2015/01/29

الجريمة الاقتصادية والمالية في القانون الجزائري

المقدمــــــــة



عرفت الجرائم الإقتصادية منذ القديم قبل و بعد مجيء الإسلام و لقد ذكر على أن القوانين القديمة نصت على معاقبة تجاوز الحد المحدد و التهرب من دفع الضريبة و اختلاس أموال الدولة...
و مع تغيير مفهوم الدولة و الظروف الإجتماعية برز مصطلح جديد للجريمة الإقتصادية و أصبح لزاما على المجتمع الدولي من إيجاد نظم قانونية تشريعية تعمل على الحد من هذه الجرائم.
و بما أن استقرار المجتمع يعتمد على سلامة الأسس الإقتصادية لتأمين استمراره فكان لابد من أن تنعكس أهمية الحياة الإقتصادية على سلوك الناس و نشاطاتهم و هذا الإنعكاس له طابعه ايجابي إذ بلور الحوافز الكامنة لدى هؤلاء، و الرامية إلى ارتقاء درجات التقدم التقني و تحسين الأحوال المعيشية، كماله طابع سلمي انعكس في محاولة بعض الأشخاص الوصول إلى نفس الغاية و بطرق ملتوية تخفي في الواقع أعمالا إجرامية بحق الأفراد و المجتمع خاصة إذا تعلق الأمر بالجريمة الإقتصادية المرتكبة ضد الأنظمة المالية الدولية، فهي تحول دون جباية الرسوم اللازمة للخزينة، كما أن المواطن يفقد الثقة بالمؤسسات العامة للدولة و العملة الوطنية تنحدر قيمتها.
فكان على الدول أن تحيط اقتصادها و تحميه بقوانين رادعة، و تكثف من الوسائل الأمنية على مختلف الأصعدة تماشيا مع ما تفرضه التكنولوجيا في شتى الميادين، الإجرامي منها خصوصا إذا تعلق الأمر بالجريمة الإقتصادية.
هكذا إذا يتضح أن موضوع الجريمة الإقتصادية كان و لا يزال يشكل أحد الموضوعات الرئيسية التي إسترعت إهتماما بالغا و مميزا لدى الباحثين و المختصين في مجال العلوم الإقتصادية، و كذا القائمين على تسيير دواليب الإقتصاد في جميع الدول مهما إختلفت درجة تطورها أو تخلفها.
إن هذه الأهمية البالغة لهذا الموضوع من جهة، و حساسيته الناجمة عن مختلف الآثار الخطيرة (سياسية، اجتماعية، إقتصادية...الخ) التي يمكن تصورها نتيجة عدم الإكتراث بمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة و المعقدة من جهة أخرى، شكلت بالنسبة لنا مبررات موضوعية قية لتناول هذه الظاهرة، أي الجريمة الإقتصادية بالدراسة و التحليل.
وفي هذا السياق أيضا لا يمكننا أن نتجاهل سبابنا الذاتية التي دفعتنا للخوض في هذا الموضوع، و التي تكمن أساسا في كونه موضوع جلب إهتمامنا الشخصي بالنظر إلى الأشكال المتعددة التي برزت من خلالها الجريمة الإقتصادية في بلادنا، لا سيما أثناء مرحلة التحولات الجذرية التي لا يزال يعرفها اقتصادنا الوطني، و التي عرفت سلسلة من الفضائح و الجرائم الإقتصادية التي ما فتئت تتطور و تعرف إنتشارا واسعا ببلادنا.
في هذا السياق، و إن كان هذا الموضوع سيحقق مجموعة من الأهداف إلا أنه سيسعى الى تحقيق الأغراض الرئيسية التالية:
 التعرف على ما هية الجريمة الإقتصادية من حيث مفهومها، أنواعها، و مختلف الآثار الناجمة عنها.
 توضيح أهم الطرق المتبعة من أجل محاربة الجريمة الإقتصادية.
 تسليط الضوء على أهم الجهود العالمية خاصة، و المبذولة في هذا المجال.
 محاولة الإسهام ببعض التوصيات و المقترحات التي تساعد على محاربة الجريمة الإقٌتصادية و الحد من آثارها الخطيرة.
من هذا المنطلق و سعيا منا للوصول الى تحقيق الأهداف السالفة الذكر يجدر بنا أن نطرح الإشكالية الرئيسية التالية:
هل الجريمة الإقتصادية و تفاقمها تختلف من بلد لآخر حسب السياسة المتبعة ؟.
وهو التساؤل الجوهري الذي يمكن تفريعه إلى التساؤلات الآتية:
1- ما المقصود بالجريمة الإقتصادية و ما مفهومها ؟.
2- ما هي أنواع الجرائم الإقتصادية ؟.
3- ما هي طرق محاربة الجريمة الإقتصادية ؟.
4- ما الآثار التي تخلفها الجريمة الإقتصادية على النشاط الأقتصادي و على المجتمع ؟

و من هذه الإشكاليات اقترضنا أربع فرضيات و هي:
 الحرية الإقتصادية و التجارية تساهم في توسيع و خلق الجرائم الإقتصادية.
 تعيش الدول النامية و من بينها الجزائر إنتشارا فضيعا للجرائم الإقتصادية.
 من بين الجرائم التي تعيشها المجتمعات جريمة الرشوة و هي الأكثر انتشارا في الجزائر.
 أصبحت الجرائم الإقتصادية تحت سيطرة هيئات منظمة تنظيما محكما في بعض الحالات قد تكون شركات.
بناء على الإشكالية الرئيسية بمختلف تساؤلاتها الفرعية ،و إستنادا إلى الفرضيات السابقة الذكر، سنعتمد في هذه الدراسة على منهج رئيسي هو المنهج الوصفي بإعتباره في نظرنا يشكل الأداة الأفضل و الأنجع التى تمكننا من القيام بتشخيص علمي و دقيق للمشكلة محل الدراسة، ألا و هي الجريمة الإقتصادية بإعتبارها إحدى أهم و أخطر المشكلات الإقتصادية التى يعرفها العالم اليوم. و من ثم محاولة إستخلاص أهم الحلول الملائمة للحد من آثارها المتعددة و الخطيرة.
وعليه قمنا بتسليط الضوء على بعض جوانب هذه الظاهرة المتفاقمة متبعين الخطة التالية:
 فتطرقنا في الفصل الأول لإلى التعريف بالجريمة الإقتصادية و المالية و خصائصها و نطاقها.
 و في الفصل الثاني إلى أنواع الجريمة الإقتصادية و المالية من منظور قانون العقوبات الجزائري.
 و في الفصل الثالث إلى الجريمة الإقتصادية المنتشرة عالميا و بعض التصورات التى أتت لتعالج أخطار هذه الجريمة على إقتصاديات الدول.
أخيرا يجدر بنا أن نشير إلى أن صعوبة الموضوع المتآتية من حساسيته و تعقيده جعلتنا نواجه بعض الصعوبات في تناوله بشكل دقيق و جيد، نمثل أهمها في النقص الكبير في المراجع، و لا سيما الكتب التى تناولت هذا الموضوع بالدراسة و التحليل، إلا أن ذلك لم يثن من عزيمتنا على الخوض فيه و محاولة المساهمة و لو بقسط علمي متواضع قصد تسليط الضوء على مختلف جوانبه الرئيسية.
وإيمانا منا بأن الجريمة الإقتصادية و المالية هي بمثابة الورم الخبيث للإقتصاد يجب إستأصاله في حينه قبل فوات الأوان.
إن أي مجتمع لا يستطيع أن يحيا دون أدنى حد من القواعد القانونية لأن القانون يعتبر المرآة الكاشفة للحياة الإجتماعية. و وجود قانون العقوبات هو بمثابة الحماية المستمدة من تنظيم القواعد القانونية السائدة في العلاقات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية لشعب ما.
وإن تحولات المجتمع المعاصر في اتساعها، فالتقدم الفني و التغيرات و الإجتماعية غيرت من ظروف الحياة و أنماط النشاط البشري و من حاجات الشعوب و ردود الفعل عندها.
و لعل أبرز ميدان ظهر فيه الإجرام هو الميدان الإقتصادي و السياسي و إن اختلف قدر التوسع و نوعه حسب النظام المعمول به.
و لقد اعتبر بعض الشراح أن ظهور الجريمة الإقتصادية و احتلالها الأهمية التى فاقت جرائم الإعتداء على الأشخاص هو من أهم خصائص القرن العشرين، فهي جرائم حضارية أي مرهونة بنظام الدولة عندما تبلغ درجة معينة من التقدم الحضاري.


























خــــطـــــة ا لبــحـــــث


* الــقــدمـــــة.
* المبحث الأول:الجريمة الاقتصادية و المالية
- المطلب الأول:تعريف الجريمة الاقتصادية والمالية
- المطلب الثاني : خصائص الجريمة الاقتصادية والمالية
-المطلب الثالث : نطاق الجريمة الاقتصادية والمالية
* المبحث الثاني : الأحكام و الآثار المترتبة عن الجريمة الاقتصادية
- المطلب الأول : أحكام الجريمة الاقتصادية
- المطلب الثاني : الآثار المترتبة عن الجريمة الاقتصادية
- المطلب الثالث : الجهة المختصة للنظر في الجرائم الاقتصادية بالجزائر
** المبحث الثالث : بعض الجرائم الاقتصادية
- المطلب الأول :جريمة التزوير و النصب والاحتيال
- المطلب الثاني : جريمة التفليس و الاختلاس .
- المطلب الثالث : جريمة الرشوة وإصدار شيك بدون رصيد .
- المطلب الرابع :خيانة الأمانة .
* المبحث الرابع : الجرائم الاقتصادية الجمركية
- المطلب الأول : التهريب الجمركي
- المطلب الثاني : طرق محاربة التهريب
- المطلب الثالث : مجال مكافحة الجرائم الجمركية و الآثار المترتبة عن جريمة التهريب .
* المبحث الخامس : الجرائم الاقتصادية الخطيرة .
- المطلب الأول : تبييض الأموال وفريق العمل المعني به
المطلب الثاني : الاتفاقيات الثنائية للحد من الجريمة الاقتصادية
المطلب الثالث : الاتفاقيات المتعددة الأطراف للحد من الجريمة الاقتصادية
المبحث السادس : الأمم المتحدة و الجريمة الاقتصادية*
- المطلب الأول : الأمم المتحدة وكيفية مواجهتها لهذا المشكل
المطلب الثاني : مؤتمرات الأمم المتحدة
المطلب الثالث : الجريمة الاقتصادية وحقوق الإنسان
المبحث السابع : التحقيق في الجرائم الاقتصادية*
المطلب الأول : الحالات المفترضة للتحقيق
المطلب الثاني : لمن يجوز القيام بالتحقيق في نطاق الشرطة القضائية
* الخــــــاتـــمـــة.
* المــراجــــــــــع.


المبحـث الأول : الجريمة الإقتصادية الماليـة و خصائصهمـا 

إن دراسة الجريمة الإقتصادية و المالية أصبح لها أهمية كبيرة في بلدان العالم الثالث بما فيها الجزائر، و هذا نتيجة للمشاكل و الآفات الإجتماعية التى صاحبت و تصاحب التحولات الإجتماعية و الإقتصادية السريعة التى تمر بها هذه البلدان في الوقت المعاصر.
و عليه فإن موضوع تعريف الجريمة الإقتصادية و المالية هم محل خلاف بين علماء الإجرام و خاصة في عصرنا الحديث، إذ أخذت عدة أشكال.

المطلـب الأول : تعريـف الجريمـة الإقتصاديـة و الماليـة :
1- التعريف بالجريمة الإقتصادية:
لم يستقر الرأي على تعريف محدد للجرائم الإقتصادية و تعددالآراء بشأنها، و لقد عرفها البعض على أنها تتمثل في :
" الإنتهاكات التى تمس الملكية التعاونية و وسائل الإنتاج الممنوحة أو حزتها بشكل يؤدي الى الإضرار بالإقتصاد الوطني و يحقق منفعة شخصية غير مشروعة."
و قد عرفتها المنظمة الدولية العربية للدفاع الإجتماعي في حلقتها الأولى في القاهرة 1966 أنها " كل عمل أو امتناع يقع بالمخالفة للتشريع الإقتصادي إذ نص على تجريمه سواء في قانون العقوبات أو في القوانين الخاصة بخطط التنمية الإقتصادية و الصادرة من السلطة المختصة لمصلحة الشعب " .
و أشمل تعريف للجريمة الإقتصادية الذي توصلت إليه محكمة النقض الفرنسية في 1949 و المتمثل في " كل نشاط أو فعل ينص القانون الإقتصادي على تجريمه." و يتبين هذا القانون الإقتصادي أنه "مجموعة النصوص التى تنظم إنتاج و توزيع و إستهلاك و تداول السلع و الخدمات ".
2- التعريف الجريمـة الماليـة :
" هي كل نشاط أو فعل ينص التشريع المالي على تجريمه مع ضرورة الملاحظة كذلك. إلا أن هذا التشريع المالي هو مجموعة القوانين و الأنظمة المالية التى تتبعها الدولة في شؤونها من إنفاق و جباية و موازنة..."
ونستنتج من هذه التعاريف أنه يعد جريمة إقتصادية كل ما من شأنه المساس بالمصالح الإقتصادية أو المالية للأفراد كجرائم السرقة، الإختلاس، و خيانة ا|لأمانة... الخ. و بذلك يكون الطابع المميز للجريمة الإقتصادية هو ما تنطوي عليه من إنتهاك للمصالح الإقتصادية.
و لقد اختلف العلماء في تحديد العلاقة بين العوامل الإقتصادية و ظاهرة الإجرام، و بقي الإجماع مبرم بينهم على الإعتراف بدور تلك الجريمة. إلا أن الجدال بينهم يدور حول أهمية هذا الدور و على هذا الأساس ظهر اتجاهين لهذه الإشكالية:
المدرسـة الإشتراكيـة : ترى أن النظام الرأسمالي هو العامل الأساسي الذي يؤدي الى وجود الظاهرة الإجرامية.
المدرسـة الوضعيــة : و ترى أن العوامل الإقتصادية ليست فقط مجرد عوامل مساعدة لوقوع الجريمة، و هي لا تسببها بالضرورة، لكن ينتج اثرها الإجرامي إذا صادفت تكوينا اجراميا كامنا لدى الأفراد أو الإستعداد للإجرام بالصدفة و عندها تتفاعل معه فتقع الجريمة.
أما اذا صادفت شخصا عادلا فمن المحتمل أن يكون لتلك العوامل أثرا اجراميا، و برهاننهم على هذا أن أناس كثيرون يعيشون في ظروف إقتصادية عسيرة و رغم ذلك لا يندفعون إلى ارتكاب الجريمة.
بينما هناك أفراد كثيرون في ثراء و رخاء، و مع ذلك يهتمون الى هاوية الإجرام.
و يتبين لنا مما ذكرناه سالفا أن الإعتماد على العوامل الإقتصادية، كدليل لتحديد مسببات الإجرام الإقتصادي، و من ثم كان من الأوضح تحديد هذه المسببات من النقاط التالية:
1. عدم كفاءة التخطيط الإقتصادي و إنعدام الخبرة في مواجهة الجرائم المستحدثة.
2. الإختلاف في التنظيمات القانونية و الإقتصادية بين الدول، مما يسهل عملية التهرب من المتابعات القانونية و الإلتزامات المالية.
3. العوامل النفسية خاصة الميل الشديد نحو الإثراء السريع.
4. ضعف الرقابة من جانب الأجهزة المختصة.
5. المفارقات الكبيرة في تحديد قيمة الضرائب، المبالغات الملموسة في تدابير الحماية الإقتصادية، الأمر الذي يؤدي الى ايجاد أساليب جديدة للإرتكاب الجريمة .
6. العوامل السياسية المتمثلة على الخصوص في انتقال الحرب من شكلها العسكري التقليدي الى شكلها الإقتصادي الحديث.

المطلـب الثانـي: خصائـص الجريمـة الإقتصاديـة المالية 
قبل التطرق الى خصائص الجريمة الإقتصادية و المالية يجدر بنا التطرق الى العلاقة بين هاتين الجريمتين.
سبق و قلنا أن الجريمة الإقتصادية هي كل فعل أو امتناع ينص التشريع على تجريمه، و لما كان القانون الإقتصادي هو مجموعة النصوص التى تنظم انتاج و توزيع و استهلاك و تداول السلع و الخدمات، و كان أيضا التشريع المالي هو مجموعة القوانين و الأنظمة المالية التى تتبعها الدولة في شؤونها المالية من جباية و موازنة، مع هذا كله يبقى التداخل بين هاتين الجريمتين، و يبقى التميز بينهما نظريا، إن هدف التشريع المالي يتمثل أساسا في تنظيم السياسة المالية التى تنظم بدورها السياسة الإقتصادية.
إن الجرائم الإقتصادية و المالية تتميز بخصائص تجعل لها طابعا يميزها عن كثير من الجرائم الأخرى، و فيما يلي نذكر أهم هذه الخصائص .
1. تعتبر هذه الجرائم مستحدثة إن تجريمها لا علاقة له بالمجتمع لكن هذا التجريم جاء من طرف المشرع بغرض تصحيح الواقع الإقتصادي تماشيا مع كل الظروف الطارئة.
2. الهدف الأساسي من ارتكابه هو الربح و الثراء بعيدا عن أي هدف سياسي أو ديني.
3. تعتمد على التخطيط المحكم القائم على أدق الحسابات و التوقعات و لا مجال فيها للإرتجال.
4. تقوم على التبصر و امتلاك قدر كبير من الدراية و المعرفة بالتغيرات الإقتصادية و الإجتماعية و القانونية، و التى يمكن من خلاله التسلل و ذلك لتحقيق أكبر قدر من الربح لقاء أقل قدر ممكن من إحتمالات الفشل.
5. ترتكب من طرف أشخاص يتميزون بمكانة اجتماعية عالية، و يتمتعون بسلطة سياسية كبيرة أو بالإثنين معا، و هذا المستوى الفكري و القانوني يعقد مهام أجهزة مكافحة هذه الجرائم.

المطلـب الثالـث: نطـاق الجريمـة الإقتصاديـة و الماليـة :
يرتبط نمط الجرائم الإقتصادية و المالية في مجتمع ما بنمط التنمية الإقتصادية في ذلك المجتمع، و عليه فهذا النوع من الإجرام يمتد الى آفاق واسعة، نبتدئها من الجرائم البسيطة كالتهريب و تنتهي بإنشاء شركات وهمية و بين هذين الحدين نجد أشكال مختلفة من هذه الأنشطة غير المشروعة و منها ما يلي:
التهرب من دفع الرسوم و الضرائب، التزوير..الخ. و هي عموما ما تدرج في ثلاث أوجه للتجاوزات .
1. التجاوزات في الميدان التجاري، كالتفليس التدليسي، التجارة الإحتيالية، العقود المزورة...الخ
2. التجاوزات في الميدان المصرفي نذكر منها الدفع المسبق، الإحتيال في مجال النقل البحري و المتعلق بتزوير قوائم الشحن...الخ
3. التجاوزات في مجال وسائل الدفاع مثل تزوير وثائق الهوية، شيكات بدون رصيد...الخ. و يتسع نطاق الجرائم الإقتصادية الى الجرائم التأمينية و الإساءة في استعمال الممتلكات المؤمن عليها...الخ من كل هذا فإن الحاجة تبرز ضرورة التفكير في حصر و تحديد الجرائم الإقتصادية التى يعالجها رجال الأمن"الدرك، الشرطة...الخ" و التي تستدعي أيضا تأهيل أشخاص متخصصين في شؤون الإحتيال و التلاعب الإقتصادي.

المبحث الثاني: الأحكام و الآثار المترتبة عن الجريمة الإقتصادية 
لقد اختلف الفكر رأي لآخر و من تشريع لآخر فيما يخص الأحكام التى تطبق على الجريمة أثناء وقوعها لذلك ارتأينا أن نتطرق لهذه الأحكام حسب الجهات المختصة .

المطلـب الأول : أحكـام الجريمـة الإقتصاديـة 
إن الأصل في التجريم يكون بنص في القانون، لكن الإعتبارات العلمية، و طبقا لمتطلبات المرونة التى تفرضها القوانين الإقتصادية دفعت المشرع الى تفضيل وسيلة التفويض التشريعي في تعيين بعض مواد التجريم الإقتصادي حتى يتسنى ملاحقة التغيرات الإقتصادية و قد تم تأييد هذا الإتجاه في قرار النقض بإجازة التفويض التشريعي كأداة للتجريم و العقاب في المواد الإقتصادية.
و قد استثنت القوانين الإٌقتصادية من قاعدة الأثر الفوري للقانون الأصلح للمتهم، أي أن القوانين الإقتصادية تصدر اعتبارات اقتصادية معينة تمليها الظروف الإقتصادية في الفترة القصيرة و القانون الإقتصادي يعتبر مؤقتا بطبيعته، أي بحكم صدوره لمواجهة ظروف طارئة يتحرر اثرها و حجم مفعولها زمانا و مكانا.

المطلـب الثانـي: الآثـار المترتبـة عـن الجريمـة الإقتصاديـة 
بصفة عامة إن الجرائم الإقتصادية تتسبب في اختلال السياسة الإقتصادية للدول وينعكس هذا الإضطراب على سير حياة المواطن، فتكون بذلك الحياة الإجتماعية و الإقتصادية متأثرة بذلك الخلل و يمكن تصنيف هذه الأضرار في نوعين هما:
1) الأضـرار الماديـة : و نلخصها فيما يلي:
 تأخير تنفيذ المشاريع التى تسعى الدولة لإنجازها لفائدة المواطن نتيجة لتعطيل الإنجازات التنموية العامة.
 حدوث ما يسمى بالعجز المالي بسبب التلاعب.
 التأثير على المعاملات الإقتصادية مع المؤسسات الأجنبية بسبب الإنجاز الغير المشروع بالعملات و بالتالي حرمان الإقتصاد الوطني من مداخيل هامة من العملات الصعبة.
 المساس بإستقرار المؤسسات الإقتصادية و المالية و إعاقة مساعديها في الإنتاج.
 إرتفاع مستوى النفقات العامة المخصصة لحماية الإقتصاد و زيادة معدلات التأمين أدت الى تأثير بشكل مباشر على نفقات المواطنين.
2) الأضـرار المعنويـة: 
تتمثل هذه الأضرار على الخصوص في زعزعة الثقة بقدرات الإقتصاد الوطني على النهوض بحاجات المواطن و انتشار الرغبة في الكسب السريع، و اختلال التوازنات الإجتماعية، وكذا انتشار الآفات و الجرائم غير الإقتصادية، كل هذه الآثار و غيرها تؤدي الى إضعاف و إعاقة الإقتصاد الوطني و عجزه عن تحقيق التطور و الرفاهية الإجتماعية.
وعموما هذه الأضرار تتمثل في الآثار التى تتركها على الإستهلاك و عائدات العمل و التعامل، و تغيير التوازنات الإجتماعية و توزيع المدخول و زعزعة الثقة بالبناء الإقتصادي و نشر الفساد، اذا كان الميل للإثراء السريع.
و تنعكس جميع هذه النتائج على التنظيم الإقتصادي للمجتمع. و يتمثل ذلك بعدم الفعالية و شعور الشعب بخيبة الأمل و فقدان الثقة بالحكومة، و إعاقة تنمية المجتمع و تماسكه.
المطلـب الثالـث : الجهـة المختصـة فـي النظـر فـي الجرائـم الإقتصادية بالجزائر 
القاعدة العامة هي اختصاص القضاء العادي بالنظر في الجرائم كافة، بما فيها الجرائم الإقتصادية، و الحكم فيها طبقا لقانون الإجراءات الجنائية المعمول به في كل دولة، و عادة تستعين سلطة البت و الحكم في الجرائم الإقتصادية بأقسام أو غرف أو محاكم أو بتخصص قضاة للنظر في هذه الجرائم، و هذا تماشيا مع ما دعا إليه الفقه و بعض المؤتمرات الدولية. و قد جاء في التوصية السادسة للمؤتمر العربي العاشر للدفاع الإجتماعي بأن " تخصص محاكم أو غرف في محاكم للنظر في قضايا الجرائم الإقتصادية" و هذا يعتبر تمييزا لهذه الجرائم بحكم اختلاف طبيعتها عن طبيعة الجرائم العادية.
إلا أن المشرع في بعض الأحيان يلجأ الى تخصيص محاكم استثنائية للنظر في الجرائم الإقتصادية الخطيرة من حيث مساسها بالإقتصاد الوطني من جهة، و لردع أحكام هذه المحاكم الإستثنائية من جهة أخرى. كما قد تلجأ بعض التشريعات الى تحول سلطة البت في بعض الجرائم الإقتصادية الى جهات إدارية.
و على ضوء هذه المقدمة نبين تطور الجهات المختصة بالنظر في الجرائم الإقتصادية في الجزائر.

1) إختصـاص القضـاء العـادي بالنظـر فـي الجرائـم الإقتصاديـة 
منذ سنة 1975 أحدث المشرع الجزائري قسما اقتصاديا في محكمة الجنايات خاصا بالنظر في الجرائم الإقتصادية، و هذا للدلالة على الأهمية المعطاة لهذه الجرائم و الرغبة في مواجهتها و التصدي لها. و لقد ألغيت هذه الأقسام الإقتصادية بقانون 1990.
وإختصاص القسم الإقتصادي بمحكمة الجنايات في النظر في الجرائم الإقتصادية لا يعد خروجا من المشرع عن القواعد العامة في الإختصاص طالما تراعي فيها عموما أصول قانون الإجراءات الجنائية في كل مراحل الدعوى، لكنه خصها أي "الجنايات الإقتصادية" المشرع بمحاكم خاصة للسرعة في الفصل فيها و لتشديد العقوبة فيها. و قد جاء في المادة 248 الملغاة من قانون الإجراءات الجنائية الجزائري بقولها:" تعتبر محكمة الجنايات هي المحكمة المختصة بالفصل في الإعال الموصوفة قانونا بأنها جنايات، و يجوز أن تقسم محكمة الجنايات الى قسمين: قسم عادي و قسم اقتصادي، و إن قرار من وزير العدل حامل الأختام يحدد قائمة الأقسام اقتصادية و الإختصاص الإقليمي لكل واحد منها."
و القسـم الإقتصـادي لمحكمة الجنايات، كان عموما يطبق فيما يخص الدعوى العمومية التحقيق و محاكمة الجرائم، قواعد قانون الإجراءات الجنائية المقررة في المواد (327/1-15).
ومنذ إلغاء الإقسام الأقتصادية سنة 1990 أصبحت المحاكم العادية في الجزائر مختصة في النظر في كل الجرائم التي تمس الإقتصاد الوطني بما فيها الجرائم الضريبية و الجمركية، كما أن محكمة الجنح تنظر أيضا في الجرائم الإقتصادية.
2) سلطـة الإدارة فـي الفصـل فـي الجرائـم الإقتصاديـة 
يخول المشرع في بعض الحالات الإدارة في النظر في بعض الجرائم الإقتصادية و توقيع العقوبة على مرتكبيها .
ولا تستطيع الإدارة هنا إلا توقيع العقوبات المالية بالإضافة للعقوبات التكميلية، و قد تبنى القانون الجزائري هذا النظام (أي حق الإدارة في الفصل في بعض الجرائم الإقتصادية) كما هو ظاهر في بعض مواد القوانين الإقتصادية.
و قد جاء في قانون قمع المخالفات الخاصة بتنظيم الأسعار في مادته (29) على أنه:" إذا كانت المخالفة معاقب عليها بغرامة 1000 دج فأقل، يجوز لمدير الولاية للتجارة و الأسعار و النقل إما أن يقرر تطبيق الحد الأدنى من العقوبة المالية و إما أن يحيل الملف إلى وكيل الدولة للقيام بالمعلقات القضائية".
وعندما تكون المخالفة معاقب عليها بغرامة تفوق 1000 دج يجوز لمدير الولاية للتجارة و الأسعار و النقل أن يحيل الملف الى وزير التجارة، و يجوز لوزير التجارة أن يفرض بموجب مقرر غرامة مطابقة للمعدل الأدنى المنصوص عليه بالنسبة للمخالفة، و إما أن يحيل الملف إلى وكيل الدولة للقيام بالملاحقات القضائية.
ويتضح من هذا العرض أن المشرع الجزائري قد ساير أغلب التشريعات المعاصرة في إعطاء السلطات الإدارية سلطة الفصل في المخالفات الإقتصادية و هذا لتخفيف العبء عن المحاكم و للحرص على الإقتصاد الوطني عن طريق تقريب و تسهيل الرقابة عليه.
وما يمكننا قواه في الأخير أن الجريمة الإقتصادية هي آفة اجتماعية خطيرة على الإقتصاد الوطني و تتعارض مع قيمنا الإسلامية و اختياراتنا السياسية و التحكم فيها يساعد على تحقيق التنمية الوطنية و تحسين المستوى المعيشي للجماهير الشعبية، و بالتالي خلق دولة قوية أمام التحديات العالمية المعاصرة.
إن الجزائر كسائر بلدان العالم أولت اهتماما كبيرا لموضوع الجريمة الإقتصادية و المالية و هذا من خلال الإتفاقيات التى أبرمتها لتحسين سير المكافحة فجاء قانون العقوبات الجزائري ليذكر مختلف هذه الجرائم، إذ تطبقه الجهات الساهرة على سلامة الوطن و حدوده و التى تعمل على ردع التهريب و التزوير و النصب...الخ. و يتم ذلك من خلال أساليب جد متطورة و متناسقة.
في هذا المبحث نذكر أنواع الجرائم الإقتصادية الجمركية و المالية الأكثر انتشارا في الجزائر و طريقة معالجة المشرع الجزائري لها مع التطرق الى طرق ردع و محاربة جريمة التهريب .

المبحـث الثالث: بعض الجرائم الإقتصادية:
تعد الجزائر من البلدان التى تجد نفسها أمام تحديات ناتجة عن الحركة التى تشهدها ميادين البناء الإقتصادي، و هذا الأمر خلق سلوكيات تسعى لإستغلال التغيرات الموجودة في النظم القانونية و ذلك بغية الحصول على الربح و الثراء الفاحش بإستعمال الطرق غير مشروعة كالتزوير و الاختلاس و النصب و الإفلاس الى غير ذلك، و من هنا يمكن أن نتعرض الى هذه الجرائم التى مست بأملاك الدولة .

المطلـب الأول : جريمـة التزويـر والنصـب والإحتيـال :
1) جريمة التزوير
تعتبر العملة أو النقود وسيلة التعامل بين الناس، تحتكر الدولة صكها و تحدد قيمتها و تضمن الثقة بها من فعل المواطنين. فلذلك فمن أخطر الجرائم إقدام البعض على تزويرها مما يعمل على إهتزاز الثقة العامة بالنقد الوطني إلى جانب ما يمكن أن يؤدي إليه من تخريب يصيب الإقتصاد الوطني.
فالتزوير هو التغيير الحقيقي في عملة صحيحة في الأصل كأن يغير الفاعل في الرسومات أو العلامات أو الأرقام المبينة على العملة الصحصحة حتى تبدو و كأنها أكثر قيمة و لا عبرة بالوسائل المستعملة لتحقيق هذا الغرض فيستوى أن يتم التزوير بالإضافة أو بالحذف أو بالإحلال.
لقد تعامل المشرع الجزائري بصرامة شديدة مع المزورين إذ عدها جناية عقوبتها الإعدام فنصت المادة (197) على " يعاقب بالمؤبد كل من قلد أو زيف أو زور."
 نقود معدنية أو أوراق نقدية ذات سعر قانوني في أراضي الجمهورية أو في الخارج.
 سندات أو أذونات أو أسهم: تصدرها الخزينة العامة و تحمل طابعها أو علامتها أو قسائم الأرباح العائدة من هذه السندات و الأذونات و الأسهم.
و لجريمة التزوير ركنين حسب نص المادة (198):
- الركن المادي: و هو وقوع فعل من الأفعال المنصوص عليها في المادة (197) و أن يكون محل هذه الأفعال العملة الورقة المعدنية أو السندات و الأسهم...الخ.
- الركن المعنوي: يتمثل في انصراف إرادة الجانب الى تزوير النقد أو ترويجه.
- العقوبــــة :
حسب المادة (198)1 "قانون رقم 06/23 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006 يعاقب بالسجن المؤبد كل من ساهم عن قصد بأي وسيلة كانت في اصدار أو توزيع أو بيع أو ادخال النقود أو السندات أو الأذونات و الأسهم المبينة في المادة (197)1 إلى أراضي الجمهورية" و تكون العقوبة السجن المؤقت من 10 سنوات إلى 20 سنة إذا كانت قيمة النقود أو السندات أو الأذونات أو الأسهم تقل عن 500.000 دج و غرامة مالية من 1.000.000دج إلى 2.000.000دج.
أما بالنسبة لجريمة تزوير الوثائق و أختام الدولة و الطوابع و العلامات فهذه العملية تشكل خطورة على المجتمع و تقوم بتحطيم الإقتصاد الوطني كما تمثل خطر على الثقة العامة للمجتمع في مؤسسات الدولة، فعقوبتها حسب المشرع في المادة (205)1 بالسجن المؤبد كل من قلد خاتم الدولة أو استعمل الخاتم المقلد و في المادة (206)1 يعاقب بالسجن من خمس الى 10سنوات كل من قلد أو زور إما طابعا وطنيا أو أكثر و إما دمغة مستخدمة في دمغ المواد الذهبية أو الفضية أو استعمل أوراق أو دمغات مزورة أو مقلدة، و غرامة مالية من 500.000دج إلى 1.000.000دج.
2) جريمـة النصـب و الإحتيـال 
جريمة النصب و الإحتيال هي جريمة مادية و هي من جرائم السلوك المتعددة أي تتضمن سلوك نفسي يتمثل في الإحتيال على الغير و سلوك مادي يتمثل في التوصل الى الإستيلاء على مال الغير.
إذن النصب هي جريمة أقر لها المشرع الجزائري عقوبة أوردها في المادة (372) و المادة (373)1 من قانون العقوبات الجزائري.
و يعرف النصب على أنه طريقة من طرق الإختلاس، يسلكها الجاني للوصول الى خداع المجني عليه و إيقاعه في الغلط.
المادة (372)1 من قانون العقوبات الجزائري تنص " على أنه من توصل الى استلام أو تلقى أموال أو منقولات أو سندات أو تصرفات أو أوراق مالية أو وعود أو مخالصات أو إبراء التزامات و كان ذلك بالإحتيال لسلب كل ثروة الغير، يعاقب بالحبس من سنة على الأقل الى خمس سنوات على الأكثر و بغرامة من 500 الى 20.000 دج.
وإذا وقعت جنحة من شخص لجأ الى الجمهور بقصد إصدار أسهم أو سندات أو أذونات أو أية سندات مالية سواء لشركات أو مشروعات تجارية أو صناعية فيجوز أن تصل مدة الحبس الى عشر سنوات و غرامة الى 200.000 دج. زيادة على هذا يحكم على الجاني بالحرمان من جميع الحقوق الواردة في المادة (14) من قانون العقوبات أو بعضها، و بالمنع من الإقامة و ذلك لمدة سنة على الأقل و خمس سنوات على الأكثر.

المطلـب الثانـي: جريمـة التفليس والإختـلاس 
1) جريمـة التفليس 
المعروف أن كل تاجر يتوقف عن الدفع، وجب عليه في ظرف لا يتعدى 15 يوما أن يصرح بذلك لكاتب الضبط لدى الغرفة التجارية الموجودة بدائرة محله التجارية و ذلك بقصد فتح إجراءات الإفلاس و التسوية القضائية و يجب أن يكون هذا التصريح مصحوبا بالبيانات التالية :
 ميزانية المحل (المؤسسة).
 حساب الخسائر و الأرباح.
 قائمة الديون مع ذكر أسماء الدائنين و عناوينهم.
 قائمة أسماء الشركاء إن وجدوا.
ويتم إخبار الغرفة التجارية بحالة الإفلاس إما من طرف المدين ذاته، أو من طرف الدائن أو تتولى المحكمة المسألة من تلقاء نفسها.قد تحكم المحكمة بالإفلاس في حالة ما إذا :
 خالف المدين في ممارسة المهنة على ما نص عليه القانون.
 إذا أخفى محاسبته أو بدد جزء من رأس المال، أو إذا صرح زورا بمبالغ لم يكن مدينا بها سواء في محرراته أو التزامات في عقود عرفية أو في ميزانية.
 إذا لم يمسك محاسبة تتفق مع عادات المهنة أو تتناسب مع أهمية المشروع .
و عموما يأخذ الإفلاس نوعان:


 التفليس البسيط 
وهو حالة التاجر المتوقف عن دفع ديونه و أصبح يسير شؤونه التجارية بنوع من الإهمال كأن لا يمسك الدفاتر و لا يقيم جردا مضبوطا، و عليه نصت المادة (383) من قانون العقوبات الجزائري على أنه:" كل من قضي بارتكابه جريمة التفليس في الحالات المنصوص عليها في القانون التجاري يعاقب عن التفليس البسيط بالحبس من شهرين الى سنتين و غرامة مالية من 25.000دج إلى 200.000دج".
 التفليس بالتدليس 
وهو في حالة التاجر الذي يتوقف عن الدفع، و أصبح متهما ببعض التصرفات الإحتيالية كأن يسحب الدفاتر أو أن يكون قد بدد أو أخفى جزاء من رأس المال أو أن يكون قد أثبت في محرراته أو عقوده العرفية أو في ميزانيته بأنه مدين بمبالغ لم يكن مدينا بها.
والعقوبة في هذه الحالة تناولتها كذلك المادة (383)2 من قانون العقوبات الجزائري بقولها:
"يعاقب مرتكب التفليس بالتدليس بالحبس من سنة الى خمس سنوات مع جواز الحكم بالحرمان من الحقوق الواردة في المادة (09) مكرر من قانون العقوبات الجزائري لمدة سنة على الأقل و خمس سنوات على الأكثر".
كما تنص المادة (384) على معاقبة الشركاء بالعقوبات المنصوص عليها في المادة (383) من قانون العقوبات الجزائري حتى و إن لم تكن لهم صفة التاجر.
2) جريمـة الإختـلاس 
الاختلاس هو الفعل الذي يقوم به الركن المادي للجريمة و يقصد به هنا كل فعل يرمي به المالك الى منع التنفيذه أو عرقلته وقد صرحت محكمة النقض في تعريف الإختلاس أنه ليس معناه الإستحواذ على ذلك الشيء خفية بنية امتلاكه بل معناه إزالة تمالك لصفة الحجز عن ملكه المحجوز الموضوع تحت حراسته و ذلك بإخفاء إياه و عدم تصريحه للمحضر يوم البيع إضرار بالدائن الحاجز.
الجريمة أيضا لا تتحقق إلا بإختلاس المحجوزات أو بالتصرف فيها أو عرقلة التنفيذ عليها بعد تقديمها يوم البيع بنية الغش أي بقصد الإعتداء عليها أو أمر السلطة العامة و المساس بحقوق الدائن الحاجز.
تتم جريمة الإختلاس للأشياء المحجوز عليها بمجرد عدم تقديم هذه الأشياء ممن هي في عهدته الى المكلف ببيعها في اليوم المحدد للبيع بقصد عرقلة التنفيذ. 
والعقوبة في هذه الحالة حسب المادة (119) مكرر من قانون 01/09 المؤرخ في 26 جوان 2001 " يعاقب بالحبس من 06 أشهر إلى 03 سنوات، و بغرامة مالية من 50.000دج إلى 200.000دج كل قاضي أو موظف أو ضابط عمومي أو كل شخص ممن أشارت إليه المادة (119) من هذا القانون تسبب من إهماله الواضح في سرقة أو إختلاس أو تلف أو ضياع أموال عمومية أو خاصة أو أشياء تقوم مقامها أو وثائق أو سندات أو عقود أو أموال منقولة وضعت تحت يده، سواء بمقتضى وظيفته أو بسببها ".

المطلـب الثالـث: جريمـة الرشـوة و إصـدار شيـك بـدون رصيـد 
1)جريمة الرشوة:
أ) مفهـومها:
تختص جريمة الرشوة في الإنجاز باعمال الوظيفة العامة وهي تستلزم وجود شخصين موظف يطلب او يقبل عطية اويتلقى حصة أو ايت منافع اخرى مقابل قيامه بعمل أو إمتناعه عن عمل او وظيفة سواءا كان مشروعا أو غير مشروعا أو إن كان خارجا عن إختصاصاته الشخصية إلا أن من شأن وظيفته أن سهل له أداء هذا الفعل ، يسمى هذا الموظف مرتشيا و صاحب المصلحة راشيا.
ب) أركــانها:
- الركن المفترض في المرتشي: يشترط ان يكون موظف أو ما يدخل في حكمه أو مختصا بالعمل أو الإمتناع إن كان خارج عن إختصاصه.
- الركن المادي: يتم بالطلب أو القبول أو تلقي عطية أو هدية أو أية منافع أخرى.
- الركن المعنوي: هو القصد الجنائي بعنصريه العلم و الإرادة، الموظف يعلم أن ما يطلبه او يقبله هو مقابل التلاعب و المساومة عليها.
- العقوبة: الحبس من 02 سنة إلى 10 سنوات و غرامة مالية من 200.000 دج إلى 1000.000 دج ( المواد 25-26-27-28 قانون العقوبات).
كما حددت المادة 27 ق.ع العقوبة من 10 سنوات إلى 20 سنة و بغرامة مالية من 1.000.000 دج إلى 2.000.000 دج بخصوص الرشوة في مجال الصفقات العمومية.
المادة 40 ق.ع في مجال القطاع الخاص، العقوبة بالحبس من 06 أشهر إلى 05 سنوات و بغرامة مالية من 50.000 دج إلى 500.000 دج.(1)

2)جريمـة إصـدار شيـك بـدون رصيـد 
تعتبر جريمة إصدار شيك بدون رصيد من الجرائم الحديثة نسبيا، نصت عليها التشريعات الجنائية بعدما أن أظهرت أهمية البنك في الحياة العملية بوصفها أداة تقوم مقام العملة في التداول و نظرا لأهمية الدور الذي تلعبه الشيكات في المعاملات التجارية و الإقتصادية، فقد خصها المشرع بالحماية دون غيرها من الأوراق التجارية الأخرى حماية لحقوق المتعاملين بها. فقد نصت المادة(374) من قانون العقوبات على أنه:
يعاقب بالحبس من سنة الى خمس سنوات و بغرامة مالية لا تقل عن قيمة الشيك أو عن قيمة النقص في الرصيد:
 كل من أصدر بسوء نية شيكا لا يقابله رصيد قائم، و قابل للصرف أو كان الرصيد أقل من قيمة الشيك، أو قام بسحب الرصيد كله أو بعضه بعدإصدار الشيك أو منع المسحوب عليه من صرفه.
 كل من قبل أو أظهر شيكا صادرا في الظروف المشار إليها في الفقرة السابقة مع علمه بذلك.
 كل من أصدر أو قبل أو أظهر شيكا أو اشترط عدم صرفه فورا بل جعله كضمان.
 كما تنص المادة (375) على مايلي: " يعاقب بالحبس من سنة الى عشر سنوات و بغرامة لا تقل عن قيمة الشيك أو عن قيمة النقص في الرصيد.
 كل من زور و زيف شيكا.
 كل من قبل استلام شيك مزور أو مزيف مع علمه بذلك."
و تنص المادة (375) مكرر من قانون 06/23 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006 دون الإخلال بتطبيق أحكام المواد (37) و (40) و (329) من قانون الإجراءات الجزائية.تختص أيضا محكمة مكان الوفاء بالشيك أو محكمة إقامة المستفيد من الشيك بالبحث و المتابعة و التحقيق و الحكم في الجرائم المنصوص عليها في المادتين (16) مكرر 3 و (374) من هذا القانون."


1- محاضرة في القانون الجنائي الخاص. السنة الثالثة حقوق.كلية الحقوق.جامعة أبوبكر بن قايد تلمسان
المطلب الرابع: جريمة خيانة الأمانة
1) تعريفها: 
تتمثل جنحة خيانة الامانة في فعل الإختلاس أو التبديد بسوء نية أوراق تجارية أو نقود أو بضائع أو أوراق مالية أو مخالصات أو أية محررات تتضمن أو تثبت إلتزام أو إبراء لم تكن قد سلمت إليه إلا على سبيل الإيجار أو الوديعة أو الوكالة أو الرهن أو عارية الإستعمال أو لآداء عمل بأجر أو بغير أجر، بشرط ردها أو تقديمها أو إستعمالها. 
2) الأركــان:
أ) فعل الإختلاس: الإستيلاء على شيء بدون رضا صاحبه.
ب) إختلاس شيء منقول: لا يكون محل خيانة أمانة الأشياء المنقولة حتى يمكن تقديرها بالمال كالأوراق التجارية أو الاوراق النقدية، بضائع، توصيلات، أو محررات تتضمن إلتزامات أو إبراءات. 
- تسليم بمقتضى العقود الستة: 
* عقد الإيجار : يلتزم بمقتضاه الطرف تسليم الطرف الآخر في مدة معينة مقابل أجل.
* عقد الوديعة: يسلم بقتضاه شخص شيء على أن يرده لمالكه.
* عقد الرهن: تسليم المدين بمقتضاه شيء منقول لدائنه لتأمين دينه.
* عارية الإستعمال: تسليم الشيء لإستعماله و رده لصاحبه بعد الإستعمال.
* عقد عمل بأجر أو بغير أجر: إختلاس الأشياء التي قدمت قصد إصلاحها.
* عقد الوكــالة. 
ج) القصد الجنـائي: لا عقاب على الإختلاس إلا إذا حصل بسوء نية.
ملاحظة: لا تقوم جنحة خيانة الأمانة في حالة الأقارب حسب المادة 368 قانون العقوبات " لا يعاقب على السرقات التي ترتكب من الأشخاص المبينين فيما بعد و لا تخول إلا الحق في التعويض المدني:
1- الأصول إضرارا بأولادهم أو غيرهم من الفروع .
2- الفروع إضرارا بأصولهم .
3- أحد الزوجين إضرارا بالزوج الآخر.
د) العقــــوبة: يعاقب بخياننة الأمانة بالحبس من 03 أشهر إلى 03 سنوات وبغرامة مالية من 500 دج إلى 20.000دج .
- الظروف المشددة : طبقا للمادة 378 ق ع تشدد في الحالات التالية :
1- شخص إلى الجمهور لحصول لحسابه الخاص على أوراق مالية .
2- السمسار أو الوسيط .

* أن تصل العقوبة إلى10 سنوات سجنا وغرامة مالية إلى 200.000دج غذا وقعت خيانة الأمانة من القائمين بوظيفة عمومية أو قضائية أثناء مباشرة الوظيفة .
* السجن المؤقت من 05 سنوات إلى 10سنوات طبقا للمادة 379 ق ع .(1)
------------------
منقول

2014/11/06

بطلان قرار دائرة الاتهام: الاساس والنطاق تعليق على القرار التعقيبي عدد 13960/2014 مؤرخ في 25/06/2014

بطلان قرار دائرة الاتهام: الاساس والنطاق 
تعليق على القرار التعقيبي عدد 13960/2014 مؤرخ في 25/06/2014
إن احترام الشكليات في الإجراءات الجزائية يعد الكافل الوحيد لإرساء العدل وضمان حقوق أفراد المجتمع، أمّا الإخلال بها وخرقها يترتب عليه إهدار وهدم الهرم القانوني الذي ترتكز عليه دولة القانون. فالشكلية في الإجراءات الجزائية تهدف إلى حماية البريء الذي تدفع به الشبهات إلى قفص الاتهام، وهناك من يعتبر أن : "العدالة ليست إلا مجموعة شكليات والإخلال بأي شكل منها مهما كانت درجة جسامته، يؤدي إلى فقدان التصرّف المعيب لصفة العدالة فيه، وفي المقابل يصبح تعبيرا عن القوة أو حتى عن الطغيان والتسلط والجبروت".
وباعتبار أن الإجراءات الجزائية تهدف إلى حماية مصلحة الفرد و المجتمع و العمل على حسن سير العدالة فإن هذه الحماية لا تتحقق إلا بوضع جزاء على مخالفة تلك القواعد، لهذا رتّب المشرع جزاء البطلان عن كل عمل يكون فيه خرقا للقواعد الإجرائية التي فرضها القانون حتى لا تبقى تلك القواعد مجرد ضمانات نظرية، وأقرت معظم التشاريع الحديثة البطلان كوسيلة ضرورية لتحقيق سلامة العدالة و هيبتها في جميع مراحل الدعوى الجزائية اذ يتسلط البطلان على الإجراء المخالف للقانون و يمنعه من ترتيب آثاره.
وفي هذا الاطار يندرج القرار التعقيبي عدد 13960/2014 مؤرخ في 25/06/2014 صادر عن الدائرة الرابعة عشر برئاسة السيد فتحي الماجري، وقد جاء فيه ما يلي: " حيث اقتضى الفصل 269 من م ا ج ان محكمة التعقيب تنظر في حدود المطاعن المثارة إلا إذا كان موضوع الحكم غير قابل للتجزئة ويجب عليها أن تثير من تلقاء نفسها، عند الاقتضاء، المطاعن المتعلقة بالنظام العام.
وحيث اقتضى الفصل 53 انه " لا تجوز الكتابة بين الأسطر وأما المشطبات والمخرجات فيصادق عليها ويمضيها حاكم التحقيق وكاتبه والمستنطق... والمشطبات والمخرجات التي لم تقع المصادقة عليها تعد لاغية...".
وحيث أن فقه قضاء محكمة التعقيب اعتبر ان احكام الفصل 53 المذكور أعلاه تنطبق على التحقيق بدرجتيه وإن الإخلال بذلك يعتبر إخلالا لقاعدة اجرائية أساسية تهم مصلحة المتهم الشرعية على معنى الفصل 199 من م ا ج.
وحيث تبين بمراجعة قرار دائرة الاتهام المطعون فيه أنه تضمن تشطيبات ومخرجات في عدة مواضع وقد شمل التشطيب ترقيم المتهمين وتاريخ القرار وعديد الفقرات الأخرى بالصفحات 1 و2 و6 و7 و19 كما تضمن نسخا حرفيا لقرار ختم البحث وادراج نسخة ضوئية لجل صفحاته دون ان تقوم الدائرة بصياغة قرارها بأسلوب متجانس ومتناغم شكلا ومضمونا حتى يتحقق دورها الرقابي وتعين تأسيسا على ذلك اعتبار قرارها باطلا بطلانا مطلقا لمخالفته قواعد الاجراءات الاساسية التي لها علاقة بمصلحة المتهم الشرعية الشيء الذي يتعين معه نقضه بصرف النظر عن وجاهة بقية المطاعن المثارة من عدمه.
 وحيث ان النقض يرجع القضية إلى الحالة التي كانت عليها قبل صدوره عملا بأحكام الفصل 273 من م ا ج بما في ذلك بطاقة الايداع".
ومن الواضح ان المشكل القانوني المطروح على محكمة التعقيب في القرار محل التعليق تمثل في التساؤل حول أيهما أولى بالرعاية الشكل أم الأصل؟، وبلغة أخرى التساؤل هل يكفي اقتناع وجدان المحكمة بالادانة أو وجاهة التهمة حتى تكون في غنا عن تفريغ تلك القناعة في قالب شكلي سليم؟ أجابت محكمة التعقيب عن هذا المشكل بما مفاده أن الشكل يعلو ضمانا للحق وحفظا له إذ أقرت في هذا القرار محتوى تلك القواعد الاجرائية الأساسية (I) مع بيان جزاء مخالفة هذه القواعد (II
I- محتوى القواعد الاجرائية الأساسية
إن تحديد محتوى القواعد الاجرائية الأساسية يقتضي ضبط مفهومها (أ) وأساسها (ب).
أ- مفهوم القواعد الاجرائية الأساسية
لا خلاف من أنّ المشرّع لم يعرف الإجراءات الأساسية بل أفسح المجال للفقه والقضاء للقيام به حيث خوّل لهذا الأخير مطلق الاجتهاد في تحديدها، وهناك من عرفها بأنها  " إمّا الصيغة المأذون بها من قانون يتعلّق بالنظام العام أو أنها الصيغة التي تكسب العمل الإجرائي صفة الخصوصية المقصودة بالذات فإذا حصل بطل الإجراء ولو في صورة عدم وجود نص"[1]
ولكن مثل هذا التعريف لا يقدم ضابطا دقيقا لتحديد المقصود بالاجراءات الأساسية، فسكوت المشرع يفرض علينا استيضاح مقصده في كل حالة حتى يتسنى التصريح بأن هذا الإجراء أساسي أم لا يتّسم بهذه الصفة، لذا وجب الرجوع إلى النصوص بحثا عن بعض الضوابط الدالة، وهنا برز اتجاهان:
§        الأول : يرى أن الإجراءات الأساسية لا يمكن أن تتعلّق إلا بمصلحة خاصة وإلا فلا مبرر لذكرها كحالة للبطلان الوجوبي مستقلة عن سابقتها وتكون آنذاك تكرار لها لا طائل من وراءه، لكن هاته الإجراءات وإن كانت بداية تهم مصلحة خاصة إلا أنها اكتسبت لسبب عارض أهمية بالغة في النظام المقرّر[2] ارتقت بها الى منزلة الاجراء الاساسي.
§        فيما يرى الاتجاه الثاني : أن الإجراءات الأساسية تحتل منزلة بين منزلتي الإجراءات التي تهم النظام العام والإجراءات التي لا تهم إلا مصالح الخصوم[3].
وبالرجوع إلى التطبيقات القضائية يلاحظ أن محكمة التعقيب لا تكلف نفسها غالبا عناء التمييز بين الإجراء الأساسي والنصوص المتعلقة بالنظام العام وكأنهما لا يختلفان بل إن الإجراء الأساسي يعتبر جزءا  من قواعد النظام العام ويتجلى هذا الخلط خاصة في العديد من القرارات ومنها القرار محل التعليق.
ففي هذا القرار اعتبرت محكمة التعقيب أنه: " حيث اقتضى الفصل 269 من م ا ج ان محكمة التعقيب تنظر في حدود المطاعن المثارة إلا إذا كان موضوع الحكم غير قابل للتجزئة ويجب عليها أن تثير من تلقاء نفسها، عند الاقتضاء، المطاعن المتعلقة بالنظام العام".
واعتمادا على هذه الحيثية مرت محكمة القانون للتصريح ببطلان القرار المطعون فيه اعتمادا على أن: " الإخلال بذلك (أي أحكام الفصل 53 م ا ج) يعتبر إخلالا لقاعدة اجرائية أساسية تهم مصلحة المتهم الشرعية على معنى الفصل 199 من م ا ج... وتعين تأسيسا على ذلك اعتبار قرارها باطلا بطلانا مطلقا لمخالفته قواعد الاجراءات الاساسية التي لها علاقة بمصلحة المتهم الشرعية الشيء الذي يتعين معه نقضه بصرف النظر عن وجاهة بقية المطاعن المثارة من عدمه".
وهنا يحق لنا التساؤل ما علاقة المطاعن المتعلقة بالنظام العام بقواعد الاجراءات الاساسية؟ وهل أن صور الفصل 199 م ا ج لا تقبل التجزئة؟ فمحكمة التعقيب اشارت في مناسبتين إلى " قواعد الاجراءات الاساسية التي لها علاقة بمصلحة المتهم الشرعية" واعتبرت انها مسألة تهم النظام العام!!!.
بالرجوع إلى الفصل 199 م ا ج يلاحظ بكل بساطة ووضوح ان المشرع ذكر ثلاث حالات للبطلان توحي صياغة النص أنها مستقلة عن بعضها البعض طالما يجمع بينها حرف العطف "أو" وهي:
1-    النصوص المتعلقة بالنظام العام.
2-    أو النصوص المتعلقة بالقواعد الاجرائية الاساسية.
3-    أو النصوص المتعلقة بمصلحة المتهم الشرعية.
لكن أليس التفريق بين الإجراء الأساسي والنظام العام ومصلحة المتهم الشرعية هو من باب فرز البعض عن كله، فالتفريق الذي اعتمده المشرع بالفصل 199 م.ا.ج هو تفريق نظري لا سند له في الواقع، بل إنه فاقد لكل قيمة عملية.
فرغم أن لكل حالة مفهوم خاص به، إلا أن جزاء مخالفتها جميعا واحد، وهو البطلان  الوجوبي حيث يثيره القاضي من تلقاء نفسه. كما أن الطابع الدستوري للحق في المحاكمة العادلة عموما وضمانات الدفاع واجراءات التقاضي خصوصا يجعل أي مساس بمصلحة المتهم الشرعية أو أي خرق للاجراءات الجوهرية أعتداء صارخا على نصوص تهم النظام العام ، بما يمكن معه القول إن مصلحة المتهم الشرعية وقواعد الاجراءات الأساسية يمثلان جوهر ونطاق النظام العام في مجلة الاجراءات الجزائية، وبالضرورة فإن القواعد المقررة لضمان مصلحة المتهم الشرعية تشكل بحد ذاتها اجراءات أساسية يترتب عن خرقها البطلان، وبناء على ما سبق يمكن أن نحوصل بالقول:
-         إن الاجراءات الاساسية تستوعب جميع القواعد المقررة لضمان مصلحة المتهم الشرعية.
-         إن مفهوم النظام العام في مجلة الاجراءات الجزائية يتجسد في قواعد الاجراءات الأساسية، فالنظام العام يتضمن في طياته تبني الإجراءات الأساسية فمفهوم النظام العام يستند لضمان احترام القواعد الإجرائية الأساسية1 التي تشكل حتما جزء لا يتجزأ من القواعد المتصلة بالنظام العام..
وبالتالي فإن المشرع كان بإمكانه أن يكتفي بالفصل 199 م ا ج بالإشارة الى بطلان كل الاعمال والاحكام المنافية للنصوص المتعلقة بالقواعد الاجرائية الأساسية[4]. فأمام سكوت المشرع عن تحديد المعايير الملائمة للتمييز بين القواعد المتعلقة بالنظام و القواعد المتعلّقة بمصلحة المتهم الشرعية اجتهد الفقهاء في إيجاد معايير للتفرقة بين هذه الإجراءات، من أهم هذه المعايير تتمثل في " نوع مصلحة المعنية بالقاعدة الإجرائية " إلا أنه وقع انتقاد هذا المعيار لأن العديد من القواعد الإجرائية يغلب عليها الامتزاج بين المصلحة العامة و المصلحة الخاصة. حيث اعتبر أحد الفقهاء أن " كل محاولة لتحديد أين تبدأ المصلحة العامة و أين تقف المصلحة الخاصة تبقى محاولة محكوم عليها بالفشل منذ البداية"[5]. كما اعتبر الأستاذ محمد الزين أن كل تفريق بين المصلحة الخاصة و المصلحة العامة هو تفريق مصطنع و لا نجد له من أساس سوى تلك الحاجة الملحة التي أكدها القضاة في تفادي استعمال البطلان لهدف تسويفي من شأنها تعطيل سير العدالة.
إن عدم تدخل المشرع لتحديد و ضبط معايير للتمييز بين النظام العام و الإجراءات الأساسية ومصلحة المتهم الشرعية بالإضافة إلى تذبذب موقف فقه القضاء بشأن مضامينها من الإجراءات والشكليات أدى إلى تداخل بين هذه المعايير الثلاثة و بالتالي صعوبة التمييز بينها. و هو ما ذهب إليه فقه القضاء التونسي في العديد من القرارات باستثناء القرار المؤرخ في 14/06/1962  الذي اعتبر  أن الإجراءات الأساسية منها ما يتعلق بالنظام العام و منها ما يهم مصلحة  الخصوم الخاصة و ذلك في محاولة لمسايرة المشرع و التمييز بين مختلف المفاهيم الواردة بالفصل 199 م.إ.ج إلا أن هذا الموقف تعرض للانتقاد لعدة أسباب منها أن القول بأن القواعد الإجرائية الأساسية منها  ما يمسّ بالنظام العام و منها ما يمس مصلحة المتهم الشرعية لا يفيد أي تمييز إذا كان بإمكان المشروع الاكتفاء بالتنصيص على الصنفين الأول و الثالث فقط.
يمكن القول بأن محكمة التعقيب في العديد من المناسبات تثير المخالفات الإجرائية المتعلقة بالإجراءات الأساسية دون أن تبين إذا كانت من النظام العام أم لا فمحكمة التعقيب لا تهتم بطبيعة تلك الإجراءات و لا تقيم فروقا بينها و إنما هي تفترض ترادفها.
ففي القرار محل التعليق اعتبرت ان خرق الفصل 53 م ا ج يهم النظام العام وبأمكانها كمحكمة قانون ان تثيره من تلقاء نفسها رغم انه مثار من دفاع أحد المتهمين صراحة وبشرح واف، فهل اعتمدته محكمة التعقيب لثبوت إثارته من المعقب أم لتعلقه بالنظام العام؟ تجيب باقي الحيثيات بأنه لا فرق بين الأمرين، إذ أن محكمة التعقيب جعلت الحالات الثلاثة للفصل 199 م ا ج متلازمة ومتكاملة، وهو ما يستوجب بيان نطاق الاجراءات الأساسية.
ب- أساس القواعد الاجرائية الأساسية
تبنى الفقه وفقه القضاء الفرنسي التفرقة بين القواعد الأساسية الإجرائية الجوهرية التي يكون فيها البطلان  جزاءا ضروريا لعدم مراعاتها و بين الإجراءات القانونية الثانوية أو التبعية secondaire  التي لا يوقع فيها جزاء البطلان إلا بموجب نص[6].
و يعتبر معيار الغاية من العمل الإجرائي أبرز المعايير المعتمدة للتمييز بين القواعد الأساسية وغير الأساسية و هو ما ذهبت إليه محكمة التعقيب في أحد قرارتها حيث قررت أنه في صورة الإخلال بالقواعد الإجرائية الأساسية يكون البطلان تارة مطلقا وتارة نسبيا "بحسب الغاية التي رعاها المشرع عند سنّه تلك القاعدة"[7].
وما يمكن ملاحظته مبدئيا هو أن الإجراءات الأساسية يمكن أن تتعلق في بعض الأحيان بالنظام العام كما يمكن أن تتعلق بمصلحة المتهم الشرعية في حين أن الإجراءات غير الأساسية تبقى شكلية وتخرج عن نطاق النظام العام و المصلحة الشرعية للمتهم.
فمثلا اعتبرت محكمة التعقيب أنه من الإجراءات الأساسية الصفة في تحريك الدعوى و قيود تحريكها و اعتبرت أنه باطلا الحكم الجنائي الذي اشترك فيه عضو النيابة مع أنه هو الذي آثار تتبع الجريمة التي قضى ذلك الحكم بثبوتها على الطاعن[8].
لكن الصعوبة في التفرقة بين هذين الصنفين من الإجراءات (الأساسية و غير الأساسية) ظهرت بصورة واضحة على مستوى التطبيق فقد كانت مواقف فقه القضاء في هذه المسألة متذبذبة و متضاربة أحيانا مثال ذلك ما جاء بأحد القرارات أنه " و حيث أن هذا الإخلال يهم مصلحة المتهم الشرعية مما يجعل القرار المطعون فيه مخالفا لأحكام الفصل 199 م.إ.ج و اتجه بالتالي نقضه خاصة و أن مصلحة المتهم الشرعية تهم النظام العام.."[9]
كما جاء في قرارا آخر أن " إجراءات التتبع تهم النظام العام لمساسها بمصلحة المتهم الشرعية"[10]
وأكدت محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة أنّ" حضور كاتب المحكمة جلسة الحكم إجراء جوهري وضمانة أساسية لكل الأطراف إذ أوكل إليه المشرع تحرير محضر فيما يدور بالجلسة من مرافعات والإشهاد على المحكمة وعلى مقرراتها بنفس المحضر وتأسيسا على ذلك تكون محكمة القرار المطعون فيه قد خرقت أحكام الفصل 168 من مجلة الإجراءات الجزائية عندما لم تذكر بقرارها إسم كاتب المحكمة الذي حضر بالجلسة التي أصدرت فيها القرار المطعون فيه "[11]
تعددت القرارات المتعلقة بآستدعاء المتهم للجلسة وآختلفت في إعتبار هذا الإجراء يهم النظام العام[12] وفي أخرى إجراء جوهريا[13] وفي مواضع أخرى ماسا بمصلحة المتهم الشرعية[14] فإنّ قرارات أخرى تعطي الإستدعاء طبيعة مشتركة فهو من الإجراءات الأساسية التي تهم النظام العام وتهضم حقوق الدفاع أو مصلحة المتهم الشرعية [15] وما يلي الإستدعاء هو وجوب إستنطاق المتهم وتمكينه من فرصة إبعاد التهمة عن نفسه وإلا عدّ الحكم باطلا لخرقه القانون[16] كالنظر في كل جريمة "تضمنها نص الإحالة والرد عليها سلبا أو إيجابا "[17]وتعليل المحكمة حكمها بما تمت مناقشته أمامها وإلا كان فاقدا للتعليل وتثيره محكمة التعقيب من تلقاء نفسها لمساس الأمر بالنظام العام[18]
هذا وفيما يتعلق بتعريف المتهم بالتهم المنسوبة إليه وآستنطاقه [19]،
وجوب توجيه التهمة على المتهمين وتعريفهم بالنصوص القانونية وتلقي ردودهم[20] إذ" لئن كان من حقّ دائرة الإتهام نقض قرار قاضي التحقيق وتوجيه التهمة على من شملتهم الأبحاث فإن من واجبها تعريف المتهمين بالتهم المنسوبة إليهم وإعمال مبدإ المواجهة وآستنطاقهم سواء بواسطة أحد أعضائها أو بواسطة قاضي التحقيق ولا يمكن الإقتصار على تناول تصريحات شخص وقع سماعه كشاهد وإدانته لاحقا بتهمة لم يقع سماعه من أجلها أو تعريفه بها وتلقي دفوعاته بشأنها"
وقد وقع إعتبار الأحكام المنظمة لسير الجلسة من النظام العام في عديد القرارات في حين ذهبت قرارات أخرى إلى إعتبارها من الإجراءات الأساسية سواء تعلق الأمر بآستدعاء المتهم[21] وآستنطاقه وتلقي دفوعاته[22] أو إعتماد الحجج الواقع مناقشتها بالجلسة دون سواها[23] كوجوب إحترام مبدإ العلنية[24] ما لم ينصّ القانون على خلافها كيفما نصت على ذلك أحكام مجلة حماية الطفل كآشتراط التنصيص على الأغلبية القانونية في الأحكام الصادرة بالإعدام[25] وتضمين الحكم مستندات متناسقة ومؤدية للنتيجة التي إنتهى إليها الحكم [26] دون تجاهل إمضاء هذا الحكم من كافة القضاة الذين حضروا المرافعة[27]
ورد بالقرار الصادر في 24 أكتوبر 1973" ليس لمحكمة الإستئناف أن ترفع في العقاب المحكوم به على المحكوم عليه إذا كان الإستئناف مرفوعا من المتهم دون النيابة حتى لا تعكر حالة المستأنف تطبيقا للفصل 216 م إج ومحكمة التعقيب تثير ذلك من تلقاء نفسها لخرق المحكمة قاعدة إجرائية أساسية لها تعلق بالنظام العام كما أنها أضرت من ناحية أخرى بمصلحة المتهم الشرعية إذ لا يضار الطاعن بطعنه "[28] 
يستخلص من جملة القرارات التعقيبية أنّ مصلحة المتهم الشرعية قد تمّ " الإرتقاء بها " إلى صفّ الإجراءات الأساسية وأحيانا أخرى جعلها من قواعد النظام العام التي تثيرها محكمة التعقيب من تلقاء نفسها لكنّ بعض الإجراءات التي تهم المصلحة الفردية المحضة تبقى رهينة تمسك من وضعت لصالحه مع وجوب إتمام ذلك في مراحل متقدمة أي أمام قضاة الموضوع ولا تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها[29]، وهو ما يثبت أن الثلاثية التي وضعها المشرع في الفصل 199 م ا ج لا سند لها في الواقع ويتجه تجاوزها والاكتفاء بأكثرها انضباطا ووضوحا ألا وهو قواعد الاجراءات الاساسية.
وعلاوة عما سبق فإن فقه قضاء بعض دوائر محكمة التعقيب يميل إلى حصر نطاق تطبيق الفصل 199 م ا ج على الاحكام دون سواها بالنظر الى أن الفصل المذكور ورد في الكتاب الثاني "في محاكم القضاء" ضمن القسم العاشر من  الباب الثاني المعنون بـ "في أحكام مشتركة" وهو ما جعل البعض يتمسك بكونه لا ينطبق على أعمال كل من الضابطة العدلية والنيابة العامة وقضاء التحقيق،
فقد رفضت محكمة التعقيب بالقرار الصادر في 03/02/19931 المطعن الهادف لبطلان الإجراءات نظرا لخرق الآجال القانونية الإحتفاظ  بقوله أنه: " لا يوجد بأوراق القضية ما يدل على أن مدى إيقاف المهمين على مستوى الاحتفاظ قد تجاوزت آجالها القانونية".
كما جاء في قرار آخر أن عملية التفتيش بالمحلات على فرض إجرائها بدون ترخيص أصحاب تلك المحلات فإنها لا ينتج عنها بطلان ما أجري من أبحاث أو بطلان التفتيش و إلغاء ما وقع جمعه أثناء التفتيش من أدلة و قوانين . فالمسروق الذي وقع العثور عليه و تمّ حجزه أثناء التفتيش لا يمكن تصوّر إرجاعه لمن سرقه بدعوى بطلان عملية التفتيش لعدم توفر الشروط القانونية2.
و نجد محكمة التعقيب في بعض القرارات الأخرى كذلك ترفض تطبيق الأحكام الفصل 199 م.إ.ج على أعمال الضابطة العدلية فقد جاء في قرارها المؤرخ في 03/03/19973 :" أن محكمة الموضوع لما قضت ببطلان إجراءات التتبع لمخالفة المحضر لمقتضيات الفصل 199 م.إ.ج تكون قد أخطأت في تطبيق القانون ضرورة أن هذا الفصل المذكور يتعلق ببطلان الأحكام و الأعمال أمام المحاكم و لا بمحاضر مأموري الضابطة العدلية ".
نفس هذا الموقف سارت عليه محكمة التعقيب الفرنسية التي رفضت في مرحلة أولى الخوض أصلا في مسألة بطلان  أعمال البحث الأولى بصفة عامة و الإحتفاظ بصفة خاصة بحجّة أن الإخلالات بإجراء الاحتفاظ تشكل مزيجا  بين الواقع و القانون مما يجول دون النظر فيها من طرف محكمة التعقيب1. و ظاهر موقفها بأكثر وضوح في قراري 17 ماي و 27 ديسمبر19602  إذ اعتبرت أن إخلال المدعى به إذا كان يرتب على صعيد القانون الجزائي المسؤولية الشخصية للمأمور  فإنه لا يرتب بذاته بطلان  الأعمال الإجرائية . وذلك ما لم يقع إثبات تغيب على الحقيقة و كشفها بصفة جوهرية3.
لكن هذا التوجه في غير طريقه مطلقا لأنه يخلط بين موقع الفصل ومحتوى الفصل.
فالفصل ورد ضمن الاحكام الموجهة لمحاكم القضاء لبيان صلاحية هذه الاخيرة في القضاء بالبطلان، بطلان ماذا؟ يجيب النص صراحة "كل الاعمال والاحكام"، وهذا هو محتوى النص الذي جاء في صيغة عامة تشمل كل مراحل التتبع والحكم.
فتكون القراءة السليمة للنص أنه يمكن للمحاكم ان تبطل "كل الاعمال والاحكام"، وليس أنه لا يمكن ابطال سوى اعمال محاكم القضاء، وهو ما تميل اليه محكمة التعقيب في أغلب قرارتها ومنها القرار محل التعليق الذي تعلق بإبطال قرار دائرة الاتهام، رغم أن هذه الاخيرة لم تنظم ضمن الكتاب الثاني المخصص لمحاكم القضاء.
II - جزاء مخالفة القواعد الاجرائية الأساسية
بالرجوع الى القرار محل التعليق يتبين وأن محكمة التعقيب أقرت جزاء البطلان (أ) مع تحديد نطاق مرماه (ب).
أ- جزاء البطلان:
إن البطلان في مادة الإجراءات الجزائية هو جزاء الإخلال بالقواعد الإجرائية و أهمية هذا الجزاء يتمثل في ضمان حقوق المتقاضين والمشبوه فيهم حتى يضمن لهم الحق في محاكمة عادلة تسري منذ اللحظة الأولى للبحث و صولا إلى طور المحاكمة.
وقد نظم المشرع التونسي البطلان في فصل وحيد ذي صياغة مُقتضبة و هو الفصل 199 م.إ.ج الذي جاء فيه أنه: " تبطل كل الأعمال و الأحكام المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو القواعد الإجرائية الأساسية أو لمصلحة المتهم الشرعية "مكرسا بذلك نظرية البطلان الجوهري إلا أننا نجد حالة وحيدة نص فيها المشرع مباشرة على البطلان هي صورة الفصل 119 م.إ.ج جاء فيه أنه " إذا قررت دائرة الإتهام إحالة القضية على الدائرة الجنائية فإن قراراها يجب أن يتضمن عرضا مفصلا للوقائع موضوع التتبع مع بيان وصفها القانوني و إلا كان باطلا".
كما أن فقانون المرافعات الجنائية لسنة 1921[30] تضمّن الفصل 169 ونصه: "كلّ الأعمال والأحكام المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو للقواعد الإجرائية الأساسية أو لمصلحة المتهم الشرعية ، والحكم الصادر بالإبطال يحدّد مرماه ".
وقد كتب جان دوبلا[31] في تعليقه على هذه الأحكام أنه " خلافا للقانون الفرنسي فإن التشريع التونسي لم ينصّ آخر كلّ نصّ على البطلان في صورة مخالفة أحكامه لكنّه جمع كلّ حالات البطلان بنصّ واحد وهو الفصل 169 أو بصورة أوضح فقد حدّد الصور التي يكون فيها التصريح بالبطلان إلزاميا ....لكنّ التشريع التونسي ولئن أخذ بالمبطلات الجوهرية وبعض المبطلات النصية إلاّ أنّه كان أقلّ تمسّكا بالشكل من التشريع الفرنسي " كما أوضح قيرو [32] في تعليقه على نفس المجلة أنّه " على خلاف المجلة الفرنسية ، فإنّ المجلة التونسية تركت المجال مفتوحا للقاضي قصد تقدير أيّ إجراء يكون باطلا بشرط أن يكون مخالفا لروح النصّ ولأحد الشروط الثلاثة الواردة بالفصل 169 في حين وأنّ المشرّع الفرنسي حرص على تحديد الحالات الواجب التصريح فيها بالبطلان ".
هذا ، وقد احتفظت مجلة الإجراءات الجزائية الحالية [33] بنفس الأحكام السابقة المكرسة لنظرية البطلان الجوهري والتي يضطلع فيها القضاء بدور هام في تحديد الأعمال والأحكام التي تنضوي تحت شرط من الشروط الواردة بالفصل 199 م ا ج، وهو ما يعطي انطباعا بأن المشرع لا يعطي للشكل القيمة التي يستحقها، فتنظيم البطلان في فصل وحيد ذي صياغة مُقتضبة أدى إلى بروز عدة صعوبات في التطبيق  و تضارب الإجتهاد القضائي في تأويل مفاهيم هذا النص، ذلك أن فقه القضاء يميل دوما إلى التضييق أكثر ما يمكن في ميدان تطبيق أحكام الفصل 199 م.إ.ج
وهناك من يرى أنه يجب على محكمة التعقيب تحديد قائمة تحتوي على الإجراءات الجوهرية التي يترتب عند الإخلال بها البطلان، وفي الحقيقة فإن هذا من صميم عمل الفقه لا القضاء، فقرارات محكمة التعقيب التي قررت البطلان تملأ النشريات والرفوف، وعلى الفقه ان يراجعها ليستخرج منها حالات وانواع البطلان، باعتبار ان القضاء لا يهتم بالتنظير بقدر اهتمامه في وضع حلول عملية، وبالنظر إلى أن الإجراءات الشكلية ليست لها نفس القيمة و الأهمية القانونية نظرا لوجود إجراء جوهري وإجراء غير جوهري، فمحكمة التعقيب في المئات من قرارتها تعطي للاجراء وصفه ثم تحدد نوع البطلان ونطاق مرماه.
فبالرجوع إلى م.إ.ج نجد أن المشرع التونسي لم يبين إجراءات خاصة بدعوى البطلان على خلاف المشرع الفرنسي الذي وضع طريقة خاصة في الإبطال يمكن اعتمادها فقط بالنسبة للإجراءات ذات الصبغة الاستقرائية تتمثل في عريضة في الإبطال  Requête en annulationكانت منظمة بالفصل 171 قديم من مجلة الاجراءات الجزائية الفرنسية، والآن بالفصل 173[34] .
فالبطلان إذن هو جزاء الإخلال بالإجراءات الجزائية، ويعتبر الدكتور احمد فتحي السرور: "الحديث عن التقسيمات قد يطول كثيرا ولو نظرنا إلى جميع أوجه البحث في البطلان، فبالنسبة إلى أسباب البطلان ينقسم إلى بطلان شكلي، وهو الذي يترتب على مخالفة الشروط الشكلية لصحّة العمل الإجرائي، وبطلان موضوعي وهو الذي يترتب على مخالفة الشروط الموضوعية في هذا العمل.
وبالنسبة إلى التمسّك بالبطلان، ينقسم إلى بطلان يتعلق بالنظام العام وبطلان يتعلق بمصلحة الخصوم، وبالنسبة إلى آثار البطلان ينقسم إلى بطلان كلّي وآخر جزئي، وبالنسبة إلى تصحيح البطلان، ينقسم إلى بطلان نسبي وآخر مطلق، وعلى بطلان قابل للتصحيح، وآخر غير قابل للتصحيح، ويضيف أن أهم هذه التقسيمات هي البطلان المطلق والبطلان النسبي والبطلان المتعلق بالنظام العام، والبطلان المتعلق بمصلحة الخصوم"[35].
البطلان النسبي هو الذي يترتب عند الإخلال بالقواعد الإجرائية التي لا تتعلق بالنظام العام ويكون الغرض منها حماية مصلحة الخصوم.
فالتشريع التونسي رغم تبنّيه لنظرية البطلان الجوهري صلب الفصل 199 م.إ.ج لم يرد أي قاعدة تميّز بين البطلان المطلق والنسبي ولكن هذا الإغفال جعل من فقه القضاء المصدر لتحديد هذا التمييز وترتيب آثاره. وجاء هذا التمييز بصفة جلية صلب قرار صادرا عن محكمة التعقيب في 14 جوان 1962 [36] وتتمثل وقائعه في أنّ المدعوة سالمة وقع تتبعها بتهمة قتل مولود. فقضت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بسوسة بعدم سماع الدعوى العامة. فطعنت النيابة بالتعقيب على أساس وجود خرق لأحكام الفصول 80 و 125 و 136 من قانون المرافعات الجنائية لسنة 1921، إذ أنه تم سماع الشهود دون تحليف اليمين، كان رد المحكمة التعقيب في غاية من الوضوح، إذ إعتبرت أنه يترتب عن خرق القواعد المتعلقة بالنظام العام بطلانا مطلقا، وينجرّ عن خرق القواعد المتعلقة بمصلحة المتهم الشرعية بطلانا نسبيا فحسبـ، أما خرق الإجراءات الأساسية فيترتب عنه إما بطلانا مطلقا أو بطلانا نسبيا حسب مقصد المشرع من وراء الإجراءات"[37]. وقد إعتبرت محكمة التعقيب في نفس الفترة في قرارها عدد 335 "أن المبطلات والمسقطات التي هي إختيارية للحكام في نظر قانون المرافعات المدنية التونسية بالنسبة للمادة المدنية، إذ الحاكم المدني يراعي في شأنها مسألة الحوادث ومصلحة الخصوم التي تدعوه إلى العمل بها أو رفضها، هي إجبارية بالنسبة للمادة الزّجرية ولا يمكن التساهل في مسألة الآجال التي عيّنها قانون المرافعات الجنائية بل وجب إعتبارها إجبارية ولا تغلى إلا في حالة القوة القاهرة"[38].
وقد تواصل نهج محكمة التعقيب في تحديد البطلان النسبي إذ جاء في أحد القرارات أنه:"في المادة الجناحية وسائل البطلان المبنيّة على خرق الموجبات التي رآها القانون لمصلحة الخصوم أثناء البحث والتي لا تمس بالنظام العام كعدم إمضاء الحاكم وكاتبه على أوراق البحث يجب عرضها على المحكمة الإبتدائية، وان المتهم الذي لا يتمسك بالمبطلة أثناء المرافعة بالجلسة يعتبر كأنه رضي بها[39]. كذلك عدم تحليف الشهود مبطلة اختيارية يجب القيام بها لدى حكام الأصل ولا يمكن التمسك بها من أول وهلة لدى دائرة التمييز[40]كما أقرت محكمة التعقيب أن عدم أداء الشهود اليمين القانونية لا يمكن أن يقع النظر فيها من أول وهلة لدى محكمة النقض لأن المبطلة لا تتعلق بالنظام العام[41]. وقد جاء في قرار تعقيبي أن مقتضيات الفصل 80 من مجلة المرافعات الجنائية القديمة الذي نصّ على أنه "إذا كان حاكم التحقيق والشاهد وذو الشبهة لا يتكلمون بلغة واحدة يعين مترجم يحلف على ترجمته بصدق ويضمن بالتقرير اسمه وحالته المدنية" وتلك الموجبة من الإجراءات الأساسية  التي راعى فيها المشرع مصلحة المتهم فحسب والبطلان المترتب عن مخالفتها يكون بطلانا نسبيا لا يتمسك به إلا من جعل لمصلحته وبشرط عدم المصادقة عليه ولو ضمنيا.[42]
كما أن توجيه اليمين على المترجم قبل سماعه لا يهمّ النظام العام ولا يمكن إثارته لأول مرة لدى التعقيب[43]. أما فيما يتعلق بإستدعاء ذي الشبهة من قبل حاكم التحقيق فإن محكمة التعقيب إعتبرت أنه لقاضي التحقيق في حالة التأكد أن يتجاوز طريقة إستدعاء ذي شبهة بطريقة الكتابة وفقا للفصل 68 من م.إ.ج وله استدعاؤه بالهاتف متى إقتضت ظروف القضية ذلك ومحاولة إبطال الاستدعاء لهذا السبب غير مجد[44] .كما أن المشرع خوّل للمتهم الحق في إنتداب محام وقد جاء في الفصل 52 قديم م.م.ج المنقح بالأمر الصادر في 15 نوفمبر 1956 "عند بقاء التهمة ينبّه الحاكم ذا الشبهة بأن من حقه أن يختار محام" وهذا الإجراء شرع لمصلحة المتهم الشخصية وليس هو من الإجراءات الأساسية، وتفريعا على ذلك فإن لم يحترم قاضي التحقيق تلك الأحكام يسوغ للمتهم التمسك بهذا الطعن وإثارته أمام دائرة الإتهام، أما إذا لم يفعل ذلك فقد تنازل ضمنيا عنه ولا يجوز حينئذ للنيابة العمومية إثارته من أول وهلة أمام محكمة التعقيب إذ أن الفقرة المشار إليها من الفصل 52 م.إ.ج لم تنص على أن مخالفتها توجب بطلان الإستنطاق بطلانا مطلقا [45]. أما فيما يتعلق بالإختبارات فإن فقه القضاء في ظل مجلة المرافعات الجنائية لسنة 1921 إعتبر أن عدم الإعلام بإسم الخبير لا تتكون منها قاعدة إجرائية أصولية إذ أنها عملت لمصلحة جانب الدفاع وحينئذ فهي مبطلة إختيارية لا يمكن التمسك بها لأول وهلة لدى دائرة التمييز وعدم القيام بها لدى حكام الأصل يعتبر رضاء ضمنيا بالمبطلة[46]. أما عدم استدعاء الخصوم لحضور عملية الإختبارات الطبيّة فلا بترتب عليها بطلان إلا إذا نشأ عن ذلك ضرر لأحد الخصوم[47]. وقد واصل فقه القضاء في نفس الإتجاه إذ إعتبر في قرار صادر في 8 أكتوبر 1986، "أن إشارة الإعلام بقرار دائرة الإتهام من الواجب أن يقع القيام به لدى حكام الأصل لا من أول وهلة لدى محكمة التعقيب"[48].
وبالعودة الى القرار محل التعليق يتبين وأن الأمر يتعلق بمخالفة أحكام الفصل 53 م.إ.ج في فقرتيه الرابعة والخامسة اللتان تنصان على أنّه: "لا يجوز الكتابة بين الأسطر وأما المشطبات والمخرجات فيصادق عليها ويمضيها حاكم التحقيق وكاتبه والمستنطق. والمشطبات والمخرجات التي لم تقع المصادقة عليها تعتبر لاغية كما تعتبر لاغيه الكتابة بين الأسطر."
وقد اختلف شرّاح القانون في تونس، في تأويل المعنى المقصود بكلمة "لاغية" الواردة بهذا الفصل، فذهب رأي أول  إلى  أن كلمة لاغية تعني البطلان ، فعند عدم المصادقة على المشطبات والمخرجات أو عند الكتابة بين الأسطر، يفقد المحضر، المنجز من قبل حاكم التحقيق كل قيمة قانونية أي أنه يصبح باطلا [49]ومن خلال هذا الرأي يمكن  الجزم بتبني المشرع التونسي لنظرية البطلان القانوني صلب الفصل 53 م.إ.ج .أما الرأي الثاني اعتبر أن عدم المصادقة على المشطبات والمخرجات  والكتابة بين الأسطر لا يمسّ من القيمة  القانونية للمحضر في حد ذاته، بل يقتصر الأمر  على عدم اعتبار هذه  المشطبات والمخرجات غير المصادق عليها  وكذلك الكتابة بين الأسطر فعلى عكس ما ذهب  إليه  الرأي  الأول  فإن كلمة "لاغية" الواردة  بالفقرة الخامسة من الفصل 53 م.إ.ج تؤدي إلى المحافظة على القيمة القانونية للمحضر، بإلغاء ما من شأنه المسّ منها[50].
وقد حسمت محكمة التعقيب في القرار محل التعليق الأمر حين اعتبرت أن الجزاء هو البطلان المطلق، الكلي.
فهو مطلق لأن المحكمة استندت الى احكام الفصل 269 م ا ج المتعلق بالإثارة التلقائية للمطاعن المتعلقة بالنظام العام، رغم ان الدفاع في قضية الحال هو من أثار هذا المطعن صراحة.
وهو كلي لأن محكمة التعقيب ألغت قرار دائرة الاتهام برمته، جملة وتفصيلا، بما في ذلك بطاقة الايداع، وهو ما يعني أنها حددت مرمى البطلان صراحة.
ب- مرمى البطلان:
 اقتضت الفقرة الأخيرة من الفصل 199 م.إ.ج أن "الحكم الذي يصدر بالبطلان يعين نطاق مرماه". وهو ما يعني أن الجهة القضائية التي تصرح بالبطلان مطالبة قانونا ببيان كل الاعمال والاحكام والقرارات التي شملها البطلان، خاصة إذا كان القرار المطعون فيه يتضمن عدة أجزاء، كأن يكون هناك اعمال تحضيرية أو اختبار أو كما هو الحال في القضية التي صدر بسببها القرار محل التعليق أن يكون هناك بطاقة ايداع.
فقد جاء في القرار محل التعليق صراحة أنه: " وحيث ان النقض يرجع القضية إلى الحالة التي كانت عليها قبل صدوره عملا بأحكام الفصل 273 من م ا ج بما في ذلك بطاقة الايداع".
فهذا القرار يندرج إذن ضمن سلسلة القرارات التي صدرت في السنوات الثلاث الأخيرة والتي أقرت فيها محكمة التعقيب أن رقابتها تمتد لتشمل قرارات الايقاف التحفظي، مخالفة بذلك جريان العمل في المحاكم الذي ظل يصنف قرارات الإيقاف أو قرارات رفض مطالب الإفراج على أنها قرارات شكلية لا علاقة لها بالأصل وبالتالي فإن الطعن فيها هو طعن شكلي وطالما أن الفصل 120 م ا ج يسمح بالطعن بالتعقيب في قرارات دائرة الاتهام حسب الشروط المقررة بالفصل 258 وما بعده م ا ج الذي يبيح فقط تعقيب الأحكام والقرارات الصادرة في الأصل فإن المتهم حرم من حقه في الطعن بالتعقيب وبصفة عامة لم يكن المحامون يميلون الى تعقيب قرارات الإيقاف أو رفض الإفراج لما يتطلبه ذلك من وقت يتعطل خلاله البحث وتطول معه مدة الإيقاف. وبالتالي كانت أغلب الطعون الموجهة لقرارات الإيقاف أو رفض الإفراج تتزامن مع الطعن في قرار دائرة الاتهام برمته.
لكن ما يجب الانتباه إليه وأخذه بعين الاعتبار عند مناقشة إمكانية الطعن في قرار الإيقاف التحفظي أنه منذ تنقيحي 1987 و2008 أصبح قرار الإيقاف وقرار التمديد واجبي التعليل، وبالتالي فإن موقف بعض رجال القانون ومحكمة التعقيب الذي يمنع مناقشة وجاهة القرار صار في غير طريقه وأصبحت وجاهة القرار او وجاهة التمديد تخضع لرقابة محكمة التعقيب ولكن هذا لم يقع العمل به عمليا إلا بعد الثورة. انطلاقا من أنه يفترض بعد تنقيح 2008 المتعلق بوجوبية تعليل قرار الإيقاف انه صار من صلاحية محكمة التعقيب مراقبة حسن التعليل كما تفعل في أمور أخرى.
لكن محكمة التعقيب قررت في القرار التعقيبي الجزائي عدد 5991 بتاريخ 02/11/2012 (غير منشور) أنه: "حيث نص الفصل 120 م ا ج على أنه يمكن الطعن بالتعقيب في قرارات دائرة الاتهام حسب الشروط المقررة في الفصل 258 وما بعده م ا ج وحيث اتضح بالاطلاع على مقتضيات الفصل 258 المشار اليه أن المشرع خول الطعن بالتعقيب في الاحكام والقرارات الصادرة في الأصل نهائيا ولو تم تنفيذها وذلك بناء على عدم الاختصاص أو الإفراط في السلطة أو خرق القانون أو الخطأ في تطبيقه. وحيث تبين بالرجوع الى القرار المنتقد أن دائرة الاتهام تعهدت بالنظر في مطلب الافراج المقدم من طرف نائب المظنون فيه باعتبار ان هذا الأخير كان بحالة ايقاف واقتصر نظرها على هذا المطلب دون النظر في الاصل وقد تولت المحكمة رفض المطلب وبالتالي لم يصدر عنها أي قرار نهائي في أصل موضوع القضية مما يجعل مطلب التعقيب مرفوضا شكلا".
إلا أنها سرعان ما تراجعت عن موقفها هذا، ففي القرار التعقيبي الجزائي عدد 5499 بتاريخ 13/11/2012 (غير منشور) أقرت محكمة التعقيب أنه:"وحيث إن القول بكون الفصل 258 م ا ج اشترط أن يكون القرار أو الحكم القابل للطعن بالتعقيب صادرا في الأصل فإن ذلك الحق هو مخول للمحكوم عليه سواء بالبراءة أو الادانة إلى جانب بقية الاطراف التي نص عليها المشرع. وبالتالي يفهم من هذا الفصل وأن الطرف الذي لم يصدر ضده حكم أو قرار نهائي لا يخضع لهذا القيد شأنه في ذلك شأن المظنون فيه لدى طور الاتهام. ذلك أن دائرة الاتهام لا تصدر إطلاقا قرارات قاضية في الأصل وبالرغم من ذلك فإنها لم تفقد حقها في الطعن بالتعقيب في حدود القيود التي ضبطها الفصلين 259 و260 م ا ج. وحيث ترتيبا عما تقدم فإن القرار القاضي برفض مطلب الإفراج أو إصدار بطاقة ايداع هو قابل للطعن فيه بهاته الوسيلة خاصة وأن هذا القرار لا يمكن أخذه إلا في حدود الشروط التي حددها الفصل 85 م ا ج وهو قرار مرتهن بشرط التعليل مما يجعله خاضعا لرقابة محكمة القانون لبيان مدى احترامه لقواعد الإجراءات الأساسية والنصوص القانونية المنظمة للإيقاف، الأمر الذي لا يتيسر إلا بوسيلة الطعن بالتعقيب".
فتعقيب قرارات دائرة الاتهام المتعلقة بالإيقاف أو تمديده سواء بصفة منفصلة أو متصلة بقرار دائرة الاتهام يجعل محكمة التعقيب معنية بمراقبة حسن تطبيق قواعد الإيقاف التحفظي وجعلها خاضعة لرقابتها ويمكن القول ان محكمة التعقيب أظهرت أن الحق لديها يعلو ولا يعلى عليه.
وتمسكت محكمة التعقيب بنفس الموقف في قرارها الجزائي عدد 90917 بتاريخ 25/04/2012 إذ قررت :" وحيث لا جدال في أن محكمة التعقيب تسهر على حسن تطبيق القانون وتراقب مدى سلامته تطبيقه من طرف قضاة الأصل كما أنه لا جدال في أن المشرع لما أوجب تعليل قرار الإيقاف التحفظي دون سواه من القرارات وأجاز استئنافه لدى دائرة الاتهام إنما كان مقصده وغايته تمكين دائرة الاتهام ومن بعدها محكمة التعقيب من مراقبة حسن تطبيق النصوص القانونية المنظمة للإيقاف. وحيث إن القول بعدم إمكانية الطعن بالتعقيب يعني الحيلولة دون تمكين محكمة التعقيب من ممارسة دورها".
ويتبين مما سبق أن الدوائر الجزائية في محكمة التعقيب كانت هي الأسرع في استيعاب التنقيحات الجديدة التي أوردها المشرع على أحكام الايقاف التحفظي، وخاصة فرض وجوبية تعليل قرار الايقاف أو تمديده واقعا وقانونا، فوجوبية التعليل القانوني تعطي لمحكمة التعقيب سلطة مراقبة حسن تطبيق القانون دون نقاش مع أن الجدل العقيم الذي يخوض فيه البعض حول إمكانية الطعن بالتعقيب في قرار الإيقاف التحفظي من عدمه، حسمته محكمة التعقيب منذ ستينيات القرن الماضي حسبما أقرته بقرار الدوائر المجتمعة عدد 5088 الصادر في 3 ديسمبر 1966 والذي جاء فيه: "إن القرارات الصادرة من قلم التحقيق أو دائرة الاتهام في مطالب الإفراج عن الموقوفين هي قرارات قضائية خاضعة لقواعد قانونية (الفصل 58 وما بعده من قانون المرافعات الجنائية الذي عوضته سنة 1969 مجلة الإجراءات الجزائية) يجب احترامها لصحة القرار. وتأسيسا على ذلك فان القرارات الصادرة في هذا الشأن عن دائرة الاتهام قابلة للطعن بطريق التعقيب فتنظر محكمة التعقيب فيها لمراقبة صحّة تطبيق تلك القواعد القانونية وصحة تطبيق النصّ القانوني على الجريمة المنسوبة للمتهم. أما اتجاه مطلب الإفراج من عدمه فلا شأن لها فيه إذ أن ذلك يرجع فيه لتقدير الوقائع وظروف القضية وخطورتها ومصلحة سير العدالة وهي أمور أوكلها القانون لاجتهاد قاضي الموضوع وحسن تبصّره." كما أكّد ذلك قرار تعقيبي لاحق (التعقيب الجزائي عدد 6912 المؤرخ في 04 جوان 1969): " إن الطعن بالتعقيب في قرار دائرة الاتهام المتعلقة بالإيقاف والإفراج المؤقت لا يقبل إلا إذا كان الطعن مؤسسا على خرق النصوص القانونية التي طبقت قواعد الإيقاف والإفراج المؤقت حسبما ذهب إليه اجتهاد محكمة التعقيب بقرارها الصادر عن دوائرها المجتمعة في 03 ديسمبر 1966 تحت عدد 5088. ولا جدال في وجاهة الإيقاف من عدمه لأنه جدال موضوعي لا شأن لمحكمة التعقيب به ".
لكن جرأة قضاة التعقيب في التصدي للتجاوزات في ميدان الايقاف التحفظي لم تكن كاملة كما لم يقابله جرأة مماثلة من ممثلي النيابة العامة.
فهي جرأة غير كاملة لأن محكمة التعقيب تكتفي بالتصريح بالبطلان دون ان تقر أو تأذن بالافراج عن المتهم الموقوف من سجن ايقافه، ولقائل أن يقول أنه لا حق لها بذلك، ولكن هذا مردود عليه بصريح أحكام الفصل 92 م ا ج والذي ينص في فقرته الأولى على أن: "" الإفراج المؤقت يمكن طلبه في كل طور من أطوار القضية من المحكمة المتعهدة بها". فهذا النص يجيز صراحة طلب الافراج حتى أمام محكمة التعقيب عندما تكون هي المتعهد بالملف، فطالما أن عبارة "المحكمة المتعهدة" جاءت مطلقة فهي تأخذ على اطلاقها.
كما أن نيابة التعقيب لم تجرؤ سوى في مناسبة واحدة شهيرة أن تصدر بطاقة سراح بناء على ابطال محكمة التعقيب لبطاقة ايداع، ولكن نفس النيابة سرعان ما تراجعت عن موقفها وسحبت تلك البطاقة بدعوى عدم الاختصاص، ومن ذلك الحين صرنا نعيش حالة من الفوضى القانونية الخطيرة، فعندما يقع ابطال بطاقة الايداع من طرف محكمة التعقيب صراحة، أو حتى عندما تكتفي المحكمة بالتصريح بأن تلك البطاقة انتهى مفعولها وأن المتهم يعتبر في حالة سراح وجوبي، يصبح المتهم الموقوف في السجن شخصا محتجزا خارج القانون لغياب سند قانوني يسمح بتواصل ايقافه، فالفصل 4 من القانون عدد 52 لسنة 2001 المؤرخ في 14 ماي 2001 المتعلق بنظام السجون ينص على أنه: "لايجوز إيداع أي شخص بالسجن إلا بموجب بطاقة إيداع أو بطاق جلب أو تنفيذا لحكم أو بموجب الجبر بالسجن". وهو ما يعني بالضرورة أن ابطال بطاقة الايداع مع تواصل احتجاز المتهم هو أمر مخالف للقانون وعلى نيابة التعقيب ان تقوم بواجبها في ضمان حسن وسلامة تطبيق القانون وتأذن بالإفراج فورا لا أن يقع انتظار عودة الملف الى دائرة الاتهام لتقرير هذه الأخيرة ما تراه مناسبا في هذا الشأن، خاصة وأن محكمة التعقيب تصرح أحيانا بأن الشخص موقوف دون موجب كما هو الحال في قرارها عدد 7422 الصادر بتاريخ 05/03/2014 (غير منشور) إذ اعتبرت بصفة صريحة لا لبس فيها أن المتهم في حالة سراح وجوبي منذ يوم 10 جويلية 2013 أي قبل صدور قرارها بقرابة ستة أشهر.
وتجدر الاشارة الى ان المتهم الموقوف في القضية التي صدر بمناسبتها القرار محل التعليق لم يقع اطلاق سراحه الا بعد ان تعهدت دائرة الاتهام بالملف مجددا وقررت الافراج المؤقت عنه بعد قرابة ثلاثة أسابيع وهو ما يعني أن المتهم بقي محتجزا خارج القانون طيلة تلك المدة، وللآسف الشديد فهناك أشخاص في نفس الوضعية أي يمسكون في يدهم اليمنى قرار محكمة التعقيب الذي أقر صراحة ومباشرة بطلان بطاقة الايداع، فيما تمسك الاغلال يدهم اليسرى، وتشد وثاقهم الى سجن لا يعلمون له آجلا، فلا هم محكوم عليهم بمدة معلومة، ولا هم في حالة ايقاف قانوني.
وفي الختام يمكن القول إن محكمة التعقيب في القرار محل التعليق أقرت توجها سبق لها وان اعتمدته في بعض القرارات الأخرى (أغلبها غير منشور للآسف) مفاده أن العبرة بمحتوى النص لا بموقعه، فكلما كانت عبارات النص تسمح بتطبيقه على حالات تتجاوز الموقع الذي وضع فيه فإنه يعتبر مبدأ عاما.
وربما يكون القرار محل التعليق فرصة لاقتراح ان تتضمن مجلة الاجراءات الجزائية بابا يخصص للمبادئ العامة الضامنة لنزاهة وشرعية التتبع والمحاكمة، وتنقل إلى هذا الباب جملة من فصول المجلة لعل أهمها مايلي:
-         ما جاء في الفصل 53 من أنه:"لا تجوز الكتابة بين الأسطر وأما المشطبات والمخرجات فيصادق عليها ويمضيها من يتولى السماع او الاستنطاق والكاتب والمستنطق. والمشطبات والمخرجات التي لم تقع المصادقة عليها تعتبر لاغية كما تعتبر لاغية الكتابة بين الأسطر.
-         وكذلك ما ورد بالفصلين 69 و72 من أنه: "يقع التثبت من هوية ذي الشبهة عند حضوره لأول مرة ويعرف بالأفعال المنسوبة إليه (أي الوقائع) والنصوص القانونية المنطبقة عليها ويتلقى جوابه بعد أن ينبهه بأن له الحق في ألا يجيب إلا بمحضر محام يختاره وينص على هذا التنبيه بالمحضر. ولا يتكلم ذو الشبهة إلا بمحضر محاميه ما لم يعدل عن ذلك صراحة أو يتخلف المحامي رغم استدعائه كما يجب قبل تاريخ الاستنطاق بأجل معقول. ويمكن المحامي من الاطلاع على إجراءات التحقيق قبل تاريخ كل استنطاق بيوم. ويجب أن تتاح لذي الشبهة فرصة إبعاد التهمة عنه أو الاعتراف بها. وإذا أبدى أدلة تنفي عنه التهمة فيبحث عن صحتها في أقرب وقت. وإقرار ذي الشبهة لا يغني عن البحث عن براهين أخرى.
-          وكذلك احكام الفصل 74 و 13 و13 مكرر و84 حتى 92 مع تعديل صياغة ما يجب منها ليتناسب مع كل مراحل التتبع والمحاكمة.
-         والفصول 129 حتى 132 مكرر ليكون سبق التعهد مبدأ عاما وكذا وجوبية الضم وعدم جواز التتبع من أجل نفس الفعل مرتين.
-         واحكام الفصول 150 حتى 156 لضمان صحة وسلامة المحاضر في كل اطوار التتبع والمحاكمة.
-         واخيرا وهو الأهم الفصل 199 م ا ج لرفع أي التباس حول أساس ونطاق البطلان.
فبقاء هذه الفصول (وغيرها مما لا يتسع المقام لذكره) مبعثرة وتحت عناوين مخصصة يحد من فاعليتها كمبادئ عامة تضمن شرعية ونزاهة البحث عن الادلة والتتبع والمحاكمة.
mdy1971@gmail.com



[1] - R. MOREL, Traité élémentaire de procédure civile, 2e éd., Sirey, 1949.
[2]  محمد بن سلامة : نظرية البطلان في مادة الإجراءات الأساسية في مادة الإجراءات م.ق.ت. 1975.
[3]  Foued El Euch : Les nullités de forme des actes des procédure en matière civil mémoire DEA de droit privé, faculté de droit et des sciences politiques de Tunis 1980 P69 et 70.                                                                                                           
1 Chambon affirme à ce propos de notion d’ordre public «  ce qui il y est faut appel chaque fois qu’il s’agit de garantir l’observation d’une règle de procédure considère comme essentielle à la validité de celle-ci, le juge d’instruction cite par Bagbag, p.38.
[4]  لقد أجمع أغلب الفقهاء على عدم التمييز بين هذه القواعد و اعتبروا أنه يمكن الجمع بين هذين الصنفين من القواعد في إطار واحد و هناك من اقتراح اعتماد " الأحكام المتعلقة بالنظام العام (M.Zine, cours de procédure pénale, op.cit.cit.p224.)" لكن هذا الرأي على وجاهته سيوقعنا في متاهة غموض مفهوم النظام العام الذي سنضطر لتعريفه وتحديد مدلوله للنتهي حتما الى أنه "القواعد الاجرائية الاساسية".
[5] M.Zine, thèse «  les nullités de l’instruction préparatoires p.49 et 50.
[6] Glasson et Tissier cité par M.Zine, thèse «  les nullités de l’instruction préparatoire », p.33.
[7]  قرار تع.ج عدد 1722 صادر في 14/06/1962.
[8]  ق. تع.ج  صادر في 16/01/1967 ن.م.ت 1967.
[9] ق.ت.ج عدد 4590 مؤرخ في 03/11/2000 غير منشور ورد في مذكرة خميس بن سليمان تعليق على الفصل 199 م.إ.ج.
[10] .تع.ج 54063 مؤرخ في 21/06/1994 ن.م.ت 1994 ص27. مذكور لدى: مصطفى بن جعفر، خمسون سنة من فقه قضاء محكمة التعقيب في المادة الجزائية، المبطلات الإجرائية. ملتقى نصف قرن من القضاء الجزائي.
[11]  - تع ج 002737 في 27/3/2003 عن الدوائر المجتمعة  قرارات الدوائر المجتمعة 2002/203 ص 383 ( تسرب خطأ مادي إذ ذكر بمنشورات مركز الدراسات أنه قرار مدني في حين ورد  ضمن قرارات الدوائر المجتمعة المتعلقة بالإجراءات الجزائية ) وكان الوكيل العام تمسك ببطلان قرار دائرة الإتهام لمساسه بالإجراءات الأساسية التي تهم النظام العام . مذكور لدى: مصطفى بن جعفر، مرجع سابق.
[12]  - تع ج 54063 في 21/6/1994 ن ج ص 27 الصخري المرجع السابق تحت عدد 766
[13]  - تع ج 7966 في 12/4/1971  الصخري المرجع السابق عدد 760 ص 138 أو تع ج 11682 في 31/3/1976 نفس المرجع عدد 762 أو كذلك تع ج 53183 في 23/9/2010 غير منشور " لا يسوغ للمحكمة البت في القضية قبل ثبوت إستدعاء المتهمين وعند تعذر التبليغ إليهم وجب أن يتضمن ملف القضية حصول ذلك وخلاف ما ذكر يكون مخالفا للفصل 141م إج وموجبا لنقض الحكم برمته لبطلان الإجراءات ومساس ذلك بقواعد إجرائية أساسية " مذكور لدى: مصطفى بن جعفر، مرجع سابق.
[14]  - تع ج 31151 في 12/3/2003 ن ج ص 141
[15]  - تع ج 10576 في 3/12/1975 ن ج  جزء 1 ص 19 وكذلك تع ج 12832 في 8/3/2006 ن ج ص 25 أو الصخري عدد 802 وكذلك تع ج 3531 في 20/5/1981 ن ج ص 86 أو الصخري عدد 787
[16]  - تع ج 2189 في 12/10/2005 ن ج ص 44
[17]  - تع ج 9666 في 23/12/2004 ن ج ص 73
[18]  - تع ج 6560 في 30/3/1983 الصخري المرجع السابق تحت عدد 972 ص169
[19]  - تع ج 2189 في 7/10/2005 ن ج ص 90 الصخري عدد 900
[20]  - تع ج 54530 في 12/11/2009 غير منشور (قضية الأطباء) مذكور لدى: مصطفى بن جعفر، مرجع سابق.
[21]  - تع ج 53183 في 23/9/2010  غير منشور "لا يسوغ للمحكمة البت في القضية قبل ثبوت إستدعاء المتهمين وعند تعذر التبليغ إليهم وجب أن يتضمن ملف القضية حصول ذلك وخلاف ما ذكر يكون مخالفا للفصل 141وموجبا لنقض الحكم برمته لبطلان الإجراءات ومساس ذلك بالقواعد الإجرائية الأساسية
[22]  - تع ج 15085 في 17/5/2006 ن ج ص 125 أو الصخري عدد 2385
[23]  - تع ج 18460 في 21/1/1987 ن ج  ص 90 (إخلال جوهري له إرتباط بالنظام العام) مذكور لدى: مصطفى بن جعفر، مرجع سابق.
[24]  - تع ج 6000 في 25/3/1968 مجموع المبادئ المرجع السابق ص 32
[25]  - تع ج 1109 في 28/3/1960  وكذلك تع ج 472 في 28/7/1960 مجموع المبادئ المرجع السابق ص 27
[26]  - تع ج 3518 في 21/4/1965  أو كذلك 3877 في 21/4/1964 " تناقض أسانيد الحكم يوجب نقضه وإبطاله مجموع المبادئ المرجع السابق ص 30 وكذلك تع ج 3296 في 1/11/1965 نفس المرجع ص 34 الذي  تضمن أن تناقض المستندات بمثابة فقدان التعليل وهو عيب جوهري يوجب بطلان الحكم وكذلك 49708 في 31/3/2004 ن ج ص 69 أو الصخري تحت عدد 2365 ( لمساس ذلك بالنظام العام ) مذكور لدى: مصطفى بن جعفر، مرجع سابق.
[27]  - تع ج 2549 في 12/12/1963 مجموع المبادئ المرجع السابق ص 28  أو كذلك
[28]  - تع ج 8763 في 24/10/1973 ن ج ص 209
[29]  مصطفى بن جعفر، مرجع سابق.
1 ق.ت.ج عدد 46179 مؤرخ في 03/02/1993 ن.م.ت 1993 ص 49.
3 ق.ت.ج عدد 4560 مؤرخ في 09/05/1984 ن.م.ت 1984 ص 97.
1 coss.crim.15 alabe 1959 B.C n°435 ; coss crim 29/10/1959.B.c.n°457.
2 coss.crim.17 Mars 1966 B.C n°156.J.cp II1/641 note chambon ; coss crim 27 décembre 1960.
3 coss.crim.17 Mars 1966 B.C n°156.J.cp II1/641 note chambon ; coss crim 27 décembre 1960.
[30]  - صدر قانون المرافعات الجنائي بموجب أمر 30 سبتمبر 1921 ودخل حيّز التنفيذ في غرة مارس 1922بعد طول إعداد  
[31]  - كان Jean Dupla  هو المقرر ضمن لجنة صياغة قانون المرافعات الجنائي لسنة 1921
 "Jean Dupla  Précis de procédure pénale en droit Tunisien  édit° imprimerie rapide 1922  p 327 « à la différence du code Français ,le texte Tunisien n’a pas édicté la nullité à propos de chaque espèce et à la fin de chaque article ou’ cette nullité est consacrée , le législateur tunisien a réuni tous les cas en un seul principe qui est posé dans l’article 169 ; ou , plus exactement , il a sous-entendu le principe en spécifiant expressément  les hypothèses dans lesquelles la nullité est obligatoire , de sorte que , dans tous les autres cas la nullité est facultative …l’expression « seront annulés.. »marque une obligation pour le juge , qui n’a pas la faculté de rejeter le moyen de nullité  du moment qu’il se fonde sur l’ un des trois cas spécifiés par l’article 169
منقول عن: مصطفى بن جعفر، مقال سبق ذكره.
[32]  -    كان قيرو يشغل خطة وكيل  جمهورية بباجة عند إصدار كتابه :
A. Guiraud . le code de procédure pénale Tunisien annoté  édit° librairie veuve Namura Tunis 1943 p 255 »à la différence du code Français ,le code Tunisien laisse la plus grande latitude au juge tunisien pour décider quelles sont les nullités , pourvu qu’elles soient contraires à l’esprit de l’une des trois conditions qu’exprime le présent article , tandis que le législateur français s’est efforcé d’indiquer les cas d’espèces de chaque nullité
منقول عن: مصطفى بن جعفر، مقال سبق ذكره.
[33]  - صدرت بموجب القانون عدد 23 المؤرخ في 24 جويلية 1968 ونشرت بالرائد الرسمي عدد31 بتاريخ 26-30 جويلية 1968 ص 1008
[34]  Article 173 Modifié par Loi n°2007-291 du 5 mars 2007 - art. 19 JORF 6 mars 2007 en vigueur le 1er juillet 2007:S'il apparaît au juge d'instruction qu'un acte ou une pièce de la procédure est frappé de nullité, il saisit la chambre de l'instruction aux fins d'annulation, après avoir pris l'avis du procureur de la République et avoir informé les parties.
Si le procureur de la République estime qu'une nullité a été commise, il requiert du juge d'instruction communication de la procédure en vue de sa transmission à la chambre de l'instruction, présente requête aux fins d'annulation à cette chambre et en informe les parties.
Si l'une des parties ou le témoin assisté estime qu'une nullité a été commise, elle saisit la chambre de l'instruction par requête motivée, dont elle adresse copie au juge d'instruction qui transmet le dossier de la procédure au président de la chambre de l'instruction. La requête doit, à peine d'irrecevabilité, faire l'objet d'une déclaration au greffe de la chambre de l'instruction. Elle est constatée et datée par le greffier qui la signe ainsi que le demandeur ou son avocat. Si le demandeur ne peut signer, il en est fait mention par le greffier. Lorsque le demandeur ou son avocat ne réside pas dans le ressort de la juridiction compétente, la déclaration au greffe peut être faite au moyen d'une lettre recommandée avec demande d'avis de réception. Lorsque la personne mise en examen est détenue, la requête peut également être faite au moyen d'une déclaration auprès du chef de l'établissement pénitentiaire. Cette déclaration est constatée et datée par le chef de l'établissement pénitentiaire qui la signe, ainsi que le demandeur. Si celui-ci ne peut signer, il en est fait mention par le chef de l'établissement. Ce document est adressé sans délai, en original ou en copie et par tout moyen, au greffe de la chambre de l'instruction.
Les dispositions des trois premiers alinéas ne sont pas applicables aux actes de procédure qui peuvent faire l'objet d'un appel de la part des parties, et notamment des décisions rendues en matière de détention provisoire ou de contrôle judiciaire.
Dans les huit jours de la réception du dossier par le greffe de la chambre de l'instruction, le président peut, par ordonnance non susceptible de recours, constater que la requête est irrecevable en application du présent article, troisième ou quatrième alinéa, de l'article 173-1, des articles 174, premier alinéa, ou 175, quatrième alinéa ; il peut également constater l'irrecevabilité de la requête si celle-ci n'est pas motivée. S'il constate l'irrecevabilité de la requête, le président de la chambre de l'instruction ordonne que le dossier de l'information soit renvoyé au juge d'instruction ; dans les autres cas, il le transmet au procureur général qui procède ainsi qu'il est dit aux articles 194 et suivants.
Article 173-1 Modifié par Loi n°2004-204 du 9 mars 2004 - art. 95 JORF 10 mars 2004 en vigueur le 1er octobre 2004: Sous peine d'irrecevabilité, la personne mise en examen doit faire état des moyens pris de la nullité des actes accomplis avant son interrogatoire de première comparution ou de cet interrogatoire lui-même dans un délai de six mois à compter de la notification de sa mise en examen, sauf dans le cas où elle n'aurait pu les connaître. Il en est de même s'agissant des moyens pris de la nullité des actes accomplis avant chacun de ses interrogatoires ultérieurs.
Il en est de même pour le témoin assisté à compter de sa première audition puis de ses auditions ultérieures.
Il en est de même pour la partie civile à compter de sa première audition puis de ses auditions ultérieures.
[35]  الدكتور أحمد فتحي سرور، نظرية البطلان في قانون الإجراءات الجنائية. رسالة دكتوراه. 1959،
[36]  قرار تعقيبي جزائي عدد 1722، مؤرخ في 14/6/1962، م.ق.ت صفحة 130 المرجع السابق لمروان التليلي.
[37]  مأخوذ من قانون الرافعات الجنائية نشر وتوزيع مكتبة النجاح لسنة 1964 معلق عليه من طرف محمد الطاهر السنوسي ص 65.
[38]  نفس المرجع السابق جاء على تعليق الفصل 169 م.م.ج المتعلق بالمبطلات ص 130.
[39] قرار تعقيبي جزائي عدد 1292 مؤرخ في 9 نوفمبر 1933، ماي 1963 ـورده السيد بلقاسم القروي الشابي في تعليقه على مجلة الاجراءات الجزائية: طبعة 1985 ص 126.
[40]  قرار تعقيبي جزائي عدد 734 مؤرخ في 29 أفريل 1930 ق.ت ماي 1963 نفس المرجع السابق.
[41]  قرار تعقيبي جزائي عدد 97 مؤرخ في 17 جانفي 1924، ق .ت ماي 1963 نفس المرجع السابق.
[42]  قرار تعقيبي جزائي عدد 1722 مؤرخ في 14 جوان 1962، ن 1963، ص 130.
[43]  قرار تعقيبي جزائي عدد 2031 مؤرخ في 10 أوت 1977 ن 1978، ص50، ج.2.
[44]  قرار تعقيبي جزائي عدد 10347 مؤرخ في 6 مارس 1974 ن 1975، ص 106، ج 1.
[45] قرار تعقيبي جزائي عدد 5574 مؤرخ في 28 فيفري 1968، 1969، ص143.
[46]  قرار تعقيبي جزائي عدد 734 مؤرخ في 29 أفريل 1930، ماي سنة 1963.
[47]  قرار تعقيبي عدد 3030 مؤرخ في 18 نوفمبر 1965 ن 1966، ص 147.
[48]  قرار تعقيبي جزائي عدد 18609 مؤرخ في 8/10/1986، م.ق.ت، 1986 ص 155.
[49]   صلاح الدين الملولي: سلطات حاكم التحقيق: مذكرة  التحصل على شهادة الدراسات المعمّقة في القانون الخاص كلية الحقوق  بتونس سنة 1976 ص 50.
[50]  محمد بقبق بطلان التحقيق الابتدائي مذكرة التحصل على شهادة الدراسات المعمقة في القانون الخاص كلية الحقوق بتونس 1978 ص 19.

التسميات