2015/05/23

الطعن بالتعقيب في حكم التسجيل العقاري في القانون التونسي


ـ المقدّمـــــــــــــــــة ـ


لقد عرفت حجيّة حكم التسجيل خلال 125 سنة تمثل تاريخ التسجيل العقاري تدرّجا تشريعيا في اتجاه التنقيص منها . ذلك أنّها قد مرّت بثلاث مراحل فارقة :
أوّلا : المرحلة الأولى : من 1885 إلى 1995 : حكم بات غير قابل للرّجوع فيه.
لقد أكّد المشرّع التونسي منذ تبنيه لنظام الاشهار العيني وللتسجيل القضائي للعقارات على الصبغة الباتّة لأحكام التسجيل الصادرة عن المجلس المختلط . وقد تمّ تكريس ذلك منذ صدور الأمر العليّ المؤرخ في 01/7/1885 الذي لم يخضع حكم التسجيل إلى أيّة وسيلة من وسائل الطعن العاديّة أوغير العاديّة . وقد تمّ تأكيد هذا الخيار التشريعي عند إصدار مجلّة الحقوق العينيّة بموجب القانون عـ5ـدد لسنة 1965 المؤرخ في 12/02/1965 . فنصّ الفصل 332 (قديم) م.ح . ع . أنّ " أحكام المحكمة العقارية لا تقبل الطّعن بالاعتراض وبالاستئناف ولا بأيّة وسيلة أخرى " .
ومن بين مبرّرات الصبغة الباتة السّابقة لحكم التسجيل وعدم قابليته للرّجوع فيه :
1 ) ـ تعدّد وسائل الاشهار الوجوبي وتنوّعها سواء بالنسبة لمطلب التسجيل الاختيـــاري أو لملفات المسح العقاري وكذلك إمكانية الاذن قبل الحكم بإجراء اشهارات تكميلية . وذلك على خلاف الأحكام المدنية والتجاريّة الصّادرة عن محاكم الحقّ العام التي لا تستوجب قبل صدورهاإتمام إشهارات الدّعاوى.
2 ) السّلطات والصلاحيّات المخوّلة للقاضي المقرر لدى المحكمة العقاريّة الذي كلّفه الفصل 329 م . ح . ع. " بالسّهر أثناء اجراءات التسجيل على أن لا يقع النيل من أيّ حقّ عينيّ عقاري راجع لقاصر أو غائب ". كما سمح له بل فرض عليه أن " يباشر لهذا الغرض جميع التحقيقات والأبحاث الاّزمة . وله سلطة مطلقة لقيامه بهذه المهمّة." وهذه الصلاحيات والسّلطات غير مخوّلة للقاضي أو المستشار المقرّر لدى محاكم الحق العام اللّذين يلتزمان بموضوع الدعوى وبأطرافها.
3 ) السّلطات والصلاحيّات الاستقرائية الواسعة للمحكمة العقاريّة التي تخوّل لها الاذن تحضيريّا بإتمام جميع الأبحاث التي تؤدي إلى تعيين المالك الحقيقي للعقار وأصحاب الحقوق العينيّة التي يمكن توظيفها على حقّ الملكيّة . كما تخوّل لها الاذن بسماع كلّ من يخشى المساس بحقوقـه أو طلب أيّة وثيقة صالحة أو توضيحات لازمة من كلّ الادارات والمؤسسات العمومية أو الخاصّــة أو أيّ شخص مادي.
4 ) الامكانية المخوّلة لبعض الأشخاص ممّن ليست لهم صفة أو مصلحة للإعتراض على مطلب التسجيل أو على التصريح بالملكيّة . وقد اقتضى الفصـــل 330 م.ح.ع. في هذا الخصوص أنّه " للأقارب أو الأصدقاء ووكيل الجمهوريّة وحكّام النواحي والولاّة صفة القيام مباشرة بالاعتراض نيابة عن القصّر والغائبين ". ويمثل ذلك مظهرا لخصوصيّة القيام لدى المحكمة العقاريّة استوجبته الصبغة الباتة السابقة لحكم التسجيل. وعلى خلاف ذلك ، فإنّ " حقّ القيام لدى المحاكم يكون لكلّ شخص له صفة وأهليّة تخوّلانه حقّ القيام بطلب ماله من حقّ وأن تكون للقائم مصلحة في القيام " حسب مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 19 م.م.م.ت.
ومن بين النتائج التي ترتّبت على الصبغة الباتة السابقة لحكم التسجيل الذي لم يكن قابلا للرّجوع فيه :
1 ) مواجهة الكافة بحكم التسجيل سواء كانوا أطرافا به أو خلفاءهم أوغيرا. وذلك على خلاف الحكم المدني أو التجاري الباتّ الصادر عن محاكم الحقّ العام الذي يصطبغ بحجيّة نسبيّة من حيث الأطراف والموضوع والسّبب . وإذا كان لا يمكن مواجهة الغير بحكم مدني لم يكن طرفا فيه ، فإنّه وحسب مقتضيات الفصل 337 م.ح.ع. " كلّ شخص تضرّرت حقوقه من تسجيل أو ترسيم ناتج عن حكم باتّ بالتسجيل لا يمكن له أصلا أن يرجع على العقار وإنّما له في صورة الخطإ الحق في القيام على المستفيد من التسجيل بدعوى شخصية في غرم الضرر ".
2 ) اكتساب العقار المحكوم بتسجيله صفة العقار المسّجل منذ تاريخ الحكم بالتسجيل وبقاء هذه الصفة ملازمة له إلى ما لا نهاية. ذلك أنّ الأمر العليّ الصّادر في 1/7/1885 ومن بعده مجلّة الحقوق العينيّة لم يقرّا وسيلة طعن أو إجراء خاصّا يؤديان إلى الرّجوع في حكم التسجيل أو الغاء الرّسم العقاري المقام تنفيذا له أو ابطال الترسيمات المتزامنة معه.
ثانيـا ـ المرحلة الثانية : من 1995 إلى 2008 " حكم بات قابل للرّجوع فيه:
لقد صدرت خلال المرحلة الأولى السّابق بيانها العديد من أحكام التسجيل الباتة غير القابلة للرّجوع فيها لم تكن في طريقها . ولم تمثل دعوى غرم الضرر التي قرّرها الفصل 337 م.ح.ع. حلاّ كافيا أو عادلا لمن تضرّر من هذه الأحكام . لأجل ذلك ، بدأ التفكير منذ بداية تسعينات القرن الماضي في إقرار إجراء خاص أو طعن في حكم التسجيل يحدّ من صبغته الباتة أو على الأقلّ من عدم قابليّته للرّجوع فيه.
وقد تمّ في هذا الإطار إقرار إجراء خاص لا يمسّ من الصبغة الباتة لحكم التسجيل غير أنّه يمكن أن يؤدي إلى إمكانيّة الرّجوع فيه. وهذا الاجراء الذي لا يرتقي إلى درجة الطّعن لم يكم معهودا بمجلّة المرافعات المدنية والتجارية. وقد تمثل هذا الاجراء في مراجعة حكم التسجيل التي أقرها القانون عـ10ـدد لسنة 1995 المؤرخ في 23/1/1995 المتعلّق بتنقيح بعض فصول مجلّة الحقوق العينية . وقد أقرّه تنقيح الفصل 332 م. ح. ع.
ومن بين مبّررات إقرار مراجعة حكم بتسجيل صدور العديد من أحكام التسجيل التي لم تكن في طريقها بالنّظر إلى عدم اعتمادها على أسانيد قانونية وموضوعيّة وكانت واضحة بالملف أو وثائق كانت مظروفة به. ومن بين هذه الأحكام تلك التي :
1 ) تعتمد نصّا قانونيّا سبق نسخه أو تنقيحه بما يصيّره غير منطبق.
2 ) لا تعتمد حكما مدنيّا اتصل به القضاء متناقضا مع الحكم العقاري سبق إضافته لملف التسجيل.
3 ) لم تعتمد وثائق كانت مظروفة بالملف ولها تأثير مباشر من شأنه أن يغيّر وجه الفصل في القضيّة.
4 ) كان متناقضا مع حكم سابق بالتسجيل تعلّق بنفس العقار المحكوم بتسجيله.
5 ) اعتمد على أدلة ثبت جزائيا زورها أو تدليسها بحكم نهائي.
ومن أهمّ الآثار المترتبة عن إقرار مراجعة حكم التسجيل أنّ :
1 ) حكم التسجيل ولئن لم يفقد ضبغته الباتّة ، فإنّه قد أصبح قابلا للرّجوع فيه وذلك إذا قرّرت دائرة المراجعة قبول المطلب والقضاء بالرّجوع في حكم التسجيل.
2 ) العقار المحكوم بتسجيله لا يبقي دائما مكتسبا لصفة العقار المسجّل. ذلك أنّه يمكن أن يفقد هذه الصفة في صورة صدور قرار عن دائرة المراجعة بالرّجوع في الحكم القاضي بتسجيله.
3 ) الترسيمات القضائية المتزامنة مع حكم التسجيل وكذلك الترسيمات الادارية التي تتمّ في الفترة الممتدّة بين إقامة الرّسم العقاري وصدور قرار المراجعة لم تعد دائما مكتسبة للحجية المطلقة . فهذه الترسيمات أصبح من الممكن ابطالها بصدور القرار عن دائرة المراجعة بالرّجوع في حكم التسجيل.
ثالثـا : المرحلة الثالثـة : ابتداء من 3/11/2008 : حكم نهائي قابل للنقض بالتعقيب:
لم يكن إقرار المراجعة كافيا لصدور أحكام تسجيل تكون قاطعة في تعيين المالك الحقيقي للعقار . ذلك أنّ حالاتها قد كانت محصورة في صور نادرة الوقوع بالنسبة لحكم التسجيل . من ذلك أنّه لم يكن من بين حالات المراجعة أهمّ حالة تمثل مقياسا لمدى استجابة حكم التسجيل للمعايير القانونيّة لصحّته.
فلا يكون الحكم عموما صحيحا إذا خالف القانون أو أخطأ في تطبيقه أو تأويله. لأجل ذلك ، تمّ سنة 2008 إقرار طعن جديد في حكم التسجيل .
وقد تمّ استبعاد الطّعن بالاستئناف في حكم التسجيل . وفي تبريره لذلك ، أكدّ وزيرالعدل وحقوق الانسان إبّان المداولات المتعلّقة بمشروع القانون عـ67ـدد لسنة 2008 أنّ الاستئناف بمفعوله الانتقالي سيؤدّي إلى تعطيل صدور أحكام تسجيل جديدة خاصّة وأنّ عمليّة التسجيل العقاري قد بلغت آخر مراحلها. كما أنّ إقرار الاستئنـــاف لا يتماشى مع خصوصيّة حكم التسجيل وخصوصيّة الاجراءات الاستقرائيّة من أبحاث وإشهارات. وهذه الخصوصيّة تبرّر انعدام الأثر النسبي.
لأجل ذلك ، تمّ بموجب القانون عـ67ـدد لسنة 2008 المؤرخ في 3/11/2008 إقرار الطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل. وقد نتج عن ذلك:
1 ) خروج الرّقابة على أحكام التسجيل عن المحكمة العقارية ذاتها وإسنادها إلى محكمة التعقيب أعلى هرم الهيئة القضائية العدليّة.
2 ) المفعول التعليقي للطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل على خلاف الانعدام المبدئي للمفعول التعليقي للطّعن بالتعقيب في الحكم المدني والتجاري .
3 ) اتّساع حالات الطّعن في حكم التسجيل بتبنّى أهمّ حالة من حـالات التعقيــب المدنــي : " مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله " .
4 ) فقدان حكم التسجيل لصبغته الباتّة التي صبغته بصبغة قدسيّة طيلة 123 سنة منذ اقرار الاختصاص القضائي للتسجيل العقاري لتنتهي عند إشراف عملية التسجيل على نهايتها.
وبالنّظر إلى خصوصيّة الاختصاص والصبغة والأطراف والاجراءات ، كان من المنتظر أن يكتسي الطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل خصوصيّة تميّزه عن الطّعن بالتعقيب في الحكم المدني. غير أنّه وبالاطلاع على الأحكام الجديدة المنظمة للتعقيب العقاري التي جاء بها القانون عـ67ـدد لسنة 2008 المؤرخ في 3/11/2008 ، يتّضح أنّ المشرّع قد كرّس التبعيّة أكثر من تبنيه الخصوصيّة . وتتجلى مظاهر التراوح بين تبعيّة الطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل وخصوصيته في الاجراءات المنظّمة للتعهّـد بمطلب التعقيـب ( المبحث الأول ) وفي النّظر في شأنه ( المبحث الثاني ).




المبحث الأول : التعهّد بمطلب التعقيب العقاري :



لقد نظّم التنقيح الجديد لمجلّة الحقوق العينيّة بموجب القانون عـ67ـدد لسنة 2008 المؤرخ في 3/11/2008 أغلب اجراءات التعهّد بمطلب تعقيب حكم التسجيل . غير أن المشرّع لم يكتف بذلك وإنّما أحال إلى انطباق القواعد المقرّرة للإجراءات لدى محكمة التعقيب الواردة بمجلّة المرافعات المدنية والتجاريّة بقدر ما لا تتعارض مع خصوصيّة التعهّد بمطلب تعقيب حكم التسجيل.
وبالاطلاع على الاجراءات المنظمة للتعهّد بمطلب تعقيب حكم التسجيل سواء وردت بمجلّة الحقوق العينية أو بمجلّة المرافعات المدنية والتجاريّة ، يتبيّن أنّها قد كرّست في جانب منها مظاهر الخصوصيّة في التعهّد ( الفقرة الأولى) غير أنّها لم تستبعد التبعيّة فـي ذلــك ( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولـى: مظاهر الخصوصيّة في التعهّد :

تتجلّى مظاهر الخصوصيّة في التعهّد بمطلب تعقيب حكم التسجيل في الحكم القابل للطّعن بالتعقيب ( أوّلا) وفي أجل الطّعن ( ثانيا) وفي أثر الطّعن ( ثالثا).

أوّلا ـ الحكم القابل للطّعن بالتعقيب :

يكون قابلا للطّعن بالتعقيب حكم التسجيل سواء كان اختياريّا أو اجباريّا مسحيّا (1). ولا يقبل الحكم المذكور الطّعن بالتعقيب إلاّ إذا كان ايجابيّا (2) وصادرا ابتداء من 18/11/2008 (3)

1 ) حكم التسجيل الاختياري والاجباري والحكم القاضي بالترسيم المتزامن:

اقتضى الفصل 357 ( مكرّر) م.ح.ع. أنّه " يمكن الطّعن بالتعقيب في الأحكام القاضية بالتسجيل أو بالترسيم الناتج عن حكم التسجيل" .
ويتبيّن من ذلك أنّ المشرّع عند تحديد الحكم القابل للطّعن لم يفرّق بين الحكم بالتسجيل الاختياري وبين الحكم بالتسجيل الاجباري المسحي . وعلى خلاف الفقرة الأولى من الفصل 319 (جديد) م.ح.ع. الذي قصر وجوبيّة إنابة المحامي على مادة التسجيل الاختياري دون مادة التسجيل الاجباري ، فإنّ الحكم القابل للطعن هو الحكم القاضي بالتسجيل بصفة عامة سواء كان اختياريـــّا أو اجباريّا. وتكريسا لذلك ، فقد تعهّدت محكمة التعقيب بمطالب تعقيب أحكام تسجيل اجباري يفوق عددها مطالب تعقيب أحكام تسجيل اختياري.
من جهة أخرى ، فإنّ الأحكام القاضية باالتسجيل وبالترسيم المتزامن الناتج عن حكم التسجيل لصكوك المتداخلين تكون كذلك قابلة للطعن بالتعقيب في فرعها المتعلّق بالترسيم.

2 ) الحكم الايجابي :

لا تكون خاضعة للتعقيب إلا الأحكام الايجابيّة سواء في فرعها المتعلّق بالتسجيل أو بالترسيم المتزامن الناتج عن حكم التسجيل . وينتج عن ذلك أنّ الأحكام السلبيـــة لا تكون قابلة للتعقيب.
وعلى خلاف ذلك ، فإنّ مطلب التعقيب المدني يمكن كذلك أن يتسلّط على الأحكام والقرارات النهائية السلبيّة القاضية بإقرار حكم ابتدائي قاض برفض الدّعوى أو عدم سماعها أو تلك القاضية بقبول الاستئناف شكلا وفي الأصل بنقض الحكم الابتدائي والقضاء مجدّدا برفض الدّعوى أو عدم سماعها.
وتأسيسا على ذلك ، فإنّ :
ـ الحكم القاضي برفض مطلب التسجيل الأصلي ورفض التسجيل العرضي غير قابل للتعقيب.
ـ الحكم القاضي بالتسجيل الجزئي غير قابل للتعقيب في خصوص الجزء من موضوع التحديد الوقتي الواقع إخراجه بموجب تحجير تكميلي.
ـ الحكم القاضي بالتسجيل للطّالب ورفض التداخل غير قابل للتعقيب من طرف المتداخل الذي قضى برفض طلب ترسيم الصّكّ سند تداخله.

3 ) الحكم الصّادر بداية من 18/11/2008 :

اقتضت الفقرة الأولى من الفصل 3 من القانون عـ67ـدد لسنة 2008 المؤرخ في 3/11/2008 أنّه " تطبّق الاجراءات المعينة بهذا القانون والمتعلّقة بالتعقيب على الطّعون الواقعة على الأحكام الصّادرة بعد دخول القانون حيّز التنفيذ" .
وقد كرّس المشرّع بذلك الأثر الفوري لانطباق القواعد الاجرائية الجديدة.
وتطبيقا لمقتضيات القانون عـ64ـدد لسنة 1993 المؤرخ في 5/7/1993 المتعلّق بنشر النصوص القانونية بالرّائد الرّسمي للجمهورية التونسيّة ، فإنّ النّصوص القانونية الجديدة تدخل حيّز التنفيذ بعد مضي خمسة أيّام على إيداع الرّائد الرّسمي بمقرّ ولاية تونس ولا يحسب يوم الايداع .
وباعتبار أنّ الرّائد الرّسمي للجمهورية التونسيّة عـ91ـدد الصّادر في 11/11/2008 المدرج به القانون عـ67ـدد لسنة 2008 قد تمّ ايداعه بمقرّ ولاية تونس في 12/11/2008 فإنّ القانون المذكور قد دخل حيّز التنفيذ بتاريخ 18/11/2008.
وعلى خلاف القانون عـ10ـدد لسنة 1995 المؤرخ في 23/1/1995 الذي أقرّ مراجعة حكم التسجيل ، فقد جاءت الفقرة الثانية من الفصل 3 من القانون عـ67ـدد لسنة 2008 بأحكام انتقالية تعلقت بأحكام التسجيل الصّادرة قبل دخول القانون المذكور حيّز التنفيذ . وقد اقتضت الفقرة المذكـورة " أنّ الدّوائر المجتمعة بالمحكمة العقاريّة تواصل النّظر في مطالب المراجعة سواء المنشورة لديها قبل دخول القانون حيّز التنفيذ أو في الأحكام الصّادرة قبل دخول هذا القانون حيّز التنفيذ " .
ونتيجة لذلك ، فإنّ الدّوائر المجتمعة بالمحكمة العقاريّة لم تزل بتاريخ دخول القانون عـ67ـدد لسنة 2008 حيّز التنفيذ ولا تزال إلى اليوم ذات وجود قانوني . ذلك أنّها قد واصلت وتواصل النّظر في مطالب المراجعة المنشورة لديها والتي لم تفصل بعد إلى تاريخ 18/11/2008 وكذلك المطالب المتعلّقة بأحكام التسجيل الصّادرة قبل هذا التاريخ والتي لم تنشر بعد لديها إلى حلول هذا التاريخ.
وتطبيقا لذلك , فقد تعهّدت دائرة المراجعة خلال الفقرة الممتـدّة بيــــــن 18/11/2008 و 31/1/2010 بـ 73 مطلبا. وهذه المطالب علاوة على تعلّقها بأحكام قابلة للمراجعة على مقتضى الحالة الرّابعة والفقرة الثالثة من الفصل 332 (قديم) م.ح.ع. وعلى أحكام صادرة في الفترة الممتدّة بين 17/9/2008 و 17/11/2008 ، فقد تعلّقت كذلك بأحكام قابلة للتعقيب غير أنّه تمّت مراجعتها.
ومن مظاهر الخصوصيّة في التعهد بمطلب تعقيب حكم التسجيل كذلك أجل الطّعن بالتعقيب.

ـ ثانيـا ـ أجل الطّعن بالتعقيب :

اقتضى الفصل 195 م . م . م. ت أنّه " يجب على من يريد الطّعن بالتعقيب أن يرفع طعنه في أجل لا يتجاوز العشرين يوما من تاريخ إعلامه بالحكم بصفة قانونيّة ما لم ينصّ القانون على أجـل آخر " . ولم ينصّ القانون بمجلّة المرافعات المدنية والتجارية سوى على أجل استثنائي وحيد ورد بالفصل 180 وتعلّق بالطّعن المقدّم من طرف وكيل الدّولة العام لدى محكمة التعقيب لمصلحة القانون.
وعلى خلاف ذلك ، فإنّ أجل الطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل ليس موحّدا. وهو يختلف باختلاف الطّاعن (المعيار الشخصي) (1) وباختلاف الحكـم القابـل للطّعــــن ( المعيار الموضوعي) (2).

1 ) تحديد الأجل اعتمادا على المعيار الشخصي:

لقد حدّدت الفقرة الثانية من الفصل 357 ( ثالثا) م . ح . ع . أجل الطّعن بالتعقيب بالنسبة لأطراف الحكم المطعون فيه وخلفائهم بستين يوما من تاريخ صدور الحكم. ويبتدئ سريان هذا الأجل من تاريخ صدور الحكم وليس من تاريخ الاعلام به وهو يتطابق مع أجل المراجعة ويختلف مع أجل التعقيب المدني.
ويحمل الاعلام بالحكم المدني المطعون فيه بالتعقيب على المحكوم لفائدته . أمّا الاعلام بالحكم بالتسجيل ، فتتولاّه حسب الفصل 349 م. ح. ع. كتابة المحكمة العقاريّة. غير أنّ القانون لم يرتّب عليه آثارا قانونيّة ممّا أدّى إلى عدم العمل به منذ عشرات السنين. ولئن كان أجل الطّعن بالتعقيب المرفوع من كلّ من له مصلحة والمسلّط على حكم التسجيل أوالترسيم الذي انبنى على أدلّة ثبت جزائيّا زورها أو تدليسها بحكم نهائـي ( الحالة السّابعة من الفصل 357 ( مكرر) م. ح. ع. ) ستين يوما كذلك ، فإنّ بداية سريانه هو تاريخ صدور الحكم الجزائي النهائي ( الفقرة الرّابعة من الفصل 357 ( ثالثا) من مجلة الحقوق العينية.

(2) تحديد الأجل اعتمادا على المعيار الموضوعي:

لقد مكّنت الفقرة الثالثة من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع النيابة العمومية من القيام بالطّعن بالتعقيب " إذا صدر حكمان أو أكثر بالتسجيل في ذات العقار " ( الحالة الخامسة من الفصــــــــل 357 ( مكرّر) م.ح.ع. ) . ولم يقيّد المشرّع النيابة العموميّة في هذه الحالة بأجل وإنّما تمّ التأكيد على أنّ هذا الطّعن يقدّم " دون أجل " .
ولا تتقيّد النيابة العموميّة في هذه الصورة بأي أجل سواء لنهاية تقديم الطّعــن أو لبدايته. وينتج عن ذلك أنّ طعنها يمكن أن يتسلّط على الحكم البات الذي انتهى أجل الطّعن فيه بالنسبة لأطرافه أو خلفائهم . كما يمكن أن يتسلّط على الحكم النهائي الذي لم يمض بعد على صدوره 60 يوما.
من جهة أخرى ، فإنّ أجل الطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل لمصلحة القانـــون ( الذي كان محلّ خلاف في تخويله لوكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب ) ولئن كان غير مقيّد في نهايته فهو مقيّد في بدايته. ولا يمكن حسب مقتضيات الفصل 180 م.م.م.ت. تقديم هذا الطّعن إلاّ إذا لم يقم أطراف الحكم أو خلفاؤهم بالطّعن فيه في الإبّان.ونتيجة لذلك ، فإن هذا الطّعن لا يمكن أن يتسلّط على الحكم الذي:
ـ لا يزال نهائيا .
ـ صدر في شأنه قرار بقبول مطلب تعقيبه شكلا وأصلا مع الاحالة سواء قضت محكمة الاحالة بما يوافق قرار محكمة التعقيب أو يخالفه.

ثالثـا : الأثر التوقيفي للطّعن بالتعقيب :

اقتضت الفقرة الأولى من الفصل 194 م.م.م.ت أنّ الطّعن بالتعقيب في الحكم المدني لا يوقف مبدئيا تنفيذه. ولا يكون للطّعن بالتعقيب أثر توقيفي إلاّ بصفة استثنائية في الصّور المبيّنة على وجه الحصر بالفقرة المذكورة.
كما أنّ ـ وحسب مقتضيات الفصل 146 م.م.م.ت في فقرته الأولى ـ " استئناف الأحكام الابتدائية ( المدنيّة) يعطّل تنفيذها إلاّ فيما استثناه القانون. "
من جهة أخرى ، فإنّ استئناف الحكم الصّادر في مادة التحيين لا يوقف تنفيذه . ذلك أنّه ـ وحسب مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 24 (جديد) من القانون عـ34ـدد لسنة 2001 المؤرخ في 10/4/2001 المتعلّق بتحيين الرّسوم العقاريّة ـ " يتمّ تنفيذ الحكم الصّادر بالتحيين حالاّ."
أمّا الطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل ، فإنّه يوقف في جميع الحالات ودون استثناء تنفيذه حسب الفقرة الثانية من الفصل 332 (جديد)م.ح.ع.
ويمثل ذلك مظهرا من مظاهر الخصوصيّة في الطّعن في الحكم العقاري بصفة عامة وفي حكم التسجيل بصفة خاصّة.
وللأثر التوقيفي للطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل مبرّرات (1) ونتائج (2).

1 ) مبرّرات الأثر التوقيفي :

أقرّت الفقرة الثانية من الفصل 194 م.م.م.ت بصورة استثنائيّة الاذن من طرف الرّئيس الأول لمحكمة التعقيب بالتوقيف المؤقّت لتنفيذ الحكم المدني المطعون فيه بالتعقيب إذا كان التنفيذ يستحيل معه الرّجوع بالحالة إلى ما كانت عليه قبل إجرائه.
وقد توقّع معدّو مشروع القانون عـ67ـدد لسنة2008 ـ إذا تمّ إقرار انعدام المفعول التعليقي للطّعن بالتعقيب ـ تقديم العديد من مطالب توقيف تنفيذ أحكام التسجيل المطعون فيها . وقد كان من الممكن أن يمثّل ذلك عبئا كبيرا على عمل الرّئيس الأوّل لمحكمة التعقيب بالنّظر إلى حجم مطالب التعقيب التي يمكن أن تتعهّدها بها محكمة التعقيب. ولتلافي ذلك ، تمّ تبنّي مبدإ الأثر التوقيفي للطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل .
من جهة أخرى ، فقد كان حكم التسجيل ينفّذ حالا. ولم تكن مراجعته توقف تنفيذه. ولم يعتبر الفصل 332 (قديم) م.ح.ع. المتعامل على الرّسم العقاري خلال أجل المراجعة حسن النيّة . أمّا في صورة المراجعة ، فإنّ رئيس المحكمة العقاريّة يأذن بإعلام إدارة الملكية العقارية بذلك لإجراء قيد احتياطي على الرّسم العقاري وإلاّ يأذن بتعطيل تنفيذ الحكم.
وإذا كان للمحكمة العقاريّة سواء في مستوى المركز الأصلي أو في مستوى المراكز الفرعيّة تعامل يوميّ متواصل مع إدارة الملكيّة العقارية ، فإنّه ليست لمحكمة التعقيب تقاليد في التعامل مع الادارة المذكورة .ذلك أنّه ليس هناك نصّ تشريعي خاص أو عام ينظّم تعاملا بينهما.
وبالنّظر إلى توقّع كثرة مطالب تعقيب أحكام التسجيل ونتيجة لذلك كثرة الأذون بإجراء القيود الاحتياطيّة ـ إذا تمّ إقرار انعدام المفعول التعليقي ـ أقرّت الفقرة الثانية من الفصل 332 (جديد) م.ح.ع انعدام المفعول التعليقي للطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل . وتكريسا لذلك ، استوجب الفصل 351 (جديد) م.ح.ع ألاّ يقع تنفيذ حكم التسجيل إلاّ إذا لم يقع الطّعن فيه بالتعقيب وانقضى أجله.

2) نتائج الأثر التوقفـي :

تترتّب عن الأثر التوقيفي للطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل النتائج التطبيقية التالية:
ـ لا يقع تنفيذ حكم التسجيل إلاّ بعد مرور 60 يوما عن تاريخ صدوره ولم تتلقّ كتابة المحكمة العقاريّة مطلبا في تعقيبه خلال المدّة المذكورة . وقد اقتضى الفصل 351 (جديد) م.ح.ع أنّه " إذا لم يقع الطّعن بالتعقيب وانقضى أجله يوجّه ملف القضيّة إلى حافظ الملكيّة العقاريّة الذي يتولّى إحداث رسم للعقار المسجّل ". ويفهم من ذلك أنّ تنفيذ حكم التسجيل يتوقّف على عدم الطّعن فيه بالتعقيب وعلى انقضاء أجله معا وليس على تحقّق أحد الشرطين المذكورين فقط.
ـ عدم تنفيذ كتابة المحكمة العقارية لحكم التسجيل إذا تمّ تعقيبه خلال 60 يوما من تاريخ صدوره من غير أطرافه أو خلفائهم . ولئن خوّلت الفقرة السادسة من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع لكاتب المحكمة ألاّ يقبل عريضة الطّعن بالتعقيب إلاّ إذا قدّم الطّاعن وصل تأمين معلوم الخطيّة ، فإنّه لم يسمح له برفض قبول مطلب التعقيب المقدّم ممّن ليس له صفة في الأجل القانوني على مقتضى الفقرتين الأولى والثانية من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع.
ـ الامكانيّة المخوّلة لإدارة الملكية العقارية بعدم تنفيذ حكم التسجيل إذا تمّت إحالته عليها للتنفيذ قبل مرور 60 يوما عن تاريخ صدوره . ذلك أنّ التنفيذ في هذه الحالة من شأنه أن يعطّل اجراءات الطّعن بالتعقيب التي تنبني على الأثر التوقيفي . ولا تقتصر هذه الامكانيّة على حكم التسجيل الذي تتعدّد أطرافه وإنّما تتجاوزها إلى حكم التسجيل الذي لا يكون طرفا فيه سوى طالب التسجيل . فالفصل 351 (جديد) م.ح.ع لم يفرّق بين الحكمين المذكورين عندما اشترط لتنفيذ حكم التسجيل انقضاء أجل التعقيب.
ـ انتفاء ضرورة الالتجاء إلى إجراء القيد الاحتياطي أو إلى الاذن بتعطيل تنفيذ حكم التسجيل الّذين سبق أن قرّرهما الفصل 332 (قديم) م.ح.ع.
ـ عدم تلقّي الرّئيس الأوّل لمحكمة التعقيب لمطالب إيقاف تنفيذ الحكم المطعون فيه على مقتضى الاجراءات المبيّنة بالفقرة الثانية من الفصل 194 م.م.م.ت. بمناسبة التعهّد بمطلب تعقيب الحكم المدني.
غير أنّ الخصوصيّة في التعهّد بمطلب تعقيب حكم التسجيل لا تنفي بعض مظاهر التبعيّة على الأقّل في مستوى النّصوص التشريعيّة.

الفقرة الثانية : مظاهر التبعيّة في التعهّد :

من أهمّ مظاهر التبيعيّة في التعهّد بمطلب تعقيب حكم التسجيل تحديد الطّاعن بالتعقيب (أوّلا) وحالات الطّعن بالتعقيب (ثانيا) واجراءات الطعن بالتعقيب (ثالثا).

أوّلا تحديد الطّاعن بالتعقيب :

لم يتبنّ القانون عـ67ـدد لسنة 2008 خصوصيّة في تحديد الطّاعن بالتعقيب. وإنّما كرّس في ذلك تبعيّة للتعقيب المدني (1) وكذلك للإجراء الخاص السّابق بالمراجعة (2).

1 ) التبعيّة للتعقيب المدني :

على غرار الطّعن بالتعقيب المدني ( الفصل 179 م.م.م.ت) " يمكن الطّعن بالتعقيب ( في حكم التسجيل) ممّن كان طرفا في الحكم المطعون فيه أو من خلفائه "حسب مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 357 (ثالثا)م.ح.ع.
وقد أثير الخلاف حول الامكانية المخوّلة لوكيل الدّولة العام لدى محكمة التعقيب للطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل طبق الاجراءات المبينة بالفصل 180 م.م.م.ت .
* أطراف حكم التسجيل :
لا تختلف صياغة الفقرة الأولى من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. كثيرا عن صياغة الفقرة الأولى من الفصل 179 م.م.م.ت. وقد خوّلت كلاهما لأطراف الحكم المطعون فيه الطّعن فيه بالتعقيب. ولا يمكن أن يكون طرفا في حكم التسجيل سوى طالب تسجيـــل أو مطلوب في حقّه التسجيــل أو مصرّح أو مصرح في حقه أو متداخل أو معترض.
وباعتبار أنّه لا يمكن الطّعن بالتعقيب إلا في الحكم الايجابي القاضي بالتسجيـل أو بالترسيم المتزامن الناتج عن حكم التسجيل ـ على ما سبق بيانه ـ فإنّ الطّعن الواقع من أيّ طرف من الأطراف المذكورة يستوجب صدور حكم ايجابي ضدّه . من ذلك أنّ :
(+) طالب التسجيل أو المصرّح يمكن له أن يطعن في الحكم القاضي :
ـ برفض مطلب التسجيل الأصلي وبالتسجيل العرضي لفائدة المعترض عندما ينازع في استحقاق هذا الأخير.
ـ بالتسجيل لفائدته مع ترسيم صكّ المتداخل عندما ينازع في شرعيّة هذا الصّكّ.
ـ بالتسجيل لفائدته بمعيّة المطلوب في حقّهم التسجيل أو المصرّح في حقّهم عندما ينازع في نسبة الاستحقاق بينهم.
(+) المطلوب في حقّه التسجيل أو المصرّح في حقّه يمكن له ـ علاوة على صور طعن طالب التسجيل أو المصرّح في حقّه ـ أن يطعن في الحكم الصادر بالتسجيل لفائدته بمعيّة طالب التسجيـل أو المصرّح إذا كان ينازع في استحقاقه أو في نسبة الاشتراك بينهما.
(+) المتداخل يمكن له أن يطعن في الحكم القاضي :
ـ برفض مطلب التسجيل الأصلي والتداخل والتسجيل العرضي لفائدة المعترض عندما ينازع في استحقاق المعترض.
ـ بالتسجيل لفائدة طالب التسجيل والمطلوب في حقّهم التسجيل أو المصرّح والمصرّح في حقّهم عندما ينازع في نسبة الاستحقاق بينهم وخاصة النسبة الرّاجعة إلى المنتقل منه الحقّ لفائدتـه أو ينازع في استحقاق أحدهم أو بعضهم ممّن لم ينجرّ إليه الحقّ منه.
(+) المعترض يمكن له أن يطعن في الحكم القاضي :
ـ برفض اعتراضه والتسجيل لفائدة طالب التسجيل أو المصرّح.
ـ برفض اعتراضه ورفض مطلب التسجيل الأصلي والتسجيل لفائدة معترض آخر.
ـ برفض اعتراضه والتسجيل لفائدة الطّالب مع ترسيم صكّ صادر عنه لفائدة المتداخل.
وقد استوجبت محكمة التعقيب لقبول مطلب التعقيب المرفوع من المعترض شكلا أن يكون اعتراضه بملف مطلب التسجيل قد قدّم في الآجال القانونيّة . كما لم تكتف بصفته كطالب تسجيل بصفة لاحقة لنفس العقار المحكوم بتسجيله بموجب الحكم المطعون فيه لقبول مطلب تعقيبه.
وفي هذا الاطار ، جاء بحيثيّات القرار التعقيبي عـ36796ـدد الصّادر في 29/12/2009 أنّه قد " تأكّد أنّ المعقبين لم يكونوا أطرافا في الحكم العقاري موضوع طعنهم بالتعقيب. ذلك أنّ الفصل 325 م.ح.ع. قد اقتضى أنّ الاعتراض يرفض وجوبا إذا قدّم بعد أجل الشهرين من إدراج الاعلام بختم عمليات التحديد بالرّائد الرّسمي المنصوص عليه بالفصل 324 م.ح.ع. وبالتّالي ، فإنّ عدم إثارة المعقبين لاعتراضهم في مطلب التسجيل وتقديمهم لاحقا لمطلب تسجيل لنفس العقار وبعد مضيّ أجل قبول الاعتراضات المذكور لايجعل منهم أطرافا في القضيّة موضوع الطّعن . كما أنّ مطالب التسجيل المقدّمة من قبلهم لا تمكّنهم من تدارك فوات تلك الآجال ولا توفّر في جانبهم صفة المعترضين الحتميين. وحيث والحالة ما ذكر، فإنّ تقديم مطالب تسجيل لاحقة في نفس العقار لا يجعل من المعقبين أطرافا في مطلب التسجيل السّابق النشر ولا يمكّنهم من تدارك آجال قبول الاعتراضات. وبالتالي ، ونظرا لانعدام صفة الأطراف في الحكم المطعون فيه، اتجه رفض مطلب تعقيبهم شكلا ".
ويفهم من قراءة عكسّية للقرار التعقيبي المذكور أنّه يقبل الطّعن بالتعقيب من المعترض الحتمي الذي سبق له تقديم مطلب تسجيل في نفس العقار الواقع تسجيله بموجب الحكم المطعون فيه.


* خلفاء أطراف مطلب التسجيل:
خلفاء أطراف حكم التسجيل الذين يمكن لهم الطّعن بالتعقيب هم إمّا خلف عام أو خلف خاصّ. ذلك أنّ عبارة " خلفائه " بالفقرة الأولى من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. قد وردت على اطلاقها بمــا لا يمكن تأويلها عند التطبيق على أساس تعلّقها بخلف دون الآخر.
وإذا تمثل الخلف العام في الورثة والموصى لهم ، فإن الخلف الخاص ـ على معنى اجراءات الطّعن بالتعقيب في حكم التسجيل ـ هو كلّ من انجرّ إليه الحقّ من أحد أطراف الحكم بالتسجيل الايجابي بمقتضى صكّ قابل للترسيم حسبما هو مبيّن بالفصل 373 م.ح.ع. كالمشتري والموهوب له والمعاوض معه.
* وكيل الدّولة العام لدى محكمة التعقيب :
لقد مكّن الفصل 180 م.م.م.ت وكيل الدّولة العام لدى محكمة التعقيب من الطّعن في الحكم لمصلحة القانون إذا كان نصّه متضمّنا لخرق قاعدة قانونيّة . وهذا الطّعن مشروط بعدم قيام أحد أطراف الحكم أو خلفائهم بالطّعن بالتعقيب في الأجل القانوني. ونتيجة لذلك ، فإنّه لا يمكن أن يتسلّط على حكم موضوع مطلب تعقيب لا يزال منشـورا أو صدر في شأنه قرار تعقيبي . كذلك ، فإنّ هذا الطّعن مشروط بمخالفة الحكم لقاعدة قانونيّة صريحة. ولا يمكن التوسّع فيه ليشمل غير ذلك من اجتهاد في تقدير الوقائــع أو حجج الأطراف.
و" القرار الذي يصدر بقبول ذلك الطّعن يقتصر فيه على تصحيح الخطإ القانوني بدون إحالة . ولا يمكن أن يمسّ بحقوق الخصوم المكتسبة بالحكم المطعون فيه.ويذيّل الحكم المنقوض بنصّ ذلك القرار " حسب مقتضيات فصل 181 م.م.م.ت.

2 ) التبعيّة النسبيّة للمراجعة :

بالنّظر إلى خصوصيّة حكم التسجيل ، مكّن المشرّع أشخاصا آخرين من الطعن بالتعقيب العقاري. وفي هذا الاطار ، فإنّه يمكن تقديم مطلب التعقيب بصفة استثنائية من غير أطراف الحكــم أو خلفائهم وكذلك من النيابة العموميّة.
* من له مصلحـة :
اقتضت الفقرة الرّابعة من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. أنّه " يمكن لكلّ من له مصلحة الطّعن بالتعقيب في الحالة السّابعة المذكورة بالفصل المتقدّم " . وتتمثل الحالة المذكورة في انبناء " الحكم المطعون فيه على أدلّة ثبت جزائيا زورها وتدليسها بحكم نهائي . ولا يقبل التعقيب إذا ثبت اكتساب ملكيّة العقار من الغير حسن النيّة.
ويعتبر ذلك من مظاهر خصوصيّة التعقيب العقاري بالمقارنة مع التعقيب المدني . ذلك أنّ التعقيب المدني ليس مخوّلا لمن له مصلحة سواء بصفة مبدئيّة أو استثنائيّة . أمّا التعقيب العقـاري ـ كما كانت المراجعة ـ فهو مخوّل بصفة استثنائيّة لكلّ من له مصلحة . وقد تمّ تكريس هذه الخصوصّة كذلك بالنسبة للطعن في حكم التحيين . فقد خوّل الفصل 28 من القانون عـ34ـدد لسنة 2001 المؤرخ في 10/4/2001 المتعلّق بتحيين الرّسوم العقارية سواء في صيغته القديمة أو بعد تنقيحه لكلّ من له مصلحة طلب إعادة النظر في حكم التحيين أواستئنافه.

* النيابة العموميّة:
لقد تبنّى المشرع التبعيّة للمراجعة في خصوص تحديد الحكم القابل للتعقيب عن النيابة العموميّة غير أنّه كرّس الخصوصيّة في تحديد الطّاعن. وقد اقتضت الفقرة الثالثة من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. أنّه " يمكن للنيابة العموميّة في الحالة الخامسة المذكورة بالفصل المتقدّم الطّعن بالتعقيب بطلب في الغرض يوجّه إليها من ديوان قيس الأراضي ورسم الخرائط ( ديوان قيس الأراضي والمسح العقاري حاليّا) أو ممّن يهمّه الأمر ". وتتمثّل هذه الحالة في صدور حكمين أو أكثر بالتسجيل في ذات العقار. ولا تمثّل هذه الحالة حالة من حالات التعقيب المدني. وقد كانت تمثّل حالة من حالات المراجعة.
غير أنّ طلب المراجعة في هذه الحالة كان مخوّلا للمحكمة العقاريّة من تلقاء نفسها. وقد كان يقع التفطّن إلى صدور حكمي تسجيل في ذات العقار من طرف ديوان قيس الأراضي والمسح العقاري الذي يعلم بذلك رئيس المحكمة العقاريّة أو رئيس المركز الفرعي الرّاجع إليه بالنّظر أو من رئيس المحكمة أو المركز الفرعي أو أحد القضاة. وفي جميع الحالات، يتولّى رئيس المحكمة العقاريّة تعهيد دائرة المراجعة أو يتولّى رئيس المركز الفرعي مكاتبته في ذلك.
ويقصد من عبارة " من يهمّه الأمر " الواردة بالفقرة الثالثة من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. كلّ من تضرّر من صدور حكم التسجيل الثاني أو الذي يليه. من ذلك ، المحكوم له بالتسجيل بموجب حكم التسجيل الأوّل أو خلفاؤه وكذلك المالكون المرسّمون بالرّسم العقاري الذي أقيم تنفيذا لحكم التسجيل الأوّل.
ويثار التساؤل في هذه الحالة بخصوص تحديد النيابة العموميّة التي يمكنها الطّعن بالتعقيب . فهي تتمثّل في وكيل الجمهوريّة لدى المحكمة الابتدائية والوكيل العام لدى محكمة الاستئناف ووكيل الدّولة العام لدى محكمة التعقيب ومساعديهم. وإذا كانت النيابة العموميّة لا تقدّم مطلب تعقيب مدني إلاّ في الحالة الخاصة المبينة بالفصل 180 م.م.م.ت، وإذا كانت اجراءات التعقيب الجزائي الواردة بمجلّة الاجراءات الجزائيّة لا تنطبق على اجراءات التعقيب العقاري، فإنّ تحديد النيابة العموميّة المخوّلة لها التعقيب العقاري يبقى غير واضح. وقد كان من المفروض توضيحه تشريعيّا. غير أنّه يمكن التأكيد على أن ممثّل النيابة العموميّة المخوّل له التعقيب في هذه الحالة لا يمكن أن يكـــون إلاّ وكيل الدّولة العام لدى محكمة التعقيب. وممّا يؤكّد ذلك أنّ وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب يتدخّل في اجراءات التعهّد بمطلب التعقيب ( الفصل 187 م.م.م.ت) كما أنّه يحضر بجلسة دائرة التعقيب ( الفصل 188 م.م.م.ت) وبجلسة الدّوائر المجتمعة ( الفصل 193 م.م.م.ت).
ومن بين مظاهر التبعيّة في التّعهّد بمطلب التعقيب العقاري حالات التعهّد بالمطلب.



ثانيـا ـ حالات التعقيــب :

يتبيّن من الاطلاع على حالات التعهّـد بمطلب التعقيب العقاري التي حصرها الفصــل 357 ( مكرّر) م.ح.ع. أنّها إمّا أن تكون حالات مستمدّة من التعقيب المدني (1) أو مستمدّة مـــن المراجعة (2).

(1) حالات مستمدّة من التعقيب المدني :

لقد استمدّ الفصل 357 (مكرر) م.ح.ع. الحالات الأولى والثانية والثالثة والرّابعة والسّادسة من حالات التعقيب العقاري من حالات التعقيب المدني الواردة بالفصل 175 م.م.م.ت. وتتمثل هذه الحالات في الحالات التالية:
* انبناء الحكم على مخالفة القانون أو الخطإ في تطبيقه أو تأويله :
تعتبر هذه الحالة من أكثر حالات التعقيب المدني والعقاري شيوعا. ذلك أنّـــه لا تخلو منها أية مستندات تعقيب.وقد كان خلوّ حالات المراجعة التي سبق أن ضبطها الفصل 332 (قديم) م.ح.ع. من هذه الحالة سببا في عدم نجاعتها.
وعند الاستناد على هذه الحالة، لا بدّ أن يذكر بمستندات التعقيب النّص القانوني الذي ينسب إلى الحكم المطعون فيه مخالفته أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله وكذلك وجه المخالفة أو الخطإ. ومن أكثر النصوص القانونيّة التي تأسست عليها مستندات التعقيب العقاري نصوص من مجلّة الحقوق العينيّة ( الفصول 22 و 45 و46 و325) ومن مجلّة المرافعات المدنية والتجاريّة( الفصـل 12 و 94 و 102 و 110 و 123) ومن مجلّـة الالتزامات العقـود ( الفصـول 2 و 325 و 481 و 581 و 1416). كما تأسّست على نصوص خاصّة مثل الأمر العليّ المؤرخ في 18/6/1918 ومجلّة التهيئة الترابية والتعمير والقانون الأساسي للبلديات وغيرها وقد استوجبت محكمة التعقيب في قرارها عـ35363ـدد الصّادر في 5/1/2010 أن يقع بمستندات التعقيب ذكر النص القانوني المنسوب الى الحكم المطعون فيه مخالفته.
وقد تصدّت محكمة التعقيب إلى المطاعن المبنيّة على هذه المستندات فاستجابت إلى البعض منها عندما تأكّدت من وجاهتها ونقضت الحكم المطعون فيه بعدما بيّنت أوجه مخالفته للقانــــون أو خطأه في تطبيقه أو تأويله. من ذلك القرار التعقيبي عـ36796ـدد الصّادر في 29/12/2009 الذي نقض حكم تسجيل عقار سبق لنفس المحكمة أن قضت برفض مطلب تسجيله دون الادلاء بأدلّة جديدة معتبرة أن في ذلك مخالفة للفصل 336 من مجلة الحقوق العينية.
من جهة أخرى ، أكدّت محكمة التعقيب على خصوصيّة الاختصاص والاجراءات لدى المحكمة العقاريّة عند نظرها في مطاعن بمخالفة قاعدة قانونية. وعند ردّها على مطعن مثار من المكلّف العام بنزاعات الدولة تمثّل في مخالفة الفصــل 102 م.م.م.ت ( الذي يستوجب أن يكون الاختبار بواسطة ثلاثة خبراء إذا كانت الدّولة طرفا في القضيّة)، أكدّت محكمة التعقيب في قرارها عدد 37673 الصّــادر في 22/12/2009 أنّ " مقتضيات الفصل 102 م.م.م ت لا يمكن أن تؤخذ على اطلاقها بالنسبة للإختبارات المأذون بها في القضايا المنشورة أمام المحكمة العقارية وذلك نظرا لخصوصيّات اجراءات التسجيل . فالاختبارات العقاريّة في مادّة التسجيل الاختياري لها خصوصياتها باعتبار اختصاص القضاة التابعين للمحكمة العقارية في ذلك الميدان والاستعانة بالخبراء لا تخضع ضرورة إلى كامل الاجراءات المنصوص عليها بمجلّة المرافعات المدنيّة والتجاريــّة ".
* تجاوز الاختصـاص :
تختصّ المحكمة العقاريّة في الحكم بتسجيل العقارات وبالترسيم المتزامن الناتج عن حكم التسجيل . ولا يمكن لها أن تقضي بغير ذلك . وقد قرّر هذا الاختصاص المطلق والمحدود الفصلان 333 و335 من مجلة الحقوق العينية.
وبذلك ، فإنّه لا يمكن لها أن تقضي بما هو راجع إلى اختصاص محاكم الحق العام في الدعاوى المتعلّقة بالعقارات كالدّعاوى الاستحقاقية أو الحوزية وفي الدعاوى المتعلّقة بصّحة العقـود أو نفاذها. فلا يمكن لها أن تقضي باستحقاق العقارات أو قسمتها أو بفسخ العقود أو ابطالها. وقد منع الفصل 22 (جديد) من قانون تحيين الرّسوم العقاريّة صراحة على دائرة الرّسوم المجمّدة أن " تحكم بالقسمة أو فسخ العقود أو ابطالها . على أنّ هذا لا يمنعها من التأمّل في الكتائب وتقديم بعضها على بعض".
وإذا كان من الممكن صدور حكم عن محاكم الحق العام فيما يتجاوز اختصاص المحكمة التي أصدرته بالنّظر إلى تداخل اختصاصاتها ( وهوما استوجب إقرار أحكام متعلّقة بالتعديل بين المحاكم بمقتضى الفصل 198 م.م.م.ت)، فإنّه لا يتصوّر صدور مثل هذا الحكم عن المحكمة العقاريّة في مادة التسجيل أو الترسيم . وإذا لم يصدر إلى حدّ الآن قرار تعقيبي استنادا إلى هذه الحالة ، فإنّه لا يتصوّر ـ على الأقلّ في المستقبل المنظور ـ صدور مثل هذه القرارات.
* الافراط فـي السّلطـة :
لقد خوّل المشرّع للمحكمة العقاريّة صلاحيات كبيرة وواسعة ومكّنها من اتخاذ اجراءات استقرائيّة بغاية التوصّل إلى التعيين القطعي للمالك الحقيقي للعقار . كما أفرز التطبيق الحياد الايجابي للمحكمة للوصول إلى هذه الغاية. وقد خوّلها ذلك السعي ولو دون طلب إلى إحضار حجج الأطراف سواء المحفوظة لدى الغير أو المدلى بها بملفات أخرى محفوظة لديها.
من جهة أخـرى ، فـإنّ عبارة " السلطة " لم ترد بمجلّة الحقوق العينيّــــة إلاّ بالفصل 329 منها والذي لم يقيّدها. فقد منح الفصل المذكور القاضي المقرّر سلطة مطلقة عند مباشرته لجميع التحقيقات والأبحاث التي تضمن " أن لا يقع النيل من أي حقّ عيني عقاري راجع لقاصر أو غائب". ولم ترد عبارة " سلطة مطلقة " بأيّ نصّ قانوني آخر بالتشريع التونسي.
وقد أثير هذا المطعن المستند على الافراط في السلطة لدى محكمة التعقيب بمناسبة نظرها في مطلبي تعقيب على الأقل قبلته بالمطلب الأوّل وردّته بالمطلب الثاني :
ـ المطلب الأوّل عـ36916ـدد (تم ضمّه إلى المطلب عـ36796ـدد) والذي نسب لمحكمة الحكم المطعون فيه، الافراط في السلطة عندما قضت بما يخالف الطلبات المبينة بتقارير نائبي أطراف المطلب وبما لا يتماشى مع مقترحات القاضي المقرّر. وقد ردّت المحكمة على هذا المطعن في قرارها عـ36796ـدد الصّادر في 29/12/2009 بأنّ " عدم اعتماد المحكمة على ما تمّ تدوينه صلب تقارير نائبي الأطراف لا يعدّ افراطا في السلطة ولا هضما لحقوق الدّفاع اعتبارا وأن المحكمة تستخلص من تلك التقاريرما تراه صالحا باعتبارها صادرة عن معيني القضاء. كما أنّه وبالنسبة لاقتراحات القاضي المقرّر ، فهي لا تقيّد المحكمة شريطة أن يقع تعليل الحكم تعليلا مستساغا مستمدّا ممّا له أصل ثابت بالملف ".
ـ المطلب الثاني ، تمثل في مطلب التعقيب عـ37363ـدد الذي قدّمه معترض طاعنا في حكم تسجيل مسحي قضى برفض اعتراضه والتسجيل لفائدة المصرّح استنادا إلى إقرار مكتوب من المعترض صادق بمقتضاه على تفويته في موضوع التصريح لفائدة المصرّح. وقد نسب للحكم المطعون فيه الافراط في السلطة استنادا إلى أنّ الاقـــرار لم يصدر عنه . وقد صدر القرار التعقيبي عـ37262ـدد في 01/12/2009 بقبول المطلب شكلا وأصلا استنادا إلى أنّ كتب الاقرار لم يكن مظروفا بالملف واعتبر أن الحكم المطعون فيه قد أفرط في السلطة .
* عدم مراعاة الصيغ الشكليّة التي رتّب القانون على عدم مراعاتها البطــلان أو السّقوط :
لا يوجد بمجلّة الحقوق العينيّة أي نصّ قانوني يرتّب صراحة البطلان أو السّقوط على عدم احترام أيّ إجراء يخصّ سير عملية التسجيل العقاري. وحتّى الفصل 325 م.ح.ع لم يرتب هذا الجزاء على تقديم الاعتراض خارج الأجل أو عدم إرفاقه بالوثائق المستند عليها وإنّما قرّر أنّه يرفض وجوبا.
ويجد ذلك تبريره في أنّ اجراءات التسجيل العقاري تشرف عليها المحكمة منذ تقديم مطلب التسجيل أو فتح المنطقة المسحيّة إلى تنفيذ حكم التسجيل وليس للأطـراف أو نائبيهم دور محدّد في ذلك.
وفي حالة صدور حكم بالتسجيل العرضي لفائدة معترض قدّم اعتراضه خارج الأجل أو لم يرفقه بالوثائق المستند عليها فإنّه يكون قابلا للطعن بالتعقيب لمخالفته قاعدة قانونية صريحــــة ( الفصلان 324 و 325 م.ح.ع) أي استنادا للحالة الأولى من الفصل 357 ( مكرر) م.ح.ع وليس لعدم مراعاته الصيغ الشكليّة التي رتّب القانون على عدم مراعاتها البطلان أو السّقوط.
* التقصير في تمثيل فاقد الأهليّة:
هذه الصورة تتعارض ظاهريّا مع خصوصيّة اجراءات التسجيل لدى المحكمة العقاريّة التي تمنح القاضي المقرّر سلطة مطلقة في السّهر على أن لا يقع النيل من أي حقّ عيني راجع لقاصر . وقد خوّله الفصل 329 م.ح.ع مباشرة جميع التحقيقات والابحاث . كما مكّنه من طلب التمديد في أجل المعارضة من رئيس المحكمة العقاريّة قصد القيام نيابة عنهم بالاعتراض. كما سمح الفصل 330 م.ح.ع لبعض الأشخاص الذين ليس لهم صفة بمباشرة الاعتراض في حقّهم.
غير أنّ هذه الحالة يمكن أن تجد انطباقها في أحكام التسجيل التي تعتمد على تقرير القاضي المقرّر الذي لم يباشر التحقيقات والأبحاث الاّزمة لضمان عدم النيل من حق عيني راجع لقاصر بالرّغم من أنّ المؤيدات المظروفة بالملف يمكن أن يؤدّي التدقيق فيها إلى الكشف عن هذا الحق الذي لم يصرّح به طالب التسجيل أو المصرّح .

(2) حالات مستمدّة من المراجعـة :

لقد أبقى الفصل 357 (مكرّر) م.ح.ع صراحة على حالتين فقط من الحالات الخمس للمراجعة التي أوردها الفصل 332 (قديم) م.ح.ع. أمّا بقيّة الحالات ، فقد استوعيتها الحالة الأولى المتمثلة في مخالفة القانون أوالخطإ في تطبيقه أو تأويله.
وتتمثل هاتان الحالتان في :
* صدور حكمي تسجيل أو أكثر في ذات العقار :
تنتج حالة صدور حكمي تسجيل أو أكثر في ذات العقار عن غلط في إتمام الأعمال الفنيّة من طرف ديوان قيس الأراضي والمسح العقاري عند إجراء التحديد الوقتي.
كما يمكن أن تنتج عن تقصير من طرف القاضي المقرّر عند إعداد تقرير الاعلام ( على معنى الفصل 340 م.ح.ع.) وإتمام الأبحاث العينيّة وذلك بعدم التعرّض إلى دراسة الارتباط مع ملفّات مطالب تسجيل أو ملفّات مسحيّة سابقة تمثّل معارضة حتميّة.
ولا بدّ أن يكون الحكم بالتسجيل الثاني أو الذي يليه صادرا ابتداء من 18/11/2008 وإلاّ يكون قابلا للمراجعة ( على مقتضى الاجراءات الواردة بالفصل 332 (قديم) م.ح.ع.) وغير قابل للتعقيب. كما لا بدّ أن يتعلّق حكما التسجيل أو أكثر بنفس العقار. وفي هذا الاطار، أكدّت محكمة التعقيب في قرارها عـ36796ـدد الصّادر في 29/12/2009 أنّ " الحكم السّابق بالتسجيل الموجب للنقض المنصوص عليه خامسا بالفصل 357 (مكرّر) م.ح.ع. هو الحكم القاضي بالتسجيل المسلّط على نفس العقار. وبالتّالي، لا يمكن اعتبار الحكم المطعون فيه متعارضا مع الحكم السّابق الذي ولئن قضي بمقتضاه بالتسجيل إلاّ أن ذلك ليس بعينه الذي تسلّط عليه التسجيل بل قضي في شأنه بالرّفض".
كما رأت دائرة المراجعة في قرار صادر عنها بداية سنة 2008 أنّ إسناد نفس العدد لقطعتين مسحيتين بمفس الدّائرة المسحيّة غلطا من طرف ديوان قيس الاراضي والمسح العقاري يعدّ من قبيل الغلط المادي في الأمثلة القابل للإصلاح على مقتضى الفصل 332(مكرّر) م.ح.ع. وليس من قبيل صدور حكمي تسجيل في ذات العقار.
* انبناء الحكم على أدّلة ثبت جزائيا زورها أو تدليسها بحكم نهائي :
لا بـدّ أن يكون الحكم المستند عليه في هذه الحالة :
ـ صادرا بعد صدور حكم التسجيل المطعون فيه وغير مظروف بالملف.
ـ جزائيّا نهائيّا . فلا يقبل الحكم المدني كما لا يقبل الحكم الجزائي الابتدائي.
ـ صادرا بالتدليس أو التزوير . فلا يقبل الحكم الصّادر بالتحيّل أو بالاستيلاء على مشترك قبل القسمة أو بالرّجوع إلى الشغب بعد التنفيذ أو بتكسير حدّ.
ومن مظاهر التبعيّة في اجراءات التعهّد بمطلب التعقيب العقاري كذلك اجراءات تقديم مطلب التعقيب وتعهيد المحكمة .

ثالثـا ـ اجراءات تقديم مطلب التعقيب وتعهيد المحكمة :

من أبرز مظاهر تبعيّة اجراءات التعقيب العقاري لاجراءات التعقيب المدني تلك المتعلّقة بتقديم مطلب التعقيب وتعهيد دائرة التعقيب . وتقع مباشرة الاجراءات الأولى لدى كتابة المحكمة العقارية . أمّا الاجراءات الثانية ، فتباشر لدى محكمة التعقيب.

(1) الاجراءات لدى كتابة المحكمة العقاريّة :

لا تختلف صياغة الفقرات الخامسة والسّادسة والسّابعة والثامنة من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. عن صياغة الفصول 182 و 183 و 184 م.م.م.ت. وبالنّظر إلى أنّ القانون الجديد قد استحدت طعنا جديدا لحكم التسجيل، فإنّه قد أوجب على كتابة العقاريّة مباشرة اجراءات جديدة لم تكن معهودة لديها. وهذه الاجراءات إمّاهي معهودة لدى كتابة محكمة الحكم المدني المطعون فيه أو هي مستحدثة خاصّة بكتابة المحكمة العقاريّة.
* اجراءات معهودة لدى كتابة محكمة الحكم المدني المطعون فيه :
تتمثل هذه الاجراءات في :
ـ توقيع عريضة الطّعن بالتعقيب والتنصيص على تقديمها.
ـ تقييد عريضة الطّعن حالاّ بدفتر خاصّ معدّ للغرض . ويسند كاتب المحكمة بالدّفتر المذكور لمطلب التعقيب عددا رتبيّا يكون خاصّا بكتابة المحكمة العقارية لا يلازمه عند مباشرة اجراءات التعقيب لدى كتابة محكمة التعقيب التي تستند للمطلب نفسه عددا رتبيّا جديدا خاصّا بها.
ـ تسليم الطّاعن وصلا في تلقّي مطلب التعقيب يتضمّن تاريخ تقديمه.
ـ إعلام كتابة محكمة التعقيب فورا بتقديم عريضة الطّعن بأيّ وسيلة تترك أثرا مكتوبا . ولئن لم يحدّد المشرّع وسيلة معيّنة ، فقد كرّس التطبيق الاعتماد على الاعلام بواسطة آلة الفاكس الذي يضمن الفوريّة وترك الأثر المكتوب.
ـ مطالبة الطّاعن بالادلاء بوصل تأمين معلوم " الخطيّة الواجب تسليطها عليه إن لم يكسب دعواه. ويعفى من هذا التأمين الدّولة والمسعفون بالاعانة العدليّة ". ولئن لم يسمح المشرّع لكاتب المحكمة إمكانية مراقبة تقديم عريضة الطّعن في الأجل وتضمنها للبيلنات الوجوبيّة ، فإنّه خوّله رفض تلقّي عريضة الطّعن إذا لم تكن مرفوقة بوصل تأمين الخطيّة ولوقدّمت في آخر يوم من الأجل .
* اجرارات خاصّة بكتابة المحكمة العقاريّة :
تتمثل هذه الاجراءات المستحدثة في :
ـ وجوب " استدعاء محامي المعقب طبقا للفصلين 342 و 343 وتسليمه نسخة من الحكم المطعون فيه مقابل وصل يتضمّن تاريخ التسليم " ولئن اعتمد المشرّع طريقة التبليغ الاداري للاستدعاء ، فقد درج التطبيق لدى كتابة المحكمة على الاعتماد على أيّ وسيلة للاستدعاء تؤدّي إلى الثبوت القطعي لتسلّم محامي المعقّب لنسخة الحكم.من ذلك ، تسليم المحامي نسخة الحكم مباشرة عند تقديمه مطلب الطّعن إذا كانت النسخة جاهزة أو بعد تقديم مطلب الطّعن عند تواجده بمقرّ المحكمة. كلّ ذلك بشرط توقيع المحامي على وصل يتضمّن تاريخ التسليم.
ـ إضافة نسخة من وصل تسليم نسخة من الحكم المطعون فيه إلى ملف القضيّة الذي يوجهه كاتب المحكمة العقارية إلى محكمة التعقيب . ولتاريخ استدعاء محامي المعقّب لتسلّم نسخة الحكم كما يجب قانونا تأثير على نظر محكمة التعقيب في قبول المطلب من الناحية الشكليّة . ذلك أنّه وحسب مقتضيات الفقرة التاسعة من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. " إذا لم يحضر محامي الطّاعن لتسلّم نسخة الحكم في أجل شهر من تاريخ استدعائه كما يجب يسقط طعنه".

(2) الاجراءات لدى كتابة محكمة التعقيب :

اقتضت الفقرة العاشرة من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. أنّه " تتمّ مباشرة الاجراءات الاّحقة لتلقي عريضة الطّعن لدى كتابة محكمة التعقيب التي تتولى تقييد القضية لديها بالدّفتر المعدّ للغرض ".
وهذه الاجراءات إمّا أن تكون محمولة على أطراف مطلب التعقيب أو أن تكون محمولة على محكمة التعقيب.
* الاجراءات المحمولة على أطراف محكمة التعقيب :
حمّلت الفقرتان الأخيرتان من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. المعقّب والمعقّب ضدّه التزامات اجرائية يباشرانها لدى كتابة محكمة التعقيب.
(+) التزامات المعقّب :
أوجبت الفقرة قبل الأخيرة من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. على المعقّب خلال أجل لا يتجاوز ثلاثين يوما من تاريخ تسليم نسخة الحكم العقاري أن يقدّم إلى كتابة المحكمة ما يلي :
ـ " نسخة من الحكم المطعون فيه مع صورة من الوصل في تسلّمه " . ولا يتصوّر أن تكون لتقديم نسخة من الحكم جدوى طالما أنّ كتابة المحكمة العقاريّة ترسل ملف الحكم المطعون فيه إلى محكمة التعقيب كاملا بما فيه نسخة الحكم . أمّا صورة الوصل ، فهي ضروريّة لمقابلتها مع أصل الوصل الذي ترسله كتابة المحكمة العقاريّة في خصوص تاريخ تسليم نسخة الحكم . وقد صدر مؤخرا قرار تعقيبيّ قاض بقبول مطلب التقعيب شكلا وأصلا استنادا إلى اختلاف تاريخ تسليم نسخة الحكم بأصل الوصل وبنسخته.
ـ " مذكرة من محاميه في بيان أسباب الطّعن بصورة توضّح نوع الخلل المقصود من الطّعن وتحديد مرماه مع ماله من المؤيدات " . وتعتبر هذه المذكرة نهائية باعتبارأنّه ليس هناك تبادل للتقاريربين محامي الأطراف وأن محكمة التعقيب تبتّ في المطلب من أوّل جلسة .
ـ " ما يفيد تبليغ المعقّب عريضة الطّعن وأسبابه إلى المعقّب ضدّه المحكوم له بالتسجيــل أو خلفائه بواسطة عدل منفّذ" .
غير أن الفقرة المذكورة من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. لم تلزم المعقّب في الحالة السابعة من حالات التعقيب المبينة بالفصل 357 (مكرّر) م.ح.ع. بالادلاء بنسخة من الرّسم العقاري ليتسنّى التأكد من عدم اكتساب ملكية العقار من الغير حسن النيّة . ويعتبر ذلك من قبيل السّهو غير المبرّر من المشرّع. فالطعن في هذه الحالة يوجّه ضدّ المحكوم له بالتسجيل الذي إن فوّت في العقار بعد الحكـم لا تكون له في غير صورة ضمان الاستحقاق مصلحة في مباشرةاجراءات التعقيب. أمّا الغير المرسم بالرّسم العقاري ، فإنه لا يكون على علم بوقوع الطعن بالتعقيب.
وقد رتّب القانون على عدم الادلاء بكل ذلك سقوط الطّعن وبالتالي القضاء برفض مطلب التعقيب شكلا. وقد صدرت في هذا الخصوص عن محكمة التعقيب قرارات في المادّة المدنيّة برفض مطلب التعقيب شكلا لعدم الادلاء بعلامة البلوغ.
غير أنّه قد صدر عن محكمة التعقيب القرار عـ37673 في 22/12/2009 قضى بقبول مطلب تعقيب حكم تسجيل شكلا بالرّغم من أنّ المعقّب لم يتولّ تبليغ المعقّب ضدّه عريضة الطّعن وبالرّغم من أن النيابة العموميّة قد طلبت رفض مطلب التعقيب شكلا لهذا السبب. وقد برّرت المحكمة ذلك بأنّه " انطلاقا من أنّ مضمون عريضة الطّعن يستند إليه المعقّب ضدّه في مراقبة آجال الطّعن واجراءاته، فإن عدم تبليغ الطّاعن المطعون ضدّه عريضة الطّعن لا يحول دون مناقشة طعونه ضرورة أنّ محضر تبليغ مستندات الطّعن قد تضمّن تاريخ تقديم مطلب التعقيب ". وقد أكدّت المحكمة أنّ "الاجراء الذي يحقّق أغراضه رغم مخالفته لا يترتّب عنه السّقوط أو البطلانّ " .
وفي قرارها عـ36454ـدد الصّادر في 10/11/2009 ، قضت محكمة التعقيب برفض المطلب شكلا لأن الطّاعن قد قدّم مستندات الطّعن إلى كتابة المحكمة بعد مرور أجل الثلاثين يوما المبيّن بالفقرة الحادية عشر في الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. وأكـدّت المحكمـة فـي قـرارهــا أنّ " المسقطات وجوبيّة وسقط بذلك طعن الطّاعن واتجه رفض المطلب شكلا " .
ـ التزامات المعقّب ضـدّه :
فرضت الفقرة الأخيرة من الفصل 357 (ثالثا) " على المعقّب ضّده إذا أراد الجواب أن يقدّم بواسطة محام لدى التعقيب إلى كتابة المحكمة مذكّرة في دفاعه ومؤيداته بعد اطلاع محامي الطّاعن عليهاوذلك خلال مدّة لا تتجاوز الثلاثين يوما من تاريخ تبليغه عريضة الطعن وأسبابه" .
وتتمثل التزامات المعقّب ضدّه بذلك في :
ـ وجوبيّة إنابة محام لدى التعقيب إذا أراد الجواب ومناقشة مستندات الطّعن.
ـ تقديم مذكرة في دفاعه إلى كتابة المحكمة في أجل لا يتجاوز ثلاثين يوما من تاريخ تبليغه عريضة الطعن وأسبابه.
ـ اطلاع محامي الطّاعن على مذكرة دفاعه ومؤيّداته.
وإذا أخل المعقّب ضدّه بهذه الالتزامات ، فإنّه لا يقبل منه الجواب وتنظر المحكمة في المطلب حسبما تقتضيه أوراق الملف.
* اجرءات محمولة على محكمة التعقيب :
تتمثل هذه الاجراءات في اجراءات تباشرها كتابة المحكمة واجراءات يباشرها وكيل الدولة العام والرئيس الأوّل .

ـ اجراءات تباشرها كتابة محكمة التعقيب :
ألزم الفصل 187 م.م.م.ت. كاتب المحكمة العقاريّة بعد انقضاء الأجل الممنوح للمعقّب ضدّه لتقديم مذكّرة في دفاعه ومؤيداته " أن يحيل ملف القضيّة على وكيل الدّولة العام لدى محكمة التعقيب ليتولّى بنفسه أو بواسطة أحد المدّعين العامين لدى تلك المحكمة تحرير ملحوظات كتابيّة " . وقد كانت كتابة دائرة المراجعة لدى المحكمة العقارية حسب مقتضيات الفصل 332 (قديم) م.ح.ع. تحيل الملف على رئيس المحكمة العقاريّة الذي لا يأذن بتقييده إلاّ إذا رأى جدّية مطلب المراجعة.
كما ألزم الفصل 187 المذكور كتابة المحكمة بإعلام محامي أطراف مطلب التعقيب بموعد جلسة دائرة التعقيب المتعهّدة قبل انعقادها بثمانية أيّام على الأقلّ . ويتمّ الاعلام بالطريقة الاداريّة .
ـ اجراءات يباشرها وكيل الدّولة العام لدى محكمة التعقيب والرّئيس الأوّل بها :
يتولّى وكيل الدّولة العام حسب مقتضيات الفصل 178 م.م.م.ت " بنفســــه أو بواسطة أحد المدّعين العامين تحريرملحوظات كتابيّة في ما يراه حول صحّة الطّعن من عدمه . ولا يثير سببا جديدا إلاّ إذا كان متعلّقا بالنظام العام. ثمّ يحيل هذه الملحوظات مع الملف على الرّئيس الأوّل لمحكمة التعقيب ".
ويشير القرار الصّادر عن محكمة التعقيب دائما إلى ملحوظات النيابة العموميّة وإلى طلباتها. من ذلك القرار التعقيبي عـ37673ـدد الصّادر في 22/12/2009 الــذي أشــار إلــى " ملحوظات النيابة العموميّة الرّامية إلى طلب رفض مطلب التعقيب شكلا وإلى الاستماع إلى شـرح ممثلها بالجلسة ".
أمّا الرّئيس الأول لمحكمة التعقيب ، فإنّ دوره في مستوى اجراءات التعهّد يقتصر على تعيين موعد لجلسة ملف مطلب التعقيب. وعلى خلاف ذلك ، فقد كان الفصل 332 (قديم) م.ح.ع. خوّل لرئيس المحكمة العقاريّة النّظر في جدّية مطلب المراجعة اعتمادا على توفّر إحدى حالات المراجعة. وإذا رأى أنّ المطلب غير جدّي ، يصدر قرارا فرديّا برفض المطلب.
ولا تقتصر مظاهر تبعيّة التعقيب العقاري إلى التعقيب المدني على مرحلة التعهّد بمطلب التعقيب وإنّما تتجاوزها لمرحلة النّظر في المطلب.

المبحث الثانــي: النّظر في مطلب التعقيب :

بعد استيفاء اجراءات التعهّد بمطلب التعقيب ، تتعهّد المحكمة بالمطلـــــب ( الفقرة الأولى) وتصدر في شأنه قرارها ( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : المحكمة المتعهّدة بمطلب التعقيب :

لم يأت القانون عـ67ـدد لسنة 2008 المؤرخ في 3/11/2008 بقواعد اجرائية جديدة في خصوص المحكمة المتعهّدة بالنّظر في مطلب التعقيب العقاري ولا في خصوص محكمة الاحالة. وقد اكتفى بالاحالة على القواعد المقرّرة للإجراءات لدى محكمة التعقيب الواردة بمجلّة المرافعات المدنية والتجارية طالما أنّها لا تتعارض مع أحكام التعقيب العقاري. ويعتبر ذلك من مظاهر تكريس التبعيّة.
وتنظر في المطلب محكمة التعقيب بإحدى دوائرها(أوّلا) التي يمكن لها أن تقضي بالنقض مع الاحالة الى محكمة الاحالة (ثانيا) . وقد يؤدّي الأمر إلى تعهّد الدوائر المجتمعة عند التعقيب للمرّة الثانية لنفس السّبب (ثالثا).

أوّلا ـ دائرة التعقيب :

اقتضى الفصل 357 (مكرّر) أنّ " أحكام المحكمة العقاريّة القاضية بالتسجيــل أو بالترسيم الناتج عن حكم التسجيل نهائية الدّرجة وتقبل الطّعن بالتعقيب لدى محكمة التعقيب ". غير أنّ القانون الجديد لم يضبط لا التركيبة (1) ولا الاجراءات المنظمة لسير الجلسة (2). وبذلك ، فإنّه لا بدّ من الرّجوع إلى المقتضيات الواردة بمجلّة المرافعات المدنية والتجاريّة.

(1) تركيبـة دائرة التعقيب :

لقد جعل الفصل 190 م.م.م.ت كلّ دائرة من دوائر محكمة التعقيب تتألف من رئيس ومستشارين اثنين بمساعدة كاتب . كما أكدّ على وجوبيّة حضور ممثل النيابة العموميّة بالجلسة. ومكّن الرّئيس الأوّل لمحكمة التعقيب أن ينيب لرئاسة الجلسة أقدم مستشاري الدّائرة إذا اقتضت الضرورة ذلك. كما منع من سبقت مشاركته في الحكم المطعون فيه من المشاركة في إصدار القرار.

(2) سير جلسة دائرة التعقيب :

أكّد الفصل 188 م.م.م.ت على عدم علنيّة جلسات محكمة التعقيب. فقد اقتضى أنّه " تنعقد الجلسة بحجرة الشورى بمحضر ممثّل النيابة العموميّة ومساعدة الكاتب . ويمكن لمحامي الخصوم أن يحضروا للمرافعة إن طلبوا ذلك كتابة.ولا يمكن أن تقع المرافعة إلاّ في خصوص ما قدّموه كتابة ".
كما فرض الفصل 189 م.م.م.ت. " على المحكمة أن تبتّ في كافة المطاعن وتصدر بعد المفاوضة قرارا ممضى من جميع قضاتها " . وتستعرض المحكمة بالقرار الصّادر عنها جميع مطاعن التعقيب المثارة وتتولّى الردّ عليها مطعنا مطعنا إلاّ في حالة اتحاد وجه القول في جميعها أو في بعضها.
وبذلك ، فإنّ الاجراءات لدى دائرة التعقيب تختلف عن الاجراءات لدى دائرة المراجعة لدى المحكمة العقاريّة من حيث التعهّد والتركيبة وسير الجلسة.
فدائرة التعقيب يعهّدها الرّئيس الأول لمحكمة التعقيب بجميع مطالب التعقيب المقدّمة بعد استيفاء الاجراءات السابقة . أمّا دائرة المراجعة ، فلا يعهدها رئيس المحكمة العقاريّة إلاّ بالمطالب الذي يرى أنّها جدّية . أمّا المطالب التي يرى أنّها غير جدّية، فيصدر في شأنها قرارا فرديّا بالرّفض حسب اجراءات الفصل 332 (قديم) م.ح.ع. كذلك، فإنّ الدّوائر المجتمعة للمحكمة العقارية تتركّب من رئيس المحكمة أو الوكيل الأوّل ومن أربعة وكلاء ممّن لم يسبق لهم المشاركة في الحكم . ولا يحضر بجلستها ممثّل النيابة العموميّة . وهي تعقد جلساتها بصفة علنيّة على مقتضى الاجراءات المبينة بمجلّة الحقوق العينيّة وما لا يتعارض معها من الاجراءات المبينة بمجلّة المرافعات المدنية والتجاريّة.

ثانيـا ـ محكمة الاحالة :

لئن كانت محكمة الاحالة لا تتعهّد بمطلب التعقيب ولا تنظر فيه ، فإنّ نظرها في المطلب من جديد بعد نقض الحكم المطعون فيه سواء من دائرة التعقيب أو من الدّائرة المجتمعة مرتبط بمآل مطلب التعقيب وبالقرارت الصادرة عن محكمة التعقيب في شأنه.
وقد جاء بالفقرة الأولى من الفصل 357 (رابعا) م.ح.ع. أنّه في صورة قبول محكمة التعقيب المطلب " تقرّر نقض الحكم كلّيا أو جزئيا وتصرّح في كلّ الحالات بإرجاع القضيّة إلى المركز الأصلي أو الفرعي للمحكمة العقاريّة الذي أصدر الحكم المطعون فيه لإعادة النّظر فيما تسلّط عليه النقض بواسطة هيئة أخرى".

(1) تركيبة محكمة الاحالة :

تنظر محكمة الاحالة في ملف القضية الرّاجع إليها من محكمة التعقيب بموجب قبول مطلب التعقيب كلّيا أو جزئيا بهيئة أخرى غير التي أصدرت الحكم المطعون فيـه ولا يكون من بين هذه الهيئة الأخرى القاضي المقرر الذي سبق له أن تولّى اجراء الأبحاث بالملف الأصلي (الفصل 312 م.ح.ع). وتتمثل محكمة الاحالة في المركز الأصلي أو الفرعي للمحكمة العقارية الذي أصدر الحكم المطعون فيه. غير أنّه قد لايكون بالمركز الفرعي الذي سبق له أن أصدر الحكم المطعون فيه وتعهّد بموجب الاحالة من القضـاة ما يكفي لانتصاب هيئة أخرى. وإزاء هذه الوضعيّة ، فقدخوّلت الفقرة الثانية من الفصل 178 م.م.م.ت لمحكمة التعقيب " في بعض الحالات أن تحيل القضيّة على محكمة أخرى متساوية الدّرجة إذا رأت ما يدعو لذلك ".
كذلك ، فإنّ المحكمة العقارية بمركزها الأصلي ومراكزها الفرعية (الفصل 310 م.ح.ع) هي محكمة واحدة موحّدة على خلاف محاكم الحق العام . وينتج عن ذلك أنّه يمكن لقضاتها أن ينتصبوا للقضاء بأيّ فرع من فروعها إذا دعت الضرورة لذلك . ويمكن تبعا لذلك أن يكون من بين قضـــاة " الهيئة الأخرى " لمحكمة الاحالة قضاة من المركز الأصلي أو من أحد المراكز الفرعية الأخرى.
من جهة أخرى ، فإنّ الفقرة الأولى من الفصل 357 (رابعا) م.ح.ع لم تشترط تركيبة خاصّة لمحكمة الاحالة وذلك على خلاف دائرة إعادة النّظر في مادة تحيين الرّسوم العقارية التي كان القانون يستوجب أن تكون متركبة من وكيل رئيس وقاضيين مقرّرين ممّن لم يسبق لهم النّظر في الحكم المطعون فيه. ونتيجة لذلك ، فإنّه يمكن أن تتألف محكمة الاحالة بالمراكز الفرعيّة من قضاة من غير وكلاء الرّئيس والقضاة المقرّرين.

(2) سير جلسة محكمة الاحالة :

تنظر محكمة الاحالة من جديد في ملف مطلب التسجيل وفقا للإجراءات التي تحكم سير جلسة المحكمة العقاريّة عند نظرها في مطلب التسجيل للمرّة الأولى . وهذه الاجراءات تنظمها مجلّة الحقوق العينيّة وما لا يتعارض مع أحكامها من مجلّة المرافعات المدنية والتجاريّة.
وتكون الجلسة علنيّة . ويمكن لنائبي الأطراف طلب تأخير البت في الملف للإطلاع وتبادل التقارير. كما يمكن للمحكمة إصدار أحكام تحضيرية لاتمام أبحاث مكتبيّة أو عينيّة يجريها القاضي المقرّر. ولا تتولّى المحكمة على خلاف محكمة التعقيب النّظر في الملف منذ الجلسة الأولى في جميع الحالات . وإذا تعلّق الأمر بملف مطلب تسجيل اختياري ، فإنّه لا يمكن لأطراف الملف بالجلسة أن يقدّموا ملحوظات كتابيّة أو شفاهيّـة إلاّ بواسطة محاميهم ( الفصل 343 م.ح.ع) . أمّا بالنسبة للملفّات المسحيّة ، فإنه يمكن للأطراف ذلك دون الاستعانة بمحاميهم.
من جهة أخرى ، فإنّ محكمة الاحالة مقيّدة عند نظرها في الملف بما تسلّط عليه النقض . من ذلك أنّه وفي صورة النقض الجزئي ، لا تنظر المحكمة فيما لم يتسلّط عليه النقض . فإذا صدر المطعون فيه بتسجيل أكثر من قطعة وصدر القرار عن محكمة التعقيب بقبول مطلب التعقيب في خصوص قطعة أو أكثر وبرفض المطلب في القطع الأخرى ، فإنّ نظر محكمة الاحالة لا يمكن أن يتسلّط إلاّ على القطعة أو القطع التي قبل مطلب التعقيب في شأنها.
أمّا بالنسبة لتقييد نظر محكمة الاحالة في المطلب من حيث الأطراف ، فإنّ الأمر يختلف بحسب ما إذا كان الحكم المطعون فيه متعلّقا بحكم اختياري أو مسحي . فبالنسبة لأحكام التسجيل الاختياري ، فإنّه إذا تمّ الحكم برفض مطالب تعقيب بعض أطراف الحكم وقبول تعقيب أطراف أخرى ، فإنّ من رفض طعنه لا يمكن اعتباره طرفا للمطلب أمام محكمة الاحالة ولا تقع المناداة عليه بالجلسة. ذلك أنّ الحكم قد أصبح بالنسبة إليه باتّا بموجب رفض مطلبه في التعقيب. كذلك الأمر بالنسبة لأطراف الحكم المطعون فيه الذين لم يتولوا الطّعن فيه بالتعقيب. ولا تقبل اعتراضات جديدة في مادّة التسجيل الاختياري أمام محكمة الاحالة بالنّظر من جهة إلى تقيد المحكمة بالنّظر في المطلب من حيث الأطراف ولفوات أجل الاعتراض حسب مقتضيات الفصلين 324 و 325 من مجلة الحقوق العينية.
أمّـا بالنسبة للملفات المسحيّة ، فإنّه يمكن قبول اعتراضات جديدة من طرف محكمة الاحالة من غير أطراف الحكم المطعون فيه . ذلك أنّ الاعتراض في مادّة التسجيل الاجباري غير مقيّد بأجل على خلاف التسجيل الاختياري .


ثالثـا ـ الدّوائر المجتمعة لدى محكمة التعقيب :

أشار التنقيح الجديد إلى الدّوائر المجتمعة لدى محكمة التعقيب وخوّلها النّظر في مطالب التعقيب العقاري . غير أنّه أوكل تنظيم تعهّدها وتركيبتها إلى مجلّة المرافعات المدنية والتجاريّة.
وتتعهّد الدوائر المجتمعة عند توفّر الصورة المبينة بالفقرة الثالثة من الفصل 357 (رابعا) م.ح.ع. وهي نفس الصّورة الواردة بالفصل 191 م.م.م.ت. وقد اقتضت هذه الفقرة أنّه " إذا حكمت محكمة الاحالة بما يخالف ذلك ووقع الطّعن في هذا الحكم بنفس السّبب الذي وقع النقض من أجله أوّلا ، فإنّ محكمة التعقيب متألفة من دوائرها المجتمعة تتولّى النّظر في خصوص المسألة القانونية الواقع مخالتها من دائرة الاحالة " .

(1) تركيبة الدّوائر المجتمعة :

تتركّب الدّوائر المجتمعة لدى محكمة التعقيب حسب مقتضيات الفصل 193 م.م.م.ت. " من الرّئيس الأوّل ورؤساء الدّوائر وأقدم مستشار من كلّ دائرة علـــى أن لا يقلّ أعضاء الهيئة عن الثلثين من كلّ صنف . وتعقد جلساتها بمحضر وكيل الدّولة العام وبمساعدة كاتب المحكمة " .
وبذلك ، فإنّ عدد أعضاء الدّوائر المجتمعة يمثل ضعف عدد الدوائر بمحكمة التعقيب يضاف إليهم الرئيس الأوّل ووكيل الدّولة العام . ولا يمكن أن يكون من بين أعضائها من النيابة العموميّة غير وكيل الدّولة العام . وهي بذلك تركيبة موسّعة بالمقارنة مع تركيبة دائرة التعقيب التي لا تضـمّ إلاّ أربعة قضاة.

(2) سير جلسة الدّوائر المجتمعة :

تجتمع الدّوائر المجتمعة لدى محكمة التعقيب حسب مقتضيات الفصل 193 م.م.م.ت. بدعوة من الرّئيس الأوّل . وفي صورة تعادل الآراء يكون رأيه مرجّحا.
وعلاوة على ذلك ، فإنّ اجراءات سير جلسة دائرة التعقيب المبينة بالفصلين 188 و 189 م.م.م.ت. تنطبق على سير جلسة الدّوائر المجتمعة.
وتصدر عن المحكمة المتعهّدة بمطلب التعقيب قرارات تختلف بحسب اختلاف المحكمة التي تصدرها وبحسب اختلاف موقفها من المطلب.

الفقرة الثانية ـ القرارات الصادرة في مطلب التعقيب :

تنظر محكمة التعقيب في مطلب التعقيب وتصدر في شأنه قرارها (أوّلا) وإذا قرّرت قبول مطلب التعقيب شكلا وأصلا تحيل الملف على محكمة الاحالة التي تصدر في شأنه أيضا قرارها (ثانيا). وإذا تمّ الطعن بالتعقيب للمرّة الثانية لنفس السّبب ، تتعهّد الدّوائر المجتمعة بالمطلب وتصدر في شأنه كذلك قرارها (ثالثا).

أوّلا ـ القرارت الصّادرة عن دائرة التعقيب:

يصدر عن دائرة التعقيب قرار برفض مطلب التعقيب شكلا (1) أو بقبوله شكلا ورفضه أصلا (2) أو بقبوله شكلا وأصلا (3).

(1) رفض مطلب التعقيب شكلا :

تصدر محكمة التعقيب قرار برفض مطلب التعقيب شكلا إذا :
ـ تـمّ تقديمه ممّن ليس له صفة الطّاعن على ما سبق بيانه من ذلك القرار التعقيبي عـ36796ـدد الصّادر في 29/12/2009.
ـ تـمّ تقديمه خارج الآجال القانونية.
ـ لم يوف الطّاعن بالالتزامات المحمولة عليه بموجب اجراءات تقديم مطلب التعقيب التي استوجبتها الفقرتان التاسعة والحادية عشر من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. والمتمثلة في :
ـ عدم تسلّم نسخة الحكم المطعون فيه في الآجل .
ـ عدم الادلاء بنسخة الحكم المطعون فيه ووصل تسلّمه ومذكّرة أسباب الطّعن وما يفيد تبليغ المعقّب ضدّه عريضة الطّعن وأسبابه. وقد صدر في هذا الخصوص القرار التعقيبي عـ36454ـدد في 10/11/2009 ( الذي سبقت الاشارة إليه) برفض مطلب التعقيب شكلا لأنّ الطّاعن قدّم مستندات الطّعن بعد مرور أجل الثلاثين يوما المنصوص عليه بالفقرة الحادية عشر من الفصل 357 (ثالثا) م.ح.ع. وقد برّرت المحكمة قرارها بأنّ " المسقطات وجوبيّة وسقط بذلك طعن الطّاعن واتجه رفض المطلب شكلا ".

(2) قبول مطلب التعقيب شكلا ورفضه أصلا:

لا تتولّى محكمة التعقيب النّظر في مطلب التعقيب من الناحية الأصلية إلاّ إذا استوفى جميع صيغه الشكلية وقرّرت قبوله من هذه الجهة.
ويصدر عن المحكمة قرار برفض مطلب التعقيب أصلا إذا :
ـ تسلط على حكم غير قابل للتعقيب بالطّعن على ما سبق بيانه كالحكم السلبي والحكم الصّادر قبل 11/8/2008.
ـ لم تتوفّر إحدى حالات التعقيب المبينة بالفصل 357 (مكرر) م.ح.ع. من ذلك القرار التعقيبي عـ37263ـدد الصّادر في 22/12/2009.
ـ وقع الرّجوع في مطلب التعقيب . من ذلك القرار التعقيبي عـ39440 ـدد الصّادر في 10/11/2009.
ـ استند مطلب التعقيب على دفوعات لم تسبق إثارتها أمام محكمة الحكم المطعون فيه. وقد صدر في هذا الخصوص القرار التعقيبي عـ35022ـدد في 29/9/2009. وقد أكدّت المحكمة في هذا القرار أنّ " الطّعن بالتعقيب ليس امتدادا للخصومة. ولا يجوز بالتّالي التمسّك بدفوعات لم يسبق إثارتها أمام محكمة الموضـوع ما لم تتعلّق بالنظام العام " .
وسواء صدر القرار برفض مطلب التعقيب شكلا أو أصلا فإنّه ينتج عليه صيرورة الحكم النهائي بالتسجيل باتّا قابلا للتنفيذ. وفي هذه الحالة ، " فإنّ الكاتب يحيل القرار المذكور إلى رئيس المحكمة العقاريّة الذي يوجهه مع حكم التسجيل إلى إدارة الملكيّة العقارية لإحداث رسم للعقار المسجّل " حسب مقتضيات الفقرة قبل الأخيرة من الفصل 357 (رابعا) م.ح.ع. ويقصد برئيس المحكمة العقارية كذلك رئيس المركز الفرعي الذي صدر عنه حكم التسجيل الذي تمّ إقراره.

(3) قبول مطلب التعقيب شكلا وأصلا:

إذا استوفى مطلب التعقيب صيغه الشكليّة وتوفّرت على الأقلّ إحدى حالات التعقيب المبيّنة بالفصل 357 (مكرر) م.ح.ع ، تقرّر محكمة التعقيب قبول المطلب شكلا وأصلا." وفي صورة القبول ، تقرّر نقض الحكم كلّيا أو جزئيّا . وتصرّح في كلّ الحالات بإرجاع القضيّة إلى المركز الأصلــــي أو الفرعي للمحكمة العقارية الذي أصدر الحكم المطعون فيه لاعادة النّظر فيما تسلّط عليه النقض بواسطة هيئة أخرى" وذلك حسب مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 357 (رابعا) م.ح.ع.
وبذلك ، فإنّه على خلاف دائرة المراجعة لدى المحكمة العقارية التي إن رأت وجها للنقض تنظر في الأصل (حسب مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 332 (قديم)م.ح.ع)، فإنّ محكمة التعقيب إذا قرّرت النقض تصرّح بإرجاع القضيّة إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه للنّظر فيه بواسطة هيئة أخرى.
ولا تتصدّى محكمة التعقيب للنّظر في الأصل في جميع الحالات سواء قرّرت النقض كليــا أو جزئيّا سواء تعهّدت بمطلب التعقيب للمرّة الأولى أو المرّة الثانية لغير السبب الأوّل الواقع من أجله النقض . وإذا كانت الفقرة الثانية من الفصل 176 م.م.م.ت. تشترط لكي تبتّ محكمة التعقيب المتعهّدة للمرّة الثانية في الموضوع أن يكون مهيّأ للفصل ، فإنّه لا يتصوّر أن يكون مطلب التعقيب العقاري مهيّأ للفصل. من ذلك أنّه إذا صدر الحكم برفض المعارضة والتسجيل لفائدة الطّالب وتمّ الطعن فيه بالتعقيب من طرف المعترض وقرّرت المحكمة النقض مع الاحالة وقضت محكمة الاحالة بما يخالف موقف محكمة التعقيب وتمّ الطّعن للمرّة الثانية من طرف المعترض لغير السّبب الأوّل ، فإنّ البتّ في الموضوع من طرف محكمة التعقيب المتعهّدة للمرّة الثانية يستوجب منها الاذن بإجراء إشهار تكميلي على مقتضى الفقرة الثانية من الفصل 333 م.ح.ع. وهو مـــا لا ليس متاحا لمحكمة التعقيب التي تبتّ في المطلب منذ الجلسة الأولى ولم يخوّلها المشرّع الاذن بالوسائل التحضيرية والاشهارات التكميلية. من جهة أخرى ، فإنّ " القرار الذي تصدره محكمة التعقيب بالنقض يرجع الطرفين للحالة التي كانا عليها قبل الحكم الواقع نقضه في خصوص ما تسلّط عليه النقض " حسب مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 357 (رابعا) م.ح.ع. ونتيجة لذلك ، تتعهّد محكمة الاحالة بالقضيّة وكأن حكم التسجيل المطعون فيه لم يصدر بعد في حدود ما تسلّط عليه النقض.

ثانيـا ـ القرارت الصّادرة عن محكمة الاحالة :

لم يلزم المشرّع محكمة الاحالة باتباع موقف محكمة التعقيب (1) وإنّما خوّل لهـــا مخالفتـه (2).

(1) الحكم بما يوافق قرار محكمة التعقيب :

ينتج عن قبول مطلب التعقيب شكلا وأصلا أن يكون حكم التسجيل الواقع نقضه كأن لم يصدر بعد وذلك في حدود ما تسلّط عليه النقض وفي حدود أطراف مطلب التعقيب الذين اكّدت محكمة التعقيب مراكزهم بقرارها. وتنظر محكمة الاحالة في مطلب التسجيل من جديد في حدود ذلك.
وينتج عن ذلك أنّـه :
ـ إذا قرّرت محكمة التعقيب قبول مطلب تعقيب ورفض مطالب أخرى تسلّطت على نفس الحكم ، فإنّ محكمة الاحالة تستبعد من رفض مطلب تعقيبه من أطراف مطلب التسجيل أو خلفائهم ولا تعتبرهم أطرافا في القضيّة .
ـ إذا قرّرت محكمة التعقيب قبول مطلب التعقيب جزئيّا ، فإنّ ما تمّ رفض مطلب التعقيب في شأنه من موضوع حكم التسجيل يخرج عن نظر محكمة الاحالة . من ذلك أنّه إذا صدر الحكم بتسجيل العديد من القطع وقبلت محكمة التعقيب المطلب في حدود البعض منها ورفضته في الباقي ، فإنّ ما تمّ رفض المطلب في شأنه من القطع يخرج عن أنظار محكمة الاحالة.
ويكون حكم محكمة الاحالة موافقا لقرار محكمة التعقيب إذا صدر بما يلي :
ـ رفض مطلب التسجيل الأصلي والتسجيل العرضي لفائدة المعترض إذا كان الطّعن من طرف المعترض ورأت محكمة التعقيب عدم ثبوت استحقاق الطّالب مع توفّر ما يكفي من الأدلّة للثبوت القطعي لاستحقاق المعترض.
ـ رفض الاعتراض والتسجيل لفائدة الطّالب إذا كان الحكم المطعون فيه قد صدر برفض مطلب التسجيل الأصلي والتسجيل العرضي لفائدة المعترض وصدر القرار التعقيبي بنقضه.
ـ التسجيل لفائدة الطّالب ورفض التداخل إذا كان الحكم المطعون فيه قد صدر بالتسجيل لفائدة الطّالب وبترسيم صكّ المتداخل وتمّ نقضه من طرف محكمة التعقيب استجابة لمطلب قدّمه طالب التسجيل استنادا إلى عدم شرعيّة صكّ المتداخل.
ـ رفض الاعتراض والتسجيل لفائدة طالب التسجيل وترسيم صكّ المتداخل إذا كان حكم التسجيل المطعون فيه قد صدر برفض مطلب التسجيل الأصلي والتداخل والتسجيل العرضي لفائدة المعترض وتمّ نقضه من طرف محكمة التعقيب بناء على طلب من المتداخل.
ـ رفض مطلب التسجيل إذا كان الحكم المطعون فيه قد قضى برفض الاعتراض وبالتسجيل لفائدة الطّالب وتمّ نقضه من طرف محكمة التعقيب بناء على طلب المعترض لعدم ثبوت الاستحقاق في جانب أيّ منهما.
ويكون الحكم السّلبي الصّادر عن محكمة الاحالة غير قابل للتعقيب وإن كان نهائي الدّرجة أمّا الحكم الايجابي الصّادر عنها، فهو نهائي قابل للتعقيب من أطرافه أو من خلفائهم. وإذا تمّ تعقيبه لنفس سبب التعقيب الأوّل ، تتعهّد بالمطلب الدّوائر المجتمعة لدى محكمة التعقيب. أمّا إذا كان الطّعن للمرّة الثانية لغير السبب الأوّل الواقع من أجله النقض، فإنّ دائرة التعقيب تتعهّد بالمطلب من جديد.

(2) الحكم بما يخالف قرار محكمة التعقيب :

يكون حكم محكمة الاحالة مخالفا لقرار محكمة التعقيب في أغلب الحالات إذا كان متوافقا مع حكم التسجيل المطعون فيه. وتتمثل صور ذلك في الصور العكسيّة للحالات المبينة آنفا عند التعرّض إلى حالات الحكم بما يوافق قرار محكمة التعقيب.
ويكون حكم محكمة الاحالة كذلك إذا صدر بما يلي :
ـ رفض الاعتراض والحكم لفائدة طالب التسجيل إذا كان الطّعن من المعترض ورأت محكمة التعقيب عدم ثبوت استحقاق الطّالب والثبوت القطعي لاستحقاق المعترض.
ـ قبول المعارضة ورفض مطلب التسجيل الأصلي والتسجيل العرضي لفائدة المعترض إذا كان الطّعن من طالب التسجيل ورأت محكمة التعقيب الثبوت القطعي لاستحقاق طالب التسجيل وعدم الثبوت القطعي لاستحقاق المعترض .
ـ التسجيل لفائدة طالب التسجيل وترسيم صك المتداخل إذا كان الطّعن من طالب التسجيل ورأت محكمة التعقيب عدم شرعية صكّ المتداخل.
ـ رفض التسجيل والتداخل والتسجيل العرضي لفائدة المعترض وإذا كان الطّعن من طالب التسجيل أو المتداخل ورأت محكمة التعقيب الثبوت القطعي لاستحقاق طالب التسجيل وعدم الثبوت القطعي لاستحقاق المعترض .
ـ رفض مطلب التسجيل إذا كان الطّعن من طالب التسجيل ورأت محكمة التعقيب الثبوت القطعي لاستحقاق الطّاعن.
غير أن حكم محكمة الاحالة قد يكون في بعض الحالات غير متوافق لا مع الحكم المطعون فيه ولا مع قرار محكمة التعقيب. ومن صور ذلك إذا صدر بما يلي :
ـ رفض مطلب التسجيل ورفض المعارضة إذا كان الطّعن من المعترض ورأت محكمة التعقيب الثبوت القطعي لاستحقاق الطّاعن وكان الحكم المطعون فيه قد صدر بالتسجيل لفائدة الطّالب.
ـ رفض مطلب التسجيل ورفض المعارضة إذا كان الطّعن من طالب التسجيل ورأت محكمة التعقيب الثبوت القطعي لاستحقاق الطّاعن وكان الحكم المطعون فيه قد صدر برفض مطلب التسجيل والتسجيل العرضي لفائدة المعترض.
وتجدر الاشارة إلى أن للأحكام الصّادرة عن محكمة الاحالة في مادة التسجيل الاجباري خصوصيّة تميزها عن تلك الصادرة في مادة التسجيل الاختياري .ومن مظاهر هذه الخصوصيّة أن الاعتراض على الملفات المسحيّة غير مقيّد بالأجل المبيّن بالفصلين 324 و 330 م.ح.ع. ويرفض وجوبا إذا قدّم خارج الأجل حسب الفصل 325 م.ح.ع. كذلك ، فإن المحكمة العقارية لا تقضي بالرّفض في ملفات التسجيل الاجباري وهي ملزمة بالحكم بالتسجيل وعليها أن تسعى إلى تعيين المالك الحقيقي حتّى إذا لم يتقدّم لها من تلقاء نفسه لطلب ذلك.
وينتج عن ذلك أن محكمة الاحالة المتعهّدة بملف تسجيل اجباري يمكن لها أن تقبل اعتراضات جديدة لم تسبق إثارتها بمناسبة النّظر في الملف الأصلي الصّادر في شأنه حكم التسجيل المطعون فيه . كما ينتج عن ذلك أنّ محكمة الاحالة المتعهّدة بملف تسجيل اجباري لا يمكن لها أن تحكم برفض طلب التسجيل سواء الأصلي أو العرضي وعليها أن تحكم بالتسجيل ولو لفائدة غير أطراف حكم التسجيل المطعون فيه أو مطلب التعقيب. غير أن الفقرة الثانية من الفصل 357 (رابعا) م.ح.ع لم تأخذ هذه الخصوصية بعين الاعتبار لمّا قيّدت محكمة الاحالة بالنّظر " في خصوص ما تسلّط عليه الطّعن ".
وعلى غرار الحكم الصادر عن محكمة الاحالة بما يوافق قرار محكمة التعقيب ، فإنّ الحكم السلبي الصادر عنها بما يخالف قرار محكمة التعقيب يكون غير قابل للتعقيب وإن كان نهائي الدّرجة. أمّا الحكم الايجابي ، فهو قابل للتعقيب . وتتعهّد بمطلب التعقيب في هذه الصورة دائرة التعقيب إذا كان الطّعن " لغير السّبب الأوّل الواقع من أجله النقض " حسب مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 176 م.م.م.ت. أمّا إذا كان الطّعن لنفس السبب ، فإن محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة تتعهّد بالمطلب حسب مقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل 357 (رابعا) م.ح.ع.

ثالثا ـ القرارات الصّادرة عن الدوائر المجتمعة لدى محكمة التعقيب :

اقتضت الفقرة الثالثة من الفصل 357 (رابعا) م.ح.ع. أنّه " إذا حكمت محكمة الاحالة بما يخالف ذلك ووقع الطعن في هذا الحكم بنفس السّبب الذي وقع النقض من أجله أوّلا فإن محكمة التعقيب متألفة من دوائرها المجتمعة تتولى النظر في خصوص المسألة القانونية الواقع مخالفتها من دائرة الاحالة ". ولا تختلف صياغة هذه الفقرة كثيرا عن صياغة الفصل 191 م.م.م.ت.
وبذلك ، فإنّ الدوائر المجتمعة لدى محكمة التعقيب تتعهّد بمطلب التعقيب العقاري إذا تمّ الطعن بالتعقيب في حكم التسجيل الصادر عن محكمة الاحالة ثانيا لنفس السّبب الذي وقع النقض من أجله من طرف محكمة التعقيب.
ويطرح التساؤل حول إمكانية تعهّد الدوائر المجتمعة إذا كان الأمر يدعو إلى توحيد الآراء القانونية بين الدّوائر أو عند وجود خطإ بيّن في قرار صادر عن إحدى الدوائر حسب مقتضيات الفصل 192 م.م.م.ت. وقد حدّد الفصل 357 (رابعا) م.ح.ع. في هذا الخصوص حالة وحيدة لتعهّد الدوائر المجتمعة لدى محكمة التعقيب بمطلب التعقيب العقاري. أمّا الفقرة الأخيرة من الفصل المذكور فقد أكدت على انطباق القواعد المقرّرة بمجلّة المرافعات المدنية والتجاريّة على قضايا تعقيب الأحكام الصادرة في مادة التسجيل العقاري في حدود الاجراءات فقط.
كما اشترطت هذه الفقرة أن لا تتعارض هذه القواعد مع مقتضيات الباب السادس من مجلّة الحقوق العينية المنظمة لاجراءات التعقيب العقاري . وبالنظر إلى خصوصية التعقيب العقاري ، فإن مقتضيات الفصل 192 م.م.م.ت. لا تجد مجالا لانطباقها في مطالب التعقيب العقاري.
ويصدر عن الدوائر المجتمعة لدى محكمة التعقيب قرار إمّا بقبــول المطلـــــب (1) أو برفضــه (2).

(1) قبــول المطلـــب :

يصدر عن الدوائر المجتمعة لدى محكمة التعقيب قرار بقبول مطلب التعقيب شكلا و أصلا وذلك عند استيفاء مطلب التعقيب لصيغه الشكلية وتوفّر إحدى الحالات على الأقلّ الواردة بالفصل 357 (مكرر) م.ح.ع. على ما سبق بيانه عند التعرّض إلى القرارات الصّادرة عن محكمة التعقيب . وإذا قرّرت قبول المطلب ، فإنّها تحيل القضيّة على محكمة الاحالة ويكون قرارها واجب الاتباع حسب مقتضيات الفقرة الرّابعة من الفصل 357 (رابعا) م.ح.ع.

(2) رفـــض المطلـــب :

على غرار دائرة التعقيب ، يمكن أن يصدر عن الدّوائر المجتمعة لدى محكمة التعقيب قرار برفض مطلب التعقيب شكلا أو أصلا. وترفض الدوائر المجتمعة مطلب التعقيب شكلا عند عدم استيفاء مطلب التعقيب صيغه الشكلية كما ترفضه أصلا عند عدم توفر إحدى حالات التعقيب على ما سبق بيانه.
وينتج على قرار الرّفض صيرورة حكم التسجيل المطعون فيه باتّا قابلا للتنفيذ على مقتضى الفقرة قبل الأخيرة من الفصل 357 (رابعا) من مجلة الحقوق العينية.


منقول عن:
 - See more at: http://www.mohamah.net/answer/7338/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B3%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A#sthash.08BbWCZ7.dpuf

2015/03/11

تحديد مرجع النظر الحكمي حسب القيمة


قرار الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب عدد 15850 مؤرخ في 31 جانفي 2013  

قرار الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب عدد 15850 مؤرخ في 31 جانفي 2013 " أكدت أحكام الفصل 23 م م م ت أن المعتمد في تحديد مرجع النظر هي قيمة الشيء يوم رفع الدعوى إن كانت محددة، أما إذا كان التقدير غير ممكن تصبح الدعوى غير مقدرة وتكون بالتالي من أنظار المحكمة الإبتدائية.

وحيث أن الطلبات المالية التي تحرر لاحقا وتضبط قيمة المال المطلوب في الدعوى ترتيبا على ما قد تبرزه الوسائل الإستقرائية والأعمال الفنية في ذلك مثل الإختبارات لا يمكن فصلها عن الطلب الأصلي بالنظر إلى عدم قابلية الدعوى للتجزئة فهي جزء منه لا ينظر إليه مستقلا عن الطلب الأصلي.

وحيث ئؤخذ مما سلف أن طلب العرض على الفحص الطبي ضمن عريضة الدعوى لتقدير نسبة العجز البدني التي تحرر على ضوءها الطلبات المالية دون التعرض إلى قيمة محددة في المبالغ المطلوبة يجعل الدعوى غير مقدرة في منطلقها وتكون بالتالي من أنظار المحكمة الإبتدائية دون سواها ولو كانت المبالغ التي تحرر لاحقا دون المقدار الذي تنظر فيه أصلا وليس 

2015/01/29

الجريمة الاقتصادية والمالية في القانون الجزائري

المقدمــــــــة



عرفت الجرائم الإقتصادية منذ القديم قبل و بعد مجيء الإسلام و لقد ذكر على أن القوانين القديمة نصت على معاقبة تجاوز الحد المحدد و التهرب من دفع الضريبة و اختلاس أموال الدولة...
و مع تغيير مفهوم الدولة و الظروف الإجتماعية برز مصطلح جديد للجريمة الإقتصادية و أصبح لزاما على المجتمع الدولي من إيجاد نظم قانونية تشريعية تعمل على الحد من هذه الجرائم.
و بما أن استقرار المجتمع يعتمد على سلامة الأسس الإقتصادية لتأمين استمراره فكان لابد من أن تنعكس أهمية الحياة الإقتصادية على سلوك الناس و نشاطاتهم و هذا الإنعكاس له طابعه ايجابي إذ بلور الحوافز الكامنة لدى هؤلاء، و الرامية إلى ارتقاء درجات التقدم التقني و تحسين الأحوال المعيشية، كماله طابع سلمي انعكس في محاولة بعض الأشخاص الوصول إلى نفس الغاية و بطرق ملتوية تخفي في الواقع أعمالا إجرامية بحق الأفراد و المجتمع خاصة إذا تعلق الأمر بالجريمة الإقتصادية المرتكبة ضد الأنظمة المالية الدولية، فهي تحول دون جباية الرسوم اللازمة للخزينة، كما أن المواطن يفقد الثقة بالمؤسسات العامة للدولة و العملة الوطنية تنحدر قيمتها.
فكان على الدول أن تحيط اقتصادها و تحميه بقوانين رادعة، و تكثف من الوسائل الأمنية على مختلف الأصعدة تماشيا مع ما تفرضه التكنولوجيا في شتى الميادين، الإجرامي منها خصوصا إذا تعلق الأمر بالجريمة الإقتصادية.
هكذا إذا يتضح أن موضوع الجريمة الإقتصادية كان و لا يزال يشكل أحد الموضوعات الرئيسية التي إسترعت إهتماما بالغا و مميزا لدى الباحثين و المختصين في مجال العلوم الإقتصادية، و كذا القائمين على تسيير دواليب الإقتصاد في جميع الدول مهما إختلفت درجة تطورها أو تخلفها.
إن هذه الأهمية البالغة لهذا الموضوع من جهة، و حساسيته الناجمة عن مختلف الآثار الخطيرة (سياسية، اجتماعية، إقتصادية...الخ) التي يمكن تصورها نتيجة عدم الإكتراث بمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة و المعقدة من جهة أخرى، شكلت بالنسبة لنا مبررات موضوعية قية لتناول هذه الظاهرة، أي الجريمة الإقتصادية بالدراسة و التحليل.
وفي هذا السياق أيضا لا يمكننا أن نتجاهل سبابنا الذاتية التي دفعتنا للخوض في هذا الموضوع، و التي تكمن أساسا في كونه موضوع جلب إهتمامنا الشخصي بالنظر إلى الأشكال المتعددة التي برزت من خلالها الجريمة الإقتصادية في بلادنا، لا سيما أثناء مرحلة التحولات الجذرية التي لا يزال يعرفها اقتصادنا الوطني، و التي عرفت سلسلة من الفضائح و الجرائم الإقتصادية التي ما فتئت تتطور و تعرف إنتشارا واسعا ببلادنا.
في هذا السياق، و إن كان هذا الموضوع سيحقق مجموعة من الأهداف إلا أنه سيسعى الى تحقيق الأغراض الرئيسية التالية:
 التعرف على ما هية الجريمة الإقتصادية من حيث مفهومها، أنواعها، و مختلف الآثار الناجمة عنها.
 توضيح أهم الطرق المتبعة من أجل محاربة الجريمة الإقتصادية.
 تسليط الضوء على أهم الجهود العالمية خاصة، و المبذولة في هذا المجال.
 محاولة الإسهام ببعض التوصيات و المقترحات التي تساعد على محاربة الجريمة الإقٌتصادية و الحد من آثارها الخطيرة.
من هذا المنطلق و سعيا منا للوصول الى تحقيق الأهداف السالفة الذكر يجدر بنا أن نطرح الإشكالية الرئيسية التالية:
هل الجريمة الإقتصادية و تفاقمها تختلف من بلد لآخر حسب السياسة المتبعة ؟.
وهو التساؤل الجوهري الذي يمكن تفريعه إلى التساؤلات الآتية:
1- ما المقصود بالجريمة الإقتصادية و ما مفهومها ؟.
2- ما هي أنواع الجرائم الإقتصادية ؟.
3- ما هي طرق محاربة الجريمة الإقتصادية ؟.
4- ما الآثار التي تخلفها الجريمة الإقتصادية على النشاط الأقتصادي و على المجتمع ؟

و من هذه الإشكاليات اقترضنا أربع فرضيات و هي:
 الحرية الإقتصادية و التجارية تساهم في توسيع و خلق الجرائم الإقتصادية.
 تعيش الدول النامية و من بينها الجزائر إنتشارا فضيعا للجرائم الإقتصادية.
 من بين الجرائم التي تعيشها المجتمعات جريمة الرشوة و هي الأكثر انتشارا في الجزائر.
 أصبحت الجرائم الإقتصادية تحت سيطرة هيئات منظمة تنظيما محكما في بعض الحالات قد تكون شركات.
بناء على الإشكالية الرئيسية بمختلف تساؤلاتها الفرعية ،و إستنادا إلى الفرضيات السابقة الذكر، سنعتمد في هذه الدراسة على منهج رئيسي هو المنهج الوصفي بإعتباره في نظرنا يشكل الأداة الأفضل و الأنجع التى تمكننا من القيام بتشخيص علمي و دقيق للمشكلة محل الدراسة، ألا و هي الجريمة الإقتصادية بإعتبارها إحدى أهم و أخطر المشكلات الإقتصادية التى يعرفها العالم اليوم. و من ثم محاولة إستخلاص أهم الحلول الملائمة للحد من آثارها المتعددة و الخطيرة.
وعليه قمنا بتسليط الضوء على بعض جوانب هذه الظاهرة المتفاقمة متبعين الخطة التالية:
 فتطرقنا في الفصل الأول لإلى التعريف بالجريمة الإقتصادية و المالية و خصائصها و نطاقها.
 و في الفصل الثاني إلى أنواع الجريمة الإقتصادية و المالية من منظور قانون العقوبات الجزائري.
 و في الفصل الثالث إلى الجريمة الإقتصادية المنتشرة عالميا و بعض التصورات التى أتت لتعالج أخطار هذه الجريمة على إقتصاديات الدول.
أخيرا يجدر بنا أن نشير إلى أن صعوبة الموضوع المتآتية من حساسيته و تعقيده جعلتنا نواجه بعض الصعوبات في تناوله بشكل دقيق و جيد، نمثل أهمها في النقص الكبير في المراجع، و لا سيما الكتب التى تناولت هذا الموضوع بالدراسة و التحليل، إلا أن ذلك لم يثن من عزيمتنا على الخوض فيه و محاولة المساهمة و لو بقسط علمي متواضع قصد تسليط الضوء على مختلف جوانبه الرئيسية.
وإيمانا منا بأن الجريمة الإقتصادية و المالية هي بمثابة الورم الخبيث للإقتصاد يجب إستأصاله في حينه قبل فوات الأوان.
إن أي مجتمع لا يستطيع أن يحيا دون أدنى حد من القواعد القانونية لأن القانون يعتبر المرآة الكاشفة للحياة الإجتماعية. و وجود قانون العقوبات هو بمثابة الحماية المستمدة من تنظيم القواعد القانونية السائدة في العلاقات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية لشعب ما.
وإن تحولات المجتمع المعاصر في اتساعها، فالتقدم الفني و التغيرات و الإجتماعية غيرت من ظروف الحياة و أنماط النشاط البشري و من حاجات الشعوب و ردود الفعل عندها.
و لعل أبرز ميدان ظهر فيه الإجرام هو الميدان الإقتصادي و السياسي و إن اختلف قدر التوسع و نوعه حسب النظام المعمول به.
و لقد اعتبر بعض الشراح أن ظهور الجريمة الإقتصادية و احتلالها الأهمية التى فاقت جرائم الإعتداء على الأشخاص هو من أهم خصائص القرن العشرين، فهي جرائم حضارية أي مرهونة بنظام الدولة عندما تبلغ درجة معينة من التقدم الحضاري.


























خــــطـــــة ا لبــحـــــث


* الــقــدمـــــة.
* المبحث الأول:الجريمة الاقتصادية و المالية
- المطلب الأول:تعريف الجريمة الاقتصادية والمالية
- المطلب الثاني : خصائص الجريمة الاقتصادية والمالية
-المطلب الثالث : نطاق الجريمة الاقتصادية والمالية
* المبحث الثاني : الأحكام و الآثار المترتبة عن الجريمة الاقتصادية
- المطلب الأول : أحكام الجريمة الاقتصادية
- المطلب الثاني : الآثار المترتبة عن الجريمة الاقتصادية
- المطلب الثالث : الجهة المختصة للنظر في الجرائم الاقتصادية بالجزائر
** المبحث الثالث : بعض الجرائم الاقتصادية
- المطلب الأول :جريمة التزوير و النصب والاحتيال
- المطلب الثاني : جريمة التفليس و الاختلاس .
- المطلب الثالث : جريمة الرشوة وإصدار شيك بدون رصيد .
- المطلب الرابع :خيانة الأمانة .
* المبحث الرابع : الجرائم الاقتصادية الجمركية
- المطلب الأول : التهريب الجمركي
- المطلب الثاني : طرق محاربة التهريب
- المطلب الثالث : مجال مكافحة الجرائم الجمركية و الآثار المترتبة عن جريمة التهريب .
* المبحث الخامس : الجرائم الاقتصادية الخطيرة .
- المطلب الأول : تبييض الأموال وفريق العمل المعني به
المطلب الثاني : الاتفاقيات الثنائية للحد من الجريمة الاقتصادية
المطلب الثالث : الاتفاقيات المتعددة الأطراف للحد من الجريمة الاقتصادية
المبحث السادس : الأمم المتحدة و الجريمة الاقتصادية*
- المطلب الأول : الأمم المتحدة وكيفية مواجهتها لهذا المشكل
المطلب الثاني : مؤتمرات الأمم المتحدة
المطلب الثالث : الجريمة الاقتصادية وحقوق الإنسان
المبحث السابع : التحقيق في الجرائم الاقتصادية*
المطلب الأول : الحالات المفترضة للتحقيق
المطلب الثاني : لمن يجوز القيام بالتحقيق في نطاق الشرطة القضائية
* الخــــــاتـــمـــة.
* المــراجــــــــــع.


المبحـث الأول : الجريمة الإقتصادية الماليـة و خصائصهمـا 

إن دراسة الجريمة الإقتصادية و المالية أصبح لها أهمية كبيرة في بلدان العالم الثالث بما فيها الجزائر، و هذا نتيجة للمشاكل و الآفات الإجتماعية التى صاحبت و تصاحب التحولات الإجتماعية و الإقتصادية السريعة التى تمر بها هذه البلدان في الوقت المعاصر.
و عليه فإن موضوع تعريف الجريمة الإقتصادية و المالية هم محل خلاف بين علماء الإجرام و خاصة في عصرنا الحديث، إذ أخذت عدة أشكال.

المطلـب الأول : تعريـف الجريمـة الإقتصاديـة و الماليـة :
1- التعريف بالجريمة الإقتصادية:
لم يستقر الرأي على تعريف محدد للجرائم الإقتصادية و تعددالآراء بشأنها، و لقد عرفها البعض على أنها تتمثل في :
" الإنتهاكات التى تمس الملكية التعاونية و وسائل الإنتاج الممنوحة أو حزتها بشكل يؤدي الى الإضرار بالإقتصاد الوطني و يحقق منفعة شخصية غير مشروعة."
و قد عرفتها المنظمة الدولية العربية للدفاع الإجتماعي في حلقتها الأولى في القاهرة 1966 أنها " كل عمل أو امتناع يقع بالمخالفة للتشريع الإقتصادي إذ نص على تجريمه سواء في قانون العقوبات أو في القوانين الخاصة بخطط التنمية الإقتصادية و الصادرة من السلطة المختصة لمصلحة الشعب " .
و أشمل تعريف للجريمة الإقتصادية الذي توصلت إليه محكمة النقض الفرنسية في 1949 و المتمثل في " كل نشاط أو فعل ينص القانون الإقتصادي على تجريمه." و يتبين هذا القانون الإقتصادي أنه "مجموعة النصوص التى تنظم إنتاج و توزيع و إستهلاك و تداول السلع و الخدمات ".
2- التعريف الجريمـة الماليـة :
" هي كل نشاط أو فعل ينص التشريع المالي على تجريمه مع ضرورة الملاحظة كذلك. إلا أن هذا التشريع المالي هو مجموعة القوانين و الأنظمة المالية التى تتبعها الدولة في شؤونها من إنفاق و جباية و موازنة..."
ونستنتج من هذه التعاريف أنه يعد جريمة إقتصادية كل ما من شأنه المساس بالمصالح الإقتصادية أو المالية للأفراد كجرائم السرقة، الإختلاس، و خيانة ا|لأمانة... الخ. و بذلك يكون الطابع المميز للجريمة الإقتصادية هو ما تنطوي عليه من إنتهاك للمصالح الإقتصادية.
و لقد اختلف العلماء في تحديد العلاقة بين العوامل الإقتصادية و ظاهرة الإجرام، و بقي الإجماع مبرم بينهم على الإعتراف بدور تلك الجريمة. إلا أن الجدال بينهم يدور حول أهمية هذا الدور و على هذا الأساس ظهر اتجاهين لهذه الإشكالية:
المدرسـة الإشتراكيـة : ترى أن النظام الرأسمالي هو العامل الأساسي الذي يؤدي الى وجود الظاهرة الإجرامية.
المدرسـة الوضعيــة : و ترى أن العوامل الإقتصادية ليست فقط مجرد عوامل مساعدة لوقوع الجريمة، و هي لا تسببها بالضرورة، لكن ينتج اثرها الإجرامي إذا صادفت تكوينا اجراميا كامنا لدى الأفراد أو الإستعداد للإجرام بالصدفة و عندها تتفاعل معه فتقع الجريمة.
أما اذا صادفت شخصا عادلا فمن المحتمل أن يكون لتلك العوامل أثرا اجراميا، و برهاننهم على هذا أن أناس كثيرون يعيشون في ظروف إقتصادية عسيرة و رغم ذلك لا يندفعون إلى ارتكاب الجريمة.
بينما هناك أفراد كثيرون في ثراء و رخاء، و مع ذلك يهتمون الى هاوية الإجرام.
و يتبين لنا مما ذكرناه سالفا أن الإعتماد على العوامل الإقتصادية، كدليل لتحديد مسببات الإجرام الإقتصادي، و من ثم كان من الأوضح تحديد هذه المسببات من النقاط التالية:
1. عدم كفاءة التخطيط الإقتصادي و إنعدام الخبرة في مواجهة الجرائم المستحدثة.
2. الإختلاف في التنظيمات القانونية و الإقتصادية بين الدول، مما يسهل عملية التهرب من المتابعات القانونية و الإلتزامات المالية.
3. العوامل النفسية خاصة الميل الشديد نحو الإثراء السريع.
4. ضعف الرقابة من جانب الأجهزة المختصة.
5. المفارقات الكبيرة في تحديد قيمة الضرائب، المبالغات الملموسة في تدابير الحماية الإقتصادية، الأمر الذي يؤدي الى ايجاد أساليب جديدة للإرتكاب الجريمة .
6. العوامل السياسية المتمثلة على الخصوص في انتقال الحرب من شكلها العسكري التقليدي الى شكلها الإقتصادي الحديث.

المطلـب الثانـي: خصائـص الجريمـة الإقتصاديـة المالية 
قبل التطرق الى خصائص الجريمة الإقتصادية و المالية يجدر بنا التطرق الى العلاقة بين هاتين الجريمتين.
سبق و قلنا أن الجريمة الإقتصادية هي كل فعل أو امتناع ينص التشريع على تجريمه، و لما كان القانون الإقتصادي هو مجموعة النصوص التى تنظم انتاج و توزيع و استهلاك و تداول السلع و الخدمات، و كان أيضا التشريع المالي هو مجموعة القوانين و الأنظمة المالية التى تتبعها الدولة في شؤونها المالية من جباية و موازنة، مع هذا كله يبقى التداخل بين هاتين الجريمتين، و يبقى التميز بينهما نظريا، إن هدف التشريع المالي يتمثل أساسا في تنظيم السياسة المالية التى تنظم بدورها السياسة الإقتصادية.
إن الجرائم الإقتصادية و المالية تتميز بخصائص تجعل لها طابعا يميزها عن كثير من الجرائم الأخرى، و فيما يلي نذكر أهم هذه الخصائص .
1. تعتبر هذه الجرائم مستحدثة إن تجريمها لا علاقة له بالمجتمع لكن هذا التجريم جاء من طرف المشرع بغرض تصحيح الواقع الإقتصادي تماشيا مع كل الظروف الطارئة.
2. الهدف الأساسي من ارتكابه هو الربح و الثراء بعيدا عن أي هدف سياسي أو ديني.
3. تعتمد على التخطيط المحكم القائم على أدق الحسابات و التوقعات و لا مجال فيها للإرتجال.
4. تقوم على التبصر و امتلاك قدر كبير من الدراية و المعرفة بالتغيرات الإقتصادية و الإجتماعية و القانونية، و التى يمكن من خلاله التسلل و ذلك لتحقيق أكبر قدر من الربح لقاء أقل قدر ممكن من إحتمالات الفشل.
5. ترتكب من طرف أشخاص يتميزون بمكانة اجتماعية عالية، و يتمتعون بسلطة سياسية كبيرة أو بالإثنين معا، و هذا المستوى الفكري و القانوني يعقد مهام أجهزة مكافحة هذه الجرائم.

المطلـب الثالـث: نطـاق الجريمـة الإقتصاديـة و الماليـة :
يرتبط نمط الجرائم الإقتصادية و المالية في مجتمع ما بنمط التنمية الإقتصادية في ذلك المجتمع، و عليه فهذا النوع من الإجرام يمتد الى آفاق واسعة، نبتدئها من الجرائم البسيطة كالتهريب و تنتهي بإنشاء شركات وهمية و بين هذين الحدين نجد أشكال مختلفة من هذه الأنشطة غير المشروعة و منها ما يلي:
التهرب من دفع الرسوم و الضرائب، التزوير..الخ. و هي عموما ما تدرج في ثلاث أوجه للتجاوزات .
1. التجاوزات في الميدان التجاري، كالتفليس التدليسي، التجارة الإحتيالية، العقود المزورة...الخ
2. التجاوزات في الميدان المصرفي نذكر منها الدفع المسبق، الإحتيال في مجال النقل البحري و المتعلق بتزوير قوائم الشحن...الخ
3. التجاوزات في مجال وسائل الدفاع مثل تزوير وثائق الهوية، شيكات بدون رصيد...الخ. و يتسع نطاق الجرائم الإقتصادية الى الجرائم التأمينية و الإساءة في استعمال الممتلكات المؤمن عليها...الخ من كل هذا فإن الحاجة تبرز ضرورة التفكير في حصر و تحديد الجرائم الإقتصادية التى يعالجها رجال الأمن"الدرك، الشرطة...الخ" و التي تستدعي أيضا تأهيل أشخاص متخصصين في شؤون الإحتيال و التلاعب الإقتصادي.

المبحث الثاني: الأحكام و الآثار المترتبة عن الجريمة الإقتصادية 
لقد اختلف الفكر رأي لآخر و من تشريع لآخر فيما يخص الأحكام التى تطبق على الجريمة أثناء وقوعها لذلك ارتأينا أن نتطرق لهذه الأحكام حسب الجهات المختصة .

المطلـب الأول : أحكـام الجريمـة الإقتصاديـة 
إن الأصل في التجريم يكون بنص في القانون، لكن الإعتبارات العلمية، و طبقا لمتطلبات المرونة التى تفرضها القوانين الإقتصادية دفعت المشرع الى تفضيل وسيلة التفويض التشريعي في تعيين بعض مواد التجريم الإقتصادي حتى يتسنى ملاحقة التغيرات الإقتصادية و قد تم تأييد هذا الإتجاه في قرار النقض بإجازة التفويض التشريعي كأداة للتجريم و العقاب في المواد الإقتصادية.
و قد استثنت القوانين الإٌقتصادية من قاعدة الأثر الفوري للقانون الأصلح للمتهم، أي أن القوانين الإقتصادية تصدر اعتبارات اقتصادية معينة تمليها الظروف الإقتصادية في الفترة القصيرة و القانون الإقتصادي يعتبر مؤقتا بطبيعته، أي بحكم صدوره لمواجهة ظروف طارئة يتحرر اثرها و حجم مفعولها زمانا و مكانا.

المطلـب الثانـي: الآثـار المترتبـة عـن الجريمـة الإقتصاديـة 
بصفة عامة إن الجرائم الإقتصادية تتسبب في اختلال السياسة الإقتصادية للدول وينعكس هذا الإضطراب على سير حياة المواطن، فتكون بذلك الحياة الإجتماعية و الإقتصادية متأثرة بذلك الخلل و يمكن تصنيف هذه الأضرار في نوعين هما:
1) الأضـرار الماديـة : و نلخصها فيما يلي:
 تأخير تنفيذ المشاريع التى تسعى الدولة لإنجازها لفائدة المواطن نتيجة لتعطيل الإنجازات التنموية العامة.
 حدوث ما يسمى بالعجز المالي بسبب التلاعب.
 التأثير على المعاملات الإقتصادية مع المؤسسات الأجنبية بسبب الإنجاز الغير المشروع بالعملات و بالتالي حرمان الإقتصاد الوطني من مداخيل هامة من العملات الصعبة.
 المساس بإستقرار المؤسسات الإقتصادية و المالية و إعاقة مساعديها في الإنتاج.
 إرتفاع مستوى النفقات العامة المخصصة لحماية الإقتصاد و زيادة معدلات التأمين أدت الى تأثير بشكل مباشر على نفقات المواطنين.
2) الأضـرار المعنويـة: 
تتمثل هذه الأضرار على الخصوص في زعزعة الثقة بقدرات الإقتصاد الوطني على النهوض بحاجات المواطن و انتشار الرغبة في الكسب السريع، و اختلال التوازنات الإجتماعية، وكذا انتشار الآفات و الجرائم غير الإقتصادية، كل هذه الآثار و غيرها تؤدي الى إضعاف و إعاقة الإقتصاد الوطني و عجزه عن تحقيق التطور و الرفاهية الإجتماعية.
وعموما هذه الأضرار تتمثل في الآثار التى تتركها على الإستهلاك و عائدات العمل و التعامل، و تغيير التوازنات الإجتماعية و توزيع المدخول و زعزعة الثقة بالبناء الإقتصادي و نشر الفساد، اذا كان الميل للإثراء السريع.
و تنعكس جميع هذه النتائج على التنظيم الإقتصادي للمجتمع. و يتمثل ذلك بعدم الفعالية و شعور الشعب بخيبة الأمل و فقدان الثقة بالحكومة، و إعاقة تنمية المجتمع و تماسكه.
المطلـب الثالـث : الجهـة المختصـة فـي النظـر فـي الجرائـم الإقتصادية بالجزائر 
القاعدة العامة هي اختصاص القضاء العادي بالنظر في الجرائم كافة، بما فيها الجرائم الإقتصادية، و الحكم فيها طبقا لقانون الإجراءات الجنائية المعمول به في كل دولة، و عادة تستعين سلطة البت و الحكم في الجرائم الإقتصادية بأقسام أو غرف أو محاكم أو بتخصص قضاة للنظر في هذه الجرائم، و هذا تماشيا مع ما دعا إليه الفقه و بعض المؤتمرات الدولية. و قد جاء في التوصية السادسة للمؤتمر العربي العاشر للدفاع الإجتماعي بأن " تخصص محاكم أو غرف في محاكم للنظر في قضايا الجرائم الإقتصادية" و هذا يعتبر تمييزا لهذه الجرائم بحكم اختلاف طبيعتها عن طبيعة الجرائم العادية.
إلا أن المشرع في بعض الأحيان يلجأ الى تخصيص محاكم استثنائية للنظر في الجرائم الإقتصادية الخطيرة من حيث مساسها بالإقتصاد الوطني من جهة، و لردع أحكام هذه المحاكم الإستثنائية من جهة أخرى. كما قد تلجأ بعض التشريعات الى تحول سلطة البت في بعض الجرائم الإقتصادية الى جهات إدارية.
و على ضوء هذه المقدمة نبين تطور الجهات المختصة بالنظر في الجرائم الإقتصادية في الجزائر.

1) إختصـاص القضـاء العـادي بالنظـر فـي الجرائـم الإقتصاديـة 
منذ سنة 1975 أحدث المشرع الجزائري قسما اقتصاديا في محكمة الجنايات خاصا بالنظر في الجرائم الإقتصادية، و هذا للدلالة على الأهمية المعطاة لهذه الجرائم و الرغبة في مواجهتها و التصدي لها. و لقد ألغيت هذه الأقسام الإقتصادية بقانون 1990.
وإختصاص القسم الإقتصادي بمحكمة الجنايات في النظر في الجرائم الإقتصادية لا يعد خروجا من المشرع عن القواعد العامة في الإختصاص طالما تراعي فيها عموما أصول قانون الإجراءات الجنائية في كل مراحل الدعوى، لكنه خصها أي "الجنايات الإقتصادية" المشرع بمحاكم خاصة للسرعة في الفصل فيها و لتشديد العقوبة فيها. و قد جاء في المادة 248 الملغاة من قانون الإجراءات الجنائية الجزائري بقولها:" تعتبر محكمة الجنايات هي المحكمة المختصة بالفصل في الإعال الموصوفة قانونا بأنها جنايات، و يجوز أن تقسم محكمة الجنايات الى قسمين: قسم عادي و قسم اقتصادي، و إن قرار من وزير العدل حامل الأختام يحدد قائمة الأقسام اقتصادية و الإختصاص الإقليمي لكل واحد منها."
و القسـم الإقتصـادي لمحكمة الجنايات، كان عموما يطبق فيما يخص الدعوى العمومية التحقيق و محاكمة الجرائم، قواعد قانون الإجراءات الجنائية المقررة في المواد (327/1-15).
ومنذ إلغاء الإقسام الأقتصادية سنة 1990 أصبحت المحاكم العادية في الجزائر مختصة في النظر في كل الجرائم التي تمس الإقتصاد الوطني بما فيها الجرائم الضريبية و الجمركية، كما أن محكمة الجنح تنظر أيضا في الجرائم الإقتصادية.
2) سلطـة الإدارة فـي الفصـل فـي الجرائـم الإقتصاديـة 
يخول المشرع في بعض الحالات الإدارة في النظر في بعض الجرائم الإقتصادية و توقيع العقوبة على مرتكبيها .
ولا تستطيع الإدارة هنا إلا توقيع العقوبات المالية بالإضافة للعقوبات التكميلية، و قد تبنى القانون الجزائري هذا النظام (أي حق الإدارة في الفصل في بعض الجرائم الإقتصادية) كما هو ظاهر في بعض مواد القوانين الإقتصادية.
و قد جاء في قانون قمع المخالفات الخاصة بتنظيم الأسعار في مادته (29) على أنه:" إذا كانت المخالفة معاقب عليها بغرامة 1000 دج فأقل، يجوز لمدير الولاية للتجارة و الأسعار و النقل إما أن يقرر تطبيق الحد الأدنى من العقوبة المالية و إما أن يحيل الملف إلى وكيل الدولة للقيام بالمعلقات القضائية".
وعندما تكون المخالفة معاقب عليها بغرامة تفوق 1000 دج يجوز لمدير الولاية للتجارة و الأسعار و النقل أن يحيل الملف الى وزير التجارة، و يجوز لوزير التجارة أن يفرض بموجب مقرر غرامة مطابقة للمعدل الأدنى المنصوص عليه بالنسبة للمخالفة، و إما أن يحيل الملف إلى وكيل الدولة للقيام بالملاحقات القضائية.
ويتضح من هذا العرض أن المشرع الجزائري قد ساير أغلب التشريعات المعاصرة في إعطاء السلطات الإدارية سلطة الفصل في المخالفات الإقتصادية و هذا لتخفيف العبء عن المحاكم و للحرص على الإقتصاد الوطني عن طريق تقريب و تسهيل الرقابة عليه.
وما يمكننا قواه في الأخير أن الجريمة الإقتصادية هي آفة اجتماعية خطيرة على الإقتصاد الوطني و تتعارض مع قيمنا الإسلامية و اختياراتنا السياسية و التحكم فيها يساعد على تحقيق التنمية الوطنية و تحسين المستوى المعيشي للجماهير الشعبية، و بالتالي خلق دولة قوية أمام التحديات العالمية المعاصرة.
إن الجزائر كسائر بلدان العالم أولت اهتماما كبيرا لموضوع الجريمة الإقتصادية و المالية و هذا من خلال الإتفاقيات التى أبرمتها لتحسين سير المكافحة فجاء قانون العقوبات الجزائري ليذكر مختلف هذه الجرائم، إذ تطبقه الجهات الساهرة على سلامة الوطن و حدوده و التى تعمل على ردع التهريب و التزوير و النصب...الخ. و يتم ذلك من خلال أساليب جد متطورة و متناسقة.
في هذا المبحث نذكر أنواع الجرائم الإقتصادية الجمركية و المالية الأكثر انتشارا في الجزائر و طريقة معالجة المشرع الجزائري لها مع التطرق الى طرق ردع و محاربة جريمة التهريب .

المبحـث الثالث: بعض الجرائم الإقتصادية:
تعد الجزائر من البلدان التى تجد نفسها أمام تحديات ناتجة عن الحركة التى تشهدها ميادين البناء الإقتصادي، و هذا الأمر خلق سلوكيات تسعى لإستغلال التغيرات الموجودة في النظم القانونية و ذلك بغية الحصول على الربح و الثراء الفاحش بإستعمال الطرق غير مشروعة كالتزوير و الاختلاس و النصب و الإفلاس الى غير ذلك، و من هنا يمكن أن نتعرض الى هذه الجرائم التى مست بأملاك الدولة .

المطلـب الأول : جريمـة التزويـر والنصـب والإحتيـال :
1) جريمة التزوير
تعتبر العملة أو النقود وسيلة التعامل بين الناس، تحتكر الدولة صكها و تحدد قيمتها و تضمن الثقة بها من فعل المواطنين. فلذلك فمن أخطر الجرائم إقدام البعض على تزويرها مما يعمل على إهتزاز الثقة العامة بالنقد الوطني إلى جانب ما يمكن أن يؤدي إليه من تخريب يصيب الإقتصاد الوطني.
فالتزوير هو التغيير الحقيقي في عملة صحيحة في الأصل كأن يغير الفاعل في الرسومات أو العلامات أو الأرقام المبينة على العملة الصحصحة حتى تبدو و كأنها أكثر قيمة و لا عبرة بالوسائل المستعملة لتحقيق هذا الغرض فيستوى أن يتم التزوير بالإضافة أو بالحذف أو بالإحلال.
لقد تعامل المشرع الجزائري بصرامة شديدة مع المزورين إذ عدها جناية عقوبتها الإعدام فنصت المادة (197) على " يعاقب بالمؤبد كل من قلد أو زيف أو زور."
 نقود معدنية أو أوراق نقدية ذات سعر قانوني في أراضي الجمهورية أو في الخارج.
 سندات أو أذونات أو أسهم: تصدرها الخزينة العامة و تحمل طابعها أو علامتها أو قسائم الأرباح العائدة من هذه السندات و الأذونات و الأسهم.
و لجريمة التزوير ركنين حسب نص المادة (198):
- الركن المادي: و هو وقوع فعل من الأفعال المنصوص عليها في المادة (197) و أن يكون محل هذه الأفعال العملة الورقة المعدنية أو السندات و الأسهم...الخ.
- الركن المعنوي: يتمثل في انصراف إرادة الجانب الى تزوير النقد أو ترويجه.
- العقوبــــة :
حسب المادة (198)1 "قانون رقم 06/23 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006 يعاقب بالسجن المؤبد كل من ساهم عن قصد بأي وسيلة كانت في اصدار أو توزيع أو بيع أو ادخال النقود أو السندات أو الأذونات و الأسهم المبينة في المادة (197)1 إلى أراضي الجمهورية" و تكون العقوبة السجن المؤقت من 10 سنوات إلى 20 سنة إذا كانت قيمة النقود أو السندات أو الأذونات أو الأسهم تقل عن 500.000 دج و غرامة مالية من 1.000.000دج إلى 2.000.000دج.
أما بالنسبة لجريمة تزوير الوثائق و أختام الدولة و الطوابع و العلامات فهذه العملية تشكل خطورة على المجتمع و تقوم بتحطيم الإقتصاد الوطني كما تمثل خطر على الثقة العامة للمجتمع في مؤسسات الدولة، فعقوبتها حسب المشرع في المادة (205)1 بالسجن المؤبد كل من قلد خاتم الدولة أو استعمل الخاتم المقلد و في المادة (206)1 يعاقب بالسجن من خمس الى 10سنوات كل من قلد أو زور إما طابعا وطنيا أو أكثر و إما دمغة مستخدمة في دمغ المواد الذهبية أو الفضية أو استعمل أوراق أو دمغات مزورة أو مقلدة، و غرامة مالية من 500.000دج إلى 1.000.000دج.
2) جريمـة النصـب و الإحتيـال 
جريمة النصب و الإحتيال هي جريمة مادية و هي من جرائم السلوك المتعددة أي تتضمن سلوك نفسي يتمثل في الإحتيال على الغير و سلوك مادي يتمثل في التوصل الى الإستيلاء على مال الغير.
إذن النصب هي جريمة أقر لها المشرع الجزائري عقوبة أوردها في المادة (372) و المادة (373)1 من قانون العقوبات الجزائري.
و يعرف النصب على أنه طريقة من طرق الإختلاس، يسلكها الجاني للوصول الى خداع المجني عليه و إيقاعه في الغلط.
المادة (372)1 من قانون العقوبات الجزائري تنص " على أنه من توصل الى استلام أو تلقى أموال أو منقولات أو سندات أو تصرفات أو أوراق مالية أو وعود أو مخالصات أو إبراء التزامات و كان ذلك بالإحتيال لسلب كل ثروة الغير، يعاقب بالحبس من سنة على الأقل الى خمس سنوات على الأكثر و بغرامة من 500 الى 20.000 دج.
وإذا وقعت جنحة من شخص لجأ الى الجمهور بقصد إصدار أسهم أو سندات أو أذونات أو أية سندات مالية سواء لشركات أو مشروعات تجارية أو صناعية فيجوز أن تصل مدة الحبس الى عشر سنوات و غرامة الى 200.000 دج. زيادة على هذا يحكم على الجاني بالحرمان من جميع الحقوق الواردة في المادة (14) من قانون العقوبات أو بعضها، و بالمنع من الإقامة و ذلك لمدة سنة على الأقل و خمس سنوات على الأكثر.

المطلـب الثانـي: جريمـة التفليس والإختـلاس 
1) جريمـة التفليس 
المعروف أن كل تاجر يتوقف عن الدفع، وجب عليه في ظرف لا يتعدى 15 يوما أن يصرح بذلك لكاتب الضبط لدى الغرفة التجارية الموجودة بدائرة محله التجارية و ذلك بقصد فتح إجراءات الإفلاس و التسوية القضائية و يجب أن يكون هذا التصريح مصحوبا بالبيانات التالية :
 ميزانية المحل (المؤسسة).
 حساب الخسائر و الأرباح.
 قائمة الديون مع ذكر أسماء الدائنين و عناوينهم.
 قائمة أسماء الشركاء إن وجدوا.
ويتم إخبار الغرفة التجارية بحالة الإفلاس إما من طرف المدين ذاته، أو من طرف الدائن أو تتولى المحكمة المسألة من تلقاء نفسها.قد تحكم المحكمة بالإفلاس في حالة ما إذا :
 خالف المدين في ممارسة المهنة على ما نص عليه القانون.
 إذا أخفى محاسبته أو بدد جزء من رأس المال، أو إذا صرح زورا بمبالغ لم يكن مدينا بها سواء في محرراته أو التزامات في عقود عرفية أو في ميزانية.
 إذا لم يمسك محاسبة تتفق مع عادات المهنة أو تتناسب مع أهمية المشروع .
و عموما يأخذ الإفلاس نوعان:


 التفليس البسيط 
وهو حالة التاجر المتوقف عن دفع ديونه و أصبح يسير شؤونه التجارية بنوع من الإهمال كأن لا يمسك الدفاتر و لا يقيم جردا مضبوطا، و عليه نصت المادة (383) من قانون العقوبات الجزائري على أنه:" كل من قضي بارتكابه جريمة التفليس في الحالات المنصوص عليها في القانون التجاري يعاقب عن التفليس البسيط بالحبس من شهرين الى سنتين و غرامة مالية من 25.000دج إلى 200.000دج".
 التفليس بالتدليس 
وهو في حالة التاجر الذي يتوقف عن الدفع، و أصبح متهما ببعض التصرفات الإحتيالية كأن يسحب الدفاتر أو أن يكون قد بدد أو أخفى جزاء من رأس المال أو أن يكون قد أثبت في محرراته أو عقوده العرفية أو في ميزانيته بأنه مدين بمبالغ لم يكن مدينا بها.
والعقوبة في هذه الحالة تناولتها كذلك المادة (383)2 من قانون العقوبات الجزائري بقولها:
"يعاقب مرتكب التفليس بالتدليس بالحبس من سنة الى خمس سنوات مع جواز الحكم بالحرمان من الحقوق الواردة في المادة (09) مكرر من قانون العقوبات الجزائري لمدة سنة على الأقل و خمس سنوات على الأكثر".
كما تنص المادة (384) على معاقبة الشركاء بالعقوبات المنصوص عليها في المادة (383) من قانون العقوبات الجزائري حتى و إن لم تكن لهم صفة التاجر.
2) جريمـة الإختـلاس 
الاختلاس هو الفعل الذي يقوم به الركن المادي للجريمة و يقصد به هنا كل فعل يرمي به المالك الى منع التنفيذه أو عرقلته وقد صرحت محكمة النقض في تعريف الإختلاس أنه ليس معناه الإستحواذ على ذلك الشيء خفية بنية امتلاكه بل معناه إزالة تمالك لصفة الحجز عن ملكه المحجوز الموضوع تحت حراسته و ذلك بإخفاء إياه و عدم تصريحه للمحضر يوم البيع إضرار بالدائن الحاجز.
الجريمة أيضا لا تتحقق إلا بإختلاس المحجوزات أو بالتصرف فيها أو عرقلة التنفيذ عليها بعد تقديمها يوم البيع بنية الغش أي بقصد الإعتداء عليها أو أمر السلطة العامة و المساس بحقوق الدائن الحاجز.
تتم جريمة الإختلاس للأشياء المحجوز عليها بمجرد عدم تقديم هذه الأشياء ممن هي في عهدته الى المكلف ببيعها في اليوم المحدد للبيع بقصد عرقلة التنفيذ. 
والعقوبة في هذه الحالة حسب المادة (119) مكرر من قانون 01/09 المؤرخ في 26 جوان 2001 " يعاقب بالحبس من 06 أشهر إلى 03 سنوات، و بغرامة مالية من 50.000دج إلى 200.000دج كل قاضي أو موظف أو ضابط عمومي أو كل شخص ممن أشارت إليه المادة (119) من هذا القانون تسبب من إهماله الواضح في سرقة أو إختلاس أو تلف أو ضياع أموال عمومية أو خاصة أو أشياء تقوم مقامها أو وثائق أو سندات أو عقود أو أموال منقولة وضعت تحت يده، سواء بمقتضى وظيفته أو بسببها ".

المطلـب الثالـث: جريمـة الرشـوة و إصـدار شيـك بـدون رصيـد 
1)جريمة الرشوة:
أ) مفهـومها:
تختص جريمة الرشوة في الإنجاز باعمال الوظيفة العامة وهي تستلزم وجود شخصين موظف يطلب او يقبل عطية اويتلقى حصة أو ايت منافع اخرى مقابل قيامه بعمل أو إمتناعه عن عمل او وظيفة سواءا كان مشروعا أو غير مشروعا أو إن كان خارجا عن إختصاصاته الشخصية إلا أن من شأن وظيفته أن سهل له أداء هذا الفعل ، يسمى هذا الموظف مرتشيا و صاحب المصلحة راشيا.
ب) أركــانها:
- الركن المفترض في المرتشي: يشترط ان يكون موظف أو ما يدخل في حكمه أو مختصا بالعمل أو الإمتناع إن كان خارج عن إختصاصه.
- الركن المادي: يتم بالطلب أو القبول أو تلقي عطية أو هدية أو أية منافع أخرى.
- الركن المعنوي: هو القصد الجنائي بعنصريه العلم و الإرادة، الموظف يعلم أن ما يطلبه او يقبله هو مقابل التلاعب و المساومة عليها.
- العقوبة: الحبس من 02 سنة إلى 10 سنوات و غرامة مالية من 200.000 دج إلى 1000.000 دج ( المواد 25-26-27-28 قانون العقوبات).
كما حددت المادة 27 ق.ع العقوبة من 10 سنوات إلى 20 سنة و بغرامة مالية من 1.000.000 دج إلى 2.000.000 دج بخصوص الرشوة في مجال الصفقات العمومية.
المادة 40 ق.ع في مجال القطاع الخاص، العقوبة بالحبس من 06 أشهر إلى 05 سنوات و بغرامة مالية من 50.000 دج إلى 500.000 دج.(1)

2)جريمـة إصـدار شيـك بـدون رصيـد 
تعتبر جريمة إصدار شيك بدون رصيد من الجرائم الحديثة نسبيا، نصت عليها التشريعات الجنائية بعدما أن أظهرت أهمية البنك في الحياة العملية بوصفها أداة تقوم مقام العملة في التداول و نظرا لأهمية الدور الذي تلعبه الشيكات في المعاملات التجارية و الإقتصادية، فقد خصها المشرع بالحماية دون غيرها من الأوراق التجارية الأخرى حماية لحقوق المتعاملين بها. فقد نصت المادة(374) من قانون العقوبات على أنه:
يعاقب بالحبس من سنة الى خمس سنوات و بغرامة مالية لا تقل عن قيمة الشيك أو عن قيمة النقص في الرصيد:
 كل من أصدر بسوء نية شيكا لا يقابله رصيد قائم، و قابل للصرف أو كان الرصيد أقل من قيمة الشيك، أو قام بسحب الرصيد كله أو بعضه بعدإصدار الشيك أو منع المسحوب عليه من صرفه.
 كل من قبل أو أظهر شيكا صادرا في الظروف المشار إليها في الفقرة السابقة مع علمه بذلك.
 كل من أصدر أو قبل أو أظهر شيكا أو اشترط عدم صرفه فورا بل جعله كضمان.
 كما تنص المادة (375) على مايلي: " يعاقب بالحبس من سنة الى عشر سنوات و بغرامة لا تقل عن قيمة الشيك أو عن قيمة النقص في الرصيد.
 كل من زور و زيف شيكا.
 كل من قبل استلام شيك مزور أو مزيف مع علمه بذلك."
و تنص المادة (375) مكرر من قانون 06/23 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006 دون الإخلال بتطبيق أحكام المواد (37) و (40) و (329) من قانون الإجراءات الجزائية.تختص أيضا محكمة مكان الوفاء بالشيك أو محكمة إقامة المستفيد من الشيك بالبحث و المتابعة و التحقيق و الحكم في الجرائم المنصوص عليها في المادتين (16) مكرر 3 و (374) من هذا القانون."


1- محاضرة في القانون الجنائي الخاص. السنة الثالثة حقوق.كلية الحقوق.جامعة أبوبكر بن قايد تلمسان
المطلب الرابع: جريمة خيانة الأمانة
1) تعريفها: 
تتمثل جنحة خيانة الامانة في فعل الإختلاس أو التبديد بسوء نية أوراق تجارية أو نقود أو بضائع أو أوراق مالية أو مخالصات أو أية محررات تتضمن أو تثبت إلتزام أو إبراء لم تكن قد سلمت إليه إلا على سبيل الإيجار أو الوديعة أو الوكالة أو الرهن أو عارية الإستعمال أو لآداء عمل بأجر أو بغير أجر، بشرط ردها أو تقديمها أو إستعمالها. 
2) الأركــان:
أ) فعل الإختلاس: الإستيلاء على شيء بدون رضا صاحبه.
ب) إختلاس شيء منقول: لا يكون محل خيانة أمانة الأشياء المنقولة حتى يمكن تقديرها بالمال كالأوراق التجارية أو الاوراق النقدية، بضائع، توصيلات، أو محررات تتضمن إلتزامات أو إبراءات. 
- تسليم بمقتضى العقود الستة: 
* عقد الإيجار : يلتزم بمقتضاه الطرف تسليم الطرف الآخر في مدة معينة مقابل أجل.
* عقد الوديعة: يسلم بقتضاه شخص شيء على أن يرده لمالكه.
* عقد الرهن: تسليم المدين بمقتضاه شيء منقول لدائنه لتأمين دينه.
* عارية الإستعمال: تسليم الشيء لإستعماله و رده لصاحبه بعد الإستعمال.
* عقد عمل بأجر أو بغير أجر: إختلاس الأشياء التي قدمت قصد إصلاحها.
* عقد الوكــالة. 
ج) القصد الجنـائي: لا عقاب على الإختلاس إلا إذا حصل بسوء نية.
ملاحظة: لا تقوم جنحة خيانة الأمانة في حالة الأقارب حسب المادة 368 قانون العقوبات " لا يعاقب على السرقات التي ترتكب من الأشخاص المبينين فيما بعد و لا تخول إلا الحق في التعويض المدني:
1- الأصول إضرارا بأولادهم أو غيرهم من الفروع .
2- الفروع إضرارا بأصولهم .
3- أحد الزوجين إضرارا بالزوج الآخر.
د) العقــــوبة: يعاقب بخياننة الأمانة بالحبس من 03 أشهر إلى 03 سنوات وبغرامة مالية من 500 دج إلى 20.000دج .
- الظروف المشددة : طبقا للمادة 378 ق ع تشدد في الحالات التالية :
1- شخص إلى الجمهور لحصول لحسابه الخاص على أوراق مالية .
2- السمسار أو الوسيط .

* أن تصل العقوبة إلى10 سنوات سجنا وغرامة مالية إلى 200.000دج غذا وقعت خيانة الأمانة من القائمين بوظيفة عمومية أو قضائية أثناء مباشرة الوظيفة .
* السجن المؤقت من 05 سنوات إلى 10سنوات طبقا للمادة 379 ق ع .(1)
------------------
منقول

التسميات