه الابحاث. وحيث أنه رغما عن بطلان محضر الابحاث المنجز بواسط الباحث المناب إلا أن ذلك لا يترتب عنه إنعدام الجريمة وإنما يترتب عليه فقط عدم اعتماد ذلك المحضر كحجة في حين تبقى باقي الأعمال الأخرى المثبتة لحصول الجريمة وأرتكابها من طرف المتهم والمتمثلة في البحث الابتدائي والابحاث المجراة لدى قلم التحقيق والتي كانت سليمة لا خلل ولا عيب فيها ذلك أنه تم ضبط المتهم (المعقب ضده) مع جملة المتهمين في الأصل من قبل أعوان الاستمرار التابعين لمركز الأمن الوطني في وضع مستراب في المكان والزمان فضلا عن ثبوت استهلاك المتهم لمخدر القنب الهندي وهو ما تأكد فعلا من نتيجة التحليل المجرى عليه والتي كانت ايجابية بنسبة عالية تؤكد استهلاكه للمخدر حديثا إنتهاء إلى إعترافه بالاستهلاك. وحيث علاوة على استبعاد محكمة القرار المنتقد لكل الاعمال المثبتة لحصول الجريمة والقول الفصل يها بالابطال فقد أسست قضاءها على ذلك للحكم بعدم سماع الدعوى وهو أنها بتت في الأصل وبرأت ساحة المتهم رغم أن الخلل المستند إليه هو خلل شكلي لا موضوعي يخص الابحاث المجراةبواسطة الباحث المناب فقد ذون بقية الاعمال الآخرى. وحيث ان محكمة القرار المطعون فيه بقضائها على النحو السالف بيانه دون الأخذ بما ذكر تكون قد أورثت حكمها ضعفا ي التعليل بالاضافة إلى خرق القانون بما يتجه معه نقض حكمها".
فعلى الرغم من أن محكمة التعقيب لم تشر صراحة إلى الفصل 155 م ا ج واكتفت بما ذكره الطاعن من تمسك بأحكام الفصل 199 م ا ج لا أنها عمليا تحدثت عن جزاء عدم الاعتماد ومداه.
-         ثبوت التعذيب أو الإكراه: فلا يعتد بأقوال المتهم أو اعترافاته أو تصريحات الشهود لدى باحث البداية التي ثبت وأنها قد صدرت تحت التعذيب أو الإكراه ولا يعتمد بالتالي المحضر كحجة.
والسؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو من الذي يصرح بإبطال هذه المحاضر ؟ غالبا ما يقع إثارة هذا الإشكال إما أمام السيد قاضي التحقيق المتعهد بالقضية الأصلية أو أمام الهيئة الحكمية (ناحية ، مجلس جناحي ، دائرة جنائية) ومن المفترض قانونا أن يقع تحرير تقرير في الغرض ّ يتم رفعه إلى النيابة العمومية إلا أن هذا نادرا ما يحدث، ومع هذا فلا بد من إثارة البطلان وتقديم تقرير كتابي في الغرض، مع ضرورة القيام برفع شكاية إلى النيابة العمومية التي تتعهد بالموضوع كي تقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة.
والسؤال الثاني هنا هو هل يجب إثبات التعذيب أو الإكراه فقط ؟ أم لا بد من صدور حكم بات بالإدانة؟ حسب دليل إجراءات مناهضة التعذيب الصادر عن وزارة العدل فإنه لا بد من ثبوت الادعاء وصدور حكم بات بإدانة مقترف التعذيب، حتى يتمكن المتضرر من طلب إبطال المحاضر التي ثبت انتزاع اعترافه فيها تحت مفعول التعذيب. ولكن هذا مخالف للنص الذي يشير الى ثبوت واقعة التعذيب أو الإكراه ولا يشترط معاقبة المعذب، وبالتالي يكفي ان يقع إثبات كون ما تضمنته المحاضر انتزع تحت التعذيب أو الإكراه حتى تكون باطلة وهو ما يجب التمسك به. مع الإشارة إلى أن الإكراه قد يكون دون تعذيب ولكن من الواجب إثباته. مع الإشارة إلى أنه بموجب أحكام الفصل 23 من الدستور، لا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم[2].

2-   البطلان الجوهري لأعمال باحث البداية:

لئن أخذ التشريع التونسي بالمبطلات الجوهرية وبعض المبطلات النصية السالف الإشارة إليها أعلاه إلاّ أنّه كان أقلّ تمسّكا بالشكل من التشريع الفرنسي، وترك المجال مفتوحا للقاضي قصد تقدير أيّ إجراء يكون باطلا بشرط أن يكون مخالفا لروح النصّ ولأحد الشروط الثلاثة الواردة بالفصل 199. فالقضاء يضطلع بدور هام في تحديد الأعمال والأحكام التي تنضوي تحت شرط من الشروط الواردة بالفصل 199 م ا ج، وهو ما يعطي انطباعا بأن المشرع لا يعطي للشكل القيمة التي يستحقها، فتنظيم البطلان في فصل وحيد ذي صياغة مُقتضبة أدى إلى بروز عدة صعوبات في التطبيق  وتضارب الاجتهاد القضائي في تأويل مفاهيم هذا النص، ذلك أن فقه القضاء يميل دوما إلى التضييق أكثر ما يمكن في ميدان تطبيق أحكام الفصل 199 م.إ.ج. وبالرجوع إلى م.إ.ج نجد أن المشرع التونسي لم يبين إجراءات خاصة بدعوى البطلان على معنى هذا الفصل، مكتفيا بالتنصيص في الفقرة الأخيرة منه على أن "الحكم الذي يصدر بالبطلان يعين نطاق مرماه".
ويمكن القول أنّ المشرّع يؤثر الأصل أو النتيجة على الشكل وهو ما خلق نوعا من قلة التوازن بين مصلحة المتهم وحقوق المجتمع بتغليب هذه الأخيرة بحجة تجنب الإفلات من العقاب لمجرد إخلال إجرائي يصعب أحيانا تداركه، وهو منطق خاطئ، لأن عدم احترام الشكليات يحول دون التثبت من صحة ما تضمنته المحاضر من معلومات، فالشكل ضمانة للحقوق وليس عبئا زائدا يمكن التخفيف منه. وبمراجعة فقه قضاء محكمة التعقيب يلاحظ أنها تساير هذا التوجه.
فقد إعتبرت محكمة التعقيب في  القرار التعقيبي الجزائي عدد 25235 الصادر بتاريخ 24/06/2016(غير منشور) ما يلي:" حيث لا جدال في أن عملية الحجز تخضع لاجراءات دقيقة حددها الفصل 97 م ا ج الذي أوجب تحرير تقرير في الحجز وقائمة في الاشياء المحجوزة بمحضر المظنون فيه وهو ما غاب عن اجراءات قضية الحال إذ وقعت الاشارة بمحضر البحث إلى تحرير محضر حجز بالصفحة رقم 4 إلا أن هذه الصفحة خصصت لمحضر الاحتفاظ ولا وجود سوى لمكاتبة موجهة إلى قابض المالية بالمكان وبالتالي فإن محكمة الحكم المنتقد لما اعتبرت أن اجراءات  التفتيش والحجز باطلة وفق احكام الفصل 199 م ا ج تكون أحسنت تطبيق القانون وعللت قضاءها كما يجب عملا بمقتضيات الفصل 168 م ا ج.". وفي  القرار التعقيبي الجزائي عدد 25652الصادر بتاريخ 20/06/2016(غير منشور) اعتبرت أن:" حيث يتبين بالاطلاع على محضر الابحاث المؤرخ في 3/12/2011 بأن هذا المحضر لم يتضمن إمضاء المظنونفيه ولم يقع التنصيص صلبه على امتناعه على الامضاء مما يجعل اجراءات الاستنطاق باطلة عملا بمقتضيات الفصلين 13 مكرر و199 م ا ج وحيث ان محكمة الحكم المنتقد لما لنتهجت هذا المنحى تكون قد أحسنت تطبيق القانون.".
بل إن محكمة التعقيب اعتبرت اثارة البطلان مسألة تهم النظام العام ويمكن لها ان تثيره من تلقاء نفسها فقد ذهبت في  القرار التعقيبي الجزائي عدد 26735 الصادر بتاريخ 20/05/2016(غير منشور) الى تقرير ما يلي:" حيث خلا الملف مما يفيد حصول باحث البداية على ترخيص مسبق (طبق الفصل 23 من القانون عدد 52/1992) يخول للاعوان الدخول الى منزل الطاعن وتفتيشه وتبين من مستندات الحكم المعقب أن المحكمة لم تجب عن الدفع المثار لديها والرامي إلى طلب ابطال جميع اجراءات التتبع عملا بالفصل 199 م ا ج. وحيث وإن اشترط الفصل 23 المذكور وجود ترخيصكتابي مسبق من وكيل الجمهورية لتفتيش ودخول محلات السكنى التي قد يوجد بها مواجد مخدرة إلا أنه نص أيضا على وجوب مراعاة الفصل 94 م ا ج المتعلقة بشروط التلبس وبالرجوع للفصل 94 المذكور يتضح أن تفتيش محلات السكنى هو من خصائص حاكم التحقيق دون سواه إلا في حالة التلبس وفق ما نص عليه الفصل 95 م ا ج. وحيث ان وضعية الحال لا تندرج في احدى صور التلبس المشار إليها بالفصل 33 م ا ج كما نص الفصل 11 م ا ج ان مأموري الضابطة العدلية هم مساعدون لوكيل الجمهورية ولهم في الجناات والجنح المتلبس بها ماله من السلط وعليهم أن يعلموه حالا بما قاموا به من الأعمال وليس لهم فيما عدا ذلك إجراء أي عمل من أعمال التحقيق ما لم يكونوا مأذونين بإجرائه بإذن كتابي. وحيث أن محالفة القرار المطعون فيه لقواعد الاجراءات الاساسية ومصلحة المتهم الشرعية تخول لمحكمة التعقيب اثارتها من تلقاء نفسها عملا بالفصل 269 م ا ج".
كما اعتبرت أنه:"في المادة الجناحية وسائل البطلان المبنيّة على خرق الموجبات التي رآها القانون لمصلحة الخصوم أثناء البحث والتي لا تمس بالنظام العام كعدم إمضاء الحاكم وكاتبه على أوراق البحث يجب عرضها على المحكمة الابتدائية، وان المتهم الذي لا يتمسك بالمبطلة أثناء المرافعة بالجلسة يعتبر كأنه رضي بها[3].
كذلك عدم تحليف الشهود مبطلة اختيارية يجب القيام بها لدى حكام الأصل ولا يمكن التمسك بها من أول وهلة لدى دائرة التمييز[4] كما أقرت محكمة التعقيب أن عدم أداء الشهود اليمين القانونية لا يمكن أن يقع النظر فيها من أول وهلة لدى محكمة النقض لأن المبطلة لا تتعلق بالنظام العام[5]. كما أن توجيه اليمين على المترجم قبل سماعه لا يهمّ النظام العام ولا يمكن إثارته لأول مرة لدى التعقيب[6]. كما أن المشرع خوّل للمتهم الحق في انتداب محام وقد جاء في الفصل 52 قديم م.م.ج المنقح بالأمر الصادر في 15 نوفمبر 1956 "عند بقاء التهمة ينبّه الحاكم ذا الشبهة بأن من حقه أن يختار محام" وهذا الإجراء شرع لمصلحة المتهم الشخصية وليس هو من الإجراءات الأساسية، وتفريعا على ذلك فإن لم يحترم قاضي التحقيق تلك الأحكام يسوغ للمتهم التمسك بهذا الطعن وإثارته أمام دائرة الاتهام، أما إذا لم يفعل ذلك فقد تنازل ضمنيا عنه ولا يجوز حينئذ للنيابة العمومية إثارته من أول وهلة أمام محكمة التعقيب إذ أن الفقرة المشار إليها من الفصل 52 م.إ.ج لم تنص على أن مخالفتها توجب بطلان الاستنطاق بطلانا مطلقا [7]. أما عدم استدعاء الخصوم لحضور عملية الاختبارات الطبيّة فلا يترتب عليها بطلان إلا إذا نشأ عن ذلك ضرر لأحد الخصوم[8]. كما أقرت أن عملية التفتيش التي أجريت بدون ترخيص من أصحاب المحلات لا ينتج عنها بطلان ما أجرى من أبحاث أو بطلان و الغاء ما وقع جمعه أثناء التفتيش من أدلة و قرائن اذا تم العثور على المسروق[9] وعدم وجوب عرض المحجوز أو إحضاره بالجلسة[10]. ومن جهة أخرى اعتبرت أن مجرد طلب أحد أعوان الأمن من المواطن الاستظهار بهويته ليس له صلة بالإجراءات الأساسية التي تتعلق بسير البحث لدى التحقيق أو سير المحاكم. وعدم ثبوت أن الأعوان كانوا يحملون الصفة التي تخول لهم ذلك لا علاقة له بالإجراءات الأساسية[11]. كما ذهبت محكمة التعقيب في نحو القول ان الإجراءات و الشروط الواردة بالفقرة الرابعة من الفصل 66 من مجلة الإجراءات الجزائية المتعلقة بالمترجم واجبة لدى قاضي التحقيق و ليس أمام الباحث الابتدائي إضافة و أن القانون لم يرتب اى اثر على عدم أدائه اليمين[12]. فيما اعتبرت ان إجراءات التبليغ تهم النظام العام لمساسها بمصلحة المتهم الشرعية[13]. كما اقرت مبدأ عاما مفاده أنه:" استقر الرأي فقها وقضاء على أن حق الدفاع يُعدّ من قبيل الإجراءات التي تظل مرتبطة بالمصلحة الخاصة التي لا يمكن ان تؤدي إلى شيء من البطلان إلا إذا ثبت الضرر، ويكره إثارته أول مرة أمام محكمة التعقيب، وذلك تفصيل لم يُورده الفصل 199 من مجلة الإجراءات الجزائية"[14].
ويستخلص من هذه القرارات التعقيبية ان أحكام الفصل 199 م ا ج لا تحقق الضمانة اللازمة لصحة الإجراءات فهي تبقى خاضعة لاجتهاد القضاء، وبالتالي فإن من واجب المحامي أن يتمسك بكل أوجه البطلان التي يراها متوفرة منذ الطور الأول، كما أن من واجبه تحديد نطاق الأعمال التي يراها باطلة حفظا لحقوق منوبه. كما لابد من الانتباه إلى أن محكمة التعقيب سبق له وأن قررت أن محكمة الموضوع لما قضت ببطلان إجراءات التتبع لمخالفة المحضر لمقتضيات الفصل 199 من م.إ.ج تكون قد أخطأت في تطبيق القانون ضرورة ان الفصل المذكور يتعلق ببطلان الأحكام والأعمال أمام المحاكم ولا بمحاضر بحث مأموري الضابطة العدلية مما يكون معه الطعن المثار في طريقه[15].
كما أن محكمة التعقيب في  القرار التعقيبي الجزائي عدد 24986الصادر بتاريخ 28/06/2016(غير منشور) قررت ما يلي:" حيث ".اتضح بالرجوع إلى الحكم المنتقد أنه قضى بنقض الحكم الابتدائي لبطلان اجراءات التتبع في خصوص جريمة استهلاك المادة المخدرة. وحيث بينت محكمة القرار المعقب أسباب قضائها ببطلان الاجراءات مستندة  إلى الفصول 10 و11 و33 و103 و199 م ا ج. حيث استعرضت المحكمة مختلف الاخلالات الاجرائية من تعاطي باحث البداية مع تهمة الاستهلاك إذ باشر الاعمال دون إذن قضائي ودون أن يكون المطنون فيه في حالة تلبس. وحيث استعرضت المحكمة الخروقات والنقائص التي انتابت الاعمال الفنية في خصوص التحاليل المجراة على سوائل المعقب ضدها وأكدت خرقها للقواعد  القانونية المنطبقة. وحيث لم يتعلق الطعن بما بنت عليه محكمة الحكم المطعون فيه قضاءها وانما تعلق بمسائل موضوعية في خصوص موازنتها بين أدلة الادانة وأدلة البراءة الأمر الذي يرجع بالاختصاص إليها حصريا. وحيث جاءالحكم المطعون فيه معللا تعليلا قانونيا سليما مستندا في ذلك إلى ما هو ثابت بأوراق الملف لذلك تعين رفض مطلب التعقيب أصلا.". ويستفاد من هذا القرار أن كل اعمال باحث البداية يجب ان تكون مسبوقة بإذن قضائي عذا حالة التلبس والا كانت باطلة.






[1] .تع.ج 54063 مؤرخ في 21/06/1994 ن.م.ت 1994 ص27. مذكور لدى: مصطفى بن جعفر، خمسون سنة من فقه قضاء محكمة التعقيب في المادة الجزائية، المبطلات الإجرائية. ملتقى نصف قرن من القضاء الجزائي.
1 ق.ت.ج عدد 46179 مؤرخ في 03/02/1993 ن.م.ت 1993 ص 49.
3 ق.ت.ج عدد 4560 مؤرخ في 09/05/1984 ن.م.ت 1984 ص 97.
1 coss.crim.15 alabe 1959 B.C n°435 ; coss crim 29/10/1959.B.c.n°457.
2 coss.crim.17 Mars 1966 B.C n°156.J.cp II1/641 note chambon ; coss crim 27 décembre 1960.
3 coss.crim.17 Mars 1966 B.C n°156.J.cp II1/641 note chambon ; coss crim 27 décembre 1960.
[2]كما أن الفصل 24 من القانون الأساسي 2013-43 المؤرخ في 21 أكتوبر 2013 والقاضي بإنشاء الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب ينصّ على ما يلي "الدعوى العمومية الخاصة بجريمة التعذيب لا تسقط بالتقادم".
[3] قرار تعقيبي جزائي عدد 1292 مؤرخ في 9 نوفمبر 1933، ماي 1963 ـورده السيد بلقاسم القروي الشابي في تعليقه على مجلة الاجراءات الجزائية: طبعة 1985 ص 126.
[4]  قرار تعقيبي جزائي عدد 734 مؤرخ في 29 أفريل 1930 ق.ت ماي 1963 نفس المرجع السابق.
[5]  قرار تعقيبي جزائي عدد 97 مؤرخ في 17 جانفي 1924، ق .ت ماي 1963 نفس المرجع السابق.
[6]  قرار تعقيبي جزائي عدد 2031 مؤرخ في 10 أوت 1977 ن 1978، ص50، ج.2.
[7] قرار تعقيبي جزائي عدد 5574 مؤرخ في 28 فيفري 1968، 1969، ص143.
[8]  قرار تعقيبي عدد 3030 مؤرخ في 18 نوفمبر 1965 ن 1966، ص 147.
[9]  - تع ج 4560 في 9/5/1984 ن ج ص 64
[10]  - تع ج 5862 في 27/3/1968 مجموع المبادئ المرجع السابق ص 45
[11] - قرار تعقيبي جزائي  عدد 4618 مؤرخ فى  28/12/1983. نشرية محكمة التعقيب - القسم الجزائي عدد 1 ، 1983. ص 183.
[12] - قرار تعقيبي جزائي  عدد 4574 مؤرخ فى  10/10/2005. نشرية محكمة التعقيب عدد 1 سنة 2005. ص123.
[13] - قرار تعقيبي جزائي  عدد 54063 مؤرخ فى  21/06/1994. نشرية محكمة التعقيب - القسم الجزائي عدد 1 ، 1983. ص 27.
[14] - قرار تعقيبي جزائي عدد 22919 صادر بتاريخ 8 ديسمبر 2007 ، ن 2007 ،ص 115 .
[15] - قرار تعقيبي جزائي عدد 73898 مؤرخ فى 03/03/1997. نشرية محكمة التعقيب عدد 1 سنة 1997. ص 97.

ليست هناك تعليقات: