2018/03/15

الوكيل العقاري

الاستاذة بسمة الجبالي. محاضرة ختم التمرين ”محاماة“ السنة القضائية 2010/2011
المقدمة
إنّ الثورة التّكنولجية, والتطوّر الإجتماعي و الاقتصادي فرض جملة من التحدّيات وأفرز نسيجا من العلاقات و المعاملات المدنية والتجارية, أكّد حاجة الأفراد إلى أشخاص مختصّين يساعدونهم على إتمام معاملاتهم على الوجه القانوني السليم وبالسرعة والنجاعة المطلوبين.
وتتأكّد أهميّة هذه التحوّلات خاصّة في المجال العقاري الذي يشهد حركية هامّة تتماشى والتحدّيات الاقتصادية والمالية التي تعيشها بلادنا, الأمر الذي حدى بالبعض إلى اللجوء إلى يسمّى بالوكيل العقاري.
والوكيل العقاري هو كلّ شخص أو ذات معنوية تتوسّط بنيّة الربح وعلى وجه الإحتراف للقيام بأعمال ماليّة حددّها القانون تشمل أملاك الغير.
إنّ مهنة الوكيل العقاري ترتبط بدءا بفكرة الوكالة باعتبار وأنّ الوكيل هو ممثل الموكّل ويقوم في حقه ببعض الأعمال بصفته ممثلا ونائبا عنه.
لكن عقد الوكيل العقاري هو عقد خاص باعتبار وأنّ الوكالة تشذّ عن طبعها المجاني العام وتشمل الوكيل الاستثناءات المتعلّقة بالوكالة بعوض.
لذلك ارتبطت في الذاكرة الإجتماعية فكرة الوكيل بالسّمسار وهي صورة من صور الوكيل العقاري وإحدى مهامه الرئيسية إلى جانب التصرّف, لأنّ مهام السّمسار هو تقريب وجهات النظر وتسهيل عملية التعاقد بين شخصين هما عادة العميل والمتعاقد الآخر والسعي إلى إتمام الصفقة المكلّف بها لحماية عميله مقابل مبلغ مالي محدّد منذ البداية.
والملاحظ في هذا الإطار أنّ المشرّع التونسي قد أولى عناية خاصّة بمهنة الوكيل العقاري وذلك من خلال التأطير القانوني الهام لهذه المهنة, فصدر قانون خاصّ به وهو القانون عدد 55 لسنة 1981 المؤرخ في 23 جوان 1981 المتعلّق بتنظيم مهنة الوكيل العقاري والذي عرّفه في فصل الأوّل أنّه: " يعدّ وكيلا عقّاريا حسب مفهوم هذا القانون كلّ شخص أو ذات معنوية يتوسّط على وجه الإحتراف أو بصورة إعتيادية بنيّة الربح في العمليات التالية ....."
- الأمر عدد 1814 لسنة 1981 المؤرّخ في 22 ديسمبر 1981 المتعلّق بكيفية منح البطاقة المهنية للوكيل العقاري.
- قرار من وزير الاقتصاد الوطني مؤرخ في 23 أوت 1983
- قانون عدد 66 لسنة 2001 المؤرخ في 10 جويلية 2001 المتعلّق بحذف التراخيص من قبل مصالح وزارة الخارجية.
- قرار من وزير التجارة مؤرخ في 26 جويلية 2001 يتعلّق بالمصادقة على كرّاس الشّروط لتعاطي نشاط وكيل عقاري.
- القانون عدد 77 لسنة 2005 المؤرّخ في 4 أوت 2005 المتعلّقة باتمام القانون عدد 55 لسنة 1981 المتعلّق بتنظيم مهنة الوكيل العقاري, والذي يمكّن الوكيل العقاري من ممارسة مهام نقيب عقاري محترف إلى جانب مهامه الأصلية المتمثلة في مباشرة عمليات التصرّف العقاري.
هذا دون أن ننسى الإطار العام لمهنة الوكيل المضمنة بمجلة الإلتزامات والعقود من خلال عقد الوكالة أو كذلك في المجلّة التجارية من خلال عقد السّمسرة.
وبذلك فقد تدرّج الوكيل من صفته كسمسار إلى متصرّف عقاري إلى نقيب عقاري من خلال القانون عدد 77 لسنة 2005 والذي سبق التعرّض إليه.
إنّ كثرة النصوص القانونية المنظّمة لمهنة الوكيل العقاري تؤكّد على أهميّة دوره في الحياة الإجتماعية والإقتصادية, على أنّ هذه الأهميّة تخفي في طياتها العديد من الصعوبات والتحدّيات التي يواجهها قطاع الوكلاء العقاريين باعتبار وأنّ التعامل مع الوكيل العقاري المرخَّص له لم يدخل في تقاليدنا وعاداتنا, إذ أنّ الكثير مازال في عملياته العقارية ينظر إليه على أساس أنّه "سمسار" يقبض من هذا وذاك في نفس الوقت.
ولكن ولئن كانت هذه النظرة صحيحة إلاّ أنّها تخفي عديد الصعوبات التي يواجهها القطاع خاصّة فيما يتعلّق بالإلتزامات الضريبية وإزدواجية التأمين وهو ما سنتعرّض له تفصيلا في الموضوع إلى جانب المسؤولية القانونية الكبيرة التي تثقل كاهله.
لذلك نتساءل كيف نظّم المشروع مهنة الوكيل العقاري والذي من خلاله سنتبيّن هل أنّ هذا الاطار التشريعي قد استجاب فعلا للتحدّيات الاقتصادية الراهنة و لتطلعات الوكيل؟
للإجابة على هذا الطرح سنتناول في ( الجزء الأوّل ) شروط اكتساب صفة الوكيل العقاري وفي (جزء ثاني) ممارسة نشاط الوكيل العقاري.
ü الجزء الأوّل : شروط اكتساب صفة الوكيل العقاري:
يلعب الوكيل العقاري دورا محوريا في المعاملات التجارية والمدنية كما يلعب دورا أساسيا في تحريك دواليب المنظومة الاقتصادية.
ونظرا لهذا الدور المحوري أحاط المشرّع إكتساب صفة الوكيل العقاري بجملة من الشروط التي تنقسم إلى شروط أصلية (فرع 1) وشروط شكلية (فرع 2).
§ فرع أوّل: الشروط الأصلية:
يجب التمييز في هذا الإطار بين الشروط الشخصية (فقرة أولى) والشروط الموضوعة (فقرة ثانية).
· الفقرة الأولى الشروط الشخصية:
فرض المشرّع جملة من الشروط القانونية التي يجب أن تتوفّر في الوكيل العقاري وهي شروط ترتبط أساسا بشخص الوكيل سواء أكان شخصا طبيعيا أو ذاتا معنوية (أ) وكذلك بصفته كتاجر (ب).
أ‌- الشروط الذاتية المتعلّقة بالوكيل العقاري:
في هذا الإطار نفرّق بين الشروط القانونية المتعلّقة بالوكيل بوصفه شخصا طبيعيا أو ذاتا معنوية
o الوكيل العقاري بوصفه شخصا طبيعيا:
لقد فرض المشرّع على كل شخص طبيعي يروم اكتساب صفة الوكيل العقاري أن تتوفّر فيه جملة من الشروط القانونية الواردة ضمن إطار الفصل 3 من القانون عدد 55 الصادر بتاريخ 23 جوان 1981[1] وهي كالآتي:
- أن يكون المتقدّم بمطلب للحصول على بطاقة مهنية لوكيل عقاري تونسي الجنسية, ذلك أنّ ضرورة توفّر الجنسية يعدّ عنصرا جوهريا وأساسيا لممارسة نشاط الوكيل العقاري, كما أكّد الفصل على أن تتوفّر في الوكيل أحد الشرطين الآتيين: إمّا أن يكون الوكيل قد أنهى المرحلة الأولى من التعليم العالي في شعبة الحقوق أو الاقتصاد أو التجارية أو أن يكون متحصّلا على شهادة ختم التعليم الثانوي أو ما يعادلها وأن تكون له تجربة سنتين بوكالة عقارية مرخصة أو بمؤسّسة يتعلّق نشاطها مباشرة بمهنة الوكيل العقاري.
ويهدف المشرّع من خلال هذين الشرطين إلى حماية الأفراد داخل المجتمع وذلك بمنع المتطفلين على الميدان والذين لا يمتلكون المستوى التعليمي والمهارات والتجارب الميدانية للخوض في أنشطة تمسّ مختلف الشرائح الاجتماعية ولها نتائج هامّة وكبيرة [2].
وقد ساير المشرّع التونسي في ذلك بعض القوانين المقارنة من ذلك القانون البلجيكي الذي أكّد في الفصل الخامس من القانون الصادر في 6 ديسمبر 1993 أنّه لا يمكن ممارسة مهنة الوكيل العقاري إلاّ لمن كانت له إحدى الرتب التالية: دكتور في القانون, تقني مختص في الصناعة, مختصّ في إدارة الأعمال... وهي أمثلة واردة على سبيل الذكر لا الحصر, لكن يستشفّ من خلالها ضرورة ان تتوفّر في الوكيل العقاري مستوى ثقافي عالي للدور الهام الذي يلعبه هذا الأخير في المنظومة الاقتصادية خاصّة وأنّه يتصرّف في أموال ذات قيمة مالية كبرى هي العقارات.
والملاحظ أنّ المشرّع التونسي قد أعفى الأشخاص الذين يمارسون مهنة الوكيل العقاري طبقا لمقتضيات قانون 30 أوت 1961 من شرط الاختصاص وذلك لأنّ هؤلاء لهم من الخبرة والحنكة والأقدمية في هذا المجال ما يوازي معيار الاختصاص المذكور أعلاه "يعفى من هذين الشرطين الأخيرين الأشخاص المباشرين كمهنة الوكيل العقاري والمرخّص لهم في تاريخ نشر هذا القانون طبقا للمرسوم عدد 14 لسنة 1961 والمؤرخ في 30 أوت 1961 والمتعلّق ببيان شروط مباشرة بعض الأنواع من النشاط التجاري".
- كما أكّد المشرّع أنّه لا بدّ وأن يكون الأشخاص الراغبين في اكتساب صفة الوكيل خالي السوابق العدلية في القضايا المشار إليها بالفصل الثالث فقرة ثالثة من القانون المذكور أعلاه والذي جاء فيه: "... ان لا يكونوا قد حكم عليهم من أجل خيانة أو من أجل تزوير وثائق أو سرقة أو إخفاء مسروق أو خيانة مؤتمن أو تحيّل أو إرشاء موظفين أو الشهادة بالزور أو من الخناء أو إصدار شيك بدون رصيد أو جرائم يعاقب عليها القوانين المتعلّقة بالتحيّل والاستحواذ على أموال أو قيم من أجل التسبّب في الإفلاس أو من أجل مخالفة التشريع البنكي أو تراتيب العرف وأن لا يكونوا محلّ تصريح يتفليسهم."
- وأخيرا يعتبر شرط السن من أهمّ الشروط القانونية للحصول على صفة الوكيل العقاري ولاكتساب البطاقة المهنية الخاصّة به وقد حدّدها المشرّع في الفقرة السادسة من الفصل 3 من قانون 23 جوان 1981 ب 23 سنة على الأقل, فشرط الأهليّة يجب أن يكون متوفّرا طبق ما جاء في النظريّة العامّة للالتزامات, لكن لا بدّ من الإشارة في هذا السياق أن بلوغ سنّ الرشد [3] وحده لا يخوّل للشخص الطبيعي أن يمارس نشاط الوكيل العقاري.
كما أنّ البالغ سن 18 سنة كاملة ووقع ترشيده ليمارس نشاطا تجاريا طبق الفصل 6 من المجلة التجارية [4], لا يمكن أن يكتسب صفة الوكيل العقاري لأنّ الفصل الملمع إليه آنفا واضح وصريح فقد حدّد سن ممارسة هذه المهنة ب 23سنة فما فوق.
لكن يطرح إشكال عملي في هذا الإطار, هو هل يمكن للوكلاء عقاريين أجانب أن يمارسوا نشاطهم في البلاد التونسية.
أكّد الفصل 4 من قانون جوان 1981 أنّه يمكن للوكلاء العقاريين الأجانب ممارسة نشاطهم في البلاد التونسية بشرط وجود إتّفاقية لممارسة نشاطهم بين الدولة التونسية والدولة التي يتّبعونها, ولا بدّ من الإشارة في هذا الصدد أنّه إلى جانب التحدّيات والصعوبات التي يتعرّض إليها قطاع الوكلاء العقاريين فانّ وجود الشركات الأجنبية والوكلاء العقاريين الأجانب بحكم اتفاقيةGAT يضاعف حجم التحدّيات
وحجم المنافسة ذلك أن انتصاب هؤلاء جنبا إلى جنب مع الوكلاء العقاريين في تونس بكلّ حريّة وقوّة يجعل المنافسة تحتدّ لكن موازين القوى تختلف و الإمكانيات تختلف ممّا يجعل الكفّة ترجح لفائدة الأجانب, لذلك وللخروج من هذا المأزق يصبح الوكيل العقاري مجبرا على أن يكون ملمّا بتكنولوجيات التسويق والإتصال واللّغات والمهارات حتى تستقيم شروط اللعبة وتتكافأ أطرافها.
o الشروط القانونية المتعلّقة بالوكيل العقاري كذات معنوية:
بالنسبة للذوات المعنوية يجب أن يكونوا حاملي الجنسية التونسية طبقا للفصل 13 من المرسوم عدد 14 لسنة 1961 والمؤرخ في 30 أوت 1961 [5] .
كما يجب أن تتوفّر في الأشخاص المسيّرين لها كلّ الشروط المطلوبة من الأشخاص الطبيعيين والمتمثّلة أساسا في شرط السنّ والنقاوة من السوابق العدليّة.
ب‌- ضرورة توفير صفة التاجر:
إنّ الحصول على صفة الوكيل العقاري يتطلّب من الشخص أن يكون ممارسا للنشاط التجاري.
فالوكيل العقاري هو في الأصل تاجر لإحترافه عمليّة التوسّط وذلك على اعتبار وأنّ عملية التوسّط تعدّ عملية أو تصرّفا تجاريا بطبعه تطبيقا لمقتضيات الفصل الثاني من المجلة التجارية.
لكن الملاحظ أنّ الطبيعة التجارية للأنشطة التي يقوم بها الشخص الذي يريد أن يحصل على صفة الوكيل العقاري غير كافية بل لا بدّ من إحترافه لهذه الأنشطة.
وقد جاء بالفصل 1 من قانون سنة 1981 أنّه: " يعدّ وكيلا عقّاريا حسب مفهوم هذا الفصل كلّ شخص أو ذات معنوية متوسّط على وجه الإحتراف... بنيّة الربح التصرّف في العمليات التالية على أملاك الغير "
كما جاء في الفقرة الثانية من الفصل 1 أنّه:" يعدّ أيضا وكيلا عقاريا كلّ شخص أو ذات تتولّى على وجه الإحتراف... بنيّة الربح التصرّف في عقارات على ملك الغير."
ويستخلص من هذين الفقرتين أنّ الوسيط العقاري أو المتصرّف العقاري يعدّ وكيلا عقاريا إذا قام بعمله على وجه الإحتراف وبنيّة تحقيق الربح وبالتّالي فانّ نشاطه يعدّ عملا تجاريا طبق منطوق الفصل الثاني من المجلّة التجارية الذي ينصّ على أنّه:" يعدّ تاجرا كلّ شخص اتّخذ له حرفة من تعاطي أعمال الإنتاج أو التداول أو المضاربة أو التوسّط.
ويعدّ تاجرا بالخصوص :" كلّ من يباشر على وجه الإحتراف عمليات توسّط العملاء والسمسرة.
استغلال الوكالات للقيام بشؤون العموم".
ويعرّف الفقه الإحتراف بأنّه توجيه النشاط بشكل رئيسي معتاد على القيام بعمل معيّن بقصد الربح, لذلك يقتضي الإحتراف بالضرورة إلى:
- تكرار القيام بالعمل والإعتياد على ممارسته.
- فكرة الإرتزاق والحصول على كسب مالي بهدف الربح.
والملاحظ أنّه بالرجوع إلى قانون 1981 والفصل 2 من م .ت قد أكّد على ضرورة ممارسة الوكيل لنشاطه على وجه الإحتراف دون أن يخضع لمقياس الإحتراف الاعتيادي مثلما هو الحال في القانون الفرنسي [6] وذلك لأنّ الإعتياد يدخل في نطاق الإحتراف, فالوسيط العقاري عندما يحترف التوّسط في ذلك تأكيد على اعتياده ممارسة هذا النشاط [7] .
ولعلّ في ذلك تأكيد على أنّ الإعتياد أو التعوّد على ممارسة نشاط التوسّط أو السمسرة يستوجب ضرورة توفّر معيار مادي هو تكرار ممارسة النشاط والمتمثّل في عمليّة التوسّط أو السمسرة.
فممارسة الوكيل العقاري لعملية السمسرة بطريقة منفصلة عن نشاطه الأصلي لا يمنح الوسيط العقاري الذي قام بهذه العملية صفة التاجر لذلك يجب على الشخص الذي يريد أن يكتسب صفة الوكيل العقاري أن يمارس نشاطه في إطار حرفة منتظمة وبطريقة إعتيادية حتى تنطبق عليه صفة التاجر.
- التسجيل بالسجل التجاري:
لا يمكن للشخص أن يكتسب صفة التاجر ومن ثمّة الحصول على صفة الوكيل العقاري إلاّ بعد إتمام شرط شكلي وجوهري هو التسجيل بالسجل التجاري, وذلك استجابة لمقتضيات الفصل الثاني من القانون عدد 44 لسنة 1995 الصادر في ماي1995 والمعلّق بالسجل التجاري [8] : " يخضع للتسجيل كلّ شخص طبيعي له صفة التاجر هذا إضافة كلّ ذات معنوية بإنشاء شركات المضاربة"
ويتمتع بصفة التاجر انطلاقا من الفصل الثاني من المجلة التجارية والفصل الأوّل من قانون سنة 1981 الوكيل العقاري بوصفه شخصا طبيعيا أو ذاتا معنوية الذي يكون قد إستوفى هذا الشرط الشكلي.
إذن فعملية التسجيل بالسجل التجاري هي عمليّة جوهرية وضرورية لإكتساب صفة التاجر [9] .
وقد منح المشرّع إنطلاقا من قانون 1995 أجل شهر للوكيل العقاري من بداية ممارسته لنشاطه ليقوم بعملية الترسيم وقد رتّب المشرّع عن عدم الإستجابة لهذا الشرط الإجرائي عدّة عقوبات جزائية تضمّنها الباب VII من قانون 1995 دون ن ننسى العقوبات التجارية.
إلى جانب الشروط الشخصية نجد أيضا جملة من الشروط الموضوعية.
· فقرة ثانية الشروط الموضوعية:
لا يكفي لإكتساب صفة الوكيل العقاري أن يتوفر في المترشّح جملة من الشروط الشخصية كما ورد ذكرها آنفا, بل لا بدّ من توفّر بعض الشروط الموضوعية التي تتلخّص أساسا في ضرورة إبرام عقد تأمين (أ) و الإستظهار بضمان بنكي (ب).
أ‌- إبرام عقد تأمين:
قبل الحصول على البطاقة المهنية, يفرض المشرّع على الوكيل العقاري أن يبرم عقد تأمين يغطّي النتائج المالية لمسؤوليته المدنية وهو ما يستشف من مقتضيات الفصل الثالث من قانون 1981 والذي ينصّ في فقرته الرابعة :"... أن يكونوا قد أبرموا عقد تأمين يغطي النتائج المالية لمسؤولياتهم المدنية المهنية". تتولّى شركة التأمين إعلام وزير الاقتصاد الوطني بكلّ إنهاء أو عدم تجديد لعقد التأمين وتضبط شروط هذا التأمين بأمري [10].
والتأمين على المسؤولية المدينة هو تعويض عن الأضرار التي قد تلحق الحرفاء أو المتعاملين مع الوكيل العقاري أثناء ممارسة هذا الأخير لنشاطه, كالحوادث التي تقع في العقارات التي يتصرّف فيها الوكيل أو ضياع بعض الوثائق الخاصّة بالحرفاء التي يسلّمها هؤلاء للوكيل لإتمام بعض العمليات المزمع إجراؤها وهي وثائق تكتسي أهميّة كبيرة, الأمر الذي نصّ عليه الفصل 61 من المجلة التجارية [11]
والملاحظ في هذا الإطار أن عقد التأمين الذي يبرمه الوكيل يخضع للقواعد العامّة لعقود التأمين المتعلّقة بقواعد إنهاء أو تجديد العقد ونزاعات المؤمّن والقواعد الإجرائية الخاصّة المضمّنة بمجلة التأمين الصادرة سنة 1992.
كما أنّ إبرام مثل هذا العقد من قبل الوكيل العقاري لا يضفي عليه أيّة خصوصية تذكر تجعله مختلفا عن بقيّة عقود التأمين ذلك أنّ قانون 1981 أكّد على أنّ الوكيل العقاري ملزم بإبرام عقد تأمين يغطّي مسؤوليته المدنية دون أن يشير إلى أيّة خصوصية تتعلّق بحريّة إنتهاء أو تجديد هذا العقد من قبله خاصّة وأنّ كلّ تصرّف من هذا القبيل يجب أن يخضع لشكلية هامّة وهي إعلام وزير الاقتصاد الوطني به من قبل شركة التأمين وبذلك يحافظ عقد التأمين الذي يبرمه الوكيل العقاري على صفته الأساسية كعقد إذعان بامتياز.
كما نشير إلى أنّ الفصل 3 من أمر 22 ديسمبر 1981 [12] حدّد قواعد تجديد البطاقة المهنية بالنسبة للذوات المعنوية التي تريد ممارسة نشاط الوكيل العقاري, كما نصّ أيضا على أنّ الوكلاء العقاريين مطالبون بتأمين مسؤولياتهم المدنية وذلك من خلال إبرامهم لعقد تأمين مع شركة تأمين أحدثت أو تخضع لمقتضيات الأمر الصادر في 15 أوت 1946.
إلى جانب إبرام عقد التأمين على الوكيل العقاري أن يستظهر بضمان بنكي (ب).
ب - الإستظهار بضمان بنكي:
خلافا للتأمين على المسؤولية التي تغطّي جميع الأضرار الواردة بعقد التأمين والتي تنتج عن الأخطاء التي يرتكبها الوكيل العقاري أثناء ممارسته لنشاطه فانّ الضمان المالي يهدف بالأساس إلى تغطية كلّ تصرّف أو عمل يخرج عن إطار الأعمال الواردة بعقد التأمين.
فقد جاء بالفصل الثالث فقرة خامسة من قانون 1981 السابق الذكر أنّ الوكيل العقاري ملزم ب [13] : " الإستظهار بضمان بنكي يضمن كل واقعة أو عمل عن عقد التأمين تتولّى المؤسّسة البنكية إعلام وزير الاقتصاد الوطني فورا بكل إنهاء أو عدم تجديد للضمان البنكي وتضبط شروط هذا الضمان بأمر".
إنّ الضمان البنكي المنصوص عليه بهذا الفصل يعتبر بمثابة تطبيق خاص لعقد الضمان والذي نظّمته مجلة الإلتزامات والعقود ويعرف الأمان البنكي بأنّه عقد يضمن من خلاله بنك من البنوك تجاه دائني أحد حرفائه الذي يسمى بالمدين الأصلي الوفاء بالإلتزام الممضى من قبل هذا الأخير, وبهذا العقد يلتزم البنك بتغطية الإلتزام الأصلي في حالة إخلال المدين الأصلي به [14].
كما يمكن القول أنّ الضمان البنكي ضروري خاصّة وأنّ الوكيل العقاري بوصفه سمسارا أو متصرّفا عقّاريا يكون ملزما بأخذ أصول من طرف حرفائه ليضمن خلاص نصيبه من البيوعات أو العمليات التي يجريها.
ويجدر الإشارة في هذا الصدد أنّ الضمان البنكي وقع تحديده إنطلاقا من أمر الصادر في 22 ديسمبر 1981 [15] والذي حدّده ب:
- 2000 دينار بالنسبة للوكيل العقاري الذي يمارس عملية التوسّط أو الوسيط أو السمسار.
- 5000 دينار بالنسبة للوكلاء العقاريين الذي يمارسون أنشطة التوسّط أو السمسرة وعمليات التصرّف العقاري.
- 6000 دينار بالنسبة للوكلاء العقاريين الذين يمارسون نشاط التصرّف العقاري وعمليات التوسّط.
- والملاحظ أنّ إزدواجية الأمان بالنسبة للوكيل العقاري ( عقد تأمين + ضمان بنكي) يحيلنا على السياسة الحمائية التي ينتهجها المشرّع وذلك لحماية الأشخاص المتعاملين مع الوكلاء العقاريين.
لكن السؤال المطروح هل تعتبر هذه الضمانات كافية بالفعل لضمان حقوق المتعاملين مع الوكلاء العقاريين؟
واقعيا تبدو حماية محدودة خاصّة لو قارنا قيمة الضمان المفروضة قانونا مع قيمة العقارات التي يتصرّف فيها الوكيل العقاري والتي قد تساوي أضعاف أضعاف المبالغ المؤمّنة من قبله وذلك أنّه في كثير من الأحيان فانّ هناك بون شاسع بين قيمة العقارات المتصرّف فيها وقيمة الضمان البنكي.
والملاحظ أنّ القانون الفرنسي [16] بدى أكثر تشدّدا في هذا الباب لمّا ألزم الوكيل العقاري بتوفير ضمان بنكي لا تقلّ قيمته عن قيمة الأشياء التي في تصرّفه وذلك كحدّ من أخطار إمكانية استحواذ الوسيط أو المتصرّف العقاري على أموال حرفائه وذلك عند توصّله بأصول ممتلكاتهم .
لكن من جهة أخرى يرى معظم الوكلاء أنّ هذه الإزدواجية من شأنها أن تثقل كاهلهم خاصّة وأنّ الوكيل مطالب بتجديد الضمان البنكي وعدم إمتثاله لذلك يعرّضه لمقتضيات الفصل 3 فقرة 5 من قانون 23 جوان 1981 [17] لأنّ المؤسّسة البنكية ملزمة بإعلام وزير الاقتصاد الوطني بذلك.
كما أنّ الوكيل ملزم بأن يخضع الضمان البنكي في حساب مجمّد ويدفع عليه 250 دينار كلّ سنة لفائدة البنك [18].
ويستخلص من هذا أنّ القيود المفروضة على الوكيل تؤكّد على أهميّة دوره وجسامة مسؤولياته بحكم قيمة وحجم معاملاته إلى جانب الشروط الأصلية لا بدّ تتوفّر في الوكيل جملة من الشروط لإكتساب هذه الصفة.
§ الفرع الثاني: الشروط الشكليّة:
إنّ إكتساب صفة الوكيل العقاري تتطلّب ضرورة توفّر جملة من الشروط الشكليّة تتلخّص أساسا في الحصول على موافقة من وزير الاقتصاد ( فقرة 1 ) وثانيا في الحصول على البطاقة المهنية( فقرة 2)
· فقرة أولى: الحصول على موافقة وزير الاقتصاد:
ينصّ الفصل الثاني من القانون عدد 55 لسنة 1981 الصادر بتاريخ 23 جوان 1981 أنّه: " تخضع مباشرة مهنة الوكيل العقاري المبينة بالأصل الأوّل من هذا القانون الى الموافقة بقرار من وزير الاقتصاد الوطني"
ويفهم من هذا الفصل أنّ الوكيل العقاري لا يمكن ممارسة نشاطه المتمثّل في القيام بعمليات السمسرة أو البيع أو الكراء أو معارضة العقارات أو شراء أو البيع أو الكراء أو معارضة الأصول التجارية أو شراء او بيع الأسهم غير القابلة للتداول في صورة أو وجود عقار أو أصل تجاري ضمان مال الشركة إلاّ عند حصوله على الموافقة من قبل وزير الاقتصاد.
وتجدر الإشارة إلى أنّه وقبل االتنقيح الصادر في 23 جوان 1981 فانّ ممارسة مهنة الوكيل العقاري وقع تنظيمها في الفصل 8 من الأمر الصادر بتاريخ 30 أوت 1961 والذي يحدّد شروط ممارسة أي نشاط تجاري [19].
ويستنتج من هذا القانون أنّ ممارسة نشاط الوكيل العقاري تستوجب الحصول على إذن من كاتب الدولة للتخطيط والمالية في ذلك الوقت.
كما إشترط المشرّع في هذا القانون ضرورة إجراء مراقبة على ممارسة مهنة الوكيل بالنسبة للأشخاص الطبيعين والذوات المعنوية على حدّ السواء كما حدّد جملة من الشروط التي يجب أن تتوفّر في المطلب.
لكن السؤال المطروح يبقى متعلّقا بالذوات المعنوية هل هم مطالبون بالحصول على إذن؟
بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 11 من قانون 1981 والذي ينصّ :"يمكن للأشخاص والذوات المعنوية المرخّص لهم والمباشرين لمهنة الوكيل أن يحيلوا وكالتهم لأشخاص من اختيارهم شرط الترخيص المسبق للشاري, ويعدّ الشاري الطي لم يتحصل على ترخيص مسبّق مخالف للفصل الثاني من هذا القانون ".
ويفهم من ذلك أن مالكي الوكالات العقارية ملزمون بالإدلاء بتصريح خاص بهم شخصيا وذلك ليتمكّنوا من ممارسة أي من الأنشطة الموكولة للوكلاء العقاريين والواردة بقانون 1981.
كما أنّ الوسيط الذي يقوم بعمليات التصرّف العقاري ملزم بالخصوع لنفس الشكليّة وقد إكتفى المشرّع بعملية تبليغ مطلب بسيط للحصول على الإذن ويبقى للإدارة بعد ذلك القيام بعملية مراقبة نشاط الوسيط وتكوّن ملف واضح على ميدان أعماله لتراقب حرية التعامل والتبادل, يعتبر هذا القرار بمثابة الإذن أو التأشيرة للممارسة الوكيل العقاري لمختلف الأنشطة بكلّ حريّة. على أنّ هذا الإذن الصادر عن وزير
الاقتصاد الوطني غير كاف بمفرده فالوكيل العقاري ملزم بالحصول على بطاقة مهنية حتّى يستوف كلّ الشروط الشكليّة التي تؤهّله لممارسة هذه المهنة.
· فقرة ثانية : الحصول على البطاقة المهنية:
اقتضى الفصل 2 من قانون 1981 أنّه: " تخضع مباشرة مهنة الوكيل العقاري المبيّنة بالفصل الأوّل من هذا القانون إلى الموافقة بقرار من وزير الاقتصاد الوطني للحصول على البطاقة المهنية حسب الشروط المنصوص عليها بهذا القانون بعد أخذ رأي لجنة استشارية ويضبط بأمر تركيب وقواعد سير هذه اللّجنة وكيفية منح البطاقة."
وللحصول على هذه البطاقة لا بدّ من توفّر جملة من الشروط القانونية والمالية التي سبق أن تعرّضنا لها في جزء سابق وبعد الإستجابة لهذه الشروط على الوكيل العقاري أن يقدّم مطلبا إلى وزارة الاقتصاد الوطني مرفقا بالوثائق المشار إليها إنطلاقا من الفصل الثالث من قانون 23 جوان 1981 [20] , وهذا المطلب يكون محلّ دراسة معمّقة من قبل لجنة استشارية محدّدة سلفا وذلك حسب مقتضيات الفصل الثاني من قانون 1981 و " بعد أخذ رأي لجنة استشارية ويضبط بأمر تركيب وقواعد سير هذه اللّجنة وكيفية منح البطاقة ".
وقد وقع تنظيم هذه اللّجنة طبقا لمقتضيات الفصل الرابع والخامس من أمر 22 ديسمبر 1981 والمتعلّق بكيفية منح البطاقة المهنية [21] وفي هذا تأكيد على أنّ منح البطاقة المهنية يسهّل على الإدارة عمليّة مراقبتها على مدى إستجابة الوكيل العقاري للشروط المفروضة طبقا لما نصّ عليه المشرّع, إلى جانب الشروط الضرورية لإكتساب الوكيل العقاري لهذه الصفة فانّ ممارسته لنشاطه يفرض أيضا جملة من الإلتزامات التي إن أخلّ بها فانّ ذلك سيؤدي ضرورة إلى قيام مسؤوليته المدنية والجزائية.
ü الجزء الثاني: ممارسة نشاط الوكيل العقاري.
إنّ دراسة ممارسة الوكيل العقاري لنشاطه, تقتضى بدء البحث في ميدان نشاطه (فرع أوّل ) ثمّ التطرّق إلى مسؤولية الوكيل أثناء ممارسة هذا النشاط ( فرع ثاني).
§ الفرع الأوّل: ميدان نشاط الوكيل العقاري:
إنّ التطرّق لميدان نشاط الوكيل العقاري تفترض منّا البحث في كيفية ممارسة هذا النشاط أي الطرق التي يتبعا (فقرة أولى) لنقف على مدى أهمية الحقوق المترتبة عن ذلك (فقرة ثانية).
· فقرة أولى: طرق ممارسة الوكيل لنشاطه:
إنّ إكتساب صفة الوكيل العقاري تفترض كما سبق الإشارة إليه في جزء أوّل من هذا الموضوع ممارسة نشاطه كتجار, باعتبار وأن الفصل الثاني من المجلة التجارية, أدرج عمليّة التوسّط ضمن النشاطات التجارية.
كما أنّ الفصل الأوّل من قانون 23 جوان 1983 أكّد أنّ عملية التوسط التي يقوم بها الوكيل العقاري تشمل أساسا نشاطه كسمسار (أ) وكذلك بوصفه متصرّفا عقّاريّا (ب).
أ‌- الوكيل العقاري كسمسار:
أكّد المشرع صلب الفصل الأوّل فقرة أولى من قانون 23 جوان 1981 أنّه :
"يعدّ وكيلا عقاريّا حسب مفهوم هذا القانون أنّ كلّ شخص أو ذات معنويّة يتوسّط على وجه الإحتراف أو بصورة إعتيادية بنيّىة الربح في العمليات التالية على أملاك الغير:
- شراء أو بيع أو كراء أو معاوضة العقارات.
- شراء أو بيع أو معارضة الأصول التجارية.
- شرا ء أو بيع الأسهم غير القابلة للتداول في صورة وجود عقار أو أصل تجاري ضمن مال الشركة."
إذن من خلال هذا الفصل يتبيّن أن الوكيل العقاري يلعب دور الوسيط في العمليات المتعلّقة بالبيع والكراء ومعارضة العقارات أو الأصول التجارية وبيع الأسهم.
وقد عرّف الفصل 609 [22] من المجلة التجارية عقد السمسرة بأنّه: " عقد يلتزم به فريق يدعى السمسار بأن يسعى في البحث عن شخص لربط الصلة بينه وبين شخص آخر لعقد إتّفاق".
ويستشفّ من هذا الفصل أنّ عملية السمسرة تقوم أساسا على محاولة تقريب وجهات النظر بين البائع والشاري أو السعي إلى ربط الصلة مع شخص قصد التوصّل إلى إبرام إتّفاق بينهما.
وانطلاقا من الفصل الأوّل الذي سبق الإلماع إليه نلاحظ أنّ الوكيل العقاري يتوسّط في عملية شراء أو بيع أو كراء أو معاوضة العقارات, إذن فهو يتوسّط للقيام بثلاث عقود تختلف من حيث الطبيعة القانونية, إذ يتوسّط في عقد البيع محترما مقتضيات الفصل 564 [23] وما يليه من م ا ع, أو يتوسط في عقد المعاوضة من خلال االفصل 718 [24]من م ا ع, أو من خلال عقد الكراء وذلك طبق الفصول 727 [25] وما يليها من م ا ع.
والملاحظ أنّ العقارات التي يتوسّط فيها الوكيل العقاري يمكن أن تكون ذات طبيعة تجارية أو حتى مدنية باعتبار وأن عمليّة السمسرة تعدّ بطبيعتها عملا تجاريّا حتى وإن كان النشاط الذي يقوم به الوكيل العقاري هو نشاط مدني متعلّق بعقار له صبغة مدنية.
وهذا الإتّجاه يخالف ما ذهب إليه المشرّع الفرنسي الذي أكّد أنّ العقارات ذات الطبيعة المدنية لم يقع إنشاؤها لكي يقع تداولها [26] كما يمكن أن يقوم الوكيل العقاري بعملية التوسّط في شراء أو بيع أو كراء الأصول التجارية على أن يحترم مقتضيات الفصل 189 و190 [27] من المجلة التجارية وذلك فيما يتعلّق ببيع وشراء الأصول التجارية والفصل 718 من م ا ع الخاص بأحكام معاوضة الأصول التجارية وأخيرا الفصل 230 [28] من المجلة التجاريّة الخاص بكراء الأصول التجارية .
والملاحظ أنّ الوكيل العقاري يمكنه أن يجمع بين صفته كسمسار وصفته كوكيل فيدمج عقد الوكالة بعقد السمسرة, كأن يقع تكليفه بالبحث عن مكترى العقار وفي هذه الصورة لا بدّ وأن يستظهر بتوكيل من الكاري أو المسوّغ الذي يمنحه صلاحية إبرام عقد الكراء عنه وهنا يتجاوز الوكيل العقاري دوره كمجرّد سمسار يسعى إلى تقريب وجهات النظر إلى دور أكثر فاعلية هو البحث عن مكترى لإتمام عقد الكراء.
إلى جانب دوره كسمسار يقوم الوكيل بدوره كمتصرف عقاري (ب).
ب - الوكيل العقاري كمتصرف عقاري:
جاء في الفصل الأوّل فقرة ثانية من قانون 23 جوان 1981 :".... كما يعدّ أيضا وكيلا عقاريا كلµ شخص أو ذات معنوية تتولى على وجه الإحتراف أو بصورة إعتيادية بنيّة الربح: التصرّف في عقارات على ملك الغير".
والمقصود بالتصرّف العقاري الأعمال القانونية التي يبرمها الوكيل العقاري بعد حصوله على تفويض أو توكيل من المالك الأصلي للعقار قصد التصرّف فيه نيابة عنه.
ويخضع الوكيل العقاري القائم بعملية التصرّف العقاري في علاقته مع المالكين لأحكام مجلة الإلتزامات والعقود خاصّة أحكامها المتعلّقة بعقد الوكالة التي عرّفها المشرّع في الفصل 1104 من م اع بأنّها :"عقد
يكلف به شخص شخصا آخر بإجراء عمل جائر في حق المنوب وقد يتعلّق بالتوكيل أيضا حق الموكّل والوكيل والغير أو حق الغير فقط" [29].
وقد أطلق المشرّع على الشخص أو الذات المعنوية التي تقوم بعمليات التصرّف العقاري تسمية النقيب العقاري المحترف وهو الوكيل العقاري الذي يباشر عمليات التصرّف العقاري.
وقد تردّدت هذه التسمية في الفصل 97 [30] جديد من مجلة الحقوق العينية الذي ينصّ على : "تم اختيار رئيس نقابة المالكين وتعويضه عند الاقتضاء، بالأغلبية المنصوص عليها بالفصل 91 من هذه المجلة، وطبق الإجراءات المحددة بنظام الاشتراك في الملكية المشار إليه بالفصل 90 من نفس المجلة. وتضبط مهمته بأحكام هذه المجلة وبنظام الاشتراك في الملكية. وإن لم يتم اختيار رئيس نقابة المالكين أو لم يتم تعويضه عند عزله أو حدوث مانع له، يتعين على رئيس الجماعة المحلية الكائن بدائرتها العقار، بعد توجيه إنذار للمالكين وبقائه بدون مفعول مدة شهر، اتخاذ قرار في تعيين رئيس مؤقت لنقابة المالكين من بينهم أو من غيرهم، لمدة لا تقل عن ستة أشهر تتواصل إلى حد حصول اختيار رئيس للنقابة من قبل المالكين أو من ينوبهم لذلك بالأغلبية المنصوص عليها بالفصل 91 من هذه المجلة. ويتضمن قرار تعيين الرئيس المؤقت لنقابة المالكين عند الاقتضاء تحديد أعمال الإصلاح والترميم والصيانة والتعهد التـي تكتسي صبغة التأكد طبق ما تقتضيه تراتيب الصحة والسلامة والوقاية الجاري بها العمل وكذلك ضبط مقدار المساهمة المالية الواجب على كل شريك أو على من يقوم مقامه كالمتصرف في المحل بوجه التسويغ وغيره دفعها لتغطية هذه المصاريف. وفي حالة تأخّر أو مماطلة أحد المالكين أو المتصرفين المذكورين في دفع الأقساط والمساهمات المحمولة عليه طبق أحكام هذه المجلة ونظام الإشتراك في الملكية، يجوز لرئيس النقابة أن يطالبه بدفع ما تخلد بذمته عن طريق إجراءات الأمر بالدفع وللمتصرف في العقار أن يرجع على المالك بما دفعه في هذا النطاق."
وبمراجعة الفصول 37 و1104 وما يليها من م ا ع والفصل 5 و 10 فقرة ثانية من قانون جوان 1981 يستنتج أنّ الوكيل العقاري ملزم بأن يستدل بتوكيل يمكّنه من الإطلاع بالأنشطة الخاصّة بالتصرّف العقاري هذا إضافة إلى أنّ اشتراط هذا التوكيل من قبل المشرّع ليس إلاّ تأكيدا منه على ضرورة السعي إلى توضيح الإطار القانوني الذي ينظّم هؤلاء الوسطاء المحترفين وذلك من خلال المحافظة على حقوق الموكّل أو المنوب الذي يمكنه القيام بكل أعماله بصفة غير مباشرة باعتبار أنّ هناك من يمثله ويراعي مصالحه [31], أمّا الوكيل فانّ عقد الوكالة هذا يمنحه صلاحية القيام بالتصرّفات القانونية من بيع وشراء وكراء وغيرها وصلاحية التمثيل [32] إلى جانب القيام بأعمال الإصلاح والصيانة الخاصّة بالعقار عوضا عن المالك الأصلي.
بعد التعرّض إلى طرق ممارسة الوكيل العقاري لنشاطه لا بدّ من التطرّق إلى الحقوق المترتبة عن ممارسة هذا النشاط (فقرة ثانية).
· الفقرة الثانية: الحقوق المترتبة عن ممارسة الوكيل العقاري لنشاطه
إنّ الحق في الحصول على الأجرة يعدّ أهم وأوكد حقوق الوكيل العقاري وللخوض في تجلّيات هذا الحق سوف ندرس في (أ) شروط استحقاق الأجرة ثمّ كيفية تحديدها وضمانات استخلاصها في (ب).
أ‌- شروط استحقاق الأجرة:
حتى يتمكن الوكيل من الحصول على اجرته لا بدّ وأن يتحصّل على توكيل خطّي في مرحلة أولى ثم يسعى لإتمام مهمته على الوجه الأكمل.
o الحصول على توكيل خطّي:
لقد أكّد الفصل الخامس فقرة ثانية من قانون 23 جوان 1981 أنّه على الوكيل العقاري الاستظهار بكتب خطّى لممارسة نشاطه, فالتفويض الخطّي يعدّ بمثابة الشرط الأوّلى للممارسة هذا النشاط.
لذلك لا يمكن للوكيل الحصول على أجرته ما لم يكمّل هذه الشكلية ويستظهر بكتب خطّى يثبت أنّه تمّ تكليفه للقيام بمهمته وهو ما أكّدته محكمة التعقيب في عديد القرارات نذكر مثلا قرار عدد 66333 صادر بتاريخ 23 جوان 1998[33] وتتلخّص وقائعه في أنّ وكيلا عقاري كلّف من قبل المالك ببيع عقار وقد اتّفقا على الأجرة والتي حدّدت ب3% من ثمن البيع, وبعد تمام البيع إمتنع البائع عن خلاص الوكيل بدعوى أنّ لا شيء يربطه به وذلك لغياب التوكيل الخطّى.
وقد قدّم الوكيل العقاري دفتر خدماته ليستدل به على إستحقاقه الأجرة لكنّ المحكمة لم تأخذ ذلك بعين الاعتبار لأنّ الفصل الخامس المشار إليه قد أكّد على ضرورة إمساك توكيل خطى.
كذلك نجد القرار ألتعقيبي عدد 59649 الصادر بتاريخ 24 جانفي 1999 [34] الذي تتلخّص وقائعه في أنّ بائع أصل تجاري كلّف وكيلا عقاريا بمهمّة بيعه مقابل 2000 دينار موضوع وصل أعطاه البائع للوكيل وبعد إتمام البيع رفض البائع خلاص الوكيل استنادا لأحكام الفصل 71 من م ا ع المتعلّق بالإثراء بدون سبب, لكن المحكمة لم تساير طلب الوكيل العقاري بدعوى أنّ هذا الأخير لم يتمكّن من إثبات حقّه بدليل قاطع ومقنع.
من خلال هذين القرارين نتبيّن مدى أهميّة الحصول على كتب خطّى, فهذا الإجراء على بساطته يعدّ إجراء هامّا وقاطعا في إثبات حقّ الوكيل العقاري في الحصول على أجرة, إلاّ أنّ هذا الحق لا يتوقّف على مجرّد الإستظهار بكتب بل لا بدّ أن يرافقه حسن أداء الوكيل لمهمته ليتوصّل بأجرته.
o القيام بالمهمة الموكولة له:
لا بدّ في هذا الإطار من الرجوع إلى مقتضيات عقد السمسرة وتحديدا الفصل 617 [35] من م ت فقرة أولى الذي جاء فيه :" لا يستحق أجرة السمسرة إلاّ إذا تمّ على يده إبرام العقد الذي يتوسّط فيه وإذا كان العقد موقوف على شرط تعليقي ولا يستحق السمسار الأجرة إلاّ بعد حصول الشرط."
الملاحظ أنّ الوسيط أو السمسار بصفة عامّة والوكيل العقاري بصفة خاصّة يحمل على أنّه يقوم بمهمّته على أفضل وجه طبق ما يقتضيه واجب النزاهة والأمانة في تنفذ العقود, فيجب أن يكون كلا الطرفين راضين على النتائج التي وصل إليها هذا الوكيل بعد القيام بأعماله وبالتّالي فانّ استحقاقه للأجرة مرتبط بتحقّق هذه النتيجة.
لذلك يسعى الوكيل العقاري إلى البحث في متعاقد متطوّع أو طرف ثاني للتعاقد ويكون هذا الطرف بائعا أو شاريا أو كاريا للعين موضوع التوكيل, الأمر الذي يفترض أن يتمتّع الوكيل العقاري بقدر هام من الحريّة ليقوم بمهامه على الوجه الأكمل ويتّبع أنجع السبل لبلوغ مرامه في أسرع وقت كالإعلانات في الجرائد والمجلات.
وبعد إيجاده للطرف الثاني يجب على الوكيل العقاري أن يربط الصلة بينه وبين موكله حتى يتناقش معه في مختلف أجزاء العقد ليتوّصل لإبرام الكتب النهائي, لذلك يمكن أن يكون العقد معلّقا على شرط وبالتالي لا يستحق الوكيل أجرته إلاّ بعد تحقق هذا الشرط.
وهو ما يمكّننا من القول أن فسخ العقد أو بطلانه بعد قيام الوكيل بمهامه على الوجه الأكمل لا يتوفّر على إستحقاقه الأجرة إلى في حالة ثبوت التغرير أو الخطأ الفادح من جانبه وذلك تطبيقا لمقتضيات الفصل 619 من م ت [36].
ب‌- كيفية تحديد الاجرة وضمانات استخلاصها:
بالرجوع إلى الأحكام الخاصّة بعقد الوكالة وعقد السمسرة نلاحظ أن تحديد قيمة الأجرة التي يستحقّها الوسيط يمكن أن تكون اتفاقية أو قانونية.
وفي الواقع فإنّ المعاملات في هذا الميدان قد وجدت قبل صدور قانون 1981, إذ درجت العادة على اعتماد نسبة مائوية معينة تخصم من قيمة العقار المبيع مثلا [37] وهي نفس الطريقة المعتمدة من قبل المجالس النقابية وبالتحديد الإتحاد التونسي للصناعة والتجارة.
ولقد شهدت هذه الوضعية تغيّرا واضحا منذ إصدار الأمر المؤرخ في 29 جويلية 1991 والخاص بالمنافسة والأسعار خاصّة في فصله الثامن الذي أكّد على حريّة تحديد الثمن في الإطار التعاقدي وبذلك يخرج الوكيل العقاري عن القائمة المستثناة من الحريّة في تحديد الأثمان [38] المدرجة بالفصل 3 من أمر
23 ديسمبر 1991, وهذا المنهج يفسر بالإنفتاح على العولمة وإنخراط الدولة في النظام الإقتصادي الجديد وتبنّي نظريّة إقتصاد السوق, وبذلك فإنّ الخواص هم الذين يحدّدون الثمن تحت شعار المنافسة.
إلاّ أنّ ذلك لم يمنع المشرّع من وضع بعض القيود على الخواص في محاولة لخلق نوع من التوازن بين مصلحة الوكلاء العقاريين بوصفهم تجّار من جهة ومصلحة الحرفاء من جهة ثانية وذلك من خلال مقتضيات الفصول 22-25 من قانون 29 جويلية 1991 [39] المتعلّق بالمنافسة والأسعار والفصل 13 من قانون 7 نوفمبر 1992 الذي ينصّ على أنّ الوكيل العقاري أو الشخص المختصّ مطالب بإعلام حرفائه بالأسعار التي يعمل بها.
وفي غياب إتّفاق صريح بين الأطراف على تحديد قيمة الأجرة أو في حالة وجود صعوبة في تحديدها يكون مرجع النظر إلى المحكمة التي تعهد لها مهمّة تحديد قيمة الأتعاب وذلك بعد أن تأخذ المحكمة بعين الإعتبار الصعوبات التي تعرّض إليها الوكيل أثناء ممارسة نشاطه والجهد المبذول من طرفه لبلوغه غايته مع ما يشمل ذلك من مصاريف.
ويمكن في هذا الإطار الإستئناس بالفصل 621 من م ت [40] الذي ينصّ على: " إذا لم يعيّن مقدار أجرة السمسار إتّفاقا أو عرضا عيّنه المجلس حسب ما يراه أهل الخبرة باعتماد ما هو جار في أمثال تلك المعاملة مع اعتبار أحوالها الخاصّة."
ويجب التأكيد في هذا الإطار أن الأجرة وإن كانت خاضعة لإرادة الأطراف فإنّ العمليات الخاصّة بالوكالة العقّارية تخضع للرقابة الإدارية إذ جاء بالفصل 7 من قانون 23 جوان 1981 أنّه: " يضبط تأجير.... الخدمات التي يقوم بها الوكيل العقاري وكذلك طرق دفعها بقرار من وزير الإقتصاد الوطني"
وقد جاء بالفصل 620 من المجلة التجارية أنّه :"و إن لم يكن هناك عرف أو إتّفاق كانت أجرة السمسار على من كلّفه."
وبالتالي فالشخص الذي أعطى توكيلا للوكيل العقاري هو الملزم بخلاصه وهو ما تؤكّده عبارات الفصل 1142 من م ا ع التي ينصّ على :" على الموكل الوفاء بما يلي: أوّلا: ترجيع ما صرفه الوكيل وما سبّقه من ماله للوازم الوكالة الضرورية ودفع ما يستحقه من الأجر وإذا كان مأجورا بدون إلتفات إلى نتيجة النازلة إلاّ إذا كان هناك تعنّت أو تقصير من الوكيل."
لكنّ السؤال الذي يطرح في هذا الإطار ما هي الضمانات القانونية لإستخلاص الأجرة؟
يعتبر أهمّ ضمان لإستخلاص أجرة الوكيل هو الإستفادة من حقّه في الحبس.
بدء وتطبيقا لصفته كوكيل اقتضى الفصل 1147 من م ا ع أنّه:" للوكيل العقاري حبس ما وجّهه الموكل أو سلّمه إليه من سلع أو غيرها من المنقولات لإستفاء ما يستحقه بالوجوه المبينة في الفصل 1142 المتقدّم"
الأمر الذي يحيلنا على الفصل 309 من م ا ع الخاص بحق الحبس الذي جاء فيه :" حق الحبس هو الحق في حوز الشيء الذي يملكه المدين حتى يؤدّى ما عليه للدائن ولايجري العمل به إلاّ في الأحوال التي خصّصها القانون"
ويستشف من هذا الفصل أن للوكيل حق حبس الأشياء الراجعة للملتزم بأداء الأجرة إذا لم يقم بدفعها له على أنّه يكون الأوّل قد استوفى كلّ الشروط القانونية الخاصّة باستحقاق الأجرة التي سبق الإلماع إليها أعلاه والملاحظ أنّ حق الحبس المخوّل للوكيل في القانون التونسي لم يقع تكريسه في القانون الفرنسي.
إنّ جملة الحقوق التي يتمتّع بها الوكيل توازيها بالمقابل جملة من الإلتزامات والواجبات التي إن لم يؤدها طبق ما اقتضاه القانون قامت مسؤوليته.
§ الفرع الثاني: مسؤولية الوكيل العقاري أثناء ممارسته لنشاطه:
ترافق مهنة الوكيل العقاري جملة من الإلتزامات القانونية التي يجب أن يتقيّد بها في معاملاته مع حرفائه, لذلك فإنّ مسؤوليته من الناحية القانونية تحدّد بمدى إحترام الوكيل لهذه الإلتزامات التي بغيابها تقوم مسؤوليته سواء كانت مدنية أو جزائية.
لذلك سنتعرّف في هذا الجزء من الموضوع إلى تحديد التزامات الوكيل في ( فقرة أولى) لنحدّد مسؤوليته المدنية أو الجزائية كجزاء لإخلاله بالتزاماته ( في فقرة ثانية).
· فقرة أولى: تحديد التزامات الوكيل العقاري:
يمكن أن نقسّم إلتزامات الوكيل العقاري إلى إلتزامات عامّة (أ) وأخرى (ب).
أ‌- الإلتزامات العامّة:
ينصّ الفصل 10 من قانون 23 جوان1981 [41] أنّه: " يباشر الوكيل العقاري مهنته طبقا لمقتضيات المجلة التجارية وخاصّة لأحكامها المتعلّقة بعقد السمسرة".
كما جاء بالفصل 610 من المجلة التجارية [42] :" على السمسار إذا كان مستخدما لأحد الطرفين أن يشخّص لهما القضايا بإحكام ودقّة وصدق وأن يعلمهما بجميع الأحوال المتعلّقة بالقضية ويكون مسؤولا لكليهما بما ينشأ من تدليسه وخطئه"
من خلال الفصلين المذكورين يخضع الوكيل العقاري في ممارسة نشاطه إلى عقد العامّة المتعلّقة به.
ومن أهم القواعد القانونية هو الإلتزام بتنفيذ العقود بحسن نيّة, إتزاما بمقتضات الفصل 243 من م ا ع [43] الذي ينصّ على أنّه:" يجب الوفاء بالإلتزامات مع تمام الأمانة ولا يلزم ما صرّح به فقط بل يلزم كلّ ماترتّب على الإلتزام من حيث القانون أوالعرف أو الإتّفاق حسب طبيعته"
وقد وقع تكريس مبدأ حسن النيّة في الفصل 558 من م ا ع, كما عرّفه الفقهاء [44] من خلال ثلاث أبعاد: فاعتبر أنّه السلوك المطابق للنزاهة والشفافية في المعاملات القانونية وهو يضفي على هذا المفهوم بعدا أخلاقيا واجتماعيا.
كما عرّف بالجهل بالعيوب وهو ما نصّ عليه الفصل 44 من م ح ع [45] :" الحائر بشبهة هو الحائز بوجه لا يعلم عيبه ".
وأخيرا عرّف حسن النية من خلال نظيره سوء النية باعتبارهما وجهان لعملة واحدة.
يستخلص ممّا سلف أن حسن النيّة كمبدأ قانوني عام يجب أن يرافق تصرّفات الوكيل العقاري بوصفه سمسارا يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين حريفه والمشتري أو كذلك بوصفه متصرّفا عقاريّا ووكيلا عن الشخص الذي أوكل له مهمّة بيع أو كراء أصوله, ففي كلّ الحالات عليه أن يسعى إلى تنفيذ مهامه طبق ما يمليه عليه واجب النزاهة والشفافية في المعاملات فيسعى للقيام بواجبه على الوجه الأكمل وأن يتحلّى بالحرص واليقظة ويحاول الإسترشاد والإستعلام عن كلّ العمليات التي يزمع القيام بها في حق موكّله ومعياره في ذلك معيار الرجل الحريص, كما أنّ الوكيل مطالب بالحرص على المعلومات اللاّزمة والدقيقة حول الأشياء موضوع العقد المراد إبرامه ولا يخفي العيوب التي على علم بها والتي قد تؤثّر في حقّه وسلامة العقد مثال ذلك عدم أهلية حريفه.
على أنّ واجب التحلّي بحسن النيّة وواجب الإعلام والإسترشاد المحمول على الوكيل العقاري يعدّ من الإلتزامات ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة, فيكفي أن يستشفّ القاضي من الوقائع والملابسات اللاّزمة لحريفه أو المتعاقدين حتّى يعفى من المسؤولية إلى جانب الالتزام بحسن النيّة فانّ الوكيل العقاري سواء كان وسيطا أو متصرّفا عقاريّا هو مطالب حسب مقتضيات الفصل الخامس من قانون 23 جوان 1981 بأن :" ..... يباشر نشاطه في محلّ معدّ لذلك بعد موافقة وزير الاقتصاد الوطني على مكان المحلّ."
وهو شرط يؤكّد على رغبة المشرّع في حماية الحرفاء من الحوادث المتوقّعة عندما يكون المقرّ غير مؤهّل أو في مكان خطر, لذلك فانّ اختيار مكان ممارسة النشاط يخضع لرقابة إدارية.
كما يخضع الوكيل العقاري القائم بعمليات التصرّف العقاري إلى مقتضيات المجلّة التجاريّة وخاصّة لأحكامها المتعلّقة بعقد السمسرة وبالرجوع إلى القواعد المنظّمة لهذا العقد نلاحظ أن الإلتزامات العامّة لكلّ وكيل تتلخّص أساسا في الالتزام بتنفيذ الوكالة من جهة وإلتزامه بمحاسبة موكّله من جهة ثانية.
فيما يتعلّق بالتزامه بتنفيذ الوكالة فانّه ملزم بتنفيذ التزامه بحسن نيّة كما أنّه ملزم بإعلام موكّله وتوجيهه, إذ جاء بالفصل 1134 من م.ا.ع :" على الوكيل إعلام موكله بجميع ما من شأنه أن يحمل الموكّل على تأخيره عن الوكالة أو تفسير شروطها".
إضافة إلى ضرورة التقيّد بمقتضيات الفصول 1131 [46]و 1133 [47] من نفس المجلّة وذلك في حدود وكالتة سواء كانت الوكالة عامّة أو وكالة خاصّة, ولا يمكننا أن نخفي أو نتجاهل في هذا الإطار مخاطر الوكالة العامّة أكثر من الوكالة الخاصّة باعتبار وأنّه في الأولى يكون للوكيل الحق أو السلطة العامّة لإدارة كافّة مشاريع موكّله وبالتالي فهو ملزم بالقيام بكافّة الشؤون الإداريّة لعقارات موكّله.
لكن الملاحظ أنّ الوكالة العامّة لا تمكّن الوكيل من ممارسة بعض الأعمال التي اشترط فيها المشرّع ضرورة تأكيدها من قبل الوكيل أو التنصيص عليها بشرط صحيح من قبل الموكّل للوكيل التزاما بمقتضيات الفصل 1120 من م ا ع الذي ينصّ على:" الوكـيل المـفـوض مهما أطلقت يده ليس له أن يفعل ما يأتي إلا بنص صريح : وهو توجيه اليمين القاطعة للنزاع والإقرار لدى حاكم والمدافعة في أصل الدعوى وقبول حكم أو الإسقاط فيه والصلح والتحكيم والإبراء من دين وتفويت عقار أو حق عقاري وجعل رهن عليهما وفسخ رهن لموكله على الغير ورهن منقول والتسليم في توثقة إلا بخلاص الدين والتبرع وبيع محل تجارة بما فيه أو شراؤه والشروع في تصفيته وعقد شركة. كلّ ذلك ما لم ينصّ القانون على خلافه."
إذن فالوكيل العقاري مطالب بالرجوع إلى موكّله في كلّ ما يفعله في وكالته سواء كانت عامّة أو خاصّة وبالتالي الخضوع إلى مقتضيات الفصول 1135 [48] و 1136 [49] خاصّة بالنسبة للوكيل المأجور.
زد على ذلك فانّ الفصل 5 من قانون 23 جوان 1981 أكّد على ضرورة إمساك الوكيل لدفاتر تواكيل بالنسبة إلى كلا النوعين من الأنشطة التي يقوم بها الوكيل بوصفه متصرّفا عقّاريا أو وسيطا.
إلى جانب الإلتزامات العامّة نجد الإلتزامات الخاصّة بالوكلاء العقاريين [50].
ب- الإلتزامات الخاصّة:
يعتبر الوكيل العقاري القائم بعمليّة السمسرة ملزما بالقيام بعمليات الإعلام عند قيامه بالتوسّط للأشياء التي لديه ورفض المبالغ المالية الغير مخوّلة له قانونا وبعدم إمتلاك الأشياء الموضوعة تحت تصرّفه.
o التزامه بالقيام بعمليات الإشهار اللاّزمة:
يقوم الوكيل العقاري بتقديم عروض وإعلانات في الجرائد والمجلاّت و ذلك للتقريب بين حريفه والمتعاقدين معه وقد جاء بالفصل السادس من قانون 23 جوان 1981 :" تخضع العروض والطلبات
المتعلّقة بعمليات المبيّنة بالفقرة الأولى من الفصل الأوّل للإشهار بواسطة التعليق في محلّ عمل الوكيل العقاري وذلك في أجل لا يتجاوز 24 ساعة من تلقيها وتضبط كيفية التعليق بقرار من وزير الإقتصاد الوطني."
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الإشهار يهدف إلى تسهيل إعلام العامّة بتلك العمليّة كما أنّه بالرجوع إلى مقتضيات القرار الصادر عن وزارة الإقتصاد الوطني في 23 أوت 1983 والذي يحدّد أمثلة من دفاتر التواكيل ودفاتر الخدمات العقارية لتواكيل السمسرة نلاحظ أن الإدارة أعطت أكثر أهميّة لعمل الوكيل العقاري وحددته أكثر وذلك لأنّه وطبقا لمقتضيات الفصل 2 من القرار السابق الذكر فالوكيل ملزم في ظرف 24 ساعة من تسلّمه نشاطه بشان عقار معيّن بان يعلّق عروضا داخل وكالته العقّارية وفي مدخلها وفي مكان يكون واضحا للعيان.
هذا إضافة إلى أنّ المشرّع قد أرفق هذا الشرط بعدّة شروط تكميلية أخرى تضمنها الفصل 3 من القرار الصادر عن وزارة الإقتصاد [51] وتتمثّل خاصّة أنّ هذا العرض يجب أن يكون مكتوبا بالإعلامية ويحمل رقم التوكيل ونوعيّة العرض إن كان بيعا أو كراء مثلا, ولعلّ هذه الإشكاليات تؤكّد رغبة المشرّع في الحفاظ على مصلحة الحرفاء [52] .
o الإلتزام برفض الوصولات الغير مخوّلة له قانونا:
إنطلاقا من الفصل الثامن فقرة 1 من قانون 1981 والذي جاء فيه: " باستثناء ما ورد بأحكام الفصل السابق يمنع على الوكيل العقاري أن يسلّم بأي عنوان كان مبالغ ماليّة أو سندات أو غيرها من القيم يتعلّق بالعمليات التي يساهم في تحقيقها والمبيّنة بالفقرة الأولى من الفصل الأوّل من هذا القانون".
ولا يمكن للوكيل العقاري الوسيط تحت أي ظرف أن يسلّم ثمن مبيع كان محور عمليّة وذلك بعد إتمام عقد البيع لأنّ هذا التسليم هو من إختصاص من البائع وحده.
لكن في الواقع نلاحظ وجود عدّة حالات يقوم فيها الوكيل العقاري الوسيط بتسلّم مبالغ مالية حتى وإن كانت تسبقة فقط أو كافّة المبالغ وذلك حتى قبل نهاية العقد [53] .
o التزامه بعدم امتلاك الأشياء التي تحت تصرّفه:
جاء بالفصل 9 من قانون 23 جوان 1981 " يمنع على الوكيل العقاري أن يمتلك بنفسه أو بواسطة غيره العقارات التي كلّف بأن يجرى في شأنها العمليات المنصوص بالفقرة الأولى من القانون وكلّ إمتلاك بهذه الكيفية يعدّ باطلا بطلانا مطلقا ويعتبر بواسطة حسب مفهوم هذا الفصل الخروج والأصول والفروع"
ومن خلال إقرار المشرّع لجزاء البطلان المطلق يتبيّن مدى أهميّة الحماية التي يوفّرها للحريف ومن تعدّي الوسطاء على حقوقه حتى وإن تجاوزهم إلى أزواجهم وأصولهم وفروعهم.
أمّا بالنسبة للمتصرّف العقاري فانّه بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 8 فقرة 2 من قانون 23 جوان 1981 فانّه ملزم أثناء ممارسة نشاطه بأن يودع الأموال المتأتية من عمليات التصرّف العقاري بحساب بنكي أو بريدي خاصّ سمي " بحساب التصرّف العقاري".
هذا الإلتزام ليس إلاّ تعبيرا عن التوجّه الحمائي للمشرع لفائدة الحريف تجاه المتصرّف العقاري, حيث لا يمتلك هذا الأخير أي حريّة في التصرّف في العائدات التي تسلمها من عمليات التصرّف العقاري سوى ايدعها بحساب التصرّف العقاري, كما لا يمكن اعتبار هذا الحساب حسابا بنكيا جاريا باعتبار وأنّ الفصل المشار إليه آنفا أكّد على ضرورة توفّر حساب بنكي أو بريدي.
إن إخلال الوكيل العقاري بهذه الإلتزامات يمكن أن يكون سببا قانونيا لقيام مسؤوليته مدنيا وجزائيا.
· فقرة ثانية قيام مسؤولية الوكيل العقاري:
يخضع الوكيل العقاري أثناء ممارسته لنشاطه إلى جملة من القواعد القانونية فهو ملتزم بإحترام القانونية العامّة وإحترام مقتضيات قانون 23 جوان 1981 إلاّ أنّه وفي صورة عدم إحترامه لإلتزاماته تتكوّن مسؤوليته التي يمكن أن تكون مدنية (أ) أو جزائية (ب).
أ‌- المسؤولية المدنية للوكيل العقاري:
يمكن أن تكون مسؤولية الوكيل العقاري إمّا مسؤولية مدنية أو تقصيرية.
o بالنسبة للمسؤولية المدنية:
فانّها تنشأ من خلال خرقه للإلتزماته السابق الإشارة إليها, كما أنّه بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 1131 من م.ا.ع الذي جاء فيه: " على الوكيل العقاري القيام بما وكّل عليه بغاية الإعتناء والتثبت وهو مسؤول بالخسارة الناشئة لموكّله عن تقصيره كما لو خالف وكالته اختيارا أو خالف الإرشادات الخصوصية الصادرة له من موكله أو فرّط فيما أعتيد من معاملات"
هذا بالإضافة إلى أنّ الفصل الخامس من قانون 1981 الذي يلزم العقاري بضرورة استحضار توكيل عند قيامه بنشاطه بالرغم من أن الفصل 10 فقرة 2 قد خصّ عقد الوكالة بالوكيل العقاري القائم بمهنة المتصرّف العقاري.
كما يمكن اعتبار أنّ وكالة الوكيل العقاري هي وكالة مأجور, لذلك فان المسؤولية الناجمة عنها تكون أكثر تشدّدا وذلك طبقا لمقتضيات الفصل 1132 من م.ا.ع والذي ينصّ على:" الضمان المقرر في الفصل السابق يشدّد حكمه في صورتين ...... إذا كان الوكيل مأجورا..."
ولقيام المسؤولية التعاقديّة للوكيل العقاري لا بدّ من إثبات توفّر الخطأ ثمّ الضرر ثمّ العلاقة السببيّة الرابطة بينهما.
بالنسبة للخطأ فقد أكّد الفصل الخامس من قانون 1981 على ضرورة استدلال الوكيل بكتب خطّي في نظيرين نسخة أولى عند الوكيل وأخرى عند الموكّل وفرض هذه الشكلية يؤكّد رغبة المشرّع في حماية
الحريف من جهة وإثبات مسؤولية الوكيل من جهة أخرى [54] فيما يخصّ الضرر, فيجب أن يكون الضرر مباشرا ومؤكدا و مقدّرا, كما يجب على المتضرر إثبات وجود علاقة سببية بين الخطأ والضرر أي أن يثبت أنّ الوكيل تسبّب بخطئه المتمثل في إخلاله بالتزامه ف وقوع ضرر ناجم عن ذلك الخطأ.
ويدخل في هذا الإطار مسألة تغرير الوكيل بموكّله, فقد أكّد الفصل 610 من م.ت أنّ الوسيط يكون مسؤولا تجاه طرفي العقد في هذه الحالة إذ يشجّعه على التعاقد رغم علمه المسبّق بعدم جواز التعاقد في ذلك الشيء أو أن يكون على علم بإنعدام أهلية معاقد موكّله وسكوته رغم ذلك.
ولتجنّب وقوع مثل هذا الخطأ على الوكيل العقاري أن يقوم بإعلام موكله بكلّ التفاصيل المتعلّقة بالعقار موضوع التعاقد أو أهلية معاقده وفي هذه الصورة إذا ثبت أن خطأ الوكيل كان خطأ متعمّدا وقصديّا, فلا يمكن إعفاءه من المسؤولية تطبيقا لمقتضيات الفصل 244 من م .ا.ع الذي جاء فيه:" لا يسوغ لعاقد أن يشترط عدم إلزامه بما ينتج عن خطئه الفاحش أو تعمّده."
كما يمكن الإشارة إلى أنّ تقصير الوكيل العقاري أو تهاونه في أداء واجبه يقيم مسؤولية مدنية ويكون مسؤولا عن كلّ ما ينشأ من خسارة من جرّاء ذلك.
إذ جاء بالفصل 1131 من م. ا.ع :" على الوكيل القيام بما وكّل به بغاية الإعتناء والتثبّت وهو مسؤولا عن الخسارة الناشئة لموكّله وعن تقصيره كما لو خالف وكالته اختيارا أو خلاف الإرشادات الخصوصية الصادرة له من موكّله أو فرّط فيما أعتيد من معاملات".
إذن فكلّ تقصير من الوكيل في القيام بمهامه والتغرير يقيم مسؤوليته القانونية إمّا طبق قانون جوان 1981 أو طبق أحكام المجلة التجارية أو مقتضيات الفصل 1132 من م.ا.ع.
o بالنسبة للمسؤولية التقصيرية:
فيمكن إثارتها من خلال الفصول العامّة لمجلّة الإلتزامات والعقود خاصّة الفصلين 82-83, كما يمكن ايضا العودة إلى الفصل 610 من م ت الخاصّ بعقد السمسرة والذي ينصّ :" على السمسار إذا كان مستخدما لأحد الطرفين أن يشخّص لهما القضايا بإحكام ودقّة وصدق وأن يعلمهما بجميع الأحوال المعلّقة بالقضية ويكون مسؤولا لكليهما بما نشأ عن تدليسه وخطئه".
إذا نفترض هذه المسؤولية أيضا قيام أركانها ونقصد بذلك توفّر الخطأ الذي يمكن أن يكون قصديّا ( الفصل 82) أو غير قصدي ( الفصل 83) كأن يسعى الوكيل لإخفاء عدم أهلية موكله في التصرّف أو أن يكون مسؤولا في حالة وقع حادث لأجنبي داخل الوكالة العقارية إلى جانب ثبوت الخطأ لا بدّ من حصول الضرر وإثبات وجود العلاقة السببية بينهما.
يمكن أن يكون الوكيل إلى جانب مسؤوليته المدنية مسؤولا من الناحية الجزائية كنتيجة لعدم إحترامه لإلتزاماته المحمولة عليه قانونا.
ب‌- المسؤولية الجزائية للوكيل العقاري:
يمكن للوكيل العقاري أثناء ممارسته لنشاطه أن يرتكب بعض الأخطاء قد تصل في بعض الأحيان إلى حدّ مساءلته من الناحية الجزائية والتي تختلف باختلاف الخطأ المرتكب أو بجسامته, على أنّها تنفرد بنظام خاص بها.
طبيعة التجاوزات المرتكبة من الوكيل العقاري :
يمكن للوكيل العقاري أثناء ممارسة نشاطه القيام ببعض التصرّفات أو التجاوزات التي تطبّق عليها القواعد العامّة لمجلة الإجراءات الجزائية لذلك يمكن تكييفها على أنّها جرائم عامّة, في حين أنّ القانون المنظّم لمهنة الوكيل العقاري وتقصد به قانون 23 جوان 1981 قد خصّ الوكيل بعقاب محدّد في صورة إرتكابه لبعض المخالفات المنصوص عليها بالقانون السابق الإشارة إليه.
إذا أساء الوكيل العقاري للتوكيل الممنوح إليه وأضرّ بحقوق موكّله فهنا يكون قد إرتكب جريمة خيانة المؤتمن المنصوص عليها بالفصل 297 من م.ج الذي جاء فيه:" يعاقب بالسجن مدة ثلاثة أعوام وبخطية قدرها ألف فرنك الإنسان الذي يختلس أو يتلف أو يحاول أن يختلس أو يتلف سندات أو نقودا أو سلعا أو رقاعا أو تواصل أو غير ذلك من المكاتيب المتضمنة للالتزام أو الإبراء أو القاضية بهما لم تسلم له إلا على وجه الكراء أو الوديعة أو الوكالة أو التوثقة أو الإعارة أو لأجل عمل معين بإجراء أو بدونه بشرط إرجاعها أو إحضارها أو استعمالها في أمر معين، قاصدا بذلك الإضرار بأربابها أو المتصرفين فيها أو من هي بأيديهم، ويكون السجن مدة عشرة أعوام إذا كان المجرم وكيلا أو مستخدما أو خادما أو أجير يومه لصاحب الشيء المختلس أو وليا وصيا أو ناظرا أو مقدما أو مؤتمنا أو مديرا عدليا أو مديرا لوقف أو مستخدما به ."
ولا بدّ من الإشارة في البدء أنّ الوكيل العقاري يخضع إلى مقتضيات الفصول 1135وما يليها من م.ا.ع وكذلك إلى الفصل 8[55] فقرة 2 من قانون 23 جوان 1981 والذي يحدّد فيه التزام الوكيل بتسليم أصول الحجج والوثائق التي حصل عليها للقيام بعملية التصرّف.
ومن خلال ذلك يمكن استخلاص نتيجة هامّة وهو أنّ الوكيل العقاري معفى طبق ما سلف بمقتضيات الفصل 297 م.ج, أي انّه إذا ما ثبت من الوقائع الماديّة أن الوكيل تعمّد إتلاف أصول موكليه أو إمتنع عن تسليمها دون مبرّر أو إستعملها لحسابه الخاصّ ويكون ذلك عن قصد وتعمّد بنيّة الإضرار بموكليه وعلمه أنّ ما اقترفه يشكّل جريمة في حقّه وإعتداء على حق يحميه القانون, في هذه الصورة تنطبق أحكام الفصل 297من م.ج لتوفّر اركانها المادية والمعنوية, إلى جانب خيانة الأمانة التي تعدّ جريمة عامّة, نجد أن قانون 23 جوان 1981 قد نصّ على بعض المخالفات التي يرتكبها الوكيل أثناء ممارسته نشاطه وهي كالآتي:
- ممارسة النشاط دون الحصول على بطاقة مهنية أو دون موافقة وزير الإقتصاد الوطني, إذ نصّ الفصل 16 من قانون 1981 على أن:" كلّ مخالفة لأحكام الفصل الثاني من هذا القانون يترتّب عنها غلق المحلّ ويعاقب مرتكبها بخطيّة من ثلاثمائة إلى ثلاث آلاف دينار وبالسجن من شهر إلى ستة اشهر أو باحدى العقوبتين..."
- حالة ممارسة النشاط بدون إمساك الوثائق الخاصّة بالعمل, وبالرجوع إلى الفصل 17 من القانون المذكور أعلاه نرى أنّ: " كلّ إخلال بإحدى الواجبات المنصوص عليها بالفصلين الخامس و السادس من هذا القانون يترتّب عليه الغلق الوقتي أو النهائي للمحلّ يعاقب مرتكبها بخطيّة من مائتين إلى ألف دينار وبالسجن من ستة عشرة يوما إلى شهرين أو بإحدى العقوبتين"
وفي نفس هذا الإطار يعاقب بما نصّ عليه هذا الفصل مالا يستجيب للفصل 5 من نفس القانون ويمكن حصر هذه الوثائق المهنية في:
التوكيل الخطّي/ دفتر الخدمات/ دفتر التواكيل ....
ويجب على الوكيل العقاري أن يحسن إستخدام هذه الوثائق حسب الصيغ المنصوص عليها ضمن هذا الفصل وذلك حتى يتجنّب المسؤولية ولا يكون عرضة للتتبع.
- ممارسة الوكيل لنشاطه دون احترام قواعد الإشهار:
يمكن أن تقوم مسؤولية الوكيل العقاري الذي لم يحترم قواعد الإشهار حيث [56] " تخضع العروض والطلبات المتعلّقة بالعمليات المبنية بالفقرة الأولى من الفصل الأوّل للإشهار بواسطة التعليق في محلّ عمل الوكيل العقاري وذلك في أجل لا يتجاوز 24 ساعة من تلقّيها وتضبط كيفية التعليق بقرار من وزير الاقتصاد الوطني"
- تسلّم الوكيل العقاري لأصول وأموال ليس له الحق فيها قانونا:
تطبيقا للفصل 18 من قانون 23 جوان 1981 فانّ الوكيل العقاري القائم بعمليات التصرّف العقاري يكون عرضة للتتبعات الجزائية إذا لم يقم بإيداع الأموال التي تسلّمها بمناسبة نشاطه بحساب بنكي أو بريدي يسمى بحساب التصرّف العقاري.
- حالة امتلاك الوكيل للعقارات التي في تصرّفه:
تطبيقا لمقتضيات الفصل 18 فالوكيل العقاري القائم بعملية التوسّط والذي لا يحترم مقتضيات الفصول 8-9 من قانون 1981, يكون محلّ تتبع جزائي ويكون الجزاء المدني هو البطلان المطلق.
- تطبيق الوكيل لنظرية الثمن الصوري:
جاء بالفصل 15 من قانون 1981 أن" كلّ خدمة ادّاها الوكيل العقاري مقابل أجرة فوق الأجرة القانونية تعدّ عملية بيع بأسعار غير قانونية حسب مفهوم الفقرة الأولى من الفصل الثاني عشر من القانون عدد 26 لسنة 1970 المؤرخ في 19 فيفري 1970 والمتعلّق بإجراءات ضبط الأسعار وزجر المخالفات في المادّة الاقتصادية."
لكن القانون الصادر في 29 جويلية 1991 الذي نظّم المنافسة والأسعار’ أعفى في فصله 7 الوكيل من المسؤولية الجزائية جرّاء الثمن الصوري.
o خصوصية نظام التتبّع:
إنّ خصوصية المخالفات التي يرتكبها الوكيل العقاري, فرضت منح صلاحيات واسعة واستثنائية للإدارة, الأمر الذي قد ينشأ عنها عقوبات قد تضرّ بالوسيط, فتطبيقا لمقتضيات الفصل 19 من القانون
المنظّم لمهنة الوكيل العقاري والذي ينصّ على :" يقع معاينة المخالفات المنصوص عليها بهذا القانون والنصوص المتّخذة لتطبيقه بمقتضى محاضر يحرّرها الأعوان الآتي ذكرهم:
- أعوان المراقبة الإقتصادية.
- أعوان الضابطة العدلية.
- كل شخص محلّف ومكلّف خصيصا بهذا الغرض يعيّنه وزير الاقتصاد الوطني.
تحال المحاضر على وزير الإقتصاد الوطني الذي يتولّى توجيهها إلى المحكمة ذات النظر بإستثناء الحالات التي يقرّر فيها الوزير حفظ القضية أو قيام بصلح مع الوكيل العقاري المخالف."
يستشفّ في هذا الفصل الدور الهام والإستثنائي الذي تلعبه الإدارة بالمقارنة مع القواعد العامّة للمجلة الجنائيّة وذلك من خلال منح الإدارة دورا كبيرا في عملية مراقبة المخالفات التي قد يرتكبها الوسيط أثناء ممارسته لنشاطه وذلك لأنّ المشرّع نصّ على ضرورة إيجاد شخص مختصّ ويحمل عادة تسمية عون مراقبة اقتصادية أو كل شخص محلّف ومكلّف خصيصا بهذا الغرض ويعيّنه وزير الاقتصاد الوطني.
كما يلعب أعوان الضابطة العدلية دورا هامّا في مراقبة الوكلاء العقاريين وحصر المخالفات المرتكبة من جانبهم ولهم صلاحية طلب الوثائق اللاّزمة من الوكيل والتي تساعدهم على أداء نشاطهم ويقوم هؤولاء الأعوان بكتابة محاضر مرفوقة بكلّ الوثائق اللاّزمة و الضرورية لإثبات وجود المخالفات, وبعد تحرير هذه المحاضر يقوم هؤلاء الأعوان باحاتها على وزير الاقتصاد الوطني الذي يتّخذ قرارا فوديا إمّا بحفظ القضية أو يوجهها إلى المحكمة ذات النظر, على أنّه وفي كلّ الحالات لا بدّ من إحترام مقتضيات الفصلين 2 و 10 من م .ا.ج [57].
وفي الأخير نلاحظ أن الفصل 19 السابق الإشارة إليه والفصل 59 [58] وما يليه من قانون 29 جويلية 1991 منح إمكانية إبرام الصلح مع وزارة التجارة.
وهذه صلاحية الواسعة للإدارة تبررها ضروريات اقتصادية وواقعية, ذلك أنّ الصلح هو آلية هامّة لفضّ النزاعات بطرق وديّة من جهة وهو أيضا مصدر هام للمداخيل بالنسبة للوزارة باعتبار وأنّه تتمّ تخطئة المخالف وتغريمه بمبالغ مالية.
وهنا نتساءل عن مدى أهميّة مصلحة الحريف المتضرّر من تجاوزات الوكيل العقاري باعتبار وأنّ الصلح مع الإدارة سينهى التتبّع.
لا بدّ من الإشارة في الأخير إلى أنّه وانطلاقا من قانون 23 جوان 1981 وقانون 29 جويلية 1991 فان العقوبات التي قد تلحق الوكيل العقاري تتراوح بين السجن الذي يمكن أن يصل إلى سنة أو خطايا مالية كما يمكن أن يحكم بالعقوبتين معا أي بالسجن والخطيّة.
إلى جانب العقوبات الأصلية نجد العقوبات التكميلية التي تبقى رهينة إجتهاد القاضي الذي يكون حرّا في إتّخاذها من عدمه ومن بين هذه العقوبات التكميلية نجد إغلاق الوكالة العقارية إمّا وقتيا أو بصفة نهائية وتدخل هذه العقوبات في اطار المحافظة على النظام العام الاقتصادي الذي يسعى إلى حماية الطرف الضعيف في العقد لإضفاء نوع من التوازن على العلاقات.
الخاتمة
إنّ الدارس لطبيعة نشاط الوكيل العقاري يقف على سمة أساسية هي أنّ هذه المهنة قد تجاوزت النظرة الضيقة التي حصرها المجتمع في شخص الوكيل العقاري من أنّه سمسار يأخذ من هذا وذاك لنيل عمولة وتحقيق ربح.
فالمشرّع من خلال قانون 23جوان 1981 المنظّم لهذه المهنة سعى لرسم ملامح مؤسسة الوكيل العقاري وذلك من خلال التعرّض لإلتزاماته وحقوقه بصفة دقيقة, كما أكّد على ضرورة تحمّل تبعات هذا الإلتزام من خلال قيام مسؤوليته المدنية أو الجزائية في صروة تقصيره في إنجاز ما أوكل إليه.
إلى جانب قانون 23 جوان 1981 فقد نظّم المشرّع مهنة الوكيل العقاري من خلال النصوص العامّة في مجلّة الإلتزامات والعقود وكذلك المجلّة التجاريّة أو كذلك من خلال بعض القوانين الأخرى.
ما يلفت الإنتباه أنّ كثرة النصوص قانونية تؤكّد على أهميّة الدور الذي يضطلع به الوكيل العقاري في الحياة الإقتصادية, كما سعى المشرّع من خلال هذه النصوص إلى حماية الأطراف المتعاملين مع الوكلاء العقاريين وتحقيق نوع من التوازن في هذه العلاقات.
لكن في المقابل فانّ كثرة إلتزامات الوكيل العقاري جعلت الكثيرين يحجمون على الإنخراط في هذا السلك بصفة قانونية مخيّرين العمل في الظلام دون التقيّد بهذه القوانين وتحمّل تبعاتها التي تبدو من منظورهم مجحفة في حقّهم.
[1] - أنظر الفصل الثالث فقرة 1 من قانون عدد 55 لسنة 1981.
[2] - مجلس الدولة 8 جوان 1998 وزارة الداخلية فديرنار وجاك قراقد ستون.
[3] - انظر الفصل 7 من مجلة الإلتزامات والعقود.
[4] - أنظر الفصل 6 من المجلة التجارية.
[5] - أنظر الفصل 13 من المرسوم عدد 14 لسنة 1961 مؤرخ في 30 أوت 1961.
[6] - أنظر الفصل الأوّل من المجلّة التجارية.
[7] - Les notions des commerçants et d’actes de commerce dans l’art 1 et4 du code de commerce Tunisien : Revu Tunisien de droit 1963 -1965 page 16
[8] - الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 44 الصادر في 09 ماي 1995 صفحة 1055.
[9] - عبد العزير بن ضياء بالإشتراك مع البشير بالحاج يحي ص 24.
[10] - أنظر الفصل 3 فقرة 4 من قانون 1981.
[11] -أنظر الفصل 61 من المجلة التجارية.
[12] - أنظر أمر عدد 1914 – 81 الصادربتاريخ 22 ديسمبر 1981 الذي يحدّد بطرق تجديد البطاقة المهنية للوكيل العقاري الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 83 ليوم 25 ديسمبر 1981 ص 3000.
[13] - انظر الفصل 3 فقرة 5 من قانون 1981.
[14] - أنظر الفصول 1478 – 1502 من مجلة الإلتزامات والعقود.
[15] - أنظر الاستاذ بشير بالحاج يحي " دروس في القانون البنكي" كليّة الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1998-1999 الضمان البنكي.
[16] - أنظر الفصل 17 إلى 48 من الأمر الصادر في 20 جويلية 1972 فرنسي.
[17] - أنظر الفصل 3 فقرة 5 من قانون 23 جوان 1981.
[18] - مركز أعمال صفاقس موقع Bourse d’affaire
[19] - الرائد الرسمي للجمهورية التونسية 1152 بتاريخ 1 ديسمبر 1961 يضاف إليه في الفقرة الرابعة من الفصل الثالث من الأمر عدد 84-85 بتاريخ 11 أوت 1985 الرائد الرسمي للجمهورية التونسية 16 أوت 1985 ص 128.
[20] - أنظر الفصل 3 والفصل 12 من قانون 23 جوان 1981.
[21] - أنظر الفصول 4-5- من الأمر عدد 1814 لسنة 1981.
[22] - انظر الفصل 609 من المجلة التجارية.
[23] - أنظر الفصل 564 من م ا ع.
[24] - أنظر الفصل 718 من م ا ع.
[25] - أنظر الفصل 727 من م ا ع.
[26] - Guyon : droit des affaires T.18ème éditions Economisa Paris 1994 P59
[27] - أنظر الفصل 189 -190 من م ت .
[28] - أنظر الفصل 230 من م ت .
[29] - أنظر الفصل 1104 من م ا ع.
[30] - أنظر الفصل 97 من م ح ع.
[31] - PH. Maulerie , cours de droit civil, les contrats spéciaux civils et commerciaux édition CIYAS Paris 1999
[32] - أنظر محمد المالقي: محاضرات في شرح القانون المدني التونسي, كلية الحقوق والعلوم السياسية والإقتصادية مركز الدراسات والبحوث والنشر 1980 صفحة 99
[33] - قرار تعقيبى مدني عدد 66333 صادر بتاريخ 23 جويلية 1998.
[34] - قرار تعقيبي مدني عدد 59649 صادر بتاريخ 15 جانفي 1999.
[35] - أنظر الفصل 617 قرة ثانية من م ت.
[36] - أنظر الفصل 619 من م ت.
[37] - أنظر Tarif des comissions
[38] - انظر الفصل 3 من أمر 23 ديسمبر 1991.
[39] - انظر قانون 22-25 من قانون 29 جويلية 1991.
[40] - انظر الفصل 621 من م ت.
[41] - انظر الفصل 10 من قانون 23 جوان 1981
[42] - انظر الفصل 610 من المجلة التجارية.
[43] - انظر الفصل 243 من مجلة الإلتزامات والعقود.
[44] - la bonne foi (journée louisianaise ) travaux de l’association herni Capitant des unies de la culture juridique française 1994 P12 et suivant
[45] - انظر الفصل 44 من مجلة الحقوق العينية.
[46]- أنظر الفصل 1131 من مجلة الالتزامات والعقود.
[47] - أنظر الفصل 1132 من مجلة الإلتزامات والعقود.
[48] - أنظر الفصل 1135 من مجلة الإلتزامات والعقود.
[49] - أنظر الفصل 1136 من مجلة الغلتزامات والعقود.
[50] - أنظر الفصل 2 من قرار صادر عن وزير الإقتصاد الوطني في 3 أوت 1983.
[51] - أنظر الفصل 3 من قرار صادر عن وزير الإقتصاد الوطني في 3 اوت 1983.
[52] - J. Ghestin, Traite de droit civil, la formation du contrat, 3ème édition L.G.D.J Paris 1993 n° 380 P 341
[53] - مداولات مجلس النواب بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 41 17 جوان 1981 صفحة 1204.
[54] - أنظر الفصل 5 كم قانون عدد 55 صادر بتاريح 25 جوان 1981
[55] - انظر الفصل 8 من قانون 23 جوان 1981.
[56] - أنظر الفصل 6 من قانون 23 جوان 1981.
[57] - انظر الفصلين 2و10 من مجلة الإجراءات الجزائية.
[58] - هذا الفصل كان موضوع تنفيذ صدر في 26 جويلية 1993

التسميات