2013/02/28

وسائل بديلة ومستحدثة لمواجهة أزمة العدالة الجنائية



وسائل بديلة ومستحدثة لمواجهة أزمة العدالة الجنائية  
علي عبدالله حمادة
تمهيد:


تعاني المجتمعات من ظاهرتين أولاهما: زيادة عدد الجرائم، وثانيهما: ظاهرة الحفظ بلا تحقيق أو بالأحرى الحفظ الإداري للواقعة "Calsses Sans Suite"(1)، وهذا ما حدا بالبعض للقول وبحق بأن العدالةالجنائية المرفق الذي ينصف الآخرين قد أصبح في حاجة لمن ينصفه(2)، وعليه طغى إلى سطح المجتمعات ما يُعرف بأزمة العدالة الجنائية "La crise de la Justice pénale"، وبالرغم من الجهود والمحاولات المضنية المبذولة من قبل الحكومات لتخفيف العبء عن كاهل القضاة عن طريق زيادة أعدادهم، فإن هذه الزيادة لا تتناسب البتة مع الزيادة المتضاعفة لكم القضايا التي تعرض على المحاكم كل عام(3).


ولا أعتقد أن أي زيادة في عدد القضاة يمكن أن تواكب هذا الكم الهائل من المشكلات والخلافات(4)، بالإضافة إلى أن توفير العدد اللازم أمر في حكم المستحيل، لأنه يتطلب أعباء مالية كبيرة لا تتمكن الدولة من توفيرها في ظل ظروفها الاقتصادية الراهنة، وليت الأمر يتوقف على تذليل الصعوبات الاقتصادية وحدها بل أن الأمر يتطلب أكثر من ذلك لأن توفير رجل العدالةيتطلب توافر شروط معينة فيمن يسند إليه القيام بتلك المهمة الجليلة سواءً من الناحية العملية أو القانونية أو الأخلاقية وهذه الأمور ليست باليسيرة(5).


أولاً- أزمة العدالة الجنائية (الأسباب و النتائج):



إن القضايا في تزايد مستمر وتأجيل نظرها إلى جلسات متعددة أصبحت السمة الغالبة على عمل الجهاز القضائي، فأصبح عاجزاً عن القيام بدوره في تحقيق العدالة الجنائية، ولذلك أسبابه نورد منها ظاهرة التضخم التشريعي inflation pénale وأزمة العقوبة، وظاهرة الحبس قصيرة المدة، وظهور نماذج إجرائية متعددة، وفشل السجن في دوره الإصلاحي، وارتفاع تكلفة الجريمة، وسياسة الإغراق في الشكليات الإجرائية، فقد فعالية أجهزة العدالة الجنائية وكان لتلك الأزمة نتائجها الخطيرة وعلى مسرح العدالة الجنائية، فكان البطء في الإجراءات الجنائية وحفظ الملفات والإخلال بمبدأ المساواة والحد من قدرة الجهاز القضائي على مواجهة الجريمة وإدانة الأبرياء.
وأمام هذه المؤشرات الخطيرة كان على السياسة الجنائية أن تعيد النظر في إستراتيجيتها في مكافحة الإجرام، وبالفعل بدأت السياسة الجنائية منذ منتصف القرن الماضي تبحث عن وسائل تحقق أقصى فاعلية ممكنة في مكافحة الإجرام، وعليه اتّجهت السياسة الجنائية اتجاهين أحدهما موضوعي يتمثل في سياسة الحد من التجريم
la décriminalization 
وسياسة الحد من العقاب la décriminalization 
والآخر إجرائي يتمثل في الوسائل الممكنة في تيسير إجراءات الدعوى الجزائية أو بدائل الدعوى الجزائية لمواجهة أزمة العدالة الجنائية، فكانت من أهم آليات مواجهةأزمة العدالة الجنائية هو ما يعرف بخصخصة الدعوى الجزائية.


ثانياً- المقصود بخصخصة الدعوى الجزائية:



لقد ظهرت الوسائل البديلة لحل المنازعات كنتاج لعدم فعالية الجهاز القضائي التقليدي في حسم القضايا الجنائية، فإذا كانت ممارسة الدعوى الجزائية تفترض المرور بمراحلها الإجرائية في الاتهام والتحقيق والمحاكمة فهذه الوسائل البديلة المختلفة فهي تستهدف بالدرجة الأولى اختصار هذه الإجراءات الشكلية أملاً في زيادة فعالية العدالة الجنائية في إنجاز القضايا(6).
وإن كانت من أهم أهداف الوسائل البديلة وهو إصلاح الجاني وتعاون كافة قطاعات الدولة في مكافحة الجرائم إلى جانب القطاع الجنائي لتحقيق هذا الهدف، حيث أن مكافحة الإجرام لم يعُد قاصراً على القطاع الجنائي وحده(7)، ونقصد بذلك المجتمع ومؤسسات المجتمع المدني وكذلك من أهداف هذه الوسائل البديلة هو البحث عن أسباب النزاع وبذل الجهود للقضاء على مسبباته في المستقبل مثل نظام الوساطة الجنائية، وهو ما ذكره الأستاذ زبكوتسكي من كندا في الجلسة الأولى من المؤتمر الدولي الثالث عشر لقانون العقوبات(8). وبالطبع من أهداف هذه البدائل هو تخفيف العبء عن كاهل أجهزة العدالة الجنائية.
وختام القول نقصد بتعبير خصخصة الدعوى الجزائية هو إعطاء دور أكبر لأطراف الدعوى الجزائية من المتهم والمجني عليه وبمشاركة المجتمع في إنهاء الدعوى الجزائية والسيطرة على مجرياتها لمواجهة الظاهرة الإجرامية.

ثالثاً- تطور سلطة الدولة في العقاب وخصخصة الدعوى الجزائية:


تقوم الدول باقتضاء حقها في العقاب عن طريق الدعوى الجنائية تطبيقاً لمبدأ لا عقوبة بغير دعوى جنائية(9). وفي النصف الثاني من القرن العشرين بدأت تظهر اتجاهات حديثة في سياسة العقاب وبدأت تضعف قيمة الدعوى الجنائية كأسلوب قانوني لأعمال سلطة الدولة في العقاب(10)، بعد أن لوحظ أن جهود المجتمع لمعالجة المجرمين كانت في أسوأ تقدير غير إنسانية وفي أحسن حال تعتبر غير فعالة وأنها في الغالب عقيمة وفي جميع الأحوال غير مشوشة(11). ونتيجة لأزمة العدالة الجنائية وما انعكست على حجم القضايا الجنائية، ومن هنا أضحت الأساليب غير القضائية لإدارة الدعوى الجنائية ضرورة ملحة لمواجهة البطء في الإجراءات الجنائية التقليدية بهدف اختصار تلك الإجراءات(12)، فكان أحد معالم التطور العلمي الجنائي وهو بدائل الخصومة الجنائية للنظر في مكافحة الإجرام بغير الإجراءات الجنائية التقليدية(13)، وضرورة التخلي عنها في نطاق الجرائم القليلة الأهمية واستبدالها بوسائل إجرائية بسيطة ومرنة (كالوساطة والصلح والتصالح والأمر الجنائي)، من شأنها تأمين سرعة حسم الخصومات الجنائية وإدارة النزاع بطريقة سهلة ميسرة ومختصرة وتخفيف الضغط عن كاهل إدارة العدالة الجنائية(14)، مما أدى إلى ظهور ما يطلق عليه "العدالة الرضائية أو التفاوضية" في المواد الجنائية، وقضى أن المشرع الجنائي قد أجاز التحول عن العدالة القسرية (الدعوى الجنائية)، أما الأخذ في الاعتبار إرادة المتهم وإرادة المجني عليه عند إدارة العدالة الجنائية(15). وهذا بالطبع فإن البدائل تضمن سرعة الفصل في الدعوى وهو يتفق مع المبدأ الدستوري من ضرورة الفصل في الدعوى في المدة المعقولة المنصوص عليها في غالبية الدساتير، بل أن مشكلة بطء الإجراءات الجنائية تعرقل سير العدالة الجنائية لكون العدالةالبطيئة تعتبر صورة من صور الظلم(16).

رابعاً- إشكال خصخصة الدعوى الجزائية:



لقد أدت سياسة تيسير الإجراءات الجنائية في تبسيط الإجراءات أو اختصارها أو الإسراع بها إلى وضع آلية بدائل الدعوى الجنائية لمواجهةأزمة العدالة الجنائية، وعليه نقسم أشكال خصخصة الدعوى الجزائية إلى التالي:


[1] شكوى المجني عليه والتنازل عنها:



الشكوى هي قيد من قيود مباشرة الدعوى الجنائية وضعه المشرع في يد المجني عليه يستطيع بمقتضاه تقييد حرية النيابة العامة بوصفها سلطة اتهام في رفع الدعوى الجنائية، لذلك فهي ذات طبيعة إجرائية بحتة(17). وعليه فإن الشكوى هو عمل قانوني يصدر من المجني عليه بقصد تحريك الدعوى الجنائية في بعض الجرائم التي يرى المشرّع فيها إعطاء مصلحة المجني عليه الأولوية و الاعتبار(18). أما التنازل عن الشكوى فهو عمل قانوني يصدر من صاحب الحق في الشكوى ويترتب عليه انقضاء هذا الحق ولو كانت ميعاد استعماله لا زال ممتداً(19). وقد أخذت العديد من التشريعات بهذا الأسلوب للحيلولة دون تحريك الدعوى الجنائية إذا لم يقدم المجني عليه الشكوى، حتى يفصح المجال للجاني وأسرته في إرضاء المجني عليه للحيلولة دون تقديم الشكوى(20). أو أن المجني عليه يرى أن مصلحته في عدم تحريك الدعوى الجنائية كما هو الحال في جريمة الزنا علماً بأن المشرّع قد حدد على سبيل الحصر الجرائم التي لا يجوز تحريكها إلا بناءً على شكوى من المجني عليه، كما أجاز له أن يتنازل عنها قبل صدور حكم باتّ فيها ويترتب عليها انقضاء الدعوى الجنائية(21)، وعلى ذلك فإن الشكوى والتنازل عنها يعتبران وجهان لعملة واحدة هي بدائل الدعوى الجنائية(22). وهي وسيلة تقليدية من أشكال خصخصة الدعوى الجزائية.

[2] الصلح الجنائي:




إن الصلح الجنائي بين المتهم والمجني عليه بعيداً عن ساحة القضاء وفي جرائم محددة عينها القانون لغايات الحفاظ على روابط عائلية أو خاصة لخصوصية العلاقة بين المجني عليه والمتهم أو لارتباط الجريمة للمجني عليه، فهو الأقدر على حماية ومعرفة مصالحه الخاصة وهي بديلاً عن الدعوى الجنائية(23). وبذلك نجد المشرع المصري عاد إلى الأخذ بنظام الصلح في قانون الإجراءات بل ووسع في نطاقه وذلك بمقتضى القانون رقم 174 لسنة 1998م بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائيةالمادة 18 مكرراً (أ) إجراءات جنائية(24)، بل وسع المشرع المصري في تعديل قانون الإجراءات الجنائية في عام 2006 من حالات التي تقع عليها الصلح رغبة منه في مواجهة أزمة العدالة الجنائية وإعطاء أطراف الدعوى الجنائية المتهم والمجني عليه إنهاء الخصومة الجنائية بدون حكم، وبذلك يعد هذا النص تطبيقاً للاتجاهات الحديثة في التشريعاتالجنائية المعاصرة التي تعطى للمجني عليه دوراً ملحوظاً في إنهاء الدعوى الجنائية بالنسبة لبعض الجرائم(25)، وبخاصة تلك الواقعة على الأفراد والتي توصف بأنها قليلة أو متوسطة الخطورة والتي تقع على المجني عليه بمناسبة علاقاته الاجتماعية بالمتعاملين معه دون أن يتعارض الصلح في هذه الأحوال مع مقتضيات الحفاظ على المصلحة العامة(26). وبالنسبة للمشرّع العربي فهو لم يختلف بدوره -في بعض الدول- عن مسايرة هذا الاتجاه فنص على الصلح الجنائي مثال ذلك قانون أصول المحاكمات الجزائية البحريني الصادر سنة 1966 (م 186) وقانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي الصادر سنة 1968 (م 240)، وقانون المرافعات الجنائية التونسي الصادر سنة 1968(27). وإني أنادي بأن يشمل مشروع قانون العقوبات الفلسطيني النص صراحة على حق المجني عليه في الصلح مع المتهم في الجرائم ذات الاعتبار الخاص بين الطرفين أو في الجُنح البسيطة.



[3] الصلح في الشريعة الإسلامية:

كرست الشريعة الإسلامية نظام الصلح بين الأفراد منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً، حيث حظي بتسجيل القرآن الكريم في العديد من آياته الحكيمة على ما يفيد ذلك مثل "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً "(28). "وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "(29). وهو ما أكدت السيرة النبوية حيث روِيَ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرّم حلالاً، أو أحلّ حراماً"... وإن كانت القاعدة أن الصلح جائز في جرائم القصاص وجرائم التعزير والتي حق العبد بها غالب وإن كان الصلح غير جائز في جرائم الحدود وجرائم التعزير والحق الله بها هو الغالب، وبذلك نجد أن نظام الدية في الشريعة الإسلامية هي بديل عن طلب القصاص شرعاً لكون الدية هي مقدار معين من المال يدفع في جرائم القتل والجرح عقوبة وتعويضاً حيث تشبه الغرامة لأنها فيها معنى زجر الجاني بحرمانه من جزء من ماله ومقدرة القيمة وتشبه التعويض لأنها تعويض للمجني عليه في حدود معينة ويترتب على أداء الدية انقضاء حق أولياء الدم في طلب القصاص، أما إذا لم تؤدّ الدية وطلب أولياء الدم بقصاص وجب الحكم به، وعليه فإن الدية في لغة القانون الوضعي هي بديل عن الدعوى الجنائية في جرائم القصاص(30)، والواقع أن الدية يتحقق فيها المعنيان الزجر والردع للجاني والتعويض والتشفي لأولياء القتيل.

[4] نظام الوساطة الجنائية:




يقصد بالوساطة الجنائية la mediation pénale هو ذلك الإجراء الذي بموجبه يحاول شخص من الغير بناءً على اتفاق الأطراف وضع حد ونهاية لحالة الاضطراب التي أحدثتها الجريمة عن طريق حصول المجني عليه على تعويض كافٍ عن الضرر الذي حدث له فضلاً عن إعادة تأهيل الجاني(31)، وبذلك يتضح بالفعل أن الوساطة الجنائية أحد صور خصخصة الدعوى الجزائية، وكذلك يتضح أن جوهر الوساطة هو الرضائية في اتباع هذا النظام والموافقة على تنفيذ العقوبة بالرضا، وذلك بناءً على اقتراح النيابة العامة، وبذلك يتضح دور الرضا في نطاق الوساطة الجنائية(32). ولذلك اتجه رأي الفقه على ضوء ذلك على اعتبار الرضا في الوساطة نوعاً من التصالح المدني(33). ولقد صدر العديد من التوصيات عن المجلس الأوروبي منها: التوصية الصادرة في عام 1987 والتوصية الصادرة في 15 سبتمبر سنة 1999 بشأن إقرار بدائل الدعوىالجنائية لمواجهة بعض الجرائم وخاصة الوساطة الجنائية بين المجني عليه والجناة باعتبار أن هذا الخيار يُعدّ أحد البدائل الهامة للإجراءاتالجنائية التقليدية(34). علماً بأن الوساطة الجنائية ترجع في أصل نشأتها إلى قوانين الدول الأنجلوسكسونية وخاصة الولايات المتحدة وإنجلترا وكندا(35). علماً بأن الوسيط قد يكون شخصاً طبيعياً أو شخصية معنوية كجمعيات ضحايا الجريمة أو جمعيات وساطة، ومن الممكن بأن يكون عضو النيابة أو القاضي في بعض الأنظمة القانونية بدور الوسيط وإن كانت بعض الأنظمة تحظر ذلك.
وقد انتشرت الوساطة الجنائية انتشاراً واسعاً في معظم القارة الأوروبية، وهناك العديد من الأساتذة في الدول العربية نادوا صراحة بتبني هذا النظام الرضائي البديل وخاصة في علاج القضايا العائلية أو محيط الجيران(36). وإني أرى أن نظام الوساطة صالح للتطبيق في المجتمع الفلسطيني عن طريق تبني نظام قانون يسمح بإحالة بعض القضايا ذات الطابع العائلي أو في محيط الجيران أو الأسرة إلى لجان إصلاح بشرط رضا كافة أطراف الدعوى الجنائية، وفي جرائم خاصة الجنح محددة ذات الطابع المذكور، وخلال مدة محددة ويترتب عليها إنهاء الدعوى الجنائية حين تنفيذ بنود الوساطة سواءً باعتذار الجاني وإنهاء الاضطراب الجنائي الذي أحدثته الجريمة أو التعويض المادي للمجني عليه.

[5] نظام التسوية الجنائية La composition pénale:




استحدث المشرّع الفرنسي نظام التسوية الجنائية بالقانون رقم 99-515 الصادر في 23 يونيو سنة 1999 بشأن تدعيم فعالية الإجراءات الجنائية، ثم عدله بالقانون رقم 2004-204 الصادر في 9 مارس سنة 2004(37). ويمثل بديلاً جديداً من بدائل الدعوى الجنائية، إذ يتيح لنائب الجمهورية أن يقترح على الشخص الطبيعي البالغ الذي يعترف بارتكابه واحدة أو أكثر من الجنح المعاقَب عليها كعقوبة أصلية بعقوبة الغرامة أو بعقوبة الحبس الذي لا تزيد مدته على خمس سنوات وكذلك عند الاقتضاء واحدة أو أكثر من المخالفات المرتبطة بهذه الجُنح، وتتكون التسوية من تدابير أو أكثر من التدابير الآتية:
1- دفع غرامة التسوية للخزانة العامة، ولا يجوز أن يزيد مقدار هذه الغرامة على الحد الأقصى للغرامة المقررة قانوناً للجريمة. ويتم تحديدها تبعاً لجسامة الجريمة ودخول الجاني والتزاماته. ويجوز أن تسدد الغرامة على أقساط يحددها نائب الجمهورية خلال مدة لا تجاوز سنة.
2- التنازل لمصلحة الدولة عن الأشياء التي استخدمت أو كانت مُعدّة للاستخدام في ارتكاب الجريمة أو المتحصلة منها.
3- تسليم السيارة لمدة أقصاها ستة أشهر بغرض توقيفها.
4- تسليم رخصة القيادة إلى قلم كتاب المحكمة الابتدائية، وذلك لمدة لا تزيد على ستة أشهر.
5- تسليم رخصة الصيد إلى قلم كتاب المحكمة الابتدائية لمدة لا تجاوز ستة أشهر.
6- القيام لمصلحة المجتمع بعمل بدون أجر لمدة لا تزيد على ستين ساعة، خلال مدة لا تجاوز ستة أشهر.
7- متابعة تدريب أو تأهيل في مؤسسة أو مركز صحي أو اجتماعي أو مهني لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، وذلك خلال فترة لا تجاوز ثمانية عشر شهراً.
8- المنع من إصدار شيكات غير تلك التي تسمح للساحب باسترداد ماله لدى المسحوب عليه أو الشيكات المعتمدة وحظر استعمال بطاقات الوفاء، وذلك لمدة ستة أشهر على الأقل.
9- عدم الظهور في المكان أو الأماكن التي وقعت فيها الجريمة والتي يحددها نائب الجمهورية، لمدة لا تزيد على ستة أشهر، وذلك باستثناء الأماكن التي يقيم فيها الشخص عادة.
10- حظر مقابلة أو استقبال المجني عليه أو المجني عليهم في الجريمة الذين يحددهم نائب الجمهورية أو الدخول في علاقات معهم، وذلك لمدة لا تزيد على ستة أشهر.
11- حظر مقابلة أو استقبال الفاعل أو الفاعلين الآخرين أو الشركاء الذين يحددهم نائب الجمهورية أو الدخول في علاقات معهم، لمدة لا تجاوز ستة أشهر.
12- عدم مغادرة الإقليم الوطني وتسليم جواز السفر لمدة لا تجاوز سنة أشهر.
13- القيام عدن اللزوم بمتابعة تدريب للمواطنة، وذلك على نفقته (أي على نفقة المتهم).
ويستطيع نائب الجمهورية ما دامت الدعوى الجنائية لم تتحرك أن يقترح مباشرة أو عن طريق شخص مخول بذلك التسوية الجنائية، ويسمو مفوض نائب الجمهورية علماً بأن التسوية الجنائية لا تطبق عن الأحداث أقل من ثمانية عشر سنة، ولا على جرائم الصحافة، ولا جرائم القتل الخطأ، ولا على الجرائم السياسية وإذا لم يقبل المتهم التسوية الجنائية أو لم يقم بالتنفيذ الكامل للتدابير المقررة بعد الموافقة، فلنائب الجمهورية أن يحرك الدعوى مع الأخذ في الاعتبار ما تم تنفيذه من قبل الجاني. مع وضع في الاعتبار إذا كان المجني عليه معروفاً فيجب أن يتضمن اقتراح نائب الجمهورية بالتسوية الجنائية على الجاني قيام هذا الأخير بتعويض الضرر الذي أصاب المجني عليه بسبب الجريمة خلال مدة لا تزيد على ستة أشهر.
ومؤدى ذلك أن هذا التدبير له صفة وجوبية ما لم يثبت الجاني أنه قد سبق وقام بهذا التعويض فعلاً(38)، وبذلك يتضح بالفعل معنى خصخصة الدعوى الجزائية وهو تحكم أطرافها بمصيرها، وهذا ويتدرب على اعتماد اقتراح التسوية الجنائية على القاضي المختص وقيام الجاني بتنفيذ كافة التدابير المقررة انقضاء الدعوى الجنائية(39). وبالطبع عند عدم قبول التسوية أو عدم تنفيذ التدابير المقترح يحق لنائب الجمهورية تحريك الدعوى الجنائية.
خامساً- تقييم الوسائل البديلة الخاصة بخصخصة الدعوى الجزائية:
لقد اتضح من خلال دراسة التشريعات المقارنة وخاصة الأوروبية مدى إدراجها لكافة الوسائل البديلة للدعوى الجزائية، وخاصة في ظل طغيانأزمة العدالة الجنائية، فكان اللجوء إليها لتخفيف الضغط على المحاكم في الكم الهائل المفترض للفصل بها، فكانت الوساطة الجنائية والصلح والتسوية الجنائية من البدائل التي اتخذتها الدول المختلفة في إطار سياستها الجنائية المعاصرة وخاصة أن ركيزتها الرضا أطراف الدعوى الجزائية على وسيلة إنهائها، وبذلك يتحقق بفعل خصخصة للدعوىالجنائية بعدما أن كانت ملكاً للدولة لا يجوز التنازل عنها أو التفاوض بخصوصها ومن المحرمات التي لا يجوز الاقتراب منها، بل لقد أدخلت هذه البدائل مؤسسات مدنية خارج إطار المؤسسة القضائية وإن كانت شعبية لمشاركة القضاء في مواجهة أزمته مثل مؤسسات الوساطة وبذلك يتحقق مشاركة المجتمع في مواجهة الجريمة ويتحقق تعاون كافة قطاعات الدولةلمواجهة الجريمة، وبذلك يتحقق بالفعل خصخصة للدعوى الجزائية.

قائمة المراجع

(1) الدكتور/ محمد حكيم حسين حكيم: النظرية العامة للصلح وتطبيقاتها في المواد الجنائية، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه منشورة، دار الكتب القانونية، القاهرة، 2005م، بند 149، ص 181.
(2) الدكتور/ عمر سالم: نحو تيسير الإجراءات الجنائية، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1997، ص 29.
(3) الدكتور/ عاشور مبروك: نحو محاولة للتوفيق بين الخصوم، دراسة تحليلية مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002، ص 4.
(4) ففي دولة كفرنسا إذا تتراوح المدة من وقت وقوع الجريمة إ لى صدور الحكم البات بشأنها بين سنتين وثلاث سنوات... حيث أصبحت ست عشر شهراً ونصف في سنة 1999، وفي مصر عدد القضايا الجنائية التي عرضت أمام المحكمة المصرية خلال عام 2002 بلغ 12 مليون قضية، وهذا هو حال كافة الدول. انظر الدكتور/ شريف سيد كامل: الحق في سرعة الإجراءات الجنائية، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، بند 2، ص 11 وما بعدها؛ وانظر كذلك التقرير السنوي للنيابة العامة في فلسطين والذي يوضح كم القضايا الغير مفصولة.
(5) الدكتور/ أحمد السيد صاوي: الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية، معدلاً بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والقانون رقم 81 لسنة 1996 والقانون رقم 18 لسنة 1999، خالٍ من جهة النشر، القاهرة، 2004، البند 33 مكرراً (2)، ص 85.
(6) الدكتور/ أسامة حسنين عبيد: الصلح في قانون الإجراءات الجنائية، ماهيته والنظم المرتبطة به، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه منشورة، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005م، ص 10 وما بعدها.
(7) الدكتور/ أحمد فتحي سرور: بدائل الدعوى الجنائية، مجلة القانون والاقتصاد للببحوث القانونية والاقتصادية، مطبعة جامعة القاهرة، السنة الثالثة والخمسون، 1983، ص 212.
(8) انظر التقرير العام لندوة طوكيو باليابان وذلك في الفترة من 14-16 مارس سنة 1983 الندوة الدولية لقانون العقوبات 
(9) الدكتور/ حمدي رجب عطية: بدائل الدعوى الجنائية، مجلة المحاماة، ج.م.ع، العدد الخامس والسادس، سنة 1991، ص 103.
(10) الدكتور/ حمدي رجب عطية: نزول المجني عليه عن الشكوى، دار النهضة العربية، القاهرة، 2003، ص 8 وما بعدها.
(11) الدكتور/ أحمد فتحي سرور: بدائل الدعوى الجنائية، المرجع السابق، ص 206 وما بعدها.
(12) الدكتور/ محمد حكيم حسين حكيم: النظرية العامة للصلح، المرجع السابق، بند 7، ص20.
(13) الدكتور/ أحمد فتحي سرور: المشكلات المعاصرة للسياسة الجنائية، مجلة القانون والاقتصاد، عدد خاص بمناسبة العيد المئوي لكلية الحقوق، 1983، ص 69.
(14) الدكتور/ محمود طه جلال: أصول التجريم والعقاب في السياسة المعاصرة، رسالة دكتوراه منشورة، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005، ص 453.
(15) الدكتور/ شريف سيد كامل: الحق في سرعة الإجراءات الجنائية، المرجع السابق، ص70؛ الدكتور/ أسامة حسنين عبيد: الصلح في قانون الإجراءات الجنائية، المرجع السابق، ص 16.
(16) الدكتور/ شريف سيد كامل، المرجع السابق، ص 247.
(17) الدكتور/ عزت مصطفى الدسوقي: قيود الدعوى الجنائية بين النظرية والتطبيق، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق- جامعة القاهرة، ص 229.
(18) الدكتور/ أحمد فتحي سرور: بدائل الدعوى الجنائية، المرجع السابق، ص 213.
(19) الدكتور/ أحمد فتحي سرور: الوسيط في الإجراءات الجنائية، طبعة مصورة ومعدلة، 1995، دار النهضة العربية، ص 545.
(20) الدكتور/ أحمد فتحي سرور، نفس المرجع.
(21) أستاذنا الدكتور/ مأمون محمد سلامة: قانون الإجراءات الجنائيةمعلقاً عليه بالفقه وأحكام النقض، الجزء الأول، طبعة خاصة بنادي القضاة، ص 61 وما بعدها، هامش رقم (1).
(22) الدكتور/ حمدي رجب عطية: تبسيط الإجراءات أمام القضاء الجنائي، تقرير مقدم لمؤتمر العدالة الأول الذي عقده نادي القضاة، القاهرة، 1986، ص 8 وما بعدها.
(23) انظر في هذا لمعنى الدكتور/ حمدي رجب عطية: بدائل الدعوى الجنائية، المرجع السابق، ص 109.
(24) أستاذنا الدكتور/ مأمون محمد سلامة: الإجراءات الجنائية في التشريع المصري، الجزء الأول، سنة 2001، ص 322.
(25) الدكتور/ مأمون محمد سلامة، المرجع السابق، ص 325.
(26) الدكتور/ شريف سيد كامل، المرجع السابق، ص 117 و ما بعدها.
(27) الدكتور/ أسامة حسنين عبيد، المرجع السابق، ص 384.
(28) سورة النساء، آية 128.
(29) سورة الحجرات، آية 9، 10.
(30) الدكتور/ أحمد فتحي سرور: بدائل الدعوى الجنائية، المرجع السابق، ص 218؛ الدكتور/ حمدي رجب عطية: بدائل الدعوى الجنائية، المرجع السابق، ص 109.
(31)Bonafe-Schmitt J.P., la médiation pénale en France et aux Etats-Unis, L.G.D.J., 1998, pp. 19 et ss.
(31)Bonafe-Schmitt J.P., la médiation pénale en France et aux Etats-Unis, L.G.D.J., 1998, pp. 19 et ss. 
(32) انظر في هذا المعنى الدكتور/ عمرو الوقاد: دور الرضا في القانون الجنائي، خالي من جهة النشر، طنطا-مصر، 2000، ص 106.
(33) Le Blois-Happe J., la médiation pénale comme mode de réponse à la petite délinquance: état des lieux et perspective, R.S.C., 1994, p. 525.(34) الدكتور/ شريف سيد كامل: الحق في سرعة الإجراءات الجنائية، المرجع السابق، بند 59، ص 132 وما بعدها.(36) (35)Bonafe-Schmitt J.P., op. cit, pp. 103 et ss.(36) الدكتور/ أشرف رمضان عبد الحميد: الوساطة الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2004، ص 154؛ الدكتور/ مدحت عبد الحليم رمضان: الإجراءات الموجزة لإنهاء الدعوى الجنائية في ضوء التعديلات قانون الإجراءات الجنائية، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص 165.(37) انظر الدكتور/ أسامة حسنين عبيد، المرجع السابق، ص 21 وما بعدها؛ الدكتور/ شريف سيد كامل، المرجع السابق، ص 149 وما بعدها.
(38) الدكتور/ شريف سيد كامل، مرجع سابق،ص146.
(39) الدكتور/ شريف سيد كامل، المرجع السابق، ص 164

(33) Le Blois-Happe J., la médiation pénale comme mode de réponse à la petite délinquance: état des lieux et perspective, R.S.C., 1994, p. 525.
(35)Bonafe-Schmitt J.P., op. cit, pp. 103 et ss.

2013/02/23

حضانة طفل من أم فرنسية وأب تونسي... تعليق على قرار


فقه القضاء

تعليقا على القرار التعقيبي المدني عدد 35890 (17/09/2009)



حضانة طفل من أم فرنسية وأب تونسي

إعداد: الأستاذ المبرز بكلية الحقوق بتونس ساسي بن حليمة


يسلط الأستاذ بن حليمة الضوء على القرار التعقيبي المدني عدد 35890 المؤرخ في17 سبتمبر 2009 نشرية محكمة التعقيب 2009 القسم المدني 337 المتعلق بحضانة طفل من أم فرنسية وأب تونسي.

ما هو الحل بالنسبة للحضانة إذا كان الوالدان لا يقطنان في نفس القطر؟

ذلك هو المشكل الذي نظرت فيه محكمة التعقيب في القرار المعلق عليه والمتمثلة وقائعه واجراءاته فيما يلي:
عرضت الزوجة أنها تزوجت من المدعي عليه المعقب منذ 6 أوت 2003 ودخل بها وأنجبت منه الطفل"ق" وقد تبيّن لها أن المعاشرة الزوجية مستحيلة بينهما لذلك فهي تطلب الحكم بإيقاع الطلاق للمرة الأولى بعد البناء إنشاء منها على معنى الفقرة الثالثة من الفصل 31 من م.أ.ش.
فقضت محكمة البداية بالطلاق وبعدة مبالغ مالية لفائدة الزوج تعويضا لضرره المعنوي ولضرره المادي ولأتعابه ونفقاته للتقاضي وبإسناد الحضانة للزوجة.
فاستأنف الزوج، لكن محكمة الاستئناف أقرّت الحكم الابتدائي في خصوص الحضانة وهو ما يهمنا في هذا التعليق بقطع النظر عن مشكل الغرامات التي يستحقها الزوج والتي تم الترفيع فيها لدى الاستئناف.
فتعقب الزوج ذلك القرار متمسكا بخرق الفصل 60 و61 و32 من مجلة الأحوال الشخصية قولا أن قضاء المحكمة بإسناد حضانة الطفل إلى أمه المقيمة بالخارج فيه إضرار بمصلحة المحضون التي تقتضي بقائه بالتراب التونسي حتى يبقى في تواصل مع والده نظرا لصعوبة تنقل الأب إلى القطر الفرنسي لممارسة حق الزيارة فضلا عن كون ذلك يتجافى ومقتضيات الفصل61 الذي ينص على ما يلي:
"إذا سافرت الحاضنة سفر نقلة مسافة يعسر معها على الوليّ القيام بواجباته نحو منظوره سقطت حضانتها"، وبالرغم من أن النيابة العمومية ـ لدى التعقيب ـ كانت طالبة النقض والإحالة فإنّ محكمة التعقيب رفضت ذلك المطعن وتعاطلت الموضوع من حيث المبدأ(I) ثم من حيث الاستثناء للمبدإ (II) بالنسبة لتطبيق أحكام الفصلين 60 و61.

I ـ مبدأ الفصلين 60 و61 من مجلة الأحوال الشخصية

جاء في القرار التعقيبي المعلق عليه ردا عن المطعن الذي تقدم به المعقب أي الزوج ما يلي:"حيث يؤخذ من الفصول 54 60 و61 م. أ. ش وحسبما درج عليه فقه القضاء أن الحضانة شرعت على اعتبار حقين أحدهما لفائدة المحضون في اقامته عند حاضنته حتى لا يحرم من حق الأمومة وثانيهما الولي في الاشراف على تنشئة منظوره والنظر في شؤونه وتأديبه، ولا يتمكن الولي من القيام بذلك إلا إذا كان بمقربة من المحضون أو على بعد مسافة قصيرة منه لذلك حجّر الفصل 61 على الحاضنة السفر بالمحضون."
وما من شك أن هذا التذكير بالمبدإ كان وجيها وكان لابد من بيان موقف المشرع المستمد من الفقه الإسلامي بالنسبة للتوفيق بين الحضانة والولاية، فتسند الحضانة مبدئيا للأم في أغلب الصور خاصة اذا كان الطفل صغير السن مثلما هو الشأن في قضية الحال، ولو أن محكمة التعقيب لم تبين سن ذلك الطفل بالتدقيق إلا أنه يمكن استنتاج تلك السن من بعض المعطيات المذكورة في القرار التعقيبي، فالزواج ولنفرض الدخول قد تم في أوت 2003، والقرار الاستئنافي المطعون فيه قد صدر سنة 2009، لكن متى ولد الطفل؟ لنفرض سنة 2004، ومتى رفعت القضية الابتدائية؟ لنفرض سنة 2008، فيكون الطفل تقريبا وعلى أقصى تقدير قد بلغ الرابعة من عمره عند قيام والدته بقضية الطلاق فكان ولابد حسن تطبيق للقانون أن تسند الحضانة إلى الأم فهي أولى من أي بشر آخر بالقيام بتلك الحضانة إذ هي محمولة على أن يكون العطف نحو الطفل متدفقا لديها ولسنا في حاجة بأن نذكر أن عطف الأمومة هام وهام جدا بالنسبة للطفل، فلا نقاش إذا ممكن "حول معرفة إن كان إسناد حضانة الطفل لأمه ضروريا".
ولم ينبثق النقاش في الواقع حول معرفة إن كانت الزوجة حرية أن تسند الحضانة إليها على صعيد المبدأ، لكنّ النقاش انبثق حول معرفة إن كانت الحضانة من الممكن أن تسند لأم تعيش في فرنسا حال أن الأب يعيش في تونس، وينطلق النقاش عندئذ لمعرفة إن كان الفصل61 من م. أ. ش. يحول أو لا يحول دون إسناد الحضانة لتلك الأم، فماذا يقول الفصل 61 من م. أ. ش؟
يقول ما يلي:"إذا سافرت الحاضنة سفر نقلة مسافة يعسر معها على الولي القيام بواجباته نحو منظوره سقطت حضانتها"، فهذا هو الحل الذي وضعه المشرع لمحاولة التوفيق بين الحضانة والولاية، فكأن المشرع مع تقريره مبدأ إسناد الحضانة للأم لأنها أحق الناس بها تراءى له أن يضع حلا يحفظ في نفس الوقت حق الولي في الإشراف على تربية الطفل وفي تمكين ذلك الولي من زيارته، فحجّر على الحاضنة أن تنتقل بالطفل أو أن تسافر به ما سماه المشرع سفر نقلة أي السفر الذي تنوي معه الحاضنة الاستقرار مع الطفل والابتعاد إذن عن مقر الولي إلى مكان يعسر معه على ذلك الولي أن يقوم بمشمولات ولايته نحو الطفل وان يتمكن من زيارته دون مشقة او هناء او مصاريف باهضة.
ولم يبين المشرّع بطبيعة الأمر ما هي تلك المسافة فهل أن التنقل من تونس العاصمة إلى بعض الضواحي كالمرسى من شأنه أن يجعل الفصل 61 يمكن الوالد من المطالبة بإسقاط حضانة الأم".
لقد تعددت الصور القضائية وقررت محكمة التعقيب أن تقدير المسافة مسألة واقعية تخضع لاجتهاد حكام الأصل ولو أنها مراقبة منها لذلك الاجتهاد اعتبرت في قضية أن نقلة الأم بالطفل من تونس العاصمة إلى صفاقس ليست من شأنها أن تحرم الحاضنة من الحضانة محتمية بما أكدته محكمة الموضوع من أن الولي يعمل كطبيب وله سيارة فخمة تمكنه من التنقل من تونس إلى صفاقس في ظروف تخلو من العناء والمشقة وارتفاع في المصاريف.
ولا يمكن بطبيعة الأمر للمعلق على هذا النوع من القضايا ما دامت المسألة واقعية صرفة وتتغير الحلول في شأنها بتغيير المعطيات في كل قضية لكن هذا فقه قضاء صادر بالنسبة لتنقل أو وجود حاضنة في نفس البلاد أي البلاد التونسية التي يقطن فيها الأب والحاضنة، أما بالنسبة للقرار المعلق عليه فإن الأمر يختلف إذ أن الأب أي الولي يقطن في البلاد التونسية بينما تقطن الأم في البلاد الفرنسية، فلا عجب إذن إن تمسك الولي بأحكام الفصل 61 من م.أ.ش الذي ذكرنا به سابقا وأن يبين أنه لا يستطيع زيارة ابنه بسهولة ولا يمكنه القيام بمشمولات الولاية، فهل أن محكمة التعقيب أخذت بهذا الدفع وتبنت الموقف؟
لا
فماذا كان موقفها وكيف بررت الاستثناء من تطبيق المبدأ؟



II ـ الاستثناء من تطبيق المبدإ:

قررت المحكمة: ".. لكن الأمر يكون مختلفا إذا كانت الحضانة مقيمة إبان قيام الزوجية بالخارج مثلما هو الأمر في قضية الحال باعتبار أنه قد ثبت من مظروفات الملف أن الزوجة مقيمة بصفة عادية بالقطر الفرنسي أين وضعت ابنها المتنازع في حضانته وهي لا تزال كذلك مما يجعلها لا تدخل تحت طائلة أحكام الفصل 61 المذكور هذا فضلا عن كون المشرع أوجب في جميع المسائل المتعلقة بالحضانة اعتبار مصلحة الطفل واذا تضاربت المصلحة المذكورة مع مصلحة الولي في ممارسة حقه في الإشراف عليه، فلقد اقتضت القاعدة الأصولية الواردة بالفصل 556 م.ا.ع أن الأصل ارتكاب أخف الضررين ولا شك أن الضرر الذي سيلحق طفلا في سنواته الأولى من عطف وحنان أمه أكثر أهمية من الضرر الذي سيلحق والده من ممارسة حق الزيارة بطريقة يسيرة مما يتعين معه تقديم مصلحة الطفل وقد تناولت محكمة الحكم المنتقد هذا المطعن بالجواب وعللت رأيها تعليلا سليما لا تثريب عليه مما يتجه معه رده".
ومن الملاحظ إذن على صعيد الواقع أن الأمر لا يتعلق بسفر حاضنة سفر نقلة كيفما يشير إلى ذلك الفصل 61 م. أ.ش، فالزوجان كانا منتصبين في فرنسا وقرر الزوج أن يغادر البلاد الفرنسية ويرجع إلى البلاد التونسية ولسنا ندري سبب أو أسباب تلك المغادرة، وإن كان ذلك بمحض إرادته أو بالرغم عنه.
فلربما أصابه ضجير من إقامته في فرنسا ـ وربما أصابه نفور من زوجته ـ أو رغب في الرجوع إلى تونس للعمل بها، ولربما ارتكب افعالا تتعلق بميدان المخدرات أو المسك او الترويج او كانت اجرامية كالسرقة او التحيل او خيانة مؤتمن، لكن مهما كان سبب مغادرته للقطر الفرنسي ورجوعه الى تونس فإنه هو الذي غادر القطر الذي تعيش فيه زوجته.
فإذا تم الطلاق بينهما هل تكون الزوجة مجبرة على الالتحاق به في تونس كي تمارس حضانتها وإلا فإنه يتمسك بحقه كولي في النظر في شؤون منظورة وينبثق يشتكي من أن وجود الحضانة لا يمكنه من القيام بواجباته.
لكن مهما كان سبب مغادرته للقطر الفرنسي ورجوعه إلى تونس فإنه هو الذي غادر البلد الذي تعيش فيه زوجته، فإذا تم الطلاق بينهما هل تكون الزوجة مجبرة على الالتحاق به في تونس كي تمارس حضانتها وإلا فإنه يتمسك بحقه كولي في النظر في شؤون منظوره وينبثق يشتكي من أن وجود الحضانة لا يمكنه من القيام بواجباته.
لو كان الجواب بنعم لكان حلا ظالما، فما هو ذنب الأم كي تنتزع منها الحضانة؟ وتحرم منها؟ وما هو ذنب الطفل كي يحرم من "عطف وحنان أمه"؟ حسب العبارة الواردة صلب القرار التعقيبي، ولا عجب إن قررت محكمة التعقيب "أوجب المشرع في جميع المسائل المتعلقة بالحضانة اعتبار مصلحة الطفل وإذا تضاربت المصلحة المذكورة مع مصلحة الولي في ممارسة حقه في الإشراف عليه فلقد اقتضت القاعدة الأصولية الواردة بالفصل 556 من مجلة الالتزامات والعقود أن الأصل في ارتكاب أخف الضررين ولا شك أن الضرر الذي سيلحق طفلا في...".
مصلحة الطفل
واذا أردنا أن نقف عند هذا التعليل ونتعمق في تحليله فإنه علينا بادئ ذي بدء ان نتساءل إن "كان المشرّع أوجب في جميع المسائل المتعلقة بالحضانة اعتبار مصلحة الطفل"، وبالرجوع الى مجلة الاحوال الشخصية نجد أن مصلحة الطفل مأخوذة بعين الاعتبار من قبل المشرّع تارة بصور ضمنية وتارة بصورة صريحة، فالفصل 56 ينص في فقرته الثانية ومنذ تحريره سنة 1956".. وإذا لم يكن للحاضنة مسكن فعلى الأب إسكانها مع المحضون".. ألا يستروح في هذا النص ان المشرّع آخذ بعين الاعتبار مصلحة المحضون بصورة ضمنية؟
(حول سكنى الحاضنة انظر دراستنا، م.ق.ت.ف 198 ص 28)، ثم ألا يشير الفصل 58 م.أ.ش. صراحة الى مصلحة المحضون بقوله"... ما لم ير الحاكم خلاف ذلك اعتبارا "لمصلحة المحضون..."، وأما الفصل 60 م.أ.ش. فهو ينص:"للأب... كل ذلك ما لم ير القاضي خلافه لمصلحة المحضون"، وأما الفص 62 م.أ.ش ف. قد جاء فيه: "... وما لم تقتض مصلحة المحضون خلاف ذلك"، أما الفصل 67 م.أ.ش. فلقد جاء بفقرته الثالثة".. وعلى القاضي عند البت في ذلك أن يراعي مصلحة المحضون".
وجاء في آخر الفقرة الخامسة من نفس الفصل"... أو لأي سبب يضر بمصلحة المحضون".
فلا مناص إذن من اعتبار أن محكمة التعقيب على صواب عندما اكدت "أن المشرّع في جميع المسائل المتعلقة بالحضانة أوجب اعتبار مصلحة المحضون"، أما بالنسبة للفصل 556 من مجلة الالتزامات والعقود فإنه فعلا يؤكد ان الأصل ارتكاب أخف الضررين.
فما بقي عندئذ على محكمة التعقيب إلا أن تؤكد ان "الضرر الذي سيلحق طفلا في سنواته الأولى من عطف وحنان أمه اكثر أهمية من الضرر الذي سيلحق والده من ممارسة حق الزيادة بطريقة يسيرة مما يتعين معه تقديم مصلحة الطفل"، واعتبرت على ذلك الاساس ان محكمة الحكم المنتقد قد تناولت هذا المطعن بالجواب وعللت رأيها تعليلا سليما لا تثريب عليه مما يتجه معه رده.
تعليل مستساغ
وبما أن محكمة الموضوع قد عللت قضاءها تعليلا مستساغا وبما ان محكمة التعقيب كانت متفقة معها فيما وصلت اليه من نتيجة فإن الزوج أخفق في محاولته انتزاع الحضانة من والدة الطفل، ولربما كان الحل الاقل ضررا بالنسبة لجميع الاطراف أي الطفل وكل من الأب والأم يتمثل في اتفاق بين والدي الطفل على ان تبقى الحضانة للأم وتبعث الأم الطفل على نفقة الأب الى تونس بمناسبة العطل عندما يصبح تلميذا.
فلا يحرم الطفل من عطف والدته وحنانها ويبقى على اتصال بوالده ويتمتع خاصة في الصيف بما توفره البلاد التونسية من مرافق ومناخ ممتع يسعى الاجانب في التمتع به وبالشمس وبما يطيب به العيش، لكن هذا الحل يستوجب وجود ثقة بين الوالدين وعدم قرب من قبل الأم من إلقاء الطفل بتونس وعدم إرجاعه لها مما قد يتسبب لها إما في محاولة لاسترجاعه عندها للبلاد الفرنسية قد تنجح وقد لا تنجح متسببة لها مهما كان من أمر في أتعاب وربما تنقل للبلاد التونسية وأجرة محاماة.
وإذا أصرّ الوالد على عدم إرجاع الطفل ربما لا سعيا لتحقيق مصلحة الطفل بل ربما رغبة في التنكيل بوالدته التي طلقته إنشاء ولفظته لفظ النواة.
ولا يبقى عندئذ للوالدة إلا ان تندب حظها وتذرف دموعا منهمرة بقلب يحترق ولوعة متأججة في فؤادها، أما الطفل فقد لا يجد من يعوض أمه ويغدق عليه العطف والحنان ويحقق له الراحة والاطمئنان وعدم الشعور بالانبتات اذ انه يكون قد تعوّد على مناخ انسجم معه وتكلم لغة أهله وشبّ وترعرع فيه.
فيصبح الطفل ضحية فقدان الانسجام بين والديه فلا يكفي ان يحرم من العيش في كنف عائلة يسودها الوئام بل يصبح عائشا في وسط لا يحقق له لا سعادة ولا هناء ولا توازنا نفسيا، ولربما اعتبر البعض ان عيش الطفل في تونس سيحقق له النشأة في وسط عربي إسلامي بعيدا عن موبقات البلدان الغربية التي وصل بها الأمر الى سن قوانين تسمح بالزواج بين المثليين، فإذا كان الطفل عاش وكبر في فرنسا التي تعج بالموبقات ألا يخشى ان يفقد دينه الذي هو دين أبيه؟
لكن لقائل أن يقول ألا يوجد في فرنسا آلاف الأبناء المسلمين؟ فهل تأثروا بالموبقات؟ ألا يقيمون الصلاة؟ ألا يؤمون المساجد؟ ألا يقومون بالحج الى بيت الله الحرام؟ ألا يصومون رمضان الكريم؟
نرى أن الحل ليس بالسهل ولا بالواضح، ولا يبقى إلا أن نبتهل الى الله عزّ وجلّ بأن يجنّب الطفل مزالق العيش في فرنسا بعد أن تجنب بفضل القضاء التونسي الحرمان من عطف والدته وحنانها.
(انتهى) 

ساسي بن حليمة

2013/02/19

حق الفرد في القاضي الطبيعي ودلالته الانسانية


أن ما يعرف بمفاهيم حقوق الإنسان اليوم هي حقيقة ولدت مع الإنسان عبر تطور فلسفي وسياسي واجتماعي طويل , ويرجع الاهتمام بحقوق الإنسان إلى أنه من أغلى القيم التي يحرص الفرد عليها ويسعى جاهدا لحمايتها والدفاع عنها لأنه يمثل ثمرة كفاح البشرية خلال تاريخها , وحقوق الإنسان – في العصر الحديث – تمثل رمزا للتطور والارتقاء ,وعلامة من علامات التقدم, مما جعلها محل الاهتمام في الوثائق الدستورية والقوانين الوضعية في الأنظمة السياسية المعاصرة. والقضاء سياج هذه الحقوق ومرسى قواعد العدالة, وباسط الاطمئنان, والأمن, والسلام على من تظلهم سماء الدولة. فالقوانين التي يضعها المشرع – مهما كان سموها – لن تبلغ الغرض من سنها إلا إذا توفر على إعمالها قضاء مستقل يفرض سلطانه على الناس كافة دون أي تمييز.
وحق الإنسان في اللجوء إلى القاضي الطبيعي حق أصيل يرتبط بصفة الإنسانية ويؤدي بالضرورة إلى أن لكل فرد الحق بأن يقاضى أما قاضيه الطبيعي ,وإلا يجبر على المثول أمام غير هذا القاضي , لقد أصبح هذا المبدأ من المبادئ الأصولية العليا, بل لعله المبدأ الأول الذي يهيمن على كل نظام قضائي أيا كانت فلسفة هذا النظام .
فكرة القاضي الطبيعي قديمة حديثة اقتضاها مبدأ الفصل بين السلطات أي استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية والتنفيذية, فكل تدخل من أي من هاتين السلطتين في اختصاص القاضي بمناسبة دعوى معينة, يعد اعتداء على سلطة القضاء. ويأتي هذا التدخل في شكل انتزاع دعوى من قاضيها الطبيعي طبقا لإحكام القانون الذي حدد اختصاصه, أي ولايته وجعلها من اختصاص قاضي آخر, ويعد هذا الانتزاع المفتعل للولاية, أو الإضفاء المصطنع للاختصاص, مساسا باستقلال القاضي صاحب الاختصاص الأصيل, بل يتضمن عدوانا على استقلال القاضي غير الأصيل وحياده الذي أصبحت الدعوى من اختصاصه بطريق الافتعال.
وكل ما تقدم يعد تدخلا في شؤون القضاء, لما يؤدي إلى تنحية القاضي عن دعواه, وتخصيص قاض بالذات لنظر الدعوى, لذلك فان مبدأ القاضي الطبيعي مكمل لمبدأ استقلال القضاء, ويعد أيضا نتيجة حتمية لمبدأ المساواة أمام القضاء التي تأبى إلا أن يتساوى الناس أمام قضاء واحد هم القاضي الطبيعي. 
من هو القاضي الطبيعي راعي الحريات حامي الحقوق ؟
القاضي الطبيعي هو القاضي المنوط به – بحسب الأصول – تأدية العدالة, والفصل فيما ينشأ من منازعات أمام المحاكم العادية غير الاستثنائية سواء بين الأفراد بعضا أم بين الأفراد والدولة .
ومن هذا التعريف يتضح أن حق الفرد باللجوء إلى القاضي الطبيعي يعد ناقصا في حالة مثول الفرد أمام محاكم استثنائية تتميز جرائم متهميها بطابع خاص غير مستمد من تعاليم السياسة الجنائية الحديثة, وهي جرائم في الغالب تكون سياسية, ويعني عدم إنشاء محاكم استثنائية, والاحتكام إلى القضاء العام المختص بجميع الجرائم ويشتمل اختصاصه كل المتهمين. ولا يتعارض مع حق الفرد في القاضي الطبيعي أن ينشئ المشرع محاكم خاصة لفئة من المتهمين تتميز جرائمهم ومقتضيات معاملتهم بخصائص مميزة كالأحداث. 
وانطلاقا من مبدأ استقلال القضاء وحياده, يمكننا أن نستخلص عناصر القضاء الطبيعي في كون المحكمة تأسست وتحددت اختصاصاتها بقانون, وذلك قبل وقوع الجريمة, وكون هذه المحكمة أيضا دائمة دون تقييدها بفترة زمنية معينة .

2013/02/18

الاكتشافات العلمية والإثبات في المادة الجزائية


المقدمة:

إذا كان الإثبات في الدعوى المدنية ينصب عادة على تصرفات قانونية ،قد ضبط المشرع مسبقا طرق اثباتها ،فان الإثبات في الدعوى الجزائية يهتم بوقائع حدثت في الماضي يعجز القاضي عن معاينتها وتبينها بنفسه .

وقد درج الفقه على تعريف الإثبات عامة بأنه " إقامة الدليل أمام القضاء، بالطرق التي حددها القانون، على وجود واقعة قانونية رتبت أثارها ". فيما يعرف الإثبات في المادة الجزائية بكونه: " إقامة الدليل على وقوع الجريمة وعلى نسبتها الى المتهم، وعبارة إقامة الدليل تشمل التنقيب عنه فتقديمه ثم تقديره".

فغاية الإثبات في المادة الجزائية هي إبراز وجود فعل مجرم من ناحية ومساهمة المتهم في ارتكابه من ناحية أخرى .وما يقودنا إلى الحديث عن حتمية الإثبات في المادة الجزائية خصوصا ،انه لا إدانة ولا عقاب بدون إثبات ،لذلك تستمر محاولة إثبات الجريمة طوال الدعوى الجزائية. أي أن هدف الإثبات في القضايا الجزائية هو إظهار الحقيقة، إذ لا يعقل إنزال عقوبة بمتهم دون ثبوت: أولا- وجود جريمة، وثانيا- إسناد تلك الجريمة ماديا ومعنويا إليه، أي أن موضوع الإثبات في المادة الجزائية يطال وجود الجريمة في حد ذاتها وتوفر أركانها في حق المظنون فيه.
وتوجد بالنسبة للإثبات الجزائي نظريتان وهما نظرية "حرية الإثبات" ونظرية "الإثبات المقيد"، وتعتبر مجلة الاجراءات الجزائية التونسية الصادرة بموجب القانون عدد 23 لسنة 1968 المؤرخ في 24/7/1968 من بين القوانين المكرسة مبدئيا لنظرية الإثبات الحر إذ نص المشرع بالفقرة الأولى من الفصل 150 م ا ج على أنه "يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، ويقضي الحاكم حسب وجدانه الخالص...".
ويلاحظ من خلال أحكام الفصل المذكور أن المشرع ربط مبدأ حرية الإثبات بمبدأ ثان لا يقل عنه أهمية في المادة الجزائية وهو مبدأ وجدان القاضي الذي أقر كضمانة لعدم التعسف وكقيد على الإفراط في حرية الإثبات فالقاضي الجزائي هو الضامن للمحافظة على التوازن بين مصلحة المجتمع وحقوق المظنون فيه.
و يقتضي مبدأ وجدان القاضي أو ما يسمى كذلك "القناعة الشخصية" أن يكون للقاضي سلطة تقديرية كاملة في وزن قيمة كل دليل على حدا فيأخذ من الأدلة ما تتحقق به قناعته ويطرح جانبا ما لا تركن إليه قناعته الشخصية.
بالتالي لا يمكن إدانة أي شخص مهما كانت التهمة الموجهة إليه بدون أن يكون للقاضي دليل او وسيلة إثبات يؤسس حكمه على احدهما او على كليهما ،فالإثبات هو ركيزة الحكم الصادر عن القاضي في المادة الجزائية.
ولعل تطور الحياة الإنسانية يوما بعد يوم وما يواكبه من تطور أسرع في وسائل ارتكاب الجرائم ،فالمجرم يستخدم أقصى ما يمكنه استخدامه من براعة وحذق حتى يطمس معالم الجريمة بل ويعدم الأدلة التي يمكن أن توصل إليها، جعل عملية الإثبات تعرف "أزمة".
و لقد أثرت الحقيقة العلمية في وسائل الإثبات المعتمدة قانونا ولم يعد ممكنا أن يتجاهل رجال القانون الأبحاث والتطورات العلمية الفاعلة في العلاقات الاجتماعية ،كما لم يعد مسموحا ان ينكر القانون الإفرازات العلمية الحديثةّ".
"فظهور تكنولوجيات حديثة جعل التعويل على وسائل الإثبات التقليدية في غير موضعه باعتبار ان هذه الوسائل أصبحت عاجزة عن إدراك الحقيقة العلمية الجديدة .إذ أن العلم غيّر موضوع الإثبات كما ساعد الوسائل الكلاسيكية على إدراك نجاعة اثباتية اكبر مما كانت عليه".
بالتالي يمكن القول ان الاكتشافات العلمية مكنت من تقريب الحقيقة القضائية من الحقيقة الواقعية . "ويقصد بالحقيقة القضائية تلك التي يتم التوصل إليها بإتباع مجموعة من الإجراءات التي نص عليها المشرع الجزائي عبر مراحل الدعوى الجزائية المختلفة ،بينما يقصد بالحقيقة الواقعية ذلك النموذج الواقعي لكيفية حدوث الجريمة وطريقة ارتكابها ومن اشترك أو ساهم فيها وغير ذلك من التفصيلات والوثائق كما حدثت بالفعل على مسرح الجريمة ".
فلقد كثرت في الآونة الأخيرة مع التطور العلمي أجهزة التسجيل الصوتية والمرئية المتطورة بحيث أصبحت سهلة الحمل والاستعمال وسهلة الإخفاء لأشكالها المختلفة بحيث أصبحت صغيرة الحجم لا يمكن رؤيتها ،ومع صغر حجمها الا انها بلغت درجة عالية وكفاءة ممتازة في التسجيل .ولم تستعمل هذه الأجهزة في رفاهية الإنسان فقط وإنما استخدمت في كشف الجريمة وإثباتها.
فخطورة الظاهرة الاجرامية والسعى لمكافحتها أدى إلى ظهور مجموعة من العلوم تهتم بالجريمة والمجرم وطرق اثباتها ومن أبرزها علم الإجرام الذي "يتضمن البحث عن اساليب الجريمة ،والبواعث على ارتكابها ،ووسائل مكافحتها". وعلم البحث الجزائي العملي ،"جميع إجراءات التحقيق الجزائي التي يباشرها المحقق عند وقوع جريمة او حادث ،توصلا لمعرفة الحقيقة ،وقواعد أساسها التجارب العملية التي وصل إليها المحققون في تحقيق القضايا الهامة ".
وقد ساهمت هذه العلوم في مزيد الاعتماد على ما توصل إليه التطور العلمي والتقني في البحث عن الجريمة وكشفها واثبات توفر أركانها. فتعددت وتنوعت الوسائل العلمية المعتمدة اليوم في مادة الإثبات الجزائي .ويمكن تقسيمها إلى وسائل علمية مباشرة وهي المسلطة مباشرة على جسم الإنسان وهي تشمل المواد المخدرة وجهاز كشف الكذب والتنويم المغناطيسي .ووسائل غير مباشرة مؤسسة على عناصر خارجية عن جسمه كالتصنت الهاتفي التجسس الآلي بواسطة أجهزة الإعلامية استخدام التصوير الفوتوغرافي و التصوير بالكاميرا.
على انه من الملاحظ ان القوانين قلما تواكب التطور العلمي والتكنولوجي في أيامه الأولى ،بل أنها لا تصدر إلا بعد تجربة واقعية تظهر الإشكاليات الفنية الناتجة عن استعمال التقنية الجديدة ،فبعد المشاكل التي طرحتها خدمة البريد وأمكن تجاوزها ،والإرسال الإذاعي والتلفزي في ظل تطور الأقمار الصناعية وإمكانية التقاط البرامج بواسطة هوائيات أرضية وما يمكن ان يحدث من اعتداء على الملكية الفكرية المحمية وعلى حقوق المستهلك وشرف الإنسان باعتباره يؤدي الى مسؤوليات مدنية وجزائية .وبعد المشاكل التي طرحها استعمال الهاتف والأجهزة الطرفية الحديثة والشبكات الخاصة وما يمكن ان يحدث من فوضى في نظرية الإثبات في ظل ثورة رقمية ،فان اكثر ما يجلب الانتباه هو قدرة التكنولوجيا في هذا العصر على نقل المعلومة صورة وصوتا ونصوصا والى اي مكان في العالم بطريقة تفاعلية. لكن هل يمكن استعمال هذه الوسائل العلمية في الإثبات الجزائي ؟
ان اقرار الحرية على مستوى الإثبات لا يعني انتهاج كل الوسائل ماهو مشروع منها وما هو غير مشروع .بل يجب ان يكون دليل الإدانة مشروعا .وتقتضي مشروعية الدليل أن يتوفر في وسائل التحصيل عليه ضابط الشرعية وضابط النزاهة وهو مبدأ لم تقره التشريعات ولكن اجمع عليه الفقه وفقه القضاء واقتضى توفره في وسائل البحث عن الأدلة.
ج1- شرعية الاثبات في المادة الجزائية في ضوء الاكتشافات العلمية

ج2- نزاهة الاثبات في المادة الجزائية في ضوء الاكتشافات العلمية
(يتبع)

الأثر الذي تحدثه القوة القاهرة على إجراءات الطعن بالاعتراض


اعتراض –حضور في الجلسة– مرض– شهادة طبية–قوة قاهرة– حقوق الدفاع.
ملاحظات حول القرار التعقيبي الجزائي


 المؤرخ في 24/11/2004[1]

المفاتيح:

 اعتراض –حضور في الجلسة– مرض– شهادة طبية–قوة قاهرة– حقوق الدفاع.

تعرض المشرع التونسي للاعتراض على الحكم الغيابي بالقسم الخامس من الكتاب الأول من م إ ج وتحديدا بالفصول من 175 إلى 183 التي يمكن من خلالها تعريف الاعتراض  في المادة الجزائية بكونه: "طريقة طعن عادية يتظلم بموجبها المحكوم عليه غيابيا إلى ذات المحكمة التي أصدرت الحكم بحقه وذلك بقصد إلغائه وسحبه".[2]

وينص الفصل 183 م ا ج على ما يلي: "إذا لم يحضر المعترض يحكم برفض اعتراضه بدون تأمل في الأصل ولا يتسنى له الطعن في هذا الحكم إلا بطريق الاستئناف".

 ويستخلص من أحكام الفصل المذكور انه ليس للمحكمة المتعهدة بالنظر في مطلب الاعتراض أن تقبله شكلا إذا لم يحضر المعترض لجلسة الاعتراض ولم ينص المشرع على أي استثناء ويكون بالتالي اعتراضه مرفوض شكلا ولا يتسنى له بعد ذلك سوى اللجوء إلى الطعن بطريق الاستئناف.
  واعتمادا على هذا الفصل فقد أستقر فقه القضاء مستقر على ضرورة حضور المتهم شخصيا في الجلسة الأولى كشرط لقبول اعتراضه شكلا. إذ اعتبرت محكمة التعقيب أنه: "في مادة الاعتراض على الحكم الغيابي ولو كان في مخالفة أو جنحة مالية وقام به المحامي، لا يغني فيه حضور المحامي عن حضور المعترض شخصيا إذ أن غيابه يوجب الرفض شكلا"[3]. وقد ورد بفقه القضاء في ذات السياق أنه "لقبول الاعتراض شكلا يكفي حضور المعترض بالجلسة الأولى ولا موجب لحضوره ببقية الجلسات, والتحقيق بشأن قبول الاعتراض شكلا أو رفضه تبعا لعلم المعترض أمر يهم النظام العام وعلى المحكمة إثارته من تلقاء نفسها "[4].
ولكن يحدث في الواقع أن تحول عوائق مادية دون حضور المعترض في الجلسة الأولى فهل يؤدي ذلك إلى رفض اعتراضه شكلا بصفة آلية وحتمية حتى وان كان المانع مرض ثابت بموجب شهادة طبية؟
لم يجب المشرع عن هذا التساؤل في الفصول المخصصة للاعتراض فالمشرع التونسي كرس أثرا واضحا للقوة القاهرة بالنسبة لآجال الطعن بالاستئناف و التعقيب في الأحكام الجزائية و لم يعتمد هذا الأثر بالنسبة للطعن بالاعتراض على الأحكام الجزائية مما جعل المجال فسيحا أمام فقه القضاء حتى يتبين الأثر الذي تحدثه القوة القاهرة على إجراءات الطعن بالاعتراض.
وفي هذا الإطار جاء القرار التعقيبي عدد5438 المؤرخ في 24/11/2004[5] الذي أقرت فيه محكمة التعقيب مايلي:<<وحيث ان الطعن بالاعتراض على الحكم الغيابي طعن استثنائي شرع لصالح المتهم الذي لم يبلغه الاستدعاء أو حال دون حضوره لدى القضاء مانع قاهر وذلك ليتسنى له بواسطة هذه الوسيلة إبلاغ صوته والدفاع عن نفسه . وحيث ولئن جاء بالفصل 183 م ا ج برفض الاعتراض شكلا ان لم يحضر (المعترض) غير ان ذلك ليس على عمومه فقد اعتبر المشرع حالة القوة القاهرة من المبررات التي تخرق القاعدة ومن مظاهرها  وصورها حالة المرض المعقد الذي يتعذر معه التنقل لحضور جلسة المحاكمة. وحيث أدلى الطاعن بشهادة طبية للمحكمة تضمنت منحه راحة لمدة ثلاثة ايام مما يعني ان حالته الصحية تستوجب استراحة كامل تلك المدة إلا أن المحكمة لم ترد على الشهادة ما إذا كانت تعتبر من باب القوة القاهرة التي تمنع صاحبها من الحضور وتبليغ صوته والدفاع عن نفسه أم لا تعفيه من ذلك مما يعد هضما لحقوق الدفاع ويستوجب تبعا لذلك قبول المطعن لوجاهته ونقض الحكم المطعون فيه لذلك السبب >>.
ويلاحظ من خلال حيثيات القرار السابق بسطها أن محكمة التعقيب:
1-  تعتبر أن الطعن بالاعتراض طعن استثنائي.
2- تؤكد أن الغاية من حضور المتهم هي ضمان حقه في الدفاع عن نفسه ورد التهمة عنه عدم مناقشة قضاة الأصل للشهادة الطبية يعد ضعفا في التعليل وهضما لحقوق الدفاع.
3- مرض المعترض يعد من قبيل القوة القاهرة وهو مبرر شرعي لغيابه.
وتستدعي هذه العناصر الثلاثة بعض الملاحظات:
1-   الطابع الاستثنائي للطعن بالاعتراض؟

أقر المشرع  للمتهم صنفين من طرق الطعن وهي طرق الطعن العادية والمتمثلة في الاستئناف والاعتراض وطرق الطعن الغير عادية  المتمثلة في الطعن بالتعقيب و إلتماس إعادة النظر[6].

و من الثابت تشريعا وقضاء أن الاعتراض في المادة الجزائية وسيلة طعن عادية تخول للمتهم الذي صدر ضده حكم غيابي الحق قي أن يطلب من المحكمة المصدرة له أن تعيد النظر في الدعوى من جديد بحضوره كي يتسنى له تقديم أوجه دفاعه، و ذلك لكي يصبح هذا الحكم صادرا في كنف الاحترام لمبدأي المواجهة و حق كل متهم في الدفاع عن نفسه وهما من أهم ضمانات المحاكمة العادلة.

وبالتالي فإنه لا مجال لمجارة محكمة التعقيب فيما ذهبت اليه في القرار محل التعليق من اعتبار ان الاعتراض وسيلة طعن استثنائية.


2-   مرض المعترض قوة قاهرة:

اعتبرت محكمة التعقيب في قرارها محل التعليق أن مرض المعترض يعد من قبيل القوة القاهرة. وهذا الموقف علاوة عما فيه من قبول للدفع بالقوة القاهرة في مادة الاعتراض الجزائي  رغم غياب نص صريح فإنه يتضمن في ذات الوقت موقفا صريحا لمحكمة التعقيب اعتبرت بموجبه مرض المعترض قوة قاهرة .

لمؤسسة القوة القاهرة أهمية بالغة تبرز على العديد من المستويات إذ تمثل القوة القاهرة والحادث الفجائي وسيلة قانونية هامة تسمح للمدين في التزام عقدي أصبح مستحيل التنفيذ طبقا لها التحلل من هذا الالتزام.  إضافة إلى أنها وسيلة قانونية تسمح له بالتخلص من مسؤوليته المدنية عموما. ولهذا تعتبر القوة القاهرة والحادث الفجائي مسوغا قانونيا يؤدي إلى انهيار القوة الملزمة للعقد متى توافرت شروطها. وقد تعرض المشرع في مجلة الالتزامات والعقود للقوة القاهرة والحادث الفجائي وخصص لهما بابا اعتنى بنظامهما القانوني[7]. ولكن  نظرا إلى أن مؤسسة القوة القاهرة لا تقتصر على القانون المدني وحده وإنما تتعداه إلى كافة فروع القانون فإن الأحكام الواردة في مجلة الالتزامات والعقود تعد بمثابة القاعدة العامة.

فالقوة القاهرة عبارة عن "حادث خارج عن إرادة الإنسان لا تجوز نسبته إليه وليس من الممكن توقعه ولا تفاديه"[8]   و يعرفها الفقيه الرماني ألبيان  Ulpun بأنها " كل ما لم يكن في وسع الآدمي أن يتوقعه وإذا أمكن توقعه فإنه لا يمكن مقاومته".[9] أي أن القوة القاهرة ظرف استثنائي يمكن ان يشمل جميع الوقائع أو الظروف الاستثنائية الخارجة عن السيطرة والتي لم يكن بالإمكان الاحتراز منه أو تجنبه أو تلافيه بصورة معقولة.

وفيما يتعلق بمادة الإجراءات الجزائية يلاحظ غياب أي تنظيم تشريعي للقوة القاهرة  التي لم يتعرض لها المشرع في مجلة الإجراءات الجزائية إلا في الفصلين   213 بالنسبة لأجل الاستئناف و262 بالنسبة لأجل التعقيب ومع ذلك  فإن فقه القضاء ساهم بشكل واضح في تكريس مفهوم القوة القاهرة في إجراءات الطعون الجزائية وخاصة الطعن بالاعتراض.
ومع ذلك فإن قواعد العدل والإنصاف وحق المتهم في الحصول على محاكمة عادلة تتوفر له فيها جميع الضمانات لرد التهمة عن نفسه كما سبق بيانه تبرر الأخذ بالقوة القاهرة في مادة الاعتراض على الأحكام الغيابية.
ومن بين حالات القوة القاهرة التي قبلتها محكمة التعقيب يمكن الاشارة الى:
·            عدم ورود الملف الأصلي للقضية هو من قبيل القوة القاهرة بالنسبة للمعترض على أساس أن ذلك راجع لسبب خارج عن إرادته[10].
·            الخطأ في ذكر قاعة الجلسة في الاستدعاء المسلم للمعترض يعد أمرا خارجا عن إرادته ويعتبر رفض الاعتراض في حقه هضما لحقوقه المشروعة[11].
وقد سبق لمحكمة التعقيب[12] ان اعتبرت أن حالة المرض عند ثبوتها وان كانت من الامور الطارئة التي لا دخل للإنسان فيها فإنه لم يقع إثارتها أمام محكمة الموضوع التي لم يقدم لها عند تعهدها بالنظر في القضية ما يثبت مرض المتهم المعترض واستحالة حضوره بالجلسة.
لقد ذهبت محكمة التعقيب في أحد قراراتها إلى اعتبار أن مسالة تقدير مرض المعترض المتخلف عن الحضور بجلسة النظر في الاعتراض مسألة تقديرية تعود لحكام الموضوع دون رقابة عليهم من محكمة التعقيب وقد جاء بذلك المعنى أن "الهدف الأصلي من الاعتراض هو تمكين المتهم المحكوم عليه غيابيا من حق الدفاع عن نفسه وتخلفه عن الحضور بعلة المرض يعد عدولا منه عن ذلك، وإن الكشوف الطبية المقدمة في هذا الشأن ما هي في الحقيقة إلا وسيلة إثبات للمرض وتقدير جديتها من اختصاص محكمة الموضوع."[13]
و قد دأب عمل المحاكم على اعتبار الشهادة الطبية دليل يمكن الأخذ به لإثبات القوة القاهرة التي تحول دون حضور المعترض بالجلسة وهو ما سبق أن  أكدته محكمة التعقيب حين اعتبرت أن :"الكشف الطبي المقدم من نائب الطاعن بجلسة المحاكمة يحتوي على عذر شرعي يبرر طلب التأخير وإن عدم استجابة المحكمة لذلك المطلب يمثل خرقا لحقوق الدفاع لنيله من مصلحة المتهم في الحضور شخصيا حتى يتمكن من يتولى الدفاع إبداء رأيه في التهمة المنسوبة إليه"[14]
ويلاحظ أن محكمة التعقيب في القرار محل التعليق وضعت شرطا لاعتبار المرض من قبيل القوة القاهرة وهي: "أن يكون المرض معقد يتعذر معه التنقل لحضور جلسة المحاكمة". وهذا الشرط منطقي طالما أن الأمر يتعلق بالإعفاء من شرط الحضور الوارد في الفصل 183 م ا ج.
مما يعني أن فقه قضاء محكمة التعقيب مستقر على اعتبار المرض الثابت قوة قاهرة وبالتالي فإن قضاة الموضوع مطالبون بالرد على أي دفع يقدم لهم بهذا الخصوص.
3-   فيما يتعلق بضمان حق الدفاع للمعترض و عدم مناقشة قضاة الأصل للشهادة الطبية.

ان حق المتهم في محاكمة عادلة يعد حقا دستوريا طبق الفصل 12 من الدستور ومن اهم مظاهر المحاكمة العادلة ان يعطى المتهم فرصة لمناقشة التهمة وردها عن نفسه بما له من حجج ودفوع وبالتالي فإن ما ذهبت اليه محكمة التعقيب من هذه الزاوية سليم من الناحية القانونية ويتماشى وضمانات المحاكمة العادلة وفي هذا الاطار تتنزل أحكام الفقرة الثانية من الفصل 53 م اج التي توجب على حاكم التحقيق ان يتمم جميع الأعمال المثبتة او النافية للتهمة و احكام الفقرتين السابعة والثامنة من الفصل 69 م اج:"ويجب أن يتيح الاستنطاق لذي الشبهة فرصة إبعاد التهمة عنه او الاعتراف بها. وإذا أبدى أدلة تنفي عنه التهمة فيبحث عن صحتها في اقرب وقت"وقد استقر عمل القضاء وخاصة فقه قضاء محكمة التعقيب على أن أحكام هذا الفصل تتجاوز قاضي التحقيق لتشمل مختلف الهيئات القضائية الجزائية فمفهوم المحاكمة العادلة ينبني أصلا على ضمان واحترام حقوق الدفاع وتمكين المتهم من مناقشة التهمة ودفعها عنه.

وتبرر محكمة التعقيب هذا الحل بان :"الهدف الأصلي من الاعتراض هو تمكين المتهم المحكوم عليه غيابيا من حق الدفاع عن نفسه"[15].
وعلاوة عما سبق فقد نص المشرع على وجوبية تعليل الأحكام الجزائية صراحة بالفصل 168 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي ورد فيه ما يلي:" يجب أن يذكر بكل حكم : ... ـ رابعا: المستندات الواقعية والقانونية و لو في صورة الحكم بالبراءة... ". فتعليل الأحكام شرط أساسي لاعتمادها وان الحكم لا يكون مستجيبا لذلك إلا متى كان شاملا لعناصر الدعوى ومجيبا عن الدفوعات الجوهرية التي لها تأثير على وجه الفصل دون خطأ أو تحريف حتى تتمكن محكمة التعقيب من إجراء حقها في مراقبة سلامة الأحكام وحسن تطبيق القانون[16].
ويلاحظ ان محكمة التعقيب في القرار محل التعليق لم تعتبر أن المرض يعد قوة قاهرة بصفة تلقائية رغم ما يوحي به موقفها من الناحية الظاهرية.
فصحيح ان محكمة التعقب لم تناقش مصدر الشهادة الطبية المقدمة ومدى صدقية محتواها وذهبت مباشرة إلى إقرار قاعدة يمكن وصفها بالمبدئية مفادها أن المرض المعقد الذي يتعذر معه التنقل لحضور الجلسة يعد قوة قاهرة.
ولكن هذا الموقف لم يمنع محكمة التعقيب من أن تستدرك وتبين ان سبب النقض في القرار محل التعليق هو عدم مناقشة محكمة الموضوع للشهادة الطبية والتأكد مما إذا كانت تعتبر من باب القوة القاهرة. مما يعني ان تقديم شهادة طبية تفيد مرض المعترض لا يحول دون حق محكمة الموضوع في عدم الأخذ بها ولكن بشرط مناقشتها والرد على ما ورد فيها.
إذ يمكن لمحكمة الأصل مثلا أن تناقش مصدر الشهادة ومحتواها أي الجهة الصادرة عنها ونوعية المرض المنصوص عليه فيها وما إذا كان يبرر عدم الحضور في الجلسة أم لا.
مما يعني أن محكمة التعقيب في القرار محل التعليق أكتفت بإقرار المرض كصورة من صور القوة القاهرة تبرر غياب المتهم عن حضور الجلسة وفي ذات الوقت فإنها حملت قضاة الاصل عبء التثبت من مدى وجاهة الأخذ بالشهادة الطبية وهذا لا يكون طبعا إلا من خلال البحث في مصدرها ونوعية المرض المنصوص عليه فيها.



[1] - منشور في نشرية محكمة التعقيب القسم الجزائي لسنة 2004 ص.104-105.[2] - محمد المنصف بن المختار الزين :"اعتراض المتهم على الحكم الغيابي" رسالة شهادة الدراسات المعمقة في القانون ، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1981.[3] - قرار تعقيبي جزائي عدد 6962 مؤرخ في 18 جوان 1988، م.ق. ت. 1985 ص114.
[4]  قرار تعقيبي جزائي عدد 7839 مؤرخ في 06-12-1983، ن م ت 1983 القسم الجزائي ص36.
[5] - منشور في نشرية محكمة التعقيب القسم الجزائي لسنة 2004 ص.104-105.[6]  محاضرة ماجد الشملي، المنصف العباسي و أحمد كندارة، طرق الطعن في الأحكام الجزائية، مجموعة محاضرات التربص للسنة القضائية 1988 – 1989 ، الهيئة القومية للمحامين، تونس.
[7] - وذلك في بالفصلين 282و 283 م إ ع الخاصين بالإعفاء من المسؤولية العقدية، و يمكن سحب هذين النصين على مفهوم القوة القاهرة في المادة الاجرائية بما أنه ليس لها خصوصية تتميز بها عن مفهومها في بقية المواد.و جاء بالفصل 282 م إ ع أنه" لا يلزم المدين بتعويض الخسارة إذا أثبت سببا غير منسوب إليه منعه من الوفاء أو أخره عنه كالقوة القاهرة..."كما جاء بالفصل 283 م إ ع ما يلي" القوة القاهرة التي لا يتيسر معها الوفاء بالعقود هي كل شيء لا يستطيع الإنسان دفعه كالحوادث الطبيعية من فيضان ماء و قلة أمطار و زوابع و حريق و جراد أو كهجوم جيش العدو أو فعل الأمير. و لا يعتبر السبب الممكن اجتنابه قوة قاهرة إلا إذا أثبت المدين أنه استعمل كل الحزم في درئه و كذلك السبب الحادث من خطأ متقدم من المدين فإنه لا يعتبر قوة قاهرة"  و إذ يتبين من هذين النصين أنهما يتعلقان بالإعفاء من المسؤولية العقدية فإن الشروط العامة للقوة القاهرة الواردة بهما تنطبق على مفهوم القوة القاهرة  في جميع فروع القانون بما في ذلك مادة الإجراءات الجزائية.
- [8] مصطفى مرعي: مرجع سابق ص 131.[9] - مذكور لدى:محمد الكشبور : نظام التعاقد ونظريتا القوة القاهرة والظروف الطارئة. الطبعة الأولى. 1993. ص من 25 إلى 27.[10]  - قرار تعقيبي جزائي عدد 30193 مؤرخ في 19-03-1990، مجلة القضاء والتشريع عدد 5 - ماي 1992.
[11] - قرار تعقيبي جزائي عدد44316 مؤرخ في 21/9/1994 نشرية محكمة التقيب القسم الجزائي لسنة 1994 ص15.[12] - قرار تعقيبي جزائي عدد54614 مؤرخ في 21/12/1995 نشرية محكمة التعقيب القسم الجزائي لسنة 1995 ص25.[13]  - قرار تعقيبي جزائي عدد 5516 مؤرخ في 07-02-1981 ن م ت 1981 القسم الجزائي ص14.
[14] - قرار تعقيبي جزائي عدد 29560 مؤرخ في 07-06-1989 القضاء والتشريع ماي 1991، ص131.[15] - قرار تعقيبي جزائي عدد5516 مؤرخ في 7/2/1981. منشور في م ا ج المعلق عليها من السيد رضا خماخم. ج2.ص229.[16] ) قرار تعقيبي عدد 38803 مؤرخ في 8/3/1994 ن م ت لسنة 1994 ص 296.

الصفحات