2014/10/15

موقف محكمة التعقيب من الاختصاص الحكمي في دعوى رفع المضرة

رأت محكمة التعقيب أن " حجب النور والتهوئة والرؤية أمور غير قابلة للتقدير وبذلك فهي من اختصاص المحكمة الابتدائية"[1] (قرار تعقيبي عدد 62673 مؤرخ في 19 جانفي 1998 ن مح الت ج II 1998 ص 354.)

ورأت في قرار آخر أن الدعوى " في رفع مضرة......غير قابلة للتقدير ما دامت المضرة تتمثل في الكشف على ملك الجار مما يجعل الدعوى راجعة بالنظر حكميا الى المحكمة الابتدائية عملا باحكام الفصلين 21 و22 م م م ت وقد ببرت فيه المحكمة موقفها بأن المبلغ المقدر لرفع المضرة هنا له صبغة " تغريمية لازالة أسباب المضرة " وليست تعويضية " وهو " أثر من آثار الدعوى وليس بفرع منها مستقل بذاته مما يجعله يتبع الدعوى الأصلية من حيث الاختصاص الحكمي."[2] (قرار تعقيبي عدد 99. 76802 مؤرخ في 29/5/2000 غير منشور.)

إن موقف فقه القضاء المذكور قد تأيد بقرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب التي جاء في قرار أول لها أن " الدعوى المقامة على أساس المسؤولية الناجمة من الاخلال بالتزامات الجوار التي مصدرها القانون من قبيل الدعاوى الشخصية وطبيعة التعويض المطالب به بما ينطوي عليه من الزام بإتيان عمل مادي يتمثل في إزالة سبب الكشف يصير موضوع الدعوى غير قابل للتقدير وبالتــــالي راجعا بالنـــظر حكـــميا للمحكمة الابتــــدائية طـــبق أحـــكام الفـــصل 22 م م م ت"[3]( قرار تعقيبي مدني ( دوائر مجتمعة ) عدد 59177 مؤرخ في 21 أكتوبر 1999 : قرار الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 1998-1999 ص9.)

وما يلفت الانتباه في هذا القرار هو ملحوظات السيد المدعي العام[4] (قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 1998-1999 ص 18 وما بعدها) الذي عاب على محكمة الاحالة استنادها على تقدير الإختبار للخسائر المتأتية من رفع المضرة لتأكيد اختصاص حاكم الناحية في النظر في مثل هذه الدعاوي إذ إعتبر ذلك مخالفا " لروح النص إذ لو وقع تطبيقه لاختصت محاكم النواحي في غلق مصانع بمجرد إزالة خيط كهربائي لا يكلف شيئا عند قطعه"[5] (ملحوظات السيد المدعي العام ص 19  المرجع سابق الذكر.) ورأى من ناحية أخرى أن المضرة المتعلقة باحداث مطلات بأرض الغير والكشف عن عقار الجار مضرة " معنوية " لتعلقها بالحق في نور الشمس والضوء والهواء وحقوق كل من الجارين وان الدعوى التي تكون " غير قابلة للتقدير كالدعاوى بمزايا أو منافع تحول طبيعتها دون تقدير قيمة نقدية لها كالطلبات المتعلقة بتنفيذ التزام بامتناع عن عمل مثل سدم نافذة " والتي لها جانب " اعتباري " " غير محسوس شأنها في ذلك شأن الحق من جهة كونه شعورا مستقرا في النفس لا يرقى الى مستوى التجسيم حتى يكون قابلا للتعبير تقديرا كنحو الحقوق الشخصية والملكية وغيرهما"[6].( ملحوظات السيد المدعي العام ص24- 25 المرجع سابق الذكر.) وقد ختم ملحوظاته بضرورة التمييز بين المضرة كأساس أصلي للدعوى وبين طلب رفعها من جهة أخرى والذي يقبل التقدير ولكنه لا يعدو أن يكون فرعا من فروعها وأضاف أنه طالما أن العبرة في تحديد مرجع النظر بأصل الطلب لا فيما اتصل به وتولد عنه من فروع فإن قابلية الفرع المتعلق برفع المضرة للتقدير لا يمكن أن ينسحب على " دعوى المضرة " التي لا يمكن الاستجابة لطلب رفعها إلا عقب التحقق من وجودها وثبوتها بصورة يقينية. من ذلك فإنه يمكن أن نلاحظ أن اعتبار دعوى رفع المضرة دعوى قابلة للتقدير يرجع أساسا إلى خلط بين الطلب الأصلي المتمثل في رفع المضرة وبين كيفية رفعها والذي يعد من قبيل الآثار المترتبة عن الدعوى والتي لا يتحقق منه القاضي إلا بعد أن يتعهد بالموضوع ( وهو أمر يخل بمبادئ الاجراءات والاختصاص الحكمي ومن شأنه أن يساهم في بطء اجراءات التقاضي وتعقيدها)

وبذلك يمكن القول أن الاختصاص بالنسبة لدعاوي رفع المضرة يرجع إلى المحكمة الابتدائية وهو ما أكدته محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة في قرار آخر لها[7].( انظر قرار تعقيبي عدد 59178 مؤرخ في 21 أكتوبر 1999 ( دوائر مجتمعة ) : قرارات الدوائر المجتمعة لمحـــكمة التعقيب 1998 – 1999 ص 29 وما بعدها.)



[1]  قرار تعقيبي عدد 62673 مؤرخ في 19 جانفي 1998 ن مح الت ج II 1998 ص 354.
[2]  قرار تعقيبي عدد 99. 76802 مؤرخ في 29/5/2000 غير منشور.
[3]  قرار تعقيبي مدني ( دوائر مجتمعة ) عدد 59177 مؤرخ في 21 أكتوبر 1999 : قرار الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 1998-1999 ص9.
[4]  قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 1998-1999 ص 18 وما بعدها.
[5]  ملحوظات السيد المدعي العام ص 19 المرجع سابق الذكر.
[6]  ملحوظات السيد المدعي العام ص 25 المرجع سابق الذكر.
[7]  انظر قرار تعقيبي عدد 59178 مؤرخ في 21 أكتوبر 1999 ( دوائر مجتمعة ) : قرارات الدوائر المجتمعة لمحـــكمة التعقيب 1998 – 1999 ص 29 وما بعدها.

2014/05/01

جرائم الفصل 96 م ج... تعليق على القرار التعقيبي الجزائي عدد 9161 المؤرخ في 12 جوان 2013

جرائم الفصل 96 م ج
تعليق على القرار التعقيبي الجزائي عدد 9161 المؤرخ في 12/06/2013
محمود داوود يعقوب
محام وأستاذ جامعي
اصبح الفصل 96 بعد ثورة 17 ديسمبر- 14 جانفي علامة مميزة في قضايا مكافحة منظومة الفساد، إن لم نقل أنه صار المرجع الأساس في جميع محاكمات أركان النظام السابق، بدأ من الرئيس المخلوع مرورا بوزرائه ومستشاريه، ثم من هم دونهم من المسؤولين على المستوى المركزي والجهوي والمحلي، وصولا إلى اعتبار أفراد عائلة الرئيس وأصهاره ورجال الأعمال وغيرهم ممن كان مقربا من عائلة الرئيس وأصهاره وعائلاتهم مشاركين لهم. والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا الفصل 96 دون سواه؟ ثم هل ينطبق هذا الفصل على كل حالات الفساد في أجهزة الدولة والجماعات والمؤسسات العمومية؟ قبل الإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من التذكير بنص الفصل:
الفصل 96 (نقح بالقانون عدد 85 لسنة 1985 المؤرخ في 11 أوت1985): "يعاقب بالسجن مدة عشرة أعوام وبخطية تساوي قيمة المنفعة المتحصل عليها أو المضرة الحاصلة للإدارة، الموظف العمومي أو شبهه وكل مدير أو عضو أو مستخدم بإحدى الجماعات العمومية المحلية أو الجمعيات ذات المصلحة القومية أو بإحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية أو الشركات التي تساهم الدولة في رأس مالها بصفة مباشرة أو غير مباشرة بنصيب ما أو الشركات التابعة إلى الجماعات العمومية المحلية مكلف بمقتضى وظيفه ببيع أو صنع أو شراء أو إدارة أو حفظ أي مكاسب استغل صفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره أو للإضرار بالإدارة أو خالف التراتيب المنطبقة على تلك العمليات لتحقيق الفائدة أو إلحاق الضرر المشار إليهما".
فالفصل 96 م ج ينص على ست جرائم هي:
-                    جريمة استغلال الصفة لاستخلاص فائدة لا وجه لها للنفس.
-                    جريمة استغلال الصفة لاستخلاص فائدة لا وجه لها للغير.
-                    جريمة استغلال الصفة للإضرار بالإدارة.
-                    جريمة مخالفة التراتيب لاستخلاص فائدة لا وجه لها للنفس.
-                    جريمة مخالفة التراتيب لاستخلاص فائدة لا وجه لها للغير.
-                    جريمة مخالفة التراتيب للإضرار بالإدارة. 
ونظرا للارتباط الموجود بين الفصل 96 وأحكام الفصل 98 م ج فإنه من الواجب التذكير بنصه أيضا وهو:
الفصل 98 (نقح بالقانون عدد 85 لسنة 1985 المؤرخ في 11 أوت 1985): "على المحكمة في جميع الصور المنصوص عليها بالفصلين 96 و 97 أن تحكم فضلا عن العقوبات المبينة بهذين الفصلين برد ما وقع الاستيلاء عليه أو اختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح ولو انتقلت إلى أصول الفاعل أو فروعه أو إخوته أو زوجه أو أصهاره سواء بقيت تلك الأموال على حالها أو وقع تحويلها إلى مكاسب أخرى.
ولا يتحرر هؤلاء من هذا الحكم إلا إذا أثبتوا أن مأتى هذه الأموال أو المكاسب لم يكن من متحصل الجريمة.
وللمحكمة في جميع الصور الواردة بالفصلين المذكورين أن تسلط كل أو بعض العقوبات المقررة بالفصل الخامس على أولئك المجرمين"[1].
وربما تكون العبارات الفضفاضة للفصل 96 م ج من جهة، وارتباط أحكامه بأحكام الفصل 98 من جهة أخرى، هما السبب الرئيس في كثرة الاحالات على أساس أحكام الفصل 96 م ج، لأن ثبوت الإدانة سيؤدي بالضرورة إلى الحكم برد ما وقع الاستيلاء عليه (أو قيمته) ولو انتقل إلى أقارب المحكوم عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن  الفصلين 96 و98 م ج وردا تحت عنوان " في الاختلاس من طرف الموظفين وأشباههم"، وهناك من يرى أن للاختلاس قدرا كبيرا من الخصوصية بحيث لا يمكنه أن يشمل جرائم الفصول من 96 إلى 98 وأنه كان من الأجدر تفريق هذه الفصول عن بقية فصول الاستيلاء على أموال عمومية لتفادي كل خلط بين ميادين التجريم، لكن حتى بعد تنقيح هذه الفصول بمقتضى قانون 11 أوت 8519 بقيت في مكانها ولم يقع التفطن إلى هذا الخلط[2].
وبالعودة الى سؤالنا المطروح اعلاه حول ميدان تطبيق الفصل 96 م ج يمكن القول أن محكمة التعقيب تولت الاجابة عنه في سلسلة من القرارات الصادرة منذ سنة 2011 وحتى الآن، ومنها القرار التعقيبي عدد 9161 الصادر بتاريخ 12 جوان 2013، الذي سيكون محل جملة من الملاحظات ضمن الاسطر الموالية.
وتتلخص وقائع القضية التي صدر بموجبها القرار المذكور في أن الجنة الوطنية لتقص الحقائق حول الفساد والرشوة[3] عثرت في القصر الرئاسي بقرطاج على وثائق تتعلق بطلبات تقدم بها أولياء بعض التلاميذ ومراسلات بين مستشار الرئيس السابق للتربية والتعليم وإدارة التوجيه الجامعي تتعلق بتوجيه تعليمات رئاسية لترسيم بعض الطلبة في كليات دون توفر شرط المعدل المحدد في دليل التوجيه الجامعي لديهم فأحالت الملف إلى السيد وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس لفتح بحث على أساس الفصل 96 م ج. فأذن بذلك وبعد انتهاء التحقيق أصدر السيد قاضي التحقيق قرار ختم البحث بتاريخ 14/09/2012 يقضي بإحالة المتهمين على دائرة الاتهام من أجل ارتكاب جريمة استغلال موظف عمومي لصفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها للغير بمخالفة التراتيب المنطبقة و الإضرار بالإدارة. ثم أصدرت دائرة الاتهام قرارها بإقرار ما انتهى اليه قرار ختم البحث على أساس أن: (هناك خرق لنظام التوجيه الجامعي المجعول " لضمان الشفافية في تكافؤ فرص جميع التلاميذ" وأنه على خلاف ما تم التمسك به فإن المنفعة لا تقتصر فقط على كل ما هو مادي وقابل للتثمين ضرورة أن صيغة الفصل 96 م ج وردت مطلقة وبالتالي فهي تشمل بالاضافة الى ذلك المنفعة المعنوية" و بالقول ان هناك خرق للتراتيب المنظمة لعملية التوجيه الجامعي على اعتبار ان دليل التوجيه الجامعي هو من التراتيب المنظمة لعملية التوجيه ولا يمكن التصرف فيما جاء صلبه لا بالزيادة ولا بالنقصان). فوقع الطعن بالتعقيب في قرار دائرة الاتهام من قبل المتهمين، وأصدرت محكمة التعقيب قرارها المذكور عدده وتاريخه اعلاه القاضي بالنقض دون احالة، اذا اعتبرت محكمة التعقيب أنه :" وحيث طالما ثبت ان دليل التوجيه الجامعي لا يرتقي الى صنف التراتيب وأنه لا إمكانية للحديث عن مضرة معنوية لاحقة بالإدارة تكون جريمة الاحالة منعدمة الاركان القانونية مما يتجه معه نقض القرار المطعون فيه".
فالمشكل القانوني المزدوج الذي حاولت محكمة التعقيب الاجابة عنه في قرارها محل التعليق يتمثل في معرفة ما هي العناصر المادية اللازمة لقيام جريمة الفصل 96 م ج؟ وكيف يمكن اثبات حصول الفائدة أو المضرة؟
اجابة عن هذين المشكلين قامت محكمة التعقيب أولا بتحديد الافعال محل التجريم، لتمر ثانيا إلى ضبط ركن "المنفعة".

الجزء الأول: تحديد الافعال محل التجريم:

يمكن القول انطلاقا من القرار محل التعليق أن جرائم الفصل 96 تستوجب توفر أحد أمرين وهما: الصفة (1) أو مخالفة التراتيب (2).

1.    الصفة

جاء في القرار محل التعليق أنه: "لا وجه للتتبع إذا ثبت عدم توفر استعمال الصفة".
ومن البديهي ان الحديث عن استعمال الصفة يستوجب مبدئيا تحديد "الصفة" التي تجعل صاحبها تحت طائلة احكام الفصل 96 م ج. إذ أن استغلال الصفة يفترض بداهة توفر إحدى الصفات الوارد تعدادها بالفصل 96 م ج وأن يكون موضوع الاستغلال تلك الصفة بعينها لا غيرها من الصفات غير المعنية بالتجريم.
إذ تلعب الصفة دورا فعالا على مستوى قيام الجريمة من عدمه فهي ركن أولي لازم لتوفر بقية الأركان
وقد أشار المشرع إلى هذا الركن من جهتين:
1-    صفة الموظف أو شبهه وكل مدير أو عضو أو مستخدم. (ركن الصفة)
2-    مكلف بمقتضى وظيفته ببيع أو صنع أو شراء أو إدارة أو حفظ أي مكاسب. (ركن الاختصاص أو استغلال الصفة).

1.1.                       مفهوم الصفة

لقد وقع التوسع في ركن الصفة بموجب تنقيح سنة 1985 سالف الذكر بإضافة " وكل مدير أو عضو أو مستخدم بإحدى الجماعات العمومية المحلية أو الجمعيات ذات المصلحة القومية أو بإحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية أو الشركات التي تساهم الدولة في رأس مالها بصفة مباشرة أو غير مباشرة بنصيب ما أو الشركات التابعة إلى الجماعات العمومية المحلية". ولقد اعتبر الأستاذ الطيب اللومي أن المشرع يرمي من وراء ذلك إلى "معاملتهم كما يعامل هذا الموظف العمومي وشبهه نظرا للدور الذي تلعبه مؤسساتهم في الاقتصاد الوطني." [4]
ومن المستغرب ان يكون هذا التوسع خاص بفصلين فقط من الفصول المخصصة لجرائم الاستيلاء على الاموال العمومية و دون أن يشمل أيضا بقية " الجرائم الواقعة من الموظفين العموميين أو المشبهين بهم حال مباشرة أو بمناسبة مباشرة وظائفهم". الواردة ضمن نفس الباب الثالث من المجلة الجزائية، فمفهوم الموظف وشبهه في الفصلين 96 و99 يتجاوز بكثير مفهوم الموظف وشبهه الوارد بالفصل 82 م ج[5] وبقية الفصول التي تليه ومنها 95 و97 و100.
ورغم التوسع الحاصل في تعريف الموظف وشبهه ضمن الفصل 96 إلا أنه يمكن التساؤل هل يشمل هذا التعريف كلا من رئيس الجمهورية والوزير؟
يبدو ان محكمة التعقيب في القرار محل التعليق اعتبرت ان الجواب بديهي ولا يحتاج الى تصريح، فهؤلاء موظفين، إذ ان الاحالة في القضية التي صدر بمناسبتها القرار تشمل الرئيس السابق وخمسة من الوزراء، كما أن القضاة والمحامين عموما ذهبوا بعد الثورة الى التعامل مع هذا المفهوم الشامل للموظف كبديهية لا تحتاج في الغالب بيانا ولا تعليل. فهل الأمر كذلك حقا؟
بالرجوع الى دستور غرة جوان 1959 نجد ان الفصل 49 منه ينص على ان: "رئيس الجمهورية يوجه السياسة العامة للدولة ويضبط اختياراتها الأساسية...". ويضيف الفصل 63 من ذات الدستور انه: "يمكن لرئيس الجمهورية ... أن يحل مجلس النواب". وينص الفصل 64 على انه: "تصدر الأحكام باسم الشعب وتنفذ باسم رئيس الجمهورية". ويستنتج من جملة الفصول سالفة الذكر ان الرئيس الجمهورية حسب دستور 1959 (في نسخته الأولى أو بعد تنقيحه) هو مصدر للسلط العمومية وليس جزءا منها أو متعهدا بها وبالتالي لا يمكن اعتباره موظفا على معنى الفصل 82 م ج. إذ أن الفقرة الأولى من الفصل 41 من الدستور الملغى كانت تنص على ان: رئيس الجمهورية هو الضامن لاستقلال الوطن وسلامة ترابه ولاحترام الدستور والقانون ولتنفيذ المعاهدات وهو يسهر على السير العادي للسلط العمومية الدستورية ويضمن استمرار الدولة. والساهر على الشيء لا يمكن أن يكون جزءا منه وبالتالي لا يمكن اعتبار رئيس الجمهورية موظفا على معنى الفصلين 82 و96 م ج.
وهذا التأويل لا يعني بالضرورة ان رئيس الجمهورية خارج نطاق القانون  والمساءلة الجزائية وإنما يعني فقط أن مسؤوليته عن انحرافه بمهام هي مسؤولية سياسية مبدئيا وجزائية في حالات معينة. وتتمثل المسؤولية السياسية في فقدانه لثقة الشعب الذي يفترض أن لا يعيد انتخابه لاحقا أو أن يثور عليه كما حصل في الفترة ما بين 17/12/2010 و14/01/2011 وانتهى الأمر إلى الإطاحة بالرئيس. إذ يفترض أن يترتب عن المسؤولية السياسية للرئيس خسارته لمنصبه وتحمله المسؤولية الجزائية كأي مواطن عن الأفعال غير المشمولة بالحصانة الرئاسية دون ان تتوفر فيه صفة الموظف العمومي.
وقد سبق لمحكمة التعقيب في قرارها المؤرخ في 3 مارس 1976 ان نفت عن رئيس الجمهورية صفة الموظف إذ أكدت أنه  لا يعتبر رئيس الجمهورية موظفا عموميا حتى تنطبق عليه في حالة المسّ من كرامته أحكام الفصل 125 م.ج. "وحيث إن مقتضيات الفصل 125 م.ج تتعلّق بالأفعال التي يقصد منها هضم حرمة الموظفين العموميين ومن يشبه بهم الذين يدخلون في التعريف الذي ورد به الفصل 82 من المجلة المذكورة، فلا ريب أن ذلك التعريف لا يشمل بأية حال رئيس الدولة"[6].
أما بالنسبة للوزراء فيستخلص من أحكام القانون عدد 10 لسنة 1970 مؤرخ في 1 افريل 1970 والمتعلق بالمحكمة العليا ان المشرع خص أعضاء الحكومة أي الوزراء بنظام زجري خاص يتميز بما يلي:
1-    هيئة محاكمة ذات طابع مختلط "سياسي جزائي".
2-    عدم اعتبارهم موظفين عمومين أو شبههم.
3-    يشترط في الجرائم المنسوبة اليهم درجة قصوى من الخطورة على أمن الدولة وسمعتها ومصالحها.
وهذا يعني أنه في غير حالة الخيانة العظمى فإن مسؤولية الوزير عن المخالفات المرتبطة بتأديته لمهامه هي مسؤولية سياسية ومدنية. ولكن وقع تعليق العمل بدستور1959 ثم إلغاؤه كما وقع حل مجلس النواب. وبالتالي تعذر تتبع الوزراء في الاطار القانوني السليم بسبب عدم توفر أركان جريمة الخيانة العظمى أو لفقدان الهيئة الحكمية الخاصة. فهل يمكن أن يكون هذا سببا للبحث عن أركان جريمة أخرى أو تعهد محكمة غير ذات الاختصاص مثلما ذهبت إلى ذلك النيابة العامة وجارها في توجهها القضاء؟.
يبدو لي مبدئيا أنه يستحيل تتبع الوزراء جزائيا من أجل أفعال يفترض أنها ارتكبت زمن سريان دستور 1959 إلا وفق أحكام الفصل 68 منه، أو وفق منظومة العدالة الانتقالية. فطالما لم تتوفر في الجريمة المنسوبة للوزير الشروط المضافة بقانون المحكمة العليا وهي الخطورة على أمن الدولة وسمعتها ومصالحها فإنه لا يمكن تتبعه جزائيا. ومن الثابت أيضا أن القانون عدد 74 لسنة 1985مؤرخ في 20 جويلية 1985 والمتعلق بتحديد أخطاء التصرف التي ترتكب إزاء الدولة والمؤسسات العمومية الإدارية والجماعات العمومية المحلية والمشاريع العمومية وضبط العقوبات المنطبقة عليها وبإحداث دائرة الزجر المالي، استبعد أي مسؤولية جزائية أو تأديبية للوزراء. إذ ورد بالتقرير السنوي الأول[7] لدائرة الزجر المالي ما يلي: "يخضع لقضاء الدائرة مرتكبو أخطاء التصرف إزاء الذوات المعنوية الخاضعة لقواعد المحاسبة العمومية وكذلك المشاريع العمومية. وعليه فإن كل موظف أو عون من أعوان الدولة والمؤسسات العمومية الإدارية والجماعات العمومية المحلية وكذلك كل متصرف أو مسير أو عون من أعوان الدولة والمشاريع العمومية الذي ثبت أنه ارتكب خطأ أو عدّة أخطاء تصرف كما هو مبين بالفصلين الأول والثالث من القانون عدد 74 لسنة 1985 يكون خاضعا لقضاء دائرة الزجر المالي...إلا أن مجال اختصاص الدائرة لا يشمل الأشخاص المباشرين لوظائف سياسية. من ذلك رئيس مجلس النواب والوزراء وكتاب الدولة بصفتهم آمري صرف نفقات الدولة وكذلك أعضاء المجالس النيابية وخاصة منهم رؤساء البلديات آمري صرف نفقات البلديات... إن تصرف هؤلاء الأشخاص يندرج ضمن المسؤولية السياسية ويخرج بالتالي عن مجال اختصاص هذه الدائرة."
ويستخلص من جملة ما سلف أن المشرع افرد الوزراء بنظام مسؤولية خاص يتناسب وحجم وحساسية الأعمال والمهام المكلفين بها وما تحتمله من إمكانية وقوع في الخطأ ولم يدرجهم ضمن التعريف الجزائي للموظف العمومي. ويقتضي هذا النظام ان يخضع الوزراء للمسؤولية السياسية مبدئيا ويمكن بصفة استثنائية تتبعهم جزائيا في صورة ارتكابهم أفعالا خطيرة توصف بكونها خيانة عظمى مما يعني انهم لا يتمتعون بحصانة ولكنهم يخضعون لنظام جزائي يميزهم عمن دونهم ممن لهم صفة الموظف العمومي أو شبهه.  
وبالاستناد إلى ما تقدم يمكن القول أنه رغم توفر شروط إعمال الفصل 96 م ج- بالنسبة للوزراء فإنه لا يمكن تتبعهم جزائيا إلا أمام المحكمة العليا أو بموجب المسؤولية السياسية. فالصفة الوزارية التي تقترن ببعض الصفات المجرمة تحول دون إمكانية التتبع الجزائي رغم ما يمكن أن يتسبب فيه أصحابها من استيلاءات تتجاوز حجمها وخطورتها تلك المرتكبة من طرف موظف عادي.
إن التحليل السابق ينطبق عموما في الظروف العادية التي تفترض تواصل السير الطبيعي لدواليب الدولة، ولكن هناك ثورة حصلت وأدت إلى اسقاط نظام كامل مع تعطيل الركائز القانونية الأساسية لهذا النظام والمتمثل في الدستور والمؤسسات المحدثة بموجبه ومنها المحكمة العليا، وبالتالي وجد القضاء نفسه في حالة فراغ قانوني مع مطالبة شعبية بضرورة القصاص والمحاسبة، فهل تتعطل المحاسبة أم يقع تجاوز القانون؟ كان من المفترض ان لا يكون هذا ولا ذاك وان يقع الاسراع بإرساء منظومة العدالة الانتقالية التي تسمح بايجاد آليات قانونية يمكن بموجبها تجاوز مقتضيات المنظومة التقليدية للعدالة. لكن تأخر العدالة الانتقالية فتح الباب أمام تجاوزات في العدالة التقليدية، وهي تجاوزات لا يبدو أنها كانت فعالة في المحاسبة بل على العكس تعطلت المحاسبة ولم تصل بعد الى ما كان يطمح اليه الشعب.
وبعد التأكد من توفر "ركن الصفة" يجب المرور إلى البحث عن مدى توفر "ركن الاختصاص أي استغلال الصفة".

1.2.                       استغلال الصفة (ركن الاختصاص)

توحي صياغة الفصل 96 م ج بضرورة السيطرة المباشرة على المال العمومي وبالرجوع إلى مداولات مجلس النواب يتبين أن الغاية من التجريم هي حماية المال العمومي من خلال زجر سوء التصرف فيه من قبل من يديره أو يتصرف فيه بشكل مباشر.[8] ويبين هذا الشرط الوسيلة المعتمدة لارتكاب الجريمة والمتمثلة في استغلال الصفة الوظيفية وذلك بخرق القوانين المنظمة لها بالنظر للسلطة القانونية التي يتمتع بها الفاعل للتصرف في الأموال الموضوعة تحت يديه بحكم وظيفته.
فمن ضمن الافعال المجرمة بالفصل 96 م ج  فعلين، يتمثل الأول في استغلال الصفة لاستخلاص فائدة غير مشروعة لنفسه أو لغيره، والثاني في استغلال تلك الصفة للإضرار بالإدارة. إذ وردت صلب المداولات عبارة :"المال الذي في يد فلان." وهو ما عابه الفقهاء على المشرع معتبرين أنه "رغم أن القاعدة الأساسية في تأويل النصوص الجزائية تقتضي التأويل الضيق للنص الجزائي، فإن الاقتصار على اعتبار مجرد مسك الموظف للشيء ماديا دون غيره من شأنه أن يتعارض ونية المشرع وحكمة التجريم ولاستحال تطبيق النص المذكور إطلاقا من الناحية العملية."[9] فالمقصود باستغلال الصفة على معنى الفصل 96 م ج هو استعمال الصلاحيات التي يتمتع بها الجاني -بموجب تلك الصفة- لتحقيق مآرب شخصية على غرار الانحراف بالسلطة في المادة الإدارية الذي يعرّفه القاضي الإداري بأنه : "استعمال الإدارة السلطة والصلاحيات المخوّلة لها قانونا لا للصالح العام ...قصديا."[10]

2.    مخالفة التراتيب

جاء في القرار محل التعليق أنه: "وحيث بالرجوع الى اسانيد القرار المنتقد يتبين ان الدائرة التي أصدرته وجهت التهم على الطاعنين بناء على مخالفة التراتيب لتحقيق فائدة للغير واعتبرت ان الدليل الجامعي يرتقي الى صنف التراتيب وفي مخالفته تتوفر أحكام جريمة الفصل 96 م ج. وحيث يتعين منذ البداية تعريف النصوص الترتيبية حتى يتسنى لنا التأكد من كون الدليل الجامعي يرتقي لصنف التراتيب أم لا. وحيث عرف الفقهاء النصوص الترتيبية بكونها تتضمن قواعد عامة مجردة وملزمة صادرة عن الادارة ويتم تصنيف هذه التراتيب حسب ترتيب تفاضلي في هرم القواعد القانونية يعتمد معيار السلطة التي اتخذت القرار والاجراءات التي اتبعت لاصداره وعلى هذا الأساس نجد في المرتبة الاعلى في سلم القواعد الترتيبية الاوامر ذات الصبغة الترتيبية التي يتخذها رئيس الجمهورية ثم القرارات الترتيبية الصادرة عن الوزراء ثم قرارات الولاة ورؤساء البلديات وبقية السلط الادارية. وتجدر الاشارة ان التراتيب صنفان: أولا تراتيب تطبيقية تتخذ لتنفيذ القوانين وثانيا تراتيب مستقلة عن القانون تتخذ في شكل اوامر ترتيبية وتدخل في المجالات الخارجة عن المجال القانوني كما حدده الفصل 35 ‏من الدستو ر المتخلى عنه وبناء على التعريف السالف الذ كر يمكن ان نستنتج ان للنصوص الترتيبية ما للقاعدة القانونية من احكام فهي قاعدة مجرد وملزمة . ‏وحيث مما لا جدال فيه فان الصبغة الالزامية للقاعدة القانونية تستوجب النشر يالرائد الرسمي حتى يمكن تطبيقها على العموم . ‏وحيت اعتبرت محكمة القرار المنتقد ان الدليل الجامعي يرتقي الى مرتبة الترايتب وذلك، بقولها:´´هنالك، خرق للتراتيب المنظمة لعملية التوجيه الجامعي". وحيث وخلافا لما ذهبت اليه دائرة القرار المنتقد فان الدليل الجامعي لا يمكن ان يرتقي الى مرتبة الترا تيب الادارية باعتباره لا يصدر في شكل امر او قرار او منشور من احدى السلط الحكومية او الادارية المبينة انفا ق باب التعريف بالنصوص الترتيبية فضلا على انه قابل للزيادة في عدد الاماكن المخصصة للشعب الجامعية كما انه لا ´ينشر بالرائد الرسمي ولم يمنحه المشرع صفة ترتيبة بموجب أي نص قانوني او ترتيبي اخر وبالتالى لا يندرج ضمن التراتيب التي يعاقب القانون على مخالفتها وبذلك يكون قرار الدائرة المنتقد قد جانب الصواب لما استنتج خلاف ذلك واصبح موجبا للنقض".
ان أول ما يلفت الانتباه في قرار محكمة التعقيب أنه عرفت التراتيب "règlements" وحصرتها فيما يصدر عن السلطة التنفيذية من قواعد عامة مجردة منشورة في الرائد الرسمي. فهل أن عبارة تراتيب: يقصد بها فقط التراتيب الإدارية فعلا؟ اما أن المقصود بها مختلف القواعد القانونية المنظمة للعمليات الست المذكورة بالفصل 96 م ج؟[11] يمكن القول ان استعمل المشرع عبارة "التراتيب" التي تمثل موضوع المخالفة كان في غير طريقه. وكان حريّا به أن يستعمل عبارة "التشريع" باعتبار أن التراتيب مصدر من مصادر التشريع إلى جانب المصدر الثاني أي "القانون"، لكن عملا بنذمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وما يقتضيه من ضرورة اعتماد التأويل الضيق للنص الجزائي فإنه لا يسعني إلا مسندة محكمة التعقيب في موقفها، مع أن جريان العمل في المحاكم يتجه نحو مفهوم واسع لعبارة تراتيب بحيث تشمل حتى مخالفة القانون. فمجال تطبيق الفصل 96 وقع التوسع فيه دون سند من القانون، ليشمل جميع القوانين والأوامر والقرارات والمناشير والمذكرات المتعلقة بالوظيفة أو التراتيب المنظمة لنشاط المؤسسة.
وتجدر الاشارة هنا الى ان تحديد وجود مخالفة للتراتيب من عدمه يرجع لدائرة المحاسبات دون سواها، إذ ضبط القانون عدد 8 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1968 المتعلق بتنظيم دائرة المحاسبات الإجراءات الخاصة بالكشف عن المخالفات داخل الهيئات التى تساهم الدولة فى راس مالها والخاضعة لرقابة دائرة المحاسبات، وجاء بالفصل 3 من القانون المذكور ما يلي: " تختص دائرة المحاسبات بالنظر في حسابات وتصرف:
1) الدولة والجماعات العمومية المحلية والمؤسسات العمومية التي تكون موازينها ملحقة ترتيبيا بالميزان العام للدولة.
2) المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية وكذلك جميع الهيئات مهما كانت تسميتها والتي تساهم الدولة او الولايات او البلديات في راس مالها".
وحسب الفصل الرابع من القانون المنظم للدائرة فإنه: " تعتبر دائرة المحاسبات بالنسبة للدولة والجماعات العمومية المحلية والمؤسسات العمومية الإدارية الهيئة العليا لمراقبة ماليتها وتملك لهذا الغرض سلطة قضائية وسلطة مراقبة.
فهي:
1) تقضي ابتدائيا ونهائيا في حسابات المحتسبين العموميين وسيصدر امر في ضبط المحتسبين العموميين الذين تخضع حساباتهم وجوبا لقضائها.
بيد انه يمكن للسلطة الإدارية العليا ان تضبط حسابات الجماعات والمؤسسات العمومية مع إمكانية مراجعة ذلك بطلب من الأطراف المعنية او من تلقاء دائرة المحاسبات.
2) تقوم بمهمة مراقبة عامة على المتصرفين في الأموال العمومية".
وحيث على دائرة المحاسبات حسب الفصل 7 من ذات القانون: "بالنسبة للهيئات الخاضعة لقضائها ومراقبتها أو تقديرها ان تكشف عن كل المخالفات وتأذن بالتصحيح اللازم وتقدر طرق التصرف وتعرض الإصلاحات التي ينبغي إدخالها".
فالمشرع أعطى من خلال أحكام هذه الفصول دائرة المحاسبات دون غيرها سلطة مزدوجة للمراقبة والقضاء بالنسبة للهيئات التي تساهم الدولة في جزء من راس مالها. فهذه المؤسسة الهامة التي تعتبر احد جزئي مجلس الدولة هي الجهة الوحيدة المختصة بالنظر في حسابات وتصرف الهيئات سالفة الذكر اعلاه ورتب في الفصل السابع من القانون المنظم لتلك الدائرة الإجراءات التي يجب إتباعها للكشف عن المخالفات.
كما جاء بالفصل 12 (تنقيح 1990) ما يلي: "يباشر وظائف النيابة العمومية لدى دائرة المحاسبات مندوب الحكومة العام(حسب ما وقع تنقيحه بالقانون عدد75/2001 المؤرخ في 17/07/2001.) ... والنيابة العمومية لدى دائرة المحاسبات مكلفة بتأمين العلاقات بين الدائرة من جهة والهيئات والمؤسسات الخاضعة لقضائها أو مراقبتها أو تقديرها من جهة أخرى. ويتعين على النيابة العمومية خاصة أن.... تحيط ممثلي النيابة العمومية لدى محاكم الحق العام علما بكل الأفعال التي تختص هذه المحاكم بزجرها...". ويستنتج مما سبق أن دائرة المحاسبات هي التي لها وحدها حق تقييم أي إخلال يحدث في الهيئات التي تساهم الدولة في راس مالها وأن النيابة العامة لدى دائرة المحاسبات هي التي تحيل من ترى انه ارتكب جنحة أو جناية على النيابة العمومية المختصة لتتبعه من اجل ذلك. ويمكن القول إن هذه الإجراءات جعلت لتحقيق هدفين في ذات الوقت وهما: 1- حماية المال العام. و2- حماية المتصرفين في الهيئات التي تساهم الدولة في راس مالها وتوفير الضمانات لهم باعتبار أن تصرفهم سيقيم قبل أي تتبع من طرف الدائرة الوحيدة المختصة في هذا الميدان وهي دائرة المحاسبات. وقد سبق لمحكمة الاستئناف بتونس بدائرتها الثالثة عشر وأن تبنت الموقف القائل ببطلان إجراءات تتبع الموظف العمومي أو أعوان المؤسسات العمومية إذا لم يتم ذلك بقرار صادر عن دائرة المحاسبات وقد عللت الدائرة المذكورة قرار الإبطال بقرارها عدد 1376 الصادر بتاريخ 11/7/2002 (غير منشور) بكون دائرة المحاسبات لها حق الإثارة الخاصة في كل ما يتعلق بالمؤسسات الخاضعة لرقابتها. وحيث ان تعهد النيابة العمومية ليس مطلقا بل تقيده النصوص الخاصة والاستثنائية ذات الأولوية في التطبيق عملا بالمبدأ العام القائل بان النص الخاص يزيح النص العام. وبذلك فان التعهد مباشرة من قبل النيابة العمومية دون أن تتولى دائرة المحاسبات إبداء رأيها في التصرفات فيه مس بقاعدة إجرائية أساسية وهو ما يؤدي إلى بطلان إجراءات التتبع طبق ما اقتضى ذلك الفصل 199 من مجلة الإجراءات الجزائية والى بطلان الحكم الذي تأسس عليها. وفي هذا الاتجاه جاء القــرار التعقيبي عــدد 25033 المـؤرخ في 17/10/1989[12]:"وحيث يتبين من الاطلاع على القرار المنتقد والأوراق التي أنبنى عليها ان إحالة الطاعن على محكمة البداية التي اقر حكمها القرار المطعون فيه لمقاضاته من اجل التداخل في المسالك العادية للتوزيع طبق القانون المؤرخ في 19/5/80 وقعت مباشرة من النيابة  العمومية ودون سبق تعهد من هذه الأخيرة بتلك المخالفة بمقتضى إحالة من وزارة الاقتصاد الوطني. وحيث اقتضى الفصل 14 من القانون المذكور ان محاضر المخالفات لأحكام ذلك القانون يجب ان توجه لوزارة الاقتصاد الوطني وهي التي  تتولى احالتها على المحاكم المختصة الا اذا قررت حفظها بدون تتبع او اجراء صلح فيها مع المخالف. وحيث يؤخذ من هذا النص القانوني ان حق اثارة الدعوى المتعلقة بتلك المخالفات وتتبعها من خصائص وزارة الاقتصاد الوطني وحدها، وتأسيسا على ذلك فليس للنيابة العمومية حينئذ حق اجراء التتبع  فيها بانفرادها طالما لم يسبق تعهدها فيها بمقتضى احالة من الوزارة المذكورة . وحيث يترتب على ذلك ما دام لم تحترم في الاحالة الاجراءات التي فرضها النص القانوني المشار اليه حسبما ثبت بما سبق بيانه يكون تعهد محكمة الموضوع بالمخالفة غير سليم وبالتالي قرارها الصادر في موضوعها باطلا ومستوجبا للنقض لمنافاته لقواعد الإجراءات تطبيقا للفصل 199 م اج".
فلئن كانت النيابة العامة تملك مبدأ ملائمة التتبع ولوكيل الجمهورية طبق الفصل 26 من م اج ان يتلقى ما يعلمه به الموظفون العموميين او افراد الناس من الجرائم وقبول شكايات المعتدى عليهم الا ان هذا ليس بصورة مطلقة، فإنه توجد في القانون عدة جرائم يتلقى فيها وكيل الجمهورية الاعلامات الا ان تتبعها يكون موقوفا على اجراءات اخرى اولية مثل حصول شكاية من الشاكي نفسه مثل جرائم الزنا والثلب والشتم في بعض الصور ومنها ايضا الشكايات المتعلقة بالمؤسسات التي تساهم الدولة في رأس مالها او في الكثير من الجرائم ذات الطابع الاقتصادي ففي هذه الحالة لابد من احالتها على الدائرة المختصة وهي التي تعهد له بالتتبع عند اكتشافها للجريمة. وان تجاوز تلك الاحكام الخاصة مخالف للمبادئ العامة للقانون التي تقضي بتقديم النص الخاص على العام والا لفقدت النصوص الخاصة قيمة وجودها واصبح قانون 8/3/1968 لا معنى له.
وبالرجوع الى القرار محل التعليق فإنه من الثابت كما ذهبت الى ذلك محكمة التعقيب ان وزارة التعليم العالي تتجاوز في كل سنة ما تضمنه دليل التوجيه بالنسبة لبعض الشعب زيادة أو نقصانا على ضوء نتائج امتحانات شهادة البكالوريا ونتائج الشعب المعنية ويكفي الاطلاع على نتائج التوجيه الجامعي في السنوات الأخيرة (2011 و2012 و2013 ) ليتبين أن تجاوز مقتضيات دليل التوجيه أمر سائد ولازال يتكرر. كما أنه من الثابت أن لا وجود لأية تراتيب تضبط بصفة عامة ومجردة معايير التوجيه الجامعي إذ يفتقر الدليل لخصائص القاعدة القانونية ولا تتوفر فيه مقتضياتها فهو مجرد وثيقة توجيهية إدارية تفتقد للقوة الإلزامية، ولا ينشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية. وقد جاء في الفصل الأول من القانون عدد 64 لسنة 1993 مؤرخ في 5 جويلية 1993 المتعلق بنشر النصوص بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية وبنفاذها أنه:" يكون نشر القوانين والمراسيم والأوامر والقرارات بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية باللغة العربية. ويتم كذلك نشرها بلغة أخرى وذلك على سبيل الإعلام فحسب. يجوز نشر الإعلانات القانونية والعدلية بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية حسبما يقتضيه التشريع الجاري به العمل". و نص الفصل الثاني من ذات القانون على أنه: " تكون النصوص القانونية والترتيبية نافذة المفعول بعد مضي خمسة أيام على إيداع الرائد الرسمي المدرجة به بمقر ولاية تونس العاصمة". ويستخلص من أحكام هذا القانون الذكر ان اي تراتيب لم تنشر في الرائد الرسمي ليست لها قوة الزامية. مما يعني ان موقف محكمة التعقيب كان في طريقه.
و علاوة عما سبق فمن الثابت أن القانون عدد 70 لسنة 1989 المؤرخ فى 28 جويلية 1989 والمتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي كان ينص في فصله الرابع على أن: "التعليم العالي مجاني وهو مفتوح للمتحصلين على باكالوريا التعليم الثانوي او على شهادة معترف بمعادلتها لها وذلك حسب شروط عامة تضبط بأمر،". وقد ألغي القانون المذكور وعوض بالقانون عدد 19 لسنة 2008 المؤرخ في 25 فيفري 2008 المتعلق بالتعليم العالي والذي ينص في الفصل 6 على أنه: "يخوّل الالتحاق بالتعليم العالي للمتحصّلين على شهادة الباكالوريا أو على شهادة أجنبيّة معترف بمعادلتها لها". و لم يتطرق كلا القانونين لا من قريب ولا من بعيد لدليل التوجيه الجامعي ولم يعطه أية صفة ترتيبية أو قوة ملزمة. مما جعل منظومة التوجيه الجامعي تفتقر الى الاطار الترتيبي المنظم لها وتعاني من جملة نقائص واخلالات كانت ولا تزال محل نقد وتشكيات من التلاميذ وأوليائهم وكل من يهمهم الأمر. وطالما أن دليل التوجيه الجامعي يفتقر لخاصيات القاعدة القانونية الأمرة والملزمة ولم يمنح صفة ترتيبية بموجب أي نص قانوني أو ترتيبي أخر فإنه لا يندرج ضمن التراتيب التي يعاقب القانون على مخالفتها سعيا وراء تحقيق منفعة.

الجزء الثاني ضبط ركن المنفعة:

حاولت محكمة التعقيب في قرارها محل التعليق أن تضبط ركن المنفعة من زوايتين هما: تحديد مفهومها (1)، وكيفية اثباتها (2).

1-    تحديد مفهوم المنفعة:

جاء في القرار محل التعليق أنه: وحيث من جهة ثانية فإن دائرة القرار المنتقد في تأويلها لاحكام الفصل 96 م ج اعتبرت ان المنفعة لا تقتصر على المنفعة المادية فحسب بل تشمل المنفعة المعنوية استنادا الى ان صيغة الفصل وردت مطلقة. وحيث ان المنحى الذي انتهجته دائرة القرار المنتقد في تأويلها لركن المنفعة المتحصل عليها يعد مخالفة للتراتيب لا يستقيم قانونا للاسباب التالية:
-        وحيث بتصفح المجلة الجزائية يتبين ان المشرع ادرج الفصل 96 م ج بالقسم الثالث تحت عنوان "في الاختلاس من طرف الموظفين العموميين واشباههم".
-        وحيث بقراءة الفصل 96 وبضميمه الفصل 98 القاضي بـ" على المحكمة في جميع الصور المنصوص عليها بالفصلين 96 و 97 أن تحكم فضلا عن العقوبات المبينة بهذين الفصلين برد ما وقع الاستيلاء عليه أو اختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح ولو انتقلت إلى أصول الفاعل أو فروعه أو إخوته أو زوجه أو أصهاره سواء بقيت تلك الأموال على حالها أو وقع تحويلها إلى مكاسب أخرى". وحيث ان المنفعة المتحدث عنها بدلالة العبارات المستعملة بالفصل 98 لا تكون الا منفعة مادية بحتة وفي خلاف ذلك يستحيل الحكم بالخطية وخاصة رد ما وقع الاستيلاء عليه أو اختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح وزيادة عن ذلك فقد استعمل المشرع كلمات استيلاء، اختلاس، قيمة، منفعة، ربح، الأموال، مكاسب وهي تدل بأكملها على الجانب المادي دون المعنوي. ذلك ان الرد لا يكون الا عنصرا ماديا صرفا، وقد واصل الفصل المذكور الحديث في اتجاه ان المنفعة يجب ان تكون مادية بقوله: سواء بقيت تلك الاموال على حالها أو وقع تحويلها الى مكاسب اخرى اضافة الى ان الحكم بالخطية يستوجب قيمة مالية محددة.
وحيث يتحصحص مما سبق بيانه ان تأويل القاعدة القانونية على النحو الذي ذهبت اليه دائرة القرار المنتقد في اعتبار المنفعة الواردة بالفصل 96 م ج لا تقتصر على المنفعة المادية فحسب بل يشمل المنفعة المعنوية، تأويلا خاطئا باعتبار انها توسعت في تأويل النص الجزائي خارقة بذلك المبدأ العام القائل بالتأويل الضيق للقانون الجزائي فكان التوسع لا مبرر له ومخالفا لمراد المشرع زيادة على ان القاعدة القانونية في صورة غموضها فتأويلها يكون لصالح المتهم دون العكس وفي ذلك خرق للقانون مستوجب للنقض".
مبدئيا، يمكن القول ان موقف محكمة التعقيب سليم ولا غبار عليه إلا شائبة واحدة شابته وهي استخدامها لعبارة "منفعة" في غير محلها.
فموقفها سليم لأنه من الواضح أن ما ورد بالفصلين المذكورين (96 و98 م ج) يستبعد الجانب المعنوي للفائدة أو للضرر اللاحق بالإدارة ويرجح أن يقتصرا على الجانب المادي فحسب. وهو أمر رغم وضوحه وجد من يعارضه[13] معتبرا "أن هذا الضرر قد يحصل في منقولاتها أو عقاراتها أو أي شيء من الأشياء التي تقع على ملكها أو هي في تصرفها مثل آلات الإعلامية التي تكتريها الإدارة من مؤسسات أخرى خاصة لأنها متى وقع تعطيلها من طرف الفاعل تضرّرت الإدارة بوجوب تسديدها لمصاريف إصلاحها وتعطل عملها داخل مصالحها لمدّة قد تطول وقد تقصر بحسب أهمية العطب زيادة على تضرّرها الأدبي في سمعتها نحو المواطن الذي تعامل معها أو الذي يحملها على الإهمال والتسيب." ولكن بالعودة للنص فإن عبارة "مكاسب"  المعبر عنها بالنص الفرنسي لنفس الفصل (biens) تشمل في معناها القانوني كل منقول أو عقار مهما كانت صفته. ولا تشمل الأمور المعنوية ولو كانت من صنف المبادئ القانونية العامة، فدائرة الاتهام التي نقضت محكمة التعقيب قرارها انطلقت من ان هناك خرق لنظام التوجيه الجامعي المجعول " لضمان الشفافية في تكافؤ فرص جميع التلاميذ" وأن المنفعة لا تقتصر فقط على كل ما هو مادي وقابل للتثمين ضرورة أن صيغة الفصل 96 م ج وردت مطلقة وبالتالي فهي تشمل بالاضافة الى ذلك المنفعة المعنوية" وهذا موقف في غير طريقه لأن النص الوحيد الذي يعاقب على النيل من مبدأ تكافؤ الفرص هو الفصل 87 مكرر م ج وهو نص خاص بميدان الصفقات العمومية ولا يمكن التوسع فيه أو القياس عليه. وبالتالي فان تكييف الأفعال اعتمادا على أحكام الفصل 96 م ج لا يستقيم قانونا وهو من باب تحميل النص ما لا يحتمل بما يتجه معه النقض لعدم وجود تجريم أصلا. فمحكمة التعقيب تؤكد دائما على أن "من القواعد القانونية المسلم بها فقها وقضاء أن ما لم يحجره القانون يمكن فعله بدون حرج على فاعله"[14]، وهو ما ذكرت به أيضا في قرارها محل التعليق.
فالتطبيق السليم لأحكام الفصل 96 يقتضي وجود مكاسب أي أموال مهما كان نوعها وضعت تحت يد موظف عمومي لادارتها، وحدد الفصل خمسة أفعال حصرية تتعلق بمكاسب يجب ان يتوفر واحد منها على الأقل وهي: عمليات بيع أو صنع أو شراء أو إدارة أو حفظ. مما يعني وجاهة موقف محكمة التعقيب حين اعتبرت أن أحكام الفصل 96 ق ج واضحة وصريحة في الربط بين عنصر الضرر وعمليات محددة على سبيل الحصر وهي بيع أو صنع أو شراء أو إدارة أو حفظ مكاسب. فالربط بين عنصر الضرر وعنصر المكاسب يؤدي حتما إلى القول أن الضرر المقصود بالنص لا يمكن أن يكون إلا ضررا ماديا ثابتا ومحددا يمكن حصره وتقديره وضبط قيمته دون سواه من الاضرار. فموقف محكمة التعقيب يندرج ضمن فقه القضاء المستقر على اعتبار ان النص الجزائي لا يقبل القياس ولا التأويل الموسع من ذلك ما جاء بالقرار التعقيبي عدد 17353 المؤرخ في 6/7/1988 [15] من انه << من مقتضيات النظام العام ألا يقع التوسع في حمل النصوص الجزائية على غير مدلولاتها الواضحة >>.
ولكن موقف محكمة التعقيب شابته شائبة استخدامها لعبارة منفعة في غير محلها، فالركن المادي لجريمة الفصل 96 م ج لا يتمثل في تحقيق منفعة أو الحاق مضرة فإن ذلك الركن يتمثل في:
Ü   "استغلال الصفة لاستخلاص فائدة لا وجه لها أو للإضرار بالإدارة
Ü   أو مخالفة التراتيب لاستخلاص فائدة لا وجه لها أو للإضرار بالإدارة ".
فحسب عبارات النص فإن استخلاص فائدة لا وجه لها أو الإضرار بالإدارة هما القصد من الجريمة الذي يجب أن يثبت اتجاه إرادة المتهم اليهما او الى أحداهما. إذ يجب لقيام جريمة الفصل 96 م ج أيضا أن يرتكب الجاني جريمته عن علم وإرادة أي أن يتوفر لديه القصد الجنائي الخاص المتمثل في استخلاص فائدة لا وجه لها أو للإضرار بالإدارة. و في صورة توفر جملة الأركان المذكورة مجتمعة يمكن للمحكمة ان تمر الى تسليط العقاب المتمثل في :" يعاقب بالسجن مدة عشرة أعوام وبخطية تساوي قيمة المنفعة المتحصل عليها أو المضرة الحاصلة للإدارة..." بما يتبين معه (خلافا لما ذهبت اليه محكمة التعقيب) ان عبارة "المنفعة" لم ترد كمكون من مكونات الجريمة وانما هي عنصر في تقدير عقابها. فمحل الجريمة يجب ان يكون مكاسب ذات قيمة مالية محددة إذ أن تلك القيمة "أي المنفعة" هي التي ستعتمد في تحديد مبلغ الخطية حسب الفصل 96 م ج وقيمة ما سيقع الحكم بترجيعه حسب الفصل 98 م ج وذلك بشرط ثبوتها.

2-   اثبات وجود المنفعة

جاء في القرار محل التعليق انه:" وحيث تعرض الفصل 96 م ج للضرر المادي الثابت والمحدد الذي يمكن حصره وتقديره وضبط قيمته دون سواه من الاضرار فإن دائرة القرار المنتقد لم تبرز حصول ضرر للادارة وفي انعدام المضرة فلا مجال لتطبيق الفصل 96 م ج إد كان لزاما على دائرة لقرار المنتقد ان تبرز ماهية وطبيعة المضرة اللاحقة بالادارة وكان لا بد لها في هذا الصدد أن تلجأ إلى أهل الخبرة لتقدير قيمة المضرة الحاصلة للادارة أو قيمة الفائدة الحاصلة للغير المنتفع، خاصة وان تلك القيمة ستكون جزءا من الحكم في صورة ثبوت الادانة، ضرورة ان الفصل 96 م ج أوجب على المحكمة تسليط عقوبة بالسجن وبخطية تساوي قيمة المنفعة المتحصل عليها أو المضرة الحاصلة للادارة على من تؤاخذهم، كما ان الفصل 96 من نفس المجلة أوجب على المحكمة في صورة القضاء بالادانة في الصور المنصوص عليها بالفصلين 96 و98 م ج ان تحكم فضلا عن العقوبات برد ما وقع الاستيلاء عليه أو اختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح. وحيث أنه في صورة القبول جدلا بوجود المضرة المعنوية فإن أهل الخبرة يصبحون عاجزين على تقديرها وتحديد قيمتها ويجعل المحكمة غير قادرة على تسليط العقوبة المالية الواردة بالفصل 96 م ج برد ما وقع الاستيلاء عليهأو اختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح".
من الواضح ان محكمة التعقيب اعتبرت ان القول الفصل في اثبات وجود ضرر وتحديد قيمته يرجع الى تقرير الاختبار، ويمكن القول ان فقه قضاء محكمة التعقيب استقر على أنه في مثل هذه الجرائم الاقتصادية والمالية لا يمكن التثبت من وجود جريمة الا بإجراء اختبار ثلاثي وبالتالي فلا مجال للإيقاف قبل ذلك. إذ سبق لمحكمة التعقيب في قرار حديث أخر أن تبنت نفس الموقف، وأكدت أنه من المتوجب الاذن بإجراء الاختبارات الفنية والحسابية اللازمة قبل إصدار البطاقات القضائية وذلك لضمان حسن سير المرفق القضائي وضمان حرية الأفراد توصلا الى إقرار محاكمة عادلة وناجزة (قرار تعقيبي جزائي عدد 2354 مؤرخ في 23/5/2012 غير منشور). وأضافت محكمة التعقيب في ذات القرار أيضا أنه:" وحيث مما لا شك فيه أن دائرة القرار المنتقد وقبل البت في مطلب الافراج، وقبل البت في الأصل قررت ارجاع ملف القضية الى السيد المحقق لاتمام بعض الاعمال واهمها استنادا الى أحكام الفصلين 96 و97 م ج تقدير قيمة المنفعة الحاصلة للمتهمين والضرر اللاحق بالادارة، الحالة التي يتجه معها تكليف ثلاثة خبراء لتقدير قيمة المنفعة الحاصلة للمتهم والضرر اللاحق بالادارة. وحيث ورد بتعليل رفض مطلب الافراج ان الابحاث لم تكتمل بعد الأمر الذي يخشى منه في سراح المعقب، ويستروح من هذا التعليل أنه يتقاطع كليا مع القرار المتضمن وجوبية اجراء اختبار فني لبيان الضرر اللاحق بالادارة أو المنفعة التي حصل عليها المعقب... ذلك ان الاختبارات الفنية هي الفيصل في ارتكاب الجريمة من عدمه... وحيث مما لاشك فيه أن مثل هذه القضايا التي لها طابع اقتصادي ومالي لا يمكن الحسم في عناصرها دون اختبارات فنية وحسابية هي المحدد في اثبات ارتكاب الجرائم من عدمه".
لكن موقف محكمة التعقيب على ما فيه من وجاهة ناتجة عن الطابع الفني المعقد لجريمة الفصل 96 م ج، إلا أنه يتعارض مع أحكام الفصل 112 م م م ت الذي يعتبر ان رأي الخبير لا يقيد المحكمة، وبالتالي فللمحكمة دائما الحق في استبعاد رأي الخبير شرط حسن التعليل، وبناء عليه يمكن ان يرى الخبراء عدم وجود جريمة أو عدم وجود مضرة أو منفعة ومع ذلك تصدر المحكمة حكمها بالادانة. فالخبير هو شخص فني يعطي رأيه الاستشاري بصدد مسألة فنية تقتضيها قضيه مطروحة على المحكمة يصعب عليها الإلمام بها فنياً. لكن " الاختبار ليس وسيلة إثبات وإنما طريقة فنيّة تلتجئ إليها المحكمة عندما تحتاج إلى بيان وضبط أمور فنيّة تساعدها على البتّ في الموضوع "[16]. إذ نص الفصل الأول من القانون عدد 61 المؤرخ في 23 مارس 1993 أن مهمة الخبير العدلي "إبداء رأي فني أو إنجاز أعمال بتكليف من المحاكم"، ويستخلص مما سبق أن هدف الاختبار هو إنارة القاضي حول وقائع مادية تستوجب اختصاص فني وتكوين مهني لإجراء تحقيق معمّق له تأثير على حل المشكل الذي يطرحه النزاع[17]. ويبقى" للمحكمة أن تأخذ بنتيجة أحد الاختبارات دون غيره لكن بشرط تبرير موقفها وبيان أسباب الترجيح"[18]، وما عابته محكمة التعقيب على دائرة الاتهام ومن قبلها قاضي التحقيق في القرار محل التعليق هو عدم إجراء الاختبار أصلا وليس عدم الأخذ به، فالأول خلل يستوجب النقض، أما الثاني فهو حق يتطلب التعليل.
وفي الختام يمكن القول ان القرار محل التعليق هو من صنف القرارات المبدئية في تأويل احكام الفصل 96 م ج، لأن فيه تحديد دقيق لمجال التجريم وبيان للأوجه التي تقوم فيها الجريمة، خاصة عندما يتعلق الامر بخرق مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص، اللذين طالما انتهكا في العهد البائد، ولازال حتى الآن عرضة لانتهاكات خطيرة لا تقل عما كان معمول به سابقا.
وتبرز أهمية هذا القرار التعقيبي  من جهتين:
الأولى- أنه كشف عن وجود نقائص خطيرة في منظومة التوجيه الجامعي لا بد من اصلاحها.
والثانية- أنه أعلى حكم القانون وتمسك بالإباحة احتراما لمبدأ الشرعية رغم خطورة الافعال الصادرة عن المتهمين.







[1] - أنظر حول هذا الفصل: ساسي بن حليمة، خواطر حول الفصل 98 (جديد) م ج مقال منشور بجريدة الصباح ليوم 31 ديسمبر 1985.
[2] BACCOUCH (N) : Répression pénale et disciplinaire dans la fonction publique, op.cit, p86.
إن نظام الاستيلاء على أموال عمومية (الفصول من 96 إلى 99 م.ج) عرف تنقيحا بمقتضى قانون 11 أوت 1985. وقد شمل التغيير إلى جانب العقاب عنصرين مكونين للجريمة وهما التوسع في كل من صفة الجاني والركن المادي.
[3]- أكدت محكمة التعقيب في قرار حديث صادر تحت عدد 639 بتاريخ 04 جويليه 2012 (غير منشور) أن عدم تناول الدفع بعدم سلامة أعمال لجنة تقصي الحقائق بالنقاش أو الرد عليه بتعليل مقنع يعد هضما لحقوق الدفاع. وحيث تأسيسا على ذلك يتضح بأن دور دائرة القرار المنتقد لا يقتصر على أدلة الإدانة فقط بل هي ملزمة باستقراء كل الأدلة الدالة على ثبوت البراءة لما في ذلك من تحقيق لمبادئ الإنصاف والعدل وهي ملزمة أيضا بالرد على الدفوعات الجوهرية التي لها تأثير على وجه الفصل في القضية".
[4]   الطيب اللومي: الجديد في جرائم الاستيلاء على الأموال العمومية، مقال منشور بمجموعة المحاضرات التي ألقيت بمركز البحوث والدراسات والنشر، يوم 20 ديسمبر 1985.ص 24 . رضا خماخم: "جرائم الرشوة في القانون الجديد المنقّح والمتمّم لبعض أحكام المجلّة الجنائية." م.ق.ت. جوان 1998. عبد الله الهلالي، "تطوّر دور القضاء في حماية الأموال العمومية بتونس" م ق ت. أكتوبر 1986.
[5] - ينص الفصل 82 م ج على أنه:" يعتبر موظفا عموميا تنطبق عليه أحكام هذا القانون كل شخص تعهد إليه صلاحيات السلطة العمومية أو يعمل لدى مصلحة من مصالح الدولة أو جماعة محلية أو ديوان أو مؤسسة عمومية أو منشأة عمومية أو غيرها من الذوات التي تساهم في تسيير مرفق عمومي.
ويشبه بالموظف العمومي كل من له صفة المأمور العمومي ومن انتخب لنيابة مصلحة عمومية أو من تعينه العدالة للقيام بمأمورية قضائية".
[6] -قرار تعقيبي جزائي عدد 11237، مؤرخ في 3 مارس 1976، ن. م. ت، 1976، ص 13
[7] - الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 57 المؤرخ في 11 سبتمبر 1990. ص 1257.
[8]- مداولات مجلس النوّاب عدد 43 يوما 29 و30 جويلية 1985. ص2129.
[9]- سعيد غبوش: الاستيلاء على مكاسب الغير بحكم الوظيفة، مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمقة في العلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 1986. و نجاة العرقي، الحماية الجزائية للمال العمومي من خلال المجلة الجزائية، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس سنة 2008/2009. البشير المنوبي الفرشيشي، محاضرات حول جرائم الاستيلاء على الأموال العمومية لطلبة المرحلة الثالثة علوم جنائية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس السنة الجامعية 2010-2011 .
[10] - قرار اداري ابتدائي عدد 17131 مؤرخ في 15 جويلية 2000. فقه قضاء المحكمة الإدارية لسنة 2000. منشورات مركز الدراسات القانونية والقضائية. ص. 202.
[11] - لقد أشار المشرع إلى تلك التراتيب بقوله: "التراتيب المنطبقة على العمليات المذكورة" أي عمليات البيع أو الصنع أو الشراء أو الإدارة أو الحفظ للمكاسب مهما كان نوعها.
[12] ) ورد هذا القرار بنشرية محكمة التعقيب لسنة 1989 ص 74و75.
[13] - الطيب اللّومي، مرجع سابق ص 21-22.
[14] ) قرار تعقيبي جزائي عدد 10759 مؤرخ في 5 مارس 1975، نشرية محكمة التعقيب القسم الجزائي لسنة 1975، ص.123.
[15] ) الرجاء مراجعة هذا القرار الوارد بنشرية محكمة التعقيب لسنة 1988ص84.
([16]) قرار تعقيبي عدد 16811 مؤرخ في 23 ماي 1989، نشرية محكمة التعقيب لعام 1989، ص 197.
([17]) Jean Debeaurain : Les caractères de l’expertise civile. Dalloz 1979 Chronique 193, p. 143.
([18]) قرار تعقيبي عدد 2904 مؤرخ في 19/2/1979 : نشرية محكمة التعقيب لعام 1979، ج 1، ص 80.

التسميات